المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

تجربة الحداثة وتناثر الألوان في ديوان: أنامل وأقراص ليزر لـمنذر بشيرة الشقرة

يسرى الجبيلينروم من خلال هذه القراءة الوجيزة لديوان "أنامل وأقراص ليزر" لمنذر بشير الشفرة، تبين أوجه الحداثة، ومعالمها في كتابته الشعرية، كما نرمي إلى تبين أهمية وحضور المنجز التشكيلي واللون كملهم في تجربته الشعرية . ونحن إنما نسعى بذلك إلى البحث في الواقع وقدرته على التشكل في بنى نصية جديدة ذات معان دالة وآفاق حالمة تعاين الواقع وترصد اتجاهاته الفكرية والاجتماعية ...

I. معالم الحداثة وجنون الكتابة

لقد أتاح النظم الحر للشاعر حرية في تشكيل للقصيد وجوازات لم يكن يعهدها الشعراء قبل عصر الحداثة وهذا ما ألفناه في ديوان " أنامل وأقراص في ليزر " فقد بدت الكتابة متحررة من كل قيد، لا تخضع لقانون ولا لسنة شعرية . ولا تتقيد بنفس الكتابة، فنجد بذلك النثري من الحر مع العمود الشعري مع التفصيلة كما في قصيدة " ليون " القديمة أو " قصيدة سجن الكلمات " أو قصيدة سيرانو" وغيرها من القصائد التي نضمها الشاعر على غير مثال، يقول محمد النويهي في هذا الصدد " الشكل الجديد بحريته في عدد التفاعيل في البيت الواحد وبتخلصه من سيمترية البيت ذي المصراعين وبسهولة تخلص من القافية حين لا يحتاج إليها (...) وبما له من قدرة طيبة على تنويع الإيقاع والنغم (.....) يستطيع أن يحقق ما عجز الشكل التقليدي عنه "[1].

و لعل المتأمل لنصوص الشفرة الشعرية لا تخفى عليه طرق الكتابة الحديثة وأساليبها فالشاعر يتلون بتلون قصائده إذ نجد ذلك المزج الطريف بين قصيدة النثر والعمود كما في قصيدة " لم عدت".

و قد تتخذ الكتابة أوجها شتى في قصائده ومن في لغة " ذات تشكيل فني ترفض الألفة والتلقي ".

ما نلاحظه أيضا في نصوص " أنامل وأقراص ليزر " هو ظاهرة الفراغ والصمت بشكل متواتر من نص إلى آخر فهو اختيار فني يرتبط أساسا بالكتابة الحداثية التي أصبحت تشتغل بتقنيات موازية للكلام أو معادلة له كالصمت المخترق للكلام أو تلك النقاط المتتالية التي تتكرر في كل مرة.

فهل يرسم الشاعر بتلك التقنيات أشياء متعالية لا يمكن حصرها بالكتابة ؟

إن نص الشفرة هو نص الحداثة المتطورة وليس نص البدايات، وقصيدة الشفرة هي نسيج يتداخل فيها إيقاع الذات وإيقاع العالم في " لغة جديدة نستدعي الرموز والأساطير وترتدي الأقنعة، ونستنزف طرائق الأداء الحديثة، وتسعى إلى ابتكار أشكالها على غير مثال سابق"[2] .

إن ما نستشفه من خلال هذا القول هو أن النظام الذي يحكم القصيدة الحديثة ليس نظام النحو وحسب وإنما أيضا نظام الانفعال والتجربة، ومن هنا كانت لغة الشعر الحديث لغة رموز وإيحاءات وتشرب للواقع برؤى حديثة لا يحكمها الموروث ولا التقاليد .

إن نزوع قصيدة الشفرة إلى بنية غير مألوفة ليس أمرا فوضويا وإنما هو من الحداثة والتحديث، فنصوص الشفرة فيها نفس جديد وهي تميل إلى التحديث وتتمرد على المفاهيم السائدة في مستوى الشكل ولكن أيضا تصوغ التصورات السائدة على تصورات جديدة عن الموت والحياة والحرية والزواج وحتى المكان والزمان ....، كلها تتشكل في نصوص الشعرية بطريقة مغايرة وقد نلامس الواقع أحيانا ولكنها كثيرا ما نتخفى فتجيء ملغزة تلفها الأساطير والخيالات، وهذا ما يطالعنا حين نقرأ قصائده الموسومة عناوينها بأسماء لوحات فنية شهيرة مثل قصيدة " الصنم الصامت "، أو قصيدة " الصرخة " وغيرها من القصائد التي تحمل في ثناياها رؤية حداثية للعالم والوجود .

لقد تبينا من خلال قراءتنا لنصوص الشفرة أنه يتشرب في نصوصه بعضا من تجربة أنيس الحاج في تلويناتها الحديثة . وكذلك خليل حاوي ويوسف الخال وأمل دنقل . وقد بدا الشاعر موفقا في المزج ببراعته اللغوية وبين الشعر الجديد بإيقاعه الفكري ونبضه الوجداني المستمد من عمق الحضارة وعمق التجربة الإنسانية.

إن التحديث في شعر الشفرة لا يكمن في شكل القصيد وكيفية تشكله، وإنما هو أيضا رؤية جديدة وطريقة في النظر مغايرة للسائد. وليس علينا نحن الدارسين أن نقف عند حداثة الشكل وحسب، بل يجب علينا أن نغوص في فكر الشاعر ورؤيته للوجود والموجودات من حوله إذ جعل الشفرة شعره صنوا للحياة والثورة، وقد تبين في قصائده فكرة الحرية المطلقة كتشريع الخيانة وتحدي الزواج، بحيث تصبح الخيانة حقا مشروعا أمام قيد الزواج وحكم التقاليد، وهذا ما نستشفه خاصة في قصيدة " غادة الشانزيليزية " حيث يقول الشاعر:

نفضت عن خصلتها نور الصباح

و جدت حين دغدغ

دخان السجارة

أهدابها المصطنعة

و تسلل للشعر المسدل ألف شراع

و جناحا دوران

و يقول في آخر القصيد:

تصرف فعل البدء

مدت إليك يدا

و لها فزع الطير الأزرق الهادي

في زمن معادي

و تتأثر الفضاء حوالك أيها الشرقي...

فما انتابك حلم أي ....

باريس تنسل من ماء رغبتها

إن الحرية التي تتبدى من خلال هذا القصيد هي حرية مطلقة، فالشاعر يوغل في تحرير الوجدان من القوالب التقليدية إلى حد تشرع فيه الخيانة .

و مما نلاحظه أيضا في قصائد الشفرة إعادة إخراج الماضي وبنائه في صور شعرية تخالف هيئة إدراكه وحفظه إبان وقوعه من ذلك ذكرا لا حصرا قصيدة " باب الخوخة " وقصيدة " كهل باب الجلادين" وهي قصائد تنبع من صلب الملاحظة العينية في المدينة (مدينة القيروان)، ومن خلال هذه القصائد وغيرها يمكننا القول أن تجربة الشفرة الشعرية هي تجربة العيون التي تنظر بماضيها وبما تعودت عليه من التقاليد والأعراف، تنشد إليه حينا وترحل عنه أحيانا.

II. حضور اللون

لقد تميزت القصائد لحديثة باعتمادها " اللون " عنصرا من عناصر بناء النص الشعري يكسبه جمالية وبعدا إيجابيا ويبث فيه دلالات شتى والحقيقة أنه ليست هناك دلالات ثابتة الألوان وبخصوص عند تأويلها فهي ذات دلالة رمزية حيت تغادر دلالتها الأصلية وتروم التأويل، وهي قابلة للتجدد من شاعر إلى آخر كل يوظفها حسب رؤيته للعالم وللوجود وحسب إدراكه للأشياء ووعيه بها .

و نظرا لأهمية هذه الظاهرة في الشعر الحديث نجد الكثير من الدراسات التي اهتمت بها . فظهرت دراسات تعنى باللون ودلالاته ورمزيته ووظائفه . منها ذكرا لا حصرا: دراسة بعنوان " اللغة واللون" أحمد مختار، تناول فيها وظائف الألوان ودلالتها، كما نذكر أيضا كتاب بعنوان " سيمياء العلامة اللونية " للكاتب مظفرا نواب، إلخ ......

و ليس الشعر بمنأى عن هذه الدراسات نقدا فقد تعددت البحوث التي سعت إلى الكشف عن دلالة الألوان وحضورها في بعض الدواوين الشعرية كديوان نازك الملائكة (شظايا ورماد)، محمود درويش، سعدي يوسف وغيرهم ممن شكل اللون جزءا من كتاباتهم الشعرية.

و لما كان اللون من عناصر تأثيث القصيدة عند بعض شعراء الحداثة ارتأينا أن نهتم بهذه الظاهرة وتبين مدى حضورها في شعر الشفرة، وسنعتمد في ذلك على المنهج الوصفي التحليلي، معتمدين على نماذج من حضور اللون في قصائده، ولكن قبل الخوض في تبيان هذه المسائل لا بد أن نشير إلى صورة الغلاف لما للرسم من صلة وثيقة بالألوان .

إن صورة الغلاف هي لوحة زيتية من إيداع الشاعر وخط أنامله، وهي ذات تلونات قد توحي بتجربة الحداثة والعولمة ولكنها تحيلنا أيضا على عمق الإحالة التراثية وعمق التجربة الإنسانية .

لقد شكلت صورة الغلاف في جزء منها عتبة وامتداد لما ستحويه النصوص الشعرية في ديوان " أنامل وأقراص ليزر " من أفكار وتلونات فاصطبغت بذلك الألوان بالكلمات واللوحة بالقصيد، وما سنتبينه لاحقا.

إن المتأمل لديوان " أنامل وأقراص ليزر" يلحظ حضور اللون وأهميته في تشكيل رؤية حداثية للقصيد والأشياء كما يتمثلها الشاعر، وفي ما يلي جدول أحصينا فيه الألوان التي وقع ذكرها في الديوان حسب درجة حضورها وعدد مرات تداولها.

اللون

عدد مرات حضوره

الأبيض

13 مرة

الأسود

13 مرة

الأخضر

7 مرات

الأحمر

6 مرات

الأصفر

4 مرات

الأزرق

3 مرات

الرمادي

3 مرات

الأصفر القاني

مرة واحدة

الكستنائي

مرة واحدة

يبدو من خلال هذا الجدول أن الشاعر يميل إلى استعمال الألوان في كتابته الشعرية كغيره من شعراء الحداثة ممن شكل اللون جزءا من رؤية حداثية في قصائدهم . كما نلاحظ أيضا ميله إلى استعمال الألوان التي تصنف ضمن القيم الضوئية وهي الأبيض والأسود.

و للألوان في ديوان الشفرة دلالاتها ومعانيها وهذا ما سنحاول تبينه من خلال دراسة عينة من نصوصه الشعرية .

يعتبر اللون من العناصر البارزة في قصائد الشفرة حيث تألقت الألوان في نصوصه الشعرية في أسلوب تعبيري رمزي وواقعي، وقد ظهرت هذه الألوان في قصائده لتؤكد أن علم الجمال الفني يتحول ويتجدد باعتباره ثمرة إبداع الفنان (الشاعر) ونتاج واقع معاش حول القصيدة إلى إبداع فني ترسم المواد والألوان دلالاته الرمزية وعلاقاته الجمالية . وهذا ما سنتبينه تباعا من خلال دراستنا لبعض النصوص الشعرية من ديوان " أنامل وأقراص".

منذ البداية يتجلى لنا اهتمام الشاعر بالألوان، من خلال صورة الغلاف التي تجلى من خلالها رساما عالما بخفايا اللون وما قد يحمله من دلالات، وهو شيء التمسناه من خلال عناوين قصائده نورد منها ذكرا لا حصرا: الصرخة، السيدة مارقريت، أوانيس أفينيون، جزيرة الموتى، الصنم الصامت، هرب " برق الليل "، نثارات النفس، البحر والقوارير اللسان الضرير ...

إن بعض النصوص في ديوان الشفرة جاءت مقترنة بأسماء لوحات فنية شهيرة استلهم منها الشاعر مادته الشعرية، هذه اللوحات قد يكون الشاعر شاهدها أو تمثلها فجاءت بعض قصائده امتدادا لها، من ذلك مثلا نصه الشعري " جزيرة الموتى " وهو أيضا عنوان لوحة فنية للفنان السويسري " أر نولد بولكن " رسمها سنة 1880 وهو في سن 74، بطلب من سيدة إيطالية فقدت زوجها .

لم يطلق الرسام في البدء على لوحته اسما بعينه حتى جاء أحد المتعهدين بالفن وأطلق عليها اسم " جزيرة الموتى "، وهو اسم استقرت اللوحة على تسميته .

تجسد اللوحة حالة الفقد والغياب فهي تجسد بعمق تجربة الموت من خلال ألوانها وما تحويه من رسومات.

و لعل ما يهمنا من هذه اللوحة الفنية هو ذلك المشهد الذي تحويه والذي تعد قصيدة الشفرة، التي تحمل عنوان اللوحة ذاته، امتدادا له .

في اللوحة نرى جسدا متشحا بالبياض وقاربا شبحيا يعبر مياه سوداء مظلمة باتجاه جزيرة صخرية، وفي القارب ما يشبه الكفن أو هو تابوت ملفوف بأردية بيضاء. على مسافة من القارب تتشكل الجزيرة وهي أشبه بمقبرة تحوي صخرتين كبيرتين تظهر ما بينهما مجموعة من الأشجار الشامخة، ونحن إذا ما عدنا إلى قصيدة الشفرة سنجد أنها سنجد أنها تحاكي هذا المشهد وتصوره بطريقة شاعرية وبهذا يمكن أن نقول أن الشعر عنده " أقرب إلى فن التصوير "[3] .

إن قصيدة "جزيرة الموتى " تحاكي بكلماتها اللوحة الفنية " جزيرة الموتى " لأرنولد بولكن فهي امتداد لتجربة الغياب وامتداد لدموع السيدة التي فقدت زوجها فوقفت وراء التابوت في وشاح أبيض تشيّع جثمان زوجها في صمت رهيب وظلام مهيب.

يقول الشاعر:

هذه الغيوم اشتهاء للبياض ...

و استباق لمطر الخضرة ...

نتوءات تعصر الأخضر والكستنائي ....

أي شعر لهذا السر والمنفرج عن باب يتوسط صخر

المغيب ....

يحاكي هذا القول ما جاء في اللوحة الفنية، فاللون الأبيض يحاكي الغياب والفراغ وهو رمز للحد والسكينة .

أما اللون الأخضر فقد أورده الشاعر للدلالة على الخلاص: الخلاص من عالم المادة، أما الباب الذي " يتوسط صخر المغيب "، فهو محاكاة لتلك البوابات أو المنافذ المشرعة المرسومة في اللوحة والتي تخترق واجهة الصخور الصامتة، القائمة في مياه سوداء.

و للون الأبيض في قصائد الشفرة دلالة على النقاء والطهر المثالي: يقول في قصيدة   " المرايا ":

في سحايا مجنحة

و بياض ...... ضم القلب

في دوامة المروحة ......

و يقول في قصيدة: هرب " برق الليل "

كأن الليل حين انطبق على عينيه من غير قمر

عميل لسيده الشيخ زكريا صاحب المرعى

ذكر جنونه ببياض العروس حين تروض ورد

الحديقة وهو يرمقها من حوض البقدونس .

إن اللون الأبيض في ديوان " أنامل وأقراص ليزر" يتردد ما بين الدلالة على الطهر والنقاء تارة، وبين الدلالة على الفراغ والسكون طورا آخر .

لقد تحول المنجز التشكيلي في هذه القصيدة (جزيرة الموتى)، وفي غيرها من قصائد الشاعر، التي شكلت بعض اللوحات الفنية، الشهيرة فحوى لها، تحول من مجرد ذاكرة سيكولوجية إلى قصائد شعرية.

أما اللون الأسود، وقد ورد في ديوان الشفرة بنفس درجة حضور اللون الأبيض كقيمة ضوئية موازية له فإن دلالته مختلفة، فهو قد يعبر عن الكآبة والضيق كما في قصيدة " البحر والقوارير " وإذا كان البحر كتابة عن الامتداد والإطلاق والحرية فإن القوارير كناية عن الجزر والحصار والقيد .

يقول الشاعر في هذه القصيدة:

و ظل السواد المعيشي دثارا حميم ...

كأني أناجي الظلام الذي لا يراني

فتسطف فوق الرؤوس الأماني

و سالت عليها شعاعات فجر

غريق .

إن السواد هنا اقترن بكآبة داخلية يعيشها السجين ومن وراءه الشاعر، وهي كآبة وغيرية داخلية أو هو حزن عميق في الذات، قد يتجاوز حدود المكان إلى الزمان والذاكرة التي تنظر بماضيها بما تعودت عليه من التقاليد والأعراف.

هذه الدلالة عن الحزن والكآبة الدفينة نجد لها صدى أيضا في قصيدة " نثارات النفس" حيث يقول الشاعر كما تلظى من نفسه:

نثارات النفس تشظي ... على وقع الشلال والقطر ...

هذي سطور الهباءات ...أيقضن التراب ... أمطرن

ألف عين وعين ... من سرة الطروب بصبرة الخزامى

أزفت لون حكي ... وأسود نازح عن سواده...

و إذ كان اللون الأسود يعبر عن الحزن والكآبة في ديوان الشفرة، فإن اللون الأحمر تردد في قصائده للدلالة على الثورة والغضب والحياة الصاخبة.

يقول في قصيدة " الصرخة " وهي قصيدة مستوحاة من لوحة " الصرخة " لإدوارد مونش:

لن نسميك انحباسا ولا انصياعا

للثورة بل عبادة

لارتجاج الألق الغرير ... حمرة السماء

تتلظى

إن اللون الأحمر والصارخ يوحي من خلال هذا القصيدة إلى حالة ذهنية مشوشة مليئة بالأحداث المؤلمة والصاخبة فالسماء الحمراء تخلق شعورا كليا بالقلق والخوف فهي سماء دموية.

و يقول في قصيدة "ورد "

" عنّ لي أن أصرخ

عنّ لي أن أرسم

فجرا

عن ثورة الحمر "

لقد استلهم الشاعر اللون الأحمر للدلالة على الثورة والغضب وللتعبير عن واقع مرير وغربة نفسية، ولكن دلالة اللون الأحمر لا تقتصر على هذه المعاني وحسب، وإنما له (اللون الأحمر) دلالة أيضا على الحب والشهوة والشهوة العارضة .

يقول في قصيدة " نثارات نفس ":

و أحمر عشق وامتلاء السمائي زرقة غائمة

و في قصيد آخر يقول:

" هذا الذكر الموسوم بالحمرة

لهب ما له شبيه

تبقى دلالة اللون الأحمر على الثورة والحركة والحياة اليومية الصاخبة هي الدلالة الأعم في ديوان " أنامل وأقراص ليزر " .

أما بقية الألوان فإن حضورها في الديوان يتوزع بشكل متفاوت مع اختلاف دلالاتها، فاللون الأصفر يدل على الحزن والضيق والتبرم بالحياة .

يقول في قصيد: ميترو لي هالي "

فوق خد الجدران

تتراءى أشكال غربتها الألوان

يخلط الأصفر لون الدم شوقا

تكتب الحب الحبيس ... إني قد أحببتك ...

و يقول في " أوانيس أفينيون "

أدركت وحشي التفافكن عني إلى

رجيع الأصفر ...

و يدل اللون الأزرق على الانطلاق والتحرر وهو رمز لعالم لا يعرف الحدود، وهذا ما نستشفه من خلال قصيدة " غادة الشانزيليزية" حين تصبح الخيانة تحررا من قيد الزواج. هكذا نتبين أن اللون يلعب دورا هاما في ديوان الشفرة حيث يوظف الشاعر إمكانيات اللغة وتجليات اللون، فيرسم من خلال اللون التشكيلية فضاءا فنيا مختلف التشكل ومتعدد الدالات فهو " يستعين بالألوان ليعبر عن عمقه العاطفي وجوهره الفكري، وكأنه رسام عارف بخفايا الألوان ودالاتها وعلاقاتها بالإنسان، بل إن " الصور والألوان تنطلق من جوانية الشاعر، وخبرته البصرية ووعيه التاريخي، وحفرياته الأسطورية، وتجربته النقدية، وتجواله ومشاهداته التشكيلية"[4].

إن ما نسنتتجه من خلال هذه القراءة الوجيزة لديوان " أنامل وأقراص ليزر " هو:

-   استفادة الشاعر من منجزات الفن التشكيلي واستلهامه كثيرا من اللوحات في إبداع قصائده .

-   إثراء النص الشعري من خلال توظيفه اسم الفنان التشكيلي ولوحته بصورة رمزية أو فنية جمالية، وهو ما أسهم في شحن القصيدة بدلالات إضافية .

-   أن سنة الحياة التشكيلية لا تتعارض مع استنباط الشاعر لهموم ومشاكل عصره وتحويلها إلى مادة فنية تكون فيها البيئة والثقافة والفكر والمجتمع والماضي نتاجا فنيا .

-   تحول اللوحات الفنية من منجز تشكيلي إلى خطاب شعري ذات طابع تجريدي وتعبيري وشاعري ورمزي في آن واحد، فالشاعر لا يوظف عبثا خطابا شعريا قوامه الفن لتشكيلي، يعيد رسم نحت من الألوان والزخرف باللغة والكلمات وهنا تكمن قدرة الشاعر على الخلق والإبداع.

-   تتوزع نصوص الشفرة في مصادرها المتنوعة على ذاكرة واسعة، يتداخل فيها العربي بالغربي، القديم بالحديث وهذا ليس غريبا على شاعر منفتج على مشارب اللغتين العربية والفرنسية ينهل من معينهما العذب .

-   لقد جعل الشاعر لكل لون معنى متأثرا في ذلك بفن الرسم واللوحات الزيتية التي تمنح الألوان أبعادا جمالية وهو يذكرنا هنا بالشاعر الفرنسي " رامبو "، الذي كان وليعا بهذا البعد الإيجابي للألوان .

 

يسرى الجبيلي

..........................

المصادر والمراجع

- الشفرة (منذر): أنامل وأقراص ليزر، ط 1، الشركة التونسية لنشر وتنمية فنون الرسم، 2006.

- نشوان (حسين): 2004 م، المعجم اللوني في شعر عز الدين المناصرة الأردن، وزارة الثقافة.

- النويهي (محمد): قضية الشعر الجديد، ط 2، دار الفكر، بيروت 1971 .

- عبد الصبور (صلاح): حياتي في الشعر

- الغزي (محمد): قراءة في أغاني الحياة، مجلة الحياة الثقافية، عدد 69 -70، تونس 1995

هوامش

[1] قضية الشعر الجديد، ص 124

[2] محمد الغزي: قراءة في أغاني الحياة، ص 77 – 78

[3] صلاح عيد الصبور، حياتي في الشعر، ص 30

[4] المعجم اللوني في شعر عز الدين المناصرة، نشوان، ص 126

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

قراءة راقية لمضمون شعري متميز، وقد اهتدت كاتبة المقال الى خيط ناظم، يربط قصائد المجموعة ويحيل الى الرؤية الجمالية في ذهن المؤلف، لقد أعجبني القول على القول، وأرى ان كاتبته قادرة على التميز سواء في مجال النقد الأدبي أو الكتابة الشعرية والروائية. بالتوفيق ايتها الاديبة الصغيرة.

علي المجبري
This comment was minimized by the moderator on the site

هنيأ لنا بالأستاذة يسري الجبيلي بدراستها لديوان أنامل وأقراص لشاعر منذر شرفة
دراسة تدل علي وعي تام بما تكتب وبما قرأت لنصوص الشاعر ونقلت لنا التجربة الشعرية بكل ما يختلج بصدر الشاعر وما باح به قلمه فنجدها تقلب في قصائده المملوءة بالجمال فتحول عبارتها إلي رؤية واقعية بجمال ناصع وقدرة عجيبة كي تصل للقارئ بحلة نقدية بناءة ونفس متمرسة بفضاء الأدب وجمال اللغة وحسن الإختيار
شكرا لك أستاذة يسري علي الدراسة النقدية وهنيأ لصديقنا الشاعر بهذا النقد

الشاعر أحمد رضا ملياني من الجزائر
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4224 المصادف: 2018-03-30 11:54:53