المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

نقد مثلث السلطة، قراءة في رواية (كش وطن)، لـ (شهيد)

حقق الروائي (شهيد) امتياز مسبق لنتاجه الكتابي؛ لأنه عمد الى توظيف لغة مباشرة وصريحة تبتعد عن التعقيد اللفظي والرمزي، بل وتبتعد عن القناع، وما يعرف بـ( التورية، أو المواربة).

نقرأ صيغة كتابية معلنة وصريحة لاتحتاج الى اعمال الذهن؛ لأننا نقرأ واقعنا اليومي والآني بفعل كتابي موثق ومعلن.

ونجحت الرواية في تقديم نقد معلن لمثلث السلطة الثلاثية (السياسة، والدين، والجنس).

وجاء المتن السردي لنقد هذه الثلاثية المركزية، التي باتت تتحرك بأسم الدين والسياسة المزيفة لفرض وجودها على الذات الإنسانية.

وقدمت الرواية حالة من التوازن بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، إذ تقوم السلطة الدينية بتدعيم السلطة السياسية، ومن جهة ثانية، فإن السلطة السياسية تقوم بإحتضان المؤسسة الدينية وتدعم فعلها مهما كان شكله بما ينسجم مع الطروح الدينية، وعن طريق هذه الممارسات ضاعت الكثير من الأوطان.

وقد يكون عنوان الرواية مألوفاً وبسيطاً عند القارئ، لكنه في المضمون يحمل دلالات وتوريات تحتاج إلى فك شفرة النص وقراءته لأكثر من مرة لفهم مافي داخله من (تابوات) بعضها صريح جداً وعلني، والأخر مضمر يحتاج إلى قارئ ذكي لفهمه.

ويستدعي (كش وطن) منذ اللحظة الأولى أثارة كبيرة في قبوله نتيجة التناقض الحاصل مابين كلا المفهومين كش / وطن، إذ يحمل تورية ومباشرة، ويحمل تابو سياسة، والتفحص الدقيق في ثنايا الرواية نرصد حضور وأنتقاد واضح للسلطة الثلاثية (السياسة والدين والجنس).

وقد ثمة قناعات تسعى لها الرواية، تتمثل في المزاج الفكري والعقائدي، إذ تمكن خطورة الطرح الأيديولجي عندما يكون في الإطار الديني الذي ينبثق منه، إذ تتجلى في إشارات عدة، من تحريف لرغبات الذات الطبيعية، وأدارة الفرد للقوة والسلطة  والحياة والحب والجنس والعلم إلى الحرية والمعرفة والسياسة .

فالنص الروائي عندما يتحول توجهه إلى نقد السلطة السياسية والدينية والجنسية، يحتاج إلى بذل جهد كبير يتوزع بين القارئ والناقد، بغية الوصول إلى القراءة السليمة للعمل الأدبي، " حين قام صاحب السيف برفع الرأس. وصاح (الله اكبر) شعرت بأننا لسنا مخلوقات الله، نحن مخلوقات رب آخر غير متواجد هذا اليوم، استغل الذباحون غيابه وفعلوا فعلتهم"، فالمتن السردي هنا جاء بلغة مباشرة لنقد السلطة، وخروج واضح على التابو والمقدس.

ونرصد تابو الجنس بوضوح من عنوان الرواية،  ̏ كش وطن ... العبارة الأخيرة هي الوحيدة التي تصرفت بها(...)*"، فالنص الروائي هنا ودلالة العنوان تتخذ من الجنس غاية لاوسيلة، ينتقد عن طريقه سيطرة السلطة الضاغطة ومشاكل المجتمع المتولدة نتيجة هذه السيطرة، إذ نجد العنوان يبدأ بوصف الأشياء الصغيرة أو المألوفة (كش) صعوداً إلى الأشياء الكبيرة (وطن)، ومن وصف الرغبة المتوارية في (كش) إلى الشجن في (كش وطن)، هذه التوظيفات البسيطة تدعو المجتمع إلى أخراج ذاته المضغوطة في خناق السلطات الضاغطة.

ويسجل البعد الفلسفي حضوره ̏ إن الدعارة نشاط فلسفي ينطوي على رؤية أحتجاجية عميقة ̋ ، فالنص الروائي هنا يفصح عن كائن وجد العيش عن طريق (بوابة البغاء) هذا على المستوى الفردي، والمستوى الفردي هذا نرصده في شخصية (بلقيس) –المومس- الباكية الحزينة سبب حزنها يأتي عندما فارقت زوجها الشاب بحجة الدفاع عن الوطن، ̏ لقد ذهب زوجي شهيداً بمقاييس الوطن ليخلفني ورائه ... ̋ .

والجسد مكان تناقضات لامنتهى لها  مكان (العفة والشهوة، الخطيئة والتوبة، اللذة والألم، الحرية والعبودية، الحجب والسفور، ....) وكأن النص يأتي ليربط بين الجسد والمكان والعبور.

وسعى الروائي الى توظيف الكثير من الألفاظ المحرمة ثقافياً، بلغة مباشر جداً، "تركوني هناك أصرخ !!! وأنا أشاهد النار(...)"، ليقدم صورة تعكس أفعالهم، فترسم صوراً للشعوب وصوراً للألم، ونجد رغبة الكاتب عن طريق توظيفه للفعل المضارع، أبراز للأستمرارية في الهيمنة .

ويشكل نسيج المتن السردي بنية أزمة أبداعية تحاكي الواقع المعاش أولاً وتفعل فعلها، وتسعى لتؤثر على جيل من القراء، فالمناخ الذي نحن فيه اليوم يحتاج إلى أعادة أنتاج ودلالات من هذا النوع من الروايات .

وعن طريق ماتقدم أعتقد أن توظيف عنونة الرواية بـ (كش وطن)، جاء الربط عن طريق شخصية زوجة الشهيد (بلقيس) والتي كانت تشعر بالأحتراق لفعلها المحرم، مما دفعها إلى أخبارنا نحن المتلقين بشعورها لتقول : ̏ أنا أموت يومياً، بدأت روحي بالتأكل والضمور التدريجي، أنا أقتل كل يوم بيد وطني، وطني الذي سلبني كل شيء ولم يبق مني سوى هذا الجسد الذي تحول  إلى سلعة تتناولها شهوات الرجال، أنا واحدة من النساء اللواتي أكلتهن الحروب، تلك الحروب المقدسة التي تلتهم الرجال وتلقي بزوجاتهم في الطرق المعبدة بالتوحش، لقد ذهب زوجي شهيداً بمقاييس الوطن ليخلفني ورائه (...) بموجب نفس المقاييس ̋  .

فالرواية إذاً تحمل ثلاث مرتكزات، على النحو الأتي :

1- السلطة الضاغطة (السلطة الديكتاتورية) كانت الأساس الأول لكتابة مثل هذا النص .

2- سلطة الجسد والجنس تمثل في عنوان الرواية وشخصية بلقيس، وكريم المقاتل، فضلاً عن السارد وهو الراوي العليم .

3- سلطة الدين، وهي التي جاد نقدها واضح في الرواية .

 

بقلم: وسن مرشد

..................

* (...) دلالة على أن هناك كلمة محذوفة، لم اوظفها لأبتذالها.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4435 المصادف: 2018-10-27 02:15:26