المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

الغربة وشجنها، نازك الملائكة أنموذجاً

تنتمي ايقونة الشعر الجميل -الأصيل- نازك الملائكة، الى عائلة مثقفة تمتلك من كتابة الشعر وفنونه الشيء الكثير.

 وانجذب سمعها منذ الصغر الى واقع هذه البيئة المثقفة التي تحتضنها، وانشأت لذاتها وجوداً عايش الماضي والحاضر والمستقبل.

 سيطرت لغة الشجن والغربة والألم على الكثير من شعرها، لعلة معروفة من القاصي والداني، ولاتحتاج الى اعمال الذهن ؛لأن الجواب حاضر وهو محاكاتها العراق، وجملة الضغط المسلط عليه.

 مما أسس هذا الشجن جملة من القصائد التي امتزجت بالغربة الذاتية، وغربة الذات الأخر.

تقول في قصيدة (غرباء)

أطفئ الشمعةَ واتركنا غريبَيْنِ هنـا

نحنُ جُزءانِ من الليلِ فما معنى السنا؟ا

يسقطُ الضوءُ على وهمينِ في جَفنِ المساءْ

يسقطُ الضوءُ على بعضِ شظايا من رجاءْ

سُمّيتْ نحنُ وأدعوها أنا:

مللاً. نحن هنا مثلُ الضياءْ

غُربَاء

 كثر ورود الغربة والشجن في شعر الشعراء، وتوظيفها في عنوانات قصائدهم، ولعل في هذهِ الظاهرة اللغوية مجال لدراسة هذا النص، ففي هذه الأبيات لا تكتفي الشاعرة بالتعبير عن كرهها الشديد للغربة، ولا تكتفي بإخبارنا بطريقة مباشرة وتقريرية، بل تستعمل في حوارها لغة ايجابية غير مباشرة بغية التأثير على القارئ بكل قوة وفاعلية، وهذهِ اللغة بدورها تمكن الشاعرة من إيصال أفكارها .

يتحرك النص باتجاه سردي تكنيكي غاية في الدقة عن طريق حركة ثلاثية للشخصيات والزمان والمكان، ومع كل هذهِ الحركة والمقولات نجد أنَّ مساحة الغربة وشجنها تتحرك بإطار مضمر، عن طريق فعل الأمر(اطفىء)، الذي يمثل صورة ضد قناعة الشخصية الموجوعة، وإذ تتحرك الشخصيات-داخل لغة القصيدة- التي تمثل شخصية واحد، فنجن بإزاء تشابه شخصاني، تضيع فيها الحدود على تقدير مساحة الشخصية الأصل / أمام الشخصيات الأخرى، بحيث يفضي هذا الأمر إلى صراع من نوع جديد بين الشخص المتعدد الوجوه، وهي اشارة إلى سلطة الغربة التي تخلق صورها المتعددة في كل مكان .

 جاء النص هنا نتيجة حوار دائر بين الشاعرة وغربتها الداخلية، أو حوار دائر في مخيلة الشاعرة وغربتها/شجنها، إذ يشف هذا الحوار تخوف (الشاعرة) وارتباكها الذي وصل إلى (أمر اطفاء الشمعة)، واستفهام مطالبتها (فما معنى السنا؟) لتكن الإجابة (يسقط الضوء)- وظفت الفعل المضارع للتأكيد على استمرارية الحدث-، وهي إجابة تشي بهز قناعات نازك والتقليل من قيمة اجابتها المضطربة، لتدفعها هذهِ الإجابة لسؤال ثانٍ (يسقط الضوء على بعض شظايا من رجاء).  ليأتي الجواب (سميت (سميت نحن وادعوها انا)، فهي إجابة تشي باضطراب الذات -المباشر والعلني-، فلغة القصيدة نجدها قائمة على لغة الشجن الممزوجة بين غربتين، (مللا ونحن هنا مثل الضياء) كأن هذا النص دلالة على رغبة كسر لحاجز غربتهاعندما وصفتها بـ (الضياء)، أو كأنَّه مسار لتحريك النص ومجرى الأحداث نحو نقطة تحول(غرباء)، نبرة استهزاء وشماتة جاءت على لسان ذاتها الساردة للشعر، لتشعر مصطلح (الغربة) بالأهانة والاحتقار، فالقصيدة جاءت لتوضح لنا حقيقة الوضع المأساوي الذي يمر به الإنسان العربي في وطنه، والشاعرة أرادت إيصال فكرة بأنَّ الغربة شخص مهمش وجبان، تظلم الإنسان وتسجل حضورها الأجباري والطوعي عندما تشعره بغربته داخل وطنه، وهي اقسى انواع الغربة والشجن، وغربته خارج وطنه، ...الخ .

 

بقلم: وسن مرشد

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4470 المصادف: 2018-12-01 01:58:45