المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

من شعرية الغموض إلى ظلال المعنى

منصور مهيديلقد عرفت ظاهرة الغموض اهتماماً خاصًّا في الدراسات النقدية على نحو عام، والحديثة منها على نحو خاص، كأسلوب أدبي له أسبابه الفنّية التي تفرضها الصناعة الشعرية وأساليبها البلاغية، من استعارات وكنايات وحيل مجازية تلبس النصّ وشاحاً يخفي المعاني ويسترها، حتى أصبح مقياس الوضوح والغموض أحد مقوّمات النصوص، وواضع الحدود بين أنواعها، ومن دواعي الغموض : إراد الخفاء، والتوّسع، والإيماء، واللّمح، والاختراع، والتولّد، .ومن الألفاظ التي دلّت على الغموض أيضاً (الغَلِق) و(التّعمية) و(التّعقيد) و(التلويح) و(اللّبس)[1].

وقد " نال مصطلح الغموض من القلق والاضطراب أكثر من أي مصطلح نقدي آخر لارتباطه بجوهر العمل الإبداعي من حيث المبدع والنص والمتلقي. ويعود هذا القلق والاضطراب في تحديد مصطلح الغموض إلى تعدد مستوى درجاته، وإلى الاختلاف في تحديد مفهومه، ومعرفة غايته وأهميته، كما تعود إشكالية تحديد مصطلح الغموض إلى مرادفاته اللغوية الكثيرة مثل التعمية والإبهام والاستغلاق والألغاز وغيرها من التسميات التي ربما يضلل بعضها المتلقي في تقدير أهمية المصطلح ومفهومه ووظيفته"[2].

وهو يخالف التعقيد المذموم الذي صوره لنا عبدالقاهر في قوله :"وأمّا التعقيد فإنّما كان مذموماً لأجل أنّ اللفظ لم يرتّب التّرتيب الذي بمثله تحصل الدلالة على الغرض حتّى احتاج السّامع أن يطلب المعنى بالحيلة ويسعى إليه من غير طريق "[3]

و قد اختلف البلاغيون والنقّاد في تحديد معنى الغموض، ولكنّ يجمع بينهم الاتّفاق على أنّه الكلام الذي يستوجب الجهد في استخراج معناه .بمعنى أنّ" الغموض قد يعني القصد إلى العديد من الأشياء، أو بمعنى آخر، الغموض هو احتمالية أن يعني الإنسان أمراً أو آخر أو الأمرين معاً كما قد يعني الغموض أيضاً أن تكون للعبارة معانٍ عدّة "[4]و عُرف الغموض عند القدماء أنّه" امتناع الكلام عن البوح بمعناه و ممناعته التّمكين منه لأوّل قراءة، إمّا لتعمية مصدرها الإعراب أو التقديم والتأخير وإمّا لإجراء اللفظ إجراء مجازياً يستبهم من أجله المعنى"[5].

وعلى العموم، فإنّ كلمة الغموض عندما ترد في التراث العربي القديم لم يكن يقصد بها انغلاق المعنى وعدم الاتصال مع النصّ أو مع المتلقي، بل كانت ترد بمعنى الغوص وطول التأمل والبحث للوصول إلى الغاية المطلوبة، و الغموض االمقصود "ليس ذلك الذي يصعب فتح أقفاله وتخطي أسواره ليصل إلينا، بل هو السمة الطبيعية الناجمة عن آلية عمل القصيدة العربية وعناصرها المكونة من جهة، وعن جوهر الشعر الذي هو انبثاق متداخل من تضافر قوات عدة من الشعور والروح والعقل متسترة وراء اللحظة الشعرية"[6].

يحاول أن يرقى به من التعمية إلى الفنية، فهو الغموض الفنّي الذي يكون غموضاً بناءً، يكشف عن رؤيا خلاّقة، ونظرة دقيقة، وفكر ثاقب، ولا يكون نتيجة رؤية مضطربة، أو لغة مبهمة، فالغموض الجمالي الذي نعنيه هو الغموض الذي يتولّد من طبيعة الرؤيا[7]. وهو غموض يشف عمّا يتضمّنه من المعاني، كما أشار إليه عبد القاهر الجرجاني، غموض يحتاج إلى جهد وتأمّل لإدراكه، فيقول عن الإجادة في المعاني وإدراكها بثاقب الفكر :"...وإنّما نحن في أمور تُدرك بالفكر اللطيف، ودقائق يوصل إليها بثاقب الفهم"[8].

وهو بهذا المعنى ذو صفة إيجابية فنية لا يمنع المتلقي من وصول المعنى إليه، ويعدّ الغموض البلاغي من أنواع الغموض المتولّد عن الأساليب البلاغية المختلفة؛ مثل أسلوب الالتفات والتشبيه والاستعارة والمجاز والتورية والكناية وغيرها، وهو ما يخلق نوعاً من تعدّد احتمالات المعنى، فضلاً عن اتساع دائرة التأويل والتفسير الناجمة عن هذا الغموض، " فالغموض بهذا المعنى يشكّل جوهر الشّعر، وهو نتيجة أساسية تميّز النص الشعري عن غيره، وتمنحه الخصوصية الفنّية والجمالية"[9].

وعدّ النقّاد الغموض من طبيعة التجربة الشعرية الصادرة من أعماق النّفس وأغوارها المضطربة، و عن الوعي الشعري المعقّد، الدافع الذي جعل النقّاد يقرّون بأنّ الطبيعة المعقدّة لماهية الوعي في الشعر هي سبب غموضه، واستغلاقه على القارئ .[10]"فالمبدع يتحرّك بحيويته الشّعرية من غموض النّفس الانسانية إلى بيان اللغة في أنساقها التصويرية"[11]، وهناك مدارس كثيرة ركبت موجة الغموض منها : المدرسة السوريالية، والمدرسة الرمزية، والمدرسة العبثية، ومدرسة اللاوعي

ولقد تفطّن عبدالقاهر الجرجاني (ت471هـ) إلى أنّ الشعر الجيّد لا بدّ أن يتشح بقدر من الغموض، هذا الغموض يزول مع القراءة الواعية، والفكر المتأمل المستنير، وهذا ما دعا إليه كثير من النّقاد في زمننا الحديث. ويستشف من حديث عبدالقاهر في أسراره أنّه لا يرجع هذا الغموض إلى ما يتكبّل به الشعر من قيود كالوزن، والقافية كما ذهب إلى ذلك أبو إسحاق الصابي والمرزوقي، وإنّما يرى عبدالقاهر أن سرّ هذا الغموض يكمن في طبيعة الشّعر ذاته، ولغته الخاصّة المتفرّدة.

ويعلّل عبدالقاهر سرّ جمال هذا الغموض؛ بأنّ المتّعة الحقيقية، واللّذة العميقة، يستشعرها الإنسان بعد المعاناة، والفكر، وبذل الجهد لاستكناه المجهول، ومعرفة بواطن الأمور فمن " المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له، أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيلُه أحلى، وبالمزية أولى، فكان موقعه من النفس أجلّ وألطف، وكانت به أضن وأشغف"[12]

و الغموض هو الذي يثير النّفس للبحث، ويستفزها للتفكير حين يكشف عن طرف المعنى، ويستر طرفاً آخر يمسك به المتلقي، ويدلف إلى النصّ ليكشف أعماقه، ويدرك أسراره. فالغموض ملازم للكشف، إلّا أنّه غموض شفاف، لا يتجلّى للعقل أو لمنطق التحليل العلمي، وإنّما يتجلّى بنوع آخر من الكشف، أي من استسلام القارئ له في ما يشبه الرؤيا، فإنّنا لا ندرك الرؤيا إلاّ بالرؤية[13]

وتتجلّى براعة عبدالقاهر الجرجاني عند تفسيره لهذا الغموض، فهو غموض لم ينجم عن سوء التأليف، وتعمد التعقيد، والتعمية، أو عن تلك القيود التي تحدق بالشّعر والشّاعر، وإنّما هو غموض نابع من طبيعة التجربة الشّعرية، ومن لطافة المعنى، ومن تلك اللّغة الشّعرية ذات الخصوصية، والمباينة لغيرها، التي لا تقف بك عند الصورة الأولى، وإنّما تشدّك لتأمّل ما وراء هذه الصورة من بناء ثان يكون هو المقصود والمراد. يقول عبدالقاهر: «هذا، وليس إذا كان الكلام في غاية البيان، وعلى أبلغ ما يكون من الوضوح، أغناك ذاك عن الفكرة، إذا كان المعنى لطيفًا، فإنّ المعاني الشريفة اللطيفة لابدّ فيها من بناء ثان على أوّل، وردّ تالٍ إلى سابق"[14].

ولذلك فإنّ المبدع الواعي – صاحب الرؤيا العميقة التي تعدّ من أهم بواعث الغموض[15] - يرى أنّ بنات قريحته ينبغي أن تظلّ مقنّعة لا تسفر عن جمالها إلا لمن يخطب ودّها، ويغالي في مهرها بالسهر والنظر والفكر والرويّة، ويقدّم عقله وقلبه قربانا لجمالها [16].

وقد أدرك عبد القاهر الأبعاد الجمالية للغموض، التي يتعمّده المبدع في كتاباته، لتلحق أثرا في نفسية المتلقي، وتثيره على المستوى الذهني، فتجده يتعب ويجتهد ويبذل كلّ طاقته التأملية والمعرفية ؛ لاستجلاء أبعاد المعنى، وعوالم النّص .وهذا ما جعل عبد القاهر أن يجعل الغموض مطلبا جمالياً، لا يستغني عنه أي مبدع في تصوير تجربته الابداعية. فأضحى الغموض بمثابة النظرية التي سيطرت على وعيه وتفكيره في كلا الكتابين- دلائل الاعجاز و أسرار البلاغة - ولعلّنا لا نغلو إذا ذهبنا إلى الرأي القائل بأنّ عبدالقاهر استطاع أن يجعل من الغموض نظرية تسيطر على البلاغة العربية حتّى عصرنا هذا[17].

وبذلك يصبح الغموض في لغة البلاغة ضرورة جمالية، يقتضيها العمل الإبداعي، ويمنحها قدرا من الاستمرارية المتجدّدة. أمّا العمل الذي ينشأ من لغة البساطة والابتذال، لا يثير القارئ ولا يحرّكه، فإنّه يقتل في حينه، ولا تشعر معه النّفس بأيّة لذّة أو متّعة في محاولة الوقوف عنده، لأنّه سافر لا نقاب له، يتأتّى لك بكلّ سهولة ويسر، وتدرك مراميه وأبعاده من أوّل لحظة من لحظات التّأمل.

فالإيحاء والغموض في الفنّ مطلب جمالي لا يستغني عنه؛ لأنّ الغموض كما قالت روز غريب يمنح الشعر إيحاء يتدرج بتدرج الغموض، و" كلّما ازداد الفنّ غموضاً زادت فيه قوّة الإيحاء"[18]ومن هنا نادى الفكر الحديث بضرورة وجود مقدار من الروح الإيحائي، أو الغموض في العمل الشّعري، يشبه مجرى خفياً لفكرة غير ظاهرة ولا محدّدة[19].

وترجع روز غريب غموض المعاني واستغلاقها على الفهم في الشعر إلى أسباب أخرى بقولها: " أما الصعوبة في الشعر فمصدرها إيجازه وما قد يتضمّنه من تعريض وتلميح، ومن ذلك عجز الكلام عن استيعاب المعنى بأسرها أو غرابة المعنى ورغبة الشاعر في الغموض وإثارة الفكر"[20].

فإنّ هذا الغموض النّصي يتجسّد في ثراء النّص الإبداعي، وتعدّد دلالاته وتنوّع قراءاته، ممّا يخلق نوعاً من اللّذة الحسّية والمتّعة الذهنية لما يحمله من خبايا النّص الذي تحمله المفاجأة و اللامتوقّع ـ الجديد الذي يصدم المتلقي ـ في صوره وجمالياته الفنية، وهذه الحال هي التي تخلق نوعاً من التواصل والألفة بين النّص والقارئ الذي يتلقّاه، وهو ما يجعله يشعر بأنّه في حاجة ماسّة إليه مهما يحمل هذا النّص من الغموض كي يطفئ من خلاله لهيب شوقه ومشاعره، ويرضي طموحه الذهني المتعطّش للجديد دائماً..

فأحيانا المعاني لا تنكشف لك، ولا تسفر عن وجهها، إلّا بعد المراجعة الطويلة والتأمّل الدقيق، فيكون لها من حسن الأثر على النفس، ما لا يكون لو تمّ حصولها من غير عناء، ويقول عبدالقاهر :"ومن المركوز في الطبع أنّ الشيئ إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى، وبالمزية أولى، فكان موقعه من النّفس أجلّ وألطف، وكانت به أظنّ وأشغف"[21].

فالغموض في الأعمال الإبداعية عملية موجّهة مقصودة وليس عملاً اعتباطياً، يهدف المبدع من خلاله شحن النصّ بطاقة فنية تجعله غامضاً، بحيث يطرح النص الابداعي بسبب غموضه إمكانيات متعددة، واحتمالات مختلفة للتأويل والتفسير.

ومن تأثيراته على المتلقي فإنّه " ينطوي على غاية معرفية هي إثارة فكر المتلقي، وتوسيع خياله، وحثّه على النّظر والروية، وعندئذ تطرب النّفس الإنسانية وتهزّها الأريحية"[22]، الذي يكون البيان الذي يشعّ من الغموض سبباً لها، " ليرتقي الغموض الفنّي في عرف عبد القاهر ويصبح ذلك البيان الشفاف الذي يخفي خلف شفافيته ثراء وخصوبة لا يستجيب معها، ولا يهتز لها إلاّ من أعطى الفنّ قدره ومكانته الحقيقية.

وتزداد قوّة الإثارة كلّما زادت درجة غموض المعنى واحتجاب دلالاته و استبهام مراميه، وحينها يبدأ المتلقي بمتابعة حركة النّص، ومحاولة إجلاء الغموض وإماطة اللثام عن المعاني شيئا فشيئا، بإعمال الذهن وإعادة النظر و دقة التأمل، والغوص في عوالم النص، لاستكناه المعنى، لأنّ "الغموض هو ما يمنح الفهم من أكثر من طريق أو تعدّد احتمالات المعنى"[23]، وكأنّ اللغة العالية لا تكون إلاّ غامضة، بعيدة المنال :" كالجوهر في الصدف لا يبرز لك إلاّ أن تشقّه عنه، وكالعزيز المحتجب لا يريك وجهه حتّى تستأذن عليه، ثمّ ما كلّ فكر يهتدي إلى وجه الكشف عمّا اشتمل عليه، ولا كلّ خاطر يؤذن له في الوصول إليه، فما كلّ أحدّ يفلح في شقّ الصدفة، ويكون في ذلك من أهل المعرفة، كما ليس كل من دنا من أبواب الملوك فتحت له "[24].

ومن خلال ما سبق ذكره حاولت أن أستخلص جملة من الخصائص الفنية التي ميزت الغموض وهي كالآتي :

- إراد الخفاء، والإيماء، واللّمح، والاختراع، والتولّد.

- يثير فكر المتلقي

- يفتح تعدد احتمالات المعنى و اتساع دائرة التأويل والتفسير

- يحتاج إلى دقة التأمل والنظر والروية

- المعنى فيه بعيد المنال

- يثري النّص الإبداعي ويزيد في لطافة المعنى

- له قوة إيحائية

- يعطي رؤيا عميقة

- الغموض دليل الشعرية المتألّقة

و إذا كان مصطلح الغموض قد نشأ في حقل التجربة الشعرية كممارسة فنّية، فلقد وجد ما يقابله في الدراسات القرآنية البيانية مصطلح الظلّ والظلال - حسب اعتقادنا-، حتّى لا نتجرأ على أنفسنا، ونصف القرآن بالغموض، وإن كان المقصود منه الغموض الفنّي الجمالي الذي يكون غموضاً بناءً يعتمد على فكر ثاقب، لا على رؤية مضطربة و لا على لغة مبهمة ومعقّدة.

فكيف لنا أن نصف القرآن الكريم بالغموض وهو الكتاب المحكم، والمنهل العذب، والمعين الزاخر الصافي والمعجزة الخالدة، الذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد، .ولا تحصى علومه، ولا تستقصى معانيه .ومن عجائبه أنه جمع بين الاعجاز والبيان، فجاء نظمه بناء محكما متلائم الأجزاء، في أتمّ تأليف وأروع تركيب . وهو الذي قال فيه سبحانه وتعالى :" الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ "[25].

وقبل الولوج في عمق الموضوع، واستخراج الخصائص الفنية والجمالية لما يقابل مصطلح الغموض ألا وهو الظل والظلال، قد يكون من الأهمية بمكان، الوقوف عند المدلول اللغوي والاصطلاحي للفظة الظلّ .

والظلّ لغة يعني :نقيض الضِّحّ، والظلّ يدعى ظلاً من أوّل النهار إلى الزوال، ثمّ يدعى فيئاً بعد الزوال إلى الليل[26].وأظَلَّني الشيء :غَشِيَني [27].

قال الشاعر :[28]

فَلَا الظّلَّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطيعُهُ     وَلَا الفَيءَ من بَرْدِ الغشِّيِّ تذُقُ

وجمع الظّلّ أظْلالٌ وظِلالٌ و ظُلُولٌ،  واستظلّ بالشجرة :استذْرى بها [29].

وفي القرآن الكريم ورد لفظ "الظلّ" مفرداً وجمعاً .

قال الله تعالى: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ﴾[30]

و قال الله تعالى : ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ ﴾[31]

وورد الظلّ بمعاني مختلفة في الحديث النبوي الشريف، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « سبعة يظلّهم الله في ظلّ العرش ...»[32] متفق عليه .

وفي حديث آخر : «السُّلطانُ ظلُّ الله في الأرض لأنّه يدفعُ الأذَى عن النّاس كما يدفعُ الظّلّ أذى حَرِّ الشمس»[33]

قال الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ﴾[34] .

وكلّ شاخص له ظلّ . وفي الظلال جمال وسحر واسترواح، ولحركة الظلال جمال أخّاذ و ساحر، تستمتع بها النّفس بمقدار ما فيها من مشاعر فنّية، وقد امتنّ الله على عباده بحركة الظلال بقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾[35]، وقد رسم القرآن الكريم صورة شاخصة للظلال، صورة حيّة نابضة بالحياة والحركة: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ﴾[36] .

وكما للشخوص ظلال، كذلك للألفاظ ظلال وارفة، ولا يدركها إلّا المتذوّق الحذق، وصاحب الرؤيا الثاقبة، كذلك التعابير الأدبية إمّا أن تكون تعابير ذهنية، تكتفي باستعمال مدلول اللفظ الذهني، وإمّا أن تكون تعابير فنّية يهيء الأديب فيها للألفاظ نظاماً ونسقاً خاصاً، يسمح لها بأن تشع أكبر شحنتها من الصور والظلال والإيقاع بتناسق تامّ.

فإنّ ميزة التعبير الأدبي الراقي :"هي الظلال التي يخلعها وراء المعاني، والإيقاع الذي يتّسق مع هذه الظلال " [37]، وتستمدّ الألفاظ المفردة ظلالها من جهتين[38] :

- الجهة الأولى : مما وراء الشعور، من الذكريات والصور التي صاحبتها في تاريخها الشخصي والإنساني على الزمن الطويل.

- الجهة الثانية : ظلالها وهي في نسق كامل.

إنّ الخيال هو الذي يتلقى ظلال الألفاظ لكون الظلّ هو الذي يُلقى في الخيال [39].

فإذا كان الغموض الفنّي كفيل بأن يرقى بلغة الشعر إلى سماء الإبداع الفنّي والتألق، و دليل الشعرية المتألّقة التي تتجاوب معها النّفس الإنسانية في ارتياد آفاقها وكشف مجاهيلها، فإنّ ظلال الألفاظ والتراكيب القرآنية كفيلة بأن ترقى بالقرآن الكريم إلى درجة الإعجاز، و يضمن من خلالها بقاءه السرمدي وخلوده الأبدي .وإن كان الله سبحانه وتعالى هو الذي قيض له الحفظ في الصدور والسطور حين قال تعالى :" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ "[40]

و من جهة تعتبر الظلال مكمن الإثارة الدائمة التي تحقّق للخطاب القرآني فنّيته و إعجازه، وتفتح مجال التعدّد القرائي فيه، ما جعل المفسرين لم يثبتوا على تفسير واحد وهم يجتهدون في تفسيره منذ أربعة عشر قرن .ومن جهة أخرى، تحقّق هذه الظلال على مستوى القارئ الوعي بالبحث والاكتشاف على مستوى الألفاظ والتراكيب، فتخلق متعةً في النّفس وإقناعاً في العقل، وهذا ما أطلق عليه الدارسون "متّعة الاستكشاف، أو متّعة السعي إلى تحقيق الاغلاق بفكّ رموزه وأسراره"[41].

وعليه تعدّ ظاهرة الوضوح والظلال في النصّ القرآني التي عبّر المفسرون عن جزء منها بالمحكم والمتشابه إحدى سمات النصّ التي تبيّن تفاعل النصّ مع الواقع، وبعبارة أدقّ هي نتيجة مترتّبة على نحو ضروري على حدوث فعل القراءة والتلقّي، فحكم الوضوح أو الخفاء ناتج عن جدلٍ في الواقع بين شيء مفهوم بدقّة وآخر غير مفهوم [42].

وقد ورد في القرآن الكريم ما يقرّ أن النصّ القرآني ليس كلّه بالمستوى نفسه من الوضوح، حيث يفهم من دون إعمال عقل، بل إنّ سمة الظلال وهي آلية متعلّقة بكيان النصّ ذاته، فيقول تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾[43].

ولعلّ ما يلاحظه القارئ المعاصر للتراث الذي خلّفه علماء القرآن هو التشابه المهمّ بين هذا الحكم، أي التفسير الغامض في النصّ بالواضح فيه، وبين ما توصل إليه النّقد الحديث من أنّ النّص يتضمّن مساحات مضاءة وأخرى مظلمة، وأنّ بالنّص أجزاء تعدّ بمنزلة (مفاتيح) دلالية تمكّن القارئ والمفسّر من الولوج إلى عالم النصّ، وكشف أسراره وظلاله، ففي كلّ نصّ مهما بلغت درجة خفاء معانيه وإيحاءاته هناك (فتحات ضوئية) تنير طريق القارئ لفهم الجوانب المستترة منه واكتشافها.

وبعد التحليل والاستنباط والمقارنة بين كل من خصائص الغموض والظلال، توصلنا إلى التقارب الكلي بين المصطلحين والتناغم الكبير الموجود بينهما والمميزات الفنية والجمالية التي تحكمهما .في هذا الجدول :

خصائص الغموص

خصائص الظلال

  1. الغموض يثير فكر المتلقي وخياله
  2. الغموض يفتح تعدد احتمالات المعنى
  3. الغموض مطلب جمالي
  4. الغموض يعطي رؤيا عميقة للمبدع والمتلقي
  5. الغموض له قوة إيحائية كلما ازداد الفن غموضاً زادت فيه قوة الإيحاء
  6. الغموض يثري النّص الإبداعي ويزيد في لطافة المعنى
  7. الغموض يخلق لذة شعورية ومتعة وجدانية
  8. الغموض إراد الخفاء وبعيد المنال
  9. الغموض دليل الشعرية المتألّقة
  10. الظلال مكمن الإثارة الدائمة
  11. الظلال تفتح مجال التعدّد القرائي في الخطاب القرآني واتساع دائرة التأويل والتفسير
  12. في الظلال جمال وسحر واسترواح
  13. ظلال الألفاظ ،لا تدرك إلّا بالرؤيا الثاقبة.
  14. في الظلال دلالات إيحائية ووظائف تأثيرية

  1. في الظل كثافة في المعنى وتصوير ومشاهد

  1. الظلال تخلق متعةً في النّفس وإقناعاً في العقل
  2. الظلال تحتاج إلى دقة التأمل والنظر والروية
  3. الظلال دليل الاعجاز القرآني

وفي الأخير حاولنا في هذا العمل المتواضع، حاولنا – كما سبق ذكره- أن ننفي الغموض في القرآن الكريم، تأدبا مع الله سبحانه وتعالى و تأدبا مع القرآن الكريم، وحاولنا كذلك أن نجد ما يناسب الغموض مصطلحا و مفهوما ويحتويه، وكذلك ارتأينا في ذلك ما يليق بمقام القرآن الكريم، فتوصلنا بعد التحليل والمقارنة إلى مصطلح الظل والظلال، لما يجمعه من خصائص فنية تتقارب في كثير من الأحيان بالخصائص التي عدّدناها لمصطلح الغموض .وأبعدنا مصطلح المشكل والمتشابه الذان يعدّان جزءا من الظلال .

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

 

إعداد الدكتور :منصور مهيدي

جامعة عبد الرحمن ابن خلدون – تيارت –

........................

[1] ينظر: ثريا عبدالوهّاب العباسي، موقف النقد العربي القديم من الغموض الفنّي في الشعر، مجلّة جامعة عبدالعزيز، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جدّة، المملكة العربية السعودية، م17، ع:2، 2009، ص:173.

[2] دريد يحيى الخواجة، الغموض الشعري في القصيدة العربية الحديثة، دار الذاكرة، حمص، ط1، 1991، ، ص: 56 ـــ 66.

[3] عبدالقاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص:129.

[4] وليم إمبسون، سبعة أنماط من الغموض، تر:صبري محمد حسن عبد النبي، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 2000، ص:4.

[5] حسين الواد، المتنبي والتجربة الجمالية عند العرب، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 2004م، ص:280.

[6] دريد يحي الخواجة، الغموض الشعري في القصيدة العربية الحديثة، دار الذاكرة، ط1، حمص، 1991، ص: 107.

[7] ينظر: رماني ابراهبم، ظاهرة الغموض في الشعر الحديث، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ص:108.

[8] عبدالقاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تح:محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيرروت، دط، 1982م، ص:210.

[9] كمال أبو ديب: في الشعرية، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، ط1، 1987، ص:231.

[10] ينظر:سعد الدين كليب، وعي الحداثة (دراسات جمالية في الحداثة الشعرية –دراسة -)، منشورات إتحاد الكتّاب العرب، دمشق، 1997م، ص:58.

[11] نذير العظمة، قضايا وإشكاليات في الشعر العربي الحديث، النادي الادبي الثقافي، جدّة، ط1، 2001م، ص:32.

[12] عبدالقاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص:139.

[13] ينظر :أدونيس، الثابت والتحول، بحث في الابداع والاتباع عند العرب، صدمة الحداثة والموروث الشعري، دار الساقي، بيروت، دط، دت، ج4، ص:150.

[14] عبدالقاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص:144.

[15] ينظر :خليل موسى، آليات القراءة في الشعر العربي المعاصر، ص:135.

[16] محمد طه عصر، مفهوم الابداع في الفكر النقدي عند العرب، عالم الكتب،، القاهرة، ط1، 2000م، ص:115.

[17] مصطفى ناصف، الصورة الأدبية، دار الاندلس، بيروت، ط1، ص:64.

[18] روز غريب، النقد الجمالي وأثره في النقد العربي، دار الفكر اللبناني، بيروت، ط2، 1983م، ص:98.

[19] ينظر :المرجع نفسه، ص:102.

[20] روز غريّب، النقد الجمالي وأثره في النقد العربي، دار الفكر اللبناني، بيروت، ط2، 1983م، ص56..

[21] عبدالقاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص:139.

[22] محمد طه عصر، مفهوم الابداع في الفكر النقدي عند العرب، عالم الكتب، القاهرة، ط1، 2000م، ص:118.

[23] عصام محمد أحمد، الغموض في النص الأدبي، اللغة بوصفها لازمة للوضوح والإبهام معاً، مجلة الرافد تصدر عن دائرة الثقافة (مقال من الانترنيت )

[24] عبدالقاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص:141.

[25] هود:1.

[26] ابن منظور، لسان العرب، ج5، ص:512، مادة: (ظلّ)

[27] الفيروز آبادي، قاموس المحيط، ص:964، مادة:ظلّ.

[28] ابن منظور، المصدر السابق، ج5، ص:513.

[29] المصدر نفسه، ج5، ص:513.

[30] الرعد:35.

[31] الرعد:15.

[32] رواه البخاري (660)، زمسلم (1031)، حسّن إسناده الحافظ في الفتح الباري، ج2، ص:169

[33] سيد قطب، النقد الأدبي، النقد الأدبي أصوله ومناهجه، ، دار الشروق، القاهرة، ط1، 1983، ص:70.

[34]الفرقان :45.

[35] النحل:48.

[36]الفرقان :45.

[37] صلاح عبد الفتاح الخالدي، نظرية التصوير الفني عند سيد قطب، ص:99.

[38] سيد قطب، النقد الادبي، ص:70.

[39] ينظر :سيد قطب، التصوير الفنّي في القرآن، دار الشروق، القاهرة، 1988م، ص: 76.

[40] الحجر:9.

[41] مصري حنورة، علم نفس الأدب، دار غريب، القاهرة، ط1، دت، ص:45.

[42] ينظر:محمد بن أحمد جهلان، فعالية القراءة واشكالية تحديد المعنى، في النصّ القرآني، ص:120.

[43] آل عمران :7.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (5)

This comment was minimized by the moderator on the site

" الغموض في التعبير يأتي من الغموض في التفكير " : هذا هو رأي معظم - ان لم يكن كل - الكتّاب والشعراء العمالقة في الأدب العالمي . وأرجو من الكاتب الفاضل أن يطلع على كتاب " حصيلة حياتي " لسومرست موم . الذي يقول أنه لم يكره شيئاً في الكتابة الأدبية مثل الغموض . كل الروائع الأدبية العالمية يتسم بالوضوح ، رغم أنها يمكن تأويلها على أكثر من وجه . كما في اسلوب " الجبل الجليدي " الذي انتهجه الكثير من الكتّاب المبدعين ، ومنهم إرنست همنجواي .

د.زينب الجلبي
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي الخالصة للدكتورة زينب الجبلي على تعليقها ،ونحن مع طرحك لكون الوضوح هو الأصل في الأشياء ، لكونه يجانب التعقيد والتعمية واللغاز،ولكن الوضوح في الكتابات الابداعية والشعرية يعدّ مطلبا فنيا وجماليا وهذا هو المقصود ،ومحمود درويش كفر بالوضوح حين قال :لن تفهموني دون معجزةٍ
لأن لغاتكم مفهومَةٌ
إنَّ الوضوح جريمةٌ
و غموض موتاكم هو الحقُّ – الحقيقةُ."
|وأنا هذا ليس موضوعي وإنما أردت من خلال ما كتبت إيجاد ما يقابل الغموض في الدراسات القرآنية وهذا بيت القصيد...تحياتي بلا جراح

الكاتي د. مهيدي منصور
This comment was minimized by the moderator on the site

د. مهيدي منصور

تحياتي الخالصة للدكتورة زينب الجبلي على تعليقها ،ونحن مع طرحك لكون الوضوح هو الأصل في الأشياء ، لكونه يجانب التعقيد والتعمية والألغاز،ولكن الغموض في الكتابات الابداعية والشعرية يعدّ مطلبا فنيا وجماليا وهذا هو المقصود ،ومحمود درويش نجده قد كفر بالوضوح حين قال :لن تفهموني دون معجزةٍ
لأن لغاتكم مفهومَةٌ
إنَّ الوضوح جريمةٌ
و غموض موتاكم هو الحقُّ – الحقيقةُ."
|وهذه المفارقة في توظيف الغموض من عدمه ليست موضوعي ،وإنما أردت من خلال ما كتبت إيجاد ما يقابل الغموض في الدراسات القرآنية وهذا بيت القصيد...تحياتي بلا جراح

الكاتب د. مهيدي منصور
This comment was minimized by the moderator on the site

( الغموض في التعبير يأتي من الغموض في التفكير " : هذا هو رأي معظم - ان لم يكن كل - الكتّاب والشعراء )
هكذا تقول السيدة زينب الجلبي وهذا كلام يفتقر الى الدقة وفيه تعميم ثم ان السيدة زينب الجلبي ربمّا فكّرت
بالرواية أكثر من تركيزها على الشعر وحديث الدكتور مهيدي منصور يركّز على الغموض في الشعر أو
يدخل في الشعريات بشكل ما .
وما ورد في مقاله صحيح يؤكّده شعر الشعراء الكبار : اليوت , سان جون بيرس , بول تسيلان , رينيه شار ,
مالارميه , والقائمة تطول وتطول ثم هل نسيت السيدة صعوبة روايات جيمس جويس ؟ والكثير من
الروايات الكبرى في القرن العشرين , حتى رواية آيات شيطانية هي رواية غامضة وقابلة للتأويل .
(كل الروائع الأدبية العالمية يتسم بالوضوح ) هكذا تعمم بإطلاق السيدة زينب الجنابي وتناست روايات
كبرى فيها قدرٌ كبير من اللاوضوح فما بالك بالشعر ؟ الغموض في الشعر طبيعي لأن الشعر كلام
يتسّع كما قالت العرب بمعنى انه يقبل أكثر من تأويل وقد تتعدد وتتداخل تآويله وكل هذا من طبيعة الشعر .
أمّا الوضوح التام فهو القتل التام للإبداع الفني إذ أن كل جهد إبداعي ينطوي على نسبة من الغموض بحكم
عنصر الجِدّة .
شكراً للأستاذ مهيدي منصور وتحية للأستاذة زينب الجنابي .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً للأستاذين الفاضلين على تعليقهما ، ولكن الغموض لم يكن مطلباً جمالياً في يوم من الأيام . كما أن الروائع التي أشار اليها الأستاذ جمال مصطفى ليس غامضاً ، بل هي نتاجات تتسم بالتعقيد وموجهة للنخب المثقفة التي تمتلك ذائقة جمالية رفيعة . فثمة كتابات ابداعية في النثر الفني وفي الشعر ، يفهمها كل قاريء حسب وعيه وثقافته و ادراكه لمضامينها واحساسه بجمالياتها . أي أن ثمة مستويات عديدة للفهم والاستيعاب . ولم أقصد مثال هذه الكتابات المعقدة ، بل الغموض المتعمد ، الذي ليس وراءه أي ابداع أو أفكار . فالغموض في هذه الحالة هو من أجل التغطية على البؤس الإبداعي . وصفوة القول أن ثمة فرقاً بين التعقيد الناجم عن عمق الأفكار والمشاعر ، والغموض المتعمد لمن ليس لديه ما يمكن أن يعبّر عنه بوضوح .

ملاحظة : لولا خشيتي من الإطالة لذكرت اقتباسات لا حصر لها لكبار الأدباء العالميين الذين وقفوا ضد الغموض المفتعل . وما زلت أنصح بالإطلاع على كتاب سومرست موم الذي أشرت اليه ، ولا ادري ان كان مترجما للعربية . ولكن العلم أثبت على نحو قاطع " أن الغموض في التعبير ناجم عن الغموض في التفكير" .

د.زينب الجلبي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4292 المصادف: 2018-06-06 05:57:26