المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

الانثى ليست افتراضاً؟

رنا خالد"أنثى افتراضية" رواية القاص الأردني د. فادي المواج الخضير حققت نجاحا كبيرا في الأوساط الثقافية والأدبية في الأردن والعديد من الدول العربية، لملامسة موضوعها الواقع المعاش، والتضاد الحاصل بين العالم الافتراضي والأخر الواقعي ..

وحين قرأت سطورها تذكرت احداثاً عاشتها اطياف واسعة من مجتمعنا .. اذن، هي رواية تحاكي وتعالج الحياة الافتراضية، لكن بشكل واقعي، لاسيما بين المرأة والرجل وكيف إن المرأة كائن رقيق وشفاف، وهي بذات الوقت رغم شفافيتها، لا يمكن للمرء ان يرى من خلالها شيئاً، إلا إذا منحها الحب والاهتمام، بلغة الصدق والأمان، ففي بعض من سطور الرواية نقرأ (ما أجمل ذكرياتنا الورقية رسائل حبنا وحروفنا فيها كلماتنا وطيف حبيب نرسمه من وحي ذاكره كل ما تحمله هو إن تتخيل اليوم، كل شيء يفقد قيمته، رسائلنا ما عاد لها ذلك البريق يوم كنا نحكم عليها بالإعدام خزنا في دفاتر مذكراتنا، أو التعذيب حرقا بنار كلينا ونحن نلقي عليها نظرة الوادع الأخيرة) .

هي اذن، رؤى جديدة، في عالم متغير، وقد اردتُ الحديث عن هذه الرواية بشكل تحليلي من ثلاث زوايا (اجتماعية، اتصالية، ونفسية) وكان ضيفي الأول الذي زاد الموضوع إشراقا أ.د.عبد الهادي الزيدي أستاذ في كلية الإعلام جامعة بغداد حيث تحدث من الزاوية الاجتماعية فقال : في لجة هذا العصر الالكتروني وتداخل العلاقات بين الحقيقة والافتراض، تأتي رواية (أنثى افتراضية) للكاتب فادي المواج الخضير، لترسم صورة لحياة جديدة في تفاصيلها وعلائقها، وقديمة في بوحها الرئيس، لتثبت إن الحب ومشاعر اللهفة الإنسانية لمن نحب ما زالت هي الثابت الكبير في زمن المتغيرات الكثيرة. لقد اتجه الأدب العالمي في العقود الأخيرة إلى استنطاق العاطفة وسبر أغوار اللاهوات والغيبيات وعالم السحر، نتيجة ضغط العوالم المادية على الإنسان، ووقوع البشرية تحت سرف وعجلات الآلات التي لا ترحم، إضافة إلى هذا التلاحق والتسابق الالكتروني والعلمي الكبير جدا، ما حول عصرنا إلى عصر آلات وربوت، فتصنع (الصين) مثلا: الأنثى الدمية التي قيل عنها تستطيع إن تشبع الرجل عاطفيا وجسديا!!! فهي (أنثى افتراضية) من نوع آخر أقسى بكثير من (أنثى) الخضير الافتراضية، التي لها دم ولحم ومشاعر.... وقد نجحت هذه الإعمال الأدبية نجاحا كبيرا، كما في هاري بوتر، وقواعد العشق الأربعون، وأنثى افتراضية، مدار أسطرنا هذه فهي تلامس حديث القلوب الذي لا ينضب، وتساير حاجة الإنسان إلى الحب وهو يعلن انه لن يستغني عن هذه الحب نهائيا.... أن أحلى ما في رواية أنثى افتراضية... أنها نجحت بقوة في ترجمة الرموز الالكترونية والعلامات والإشارات المستخدمة في وسائل التواصل الاجتماعي إلى مشاعر وأحاسيس مرهفة بكلمات راقية وأنيقة تنبئ عن وجود قلم بارع وفكر متألق يمكن أن يكون لنمطه مستقبل زاهر.

الافتراض والواقع

271 انثى افتراضيةوعن الزاوية الاتصالية تحدثت لنا أ. إشراف بن مراد المساعفة وهي باحثة تونسية في علوم الإعلام والاتصال وصحفية مختصة بالشأن الثقافي فأجابت على سؤالي: هل أنّ ما هو افتراضي ليس واقعيا؟

ـــ يراوح الخضير في أنثى افتراضية بين هذين العالمين وكأنه يقر أنّ الافتراضي مهما كان مختلفا فإنه مرتبط بالواقعي حيث كان أبطال روايته يتنقلون بين هذا العالم أو ذاك فكل منهما يحقق أهدافه في العالم الأخر بل إن الافتراضي قد تحول إلى واقعي في كثير من الأحيان... ففي مقطع من هذه الرواية، يقول الخضير :

(آثرت أن أضع بصمتي أمام عينيك، وأترك للصدفة أن تتصرف، فأنا من أولئك الذين لا ينظرون إلى جدول مواعيدهم عندما يتعلق الأمر بحاجة روح إلى روح تمسح عنها غبار العزلة).

وانا ارى ان المؤلف اختزل هذا المقتطف من الرواية ما أصبح يجده التواصل الافتراضي من انتشار بين مختلف فئات المجتمع ولدى الباحثين عن إشباع حاجة «أرواحهم» إلى أرواح أخرى. إذ يبين الخضير ما توفره الشبكة العنكبوتية من تغذية لمشاعر الحب والعشق وصولا إلى الوله حيث يصبح المحبوب مبرمِجا دقات قلبه على إيقاع رسائل تصله في بريده الالكتروني أو أي وجه من وجوه التفاعل الاخرى الكثيرة المتعددة الملامح.. لقد نجح الخضير من خلال أنثاه الافتراضية في أن يكشف بعمقٍ تفاصيل التواصل عن بعد، وما يتيحه "الفيسبوك" بالتحديد من إمكانات هائلة في التعبير وفي خلق فضاء وجودي جديد بات يتحدى ما هو واقعي . لكن نهاية الأحداث جاءت درامية وكأننا بالروائي يحرض قارئه على أن تكون له عين ثالثة أكثر حكمة وتعقلا وأن يكون أقل اندفاعا نحو هذا الفضاء الأزرق الشاسع شساعة المدى. لتكون الرواية رسالة تحذير تثير فينا أكثر من سؤال عن الزيف بين الواقعي والافتراضي..

الرمز في الرواية

واستميح القارئ عذرا، كوني سأتحدث في الجانب النفسي لمضمون الرواية، وهو رأي نتج عن قراءتي للرواية اكثر من مرة ..فأقول ان الروائي الخضير، يبدو انه على دراية بمسارات حياتنا، في زواياها المختلفة، فحاول استخدام الرمز في الإشارة إلى قضايا شائكة خاصة بالعلاقات الانسانية، والعاطفية وتأثير عامل الالكترون، والتواصل الاجتماعي في شكل تلك العلاقات إلى جانب تأمله لفكرة الحب الافتراضي فعكس الخضير، رؤيته الفلسفية ورحلته في البحث عن معنى حقيقي للوجود في ظل عالم الافتراض، حيث استطاع من خلال لغته القوية ومعرفته الكبيرة بالواقع ومنطقه الفلسفي أن يؤسس أدبا رمزيا يرتكز على اجتهاد كبير من مبدع كبير مثله يبين وعيه بمنطق الأشياء وقدرته على استخدام صورة المجتمع اليومية في إبداع حقيقي.

 

رنا خالد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4361 المصادف: 2018-08-14 02:35:42