المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

وقفة على سفوح البلعاس.. مع الشاعر السوري خضر عكاري

110 خضر عطاري- استطاع الشاعر خضر عكاري خلال رحلته الشعرية التي بدأت منذ أواسط الستينات ولا زالت مستمرة، أن يجد لنفسه ركناً في عالم صع، فنصب بيتاً من الشعر وجلس في صدره واضعاً أمامه منقلاً يحرق فيه حطب أيامه الخوالي، وذكريات حياته الماضية والآتية، ومعاناته اليومية، فتفوح رائحة الدخان والقهوة المرة من دلاله المرصوفة حول الجمر، تتسكع على أطرافه تتدفأ بظلاله، وتطأ الرماد، وعلى الايقاع نجد خضر عكاري حاملاً ربابته يسافر معها وقصائده الخاصة بمفرداتها النابعة من بيئة ريفية متزواجة مع بادية تطفر من سفوح البلعاس إلى دمه المتجذر في سلمية المملوءة بالغبار والغربان والشعر .. ليقف حاملاً مرايا حزنه الملونة، يرصد وجه الزمن الآتي لعله يشق درباً للضوء لسنونوات قلبه الذاهبة صوب الموت: (منفي في آخر بادية الشام

وخلفي تركض أمي

وحبيبتي المرهونة

تترجى الصمت

تصلي القمر المخسوف

تجفل منها النخلات العطشانة

تركض من صلبتني في الحب مزاراً

تقرأ أشعاري

الماتت من زمن الغيبة)

*أتى الشاعر خضر عكاري إلى القصيدة من مدينته – سلمية – عباءته ومولاته وسيدة عشقه، سلمية .. هموم العصافير التي تطاردها البواشق، سلمية .. قلبه الخفاق بين البحر واليابسة،، سلمية .. دمعة ديك الجن على ورد، سلمية .. الطفلة التي تتناوق فيها الفصول الأربعة إذ يتباهى النشيد، وترفرف بادية الشام بغدائرها حالمة بالحنطة والشعر، أتى الشاعر وفي شرايينه تبكي القصيدة صداها الملول، وتتراكض لهافة كرياتها البيضاء والحمراء والسوداء والخضراء ... الخ ..

أتانا كما يأتي العاشق حبيبته .. إنساناً بكامل غرائزه ودوافعه، بخيره وشره، ضمن عالم مملوء بالخراب، وواقع شرس كالذئب الجريح .. أتانا حلماً يروي سيرة البلعاس في القرون الوسطى حاملاً كل تناقضات حضوره وشعره، التناقض الذي يغريك بقراءة القصيدة مرات ومرات لتكتشف أنها جزء منك يتأجج في ذاكرتك عبيراً سرمدياً: (- موسيقا ونبيذ ولهاث

و لحاف يتكوم في العتبة

أتذكرها ليلة وعدي

كأنين عاشق في قصبة

موسيقا وسكارى،

أرصفة

حانات

كلاب

وحفيف خريف في عتبة)

* خضر عكاري يخرج إلينا من ضباب يغطي سفوح البلعاس بأشعاره التي تفتق صدر الظلام لتضيء آفاقنا العطشى لوقفة شعرية صادقة حاملاً أوجاع أمته ومنغصات أيامنا ليوقظنا من أحلامنا البهية ويفجعنا بأنين قصائده الذي يخمش الروح في هذا البرزخ .

* خضر عكاري حاد المزاج كالخنجر اليماني .. لاسع المفردات كالعقرب إلا أنه مبدع وخلاق كالغيم يغالط الكون ولغاته كي يقول ما يريد، يمتلىءحباً بالأرض والانسان، إنه مقهور بالشعر في زمن نواسي لا يتوقف عن الاهتزاز، زمن الداء المتألق، والموت الحقيقي، والقبلة اليابسة، ويبقة مؤمناً أن الشعر هو الخلاص ..بل هو خاتم سليمان ..، الشعر الظالم الذي لا يظلم إلا شاعره ويحرر كلَّ المظلومين: (- نامي

أيتها الرصاصة في جسد القبرة

وتشظي بين الأطفال هدايا

عمقي في القلب غصة

وعي صباحاً .. يا جارة البحر الأسود

المصفر

و عطري ثوبك النديان بالدم

حان آوان الزفّ

أسمع وهزّ – الدفّ –

و الكفُّ تنام على الكفّْ)

* لخضر عكاري .. قاموسه الحياتي واللفظي الخاص، حيث يتميز بألفاظ شعرية شرسة نابعة من علاقته التواشجية مع بيئته الحياتية والشعرية التي يتعايش معها بظروفها المكانية والاجتماعية والزمانية، ففي كل قصيدة كتبها تتوارد الكلمات كالقطيع على ماء القصيدة ألفاظاً حادة وشرسة تتقاتل كي تنال خصوصيته الشعرية، فقصيدته تحتاج علاقة حميمية بين الشاعر والآخر وهذا الأخر هو الوجود بكل ما يحتويه من أشياء مادية ومعنوية، فيبدو لنا من خلال قصائده كالذئب عندما تُجرح أنثاه ويقتل ولده، وأيّ شاعر لم تجرح أنثاه، ولم يقتل ولده: (- أعبر ممرات النوق الأزرق

أسرق بلواي وأهرب صوب مجرات

الوله الصافي

ألجم رعبك يا بلعاس وأصطاد عزائي

قاتلتي مرت فوق رصيف أخر

أدري أن بعينيها – رغرغ – دمع عزائي

وانفلتت صيحة سكير داعب خصلتها

المرهونة للريح الشرقية

والأغنية الغجرية

تصرخ في قاعات التاريخ المنحرفة)

* تتعب عند اقترابك من أشعار خضر عكاري فهي تدميك ولا تعزيك، تحزنك ولا تسرك، تدفنك في مقبرة مليئة بجثث الأشياء ولا تبعثك من جديد، كلماته قاسية بشراسى تخمش كل من حوله، حتى الحبيبة تبدو لنا في شعره شوكة أو سكين أو مخلب قط، أشعاره كالبادية بشوكها وغبارها وهوامها وبواحاتها ونسيمها المسائي الرائع، إنه لا يمتع القارئ بل يخزه بسادية قاسية ومغرقة في تعذيب النفس من خلال الأشياء المحيطة بها، كلّ الأشياء التي حوله يحاول أن يدمرها أو يظهرها لنا عرجاء أو جلفة أو منكسرة أو مصابة بلوثة عصبية، لا شيء إلا الحطام والركام .. والبقايا .. لا إنسان في شعر خضر عكاري بل جثث عفنة وخربة إنما رائحتها ذكية كدماء الشهداء ..

إنه شعر الكآبة والخيبة والبكائية واللوعة الدائمة والتوق لرحيل مستمر خلف العذاب والانكسار .. عالم الشاعر مدحور مرفوض وعبثي .. ولا قصيدة تخلو من هذه الانكسارات المباغتة، وهذه الشراسة في تحطيم الأشياء وعلى رأسها الانسان، ومن ثم البكاء عليها كطفل يحطم دميته ويبكيها .. شعره يعطي صورة للحياة الجافة الخالية من الانسانية، لا إنسان حقيقي في شعره، إنما هناك أشياء تلتهم هذا الانسان الذي لا نعرفه إلا من عذابه وقهره وتحطيمه لكل الأشياء الجميلة التي حوله، إنه يتعامل مع الانسان بالشراسة واللعنة كي يثبت أن هذا الانسان هو الأكثر فتكاً بهذا الوجود من هذه الطبيعة رغم قساوتها فهي أكثر رحمة: (- من حطب القلب أجمّرُ

برد شتائك

أستل بالوهج صقيعي)

* إن الشعر عند خضر عكاري نتاج علاقة حميمية بين خضر الانسان والبلعاس كجغرافية كونية تنهض لتمشي في خلاياه: (- انظر – شهقة ليلي

في رعشة آهي

أفلت روعي

يلهث في عظمي السوسُ

و ينهد على صدرك حيلي)

لقصيدته نكهة البلعاس في ربيعه وخريفه واخضراره وجفافه، زراعته وقلع أشجاره أوردته الأبدية، فتضج في عب قصيدته روائح الشيح والقيصوم والبطم والقتاد الشوكي .. وتتباهى براعم الجوري على ثدييها الطافحين بالحياة، وبين طياتها تنمو شقائق النعمان، وتطلع من حواكيرها هبات الحبق والبيلسان، وتتماوج بين سهولها ووديانها غزلان البادية المنقرضة .. فالبلعاس روح وريحان أشعاره وشاعريته، وعلاقته به علاقة المطر مع الغيم، والأرض مع الماء والشهيد مع دمه .

(مطر الوقت صحا

يشرب فنجان الشاي

قبرتي

في عينيها

يتثاءب مجد النوم)

هي إشارات إلى الشاعر خضر عكاري وقصيدته المنسابة عبر مجموعاته الشعرية التي نشرها، قد لا تغطي المساحة الشعرية التي احتلها الشاعر من خلال تجربته الشعرية في وسطنا الأدبي (أنالت إعجابنا أم لا .. تبقى هي تجربة تستحق الدراسة والوقوف أمامها كورقة من كلمات وزمان ومكان وإنسان).. لكنها أشارت إلى القصيدة وشاعرها المعتق في دنانها الأبدية .

 

كلمات: مهتدي مصطفى غالب

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4280 المصادف: 2018-05-25 01:54:30