المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

تحليل فني لقصيدة: بناءً على طلب (متفاعلن) للشاعر زياد السعودي

بكر السباتين* ملاذ الشاعر وتفعيلة (متفاعلن): جرت العادة أن يلوذ الشاعر إلى أقرب الناس إليه ليبوح بأوجاعه ويستودعه أسراره.. لأن هذيان الشاعر سيفضح ما في باطنه من أسرار.. بعضهم قد يستعين بالعرافات.. أما شاعرنا السعودي فقد اختار أن يهمس في المحارة (تفاعلن) التي التقطها من البحر (الكامل) فيقلبها في يده بأنامل باردة مرتجفة هزمها التوتر حتى سكنت وتحنطت كالأشياء المهملة؛ ليستريحَ وكأنه يستودعها أوجاعه، فيأخذ من دفئ البوح طاقة الصمود فيستريح.

من هنا نستطيع أن نتفهم هذا البوح الذي أفضى به الشاعر زياد السعودي لمحارة (متفاعلن) التي التقطها من (البحر الكامل) العميق اللجي بحركاته الثلاثين العائدة إلى أصل التفعيلة، فيبدو بهذا التنوع كأنه مليء بالأساطير والأخاديد الملغزة بالسؤال، البحر الشعري القادر لاتساعه على أن يستوعب حتى عاطفة رثاء الموت وما يجلبه من حزن، والممتد إلى غياهب المجهول حيث يعربد شيطان الشعر قبل استحضاره من قمقم الغواية كي يعيد تركيب الوجع وفق رؤية شاعرنا زياد السعودي المتشائلة، تعززها الصور الشعرية المدهشة التي جلت أي التباس عن مشهدية النص وزادته وضوحاً في الرؤية، لا بل وفجرت طاقات الشاعر حتى لو كان النص يتحدث عن الموت، فيأخذ الموج آهات الشاعر وبوحه على متن (البحر الكامل) الممتد، فيقذف بالمحارات (التفعيلات) النابضة بأحلام الشاعر المقموعة إلى رمل الشاطئ حتى يلتقطها متأمل بدا وأنه يداعب القافية بأحلامه المنسابة مع المدى. فما تراه ذلك البحر الكامل الذي استأمنه الشاعر رؤيته العميقة.

ينبغي أن ندرك قبل كل شيء بأن الحالة النفسية للشاعر لا بد وتأخذه إلى الخيار الفطري للبحر الشعري المناسب؛ كي يسترسل من خلاله الرحيل إلى قلب المتلقي فيتفاعل مع القصيدة وفق الإيقاع الذي يتركه النص عليه.. فيحزن أو يفرح أو قد تنتابه موجة من الغضب وربما يحلق عالياً في سماء البهجة والفرح.. على أننا نستطيع أيضاً ونحن مطمئنون أن نستكشف ما في جوف الشاعر من أسرار وعواطف مكبونة.. ففي حالة الموت غلى سبيل المثال، يختارالشاعر الملهم من ساقية الشعر الوزن المناسب، ويحبذ أن يكون كثير المقاطع، حتى يعبر الشاعر عن مشاعره الجياشة وحزنه العميق فيتوقف بنا عند فلسفة الموت ومشاعرنا إزاء العزلة والغياب الأبدي؛ لذلك وقع خيار زياد السعودي على البحر الكامل. أما لماذا فعل ذلك دون أن يتقيد بالقافية في إطار الشعر العمودي! فربما يكون ذلك بدافع هواجسه وقلقه الذي يأنف الانحباس في القافية، لذلك فإنه سيقوم بخلط تلك المحارات (التفعيلات) بيديه المتكورتين، ويلقيها بعد ذلك على رمال الشاطئ الموشوم بخطوات العابرين؛ كي يبوح إليها بمعاناته الإنسانية، وبهذا يكون قد أبعد القصيدة عن رتابة القافية التي تقولب النص الجميل، وتحوله إلى زخارف متماثلة التشكيل، كأنها نافورة ذات تكوينات صارمة دون إنكار لجمالها وموسيقاها التصويرية وإن كانت رتيبة.. ولعل رتابة صوت خرير الماء فيها هو الذي يثير الملل لدى المتلقي، لذلك فإن شاعرنا زياد السعودي كان قد وفق تماماً في خلط المحارات (متفاعلن) وألقاها على الرمل، لأنه أراد أن يعبر عن روح الشلال المتحرر من القيود، الذي يعزف موسيقاه دون رتابة، فيأخذ البوح شاعرنا إلى أعماق الطبيعة وامتدادها الذي يتجاوز أفق الأمكنة ويحلق في السماء الرحبة.. ويطلق الطيور من أقفاصها، لذلك اختار زياد السعودي محارة (متفاعلن) لترافق زخم الشلال إلى أعماق النهر، فتأخذها التيارات متحررة من قيود القافية لتستقر متفرقة على الرمال كي يلتقطها المتلقي فيستمع إلى موسيقى الريح المنبعثة من جوفها كأنها الأنين.

* البحر الكامل وتحليل نص القصيدة

والبحر الكامل الذي اختار زياد السعودي منه محارة (متفاعلن) لتراود أسراره، حتى أنه روس بها القصيدة، فهو من بحور الشعر الجميلة ذات الإيقاع الغنائي الذي يخلب الألباب ويأتلف الأذواق. وسمي هكذا لأنه كملت أجزاؤه وحركاته. وهو أكثر البحور حركات، فالبيت فيه يشتمل على ثلاثين حركة. ويصلح الكامل لجميع أغراض الشعر، ولهذا فقد كثر استعماله عند القدامى والمحدثين. لذلك استهوت تفعيلات هذا البحر العظيم الشاعر زياد السعودي، وبناءً على طلبها محارة (متفاعلن)، ورغم حالة الموت التي حجبته عن حديقة النور، تواصلا هاتفياً.. نعم فلا غرابة أن تتصل به تفعيلة (متفاعلن) عبر الهاتف كي توقظه من غيبوبة الفناء.. هذا ما يفصح عنه العنوان:

"بناء على طلب متفاعلن"

ثم يدخلنا الشاعر في مشهدية النص الممسرح:

"رِن رِن ألو ..." ظلي معي ؟؟"

فهو الآن هائم في النهايات يتقاذفه الغياب ويعبث في وجدانه الفناء، فهل يستسلم للتلاشي أم يترك أسئلته تفجر ملامحه في قلوب الناس.. وما دام الموت في سياق النص فرضياً، ويعبر عن عزلة الشاعر في عالم مليء بالصراعات وتتغول فيه الفردية، فإن بوحه كأنه إعلان حياة.. فيهمس في جوف المحارة (متفاعلن) بعد أن التقطها من البحر الكامل، قائلاً:

"قد ملّني ظلّي لأنّي

أسلمت روحي للتعنّي

ويحي أنا ..إذ ويكأنّي

ما عدت منّي "

إذن الشاعر يرفض الفناء ويتحول الكفن الذي يلف جسده الهامد كأمل يورق في صدر شاعر متشائل تتقاذف روحه النهايات، فيتحول الكفن إلى قماط طفل يتدرج بالمشي في حياة مختنقة بالأزمات..

لكن الشاعر ما زال يبوح بأوجاعه للمحارة (متفاعلن)، والتي فاقت مجساتها الحية حالة الموت الرابض على انفاس الشاعر المكبونة، وكان بوسعها أن تؤثر على حواس جسد غادرته الروح فعاد إلى أصله الطيني الذي خلق منه.. هذا الجسد الذي خبت فيه الحياة وانطفأت زهرة النور في محياه، وغادر صاحبه مرايا الحياة المتعاكسة إلى العدمية.. صور متعاقبة وغاية في الدهشة.. وها هو الشاعر يقول:

"متوجعٌ طيني وإنّي

متوزعٌ ما بين آهاتي وأَنّي

حتى انعكاسي في المرايا

قد تخلى الآن عنّي"

وإمعاناً في الغربة، فقد صور الشاعر الحجاب القرمزي الذي يوحي بمغيب الشمس واقتراب الظلام، حيث اليباب المتجمد الذي استقى البرد من أعماق غربته الأشد برودة، إنه صقيع الموت والكآبة. فزخر هذه المشهد بالصور المدهشة التي عبر من خلالها الشاعر عن غربة الروح وفناء الجسد وانعتاق الأسئلة من جمجمة رأسه المطوق بالطين، فتعاند الرياح التي تلقي بهذا الغريب إلى غول النهاية، فيستريح الشاعر بعد أن يفضفض عن معاناته.. وها هو يعترف للمحارة (متفاعلن) بأنه تعب من الحياة ولن يستريح، وهنا تتجلى حالة من القلق واضطراب الأفكار. هذا ما قاله الشاعر في الأبيات التالية:

"شمسي

يراوغها الحجاب القرمزي

فتختفي خلف المدى

من غربتي البرداء

قد شرب الجليدُ صقيعَهُ

فتجمدا

يمتدّ ديجوري

كأرقام إلى ما لا هداية

والريحُ والأنواء

تلقيني إلى غول النهاية

تَعَبٌ أنا لا يستريح"..

وها هو يفتح قلبه متحرراً من هذيان الموت ليستعيد بقايا النهار في قلبه منقباً عن أسباب مأساته، يفتح قلبه على الواقع المر الذي تسبب بفنائه الافتراضي، وهنا يكمن وجع الإنسان في كل زمان ومكان، كانه إقرار بأن الحياة أصبحت مستحيلة، لقد جُرِحَ حداءُ قافلته الذي يعبر عن وجدان العابرين بقوافلهم المنهكة إلى متاهات النهاية، وهم يعانون من العزلة الخانقة في عالم الرياء وتستلبهم الكوابيس أحلامهم، وكأني بالشاعر المتشائل يرى بأن الإنسان دون أحلام يسعى إليها، يشبه الأموات.. فهو مُسَيّرٌ وينتمي إلى القطيع، لذلك اختار الشاعر قافلة الموت من باب العصف الكياني للعقول البليدة.. فيقول:

"وحداء قافلتي جريح

أنا والذين

تراكموا فوق الرصيف

متهالكين كما الخريف

أنا والذين

تكوبست أحلامهم

وتكدست أملاحهم

وتأكسدت آمالهم

وتكرست آلامهم"

ولكن لماذا أجيز وصف الشاعر في الأبيات التالية بالمتشائل الذي تتراوح رؤيته ما بين التفاؤل والتشاؤم! فمرد ذلك عندي كامن في الخاتمة الشعرية التي عبر فيها عن يأسه من تغيير الأحوال، فقد اختار عزلته ليعيد برمجة نفسه على أمل جديد قد يغافله من السماء، فلم يلجم في المحصلة إلحاح المحارة "متفاعلن" على إيقاظه من غيبوبة الفناء فيرد عليها:

" ظلي معي"..

ربما غافلته الوحدة في عقر جسده المهمل، حينما حرمه العالم من ماء الحياة وقمحه، إلا أن الأمل كان يبلله من سَحٍّ تفلت من جبروت الشتاء المحكوم لدى اليائس إلى سلطة القهر، وها هي القصيدة تتهادى في خاتمة بوحه:

"نبتل من سح تهرب من شتاءْ

ضاقت بنا حتى احتمالاتٍ لماءْ

"زِفْتُ" الطريق مشابِهٌ لوجوهنا

تلك التي منها يُسلُّ العمرُ

والأشياءْ"

ثم يعقب تلك المشهدية صمتٌ سرعان ما يمزقه رنين الهاتف:

"طوط طوط ألو" ... فيستوقف المحارة (متفاعلن) متردداً:

"ظلي معي ؟؟"

الشاعر هنا لم يقفل باب الأمل أي أنه "متشائل"، لكن المحارة من سياق الخاتمة السردية أوحت له بالتريث فالعالم ما لبث لا يطاق:

"المرحوم زياد السعودي بعد التحية نبلغكم أنه وبناء على طلب (متفاعلن) تم ايقاف جميع المكالمات الواردة"

القصيدة جميلة من حيث الرؤية.. ووحدة الموضوع.. والصور المدهشة التي جاءت متناسبة مع الغاية.. وموسيقاها التصويرية ذات الإيقاع البطيء المرافق لرثاء الشاعر لنفسه.. وعاطفة التشاؤل التي سادت جو القصيدة.. كأنه يصور هذا العالم الكئيب في أسوأ صوره، لكنه أيضاً كان باستطاعته أن يوقظ الخيارات.. فحرارة الموقف الأخير لا بد وتذيب جليد الكآبة المتراكم في أعماقه.. ومحارة(متفاعلن) تستنطق الأسئلة في روحه القلقة كي يبقى على قيد الحياة..

 

بكر السباتين

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4358 المصادف: 2018-08-11 13:03:02