المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

ضد الشعر.. صراع القيادة والريادة في العراق

علاء جعفر حسينفي مفارقة جميلة جاء احد كبار المصورين الى الشاعر (مالارميه) شاكياً؛ إنه لا يستطيع كتابة قصيدة، على الرغم من أن رأسه مليئاً بالكثير من الافكار. فجاءه الرد صاعقاً من الشاعر الفرنسي الكبير أن الشعر لا يصنع من "من الافكار بل من الفاظ " .

نعم لا يكون الشعر شعراً إلا إذا كان كل موحد يتسم بالتواصل والتداخل والتفاعل، بين كل من الفكرة والعاطفة والموسيقى اللفظية والصور الشعرية . ولكن الفكر بالنسبة الى الشاعر لا يمكن ان يكون كذلك إلا اذا وقع تحت طائلة الحس، ومع ذلك لا تكون الفكرة شعرية في حد ذاتها، لأن حالة الفكر المحضة هي بطبيعتها أبعد ما تكون عن الحياة الشعرية . " فـكانت " على سبيل المثال عندما يضع معايير للحكم على القيمة الجمالية لفن الشعر آخذاً بنظر الاعتبار الجانبين الاخلاقي والنفسي، يقرر " ان الشعر يربي المخيلة، ويوسع من آفاق الذهن، ويمدنا بما لا حصر له من الافكار " ويردف قائلاً كذلك، لعلنا لو حكمنا على قيمة الفنون الجميلة بالاستناد الى الثقافة التي يزودنا بها كل فن، أو مدى الترقي النفسي الذي يصيب ملكاتنا من جراء ممارسة هذا الفن أو ذاك، لكان الشعر اسمى الفنون الجميلة، وكانت الموسيقى آخر الفنون قاطبة " فالأخيرة ليس لها إلا استثارة وجداننا أو التلاعب بأحاسيسنا .

أنه خلط واضح بين مقولات الفلسفة العقلية ومقولات الفن الجمالية . بل نرى اكثر من ذلك أن الموسيقى فن رمزي يخاطبنا بلغة عميقة دقيقة، ألا وهي اللغة الوجودية الباطنية في اعماق ذواتنا .

أن ما يحدث في المشهد العراقي معرفياً وثقافياً لا تنطبق عليه هذه المعايير السالفة الذكر . فالشعر والموسيقى يأخذان بالامتداد والرفد الثقافي وتغذية الوعي بعد أن تكتمل صورة الدولة المؤسساتية – والعراق المأسوف عليه لم ير هذه اللحظة منذ تأسيس الدولة الحديثة 1921م . فلا العهد الملكي استطاع ان يهيكل الدولة مؤسساتياً، ولا حكم العسكر الذي مازال قائماً حتى اللحظة .

لعل قائل يقول وما ذنب الشعر وغيره من الفنون؟ أن ذنب هؤلاء هو عملهم على تنمية المخيله التي اشار اليها " كانت " وتركت المعايير الاخرى . فغدى الإنسان العراقي شخصاً يتغذى في كل وجبة شعراً، حتى انتفخ بطنه وأخذ عقله بالاضمحلال شيئاً فشيئاً . هذا العقل الذي اجهز عليه من قبل تحالف خفي ومضمر بين الخطاب الشعري والخطاب الديني، وغابت المقولات الفلسفية التي استندت إليها أغلب الدول الحديثة لبناء مؤسساتها .

أن ازدهار الشعر في العراق يكاد لا يضاهى بأي من البلدان العربية، لهو المتهم الأول الى ما آلت اليه الثقافة في العراق، فقد قام بالقتل الخطأ للوعي العراقي، وشيع العقل الى مثواه الاخير بقصيدة ! يا له من شيء مضحك مبكي في الوقت نفسه ! أن تقتل ثم تؤبن القتيل.

إن من ينصب ويعزل، ويسقط ويعُلي، ويغذي وجدانياً حد التخمة هم ملوك الشعر في العراق وحلفائهم! حتى أنك لا تجد من يصغي إليك إن قرأت وريقة تتسم بطابع عقلي، تعمل كمنبه لما يحدث من انتكاسة ثقافية على مستوى الوعي العقلي الثقافي ! وتراهم يركضون بل يتزاحمون على سماع قصيدة أو خطبة - هذا التحالف الخفي – دينية، سرعان ما تتبخر ولا يبقى منهما إلا الشهرة والاضواء لصاحبيهما!. وهذا هو العزل القسري للخطاب في العراق ! قد يبدو عزلاً غير واعياً من قبل هؤلاء لكن الذي فعلوه ويفعلونه الآن وفي القادم من الايام سوف يجعل من الساحة الثقافية في العراق عبارة عن سوق " عكاظ " .

لم يكتف هذان النمطان من الخطاب بذلك فحسب !بل عقدوا قرانهم !!على الذهن والذائقة العراقية،وتناوبوا عليهما صباحاً ومساء، بزواج كاثوليكي جديد،لا فكاك منه، حتى اصبحت هذه الذائقة مدمنة شعراً ووعظاً، على الرغم برغبتها الخفية الخجولة،من التخلص ولو مؤقتاً من زوجها الابدي.

إن ما يجب القيام به لحل هذا المشكل، هو اخصاء الشعر، والاكتفاء بما لديه من أولاد، وفسح المجال للخطاب التنويري لإنقاذ الثقافة العراقية من افيونها، وهو غير قادر على هذه المهمة، وذلك لوعيه بخطورة الموقف الثقافي وهويته التي يجب أن تستبدل، وإلا سوف يزداد الوعي العراقي سوءاً ويصل الى مرحلة الورم الخبيث الذي يسرقه في كل لحظة العلاج الكيمياوي الاحتفالي الكرنفالي التصفيقي المنبري.

 

د.علاء جعفر حسين. العراق

        

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4255 المصادف: 2018-04-30 02:09:30