المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

ظاهرة التكرار ودلالاتها الفنيّة في شعر الدكتور علي مجيد البديري

rasol balawi2الملخص: يُعدّ التكرار ظاهرة فنيّة عرفها الشعر العربي منذ القديم، وأقبل علی توظيفها كبار الشعراء، للتعبير عن أفكارهم وتطلّعاتهم؛ فالتكرار يحمل في أثنائه دلالات نفسية وانفعالية مختلفة تفرضها طبيعة السياق، ويُعدّ وسیلة من وسائل تشكیل الموسیقی الداخلیة. ظاهرة التكرار من الظواهر المهمّة والمثيرة في قصائد الشاعر العراقي علي مجيد البديري. التكرار في شعره أضفی جمالاً فنيّاً وثراءً دلاليّاً، وإيقاعاً ترنمياً، وقد أخرجه من السطحية إلی الظرافة والبراعة الفنيّة؛ وأسهم في خلق أجواء مموسقة تدفع القارئ إلی التلذّذ والتمتّع بالنص وتبعده عن التعب والملل والرتابة. لقد استخدم البديري ظاهرة التكرار بأنواعها الثلاثة، وهي الحرف (الصوت)، والكلمة، والعبارة؛ وقد تفنّن في استخدام التكرار في تجربته الشعرية التي بصدد دراستها. وإنّنا في هذا البحث وفقاً للمنهج الوصفي – التحليلي، نهدف إلی استكشاف الطاقات التعبيرية والمثيرات الفنيّة الكامنة وراء هذه الظاهرة الأسلوبيّة اللافتة للنظر في ديوانه الموسوم بـ "من بين طينٍ وعطش" الصادر عام 2012م.

الكلمات المفتاحية: الأسلوب؛ التكرار، الدلالة، علي مجيد البديري.

المقدمة:

ظاهرة التكرار تُعدّ من الظواهر البارزة فی النص، ولا شكّ أنها ترتبط بعلاقةٍ ما مع صاحب النص، فهو من خلال التكرار یحاول تأكید فكرةٍ ما تسیطر علی خیاله وشعوره. يُعدّ التكرار وسیلة من وسائل تشكیل الموسیقی الداخلیة؛ وهو لا يقوم على مجرد تكرار الحرف/ اللفظ/ العبارة في السياق الشعريّ، بل ما يتركه هذا التكرار من أثر انفعاليّ في نفْس المتلقّي، وقد يُظهر جانباً من الموقف النفسيّ والانفعاليّ، ومثل هذا الجانب لا يمكن فهمه إلّا من خلال دراسة التكرار داخل النص الشعريّ الذي ورد فيه، فكل تكرار يحمل في أثنائهِ دلالات نفسية وانفعالية مختلفة تفرضها طبيعة السياق الشعريّ. التكرار من أهمّ الأدوات الجماليّة التي تساعد الشاعر علی تشكيل موقفه وتصويره، ولابدّ أن يركّز الشاعر في تكراره، كي لا يصبح التكرار مجرد حشو، فالشاعر إذا كرّر وألحّ فقد أظهر للمتلقّي أهميّة ما يكرّره مع الإهتمام بما بعده، كي تتجّدد العلاقات، وتثري الدلالات وينمو البناء الشعري (1).

ومن الشعراء الذين دأبوا علی استخدام هذه التقنيّة الفنيّة ببراعة واتقان هو الشاعر العراقيّ الدكتور علي مجيد البديريّ[1]؛ فقد وجد في هذه الظاهرة طاقات شعورية وفنيّة لرفد نصوصه الشعرية، فوظّف الكثير من الآليات الفنية الحداثية للتعبیر عن تميّزه الإبداعيّ روحياً وأسلوبياً، بحيث تتماشی مع روح العصر، وتطلّعات الشاعر وطموحاته. لقد استطاع البديريّ من خلال تجربته أن يستكمل تخليق الشعريّة الحداثية وشحنها بطاقات وآليات وتقنيات تشكيليّة وخطيّة، اشتغل عليها بمهارة وحذق؛ فهو واحد من الشعراء المبدعين الذين تفرّدوا في نهجهم الشعريّ بأسلوبية جمالية خاصة؛ وقد تفنّن في تقنية التكرار، وجعلها مرآة عاكسة لتوهّجه الروحيّ.

أسئلة البحث:

في هذه الدراسة نطرح سؤالين ونحاول مناقشتهما في أثناء البحث:

- أولاً: ما هي أبرز الخصائص الفنيّة لأسلوب التكرار في شعر علي البديريّ؟

- ثانياً: ما هي أسباب ومبررات لجوء الشاعر في توظیف ظاهرة التكرار وما مدی فاعليتها في النص؟

ظاهرة التكرار:

يُعدّ التكرار ظاهرة فنيّة تحفيزية تثري دلالات النص، وتزيد الخطاب جمالاً وائتلافاً نسقياً. يرتبط التكرار بالتأكيد من جانب، وبالإطناب من جانب آخر، مع ما به من خصائص يمتاز بها من الجميع. لأسلوب التكرار أهمية خاصة إذ هو: أسلوب تعبيري يصوّر انفعالات النفس وخلجاتها، واللفظ المكرَّر فيه هو المفتاح الذي ينشر الضوء على الصورة، لاتّصاله الوثيق بالوجدان؛ فالمتكلّم إنّما يكرّر ما يثير اهتماماً عنده، وهو يحبّ في الوقت نفسه أن ينقله إلى نفوس مخاطبيه، أو مَن هم في حكم المخاطبين ممّن يصل القول إليهم على بُعد الزمان والمكان (3). ولذا اتُّخذ التكرار وسيلة لتحقيق الموسيقى، التي هي بلا شك «أقوى وسائل الإيحاء، وأقربُ إلى الدلالات اللغوية النفسيّة في سيولة أنغامها» (4).

يتحقّق التكرار في النصّ عبر أشكال عدّة، منها:

1- تكرار الحرف: وهو يقتضي تكرار حروف بعينها في الكلام، ممّا يعطي الألفاظ التي ترد فيها تلك الحروف أبعاداً تكشف عن حالة الشاعر النفسية.

2- تكرار اللفظة: وهو تكرار الألفاظ الواردة في الكلام لإغناء دلالاتها، وإكسابها قوةً تأثيرية.

3- تكرار الترکيب: وهو تكرار يُظهر الأهمية التي يوليها المتكلّم لمضمون تلك الجمل المكرّرة بوصفها مفتاحاً لفهم المضمون العام الذي يتوخّاه المتكلّم، فضلاً عمّا تحقّقه من توازن هندسي وعاطفي بين الكلام ومعناه.

كان التكرار بأنواعه الثلاثة عند الشاعر علي البديري مثيراً للانتباه، وداعياً للإهتمام بالشيء المكرّر، وقد حقّق تفاعلاً عاطفياً وشعورياً وإيقاعيّاً مع المتلقّي بأشكاله کافة سواءً كان تكرار حرف أو كلمة، أو عبارة. وأيّاً كانت صور هذا التكرار، فإنّه سلّط الضوء على بعض الجوانب اللاشعورية في نفْس الشاعر، والتي تلحّ عليه كأنّه لا يودّ مجاوزة العبارة المكرّرة إلى غيرها .

تكرار الحرف:

تكرار الحرف الواحد الذي هو من بنية الكلمة، وهذا النوع من التكرار لا يقتصر دوره على مجرد تحسين الكلام، بل يمكن أن يكون من الوسائل المهمّة التي تترك أثراً عضوياً في أداء المضمون. يُعدّ هذا التكرار أبسط أنواع التكرار، لقلّة ما تحمله هذه الحروف من معانٍ وقيمٍ شعورية، قد لا ترتقي إلى مستوى تأثير الأفعال والأسماء والتراكيب. يؤدي تكرارُ الحروفِ دوراً عظيماً في الموسيقى اللفظيّة، فقد تشترك الكلمات في حرف واحد أو أكثر، ويكون لهذا الاشتراك فائدة موسيقيّة عظيمة، وقيمة نغميّة جليلة تؤدّي إلى زيادة ربط الأداء بالمضمون (5).

والتكرار الصوتيّ ناتج من تكرار الحروف التي تعدّ بمنزلة المادّة الرئيسة التي تثري الإيقاع الداخلي للنصّ بلون خاصّ، و«يحمل في ثناياه قيمة دلالية، إذ يضيف إلى موسيقية العبارة نغمات جديدة» (6). يُعَدّ التكرار الصوتيّ من مثيرات البديريّ، وهو أدنی أشكال التكرار، إذ يكرّر الشاعر أصواتاً بعينها، رغبة في إبراز الجانب الإيقاعيّ النغميّ للتركيب؛ وهذا الأسلوب في التشكيل الشعريّ يسهم في تنغيم الجملة ويبرز الجانب الدلاليّ أو النفسيّ للنصّ في كثير من الأحيان (7).

فتكرار الحرف «من أبسط أنواع التكرار وأقلّها أهميّة في الدلالة، وقد يلجأ إليه الشاعر بدوافع شعورية، لتعزيز الإيقاع في محاولة منه لمحاكاة الحدث الذي يتناوله، وربما جاء للشاعر عفواً دون قصد» (8). وأمثلة هذا النوع في شعر علي البديري كثيرة.

قام الشاعر في النصّ التالي بتكرار حرف السين:

أُصغي،

فأطلقُ قدمينِ لاهثتينِ

ولا أعودُ بغير رائحةٍ ذابلة،

ولا أستجيرُ،

ولا أقبضُ أغصاني،

ولا أُبدلُ جسداً

تخسرُ، باستمرار، جرارُه المثقوبةُ زيتها..

ولا يستريح! (9)

في هذا المقطع الشعري كرّر الشاعر حرف السين وهو حرف مموسق بجرس إيقاعي ترتاح له الأذن. لا يخفی أنّ تكرار الحرف لا يمكن أن يخضع لقواعد نقدية ثابتة يمكن تعميمها على النصوص الشعريّة للشاعر، لاختلاف طبيعة الأسلوب والدلالة التي يحدثها كلّ حرف ضمن السياق في النص الواحد، وإن كان تأثير الحرف الموسيقي لا يرتقى في قوّته إلى تأثير الكلمة. لكن مع هذا فإنّ تكرار الحرف يحقّق أثراً واضحاً في ذهن المتلقّي، يجعله متهيّئاً للدخول إلى عمق النص الشعريّ.

وقد جاء في الشاهد التالي:

الجسدُ الشائخ

ينثُّ غباراً بارداً

يسند رأسه إلی الموسيقی الرمل (10)

فعلی الرغم من قلّة الكلمات المستخدمة في هذا النص، تكرّر حرف السين 4 مرّات. وفي الشطر الأخير في سياق الحديث عن الموسيقی تكرّر الحرف 3مرّات وهو حرف مموسق يحدث إيقاعاً ترنّميّاً ترتاح له الأذن، ويشدّ المتلقي نحو المعنی التي يريد الشاعر التعبير عنه.

إضربْ بعَصا العِشقِ

وردةَ صدرِكَ النَّائمةِ

واغسِلْ صباحَكَ

بـ «قلْ هو الله»

تنبجسُ قوافلُ الشُّموسِ

وتُفردُ روحُك أجنحةَ الوَجد

ستملأُ عُروقَ العَصافيرِ

بمرايا البَهجةِ

يسّاقطُ منكَ النَّخلُ

مَطراً

يَسيلُ

يَملأُ سَماواتِ الكتابةِ بالسَّنابل (11)

فقد كرّر حرف السين في هذا النص، وهو يتحدّث عن العشق والصباح والوجد والبهجة وتساقط المطر/ الحياة، فلاشك هذا الحرف سيساعد علی تلطيف الجو، وشدّ المتلقّي وتفاعله مع الفرحة التي يريد الشاعر التعبير عنها.

وقد كرّر حرف القاف في المقبوس التالي:

القطارُ الغائرُ في الجليد

عند فمهِ الأزرق

طبقٌ من لُهاثٍ،

وأحشاءُ حقيبة..

ممرودة! (12)

فقد كرّر الشاعر الفونيم "ق" وهو من حروف الإطباق، ويؤدّي إلی تفخيم الموسيقی. ولعل الشاعر يكرّر هذا الصامت تكراراً شعورياً؛ لأنّ «الإطباق قضية نفسية» (13). يمكننا القول: إنّ هذا التنويع في بناء الأصوات يحقّق وحدة صوتية متناغمة ومنسجمة، يكسب الكلمات قيمة جمالية من خلال جرسها المميّز، وانسجامها، وتناسقها (14).

كرّر هذا الفونيم في مايلي أيضاً:

ما لي كلّما توضأ قلبي

تعلقتِ الغفلةُ بأطرافه

كالقراد!

كلّما قُلتُ:

أقبِل عليّ بوجهك يا حنّان!

هرولَ دَمي بعيداً

عن

بابك..! (15)

كرّر الشاعر في هذا النصّ حرف "القاف" 5 مرّات. وله أيضاً:

أخاتلُ عصافيرها الفاتكة،

أتسلقُ هجيرَها،

وحين يرتدي الليلُ

حفيفَ قميصها،

أقشِّرُ الطريق ...

إلی مدائنها المترعةِ

بالبرتقال. (16)

فهذا الحرف أسهم بتكراره في إعطاء النص نغماً موسيقيّاً داخل العبارات من خلال المفردات.

وقد إلحّ البديريّ علی تكرار حرف التاء:

ربما..

حين تصومُ التلالُ عن اشتهاء الفاكهةِ،

والبهجةُ عن التواصلِ،

والرغباتُ عن ابتكار تينها الساخنِ...؟

ربما..

ربما سيصحو العشقُ في النهاية

بعيداً عن فراديسِ اللذة الآثمة ... (17)

نلحظ في هذه الأشطر أنّ تكرار حرف التاء أعطى النصّ نغماً موسيقيّاً داخليّاً وزخماً دلاليّاً، لما له من وقع في الآذان والأسماع، وهو من الحروف المهموسة التي توحي بنوع من الحزن والكآبة. وقد كرّر الشاعر في هذا السياق «ربما» للدلالة علی مدی الشك والتردّد.

وقد اعتمد الشاعر في بعض الأحيان على تكرار حروف المعاني، ففي المقبوس التالي قام بتكرار حرف العطف (و) وأداة النفي (لا) بشكل رأسي متتابع:

أُصغي،

فأطلقُ قدمينِ لاهثتينِ

ولا أعودُ بغير رائحةٍ ذابلة،

ولا أستجيرُ،

ولا أقبضُ أغصاني،

ولا أُبدلُ جسداً

تخسرُ، باستمرار، جرارُه المثقوبةُ زيتها..

ولا يستريح! (18)

تنوّعت التكرارات في هذه القصيدة، منها تكرار حرف السين الذي مرّ ذكره، وتكرار حرف العطف (واو) وحرف النفي "لا". ويبدو أنّ هذا التنوّع في التكرار قد أغنى الإيقاع الدلاليّ للقصيدة، فتكرار (ولا...) تأكيد للمعنى الذي يحاول الشاعر إيصاله، وهو عبارة عن الرفض البات، فضلاً عن الإيقاع النغميّ والموسيقيّ الذي يدعم المعنی؛ وقد حقّق انسجاماً إیقاعیاً یمتاز بقوّة تأكیدیة تعبّر عن رفض المتكلّم. جاء تكرار (ولا...) بنسق جماليّ في شكل عمودي ليقرّ بأهميّة التأثير البصري وفاعلية دلالته؛ ففي كلّ مرّة یأتي مع الفعل المخاطب لیشكّل بذلك توكیداً للنفي.

تكرار الكلمة:

يمتلك تكرار الكلمة في النصّ أثراً عظيماً في موسَقَته. إذ تکون القيمة السمعيّة لهذا التكرار أكبر من قيمة تكرار الحرف الواحد في الكلمة. ويكون هذا التكرار ناتجاً عن أهمية هذه المفردة وأثرها في إيصال المعنى، حيث تأتي مرّة للتأكيد أو التحريض ولكشف اللبس، فضلاً عن ما تقوم به من إيقاع صوتي داخل النصّ الشعريّ. و«هذا النوع من أبسط أنواع التكرار وأكثرها شيوعاً بين أشكاله المختلفة» (19) و«تكرار الكلمات يمنح النصّ إمتداداً وتنامياً في الصور والأحداث لذلك يعدّ نقطة إرتكاز أساسية لتوالد الصور والأحداث وتنامي حركة النصّ» (20).

وممّا لاشك فيه أنّ الكلمات تتكوّن من أصوات وطاقات لذلك فإنّ أحسن إستخدام الكلمات المكرّرة يضفي على النصّ حلية إيقاعية ودلالة موحية. ولا يفوتنا هنا الإنتباه بأنّ «القاعدة الأساسية في التكرار أنّ اللفظ المكرّر ينبغي أن يكون وثيق الإرتباط بالمعنى العامّ وإلّا كان لفظية متكلّفة لا سبيل إلى قبولها. كما أنّه لابدّ أن يخضع لكل ما يخضع له النصّ عموماً من قواعد ذوقية وجمالية» (21). إنّنا في ما يلي قمنا بدراسة تكرار الكلمات بنوعيّه (الإسمي والفعلي) وجئنا بنماذج من ديوان الشاعر.

قام البديري بتكرار الأسماء في شعره ليستقطب المتلقّي إلی دلالات النص ومداليله المفتوحة؛ فـ «تكرار الأسماء يترك بصمة في ذهن القارئ، من خلال تواتره في النص، وتوصيفه الحال الشعورية بثبات واستقرار وتنامٍ جمالي» (22).

كرّر الشاعر لفظة "أمي" في مستهلّ المقاطع التالية:

أمي...

أأخبرتُكِ أم لا

أني شَعرتُ بطريقِ المدرسة

مُكتظاً بكوابيسِ الحَصبَةِ هذا الصباح...!

.................

أمي...

لقد خبّأتُ القراءةَ تحتَ السَّريرْ

أمي...

لا تخرُجي

إليّ. (23)

كرّر هذه اللفظة 3مرّات مشفوعة بثلاث نقاط (أمي...) ليبقی النص مفتوحاً علی التأويلات والتكهنات.

وقد كرّر مفردة "الكلمات" في القصيدة الآتية:

يَصطبغُ ماءُ الحُروف

بألوانِ الثيابِ والوجوهِ والبناياتِ والأشجارِ والبضائع،

والسَّياراتِ والشَّوارعِ والصِّور، واللافتاتِ والتَماثيل..

يَصطبغُ المَاءُ

بالكلماتِ المُلوَّنةِ

كلمات الباعةِ، والمتبضعين، وَصْفات الأطباء

عقود البَيع، أخبار الصُّحفِ،

كلمات الشِّعاراتِ على الجُدران، وفي السَّاحاتِ على الجِّباهِ والأكفِّ

يَغلي بالشَّتائم والمَدائحِ

بكلماتِ التملُّقِ، والنِّفاقِ، والحُبِّ، والبُغضِ، والازدِراء

........... (24)

وفي ما يلي كرّر لفظة "قطرة":

قُبَلُ الصخورِ

لفرطِ الحياةِ

تَنزلقُ عَبْرَ فجوةٍ في الليلِ

قَطرةً

قَطرةً

تُبللُ الأغنياتِ الحَبيسة

في خلايا الأرضِ

وتوقظُ الأبديَّة. (25)

فتكرار مفردة "قطرة" بصورة متتاليّة ورأسيّة يدلّ علی الهطول والنزول والتساقط المستمر، فهذه القطرات المتتابعة تُبلل الأغنيات المحبوسة في الأرض وسوف تؤدّي إلی يقظة الأبديّة.

هذا وقد كرّر الشاعر الأفعال بكثافة في ديوانه. ولا يخفی أنّ تكرار الأفعال في الجملة الشعرية يترک أثراً مهمّاً في بث الائتلاف والتناغم النسقيّ بين إيقاعات القصيدة علی اختلاف أنساقها الشعرية، وتمظهراتها اللغوية، ومثيراتها النسقيّة ضمن السياق، فالقارئ يستهويه تكرار الفعل، إذا كان مقوّماً من مقوّمات النبض الشعوري والإحساس الدافق بالمعاناة والتجربة (26). الفعل إذا تكرّر في المقطع الواحد، أو في القصيدة كلّها، فلاشك أنّ هناك غرضاً أو معنیً ما يؤدّيه هذا التكرار، ولا يكون الفعل المكرّر مجرد نسق زمني، أو حدث محدّد فارغ من التكثيف الدلاليّ، أو التدفّق الشعوريّ أو الترنم الإيقاعيّ.

ومن أمثلة هذا النوع من التكرار نجده حاضراً في نصوص الدكتور علي البديري:

سَالَ طعمُ الفِكرةِ أسودَ

حينَ قرَّرَ أنْ يموتَ

استلَّ عُوداً من حَصيرةِ جوعِهِ،

ورفضِهِ،

وفاقتِهِ..

نفخَ فيه من نارِه

تلوَّى

تلوَّى

تلوَّى... حتى انكمَشَ

محضَ فكرةٍ سوداءَ

لا تكترثُ لدخانِها العُيونُ الشَّاهِقةْ (27)

فقد كرّر فعل (تلوّی) بصورة رأسية متتالية ليدلّ بذلك علی مدی الالتواء الحاصل، فهذه الكلمة بظلالها تشي بتجدّد الالتواء. ومن الأمثلة الأخرى لهذا النوع من التكرار:

هذه الرَّغبة

- بأشواكِها الحُمرِ -

تَرشُ فُلفُلَ صَدري،

أشتعلُ...لليلٍ مُشتهى،

فأكتمُ.

أشتعلُ..

أشتعلُ..

فينبجسُ الطريقُ

بلوحاتِهِ الكثار... (28)

تكرار فعل "أشتعلُ" بصورة رأسيّة ومتموّجة يدلّ علی مدی هذا الاشتعال والتوهّج. والنقاط بعد الفعل (أشتعلُ..) تساعد علی هذا المعنی الذي يريد الشاعر التعبير عنه. وفي النصّ الآتي:

........

... ثم رأيتُه معجوناً بالرَّصاصِ

على الشاطئ...

صدقوني

رأيتُ قلبَه مُندَلقاً..

على الرمال،

ينبضُ..

رأيتُه ينبضُ

ثِقْ بي رجاءً...!

لا أدري ما ستقولُه

لكنني رأيتُ البحرَ - فعلاً -

يجمدُ،

والرجلَ المنخورَ بالرصاصِ...

يَغيبُ

في فجوةٍ منه. (29)

قام الشاعر بتكرار فعل "رأيت" تأكيد الاخبار والتقرير، فهول المنظر، ولعل استنكار المخاطب له يتطلّب من الشاعر هذا التكرار المكثّف.

وما يلحق بتكرار الكلمة ما يُسمّی بالتكرار الصرفيّ، حيث تتوالی في الجملة أو المقطع كلمات: أسماء أو أفعال، علی وزن صرفي واحد، وهو تكرار يوفّر للنص إيقاعاً موسيقياً مؤثراً؛ و«كما يخضع لهندسة عاطفية فإنّه يخضع أيضاً لهندسة موسيقيّة» (30). ثمّة شبه اتفاق علی أنّ التنظيم الصرفي في الشعر يخلق الإيقاع بوصفه نظاماً من الأٌوات المتوالية في زمن معين (31). التكرار الصرفيّ لا يخلو من علاقة بنفسية الشاعر، إذ إنّ اختيار اللفظ يجسّد الحالة النفسية للشاعر ساعة الإبداع. ومن نماذجه في ديوان البديري:

يَتقلَّبُ

يَمَرُّ/ يَضَرُّ/ يَبيَضُّ/ يَصفَرُّ/ يَسوَدُّ..

يَسخنُ/ يَبردُ/ يَمدُ/ يَذوبُ/ يَسخنُ.. (32)

الأفعال المضارعة في هذا السياق تمنح الدلالة تجدّداً واستمرارية، وتؤكّد السياق وتدعمه، فضلاً عن الصيغة الصرفية في هذه الأفعال، فيها جناس ساعد البناء النصي علی جرس العبارة وإيحائها. وقد حقّق هذا التكرار الفني نوعاً من التوازي البصريّ الأفقيّ، وأسهم في تعميق الدلالة، وإخصاب طاقاتها الإيقاعيّة.

تكرار الترکيب:

تكرار الترکيب أو الجملة هو تكرار يعكس الأهمية التي يوليها المتكلّم لمضمون تلك الجمل المكرّرة بوصفه مفتاحاً لفهم المضمون العام الذي يتوخّاه المتكلّم، فضلاً عمّا تحقّقه من توازن هندسي وعاطفي بين الكلام ومعناه؛ وربّما تكون هذه العبارة هي المرتكز الأساس الذي يقوم عليه البناء الدلالي للنصّ، فضلاً عن المهمّة النغمية التي يؤدّيها التكرار، وهذا النوع نجده حاضراً في قصائد كثيرة في ديوان الدكتور البديريّ.

ويحتاج تكرار الترکيب إلى مهارة ودقّة بحيث يعرف الشاعر أين يضعه، فيجيء في مكانه اللائق، وأن تلمسه يد الشاعر تلك اللمسة السحرية التي تبعث الحياة في الكلمات؛ لأنّه يمتلك طبيعة خادعة، فهو بسهولته وقدرته على ملء البيت، وإحداث موسيقى ظاهرية، يستطيع أن يضلل الشاعر ويوقعه في مزلق تعبيريّ. يعدّ تكرار الكلمة في النصّ، وتكرار الجملة في السياق ذا أثر عظيم في توافر الجانب الموسيقيّ، ولهذا التكرار من القيمة السمعيّة ما هو أكبر ممّا هو لتكرار الحرف الواحد في الكلمة أو في الكلام (33).

وقد عمد الشاعر إلی هذا النوع من التكرار في شعره:

قد تعودُ المنازلُ مساءً

بمؤونةٍ كافيةٍ من الأرصفة...

لستُ متأكداً...

لستُ متأكداً بعدُ من لهفةٍ

تحطُّ على كتفيَّ (34)

فقد كرّر جملة (لستُ متأكداً) المتشكّلة من الفعل الناقص (ليس) وإسمه وخبره، لنفي التأكّد. يعمل تكرار هذه اللازمة على ربط أجزاء القصيدة وتماسكها ضمن دائرة إيقاعية واحدة، وكأنّها قالب فني متكامل في نسق شعريّ متناسق. يكشف هذا التكرار عن إمكانيات تعبيرية وطاقات فنية تغني المعنى وتجعله أصيلاً، إذا استطاع الشاعر أن يسيطر عليه، وأن يجيء في موضعه، بحيث يؤدّي خدمة فنيّة ثابتة على مستوى النص تعتمد بنحوٍ أساسي على الصدى أو الترديد لما يريد الشاعر أن يؤكّده أو يكشف عنه بشكل يبتعد به عن النمطية الأسلوبية.

وفي قصيدة (بين جناحيّ... كلعنةٍ) كرّر الشاعر (ما لي كلّما) وهي صيغة استفهام تأتي صادمة للقارئ ومثيره:

ما لي كُلَّما فتحتُ عَينيَّ

أبْصَرتُ المَكانَ

يَنكتُ عَن ثيابِه

خَطايايَ!

........

ما لي كُلَّما تَوضَأ قلبي

تَعلقتِ الغَفلةُ بأطرافِهِ

كالقَراد!

.........

ما لِي كُلَّما بَكيتُ

غلَتْ خرائطُ النَّبيذِ في صَدري

.........

ما لي كُلَّما ألقَمتُ فَمي حَجَراً

سالَ

لُعابي،

وانْزلقَ لِسانِ على قَوسِ الشَّهوات! (35)

هذا النوع من التكرار يأتي في مستهلّ/بداية النصّ لتعميق الدلالة. ويعود هذا النوع من التكرار إلی اضطراب نفسية الشاعر المتوتّرة والتي وجدت في هذا التكرار البداية القويّة المتكثّفة للانطلاق والتحرّر من هذا الواقع المتدهور. فهذا النوع من التكرار الاستهلالي في بداية الجمل الشعرية يعكس درجة فائقة من الائتلاف والتناغم الإيقاعي علی مستوی المفردات، والجمل، والتراكيب جميعا، باعثاً فيها صدی إيقاعياً مثيراً يدفع الحركة التعبيرية إلی الأمام بتضافر نسقي ائتلافي في النص الشعري، ويسهم في شحن الخطاب الشعري بقوّة إيحائية ويفتح المجال الدلالي أمام القارئ للإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الخطاب وبذلك يستكمل النص عند الإجابة عنها.

يُعدّ التكرار في هذا النص تكراراً استهلاليّاً، أو كما يُطلَق عليه أیضاً تكرار البدایة، حیث یركّز هذا النمط في حالة لغویة، یتمّ تأكیدها عدّة مرّات في بدایة القصیدة. وكما يعرّفه الغرفي «هو نمط تتكرّر فیه اللفظة أو العبارة في بدایة الأسطر الشعریة بشكل متتابع أو غیر متتابع» (36). ویعرّفه محمد صابر عبید: «بالضغط علی حالة لغویة واحدة، وتوكیدها عدّة مرّات بصیغ متشابهة ومختلفة من أجل الوصول إلی وضع شعري معین قائم علی مستویین رئیسین: إیقاعي ودلالي» (37). بعبارة أخری، أنّ التكرار الاستهلالي هو التركیز في كلمة أو جملة من خلال تكرارها عدّة مرات. وتشترط نازك الملائكة فی التكرار الاستهلالي أن یحقّق انسجاماً وتناسقاً داخل المقاطع الشعریة فـ«یوحد القصیدة في اتجاه یقصده الشاعر إلّا إذا كان زیادة لا غرض لها» (38).

الخاتمة:

- يعدّ التكرار في النصّ ذا أثر عظيم في توفير الجانب الدلالي والموسيقيّ، ويكشف عن لواعج الشاعر واهتماماته، فالشاعر من خلال التكرار یحاول تأكید فكرةٍ ما تسیطر علی خیاله وشعوره.

- لقد إستخدم الشاعر علي البديري ظاهرة التكرار بأنواعها الثلاثة وهي الحرف (الصوت)، والكمة، والعبارة. وهذه الظاهرة في نتاجه الشعري أضفت جمالاً فنيّاً وثراءاً دلاليّاً وإيقاعاً ترنمياً، وقد أخرجت نصوصه من السطحية والرتابة إلی الظرافة والبراعة الفنيّة وتلذّذ القارئ بالنص.

- التكرار ذو صلة وثيقة بدلالات الكلام وأغراضه، ففي شعر البديري عندما تتكرّر بعض الحروف فهذا يدلّ على ميزة الحرف ودلالته الصوتية، وكذلك عندما تتكرّر الكلمات والعبارات يشعر المتلقّي بأنّ لتلك الكلمة أو العبارة أهمّية بالغة في كلامه، إضافة عن الإيقاع الذي يحدث في الكلام.

 

أ.م.د. رسول بلاوي

.............................

المصادر والمراجع

1- الصورة الشعرية عند أبي القاسم، مدحت سعيد الجبار، ليبيا، الدار العربيّة للكتاب، 1984م: 47.

2- جريدة الصباح، ملحق أدب وثقافة، العدد 3287، 7 كانون الثاني 2015م.

3- التكرير بين المثير والتأثير، عزّ الدين علي السيّد، ط2، بيروت، عالم الكتب، 1978: 136.

4- مذاهب الأدب الغربي ومظاهرها في الأدب العربيّ الحديث، سالم أحمد الحمداني، الموصل، مطبعة التعليم العالي، 1989: 246.

5- أبو فراس الحمدانيّ الموقف والتشكيل الجماليّ، النعمان القاضي، مصر، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ودار التوفيق النموذجيّة للطباعة والجمع الآلي، 1981: 501.

6- عبدالرحمن، ممدوح (1994م): المؤثرات الإيقاعية في لغة الشعر، دار المعرفة الجامعية، اسكندرية: 94.

7- موحيات الخطاب الشعري/دراسة في شعر يحيی السماوي، عصام شرتح، ط1، دمشق، دار الينابيع، 2011: 158.

8- لغة الشعر العراقي المعاصر، عمران خضير، ط1، الكويت، وكالة المطبوعات، 1982: 144.

9- من بين طينٍ وعشق، علي مجيد البديري، ط1، لبنان، دار الغاوون للنشر والتوزيع، 2012: 20-21.

10- المصدر نفسه: 53.

11- المصدر نفسه: 102.

12- المصدر نفسه: 72.

13- التشكيل التخيلي والموسيقي في شعر المقالح، عناية عبدالرحمن عبدالصمد أبوطالب، دمشق، دار الفكر، 2009: 281.

14- «دراسة الموسيقی الداخلية في الصحيفة السجادية»، حسن خلف وآخرون، اصفهان، مجلة بحوث في اللغة العربية وآدابها، العدد 8، 1392: 72.

15- من بين طينٍ وعشق: 25-26.

16- المصدر نفسه: 24.

17- المصدر نفسه: 20-21.

18- المصدر نفسه: 20-21.

19- التكرار في شعر محمود درويش، فهد ناصر عاشور، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2004: 60.

20- حركية الإيقاع في الشعر العربي المعاصر، حسن الغرفي، المغرب، إفريقيا الشرق، 2001: 84.

21- قضايا الشعر العربي المعاصر، نازك الملائكة، الطبعة الثالثة، بغداد، منشورات مكتبة النهضة، 1967: 321.

22- موحيات الخطاب الشعري/دراسة في شعر يحيی السماوي: 164.

23- من بين طينٍ وعشق: 47.

24- المصدر نفسه: 104.

25- المصدر نفسه: 85.

26- موحيات الخطاب الشعري/دراسة في شعر يحيی السماوي: 171 – 177.

27- من بين طينٍ وعشق: 103.

28- المصدر السابق: 61.

29- المصدر السابق: 64.

30- قضايا الشعر العربي المعاصر: 479.

31- في البحث عن لؤلؤة المستحيل، السيد البحراوي، بيروت، دار الفكر، 1988: 50.

32- من بين طينٍ وعشق: 105.

33- التكرير بين المثير والتأثير: 80.

34- من بين طينٍ وعشق: 20.

35- المصدر السابق: 25-26.

36- حركية الإيقاع في الشعر العربي المعاصر:81.

37- القصیدة العربیة الحدیثة بین البنیة الدلالیة والبنیة الإیقاعیة، محمد صابر عبید، دمشق، اتحاد الكتب العرب، 2001: 161.

38- قضايا الشعر العربي المعاصر: 269.

...............

[1]. الشاعر علي مجيد البديريّ من مواليد البصرة 1972م. أنهی تعليمه بكلّ مراحله في مدارس محافظة البصرة وجامعتها. وقد حصل على الماجستير في اللغة العربية وآدابها (الشعر الحديث) ـ كلية الآداب/ جامعة البصرة عام 1998م؛ وعلى شهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها (الأدب المقارن) في الكلية نفسها عام2010م. وهو الآن أستاذ مادة (الأدب المقارن) في قسم اللغة العربية بكلية الآداب/ جامعة البصرة. صدر ديوانه الموسوم بـ "من بين طينٍ وعشق" عام 2012م عن دار الغاوون ببيروت. حصل البديري على جوائز أدبية منها: جائزة الشعر في مسابقة القلم الحر الدولية للإبداع/ مصر 2012م، وجائزة النص الأدبي المفتوح في مسابقة العتبة الحسينية المقدسة/ كربلاء 2013م (2).

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4237 المصادف: 2018-04-12 12:12:46