المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

قراءة في ديوان قصائد مجنونة جدا للشاعر قيس قوقزة.. دراسة تحليلية في بنية النص (2)

عمر احمد عبد الكريمعندما يغوص الشاعر في أعماق النص ليستخلص التجربة الشعرية التي عنده، يرى الناقد أن هذا الغوص يستمد جمالياته وتصوراته من فضاءات اللغة الدلالية ومدى مرونتها في تشكيل الصورة البلاغية، والتي بعمقها يحتاج كلٌّ من الأديب والناقد إلى إعمال الفكر وتدقيق النظر كلٌّ حسب مجاله، للوصول إلى المتعـة التـي ينتظرها (القارئ) وهنا تظهر مقدرة الأديب في الإبداع ومقدرته على إيجاد لغةٍ متفردة – شعرية – إيحائية – داخل لغة لسانه، وهذا هو ما يجعل شاعراً ما يتفوق على آخر، وناقدٍ ما يتقدم على آخر.

وفي ديوان (قصائد مجنونة جداً) يُمثِّل الشاعر (قيس قوقزة) أحد أولئك المبدعين الذين حملوا راية الحداثة، من أجل الخروج بلغة الشعر (صوره البلاغية) إلى دلالات مبتكرة يكون المتلقي فيها مشاركاً، ومشاركة المتلقي أعني بها تذوقه للغة النص وأبعاده الدلالية من واقع ثقافته ، والتي يكون للأديب المبدع الدور الأكبر في تكوينها من خلال كتاباته وأساليبه.

وقيس قوقزة خرج بلغة الشعر من المباشرة إلى الإيحاء، ومن التقليد إلى الحداثة – ولا أعني بالحداثة – الخروج عن أوزان الشعر وتفاعيله إلى ما يُعرف الآن (بقصيدة النثر) وإنَّما أعني المواكبة للأحداث ومرونة اللغة وسُهولة النظم الذي يخوض به الشاعر معركته الكلامية.ففي قصيدته (بائع الأحزان) [2] يتأمل القارئ المواقف التاريخية والأحداث المتكررة منذ عصور الشعر قديماً إلى العصر الحديث، الأحداث هي نفسها متكررة منذ أن قال أبو تمام قصيدته (فتح عمورية) :

السيف أصدق أنباء من الكتب في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ

إلى أن قال (قيس) :

ودمعاتُ الحبيبةِ....عطر أميِّ

تُعرِّجُ في سماواتي وتسري

فأسمع فوق صدري هدهداتٍ

وينطقُ من عميق الصَّمتِ شعري

بهذه الكلمات عبَّر (قيس) عن مأساة أمة. وهي صورةٌ حيَّة لواقعٍ محسوسٍ ومشاهد، حاول الشاعر أن يُعطيها خصوصية في التعبير، فنراها ترمز إلى مجموعة من الأحداث ومجموعة من القيم. وهي صورة وثبتْ من زمنيتها التقليدية القاصرة إلى معنى أرحب ، ومدلولٍ أوسع ، (فأمسى الزمن الماضي رماداً وهو بقايا الاحتراق، فكأن هذا الزمن هنا رمزٌ للفناء والعدم...إنه رمزٌ لوجودٍ كان ثم لم يكنْ) [3]

خمسون عاماً لم نَعُدْ بضمةٍ من[4]

الورود من مخَّيم الثُّار

والمحاجرْ...

خمسون عاماً نرْتقي بسلِّم الجراح

نحو صفعةِ العراقِ والجزائرْ...

بيروت لمْ تَعُدْ أنشودةَ الرماحِ

والسماء والدفاترْ...

كمانُنَا المجروح قد تخلَّى..

عن فكرةِ الوترْ!!

فالجراح التي أصابتْ الأمة العربية، من فعل الحرب المضطرمة، مرتبطة بأزمنة مختلفة، لا بزمن واحد – إذا صرفناها إلى معجم الدلالة الرمزية التي لا حدود لها، فهي دلالة على ضياع الأمة العربية عند ما تبحث عن (السلام) المشار إليه في القصيدة بـ (الورود) وهي سجينة المخيمات الثورية، في قوله:-

خمسون عاماً لم نَعُدْ بضمةٍ من

الورود من مخيم الثوار

والمحاجر..

أما (المحاجر) فذات دلالة معنوية لما فيها من إيماءات إلى تساقط الخوف، وذلك إذا أخرجنا – المحاجر – عن المقطع الذي قبلها باعتبار (الواو) للاستئناف وليست للعطف.. وهنا يقوى المعنى، بأن المحاجر قد ترمز إلى الكآبة التي تؤرق الإنسان العربي الذي يبحث لوردةٍ من مخَّيمٍ ثوري... وبهذا تكون الصورة الفنية في النص، ذات أبعادٍ دلاليةٍ لواقعٍ ملئ بالأحزان واليأس والخضوع، هذا الواقع نفسه الذي أشار إليه الشاعر في قصيدته (مقامة بغدادية) ص82.

من بغداد يطِّلُ قطار الأحزان

على شرفات السَّفر، وتبدأ

قصتنا مع موج البحرْ...

من بغداد تعود بنا الأيام إلى زمن

الأحلام... وندخل قوقعة الذِّكرى...

كي نشرب كأس الزمن المُرْ....!

فالحُزن الذي نتوهم من ذكره أنه قائم، ممتد عبر الأمكنة، يُسرع الخُطى وكأنه قطار.

.. (قطار الأحزان)

صورة حسية (للقطار) صورة معنوية (للأحزان)

وهي دلالة عن (امتداد الحزن)

فالعلاقة التي أراد الشاعر الإشارة إليها عندما شبه (الأحزان) بأنها (قطار) يطل على الشرفات.. علاقة معنوية تدل على ضخامة الأحزان وكبرها عند إنسان بغداد، حيث لم تك غاية هذا التشبيه في الشكل المظهري للقطار، وإنما في محتوى القطار وتعدد غرفه وتنوع محتوياته، فالحزن عميق ومتنوع، حزنٌ لضياع وطنٍ غالٍ، وحزنٌ لموت حبيب، وآخر لوداع من ترقب في البقاء معه.. وهكذا تعامل الشاعر مع الأحزان حينما وصفها بـ (قطار الأحزان) وكما أن القطار وسيلة للسفر والترحال، كذلك (الأحزان) وسيلة لرحلةٍ مع الأحلام، أحلام لتغيير الحزن إلى فرح، وتغيير الدمار إلى نهضة، ولكن الصورة الشعرية التي رسمها الشاعر تتوارى خلف أزمنةٍ ثلاثة أشار إليها الشاعر بشفافية ووضوح.. وهي:

زمن الأحلام..

قوقعة الذكرى.. فما العلاقة بين هذه الأزمنة؟

الزمن الـمُر..

والذي نعرفه في علم النحو العربي أنَّ الزمن يكون (ماضٍ ، وحاضر، ومستقبل) ..فما هو الزمن الذي أشار إليه الشاعر في قصيدته هذه؟ رُبما أجد الإجابة ، في أن الشاعر بدَّل في الاستعمالات وأشار إلى الزمن في مستوياته الثلاثة بصيغٍ أدبية رفيعة.. فالحاضر ـــــ الزمن الـمُر

الماضي ــــــ قوقعة الذِّكرى

المستقبل ــــــ زمن الأحلام

فأمسى الزمن المُر في نظر الشاعر هو زمن (الحرب) وزمن (الحزن) إنه يُمثِّل تعاسةً تعرَّض لها هذا المجتمع الذي تنتمي إليه الشخصية الشاعرة، و (زمن الأحلام) وهو زمن ينظر إليه الشاعر بأنه زمن الغد المشرق.. ولكن استعمال الشاعر جاء مشيراً إلى (الماضي) في قوله: (تعود بنا الأيام إلى زمن الأحلام) فالفعل (تعود) فعل مضارع ذو دلالة مستقبلية ، أما إشارته إلى زمن الأحلام فربما قصد بها ما كان عليه ماضي الأمة من رُؤى يريد أن يحققها مستقبلاً، فهو يحلم باستقرار وسلام ووحدة عربية... حيث جاءت أسماء عدد من الدول في الديوان تشير إلى (زمن الأحلام) ...

أمُرُّ أسأل يا (بغداد) عن ولهي

· فتصرخ (الشام) قد كانوا، وقد رحلوا قصيدة"مدخل"ص23

تبكيكَ (بيروتُ) ...يا الله، ما عرفتْ

للحزن يوماً على أفواهها القُبلُ

لها (بيروت) كلَّ مواجعي، وأنا

سيكفيني... قصيدة " بروفا "ص27

قميصٌ اسمه الجمرُ...

بيروت لم تَعُدْ أنشودة الرياح

والسماء والدفاترْ....

خمسون عاماً يا عمر.. ما بين النكبة والنكبة ص35/38

بغداد لم تزل مدينة الآلام واليتامى..

مدينة الأحزان والأراملْ..

بغداد يا حبيبتي..

يا نغمة الأحزان حين ترقص العِظام في المفاصلْ

بغداد يا معزوفةً سمتْ بها الأناملْ.. ما بين النكبة والنكبة ص38/39

بغداد مَنْ يُعيد لي عيوني

بغداد مَنْ يُعطِّر الجراح

بغداد إنني احترقت من كتابة القصائد..

هذه الصور الحزاينية جعلت ديوان (قصائد مجنونة جداً) يتميز بمسحةٍ بكائية متوغلة في نصوصه مما جعل مفرداته تنتج نوعاً من الحزن والبكاء على ضياع أمجاد أمةٍ مزقتْ الحرب أوصالها، وفتتْ وحدتها. والشاعر في ذلك يوظِّف كل مفرداته التي تُصِله بأمته ومدينته، وطفولته. وظَّفها لتكون قصائده المجنونة حداً – لسان حاله الذي ينطق به للآخرين، مشيراً في معظم نصوص الديوان إلى تلك الأحداث حيث تكثر في الديوان مفردات توحي بهذه الأجواء الكئيبة: هذا الوجع المؤكد/ تصرخ الشام/ تبكيك بيروت../ تصُّب الحزن../ بغداد...يا نغمة الأحزان../ رصاصات الأسى تجتث صبري../هذا هو الوجع الذي شغل المكان../ وألغامٌ تحيط بكل دربي../ لا ترسمي وجعي أمامي../ من يقاسمني رغيف كآبتي../من يرتدي عني جراحي../ العظم يجرحه الاهتزاز على باب بحر من النار......) .

وهي كلها مستمدة من الواقع الذي يعيشه الشاعر، بل تعيشه الأمة العربية، والذي ركَّز الشاعر على تتبع عناصره بوصفها مظاهر تشترك فيه (بغداد/ بيروت/ فلسطين..) كرموز لإثارة الإحساس إزاء الانتماء العربي.لذلك أكثر الشاعر وهو يرسم لوحة (الأحزان) من استعارة أدواته الفنية التي أشرتُ إليها سابقاً، حيث ينتقي منها مُعادِلاً فنياً استعارياً، أو قريناً مجازياً يُوحي بمواصفات (الحرب) و (البكاء) ....كقوله:[5]

فأسمعُ فوق صدريَ هدهداتٍ

وينطق من عميق الصَّمتِ شعري

أيا بغداد يا جُرْحَاً يُنادي

بكلِّ رصاصةٍ في كلِّ ثغرِ

حصار الظلم يردي كلَّ حلمٍ

يُراودُني بمدٍّ أو بجز

وتُمْطرُ كربلاءُ عليكَ دمعاً

ويضحك صيفُ (تموزٍ) بكبْرِ

فأجسادٌ ممزقةٌ وشيخٌ

يجرَّ الليلَ جبَّاراً ليشري

رغيف الخبز من جوف الأفاعي

ولون الموت في عينيه يَسْرِي!

وفي مواضع أخرى، يقول:-

أمشي إليك..أم أبكي؟!! كيف يا وطناً

يكاد من كثرة الشطان لا يصلُ

وردٌ هي النارُ في كفيكَ أعصرُها

كأساً...وأكتب أنهضْ أيها البطلُ

وهو توظيفٌ يُوحي بحالةٍ نفسية أو شعورية، يتنازعها صراعٌ مرير يمتزج بعاطفة الوعي، يتضمن دلالات ذات أبعادٍ إنسانية في زمنٍ ... (أطفالنا توارثوا هزائمَ الآباء قبلَ أن يغادروا المنازلْ...) [6] .

ولعل الشاعر يُحسُّ بنوعٍ من الإحباط – فأفكاره – التي أقرأها –تتماوج بين حالةٍ مكتوبة وأخرى مكبوتة في لغةٍ شعرية، وبين اللغة والحلم والواقع المعايش . وبذلك يقرأ الأحداث بعقلانية واعية، حين يضيق ذرعاً بما يمور به المجتمع من مظاهر الدمار من حوله..

لا تعبري خطَّ الحدود صغيرتي

خلفَ الحدود عساكرٌ وجنود

والقلبُ بارودةٌ تكتمُ الصَّوتَ في ضلعِ أغنيةٍ

تذبح الرُّوحَ في

عتباتِ المواجعِ والالتياع

فهل يا تُرى أعبر الجرحَ أم أنني سوف أبقى

نزيفاً لجرحٍ تباركه كلُّ هذي الجراحْ؟

وما نلاحظه، أن الاستخدام المجازي للألفاظ والصور قد أدى دوراً أساسياً في تشكيل التجربة وتعميقها، فكلمات مثل (والقلب بارودة../ضلع أغنية../تذبح الروح../عتبات المواجع والالتياع../أعبر الجرح../تباركه كل هذي الجراح...) إنها كلمات واستعمالات مجازية تخرج عن مدلولها المباشر وتكتسب دلالات أخرى ترتبط بنفسية الشاعر. فالمشهد هنا يُبْرِز اضطراب تؤمي إليه صورة الطفلة وهي تريد العبور لا تعبري خطَّ الحدود صغيرتي.ويتنامَى المشهد حينما يكون (القلب باروده) تكتم الصوت، دلالة على أنه يواجه (موتاً) يختلط فيه ذبح الروح ونزيف الجراحْ. والشاعر في قصيدته (ما بين النكبة والنكبة) ص39 يضع حداً لهذا القلق يطوي به تلك الأحزان، عندما أراد أن يُوقِّع (وثيقة التنازل) وهو يطوي مأساة خمسين عاماً كانت بغداد فيها (مدينة الأحزان والأرامل) ويختتم تلك الرحلة المأساوية بقوله:

بغداد إنني احترقت من كتابة القصائد

الحمقاء من تعويذة يسمونها/نقاتلْ

أرجوك تعذريني...

إذا وقعَّتُ مثلهم وثيقةَ التنازلْ..

والذي نقف عليه، أن البنية الإيقاعية في معظم نصوص الديوان متوازنة حيناً ومتنوعة حيناً آخر. وتجئ خاصية التكرار ملازمة لحركة النص، وما أفصده بحركة النص، استعمال الشاعر لأفعال المضارعة التي تدل على الاستمرارية، (يكبروا.... نذوب...نبكي.. نسير..يرتاحوا.. ونخبِّئ.. يرتاح.. ولا تشفى) هذه ثمانية أفعال مضارعة في نصٍ واحدٍ بعنوان (من مذكرات شاعرٍ جاهلي) ص18، وإذا أردنا الإشارة الدلالية التي أرادها الشاعر، نجد الأفعال تتابع متلاحقة دون أي فواصل، حيث استخدم طرائق الوصل ب (واو العطف) مما يوحي بترابط الأحداث من غير توقف أو استرخاء كما جاء في النص..

كلَّ العصافير الذين أردتهم

أن يكبروا خانوا الغرامَ وباحوا

كنا نُعلِّم دائماً أطفالـنا

إنَّ الحياة بنفسجٌ وأقـاح

ونذوب لو ذابوا..ونبكي لو بكوا

ونسير فوق الجمر كي يرتاحوا

ونخبئ الدمع الجسور لأنهـم

لو هُمْ رأوه تعلموه وناحـوا

وإذا أتوا التاريخَ داسوا فوقـه

لا مثلنا داستهمُ الأقـداحُ

صُّبي...فقلبي لم يعد يرتاح

أبداً ولا تشفي غليلي راحُ

أما البناء الأسلوبي (ونذوب لو ذابوا...وتبكي لو بكوا..ونسير فوق الجمر كي يرتاحوا) ..يشير إلى العلاقة الإيجابية بين الذات الشاعرة التي أشار إليها بضمير الجمع /نذوب..نبكي...نسير/ وبين (الأطفال) الذين أراد الشاعر أن يعلمهم حلاوة الحياة المشار إليها بقوله (إن الحياة بنفسجٌ وأقاحُ) خوفاً عليهم من البكاء والنواح. وهذه الحال تُجسِّد أحوال الاضطراب تجسيداً دقيقاً، وتعبر عن استجابة الحالة الشعورية للمواقف التي حكا عنها الشاعر الجاهلي – بدءاً من مطلع القصيدة (صُبِّي فقلبي لم يعد يرتاح) كعادة الشاعر في عصر الجاهلية يبدأ بذكر الكأس والخمر ليرتاح قلبه..كقول ابن كلثوم:

ألا هُبِّي بصحنك فأصبحينا ولا تُبْقِي خمور الأندر ينا

ويقوىَ البناء التعبيري حينما تتآزر الجُمل الفعلية في تحقيق صفة المساواة في العلاقات والأحاسيس التي تقوم على مبدأ التكافؤ..فإذا ذابوا ذُبْـنا / وإذا بكوا بكيـنا/ ورغم هذا التوحد تجئ المفارقة في قوله: (ونسير فوق الجمر كي يرتاحوا) .فهذه الصورة الكلية في دلالاتها العميقة تُمَثِّل الشقاء الطاحن الذي أصاب الكائن الحي _إنسان / حيوان / نبات، متمثلةً في هذه اللوحة الجنائزية _ إن صحَّ التعبير _ التي رسمها الشاعر للإنسان العربي وهو يتوجس خيفةً من الذوبان..والبكاء..والسير على الجمر، رغم أن السير على الجمر من أجل إحياء الآخرين ، وهي صورة توقظ وتُحرك الكوامن الشعورية عند القارئ من خلال الإيحاء بالدلالات التي تميزَّت بها قصائد ديوان (قصائد مجنونة جداً) .

وهذه الصورة هي نفسها التي عبَّر عنها عددٌ من شعراء الحداثة مؤخراً، تحدَّثوا عن زمان الحرب وعن المأساة والبكاء، وأن الشاعر دائماً يُنَّمي في ذاته حُبّ التوحد، والانتماء لأمته، وإحساسه بإحساسها، وفناءه بفنائها.

ففي قصيد (زمان الحرب) للشاعر القطري (علي ميرزا) [7] تجئ صورة الانتماء التي وجدناها عند (قيس قوقزة)

أينما سرتمْ أنا سرتُ

وما ذقتمُ فذقتْ

كل شبرٍ من بلادي

لي عليه ثمَّ بيتْ

مع ملاحظة الفوارق الأسلوبية لكلٍّ منهما..وهي ملاحظة سأحاول دراستها لاحقاً.

وإذا حاولنا الوقوف على الصور (بلاغياً) نجد صوراً استعارية وتشبيهيه وكنايات عميقة وموغلة في الغموض، ولعل ذلك يرجع إلى عنوان الديوان (قصائد مجنونة جداً) .فإطلاق – الجنون – للقصائد هو نفسه إطلاق على سبيل الكناية حيث وصف قصائده بأنها (مجنونة جداً) وسبق لنا في الجزء الأول من هذه الدراسة أن أشرنا لتحليل العنوان من منظور بنيوي، ولربط هذا بذاك يُعلل الشاعر لِمَ قصائده مجنونة، حينما يقول: (وأبحث عن صوتي في صوت النَّوارس الجريحة وعن قلبي في قلوب كلِّ العصافير التي ثارتْ وتثور على قوانين القفص...وتقول لكلِّ الجبابرة والطغاة..لا.. في الوقت الذي يقول فيه الجميع نعم) [8].

أنا المجنون في حُبِّي لأرضي

بنرجسةِ الحنينِ بنيتُ قصري

أبيعُ الحُزنَ للعشاق شعراً..

وأروي النَّاس من أبياتِ شعري

وأشرب إن عطشتُ من القوافي

وما جفَّتْ ينابيعي وبحري..

ففي جسدي المحطَّمِ ألفُ جرح

وألفُ قصيدةٍ في كل شَّبْرِ

.....

هذا هو الوجع الذي شغل المكان

فأضربتْ كلُّ الحروفِ عن التقدم للقصيدة[9]

بهذا الجنون، كتب (قيس) قصائده الغرامية، حيث تعامل مع الرومانسية بشفافية أفضت به لبكاءٍ دائم، وحزنٍ موغلٍ في الأعماق، وجراحٍ ندر أن يحمل الرومانسيون مثلها..

يا جُرْحاً يُسافر

لا ينامْ...

سبحاننا...

كم ننتقي ألمَ الدُّخولِ إلى

الخروج من الزحامْ..

كم صفقتْ عيناك...حين تراقصتْ

في حفلةِ الأوجاعِ في نفسي

العظامْ....[10]

ولنتصور هذا _ المسافر_ الذي لا ينام، فتراكُمْ المواجعُ عليه زاده جراحاً حين يقول:

تتقصدين مواجعي....

بحثاً عن اللاشئ في وجهي المسافر منكِ كي

يمضي إليك مع الجراحْ....

فالصورة التي رسمها الشاعر (للوجه المسافر) منِ كي يمضي إليك، نلمس فيها تعبيراً فنياً شديد التعقيد عندما نُبْعِد الوجه بمعناه (الحسَّي) المُشاهَد. فالوجه (رسول القلب، والناطق باسم الجسم، والمعبر عما يلتعج في الجنان، والمترجم لما يضطرب في الفؤاد – إرسالاً ثم المُعَبِرُ الأمين لما يجري في الخارج من أجل تلفيه وبثه نحو الداخل...) [11].

فالوجه، قيمة إنسانية نبيلة، وتعبير فياض، وجمال طافح خلاب. وقد يكون عكس ذلك، وما نراه في هذا النص، إنَّ الشاعر جعل (الوجه) يمضي مع الجراح..لا ينام، ثم جعل (العيون) تصفِّق حين تراقصتْ في حفلة الأوجاع....العظام.

ومما يدهش القارئ – حقاً – تَمكُنْ الشاعر من ربط النص بوحدة عضوية شديدة التآلف، مما يُفْسد معناها إذا حاولنا الفصل بين وحداتها..فالألفاظ (الوجه ، العينان ، الدمع، لم تبك ، في رحلتي من مقلتيك، كم صفقت عيناك ، تراقصت العظام، ملء إرادتي العمياء...) هي ألفاظٌ لها علاقة عضوية متلازمة، ووظيفة كل عضو مرتبطة بوظيفة الآخر عبر منظومةٍ منسجمة متظاهرة فيما بينها في كل الأطوار... (فالوجه الإنساني) له عينان، ومن وظائفهما / النظر../ الدموع../إظهار الفرح بالابتسامة، وإظهار الحزن بالبكاء.. وما نلاحظه في النص – استعمال الشاعر لكل محتويات الوجه في أسلوبٍ تعبيري ملئ بالمواجع والتي عادة ما تبدو على الوجه.. ثم إذا أشتد هذا الوجع /الحزن..أشتد انعكاسه على صفحة الوجه وملامحه..ثم تتجاوب أعضاء الوجه وأكثرها حساسية (العينان) تتجاوب لإخراج هذا الوجع..فتدمعان، إما لفقد حبيب، أو مفارقة صديق أو إهانة كرامة وجرح عزة الإنسان..فيكون (الدمع) قيمة للشجن والهم والأحزان.وهي عند الشاعر تشير إلى ذلك في مواضع كثيرة.

.عيناك في صحراء قلبي أنهُرٌ

تغتالني وأنا إليها الصَّادي. .ص143 (توابيت)

عيناكِ أجمل لحظتين

لقصيدتين...

عيناكِ أشهى طعنتين

لقصيدتين... ص148 (هلوسات)

رقِّص دموعكَ..

حين تأخذك الهواجس

عُنْوَةً للموتِ...

من أول النظرات ص149 (هلوسات)

تفضحه العيونُ...

عيناكِ ليست قصَّةً عاديةً

عيناكِ ألفُ قضِّيةٍ بحياتي.. ص155 (هذيان)

أسطورتان...حديقتان...رصاصتان

هما..خَلَدنْ بذاتي

لعليِّ أُضئُ الوجوهَ فيضحك ثغرُ الصباحْ

تنام جراحي بعينيكِ حين يطِّلُ مساءُ انتظاري

..من الشرفاتْ

ومن أي بابٍ سيدخلُ شوقي عليك/ليلمح رِمْشَكِ ص162/ص166 (المرثية الأخيرة بين ضلوعي...

وبين انهيار النهايات في الزفراتْ..

على وجنتيكِ تنام مواسمُ حزني

لمن بعد عينيك سوف تدق القلوب..

بهذه المعاني، وقف الشاعر على العيون في عوالمها المختلفة، فهي التي تعبر عن كل الانفعالات التي يحسها الإنسان، وهي أشبه ما تكون بـ (معزوفات حزينة) تناسب الموقف المفجع الذي يعيشه الشاعر.

فالدموع المنهمرة التي تستحيل إلى نارٍ مُحْرِقة، هي التي رسمت صورة الحزن على (العيون) التي رددها الشاعر في أكثر من مقطع.وهنا نلقى صورة شعرية شديدة القتامة والحزن، حيث يتألف من محاورٍ ثلاثة

العيون/ الدموع / الوجع (الحزن) ..فالوجع والحزن يمثلان (العذاب) الذي عبَّر عنهما بأساليب مختلفة..فتارةً يقول:-

يا صرحيَّ الذي طعنَ

الدموع على المآقي

ضمَّي دمعي....

وتذوقي روحي..

وصبِّي نخبَكِ المشتاق في

نفسي..فقد رحل التلاقي..[12]

وتارة أخرى يردد..

على وجنتيك تنام مواسم حزني

مواسم جوعي..

ارتجافات قلبي..

وترتاح قيثارتي في يديك/

وأغفو على ساعديك كطفلٍ يُطَّل من الياسمين

على الأمنياتْ...

لمن بعد عينيك سوف تدق

القلوب...

وتعزف من كلَّ هذا الضجيج صهيلَ

التمرد والأغنياتْ!![13]

(فالعين) في مفهومها الدلالي..هي أداة الحب الأولى..ووسيلة التذوق للجمال، كما هي أداةٌ لقياس الانفعالات العاطفية التي قد لا يُعبِّرُ عنها الصوت، ولا باقي الحواس، فتعبِّرُ هي عنها في بلاغةٍ عجيبة بإرسال الدموع.فالإنسان يبكي حين يحزن..ويبكي حين يفرح، وفي كلَّ حال يتخذ الدموع دلالة لا يتخذها في غيرها.

وسبق أن أشرنا إلى أن قصائد الديوان كلها تقوم على هذه النغمة الحزينة، عيونٌ دامعةٌ باكية، حزنٌ ووجع، قتلٌ ودماء...إنها قصائد مجنونة حقاً كما يسميها شاعرها.

فالحزن يستبِّدُ بخطاب هذه النصوص استبداداً شديداً، ثُّم لأن الحزن لا ينبغي أن يكون إلاَّ شيئاً من ملازمات – العين – وذلك لاتخاذها موقعاً متميِّزاً في التعبير الحي ، التعبير باللغة الخارقة التي يفهمها الناس جميعاً.ُ و قدرتها على التبليغ الصادق لما في النفس الإنسانية من كوامن...عن طريق الدموع..وهي هكذا عند كثيرٍ من الشعراء.

وهي عند ميخائيل نعيمة [14] :-

دموعُ العينِ قد جَمدتْ وريحُ الفكر قد همدتْ

فلِمَ يا قلب، لِمَ يا قلــ بُ فيكَ النارُ في لهب

وكنت أظنها خمدتْ

وكم عينٍ لديكَ بكتْ وكم روحٍ إليك شكتْ

فسالتْ مُهْجة الشاكي وجفَّتْ دمعة الباكي

ووسماً فيكَ ما تركتْ

أما المقالح فيقول:-[15]

صار الدمع بعيني وطنا

شربتْ عيني ماء الحزن

انفجرتْ

وهذا الحزن هو الذي يُفْضي إلى إفراز العينُ الدموعَ..ولكلٍّ في ذلك أسلوبه. وبهذا المفهوم استطاع (قيس قوقزة) أن يترجم ما بداخله هو – كفرد من الأمة – ومن ثَّم استعمالها كأداة حيَّة فعَّالة لربط الصلات العاطفية والاجتماعية والجمالية بين الناس عبر كل المجتمعات.

كما نجد صورةً فنية أخرى تتسم بالصراع الشديد المحتدم بين الشخصية الشاعرة (كاتب النص) وبين قوى عاتية خارجية، تتمثل في حال تشبه (السُكْر) .. وإنَّ الشخصية لتصارع هذه الحال وتصارع، ولكنها في آخر الأمر تذعن للخطب الداهم، ثم تحاول أن تنسى هذا الخطب، أو تُغَيِّبُ نفسها في اللاوعي عن هذا الواقع القاسي بالاستسلام إلى تسكاب الدموع.

أو فانتقي موتي/ولكنْ

أتركي ليَّ الكأس مع سُمِّ الخيارِ

لكي أصبَّ براءتي نخباً لألام

اليتامىَ في سباق الجائعينْ/[16]

ولقد تكرر نفس المقطع مع تغيير عبارة (لألام اليتامى) إلى (لآثام اليتامى) . والكأس هنا يمثل حالةً من غياب الوعي، أو ضياع الحقيقة أمام الذهن الحائر، أو غروب الرؤية أمام حالة عدم التوازن التي عبَّر عنها الشاعر بـ (أو) و (لكن) .. فهي حيرة تهَّز المشاعر إذا نظرنا إليها من خلال الاضطراب وعدم التوازن الذي تعيشه الأمة العربية، وانعكاس هذا الاضطراب على منظومة القصيدة العربية التي تتكئ على الأحداث المتغلبة بين حربٍ وسلام، وبين وحدةٍ وتفكك.

أمَّا حديثنا عن الصورة الفنية في ديوان (قصائد مجنونة جداً) ناتج في مستواه الأول عن طاقة (الكلمة) و (الصوت) وارتباط الألفاظ بدلالاتها – الصوتية – يدل على الإيماءات التي تحملها الكلمة المفردة ، والكلمة مع ما جاورها من كلمات. كقوله مثلاً:

عيناك في صحراء قلـبي (أنْهُرٌ) [17] علاقة معنوية

تغتالني وأنا إليـها (الصَّادي) فالنهر = الماء /صحراء قلبي=جفاف/الصادي=حالة من العطش الشديد.

وفي قوله: لعلِّي أُضئ الوجوهَ فيضحك ثغرُ الصباحْ[18]

يضحك علاقة بين الضحك والثغر /الصباح تجسيدا معنويا يشير إلى دلالة (الإشراق)

ثغر أضئ الوجوه وضاءة الوجه لها علاقة بالضحك وابتسام الثغر.

فالتبسم أو الضحك لثغر الصباح، ذو دلالة معنوية على سبيل الاستعارة المكنية.

ومثل هذا التخيُل لا يكون إلاَّ لمبدعٍ كفؤٌ، فالصورة الأولى (عيناك في صحراء قلبي) تختلف عن الصورة الثانية (لعلي أُضيء الوجوه فيضحك ثغر الصباح) نتيجة لاختلاف الجو النفسي العام الموجود خارج النص. فرغم وجود علاقة ضمنية بين العنوانين (توابيت) و (المرثية الأخيرة لجنازة لم يُصل عليها) هذه العلاقة تُحقق وحدة عضوية تربط موضوعات النصوص ببعضها (فالتوابيت) مكانٌ لوضع (الجنائز) . فالجو النفسي في العنوانين متشابهٌ لدٍّ كبير، وهذا ما قصدتُ به (اختلاف الجو النفسي العام خرج النص) فداخل النص شيءٌ من البكاء تشير إليه التوابيت، وشيء من الإشراق والتفاؤل تشير إليه (المرثية الأخيرة...)

لأصنع من شمعتي شمسَ وقتٍ جديد..

لعلِّي أُضئ الوجوه فيضحك ثغر الصباحْ

ولكنه لا يمكن فصله عن الجو العام المُتَفاعَلُ به في الحالتين.

والشاعر وهو يرسم لوحاته اللفظية استعار أدواته الفنية من الطبيعة في أكثر من نص، وسبق أن أشرنا في هذه الدراسة إلى عناوين النصوص ذات الصلة الموضوعية، أما النصوص نفسها ولكثرتها اكتفينا بالإشارة إلى بعضها حتى نجعل للقارئ نوعاً من التشوق لاكتشاف مضامينها من الديوان.

ومقياسنا الذي حدَّدنا به الوحدة العضوية في موضوعات ديوان (قصائد مجنونة جداً) هو ترابط النصوص ترابطاً معنوياً قوياً وكأنما جميع نصوص الديوان نصاً واحداً موزعاً على وحدات حسب الأحداث ، وخاصةً في الجزء الذي تناول فيه الشاعر مأساة الأمة العربية حسبما جاء في قصائد :-

ما بين النكبة والنكبة.

إلى طفلة عراقية.

بائع الأحزان.

مقامة بغدادية.

همسات.

سفر الشنفرى.

وفيها يقرر الشاعر أن قيمة المقطع (الشعري) تتمثل في الصلة التي بين معانيها في المقاطع الأخرى، وهذا ما يُسلِّم به دعاة الوحدة العضوية في القصيدة أنفسهم[19].

ونمثِّل لمرونة الوحدة في القصيدة بقول (قيس قوقزة) في قصيدته (مقامة الزبرجد) [20]....

ألوان عينيك في المرآة تنتحرُ

مرَّتْ هنا قبل أن يغتالها السَّفرُ

مرتْ هنا بين أنفاسي...وقافيتي

مثل"الزبرجد" فوق السطر يحتضرُ

مرَّتْ على قمر الدنيا تُراقصه

فاحتارت الشمس مَنْ ذا منكما القمرُ

سربُ العصافير في دمعي يُرافقها

نارٌ هو الدمع في العينين ينكسر

نامتْ على وجعي عيناكِ فاحترقتْ

بوابة ُ الفجر وأغتال السما المطر

نارٌ برمشيكِ إن أطفأتها اشتعلتْ

نارٌ بعينيكِ لا تُبْقي ولا تذِرُ

لك البنفسج والياقوت فاحترقي

وليَّ المواجع والآلامُ والصُّورُ

خلف الحدود حصانٌ يعتليه دميِّ

وخلفَ عينيكِ يغفو الليلُ والشجرُ

وما نلاحظه في النص، التكرار اللفظي لعددٍ من المفردات، كتكرار الأفعال (مرَّت / يغتالها /...) وتكرار الأسماء (قمر / نار / عينيك / خلف) حيث أدَّى هذا التكرار إلى الاستمرارية – استمرارية الأحداث واستدامة الأحزان التي عبَّرتْ عنها الأسماء – النار – الدمع – الوجع .حيث نلاحظ المجازات اللغوية والاستعارات،

- نارٌ هو الدمع....

- نامتْ على وجعي عيناك...

- نارٌ برمشيك....

- نارٌ بعينيك.....

ولا شك أن الصورة التي رسمها الشاعر للدموع، بأنها (نار) في دلالتها الإيحائية تشير إلى الشعور بالجزع والخوف من خلال الصور الإيحائية الدالة على هول الموقف، دون تصريحٍ قد يُضْعِف من شأنها، و (الدمع) هنا نارٌ تُحْرِق، ولكَ أن تحسُّ بحرارتها.

وما نقف عليه في هذه النصوص، أنها ذات طابعٍ قصصي تظهر فيها الأفكار والأحاسيس متدرجة المواقف، إذ ينمو الموقف بنمائها، ويموت بموتها. وذلك لأن الصورة التي يحملها خيال الشاعر للأحداث، جعلته يُحلِّق بها على أجنحةِ اليأس والبكاء، حتى أحال الدمع ناراً..فالتهبتْ الرموش، واشتعلت العينان..فصار كلُّ شيء في قصائده يحكي عن حزنه ووجعه..

والحزن يزرع أضلعي[21]

بين الخناجر....والخناجرْ

والصبح يشرب من دمي

وجعاً تلملمه البيادرْ...

والجوع يأكل رغبتي

وقصيدتي من تُصادرْ...

وهي هكذا..حتى هممتُ أن أُعَنْوِنها بـ (قصائد حزينة جداً) ولكن مثل هذا الحزن لا بدَّ من تعليله، وما ذلك على أي دارس يتعمق نصوص هذا الديوان، و يتأمل أمر هذه الأمة العربية الممتحنة بنفسها، والشقيِّة بزمنها العصيب، فإنما يعكس بؤس المجتمع الذي نشأت فيه هذه المجموعة الشعرية حتى وكأنها تتلذذ بالشقاء وتتمتع بالموت رغم أنها خير أمةٍ أُخرجتْ للناس.

فإذا كانت هذه النصوص – المجنونة جداً – تُجسِّد معاني العذاب ، والحزن ، والذل والخوف، والموت، والنفي والدمع والنار، والجفاف والتشرد، والضياع والحيرة. فإنما تعكس حال ما نحن عليه..

خمسون عاماً أصبح المهديُّ[22]

من عجائب الزمان..

من تقلُّب الأدوارِ

ينتظر...

عزاؤنا الوحيد دائماً بأننا، نقدِّسُ

الأحزانَ، نكتمُ

الأسرار في الحفرْ

المتأمل استطاع أن يقول ما لا يُقال..وتمكن...

فالنص (ما بين النكبة والنكبة) يطول الحديث عنه، لأنه يُمثِّل المحور الذي تدور حوله قصائد الديوان، فهو مرآة حيَّة للأحداث وترجمة لهموم أمةٍ (لتجيد غير لمسةِ التوقيع والتنازل) .

والذي خرجنا به في هذه الدراسة _ أن قصائد الديوان تمثل مرحلة متقدمة في منظومة الشعر الحديث الذي يتخذ من الإيحاء دالة ذات أبعادٍ متعددة المعاني والرؤى. والشعر بشفافية من عكس ما تعانيه النفس من أوجاع وآلام لا يمكن السكوت عليها.وها نحت نردد معه:-

فما أقسى بأن تحيا عزيزاً وترجع بعدُ كي تحيا بأسرِ!!

دكتور/ عمر أحمد عبد الكريم[1]*

....................

المراجع:

ديوان قصائد مجنونة جداً/ الشعر قيس قوقزة

النقد الأدبي الحديث /د: محمد غنيمي هلال

بنية الخطاب الشعري / د : عبد الملك مرتاض ، دار الحداثة للطباعة والنشر، بيروت.

ديوان أم الفواجع/ الشاعر علي ميرزا

هوامش

[1] /دكتور: عمر أحمد عبد الكريم، أستاذ مشارك ، جامعة ودمدني الأهلية، كلية الآداب./ السودان ، ولاية الجزيرة ، ودمدني.

[2] /ديوان قصائد مجنونة جدا، ص76

[3] / د: عبد الملك مرتاض/بنية الخطاب الشعري، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط1 1986م، ص162

[4] /قصيدة ما بين النكبة والنكبة ، الديوان ص35

[5] /من قصيدة بائع الأحزانص76/77 (قصائد مجنونة جدا)

[6] / ما بين النكبة والنكبة/ص37

[7] /علي ميرزا: شاعر قطري ، شارك في فعاليات الخرطوم عاصمة الثقافة العربية للعام2005م، والتقى به كاتب المقال ضمن الفعاليات في مدينة ودمدني العاصمة الثقافية المناوبة، وأجرى معه لقاءً تلفزيونياً حول تجربته الشعرية من خلال ديوانه أمُّ الفواجع.

[8] /مقدمة الديوان ص10 بقلم الشاعر قيس قوقزة.

[9] /بكائيات عشتار/الديوان ص129

[10] /بكائيات عشتار/ص133

[11] /دم عبد الملك مرتاض / بنية الخطاب الشعري /م س ص103

[12] /الدخول إلى قاعة العزف، ص22 ، الديوان

[13] /المرثية الأخيرة لجنازة لم يُصلَ عليها/ص166، الديوان

[14] /ميخائيل نعيمة ، ديوان همس الجنون، ص53 / أنظر د: محمد غنيمي هلال/ النقد الأدبي الحديث ص405

[15] /عبد العزيز المقالح ، قصيدة أشجان يمنية /بنية الخطاب الشعري /د عبد الملك مرتاض م س ص65

[16] /بكائيات عشتار/ص132 ، الديوان.

[17] /قصيدة توابيت ص143

[18] /قصيدة المرثية الأخيرة لجنازة لم يصل عليها ص162

[19] /د / محمد غنيمي هلال ، النقد الأدبي الحديث ، م س ص383

[20] /الديوان ص90

[21] / قصيدة بيان عاطفي رقم صفر ص40

[22] /قصيدة ما بين النكبة والنكبة/ ص36

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

اسلوب نقدى جميل ورؤية تحليلية لديوان شاعر اتخذ من الحزن متكأ وجراح الأمة العربية صورة قتمة للمستقبل .

فتح الرحمن
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4235 المصادف: 2018-04-10 02:29:48