المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

الشاعرة عائشة الخضر في ديوانها: وللعشق موال أزرق

44 عائشةرمزية الحب في زمن الحرب واغتراب الواقع والإنسان

كان الفنان التشكيلي العالمي ماغريت يقول (إن الأزرق هو لون الحب المطلق) -- ويعرف المتمكنون من سبر أغوار رمزية الألوان مثل الفنان العالمي والمنظر التشكيلي كاندانسكي (أن الأسود هو ملك الألوان)

هذه التوطئة جديرة من ناحية رمزية أن تكون مستهلا / مفتاحا لقراءة العالم الشعري في تجربة الكتابة الابداعية للشاعرة عائشة الخضر (لونا عامر) .. وذلك لأننا بصدد تخييل شعري في تشكيل دلالاته تتصارع قوة الحب مع قوة المجهول الذي يعصف بالوجود الإنساني العربي كذات فردية وكذات جماعية .

تنهل الشاعرة السورية عائشة الخضر من معين خيال شعري يتسامى في قراءته للواقع من مستوى المحلية إلى الكونية، ومن مستوى الذات في تجلياتها العربية إلى الذات الإنسانية، لذلك ونحن نقرأ قصائد ديوانها (وللعشق موال أزرق) نجدنا بصدد شعر أهم ميزة له هو أنه من أبرز صور الشعر الإنساني، الذي مهما أوغل الإنسان في عجزه وأوغل الواقع في بؤسه، فإن الكلمة الشعرية تظل بالنسبة لعائشة الخضر رهان على تمجيد قيمتين نبيلتين وهما : الإنسان والحب .

قصائد مثل: " مقعد في حديقة؛ وغريب؛ وكأن أحبك؛ وعلى قيد انتظار " حين نقرأها ونحن نضع بين أعيننا قصائد من الديوان نفسه مثل " سورية؛ ومرثية شهيد؛ وهلوسة سيريالية في زمن الحرب " نجد أن الشاعرة تنسج رؤيا إبداعية تؤسس للإنسان الذي يقاوم مأساة الواقع بجعل (الحب) كقيمة إنسانية كونية هي السماء التي تطهر الأرض من بؤسها وانهياراتها وسقوطها .

تنتمي الشاعرة عائشة الخضر إلى السجل الرمزي العظيم ل (الشعر الغنائي) -- هذا أمر لا غبار عليه : كل مقومات الشعر الغنائي حاضرة في نصوصها الإبداعية، من الجملة المنحوتة من دم الوجدان وأغوار العاطفة الإنسانية، إلى بلاغة مجازات التوظيف الرمزي للطبيعة، وتسيد الأنا الشعري بضمير المتكلم كذات رمزية جوهرية، وتجليات صور الحزن والقلق والألم والغربة والاغتراب والحنين والنوستالجيا .. هذه الصور المتخيلة الغنائية الرمزية التي مهما تعددت فيها صور الوجع الإنساني .. فإن سؤال مصير وجود الكائن تلخصها الشاعرة وتمحورها في معنى كبير هو لحمة ديوانها، هذا المعنى الذي لا يكف يملأ وعينا بفكرة عليائية سماوية فراديسية : تجعل الحب من مجرد التعاطف البسيط إلى حمولته الروحية والثقافية والأسطورية هو الخلاص الكوني .

نعم .. تنتمي الشاعرة عائشة الخضر إلى سجل الشعر الغنائي .. فلغتها الشعرية من صميم الشعر الوجداني الذي يعيد كتابة الواقع بلغة شعرية رومنطيقة؛ لكن من وجهة قراءة نقدية صميمية : انها لغة ذات عمق شاعري تأملي وفلسفي ورمزي؛ لغة شعرية ترقى بالكلمة من مستوى الاستعمال العادي المألوف الى مستوى الاستعارة الأسطورية ومجازات التعبير الكوني الإنساني .

تقرأ قصائد عائشة الخضر فتشعر أنها جاءت الى الشعر من اطلاع واسع ومبحر على مختلف منجزات الشعر العربي من للقصيدة الكلاسيكية إلى الشعر الحديث .. ومن تمكنها من اللغة والبيان العربي .. ومن قراءاتها المتعددة في الأدب والفلسفة والدين والتاريخ والفنون .. لذلك فنصوصها ضاربة العمق في الذاكرة الكبرى للكلام والأدب وفنون القول والتعبير وسجلات المعرفة والفكر .

شاعرة : يحسب لها بكل اقتدار نقدي لا مجاملة فيه أنها لا تقلد أي صوت شعري، ولا تتوكأ على منجز شعري جاهز، بل تمتلك تجربة شعرية أصيلة .. وفي نظري النقدي الخالص أعتبرها صوتا شعريا رائدا في الإبداع النسائي السوري العربي .. فنصوصها المنحوتة من متخيل لغات الحب والصبابة والعشق متميزة واستثنائية وتجعلنا من خلال لغتها نصبو الى حياة خميرتها وإكسبرها الخالد هو الحب .

للعشق موال أزرق .. أليس هذا عنوانا كافيا ليكون بطاقة جمالية تعريفية وافية بالشاعرة عائشة الخضر .. ؟

الجواب النقدي والاستطيقي : أجل؛ ثمة امرأة مبدعة سورية تكتب القصيدة كموال شامي وكموشح أندلسي .. أزرق مثل أبدية السماء والبحر .. أزرق مثل المطلق الإنساني الذي ننشده ونحلم به في أزمنة العنف والحرب والألم والاغتراب التاريخي والايديولوجي الراهن.

 

محمد علوط - ناقد أدبي من المغرب

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4249 المصادف: 2018-04-24 01:13:20