المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

مسرح القسوة

صالح الرزوقحينما شاهد أرتو عرضا من عروض مسرح الرقص البولينيزي (من بالي في إندونيسيا) في آب 1931، حرك ذلك تيارا عريضا من الصور والتكوينات في كتاباته عن المسرح والجسد.

وسريعا، بدأ يسمي هذه العروض الجديدة في كتاباته باسم (مسرح القسوة). كانت الصور لديه ولمدة أربع سنوات تتناقض في طريقة تعليبها. وفي نهاية هذه المرحلة، في أيار 1935، حينما حاول أن يجسد هذه التصورات على الخشبة في مسرح من مسارح باريس، تبعثرت مجددا وتفككت أواصر الحزمة.

وحينما عادت إلى سطح ذهنه، لعبت دورا منشطا للقيام بسلسلة من الرحلات المجهدة والتي وضعت أرتو على المحك وقادته في النهاية إلى الحجز بالمصحة. وفي بعض أوقات مرحلة السنوات الأربعة عندما انشغل أرتو بمسرح تهيمن عليه الإيماءات والحركات المتأزمة والمتوترة، صنعت أعماله سياقا دقيقا نادرا له هدف وشيء من الانضباط، وقد نجم عن ذلك بيانات ونصوص جمعها في كتابه (المسرح وقرينه). ولكن معظم هذا الوقت، عانى أرتو من عجز في القدرة على الإبداع، والمهانة الشخصية والرفض من المجتمع، وهو ما أدى لأن يشك وتهتز ثقته ببواكير أعماله. ومحاولاته لعرض أعماله على الخشبة لبلورة حلمه سيقابلها فشل ذريع لا ينتهي، بالتوازي مع مشكلة الكحول التي عانى منها في هذه السنوات تحديدا.

ولد مسرح القسوة من مخاض مر به أرتو كان خلاله يهذي لنفسه عن المسرح، ثم حول ذلك المونولوج الذي يشبه الهوس إلى سلسلة من البيانات العدائية الموجهة لجمهور من الممولين والشخصيات الأدبية غير الواضحة المعالم. وفي هذه الفترة التي تميزت بتفكيك الذات – حيث كان البحث والتساؤل طريقة من طرق التحويل الثقافي – لم يقف مع أرتو غير شخص واحد هو جان بولان، وقد جاء بعد جاك ريفي في تحرير متابعات أدبية فرنسية La Nouvelle RevueFrançaise. وبوجه المعارضة المتنامية من الكتاب الآخرين المشاركين في المجلة، كان بولان هو المشجع اليتيم والحامي الأخير لأرتو. وخيمت على أرتو في هذه المرحلة المجاعة ولم تتراجع حدتها إلا لفترة قصيرة حينما كسب بعض النقود من أدوار قام بها في أحد أفلامه مع أنه شغل نفسه بالتحضير لمشروع من المشروعات المؤقتة في مسرحه.

وخلال هذه الأربعين عاما الفظيعة، كان مسرح القسوة يشار له غالبا باسم مسرح اللاممكن- لأنه ضروري لنقاء الإلهام الذي يتولد عنه، رغم أنه سطحي وميؤوس منه ومجازي في تفاصيله المادية الملموسة. وأحد أهم من عمل على تطبيق عملي لأرتو في مسرح الستينات، هو المخرج البولوني جورجي غروتوفسكي، وكان يؤمن أنه لتوظيف الافتراضات الظاهرية في مسرح أرتو عليك أن تقوض أسسها وتنفيها، وأن تتابع معها بإخلاص مطلق وهذا سيقودك إلى حالة كارثية تنتهي بالانهيار، حيث أن الأعمال لن يكون لها أي معنى. وفاقم بحث أرتو عن مسرح القسوة من موقف المخرج المتحمس لرؤية خاصة بالممثل والجمهور: والنتيجة فوضى إبداعية لكنها قابلة للتصعيد والانتشار. وبنظر أرتو إن مسرح القسوة هو فعل دقيق يكون التأثير النهائي له قادرا على ابتلاع الأدوات والوسائط. إنه مسرح خطير، ويهدد شخصيات وصور كل من المشاركين والمشاهدين. فهو لحظي (آني- من إنتاج اللحظة)، ولا يمكن إنجاز العرض الواحد مرتين: وعليه، هذا المسرح لا يثق بالكلمات، لأن النص بالضرورة يكرر نفسه. ولكن هذه الافتراضات، والناجمة من توتر يقاوم بلا هوادة كل المصالحات، سقطت في مهدها. لقد رأى أرتو، الذي وعد أن هذا المسرح الذي قوامه إشارات وصياح سيتضمن أيضا قوى من السحر وما فوق الطبيعة، أن عمله مختصر بسبب انخفاض الميزانية، وأنه يعمل على تمثيل أحداث اجتماعية، وحتى الإجهاد، وعلى خشبات مسارح في الشارع.

وقد حضر أرتو واحدا من العروض الراقصة التي نشأت في بالي الأندونيسية، وذلك في المسرح الأندونيسي، في مهرجان ضخم أقيم في غابة فينسين، على محيط القطاع الجنوبي الشرقي من باريس. وزار موقعا لأحداث أحد الأفلام في بواكير الربيع، وأدى دورا في "الصلبان الخشبية"، ثم عاد إلى باريس في منتصف تموز.

وسريعا بعد مشاهدة الأداء في 1 آب، كتب ما ترسب في لاشعوره بشكل مقالة نشرها في متابعات أدبية فرنسية. وجزء من هذه الاستجابة تضمنتها رسالة طويلة أرسلها إلى جان بولان حينما كان في رحلة إلى أنجو (الجزء الأسفل من اللوار). وكانت خبراته مع المسرح البولينيزي وكثافة إيماءاته أول مرحلة من ثلاث مراحل شهدها عام 1931 والذي وفر الأساس لمسرح القسوة. وفي نفس العام "اكتشف" أرتو لوحة في متحف اللوفر للفنان لوكاس فان دين ليدن، وهي التي ألهمته مفهومه عن بعدين إثنين في مسرحه: المكان والحوار. وشاهد فيلمين للأخوة ماركس، وهما (كسارة الحيوانات)، و(جنون)، وهو ما قدم لمسرح القسوة ارتباطاته مع الضحك والفكاهة كقوة تحطيم وتحرير لا حدود لها. بالنسبة لأرتو إن مسرح الرقص البولينيزي يحتوي كل العناصر التي وضعها في مسرح ألفريد غاري بشكل استراتيجية لمقاومة هيمنة النص ومسرح أوروبا السيكلوجي. وفيها تحتل الإيماءات مكانا مركزيا على أن يتنحى النص لموقع أدنى، بمعنى أنها تحتوي على النظام والمفاجآت السحرية. وقد أضاف أرتو هنا من مزاجه الشخصي العداء والهجوم على المجتمع وهي التهمة التي توجه له فيما يخص مسرح الإيماءات. وعلاوة على ذلك، في عام 1931 كان أرتو يطور مسرحا خطيرا حقا سيهدد أمن الكلمة والعالم وذلك بواسطة الأداء الغريب. ومن مسرح الرقص البولينيزي، أسس مشروعا للغة جديدة تعتمد على الإشارات الفيزيائية – فالممثلون سيكونون حروفا هيروغليفية مضغوطة ومحرضة. إن النشاط البصري عند أرتو سيكون فورا لفظيا وهذا يمكّنه من أن يتخلى عن أي عنصر نصي. فهو يرفض بحدة التقاليد المسرحية:"إن مفهوم أوروبا عن المسرح يفترض أن يقوم المسرح على النص، وأن يتركز كل شيء على الحوار، لأنه يعتبر نقطة انطلاق ووصول". ولكن أرتو لا يرى نصا في المسرح البولينيزي. لقد جذبه التشتت والإيماءات العنيفة التي تنتهي فجأة وتذهب إلى المجهول. وبالتالي هي تقدم لنا "سلطة وإبداعا نقيا، تحت مظلة الهلوسة والخوف". وفي تشرين الثاني عام 1998، تم استعادة إنتاج دقيق لمسرح الرقص البولينيزي الذي شاهده أرتو في آب عام 1931. وأعيد عرض هذا الإنتاج في مسرح أوديون في باريس. وقام بهذه المغامرة تلاميذ فرقة الرقص التي أدت العرض عام 1931 في المهرجان الكولونيالي. وقد أعيد الاعتبار في هذا الانتاج للعناصر الملموسة والبصرية والحسية التي تبلورت حولها فكرة أرتو عن المسرح الراقص البولينيزي.

لقد قدم أرتو موضوعة القرين في مسرحه. وهذا العنصر الغامض تطور ليهيمن على كتابات أرتو المسرحية كلها.

والقرين يمكنه أن يكون الحياة ذاتها، كما يعكسها في مسرحه، وأيضا القوة الغاضبة التي تسرق أعمال أرتو من وراء ظهره. والملاحظة الأخيرة التي وصل إليها من المسرح البولينيزي كانت في تغليب المخرج على العمل، ليكون فوق المسرحية ذاتها:" هنا المسرح يستبعد الكاتب لمصلحة ما نسميه، في لغونا المسرحي الغربي، المخرج، إنه منظم ساحر، وسيد الطقوس المقدسة". وفهم أرتو لمسرح الرقص البولينيزي وغلبة الإخراج عليه كان مبالغا به بالتأكيد، وتوسع منطقه لتأسيس رؤية فوق افتراضاته المرجوة. وقد كتب جيرجي غروتوفسكي يقول: إن بصيرة أرتو عن الرقص البولينيزي كانت "قراءة خاطئة في أعماقها". فقد نظر لللإيماءات بالخطأ على أنها عمل فوق طبيعي وعالج أـساسا ما هو ملموس ويومي. ولكن غروتوفسكي لم يستوعب فكرة أرتو. فالتزام أرتو كان لخلق مسرح جديد، وليس لتفسير المسرح القديم.

أما العنصر الثاني الذي ساهم في مسرح القسوة فقد جاء في أيلول عام 1931، حينما شاهد أرتو في اللوفر لوحة ليدن التي تعود للقرن الخامس عشر، والمسماة (ابنة الجموع). وقد تركت بهدوئها وطابعها الجنسي أثرا عميقا عليه. ووازى أرتو بين هذه اللوحة، وعروض الرقص البولينيزي التي شاهدها في الشهر السابق.

وقد رافق عددا من أصحابه لمشاهدة اللوحة في الأعوام التالية، حينما كان مسرح القسوة يتطور ويتضح، واعتبر أن ردود فعلهم كانت تشبه جمهورا يتابع مسرحية.

واهتم أرتو بتصميم المكان المشوه في اللوحة وعلاقتها بزنى المحارم وجو القيامة لتفسيرالشكل والمادة اللذين يريدهما في مسرحه الجديد. وبدأ ينظر للوحة على أنها نتيجة لاتجاه إبداعي مشغول عليه بحصافة، ويشبه التحكم بجمهور المسرح. وهو ما يمكن "تركيبه مباشرة على الخشبة، واستيعابه فورا على الخشبة أيضا"، دون حوار أو نص. ورأى أرتو أن اللوحة هي أيضا تجمع وتنقل إنجارات صوتية يمكن بها تحقيق أثر حيوي.

وقد كتب نصا يشرح فيه هذه الانطباعات ضمن تقاليد إطار البلاغة التحريضية والغاضبة التي استعملها في الكلام عن العلاقة بين المسرح والمجتمع. وقال:" أنا أؤكد أن الوضع الحالي للمجتمع متقبل وجاهز ليتلقى الضربة القاضية. لو أن هدف المسرح أن ينشغل بهذا، من الواجب أن يكون هذا هدف البندقية أيضا". وعنون نصه بـ "الإخراج والميتافيزيقا"، وكان استخدامه لمفردة "الميتافيزيقا" مرتبطا بالشعر الفعال والذي أمكن لمسرحه أن ينظر له كسلاح. ولكن المصطلح كان يبدو في البداية سطحيا وفوضويا حينما قرأ أرتو جزءا من نصه في مؤتمر عن "قدر المسرح" في باريس بتاريخ 8 كانون الأول عام 1931. واستقبلت مساهمة أرتو بـ "صمت مميت". وبعد يومين فقط، قرأ أرتو صيغة معدلة ونهائية من نصه في السوربون، واستحق عليها ثناء معقولا. وحملها جان بولان معه لينشرها في "متابعات أدبية فرنسية"، هكذا بدأت الصور والافتراضات الهامة في مسرح أرتو بالتوسع حتى أصبحت بيانات كاملة.

 

بقلم: ستيفين باربير

ترجمة: صالح الرزوق

Stephen Barber* أستاذ في جامعة كينغستون. ومتخصص بدراسة ثقافة المدينة.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4285 المصادف: 2018-05-30 13:44:32