المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

الفضاء الكرونوتوبي في قصيدة "أغنيّة البجع" لممدوح عدوان

رسول بلاويالملخص: تهدف هذه الدراسة إلی الوقوف علی تمحيص الفضاء الكرونوتوبي في قصيدة "أغنيّة البجع" للشاعر السوري ممدوح عدوان، وإبراز أثر هذا الفضاء في تحقيق العمق الفني للبؤرة الدلالية. وقد جاءت أهميّة دراسة هذه قصيدة من خلال تسليط الضوء علی مجموعة من العناصر التي شكلت بنيّة النص، وذلك عبر تجلياتها السرديّة المتمثّلة بـ: الزمان، والاستباق، والاسترجاع، والترتيب الكرونولوجي، والمكان، وثنائيّة الانفتاح والانغلاق. وقد توصّلنا إلی نتيجة مفادها أنّ الشاعر في هذه القصيدة اعتمد علی عنصري الزمان والمكان بصورة متداخلة حيث اتّخذهما لتجسيد مشاعره وأحاسيسه؛ فقد وجد فيهما دلالات وظيفيّة لتشكيل العمق الشعري. نجد الماضي حاضراً بشدّة في النص وهذا ينم عن تعلّق الشاعر بالذكريات التي حاول من خلالها كشف جوانب النص وإضاءته، ويعدّ الاسترجاع في هذا السياق متمّماً ومكمّلاً للبناء الزمني. وقد استدعی الشاعر أماكن لها انتداب في روحه فبعضها منفتحة وبعضها مغلقة، وهذا الاستدعاء يتّفق تماماً مع البنيّة الزمنيّة إلی حدّ التداخل والتوحّد.

الكلمات الدليلية: الفضاء الكرونوتوبي، الزمان، المكان، ممدوح عدوان، قصيدة "أغنيّة البجع".

المقدمة:

البناء الزمكاني يُعدّ من أهمّ عناصر النص؛ فقد يتداخل الزمان والمكان في علاقات جوهيريّة بغيّة تكامل التجربة الإنسانيّة، حيث يصعب الفصل بينهما في النصوص الفنيّة. فهذا التداخل يسهم في الكشف عن توجهات الكاتب والأيدلوجيا التي يريد التعبير عنها. فلا شك «أيّ إنتاج فعلي للنص الأدبي ما هو إلّا نتيجة لأيدلوجيا معاشة وذات فاعليّة، وبالتالي فإنّ هذه النصوص تتنوّع بتنوّع توجيهات أدبائها الأيديولوجيّة» (أبوالعمرين، 2014م: 51).

بحثنا هذا سيتناول فضاء الكرنوتوب ودوره في تشكيل البناء الزمكاني. فقد وجدنا الشاعر يستخدم عنصري الزمان والمكان ببراعة فنيّة في هذا النص، فجاءت صورة المكان بأنواعها المختلفة تكملة للبنيّة الزمنيّة. وإنّنا بغيّة استظهار وتمحيص الفضاء الكرونوتوبي قمنا بدراسة الزمان وركّزنا فيه علی الاستباق والاسترجاع واستشهدنا بنماذج من شعر ممدوح في قصيدته المدروسة أيّ "أغنيّة البجع"؛ ثم عرّجنا للمكان ودرسنا فيه ثنائيّة الانفتاح والانغلاق فهناك أمكنة منغلقة كالبيت وأخری منفتحة كالبحر. والجدير بالذكر أنّ الكثير من هذه الأمكنة المدروسة لها دلالات رمزيّة يمكن دراستها والتعليق عليها في هذا السياق. فقد وجد الشاعر فيها طاقات دلاليّة بامكانها أن تساهم في اثراء النص وفاعليته. وقد حاولنا بقدر المستطاع أن نکشف عن هذه الدلالات المقصودة في النص.

أسئلة البحث:

في هذه الدراسة سوف نحاول الإجابة عن الأسئلة التالية:

- كيف تمظهر الفضاء الكرونوتوبي ومستوياته في قصيدة "أغنيّة البجع" لممدوح عدوان؟

- ما مدی أثر ذلك التمظهر، والبناء الفني والجمالي علی المتلقي؟

- ما هي أهمّ الطاقات التعبيريّة والدلالات الإيحائيّة الناتجة عن فضاء الكرونوتوب؟

أهداف الدراسة:

تحاول هذه الدراسة توضيح الأهداف التاليّة:

- الوقوف علی كيفيّة توظيف الزمان والمكان، والتوحّد بينهما في قصيدة "أغنيّة البجع".

- الكشف عن الفضاء الكرونوتوبي ودوره في تشكيل بناء زمكاني في هذه القصيدة .

- معرفة الطاقات التعبيريّة والدلالات الإيحائيّة الناتجة عن فضاء الكرونوتوب.

حدود الدراسة:

هذه الدراسة تنحصر في قصيدة "أغنيّة البجع" المنشورة في ديوان "للريح ذاكرة.. ولي"، باعتبارها نموذجاً رائعاً لقصائد ممدوح المقاومة.

منهجيّة البحث:

اعتمدنا في إنجاز هذه الدراسة علی المنهج الوصفي التحليلي، إذ سنتناول بعض النماذج النصيّة لوصف الفضاء الكرونوتوبي في قصيدة "أغنيّة البجع"، وتحليل محتواها تحليلاً فنيّاً كاشفاً عن رؤية الشاعر التي يريد الإفضاء إليها.

خلفية البحث:

بالرغم من شيوع مصطلح "الكرنوتوب" في البحوث النقديّة إلّا أنّنا لم نعثر علی دراسة مستقلة تحمل هذا الإسم عنواناً لها. وفي هذا السياق نشير إلی بعض البحوث التي تقترب منهجيّاً إلی موضوعنا. هناك رسالة ماجستير للباحثة قمرة عبدالعالي (2012م) بعنوان "البنيّة الزمكانيّة في رواية الرماد الذي غسل الماء لعزالدين جلاوجي" في جامعة الحاج لخضر بالجزائر. والرسالة تهدف إلی دراسة البنيّة الزمكانيّة، دراسة تحليليّة تأويليّة؛ وقد اتجهت نحو إبراز أهمّ العلاقات الرابطة بين الزمان والمكان. ودراسة أخری للباحث منير بها العتيبي (2015م) موسومة بـ "البنيّة الزمكانيّة في روايات وليد الرجيب" في جامعة الشرق اأوسط.؛ وقد تناول الباحث فيها البنيّة الزمكانية، ودورها في بناء الروايات، وذلك بالوقوف علی تقنيات بناء الزمن التي وظّفها الكاتب في رواياته كالاستباق، والاسترجاع، وتسريع السرد وتعطيله، مع ما يرتبط بذلك من حذف، وتلخيص، ووصف، ووقفات مشهدية، وبتجليلة طبيعة الأمكنة التي جعلها عالماً لرواياته.

ومن الدراسات التي تناولت شعر ممدوح عدوان رسالة ماجستير للباحث صدام علاوي سليمان الشايب (2007م)، موسومة بـ "البناء السردي والدرامي في شعر ممدوح عدوان" في جامعة مؤتة؛ وهي محاولة لإضاءة البناء السردي والدرامي في شعر ممدوح عدوان، بغيّة الكشف عن ملامح التأثير الذي أغنی النصوص الشعرية، وما أضافه هذا البناء من مزايا جماليّة وفنيّة.وقد ركز الباحث فيها علی دراسة المكان، والزمان، والشخوص والقناع للكشف عن آراء الشاعر ومواقفه، وعن واقعه الذي عاشه. وراسلة ماجستير أخری للطالب محمد سليمان عيال سليمان (2000م) بعنوان "ظواهر أسلوبيّة في شعر ممدوح عدوان"، وقد تناول فيها الموضوعات التاليّة: الإنزياح، والتوازي، والتكرار، والتناص، والمفارقة. فلكلّ دراسة من هذه الدراسات السابقة منهجها ونتائجها الخاصة في نتاج الشعراء؛ ودراستنا هذه جاءت لتسلّط الضوء علی الفضاء الكرونوتوبي في قصيدة "أغنيّة البجع" للشاعر السوري ممدوح عدوان وهي دراسة جديدة في هذا المجال.

حياة الشعر:

ممدوح عدوان كاتب وشاعر ومسرحي سوري. ولد عام 1941م في قرية قيرون بالقرب من مصياف في محافظة حماة؛ تلقى تعليمه في مصياف، وتخرج في جامعة دمشق حاملاً الإجازة في اللغة الإنكليزية عام 1966م. عمل في مجال الصحافة السورية (جريدة الثورة) منذ عام 1964م، وكتب العديد من المقالات في الصحف السورية والمجلات العربية حتى وفاته عام 2004م بمرض السرطان.

يُعدّ الشاعر السوري ممدوح عدوان من أهمّ الشعراء العرب بعد جيل الرّواد المحدثين. يتميّز شعره بالموقف الحادّ والصارم ضمن مناخ وطني وقوميّ ملتزم، فهو من الشعراء الذين حملوا مهمّة الدفاع عن الحقوق العربيّة المغتصبة وعلی رأسها احتلال فلسطين، فجاء شعره ليعكس تجربته التي عاشها، كما يحمل الثورة والتمرّد. معظم قصائده تبيّن رؤاه ومواقفه من أحداث عاصرها واكتوی بنارها (الشياب، 2007م: 1). ممدوح عدوان شاعر مشهور وشهرته تأتي من كونه شاعراً كبيراً منذ أواخر ستينات القرن الماضي، وله في الشعر سبعة عشر ديواناً؛ وله مؤلفات في أجناس أدبيّة متنوعة، فكتب الروايّة والمسرحية والمقالة الصحفيّة (السابق: 1).

قصيدة " أغنيّة البجع"

مصطلح "أغنيّة البجع" هو تعبير يرمز إلی آخر محاولة أو جهد أو إنجاز يُودّی قبل الوفاة أو الرحيل. فالمؤدي يعي أنّ هذا هو آخر عرض له في حياته، فيبذل كل ما في وسعه في محاولة أخيرة مبدعة. يشير التعبير إلی اعتقاد قديم بأنّ طائر البجع يغني أغنيّة جميلة في الدقيقة الأخيرة قبل وفاته، والذي عادة ما يكون صامتاً في معظم حياته (www.marefa.org).

قصيدة "أغنيّة البجع" من أشهر قصائد ممدوح عدوان وأروعها؛ وتُعتبَر نداء أخير للأمة العربية تجاه القضيّة الفلسطينيّة. هذه القصيدة سرد قصصي لحرب البسوس التي دامت أربعين عاماً. أشعل نيرانها قتل جسّاس لابن عمه الفارس المغوار وائل بن ربيعة الملقّب بكليب، وانبری الزير سالم (عدي بن ربيعة) لأخذ ثأر أخيه المقتول غدراً. لقد اتّخذ الشاعر من هذه القصة مادّة خصبة لقصيدته كي يعبّر عن رؤيته وفكرته النضاليّة، ويتّخذ منها درساً لأخذ الثأر، والتحلّي بالنخوة والحميّة، ورفض الذل والهوان، ويستنهض همّة العرب ونخوتهم للأخذ بثأرهم وتحرير القدس. و"كليب" المقتول يرمز إلی الشعب الفلسطيني الذي أصبحت إرادته وكرامته مستهدفة.

الفضاء

الكثير من النقاد قدّموا الفضاء بوصفه معادلاً للمكان، وهناك من قدّمه بشموله للزمان والمكان معاً، والحق أنّ كل محاولة للتفريق بين الزمان والمكان لا تتمّ في الوافع إلّا في ظل وحدتهما واتصالهما، بل وتقتضي إلی اعتراف ضمني بهذه الصلة، فهما مترابطان بصورة وثيقة تنمع إمكانيّة الحديث عنهما منفصلين (مزهل، 2005م: 4).

يشمل مصطلح الفضاء – عند الكثير من الباحثين – المكان والزمان، لأنّ علاقات الزمان لا تمنح دلالاتها إلا في مكان، والمكان لا يدرك إلا في سياق الزمان (مقدادي، 2012م: 130)، «الفضاء أداء يشمل علی المكان والزمان، لا كما في الواقع، ولكن كما يتحققان داخل النص مخلوقين وحورين من لدن الكاتب، ومسهمين في تخصيص واقع النص، وفي نسج نكهته المميزة» (جنداري، 2001م: 25).

تجدر الإشارة إلی أنّ علاقة الزمان بالمكان غير مقيدة «بقانون سوی قانون الجمال كما أنّ كليهما ليس له ضابط سوی استخدام التقنيّة المناسبة للنص المناسب» (النعيمي، 2004م: 160). وعبدالملك مرتاض يری مفهوم "الفضاء" قاصراً في هذا السياق، فيفضل تسميّة "الحيز"علی "الفضاء" (مرتاض، 1998م:14) .

الكرونوتوب

يُعدّ الناقد الروسي "ميخائيل باختين" أهمّ ناقد أكّد علی العلاقة الوشيجة بين عنصري الزمان والمكان، واستخدامهما تحت مصطلح "الكرونوتوب"؛ وينطلق باختين في فهمه للكرنوتوب من استعماله الفصل بين الزمان والمكان، ويتعامل معه باعتباره مقولة شكليّة ومضمونيّة متناسقة (مزهل، 2005م: 6).

الكرونوتوب يعتمد علی إدماج الزمان في المكان لتشكيل فضاء واحد يسمّی بالفضاء الزمكاني؛ ويتّسم هذا الفضاء بالوحدة والتناسق والتداخل العضوي. إنّ الكرونوتوب يتحقّق دائماً في العمل الأدبي، وذلك بحضور المؤشرات الزمانية والمكانية التي تحقّق للنص أو الخطاب اتّساقه العضوي وانسجامه الدلالي. جاء تعريف هذا المصطلح في "معجم السرديات" كالتالي: «طبيعة المقولات الزمنيّة والفضائيّة المعروفة والعلاقة بينهما. ويحدّد المصطلح ويؤكد علی الاعتماد التام المتبادل بين الفضاء والزمن في أشكال التصوير الفني؛ فالنصوص تصوغ الواقع وتخلق صور العالم طبقاً لكرونوتوبات مختلفة من مركبات زمكانيّة وتتعدّد علی أساسها» (برنس، 2003م: 32).

عرض التفاصيل الدقيقية للطبيعة المكانيّة والزمانيّة في قصيدة "أغنيّة البجع" أصبحت جزءاً أساسيّاً من البناء النصي. فقد جاء تركيز الشاعر علی الفضاء الكرونوتوبي بوضوح تام وصيّره عنصراً مهمّاً وفعّالاً في سير الأحداث وجعله المحفز الرئيس للسرد من أجل رسم صورة كاملة للأحداث.

الزمان

حركة الزمن لا يمكن لها أن تنفصل علی أيّ حالٍ عن فضاء النص ككل، وذلك لأنّ حركة الفضاء ليست نتاجاً لمجری الزمن الحكائي والسردي فقط، بل هي نتاج مشترك لهذين العنصرينِ "الزمن والفضاء" (مزهل، 2005م: 5).

للزمن أثر كبير في بناء الأجناس الأدبية؛ وذلك لأنّ الزمن الأدبي زمن التجارب والانفعالات، وزمن الحالة الشعورية التي تلازم المبدع. فالزمن يمثّل عنصراً أساسياً في كل سرد، لأنّ «في ضوئه تترتّب مادة الحكي سواء اتّخذت شكل التعاقب أو التداخل، فهو يشكل بنيّة قائمة بذاتها ضمن العمل السردي» (محمود، 2014م: 6).

الزمن في مفهومه الأدبي آليّة مهمّة لها أبعاد وظيفيّة وجماليّة؛ فهو يشكّل أداة فنيّة في العمق الشعري، يدوّن بها الشاعر منجزه الفني، فيجسّد مشاعره وأحاسيسه ومادته الأدبيّة والشعريّة الخام من وحي الزمن، إذ تعد الأزمنة وما تحويه من أحداث منارة يستلهم منها الشعراء ضوءاً لبناء عملهم الشعري (الشياب، 2007م: 68). وممدوح وجد في الزمن مادّة خصبة لبناء نصوصه الشعرية لتجسيد مشاعره وأحاسيسه؛ ففي قصيدة "أغنيّة البجع" يُعتبَر الزمن آليّة جماليّة ذات دلالات وظيفيّة لتشكيل العمق الشعري.

رسم الشاعر لوحة تسجيلية متكاملة لوقائع ماديّة حسيّة ووجدانيّة تشكل حالة من الترابط والتماسك بين حاضره المؤلم والماضي الذي تغنّی به بكل شوق واعتزاز. فالتناوب بين الماضي والحاضر في هذا النص ينمّ عن تعلّق الشاعر بالذكريات التي حاول من خلالها كشف جوانب النص وإضاءته.

هذه القصيدة لم تكن مجرد أداة لغويّة تنقل لنا تفاصيل زمنيّة ماضية فحسب بل تشكّل بنيّة هندسيّة تعيد هيكليّة الأحداث الماضية في مكان محدّد من أرض الواقع. يخلط الشاعر بين الأزمنة فهو لا يعرف للزمن معنی فيسعی جاهداً لتحقيق هدفه ومبتغاه وهو أخذ الثأر عاجلاً غير آجلٍ:

ثأري قائم أبداً/ فثأري عمرُه أبدُ/ وإن لم أستردّ كليب/ عمري كلّه زبدُ/ ولست بخائف مما يجيء غداً/ لأنّ غدي هو الآنا/ هو الآتي الذي كانا (ص22)

فقد کرّس جهده وحياته علی الظفر بثأر أخيه، وقد خصّص له زمناً طويلاً (عمره أبدُ)، فيعتقد بالثأر يستطيع أن يسترد كليب ولا حياة ولا كرامة له إلّا بأخذ الثأر. يقارن الشاعر زمنيّاً بين الأحداث الواقعة في هذه الأمكنة قديماً وحديثاً وما طرأ عليها، فبينما الزمن يمرّ علی الشعب بمأساته وقساوته، لكن الأمكنة بأحداثها وويلاتها مازالت شاخصة علی أرض الوطن. فتمتزج حركة الزمن بالمكان في هذا النص لأنّ الزمن والمكان كلاهما ينطلقان نحو الأسوأ في البلد كما يری الشاعر، مع اختلاف يسير، فـ «الزمن يمرّ ويتغيير، والمكان لا يتغيّر، والأحوال لا تتغير، والشخوص لا يتغيرون لأنّهم محكومون بالمكان لا بالزمان» (محبك، 2012م: 14).

الإسترجاع

الاسترجاع يعود بحركة السرد إلی الوراء، فيستعيد الماضي بما يخدم اللحظة الحاضرة. كل عودة للماضي تشكّل استذكاراً يقوم به لماضيه الخاص، ويحيلنا من خلاله على أحداث سابقة للنقطة التي وصلها القص. فالإسترجاع «سرد لاحق، لحدث سابق، يعود فيه الشاعر للحظة سابقة بالنسبة لحاضر السرد (العجمي، 2011م: 38)، أو كما يعرّفه برنس «مفارقة زمنيّة باتجاه الماضي من لحظة الحاضر؛ استدعاء حدث أو أكثر وقع قبل لحظة الحاضر» (برنس، 2013م:16).

وممدوح يحاول إسترجاع الماضي ونفث الحياة في تفاصيله ليشكل وجوداً متخيلاً يتفاعل في مجراه وعي القارئ ويتشاكل معه. فيعود للماضي ويتغنّی به مع كل آلامه ومآسيه فقد وجده خير ملاذٍ يلوذ به من شبح الحاضر وكوارثه التي أفقدت البلاد معالمها وتراثها:

أغنّي الآن أغنيتي: سلاماً أصدقائي قاتليّ/ تمرّغوا في نُعيمات الذلّ/ كي تطغی علی طلبي/ سلاماً عتمة الآفاق/ سلاماً إنني أسري بغير براق/ سأسرق ضوءهم../ وأغيب/ كي يتذكروا، إن جدّ جدُّهُم، بأني كنت بدرَهُم/ وأنّ نهايتي موت لهم وظلام (ص17)

ففي هذا المقبوس يعود الشاعر إلی ماضيّه ويذكر قومه بمكانته الساميّة بينهم فقد كان لهم سابقاً بمثابة البدر الذي يضيء لهم عتمة الطريق. وفي ذلك لجأ الشاعر إلی الاسترجاع لإعادة عرض الأحداث السابقة، لتزويد القارئ بمعلومات تكميلية تسهم في فهم الحالة الفكريّة. فهذا الاسترجاع يسهم في إلقاء الضوء علی الأحداث السابقة ويساهم في إضاءة النص.    

الاسترجاع فضلاً عن دوره في تخليص السرد من الرتابة والملل، والكشف عن عمق التطور الحاصل في الحدث، يقول بتمكين المتلقي من رؤية الآتي في ظل معطيات الحاضر واسترجاع الماضي، كي تكون رؤيته واضحة وصحيحة (قصراوي، 2004م: 194).

في أغلب الأحيان يأتي الاسترجاع مرتبطاً بالفعل الماضي. التناوب بين الماضي والحاضر ينمّ عن تعلّق الشاعر بالذكريات التي حاول من خلالها كشف جوانب النص وإضاءته، ويعدّ الاسترجاع هنا متمّماً ومكمّلاً للبناء الزمني. التركيز علی الماضي يكشف عن تعلّق الشاعر بالذكريات التي حاول من خلالها إضاءة جوانب النص.

لقد كان ممدوح مستغرقاً في الماضي، واستغراقه كان إيجابياً حين أصبح الماضي محفّزاً ومحرّكاً لروح جديدة، نحو تحقيق الحلم، فهذا الماضي مسكون بحب الأرض والتعلّق بها، لذلك كان الماضي والحاضر لديه متلازمين ومتداخلين (الشياب، 2007م: 78).

ممدوح أفاد من هذه الآليّة في قصيدة "أغنيّة البجع" التي اتّجهت اتجاهاً قصصيّاً، إذ نجده يعود إلی الماضي في لحظات سرديّة معينة، ويفيد من هذه التقنيّة في تشكيل نصه:

سأنزل عن صليبي كي أصارحكم:/ أريد كليب/ وثأر كليبَ لا يخبو مع الأيام/ بل يتعتّق الثأر (ص20)

وهنا يستحضر استرجاع خارجي حين يستدعي مقتل هذه الشخصيّة التاريخيّة في حرب البسوس. فهذا الاسترجاع أضفی روحاً وحركة فاعلة في النص، وأتی محفّزاً ومنشّطاً للسكون والإيستاتكيّة. والاسترجاع الذي عمد إليه الشاعر في النص يجلب الماضي وأحداثه ليضعه أمام المتلقي، ويشكل لدی المتلقي فهماً للأحداث الماضيّة ومقارنتها بالأحداث الواقعة في الحاضر والمستقبل بعد ذلك.

الإستباق

الإستباق أو القفز إلى الأمام هو كل مقطع حكائي يروي حدثاً سابقاً عن أوانه، أو يمكن توقّع حدوثه؛ ويقتضي هذا النمط السردي قلب نظام الأحداث في النص عن طريق تقديم متواليات حكائية محل أخرى سابقة عليها في الحدوث، أو التطلّع إلى ما سيحصل من مستجدّات في المستقبل. وعلى المستوى الوظيفي تعمل هذه الاستشرافات بمثابة تمهيد أو توطئة لأحداث لاحقة، أو تكهّن بمستقبل. فالإستباق هو «المفارقة الزمنيّة التي تتّجه صوب المستقبل انطلاقاً من لحظة الحاضر؛ استدعاء حدث أو أكثر سوف يقع بعد لحظة الحاضر» (برنس، 2013م:158).

الاستباق ينطلق نحو المستقبل، ويأتي للتطلّع إلی الأمام، ومحاولة استكشاف المجهول. يبدأ الشاعر بالتنبؤ بما سيحدث لاحقاً، حيث يستخدم الشاعر في رؤيته المستقبليّة للأشياء أو ما ستؤول إليه الأحداث، (سين) التسويف، وكلمة (سوف) للدلالة علی الزمن القادم المستقبلي:

أبصر ما خشيت وما عرفت كعالمٍ بالغيب:/ رجلاً يهرمون بلا سنين/ وعارهم قد حط مرتاحاً محلّ الشيب/ وليس لديهم رمقٌ/ يذكرهم بما في عمرهم من عيب/ سأخرج من ظلام الصمت، أفضح عالم الأسواق/ أكشف لعبة كبری/ أقول، إذا استطعت،/ بيأسكم بعتم.. ولكن لا أبيع (19)

الاستشراف هنا استشراف تشاؤمي، حاول من خلاله الشاعر استباق الحدث لاستظهار صورة الحزن التي طغت علی النص.

الترتيب الكرونولوجي       

الكرونولوجيا تعني تقسيم الزمن إلی فترات، كما تعني تعيين التواريخ الدقيقة للأحداث وترتيبها وفقاً لتسلسلها الزمني، والجدول الكرونولوجي جدول يبين التواريخ للأحداث مرتبة حسب تسلسلها الزمني (القصراوي، 2004م: 23). وجاء في "قاموس السرديات" تحت هذا المصطلح، أنّه «تنظيم المواقف والأحداث وفقاً لترتيب حدوثها. إنّ المنطوق "اغتسل هاري، ثم نام" يخضع للتتابع الزمني الكرونولوجي بينما لا يخضع منطوق مثل "نام هاري بعد أن اغتسل" لهذه القاعدة» (برنس، 2003م: 32).

الفضاء الزمني العام لقصيدة "أغنيّة البجع" يخضع لنظام الترتيب الكرونولوجي (والشاهد النص السابق في مبحث الاستباق). فقد بدأ الشاعر بالزمن الماضي (أبصر ما خشيت وما عرفت ...) ثم استطرد كلامه حتی وصل للحال (وعارهم قد حط مرتاحاً محلّ الشيب/ وليس لديهم رمقٌ/ يذكرهم بما في عمرهم من عيب) وختاماً عبّر عن المستقبل بالسين (سأخرج من ظلام الصمت، أفضح عالم الأسواق/ أكشف لعبة كبری/ أقول، إذا استطعت،/ بيأسكم بعتم.. ولكن لا أبيع). فهذا الترتيب الزمني للأحداث يطلق عليه الكرونولوجيا.

المكان

يحتلّ المكان مساحة كبيرة في حياة الإنسان؛ فهو يبدأ في رحم الأم بيولوجيا، وينتهي في قبر يحمل حصيلة العمر بأكمله ثيولوجيا، ولذا فإنّه لا يمكن أن نتصوّر وجودنا بلا مكان، بل إنّ هذا الكون الفسيح الذي نعيش فيه ماهو إلّا جزء من مكان أكبر منه يحتويه ويحتوينا (أبوالعمرين، 2014م: المقدمة "أ"). المكان عنصر مهم من عناصر السرد، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالزمان والمكوّنات السردية الأخری، ويعكس خلجات ومشاعر وانفعالات الذات. المكان هو ذلك الفضاء أو المساحة التي تقع فيها الأحداث السردية فيكون حقيقيّاً مطابقاً للواقع أو تخيليّاً من صنع الشاعر. وقد أصبحت ذاكرة المكان مارسة وجوديّة تسعی لترسيخ هويّة الإنسان بوطنه.

الشاعر عند توظيف المكان يربطه بالزمن حتی يحافظ علی صلته، «فإنّ الشاعر المتأمّل يستطيع أن يكشف الصلة بينه وبين واقعه من خلال ارتباط الاثنين بمفهوم التقدّم والتطوّر والحركة، لذا فالمكان سوف يرفض أيّة تصوّرات لا تربطه بالحركة والزمن» (النصير، 1986م: 19). لقد رسم ممدوح عدوان الأمكنة التي تتعلّق بالواقع الفعلي في معظم قصائده، فنجده ينظر إلی المكان بنظرة مختلفة، فلم يعد المكان هو مصدر الطمأنيّة الإنسانيّة؛ فمن يتجرّع الظلم والاستبداد لابدّ أن يتغيّر إحساسه بالحياة، فينظر بعين القلق والخوف وعدم الثقة، وهكذا فقد غلب علی الأمكنة التي أوردها ممدوح في نصوصه عدم الشعور بالإطمئنان (الشياب، 2007م: 51 و52).

إنّ المكان في كثير من الأحيان، يحمل دلالات رمزية، فالنهر، والبحر، والصحراء، والسجن، والبيت، وغيرها من الأماكن ترمز لأشياء ترتبط بتجربة الكاتب ومغزی نصه. الفضاء الكوني الواسع الصحراء/ السماء/ البحر، يشكل رمزاً للتيه والضياع، والموت والمجهول.

ثنائيّة الانفتاح والانغلاق:

تنقسم الأمكنة في هذه القصيدة إلی أمكنة "مفتوحة" وأخری "مغلقة"، وهذه الأمكنة شغلت حيزاً واسعاً في فضا النص. وتقسيم المكان إلی "منفتح" و"مغلق" يُعتبَر المرتكز الأساسي لكافة مستويات المكان. إنّ ثنائية المنغلق والمفتوح تؤكّد علی علاقة متداخلة فيما بينهما، فالملغلق لا يشكّل دائماً مساحة ترتبط بالحزن والألم كما أنّ المنفتح ليس دائماً حيزاً للراحة والأمان، فهناك حركة دائمة بينهما (أبوالعمرين، 2014م: 57).

المكان المفتوح:

المكان المفتوح هو «حيز مكاني خارجي لا تحدّه حدود ضيّقة، ويشكل فضاءً رحباً» (عبود، د.ت: 30). إنّ الحديث عن الأمكنة المفتوحة هو حديث عن المجهول، لأنّنا نتحدّث في انفتاح ليس له حدود؛ هذا الانفتاح يشير إلی صراعات دائمة بين الإنسان وبين ما يحيط به من انفتاحٍ قد يكون إيجابياً أو سلبيّاً علی حسب التجربة المعيشيّة، فقد يفضي تنوّع المساحة المكانيّة في الأماكن المفتوحة إلی تموّجات وجدانيّة تصاعدية وتنازليّة علی حسب العلاقة الجدليّة القائمة بين الإنسان ومكانه (أبوالعمرين، 2014م:142). هذه الأمكنة ليست لها هويّة محدّدة، تنفتح علی المجهول، وقد يكون لها بداية في مخيلة المبدع، لكن ليس لها نهاية في مخيلة المتلقي (السابق: 59). تنقسم الأمكنة المفتوحة إلی فضاء بلا حدود وفضاء محدود.

فضاء بلا حدود

هذه الأمكنة المفتوحة لاتحدّها حدود، فهي وسيعة متراميّة الأطراف وإن وجد لها حدود في الواقع فهي غير محدّدة في مخيلة الشاعر والمتلقي بل تنفتح نحو عالم مجهول. ومن أبرز هذه الأمكنة "البحر" و"الصحراء".

البحر

البحر مفتوح بامتداده الشاسع وانفتاحه المجهول. ولا يخفى أنّ الخوف والخطر في سياق القصيدة البحرية مستوحٍ من الموروث البحري. فالشعراء منذ العصر الجاهلي عرفوا البحر، ووقفوا وقفات مختلفة عنده، صوّروا فيها مظاهره الواسعة المتنوعة، واشكال اصطناع العرب له في حياتهم، فاستوحوا منه الكثير من الصور في شعرهم. ومن أبرز هذه الصور التي شاعت في العصر الجاهلي هي تشبيه الممدوح في كثرة نواله، ووفرة عطائه بالبحر في أشد حالات فيضانه وامتلائه بالماء (عطوان، 1982م: 5). وفي العصر الحديث يحمل البحر شفرات نفسيّة عاليّة الإيحاء بالرهبة والضياع والإقدام والإحجام (أبوالعمرين، 2014م: 50). وقد استخدم ممدوح هذا الفضاء المفتوح للدلالة علی الخوف والرهبة:

آه يا ظهري وآه أخي،/ ببحر دمٍ يعومُ/ تحقّقت أحلامهم/ أبناء عمّي حقّقوها/ ثم عاد أخي ببحر دماه... (ص21)

لقد شحن الشاعر السياق بشحنة شعورية، استطاعت أن تجعل (البحر) في النص، ذا دلالة وظيفية تشير إلی الخوف والرهبة، واضافة البحر للدم تعزّز هذه الدلالة. وطبقاً لهذا الكشف الدلالي، فإنّ هذا النص يبتعد عن الأبعاد المعروفة لهذا الرمز، إذ أنّ البحر، كما يقول يونغ «يرمز إلی اللاوعي الذي تتحشد فيه آمال الإنسان وأحلامه ورغباته عارية عذراء لم تعرف قناعاً» (عوض، 1978 م: 103).

الصحراء

الصحراء تحمل الكثير من السمات العربيّة، إذ هي منبع الشعر والثقافة قديماً، وهي أصل الشاعر، تختزل في فكره عدّة مفاهيم وتصوّرات، أنّها «أكثر الأقاليم الجغرافيّة التصاقاً بوجدان سكان المنطقة العربيّة، فقد احتضنت ولادة الشاعر الجاهلي، الجذر الأول للثقافة العربيّة، وشهدت ولادة الدين الإسلامي» (كمال، 1978م:55).

تشكّل الصحراء مكاناً واسعاً فهي ببعدها الشاسع تمثّل حاجزاً يفصل الأقطار بعضها عن بعض، ولابدّ للذي يريد اجتيازها من أن يمتلك الصبر والمثابرة والشجاعة في مواجهة الأهوال والمصير المحتوم، لذا ارتبط مفهوم البعد والغربة عن الوطن بالصحراء، التي تمثّل حاجزاً واسعاً تفصل بين الأخلّاء والأوطان (الشياب، 2007م: 61). وفي هذا النص يتّخذ الشاعر الصحراء رمزاً وطنيّاً ودلالة سياسية واجتماعيّة للمكان العربي:

أنا البحّار جاء إلی صحاراكم/ وقد أحرقتم سفنه/ أتی ليری لديكم عمره/ لكنّكم أهدرتُم زمنه (ص23)

فهنا تمثّل الصحراء أرض الوطن، واستخدم الشاعر في هذا السياق تعابير تشي بالحزن والتوتر كـ "أحرقتم سفنه"، و"أهدرتم زمنه". إنّ الصحراء بوحشتها «قد تومئ إلی فضاء نفسي يميل إلی الحزن والوحدة» (أبوالعمرين، 2014م: 50).

فضاء محدود:

هناك أمكنة محددة في الواقع وفي مخيلة الشاعر ومن أبرزها المدن والشوارع؛ فهما من أشهر الأماكن المفتوحة المحدّدة بفضائها الواسع واللامتناهي من الأحلام والآمال والتي لا يقيّدها حكم أو تقليد.

المدن:

تُعدّ المدينة في الشعر العربي المعاصر من أهّم الإضاءات التي تلفت أبصار الشعراء، وبما أنّ المدينة مركزٌ هامٌ للتفاعل ومجاذبة الحديث، إلّا أنّها في عرف كثير من الشعراء سيئة الصورة، بسبب ارتفاع صوت القهر السياسي والبؤس الاجتماعي، وحدة الصراع من أجل النفوذ وإثبات الهوية للجماعة أو القبيلة أو الحزب أو الفكر. ومن هنا، بلور الشاعر المعاصر موقفه السلبي من المدينة، من خلال انتقاد ما يلفها من مظاهر، قد يكون في الغالب غير قادرٍ على استيعابها أو مسايرة نواتجها التي لا تتواءم مع مبادئ شاعريته (بلاوي وآباد،2012م:125).

من المهم المؤكّد أنّ المدينة مقدّمة في نتاج ممدوح عدوان بطريقة تختلف نسبياً عن موقف الشعراء العرب المحدثين من المدينة حيث رأوا فيها تشويهاً لطبيعة الإنسان وجناية على إنسانيته وطيبته، ومجالاً للقسوة والظلم والاختناق، وربما أيضاً مسخاً لأخلاقية الإنسان وخنقاً لنداء وجدانه، ذلك «أنّ حالة المدينة في الكون الشعري عند الشاعر هي جزء من مناخ التراجيديا المخيّمة على الوجود، وهي نفسها من وقود المأساة وليست بالضبط مسبّبة المأساة» (السابق: 125). يقول الشاعر:

ويبقی بيننا دَين عريق ليس في الدنيا له ثمنٌ:/ ستبقی بيننا المدنُ/ هي المدن التي جاءت إلی أهلي/ وصارت من أريج البيت (ص25)

ممدوح لا ينزعج من المدينة بل يراها تضجّ بالحياة، وتحمل الحلم والتاريخ والقهر والظلم. أضفی الشاعر علی "المدينة" جانباً من المسؤولية فأصبحت تمثّل جزءاً من الصراع.

المدن الفلسطينيّة

احتضن الشاعر واقع الوطن العربي، احتضن مدنه وبلدانه وقراه الفقيرة واحياءه البائسة التي يعشعش فيها الجوع والفقر والمرض والثورة، ذكرها واستشهد بها في شعره وسجّل معاناتها، وناداها، وتغنّی بأصالتها وجمالها وضرب الأمثلة بصمودها وصبرها وأحزانها. عندما يذكر الشاعر هذه المدن والمناطق في شعره فهو يتكلّم عن أهلها وشعبها وسكانها وما يكابدون ويعانون، وهو عندما يتحدّث عنها ويستشهد ويقسم بها ويضرب عنها الأمثلة يذكر الناس بوجودها ويتظلّم لأهلها. ومن أكثر هذه المدن توظيفاً في الشعر الحديث هي المدن الفلسطينيّة؛ وقد انعكس المكان الفلسطيني في هذه القصيدة المدروسة، وجسّد من خلاله الهمّ العربي؛ فهذه الأمكنة أصبحت تمثّل الكرامة والحريّة، وترمز للهويّة القوميّة والدينيّة:

يصبح بيتنا في السرّ خارطة/ به أولادنا مدنُ/ هنا حيفا../ هنا يافا../ هنا بيسان (ص26)

والشاعر من خلال استدعائه لهذه المدن استطاع أن يجعل القارئ يتنفّس معه الألم والقهر النفسي الذي يعيشه ضمن مكانه الخاص.

أغني الآن أغنيتي/ وأحمل مرهقاً غضبي/ تعالي يا يمامة واحفظي نسبي/ تعالي طوّقي قلبي بحلمك/ قبل أن يذوي ويغدر بي/ كفی بالموت نأياً يا يمامة فاصمدي الا تجزعي (ص27)

ففي هذا المقبوس استدعی مدينة "يمامة" مرّتين وتكرار هذه المدينة يحمل دلالات نفسيّة تتعلّق بالشاعر ونفسيته، وما يخالجها من عشق وحنين إلی هذه الأمكنة.

الشوارع

الشارع في شعر ممدوح من الأمكنة التي تبعث الخوف والرهبة والملل، فقد أصبح ساحة معركة وصراع؛ وقد يتحوّل إلی بوابة للموت، ومصدراً للقلق، كما قد يوحي بمدی الضيق والعزلة.

كيف أقول للمدن التي صارت بنيُ:/ تراجعي.. لم يبق في دنياي بعدُ مكان/ وأخرج من هموم البيت والمذياع/ ألقاها معلّقة بأسماء الشوارع والمدراس والحدائق والمتاجر (ص26)

فالشارع مكان مفتوح وهو مسار وشريان للمدينة، ومصب الليل والنهار وتجلياتهما. في هذا السياق "الشوارع" تشي بالهمّ والحزن، فالشاعر لم يجد مكاناً كي يلوذ به "لم يبق في دنياي بعد مكان" فيحاول أن يخرج من هموم البيت وما يسمعه من نشرة الأخبار التي تُبث من المذياع، لكنّه يواجه هذه الهموم معلّقة في الشوارع وسائر الأمكنة أيضاً.

المكان المغلق:

فضاء هذه الأمكنة يكشف عن صراعات قائمة بين هذه الأمكنة وبين الإنسان، فمنها ما يحقّق السعادة والألفة والمودة، ومنها ما يحمل الموت والفشل (أبوالعمرين، 2014م: 59). فبعض هذه الأمكنة المغلقة محبّبة لدی الانسان كالبيت والمقاهي مثلاً فيشعر بالراحة والألفة فيها، وبعضها تحمل القلق والعدميّة كالقبر. المكان المغلق ينقسم إلی قسمين؛ الأول تكون الإقامة فيه إختياريّة، والآخر الإقامة فيه إجباريّة خارجة عن ارادة الانسان.

إلاقامة الإختياريّة كفضاء البيوت، والغرف، والمقاهي. يختارها الشاعر طواعيّة للإقامة وقد تكون هذه الأمكنة محبّبة لدی الشاعر يرتاح لها.

البيت

هذا المكان المحدّد يختاره الانسان طوعاً للعيش فيه، فلاشك ستكون دلالاته إيجابيّة ومحبّبة حيث يجد الإنسان الراحة والأمان والسكينة في بيته. وقد يصبح رمزاً للوطن لشدّة الالتصاق بينهما. يقول ممدوح عدوان في قصيدة "أغنيّة البجع":

يصبح بيتنا في السرّ خارطة/ به أولادنا مدن (ص26)

وأيضاً يقول: ويبقی بيننا دَين عريق ليس في الدنيا له ثمنٌ:/ ستبقی بيننا المدنُ/ هي المدن التي جاءت إلی أهلي/ وصارت من أريج البيت (ص25)

اتّخذ الشاعر هذا المكان ملاذاً للحريّة والدفء والاستقرار. يعتبره دَين عريق لا يضاهيه مكان آخر في الدنيا، فهو يمثّل الوطن والاصالة. وقد يأخذ هذا المكان دلالة متناقضة:

تراجعي.. لم يبق في دنياي بعدُ مكان/ وأخرج من هموم البيت والمذياع (ص26)

فالبيت هنا يبعث الهمّ والحزن لانغلاقه فيحاول الشاعر الخروج منه باحثاً عن راحة البال.

المدارس

المدارس من الأمكنة المغلقة التي يختارها الإنسان طوعاً غير مرغمٍ ومن شأنها أن تبعث الأمل والمثابرة في النفوس، لكنّ الشاعر في هذا النص أضفی علی المدرسة جانباً من المسؤوليّة فأصبحت جزءاً من الصراع القائم في البلاد، ورمزاً للتعبير عن حالة الضيق التي يقاسيها أبناء الشعب، بعد أن كان هذا المكان مصدراً للراحة النفسيّة والطمأنيّنة، يبعث الأمل في النفوس، ويقدّم الخير للناس:

كيف أقول للمدن التي صارت بنيُ:/ تراجعي.. لم يبق في دنياي بعدُ مكان/ وأخرج من هموم البيت والمذياع/ ألقاها معلّقة بأسماء الشوارع والمدراس والحدائق والمتاجر (ص26)

المكان/ المدرسة في هذا السياق فقد لونه وطعمه ورائحته ورسالته، وأصبح مرتعاً للحزن فما أن يخرج الشاعر من البيت ليطرح همومه جانباً حتی يجد هذه الهموم معلّقة علی أسماء الشوارع والمدارس والحدائق والمتاجر. وهذا الأمر يدلّ علی عموميّة الحزن وشيوعه علی نطاق واسع في البلاد حتی يراه الشاعر متمثّلا في كل معالم البلد.

إقامة إجباريّة:

هذا النوع من المكان يمثّل الفضاء الذي يحوي حدوداً مكانيّة، وقد يکون ضيّقاً مغلقاً. هذا المكان المغلق/ الضيق يبعث السأم والملل، ولاسيما إذا فُرض علی الانسان قسراً.

السجن والزنزانة:

السجن من أكثر الأماكن انغلاقاً مكانيّاً ونفسياً، ويثير القهر القسري والعتمة. فهذا المكان المغلق يدلّ علی مأساة الشعب واضطهادهم.

سئمت براءتي من هول هذا الجرم/ صرت أغصّ بالماء/ الذي يطفو عليه الذلّ/ إن حياد سجني مفعمٌ بالذنب والغيثان (ص17)

فالشاعر يصف حالته المترديّة بهذه الأوصاف "سئمت براءتي" و"صرت أغصّ بالماء"، ثم هذا السجن رغم انغلاقه فقد يحيط به الذنب والغيثان. فالصورة التي يرسمها الشاعر صورة مزعجة وحالكة تشي بالقهر والحزن.

أمّا الزنزانة فقد ترمز أحياناً إلی الدأب والسعي لكل من ركب مركب الجهاد والمقاومة والدفاع عن كرامة الوطن:

أقول لعالم يبدو من الزنزانة:/ اسمعني/ ولا تسمع فحيح اليأس (ص19)

فهذا العالم رغم ضيقه وانغلاقه حسب رؤية الشاعر (حيث يبدو له من زنزانة)، لا يستطيع أن يقهر الشاعر ويثني ارادته.

القبر

القبر يشكل مكاناً ضيّقاً مغلقاً، وهو بمثابة مجمع ومثوی أخير، كما يمتاز بالظلمة والعتمة، ففي هذا المكان يموت الأمل وذلك بانقضاء صور الحياة، وتبقی الذكريات المحملة بعبق الماضي الغابر (الشياب، 2007م: 53).

الشاعر أحياناً يختصر الأرض بالقبر، وذلك ناتجٌ عن أثرٍ نفسي يشي بالحزن والقلق، فالأرض ضيّقة كالقبر. وكثرة المقابر تدل علی كثرة المجازر وتردّي الأحوال والظروف في البلاد. يقول ممدوح:

هم صنعوا لنا يأساً/ لكي يضحي لهم ستراً/ وكي يضحی لنا غدراً/ وهم صنعوه كي يسترسلوا في اليأس/ ثم يجود جلّادٍ، يجمّل ذلّنا، ليصير زيف كلامهم لقتيلنا قبراً/ وينسينا دماء كليب (صص19و20)

يمثّل القبر المكان النهائي للإنسان، وهو رمز للعجز والخواء والضعف. القبر كلمة تثير الخوف والموت، وتحملنا إلی نهايّة أبديّة.   

النتائج:

- ممدوح عدوان في قصيدة "أغنيّة البجع" للتعبير عن أفکاره ورؤاه، استخدم عناصر سرديّة تشحن النص بطاقات ودلالات شعوريّة؛ والفضاء الکرونوتوبي من أبرز هذه العناصر، حيث نری التوحّد والتداخل بين عنصري الزمان والمکان واضحاً جليّاً.  

- وجد الشاعر في الزمن مادّة خصبة لبناء نصوصه الشعرية لتجسيد مشاعره وأحاسيسه؛ ففي قصيدة "أغنيّة البجع" يُعتبَر الزمن آليّة جماليّة ذات دلالات وظيفيّة لتشكيل العمق الشعري.

- التناوب بين الماضي والحاضر في هذا النص ينمّ عن تعلّق الشاعر بالذكريات التي حاول من خلالها كشف جوانب النص وإضاءته، ويعدّ الاسترجاع هنا متمّماً ومكمّلاً للبناء الزمني.

- البيئة المكانيّة تشكل رافداً خصباً من روافد الصورة في النص العدواني. والفحص النقدي في هذه القصيدة يكشف عن مكانين أساسيين، الأول ما يمكن أن نطلق عليه المكان االمغلق الذي يمثّله "المقبرة" في هذا النص، والثاني ما يمكن أن نسمّيه المكان المفتوح الذي يمثّله "البحر".

- الکثير من الأماکن المفتوحة کالبحر والصحراء والمدينة والشارع، والأماکن المغلقة کالبيت والمدرسة والسجن والقبر تحمل في جسد النص دلالات رمزيّة تکشف عن رؤية الشاعر التي يريد الإفضاء إليها من خلال السرد.

د. رسول بلاوي

.......................

المصادر والمراجع:

- أبوالعمرين، جيهان عوض (2014م): جماليات المكان في شعر تميم البرغوثي، رسالة ماجستير، قسم اللغة العربيّة وآدابها في جامعة قطر.

- برنس، جيرالد (2003م): قاموس السرديات، ترجمة السيد إمام، ط1، القاهرة، ميريت للنشر والمعلومات.

- بلاوي، رسول؛ مرضيه آباد (2012م): «استدعاء المدن في شعر يحيی السماوي»، فصلنامه نقد وادبيات تطبيقي، جامعة رازي، كرمانشاه، السنة2، العدد 6، صص 121 – 136.

- جنداري، إبراهيم (2001م): الفضاء الروائي عند جبرا إبراهيم جبرا، ط1، بغداد، دار الشؤون الثقافيّة العامة.

- الشياب، صدام علاوي سليمان(2007م): البناء السردي والدرامي في شعر ممدوح عدوان، رسالة ماجستير، الأردن، جامعة مؤتة.

- عبود، أوريدة (د.ت): المكان في القصة القصيرة الجزائرية الثوريّة، رسالة ماجستير، كليّة الآداب واللغات، الجزائر.

- العجمي، مرسل فالح (2011م): السرديات: مقدمة نظرية ومقتربات تطبيقية، ط1، الكويت، آفاق للنشر والتوزيع.

- عطوان، حسين (1982م): وصف البحر و النهر في الشعر العربي من العصر الجاهلي حتی العصر العباسي الثاني، ط2، بيروت، دار الجيل.

- عوض، ريتا (1978م): أسطورة الموت و الإنبعاث في الشعر العربي الحديث، بيروت، المؤوسسة العربية للطباعة و النشر.

- القصراوي، مها حسن(2004م): الزمن في الرواية العربية، ط1، الأردن، دار الفارس للنشر والتوزيع.

- كمال، نجم الدين (1978م): المكان في النص الشعري، بيروت، دار الكتب العلميّة.

- محبك، أحمد زياد (2012م): نقد السرد، حلب، دار الفرقان للغات.

- محمود، حفيظة محمد (2014م ): «تحليل الخطاب السردي في ألف ليلة وليلة / حكاية خالد بن عبدالله القسري مع الشاب السارق أنموذجاً»، مجلة البلقاء للبحوث والدراسات، المجلد 17، العدد2، الأردن، جامعة عمان الأهليّة، صص 115 – 142.

- مرتاض، عبدالملك (1998م): في نظرية الرواية/ بحث في تقنيات السرد، الكويت عالم المعرفة.

- مزهل، صالح محمد حسين (2005م): الفضاء القصصي في قصص محمد صالح حيدره القصيرة، رسالة ماجستير، قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة عدن.

- مقدادي، موفق رياض (2012م): البني الحكائيّة في أدب الأطفال العربي الحديث، الكويت، عالم المعرفة.

- النصير، ياسين (1986م): إشكاليّة المكان في النص الأدبي: دراسات نقدية، بغداد، دار الشؤون الثقافيّة.

- النعيمي، أحمد (2004م): إيقاع الزمن في الرواية العربيّة المعاصرة، ط1، بيروت، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر.

http://www.marefa.org/index.php/%D8%A3%D8%BA%D9%86%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AC%D8%B9%D8%A9

اعد الصنعة ومعاييرها، وخروجا على الإيجاز الذي وسم لغة العرب بميسمه ، فهم (العرب) ميالون إلى تكثيف المعاني والتعبير عنها بأقل

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

هذه الدراسة بمنتهى الاهمية و يا حبذا ان ترفدها بدراسة لقصيدة زميله اللدود محمد عمران و اعني الدخول في شعب بوان. فهي ايضا مدخل لحداثة الجيل الاول.
و الحقيقة ان القصيدة النثرية بدأت نن هؤلاء و لم تواصل مع ما وضع اسيه محمد الماغوط.
بقي الماغوط و ادونيس صوتين منفردين و خارج السرب.

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4250 المصادف: 2018-04-25 12:45:38