المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

أية دلالة للنص الأدبي في غياب التاريخ؟

عبد الحق السالكيصلة الأدب بالتاريخ حميمة ووثيقة سواء أنظرنا إلى الأدب كتراكم إنتاجي، أو كتحول لهذا التراكم. بل لقد وجدنا الكثير من النصوص الإبداعية تكاد تماثل النصوص التاريخية في مادتها الحكائية، كما أن التاريخ طالما وجد ضالته المنشودة في الأدب؛ فكان الوثيقة التي بنى عليها المؤرخ أحكامه .زد على هذا أن الأدب عرف من بين مناهجه النقدية المنهج التاريخي في التعامل مع النص .

عمرت هذه الصلة ردحا من الزمن، لكن أدب اليوم في، غالب، إبداعه، ودراساته يكاد يقيم قطيعة مع ماضيه، خاصة مع تنامي مفاهيم جديدة كمفهوم الكتابة، ومفهوم الحداثة، مثلا ... التي تبدأ بالبحث عن أدب مستحيل، كما ذهب إلى ذلك " رولان بارت R .Barthes " في كتابه الدرجة الصفر للكتابة . ونشرح مقصده من خلال هذا النص: " منذ أن حددت الكتابة في كتابي "درجة الصفر"، إلى الكتابة كما نفهمها اليوم، حدث تحول في الموضع وقلب في التسميات . في كتاب "درجة الصفر"، الكتابة هي بالأحرى، موضوعة سوسيولوجية، وعلى أي حال فهي موضوعة سوسيوـ ليسانية: إنها لغة خاصة لعشيرة أو فئة مثقفة، لغة اجتماعية، ومن ثم فهي وسيط، على مستوى العشائر، بين اللغة باعتبارها نسق أمة، وبين الأسلوب باعتباره نسق ذات .راهنا سأسمي، بكيفية أصح، تلك الكتابة ب " الكتابة العمومية " (ecrivance) مستندا إلى التعارض بين الكتاب / والكتبة écrivant، ذلك لأن الكتابة (بمعناها الحالي) غائبة عنها .أما الكتابة في النظرية الجديدة، فإنها تأخذ بالأحرى مكانة ما كنت اسميه الأسلوب . في المعنى التقليدي، كان الأسلوب يرجعنا إلى أرحام الملفوظات (...) واليوم نذهب إلى أبعد من ذلك ؛ ليست الكتابة لغة خاصة شخصية (كما يشير إلى المعنى القديم للأسلوب، بل هي التلفظ (وليس الملفوظ) الذي من خلاله تخاطر الذات بانقسامها عن طريق التشتت والارتماء جانبيا على الورقة البيضاء: إنها لم تعد، منذ الآن، تدين بالكثير للأسلوب القديم، بل هي تدين كثيرا، كما تلاحظون، للإضاءة المزدوجة لكل من المادية (عن طريق فكرة الإنتاجية) وللتحليل النفسي (عن طريق فكرة الذات المنقسمة) . [1]

نتساءل بعد هذا القول " البارثي " عن مشروعية دلالة النص الأدبي ن وإمكانيتها في إطار المفهوم المألوف للتاريخ . إن الكثير من الدراسات النقدية تبنت المناهج العصرية من بنيوية ولسانية وسيميائية ... ركبت أساليب "تاكتيكية" آلت بها في قراءتها للنصوص الحداثية إلى قراءة زمن ماقبل الحداثة . فعلام يمكن أن تدل الكتابة البيضاء؟ كيف تصبح الكتابة المنحدرة من إشارة دلالية للكاتب ملامسة للتاريخ؟ هل يمكن تحديد دلالة ما يبدو على شكل هلوسة فوق الورق، إذا نحن لم ننبش في الماسبق ن وفي الخلفيات الذهنية وتفسير علم النفس لها؟

فحين تغيب المرجعية المباشرة، بغياب اللفظ المشترك يؤول القول الشعري " كلاما مفرغا ولا إنسانيا " . [2]

لقد كان الأدب، سابقا، يشد الرحال نحو التاريخ وأحداثه، فأصبح على التاريخ ـ إن هو أراد المحافظة على وشاجة القرابة ـ أن يغير مفاهيمه وأدواته ؛ لأن الحقيقة صارت سرابا . يقول " بارث ": " النقد هو شيء آخر غير الحديث بإحكام باسم مبادئ حقيقية " . " العالم موجود، والكاتب يتحدث: هذا هو الأدب . أما موضوع النقد فبالغ الاختلاف: فهو ليس " العالم " وإنما خطاب هو خطاب الآخر . النقد خطاب حول خطاب ن هو قول ثان أو قول واصف

méta – langage (مثلما يقول المناطقة) يمارس على قول أول (أو القول ـ الموضوع) langage – objet . فإذا " لم يكن النقد سوى قول واصف فذاك معناه بأن مهمته ليست ن مطلقا، اكتشاف " الحقائق " وإنما الصلاحيات فقط " . " إن القول، في ذاته ليس حقيقيا ولا مزيفا، وإنما صالح أم غير صالح: صالح بمعنى أنه يشكل نظاما متوافقا من العلامات " . [3]

عن أية دلالة نتحدث في الأدب، إن هو قطع صلته بمبادئ كالصدق والحقيقة والموضوعية والتاريخ بالمفهوم الذي ألفناه؟

مما لاشك أننا سنتجه إلى تجارب فردية، لا تؤسس الحدث ذي الطبيعة الجماعية، الذي يهتم به التاريخ ؛ لما له من قدرة على صنعه . . وسيقف النقد عند حدود الجملة كجزء داخل الكل الخطابي مما سيحيله إلى معكوفات وأقواس وروابط وعلاقات نحوية وصرفية وتركيبية ... دون أن تكون له القدرة على تحديد اجرائيتها ومقصديتها.

لنقطع صلتنا بالتاريخ، وبكل ما هو تاريخي، ولننصت إلى قصيدة للشاعر التونسي منصف المزغني، من ديوان قوس الرياح، ثم نتساءل عن معناها دون ما عودة إلى التاريخ .

يقول الشاعر:

" قاف: أول حرف القبر

و الباقي: بور

هذا وقد ورد في شهادة

الدكتاتوراه

أن اسمه الكامل

قابور بن قراقوش الاخ ميري

شهر: قويبير

و، قبرائيل

و أحيانا يخطئ عامل المطبعة فيصفف اسمه على أساس:

بقرائيل

و هذا ـ طبعا ـ

خطأ " [4]

 

عبد الحق السالكي

....................

1ـ رولان بارت: الدرجة الصفر للكتابة، تر .د . محمد برادة، ط 2، 1982، دار الطليعة للطباعة والنشر ـ الشركة المغربية للناشرين المتحدين، ص ص: 22 ـ 23 .

2 ـ نفسه، ص 63

3 ـ رولان بارث: النقد والحقيقة، ترجمة وتقديم إبراهيم الخطيب، ط1، 1985، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، ص 8 .

4 ـ انظر (ي) مجلة دراسات سيميائية أدبية لسانية، حوار: الشاعر والقصيدة، ص 133، العدد 5، 1991

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4404 المصادف: 2018-09-26 02:28:06