المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

قراءةٌ في ديوان تباريح الطائر للشاعر عبد الفتاح المطلبي

يُمثّلُ الشعرُ العمودي العربي المُعاصر إمتداداً لحركة الشعر العمودي العربي القديم، وقد برعَ فيهِ شعراءُ كثيرون في زمننا الحاضر منهم المبدع الشاعر عبد الفتاح المطلبي ولا ععجب أن يبرُزَ شاعرنا في هذا الجنس الأدبي فهو من عائلةٍ أدبيةٍ معروفةٍ أنجبتْ شيخي المرحوم الأستاذ الدكتور عبد الجبار يوسف المطلبي والمبدع الناقد والأكاديمي الأستاذ الكتور مالك المطلبي والأستاذ الدكتور غالب المطلبي والروائي المبدع عبد الرزاق المطلبي وغيرهم آخرون من هذه العائلة.

صَدَرَ ديوانُهُ (تباريح الطائر) من دار (آراء) للطباعة والنشر، الطبعة الأولى عام 2018 وكان قد أصدر قبله ديوانه (تباريح) من الدار ذاتها عام 2017، يحتوى ديوان تباريح الطائر على إحدى وأربعين قصيدةً استغرقت مئتين وخمسَ عشرةَ صفحة.

ومن المعروف أن الشعر العمودي صعبُ المنال لا يعطي نفسهُ إلاّ للمبدعين ومنهم شاعرنا الأستاذ عبد الفتاح المطلبي الذي عُرِفَ بشاعريتهِ وتواضعه الجمّ الذي يدلّ على مكانته الأدبية، كتب الشاعر في جميع القوافي وانمازت بعض قوافيه دون غيرها بموسيقيةٍ رائعة، ضمّنَ الشاعر هذه الموسيقى بالصور الرائعةِ من خلال دلالات الألفاظ التي قصدَ إليها للتعبيرِ عن أحاسيسه الصادقة ولوعته والأشجان التي بثّها في أثناء تلك القصائد، وقد تميّز ديوانُهُ بظواهرَ إسلوبيةٍ محمودةٍ منها (التناصّ) الذي يبرز في ديوانه مُدللاً على ثقافة الشاعر الأدبيةِ وقراءاتهِ الواسعةِ لدواوين القدماء واطّلاعه على الشعر العربي القديم وقد وظّفَ هذا التناصّ توظيفاً رائعا لخدمةِ وإغناء مضمونية قصائده من ذلك قولهُ في قصيدتهِ (لمّا رأيتُكِ) :

(جاروا بنأيهمو عني وما رأفوا ..... وضجَّ بي حينما ودّعتُهمْ لَهَفُ) حصل التناصّ في عجز هذا البيت مع بيت الشريف الرضيّ الذي يقول فيه: (فوقفتُ حتى ضجّ من لَغَبٍ ....... نضوي ولجَّ بعذليَ الركبُ) وقد وظّفَ هذا التناص غير المباشر توظيفاً حسناً إذ طرّزهُ بمفردةِ (لَهَفُ) المؤلّفةِ موسيقاها من فاصلةٍ صُغرى بقافية مطلقةٌ مجردةٌ من الردفِ والتأسيس مما أكسبها رنةً هادئةً جاءت منسجمةً مع المعنى إذ أن اللهفَ لغةُ الحزنِ والتحسّرِوساعدَ على ذلك صوتُ الفاء المهموس الذي أثّرَ في الإيقاع الخارجي للقصيدة كل التأثير ويبرزُ المطلبي في هذه القصيدة من خلال معجمه الشعري الخاص بهِ إذ تتدفق البُنى الصرفية الجميلةِ من خلال المفردات التي استعملها وكأنك تقرأ لشاعرٍ عبّاسي إذ كانت قافيته الفائيةُ (لهفُ،دنفُ، تلفُ، جُرُفُ، سعَفُ تفاوتت بين مصادرٍ وجموع وأسماء وقد ظهرت في هذه القصيدة الرائعة لوعة الشاعر وحزنه الكبير وهو يرى وطنهُ مُضاعاً فيناجي رمزه الكبير (دجلةَ) بقولهِ (ألفيتُ دجلةَ في ضحضاحِها سَقَمٌ ...... فصحتُ يا طينُ يا موجاتُ يا جرُفُ) إنظر عزيزي القارئ إلى تعدد النداءات في العجز كيف يدلل على حزن الشاعر وحيرته أمام ما يحصل ليكمل حزنه وأسفه فيقول: (وقلتُ يا نخلُ هل غالتكَ غائلةٌ........ حتى يبسْتَ فلا طلعٌ ولا سَعَفُ)، استعمل الشاعر الفعل (غالَ) للدلالةِ على أن النخل (الذي يجسد به هنا الوطن) قد أخذَ من حيث لا يدري الذي يُرادُ بهِ وبهذا استطاع الشاعر من خلال هذه الصورة أن يجتاز متخيل القارئ وصولاً إلى الزمن الآتي المقرون بالخرابِ والعطب لأن الزمن هو الهاجس الذي يلحّ على مُتخيّل القصيدة ويمضي الشاعر في ألمه فيقول: (لا غروَ يا نخلُ أن ألقاكَ مُبتئساً......... فكلُّ شيءٍ سواكَ الآن مُنحرِفُ، هكذا يريد أن يبعث الأمل في نفس المتلقي بتأكيده على أنه رغم كل هذا الخراب الشامل والإنحراف عن المحجة لكن النخل (كنايةً عن الوطن) هو الثابتُ غيرُ القابلِ للإنحرافِ ونلمسُ من هذا استشرافا لحتمية انتصار الأوطان في المحصلة النهائية وقد غلّفَ الشاعر ذلك بالمرارة البائنة في جرس القصيدة وموسيقاها، وبحسب رأيي أن هذه القصيدة تحتاج إلى بحثٍ خاصٍّ بها .

وفي قصيدة (يا ساقيَ الليل) يُذكرنا الشاعر بابن زيدون وأحمد شوقي حين قال: (يا نائحَ الطلحِ أشباهُ عوادينا ..... نأسى لواديك أم تشجى لوادينا)، استعمل الشاعر صوت النون ليكون قافيةً لهذه القصيدة وهذا الصوت المتوسط ذو الإسماع العالي منح القصيدةَ موسيقى جميلة مؤثرة في نفس المتلقي مقرونةً بالأفعال المضارعة التي تدلّ على الإستمرار والتجدد في مثلِ قولهِ: (مالي أراكَ إذا هاجت مواجِعُنا.... تصكُّ سمعَكَ عمّا في حواشينا) الفعل تصكّ منحَ النص ديمومةً واستمراراً منسجماً مع استفهام الشاعر (مالي أراك؟) المحملِ بالحيرة والحزن بدلالة المفرداتِ: هاجتْ-مواجع، وهنا يجدر أن نقول أن الشاعر كان موفقا كل التوفيق في لغته العالية فهو متمكنٌ في النحو والصرفِ متمثلاً ذلك في استعمالاته اللغويةِ وبالخصوص في بيته الرائع: (ماذا دعاكَ لذكراهمْ وقد ذبُلَتْ.... أوراقُنا وخريفُ العمر يُنسينا)، كيفَ بدأ بالإستفهام (ماذا) ثم استخدم جملة الحال في موضعين (وقد ذبُلتْ أوراقنا) ثم (وخريفُ العمر يُنسينا) الحال الأولى جاءت من خلال الفعل (ذبُلَ) المؤكد بقد وقد استوقفني الشاعر باستعمال الفعل (ذَبُلَ) من الباب الخامس للفعل الثلاثي وعجبتُ من استعماله بهذه الصيغة لأن الذي أعرفهُ (ذبَلَ) من الباب الأول وإسم الفاعل (ذابل) وهذا لا يأتي من الفعل (ذبُلَ) وعند رجوعي إلى المُعجمات وجدتُ الرازي يتعجب مثلي بقولهِ (وذبَلَ البقلُ) أي ذوى وبابه نصرَ وذَبُلَ بالضمِّ أيضاً فهو ذابل وفاعل من باب (فعُلَ) بضم العين- (غريب) - مختار الصحاح (ذبل)، الأمرُ الذي دعاني أن أؤكّد إتقانَ الشاعرِ للغتهِ وثقافته اللغويةِ .. والحالُ الثانية (وخريف العمر ينسينا) جاء بالخبر جملةٌ فعليةٌ (ينسينا) فعلها مضارع للدلالةِ على الإستمرارِ والتجدد ومنح القصيدة الحركة فضلاً عن خريف العمر الذي يبعث في النفس الألم والشجن والحزن، أقولُ أن ديوان الشاعر بحاجة للدراسةِ لذلك ومن خلال هذا العرض المختصر أدعو إخوتي ممن يتصدى للنقد ودراسة الأدب بالكتابة عن هذا الديوان بعد قراءته ولأن صاحبَهُ شاعرٌ متمكن ذو نفسٍ عباسي كما أرى راجيا من جامعاتنا العراقية أن تفيدَ من نتاجِ شعرائنا والإفادةَ منها في مرحلة الدراسات العليا لدراستها وإلقاء الضوء على المسار الشعري الحاضر بدلاً من اجترار الموضوعات القديمة، يبقى ديوان الشاعر (تباريح الطائر) ديوانا مهما لأن كل قصيدة من قصائده تحتاج إلى بحثٍ خاصٍّ بها، أرجو للشاعر المبدع عبد الفتاح المطلبي التألق والمزيد من العطر.

ا. د. علي حسن مزبان

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

أشكر الأستاذ الدكتور علي حسين مزبان على هذا العرض الجميل والقراءة الكريمة لديوان تباريح الطائر وأصافحه ممتنا ، دامت فيوضك أستاذنا ودمت بالخير كله.

عبد الفتاح المطلبي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الدكتور علي حسن مزبان
ودّاً ودّا

فرحت بمقالتك المكتنزة , المكتوبة بذائقة ناقد عارف بجماليات قصيدة البيت وبتراث هذه القصيدة .
عبد الفتاح المطلبي شاعر أصيل يستحق شعره دراسات .
شكراً لأنك عرّفت القارىء بديوان المطلبي الجديد .
دمت في صحة وأمان يا استاذ علي .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

قراءة تعريفية في استعراضها الشيق لديون الشعري الجديد للشاعر القدير عبدالفتاح المطلبي . تهنئة في لقلب , واتمنى ان يحوز الاصدار الجديد على الاهتمام والقراءة
تحياتي لكم

جمعة عبدالله
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4249 المصادف: 2018-04-24 01:13:35