المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

مفهوم الشعرية وإشكالاتها المنهجية

جميل حمداويالمقدمة: تعد الشعرية (Poétique) من أهم المقاربات النقدية المعاصرة التي استهدفت قراءة النصوص والخطابات الأدبية والإبداعية والفنية من الداخل بحثا عن أدبيتها الوظيفية أو شعريتها الجمالية. ومن ثم، فهي نظرية معرفية ونقدية علمية تعنى بدراسة الفن الشعري بصفة خاصة، والاهتمام بالفنون الأدبية بصفة عامة.

ولايمكن فهم مدلولات الشعرية (Poétique) إلا بتحديد اللفظة لغة واصطلاحا على النحو التالي:

المطلب الأول: الشعرية لغة

الشعرية (Poetics/ Poiesis) كلمة يونانية الأصل، تعني (Poetic) الإبداع أو الفن الشعري.  ويشير مورفيم (Ic) إلى المدرسة أو الاتجاه العلمي الذي تتخذه هذه اللفظة.بمعنى أن الشعرية نظرية علمية ونقدية وأدبية ومعرفية تهتم بقواعد الإبداع الأدبي والفني والجمالي. أما اللاحقة (S)، فتعني الجمع.أي: هناك شعريات متعددة ومختلفة. ومن هنا، فالشعرية مصدر صناعي يدل على خصائص الكتابة الأدبية والإبداعية ومقوماتها وسماتها المختلفة.

ولقد ترجمت لفظة البويطيقا (Poetic/Poétique)، في حقلنا الثقافي العربي القديم، بمجموعة من التسميات كالصناعة، وصناعة الشعر، وعمود الشعر، ونظم الكلام، ونظرية النظم، وفن الشعر، والتخييل...

وترجمت هذه اللفظة أيضا، في حقلنا الثقافي العربي الحديث والمعاصر، بالإبداع، والفن الإبداعي، والشعرية، والإنشائية، والهيكلانية، والبويطيقا، والبويتيك، وعلم الأدب، والشاعرية، والأدبية، ونظرية الشعر، ونظرية الخطاب....

وعلى العموم، ترتبط الشعرية بالفن الشعري من حيث الاشتقاق اللغوي. بيد أن الشعرية، في الصميم، نظرية علمية ومعرفية ونقدية تسعى جادة إلى فهم بنيات العمل الأدبي، وتفسير جمالياته الوظيفية، واستكشاف مكوناته وسماته الحاضرة والغائبة.

وتعني الشعرية أيضا علم الأدب، مادامت تصف الفنون والأجناس الأدبية وصفا علميا موضوعيا، بتمثل المقاربة البنيوية اللسانية، وإبعاد المرجع الخارجي،  وتحليل النصوص والخطابات تحليلا بنيويا محايثا داخليا وفق منهجية سانكرونية. ومن ثم، تقوم الشعرية على تفكيك النصوص الأدبية إلى مختلف مستوياتها الفنية والجمالية.وبعد ذلك، تسعى إلى تركيبها في مقولات وخلاصات واستنتاجات علمية شكلية موضوعية.

المطلب الثاني: الشعرية اصطلاحا

يقصد بالشعرية كل نظرية داخلية للأدب[1]. وقد تعني الشعرية أيضا تلك الاختيارات الأدبية والأسلوبية والبلاغية والتصويرية والموضوعاتية والتأليفية التي يختارها المبدع في التعبير والكتابة عن الذات والموضوع معا كشعرية مالارمي، أو شعرية  فيكتور  هيجو، أو شعرية أدونيس، إلخ[2]. وقد يقصد بالشعرية كذلك مجموعة من القواعد والقوانين المعيارية التي تحتكم إليها مدرسة أدبية وفنية ما. ويبقى المفهوم الأول هو المفضل في تعريف البويطيقا، على أساس أن الشعرية عبارة عن القوانين والمكونات والسمات التي تميز فنا أدبيا عن باقي الفنون والأجناس والأنواع الأدبية الأخرى[3].

علاوة على ذلك، فالشعرية هي تلك الطريقة أو المقاربة  أو المنهجية النقدية التي تهدف إلى  استخلاص المكونات البنيوية للنص الأدبي، وتحديد أدبيته، واستقراء مجمل القواعد الجوهرية الثابتة التي تتحكم في توليد النص وإبداعه. ومن ثم، تهتم الشعرية بعلمنة الأدب ووضع القواعد والمعايير والمكونات والسمات التي تنبني عليها الأجناس الأدبية. أي:تدرس الإنشائية (Poétique) علم الأدب، أو ما يجعل من الأدب أدبا. أي: تشدد على وظيفة الأدب التي تتأسس على الوظيفة الجمالية أو الشعرية،  بإسقاط المحور الاستبدالي على المحور التركيبي، أو الجمع بين الانتقاء الدلالي والعلاقات النحوية. ويعني هذا أيضا أن الأدب يتكون من مواد دلالية وعلاقات نحوية وتركيبية، أو الجمع بين الدلالة والنحو ضمن علاقات الغياب (الدلالة) من جهة، وعلاقات الحضور (التركيب) من جهة أخرى.

وعليه، فموضوع الشعرية هو الاهتمام بما يميز نصا أدبيا عن باقي الخطابات الأخرى .بمعنى أن الأدب يتميز بالوظيفة الجمالية التي تقوم على إسقاط المحور الدلالي على المحور التركيبي. ومن ثم، تهتم الشعرية برصد الثوابت البنيوية التي تخصص النص الأدبي مقارنة بالنصوص والخطابات الإبداعية الأخرى.أي: تعنى باستجلاء القواعد التجنيسية التي يقوم عليها نص إبداعي ما، بتحديد مكونات جنسه وسماته. فالمكونات هي العناصر الثابتة.في حين، تتميز السمات بكونها خصائص وعلامات تحضر وتغيب. ومن ثم، تهتم الشعرية بجرد كل مميزات النص الفنية والجمالية والإنشائية، وتوصيف النص الأدبي وفق مقولات بنيوية شكلية وهيكلية. وما يهم الشعرية أيضا هو التركيز على الأدبية.أي: ما يجعل النص أدبا، وتمييزه عن باقي النصوص غير الأدبية.لذا، تحضر نظرية الأجناس الأدبية في الشعرية بشكل كبير جدا.

أضف إلى ذلك أن الشعرية تهدف إلى فهم الآليات البنائية التي يقوم عليها النص الأدبي، وقد تكون آليات صوتية، وإيقاعية، وفضائية، وصرفية، ودلالية، ونحوية، وبلاغية. كما تستجلي مظاهر الوحدة والتنوع في مجال الإبداع الأدبي، والبحث عن بصمات المؤلف والمبدع على حد سواء.وبذلك، تستفيد الشعرية من اللسانيات من جهة، كما تنفتح على البنيوية من جهة أخرى. ويعني هذا أن الشعرية هي نظرية في تحليل الخطاب الأدبي وفق مقولات بنيوية ولسانية، يتمثل أساسها في تحديد أدبية النص، ورصد وظيفتها الشعرية أو الجمالية. 

وتعني أدبية النص (Littérarité)  العناية بما يميز النص الأدبي عن باقي النصوص الأخرى، أو ما يسمى بالوظيفة الجمالية أو الشعرية عند رومان جاكبسون(R.Jakobson). فكل جنس أدبي له وظيفته الخاصة؛ حيث يمتاز الشعر بالوظيفة الشعرية، وتمتاز القصة بالوظيفة القصصية، والرواية بالوظيفة الروائية، والمسرح بالتمسرح، وهكذا مع باقي الأجناس الأدبية الأخرى...

وترتكز الوظيفة الجمالية على إسقاط المحور الاستبدالي على المحور الأفقي. ونعني بالمحور الاستبدالي الترادف أو المعنى أو الدلالة. في حين، يقصد بالمحور التأليفي علاقات المجاورة، أو علاقات التركيب النحوي. ويعني هذا كله أن الوظيفة الجمالية تتضمن الدلالة والنحو معا.

وعليه، تعنى الشعرية بتوصيف النصوص الأدبية من جهة أولى، وجرد مكوناتها الثابتة وسماتها المتغيرة من جهة ثانية، ثم الاهتمام بقواعد تجنيسها من جهة ثالثة. وهنا، نتحدث عن شعرية الشعر، وشعرية السرد، وشعرية السينما، وشعرية اللوحة التشكيلية، وشعرية المسرح، وشعرية الإيقاع[4]...

وعليه، تدرس الشعرية الأشكال  الفنية والجمالية والأساليب الأدبية.ومن هنا، فلها علاقة وطيدة بالأسلوبية (la stylistique)، وعلم السرد (la narratologie)، وبلاغة الصور (des figures de style). ومن ثم، فالشعرية هي دراسة الفن الأدبي باعتبارها إبداعا تلفظيا [5]، أو دراسة الصيغ الداخلية للنص.

ومن ثم، يمكن الحديث عن شعرية إيقاعية، وشعرية صوتية، وشعرية فضائية، وشعرية بلاغية، وشعرية تركيبية، وشعرية الخطاب، وشعرية البلاغة، وشعرية الأسلوب، وشعرية الجنس والنوع والنمط، وشعرية الأدب بصفة عامة...

واليوم، يمكن الحديث عن شعريات كبرى، فهناك الشعرية البنيوية اللسانية، والشعرية التوليدية[6]، والشعرية المعرفية [7]....

وخلاصة القول، تعنى الشعرية بقواعد الإبداع الأدبي والفني والجمالي، والبحث في مكوناته الداخلية المحايثة، والاستفادة من البنيوية اللسانية، والتركيز على النسق التفاعلي الداخلي، وتفكيك النصوص والخطابات وتركيبها، ودراسة المستويات الصوتية، والإيقاعية، والصرفية، والتركيبية، والدلالية، والبلاغية. فضلا عن كونها تهتم بتصنيف الأنواع والأنماط والأجناس الأدبية، والاهتمام بما يميز الشعر والرواية والقصة والمسرح عن باقي الأجناس الأدبية  والفنية الأخرى.

المطلب الثالث: الشعرية منهجا ومقاربة

الشعرية طريقة بنيوية وصفية في قراءة النص الأدبي، تستند إلى خطوتين أساسيتين ألا وهما: التفكيك والتركيب . وهي لا تهتم بالمضمون المباشر، بل تركز على شكل المضمون وعناصره وبناه التي تشكل نسقية النص في اختلافاته وتآلفاته. ويعني هذا أن النص أو الخطاب عبارة عن لعبة الاختلافات، ونسق من العناصر البنيوية التي تتفاعل فيما بينها وظيفيا داخل نظام ثابت من العلاقات  والظواهر التي تتطلب الرصد المحايث، والتحليل السانكروني الواصف من خلال الهدم والبناء، أو تفكيك النص الأدبي إلى تمفصلاته الشكلية، وإعادة تركيبها من أجل معرفة آليات النص ومولداته البنيوية العميقة قصد فهم طريقة بناء النص الأدبي.

ومن هنا، يمكن القول: إن الشعرية منهجية  بنيوية وتشريحية بامتياز، ونشاط وقراءة وتصور فلسفي يقصي الخارج والتاريخ والإنسان، ويبعد كل ماهو مرجعي وواقعي، ويركز فقط على ماهو لغوي، و يستقري الدوال الداخلية للنص، دون الانفتاح على الظروف السياقية الخارجية التي قد تكون قد أفرزت هذا النص من قريب أو من بعيد. و يعني هذا  أن الشعرية تتعارض مع المناهج الخارجية كالمنهج النفسي، والمنهج الاجتماعي، والمنهج التاريخي، والمنهج البنيوي التكويني الذي ينفتح على المرجع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتاريخي في ضوء ثنائية الفهم والتفسير؛ والغرض من ذلك هو تحديد البنية الدالة والرؤية للعالم.

ومن هنا، تتميز منهجية الشعرية بأنها منهجية بنيوية لسانية تقوم على التوصيف الداخلي للنصوص والخطابات بنية، ودلالة، ووظيفة.بمعنى أنها تعنى بالآليات التالية:

Œ1- تصنيف النصوص الأدبية والفنية وفق منطق الأجناس والأنواع والأنماط الأدبية والفنية؛

2- تحديد مكونات النصوص وسماتها؛

Ž3- التشديد على أدبية النصوص والخطابات؛

4- الاهتمام بالقيمة المهيمنة ووظائف النص؛

5- دراسة النص الأدبي وفق مستوياته البنيوية، واللسانية، والبلاغية، والأسلوبية، والسيميائية ؛

‘6- البحث عن القواعد والبنى الثابتة والمتغيرة التي تتحكم في النصوص والخطابات الأدبية والفنية؛

’7- المقارنة بين النصوص والخطابات وفق قواعدها التجنيسية والنوعية؛

“8- البحث عن الفنيات والجماليات التي يتميز بها نص ما، ويتفرد بها عن باقي النصوص الأخرى؛

”9- توصيف الأسلوب والصور البلاغية بغية تحديد أصالتها الإبداعية؛

•10- وصف النصوص والخطابات والمعطيات والأحداث وصفا منسجما متسقا من جهة، ووصفا بنيويا داخليا ومحايثا وسانكرونيا من جهة أخرى .

إذاً، عندما نريد مقاربة النص أو الخطاب الأدبي الجمالي شعريا، فلابد من التسلح باللسانيات باستثمار مستوياتها المنهجية، كالمستوى الصوتي، والمستوى الصرفي، والمستوى الدلالي، والمستوى التركيبي، والمستوى البلاغي، مستبعدين السياق الخارجي من مؤلف، ومرجع، وكاتب، ومقصدية، ورسالة... ويعني هذا أننا لانهتم بالمضمون، أو صاحب النص، أو ظروف النص وحيثياته السياقية، بل ما يهمنا كيف قال الكاتب ماقاله. أي: نركز على شكل المضمون، برصد البنيات الخطابية واللغوية، وكشف الثنائيات المتآلفة والمتعارضة داخل النص.

ومن هنا، تعتمد الشعرية على خطوتين منهجيتين متكاملتين هما: التفكيك والتركيب. وبتعبير آخر، نقوم - أولا- بتفكيك النص إلى عناصره البنيوية الجزئية من أصوات، ومقاطع، ودلالات، وتراكيب، وحقول دلالية ومعجمية، وصور بلاغية، ثم نقوم بعملية التركيب بطريقة كلية، في شكل ثنائيات أو استنتاجات بنيوية شكلية. وتتم هذه العملية استقراء واستنباطا. وتشبه هاتان العمليتان ما يقوم به الطفل الصغير حين يفكك لعبته أو دميته من أجل تركيبها من جديد.

 وللتبسيط أكثر: إذا أخذنا على سبيل المثال قصيدة شعرية لتحليلها بنيويا، فسنقوم بتفكيكها إلى مستويات منهجية على الشكل التالي:المستوى الصوتي، و المستوى الصرفي، والمستوى النحوي، والمستوى الدلالي، والمستوى البلاغي.

وإذا أردنا تفكيك نص سردي أو روائي، فلابد من تحديد المقاطع والمتواليات السردية، ورصد الوظائف الأساسية والثانوية والمؤشرات الفضائية، والاهتمام بالمنظور السردي(الرؤية من الخلف، والرؤية مع، والرؤية من الخارج، وتحديد وظائف السارد)، والتركيز على زمن السرد(الترتيب، والمدة، ورصد بنية التواتر)، والعناية بالصيغ الأسلوبية( السرد، والحوار، والمنولوج، واللغة)، كما عند جيرار جنيت، ورولان بارت، وكلود بريمون، وتودوروف... والهدف من هذا التفكيك هو رصد القواعد السردية التي تتحكم في النص أو الخطاب المدروس.أي: تبيان المنطق السردي الذي تقوم عليه القصة أو الرواية.

وإذا أردنا التعامل مع النص المسرحي، فلابد من تقطيع النص إلى متواليات مشهدية أولوحات درامية، وتحديد الوظائف المسرحية، وجرد الشخصيات، ورصد البنية الفضائية، واستخلاص الإشارات الركحية، وتبيان أنواع الحوار.

إذاً، تبرز الشعرية، في مقصديتها، قواعد السرد والدراما،  في ضوء مقاربة شكلانية لسانية بنيوية، تثبت أن النص الأدبي نص داخلي مغلق، يتكون من مجموعة من البنيات التي تكون بدورها نسقا لسانيا ودلاليا محايثا.

وبناء على ماسبق، تبقى الشعرية، على الرغم من سلبياتها وهناتها، أقرب إلى الأدب والنص الفني والجمالي من بقية المناهج النقدية الأخرى لوجود اللغة كقاسم مشترك بين الاثنين. ومن ثم، فعلاقة الأدب بالشعرية علاقة تكامل وتداخل وانسجام. في حين، إن علاقة الأدب بالمناهج النقدية النفسية والاجتماعية والتاريخية علاقة تنافر وتباعد.

إن الشعرية منهجية بنيوية لسانية بامتياز، تعنى بأدبية الأدب، وتوصيف النصوص والخطابات وفق قواعدها وشعريتها الداخلية، والبحث عن وظائف العناصر اللغوية، والتركيز على بعدها التواصلي. ومن ثم، فللشعرية علاقة وثيقة ووطيدة بالبلاغة من جهة أولى، والأسلوبية من جهة ثانية، والسيميوطيقا من جهة ثالثة، والبنيوية اللسانية من جهة رابعة.

وتعتمد الشعرية على مجموعة من المفاهيم والمصطلحات الرئيسة كالانزياح، والتكرار، والإيحاء، والتقرير، والتضمين، واللغة، والكلام، واللسان، والتلفظ، والتوازي، والاندماج، والغموض، والحجاج، والتعيين، والانزياح، والمشابهة، والمجاورة، والصور البلاغية، واللغة الشعرية، والتخييل، والمتخيل، والإيقاع، والجهة، والتنغيم، والقيمة المهيمنة، والتفكيك، والتركيب، والتشريح، والتوصيف، والبنى، والمكونات،والسمات، والقيم الخلافية، والثنائيات البنيوية، والسانكرونية، والأدبية، والإنشائية، والهيكلانية، ونظم الشعر، والمحاكاة، والأجناس، والأنواع، والأنماط،وصناعة الشعر، والتقطيع، والمقاطع، والمتواليات، والتيمات، والحوافز، والموضوعات، والمبنى الحكائي، والمتن الحكائي، والنص، والخطاب، والإبداع، وصناعة الشعر، والنظم، والنسق، والعناصر،والاتساق، والانسجام، والعلامة، والأسلوب، والمحايثة، والدال، والمدلول، والمرجع، والبنيوية، واللسانيات، والاستبدال، والتأليف، والوظيفة الجمالية، والوظيفة التعبيرية، والوظيفة التأثيرية، والوظيفة المرجعية، والوظيفة الميتالغوية، والمرسل، والمرسل إليه، والرسالة، والقناة، والمرجع، والسياق، واللغة، والسنن، والذاتية، والموضوعية، والمستويات، والشكل، والبناء، والدلالة، والمنظور، والسارد، والراوي، والمدة، والصيغة، والصياغة، والسرد، والحوار، والمنولوج، والتمسرح، والروائية، والميتاسرد، والفضاء السردي،والشخصيات، والحوار،إلخ ...

المطلب الرابع:  أسئلة الشعرية

لقد طرحت الشعرية ومازالت تطرح إشكالات وأسئلة شائكة عديدة ومختلفة على النحو التالي: ما الأدب؟ وما الذي يميزه عن غير الأدب؟ وكيف يمكن تصنيف الأجناس والأنواع الأدبية؟ وكيف يمكن التمييز بين المدارس والاتجاهات الأدبية والفنية؟ وكيف يمكن تحليل الأثر الأدبي تحليلا بنيويا لسانيا وشكلانيا؟ وما مكونات النص الأدبي وسماته؟ وما مميزات الخطاب وآلياته؟ وما بنيات الأدب ودلالاته ووظائفه؟ وما علاقة الشعرية بالأسلوبية والسيميوطيقا؟ وما أهم الآليات التي تستند إليها الشعرية في توصيف النصوص والكتابات والخطابات والآثار الأدبية والإبداعية؟

المطلب الخامس: مقومات الشعرية

تستند الشعرية إلى مجموعة من المرتكزات والمقومات النظرية التي يمكن تحديدها فيما يلي:

1- التركيز على أدبية النص (Littérarité) .أي : العناية بما يميز النص الأدبي عن باقي النصوص الأخرى، أو ما يسمى بالوظيفة الجمالية أو الشعرية عند رومان جاكبسون. فكل جنس أدبي له وظيفته الخاصة؛ حيث تمتاز القصة بالوظيفة القصصية، والرواية بالوظيفة الروائية، والمسرح بالتمسرح...

2- العناية بالشكل: لقد تجاوز البويطيقيون ثنائية الشكل والمضمون، و انطلقوا من الشكل البنيوي على أساس أنه علامة بارزة تحيل على منطق الدلالة، وأس المعنى. فمن خلال الشكل، يبدو المعنى مبنيا، ويتجلى في آثاره الفنية والجمالية واللغوية والنصية.

3- الانفتاح على اللسانيات: أهم ما تمتاز بها الشعرية البويطيقية اهتمامها بمكتسبات اللسانيات، وخاصة في دراسة الشعر، بتوظيف المستويات الفونولوجية والصوتية والإيقاعية والتنغيمية، ودراسة البنية الصرفية والبلاغية، ورصد مستويات الدلالة والتركيب معا.

4- المقاربة البنيوية: تستند الشعرية الإنشائية إلى المقاربة البنيوية اللسانية التي تعنى بدراسة بنيات الشعر والسرد والشعر والحكاية، وكذلك تحليل بنيات الشخصيات بطريقة بنيوية محايثة وثابتة ووصفية وسكونية.

5- دراسة الأجناس والأنواع والأنماط الأدبية والفنية: اهتمت الإنشائية  بتقنين الأجناس الأدبية تجنيسا وتصنيفا وتنميطا، وفق المقاييس اللسانية والشكلية، مستبعدين المضامين والمرجعيات الإيديولوجية.

6- الاهتمام بنظرية الأدب: يعد البويطيقيون من أهم العلماء الذين اهتموا بتأسيس نظرية للأدب في ضوء المعطيات اللسانية، والمقاربات الشكلانية، والتصورات البنيوية والبلاغية والسيميائية. وبهذا، يكونون قد مهدوا للدراسات البنيوية اللسانية والدراسات السيميوطيقية الشكلية.

7- إقصاء المرجع الخارجي:  لقد أقصى الإنشائيون ما يسمى بالمرجع النفسي والاجتماعي، وتجاوزوا المضامين والمحتويات والخبرات والشعارات الإيديولوجية نحو استجلاء أسرار الشكل بنية، ودلالة، ووظيفة.

8- الاهتمام بالمكونات والسمات: ويعني هذا أن الشعرية تهدف إلى استجلاء مكونات النصوص والخطابات الأدبية والفنية والإبداعية، ولاسيما الخصائص والمميزات الثابتة.وفي الوقت نفسه، تبحث عن السمات الحاضرة والغائبة التي تميز نصا عن باقي النصوص والخطابات الأخرى.

9- العناية بالتجنيس: يتمثل الهدف الرئيس للشعرية في الاهتمام بتجنيس النصوص والخطابات الأدبية والفنية وفق مكوناتها الثابتة المستقرة من جهة أولى، أو وفق سماتها الحاضرة والغائبة من جهة ثانية.

10- مبدأ التوصيف: تسعى الشعرية جادة إلى توصيف النصوص والخطابات من الداخل بغية فهم الآليات التي تتحكم في توليد النصوص وإنتاجها. 

الخاتمة: 

وخلاصة القول، تلكم، إذاً، نظرة مختصرة إلى مفهوم الشعرية بأسسها العلمية والتوصيفية الثابتة والجلية، ومرتكزاتها النظرية والتطبيقية التي لايمكن الاستغناء عنها في أثناء تحليل النصوص والخطابات الأدبية والإبداعية والفنية والجمالية.

وتلكم أيضا أهم الأسئلة التي انطلقت منها الشعرية البويطيقية باعتبارها مقاربة أدبية ونقدية علمية في دراسة النصوص والخطابات والأجناس الأدبية والنوعية والفنية.

وتلكم كذلك أهم المقومات التي ترتكز عليها الشعرية في توصيف النصوص والخطابات إن نظرية، وإن تطبيقا.

 

د. جميل حمداوي

 ......................

[1] -Oswald Ducrot et Tzvetan Todorov: Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, Points,2ditions du Seuil,1972,p :106.

[2] -Oswald Ducrot et Tzvetan Todorov: Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, p :106.

[3] -Oswald Ducrot et Tzvetan Todorov:Ibid, p :106.

[4] - Meschonnic, Henri, 1982, Critique du rythme. Anthropologie historique du langage, Lagrasse, Verdier, 1999, Poétique du traduire, Lagrasse, Verdier. ; Dessons, Gérard et Meschonnic, Henri, 2003 [1998], Traité du rythme, des vers et des proses, Paris, Dunod.

[5] O.Ducrot et T.Todorov : Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, article « Poétique », p. 193, Paris, 1995.

[6] - عثماني الميلود: الشعرية التوليدية: مداخل نظرية، شركة النشر والتوزيع-المدارس- الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2000م.

[7] - إسماعيل شكري : في معرفة الخطاب الشعري: دلالة الزمان وبلاغة الجهة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2009م.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4424 المصادف: 2018-10-16 12:45:18