المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

حارتنا حارة الحكايات.. قراءة في رواية: أولاد حارتنا لنجيب محفوظ

أول ما سطرته في المقالة كان يوم 27 ديسمبر 2017، وتوقفت عن الكتابة في أوائل يناير، ثم عدت لأكتب في أول فبراير، ثم لأتوقف طويلًا بعد أن كتبت عن قاسم، وعدت أخيرًا لأختم المقال وأنشره لأول مرة في ذكرى أستاذنا نجيب محفوظ في الخميس 30 أغسطس 2018.

ملحوظة: يُقال إن المعنى في بطن الشاعر، وكل قارئ للأدب تكون له قراءته الخاصة وفهمه الخاص لما يقرأ، والتي قد يتفق أو يختلف معه فيها غيره، وإليكم قراءتي لـ "أولاد حارتنا".

***

يعد نجيب محفوظ أشهر أدباء مصر والعالم العربي، وهو الوحيد من بينهم الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عن مجمل أعماله.

درس نجيب محفوظ الفلسفة -وليس اللغة العربية- في كلية الآداب جامعة القاهرة، وكان لتأثير دراسة الفلسفة أثرها البارز في كتاباته. كان بحق بيدبا القرن العشرين، ولكنه لم يستخدم الحيوانات كرموز بل كان البشر أدواته. يمكن القول إنه عندما تقرأ قصة لمحفوظ فأنت تقرأ قصتين في ذات الوقت، قصة ظاهرة تخفي تحتها قصة أخرى لن تعطيك نفسها إلا إذا نجحت في فك الرموز. وعليك أن تتابع نسيجي كلا القصتين المضفورتين بعبقرية، تتقاطعان أحيانًا وتفترقان كثيرًا.

لكن المصريين لا يدركون حقًا قيمة هذا الرجل. شعب أغلبيته لا تقرأ، ومن يقرأ روايات يقرأ تلك ‏النوعيات العاطفية التي لا يشبهها أدب محفوظ. وحتى من يقرأون له قليل منهم من يفهم ‏العمق في رواياته. لا يعرفون أن قيمة الرجل أن تجد مصر في كل ما يكتب. تجد ‏الإنسان المصري بكل صوره ونماذجه؛ فالعالمية تنبع من الإغراق في المحلية. لكننا في أدب محفوظ لا نجد الإنسان المصري فقط، وإنما نجد حكايات الإنسان على الأرض، والإنسان المصري ستار فقط استُخدم في رسم التفاصيل. النزعة الإنسانية في أدب محفوظ أوضح من ألا يراها بصير.

ومحفوظ حسب علمي معروف في الدوائر الثقافية ‏العالمية منذ ستينات القرن العشرين، لكن من لا يتذوقون الأدب ولا يفهمون الفلسفة لا يدركون قيمة الرجل، ويبحثون عن أسباب أخرى تبرر فوزه ‏بالجائزة.‏ ولو كانوا يدركون قيمة محفوظ ما أثارتهم تلك الأقاويل المتناثرة عنه كل حين باحثين عن ‏سبب آخر لعالميته!

لعل أشهر روايات محفوظ وأكثرها خلافية هي "أولاد حارتنا". نُشرت "أولاد حارتنا" أول مرة في حلقات في جريدة الأهرام عام 1959. و"أولاد حارتنا" هي روايته التي حاكى فيها أهم وأعظم قصص الإنسان على ظهر الأرض، قصة استخلاف الإنسان وبعثة أصحاب الرسالات الثلاث. وكان السبب الرئيسي لما طال هذه الرواية من اتهامات أن استخدام الرموز فيها كان واضحًا صريحًا! لم يبذل محفوظ أي جهد لإخفائها، بل اجتهد أن يكون التشابه بين قصته الرمزية وحقيقة ما ترمز إليه سافرًا، كما تخيّر أسماء أبطال قصته استلهامًا من عناصر القصص الديني التي حاكاها.

لم يكن محفوظ في ذلك بدعًا، فكثيرون سبقوه ولحقوه في استخدام الترميز لتجسيد قصصًا مستوحاة من قصص الأنبياء، وبعضها تحول إلى أعمال سينمائية أو تليفزيونية، مثل قصة يوسف عليه السلام في "المصير" أو في قصة لثروت أباظة التي حُولت إلى مسلسل تليفزيوني في الثمانينيات، ولم يكد يشعر بها أحد.

ومن أشهر تلك الأعمال الدرامية "الحج متولي"؛ ذلك الرجل التاجر الفقير الأمين الذي تزوج في بدء حياته من امرأة غنية ولم يتزوج عليها حتى ماتت، ثم إذا به يُعدِّد بعد وفاتها!

لكن العوام غالبًا لا تدرك على مستوى الشعور معاني الرموز التي يريدها الأدباء من خلف ظاهر القصص إلا إن نبههم أحد، حتى لو استشعروا المعنى في مستوى اللا شعور. كمثال على ذلك: من أشهر الأفلام التي يكاد يعرفها كل مصري "شيء من الخوف" وقد تمت كتابته وإخراجه بعد حرب 1967، ولكن تُرى كم من بينهم من وعى من تكون "فؤادة" ومن هو "عتريس"؟ كم ممن شاهدوا العمل يفهم معنى تلك الصيحات التي خرج بها أهل البلدة في تظاهرات قائلين: "زواج عتريس من فؤادة باطل"؟! وكأنها ردٌ على المظاهرات الزائفة التي خرجت تطلب من عبد الناصر البقاء! محفوظ أيضًا كان ممن رمز لمصر وعبد الناصر في أعماله، وأشهرها "بداية ونهاية" و "ميرامار"، ولعله رمز إليهما أيضًا في "أولاد حارتنا".

بل وأحيانًا استُخدم التصريح في محاكاة القصص الديني كما فعل توفيق الحكيم في "أهل الكهف"، والذي يبدو ظاهريًا من الاسم.

ما لا يدركه العوام أن كل قصة حقيقية أو روائية فيها شيء ما يشبه تلك القصص السماوية، أو هي ذاتها القصص السماوية مع اختلاف التفاصيل، شئنا ذلك أم أبينا. أدركناه أم لم ندرك. على سبيل المثال فإن أي قصة تتحدث عن صراع الخير والشر، ما هي إلا استلهام لقصة آدم وإبليس، أو قصة قابيل وهابيل؛ التوأمين اللذين خُلقا من رحم واحد لأب واحد في ساعة واحدة ليمثلا وجود الخير والشر في النفس البشرية، ألا تذكرهما عندما تقرأ رواية "د/جيكل ومستر هايد"؟ والأدب الغربي مليء بهذه الأمثلة، فليس غريبًا على الإطلاق أن تحمل إحدى شخصيات الرواية سمات إحدى الشخصيات المقدسة؛ وإلا فهل كان سانتياجو بطل رواية "العجوز والبحر" لإرنست هيمنجواي إلا صورة معاصرة للمسيح وآلامه؟!

وكم من أديب استخدم تلك الحبكة القصصية لعائلة كبيرة فيها جد وأجيال من أبنائه وأحفاده في أعماله، وكم من قصة طُرد فيها الابن من بيت أبيه وغضب عليه، لكن ما خص "أولاد حارتنا" إضافة لوضوح ما يرمز إليه الكاتب، كان إكثاره من تلك الرموز، فمحفوظ لم يتناول قصة نبي واحد وحسب، ويداخل معها حوادث وتفاصيل لا علاقة لها بقصته كي يخفف الوقع، بل عرض عدة قصص متتالية لأشهر الأنبياء، وحرص على أن تكون التفاصيل الأساسية مقتبسة من القصة الأصلية. وتكاملية تلك التفاصيل الرئيسية وتتابعها هو سبب إشكالية "أولاد حارتنا". كانت "أولاد حارتنا" أقرب ما تكون لقصة الخلق باستخدام رموز أدبية! وسكان الحارة هم سكان الأرض، وسكان الأحياء الثلاثة التي تكونت تباعًا بها هم أتباع الديانات السماوية الثلاث.

وهو مع ذلك لا يهتم بمحاكاة كل تفصيل في القصة المقدسة بل فقط تلك التفاصيل الرئيسية التي تؤخذ منها العِبر. بل إن من يقرأ الرواية يستشعر أن الأديب رغم استغراقه في نقل جميع الملامح الرئيسية إلى قصته إلا أنه حرص على أن تكون قصته لبشر عاديين وأعطاها تفاصيل تبعد عن القدسية وتدخل القارئ في جو القصة الأرضية؛ فتنسيه هالة القدسية، فهنا امرأة تلد، وهناك مشهد لبيع خيار، ورجل عابث يغني للحظة تنسينا أن هذا العابث في الأساس كان رمزًا لإبليس، ونساء وأطفال في الحارة، بل وصل الأمر حد وصف الحيوانات والحشرات. والحديث في بداية القصة وأصل الحكاية يأتي عن رابطة أبوية وكيف تمزقت، وليس عن علاقة عبودية بين عبد وإله.

آفة حارتنا النسيان، وحارتنا هي حارة الحكايات؛ هكذا قال محفوظ؛ لذا كانت شخصية الشاعر على القهوة ليقص على الناس الحكايات،‏ كما كان مخدر الحشيش الغارق فيه سكان الحارة سبيلاً لتبرير ذلك النسيان وسببًا لانشغالهم عن الشاعر أثناء قصِّه؛ فالدنيا تلاهي والبشر ملهيون!

يقول محفوظ في بدء قصة قاسم: "ما أعرف أولاد حارتنا بالحكايات، فما لهم لا يعتبرون!". ولأن البشر ينسون ما أراد لهم الله أن يتعلموه كانت "أولاد حارتنا". رواية مليئة بكل تفصيل يلزمك أن تتدبر فيه في محاكاة صارخة لقصص مقدسة بعد أن جلبها محفوظ من عليائها وألبسها لحمًا ودمًا وجعلها قصصًا يمكن أن تراها في حياتك. كانت الرواية صرخة ضد الظلم المستشري في الحارة (على ظهر الأرض) وإعلاءً لقيمة العدل، وكان أبطالها هم هؤلاء الصارخين.

كان الجبلاوي أحد الشخوص الرئيسية في الرواية، وهو مشرع القوانين الحاكمة للحارة والمنظمة لوقفه الذي يُدر ريعه على الجميع، وهو من يختار من بين أولاده من ينفذ أوامره ويدعو لها. كانت شروط الواقف العشرة رمزًا للخطايا العشر التي لا يجب أن يتخطاها أحد، ولكن كان البشر دائمًا يفعلون!

والجبلاوي، صاحب الوقف الذي بُنيت فيه الحارة -كما صوّره محفوظ- رمز للمهابة والعدالة، للقوة والحكمة، رمز للجبروت والعظمة، ومع ذلك -وكما وصفه محفوظ في أحد المواضع- فلا شيء يعادل شدته إلا رحمته. وهو مع عزلته بعيدًا عن الحارة في البيت الكبير، يعرف كل صغيرة وكبيرة تدور فيها. والكلمات القليلة المسيئة التي أتت عن الجبلاوي كانت على لسان إدريس (إبليس) المطرود من نعيمه، لكنها كانت موجهة لشخص الأب المتوهم في تلك القصة الأرضية وليس الإله. كما أتت كلمات مثلها على لسان قدري (قابيل) رمز الشر الإنساني، وكانت أيضًا موجهة لشخص الجبلاوي الجد. وأحيانًا يتساءل بعض شخوص القصة لماذا يُتركون يتصرفون دون تدخل رغم أنهم يخطئون؟ فنداء العاجزين عليه أحيانًا "يا جبلاوي" والذي لا يقابله رد من جانبه طالما لا يفعلون شيئًا يغيرون به واقعهم، هو سخط من محفوظ على سلبيتهم في مواجهة الشر، والحقيقة أن الجبلاوي أرادهم أحرارًا، ومعروف موقف محفوظ من مسألة الجبر والاختيار واعتقاده بمسئولية الإنسان عن أفعاله؛ ذلك الموقف الذي برز كأشد ما يكون في رواية "الطريق".

وكانت شخصية الجبلاوي المتجسدة الحاضرة في حوادث القصة -والتي رأى فيها كثيرون رمزًا لله سبحانه وتعالى- سببًا رئيسيًا للاتهامات التي طالت "أولاد حارتنا". أرى أن محفوظ اضطر إلى أن تكون رمزية الإله أو الدين حاضرة وليست غائبة كما كان الحال في روايات أخرى كـ "الطريق"، وإن كان من الواضح أن الجبلاوي يمثل قيمة الإله أو لنقل أنه الدين كقيمة، فهو يمثله كفكرة وليس كجسد، رغم تشخيصه في القصة، وكان محفوظ حريصًا على أن يجعل ظهورها على مسرح الحوادث عندما تستدعي الضرورة فقط، ولو كان بالإمكان أن يستبدلها برمز أو مكان كالتكية في "الحرافيش" أو يُغيِّبها لفعل، ولكن التجسيد فُرض عليه لاستكمال أركان القصة. هذا ليس تبريرًا بل تفسير.

مع ذلك، ورغم علمي بوجود شخصية الجبلاوي ودلالتها في بدء الرواية فقد صُدمت عندما واجهتها في صفحات الرواية، وأزعجتني عندما وجدت الحوارات أمامي، قبل أن أتبين أنها ترمز للدين أكثر مما هي تشخيصًا للإله، لكنني مع ذلك لا يمكن أن أصف شعوري بالحنق، والدليل أنني أكملت القراءة.

ولنقل أنه كان بإمكانه بالفعل أن يستريح من عناء بدء القصة في البيت الكبير الذي يمثل الجنة، وتكليف أدهم دونًا عن إخوته بإدارة الأملاك، ثم طرد إدريس ومن بعده أدهم بعد أن وسوس له إدريس. كان بالإمكان أن تبدأ الحكاية بأدهم وهو يعيش عيشة الشظف في البرية، ثم يتذكر سعادته السابقة في البيت الكبير، وتأتي قصة طرده وأخيه دون تفاصيل. لكن بدء القصة على النحو الذي بدأ به محفوظ يجعل البيت الكبير (الجنة) حقيقة واقعة كانت ماثلة، وليست مجرد خيال يُحكى عنه في أنحاء القصة. هذا دليل تصديق بوجود تلك الجنة وليس جحد لها. هذا البيت الذي عبّر عنه محفوظ بأنه "لا عزة لنا إلا به ولا تعاسة إلا بسبب منه".

كانت حارة الجبلاوي في نظر من يحيون خارجها حارة الفتوات، حارة القوة، لكن لم ينظر لها من يعيشون فيها على النحو نفسه. كانوا تعساء. قلَّ أن رأوا فيها أثرًا لقوة تصنع الخير. كانت العدالة الاجتماعية غائبة عنها دائمًا سوى في الفترات القليلة التي قادها فيها الأخيار.

اهتم محفوظ بمحاكاة التفاصيل الرئيسية لقصص الأنبياء الذين ذكرهم وليس كل تفصيل. كان أدهم وجبل ورفاعة وقاسم أخيارًا، وكان يقابلهم إدريس والفتوات وناظر الحارة كرموز للشر. كان اختيار اسم كل منهم لتسهيل الدلالة عليه، ولم يكن في اختيار أي اسم إساءة. كان هؤلاء الأبطال الرئيسيون، وكل منهم صاحب قصة رئيسية ضمن حوادث الرواية، ورغم وقوع حوادث قصة كل منهم في زمن يختلف عن زمن الآخر إلا أن كل منهم هو امتداد للآخر، جاء لإصلاح ما فسد في الفترة الفاصلة بينه وبين من سبقه.

وكان جبل المقطم –والمعروف عنه أنه غراس أهل الجنة- في خلفية تلك القصة المحاكية، ويبدو شاهدًا على أبطالها كل حين. وكانت الصخرة التي يلتقي عندها هند وقدري رمزًا للخطيئة البشرية طوال القصة؛ فعندها كانا يأثمان، وعندها قتل قدري (قابيل) همام (هابيل)، وعندها قتل جبل (موسى) الفتوة لإنقاذ رجل من أهله، كما كانت رمزًا للنفحات الإلهية عندما تهبط على الأرض، فعندها توقفت العائلة المهاجرة حيث كانت تحمل الأم برفاعة (المسيح)، وعندها كان يخلو رفاعة بنفسه عندما تزيد همومه بسبب أحوال الحارة، ثم صار يجتمع عندها بأصدقائه (حوارييه)، وعندها قُتِل. وعندها كان يجلس قاسم (محمد) الصبي وهو يرعى الغنم، وعندها كان يخلو بنفسه، ثم عندها قابل قنديل (جبريل) خادم الجبلاوي.

في "أولاد حارتنا" لا أشتم رائحة كفر أو إلحاد حتى أشك مجرد شك أن محفوظ قد كتبها في مرحلة ما من حياته كالتي مر بها كثير من مفكرينا في شبابهم كمصطفى محمود أو العقاد، كما أن الرجل كتبها وهو في الخمسينات من عمره. بل أتعجب ممن رأوا في الرواية كفرًا!

مرة ثانية، لم أستشعر أي رغبة لمحفوظ في الإساءة، بل في بللورة نقاط هامة ربما رآها أهم ما في تلك القصص التي حكاها، وأن هناك تشابهات بينها وبين قصص من واقعنا، وأن البشر لم يتعلموا أبدًا منها دروسًا هامة كان ينبغي عليهم تعلمها؛ فآفة حارتنا النسيان، لذا أكملت القراءة، لكن لنقل أنني شعرت بالارتياح بعد أن غادرتني شخصية الجبلاوي سريعًا بعد ظهورها القوي في بدء القصة، وتمنيت صادقة ألا تعاود الظهور، وقد كان إلى حد بعيد فلم يُظهرها محفوظ بعد إلا ما ندر عندما يحين حديثها مع أحد أبطال حارتنا، وكنت أرى فيها حينها تلك الشخصية الأرضية التي شخّصها الكاتب حتى أنني كنت أجتهد في التركيز على استكشاف الرموز التي وضعها كي أستمر في تتبع خيط القصة الخفية عوضًا عن القصة الظاهرية، حتى كانت الصدمة الكبرى بموت الجبلاوي في ختام القصة، لكن كانت رمزيته وقتها واضحة. كان يمثل قيمة الدين في مقابل قيمة العلم.

 

أدهم (آدم)

أول فصول الرواية تحكي عن أدهم أو (آدم) كما رمز له محفوظ أو كما جسّده محفوظ بيننا كإنسان عادي بعد نزع القدسية عنه.

كان أدهم في رواية محفوظ آخر أبناء الجبلاوي مولدًا، وأقلهم حظًا في الأمهات. كانت أمه جارية سوداء. كان إخوة أدهم في المقابل أبناء هانم. رمزية الأم هنا كانت التعبير الذي عبّر من خلاله الأديب عن أصل آدم الطيني بإزاء الأصل النوراني لإخوته.

لكن أدهم مع ذلك قد تميز عن إخوته بأنه الوحيد فيهم الذي تعلم؛ ولأجل هذا العلم الذي حظي به دونهم تم اختياره ليدير الوقف. إذًا فقد بدأت القصة بتقدير الدين للعلم وتمجيده، وسنرى أنها ستنتهي بتقديره أيضًا.

أعجبني ارتباط وجود أدهم بالبيت الكبير وحديقته التي تمثل الجنة التي طُرد منها بالسيادة، وأنه لم يفهم معنى الشقاء إلا بعد خروجه منه أو (منها) بعد وسوسة أخيه الأكبر إدريس –والذي يرمز للشيطان- ووسوسة زوجته أميمة -التي رمزت لحواء-. أعجبني أكثر حنين أدهم إلى تلك الجنة ورغبته الصادقة في العودة إليها واستشعاره الندم على فقدها.

في لحظات يبدو فيها محفوظ كما لو كان متعاطفًا مع إدريس الأخ الأكبر؛ والذي طُرد من البيت لمّا رأى تفضيل أدهم عليه، وقد لفتني ادعاء إدريس أنه تعلم الفظاظة مع الناس من موقف طرده من البيت الكبير! لكن محفوظ مع ذلك حريص على إبراز الفروق بين أدهم وإدريس. إدريس عندما طُرد من البيت تواقح ولم يبد خجلًا ولا ندمًا على ما بدر منه من خطأ، بل أسرف على نفسه وتمادى في ارتكاب المزيد من الأخطاء، وهو ما لم يفعله أدهم. كما أن المرأة التي مع إدريس حملت من الزنا، أما أدهم فكان قد تزوج من أميمة.

في حوار أدهم مع أميمة زوجته عن قيمة العمل، ومقارنته حاله في البيت الكبير حيث طيب العيش بلا عمل وكد، بالشقاء الذي يحياه مع العمل الكاد، كان أدهم يرى العمل لعنة، وكان يحلم بالعودة إلى البيت الكبير الذي يمثل الجنة.

هنا ظهر أن لإدريس رمزية أخرى في الرواية أوسع من كونه إبليس شيطان الجن، فقد امتهن إدريس بعد طرده قبل أدهم من البيت كل ما يُزري من عمل، فلم يعمل عملًا شريفًا قط، وتحصل من ذلك على مال أوفر مما تحصل عليه أدهم بعد طرده. أيضًا في تعاملهما مع الناس بدا الاختلاف بينهما. هنا كان إدريس رمزًا للشر البشري وليس فقط للشيطان، أو ربما يصاحب القارئ هذا الشعور في تلك المرحلة من الرواية بعدما نجح الكاتب في إبعاد خياله عن قدسية القصة الأصلية إلى واقعية القصة الأرضية التي بناها محفوظ محاكاة لها.

والحوار عن العمل في الحارة سنراه يتكرر بعد ذلك بين جبل (موسى) وزوجته، فهو يحلم بجنة بلا كد وشقاء، وزوجته تفيقه من أحلامه. كما سيعاود محفوظ بحث ذات الفكرة في قصة قاسم (محمد) بعد أن انقلب حاله إلى الرخاء بعد زواجه، لكن حال أهل الحارة السيء كان يتعسه، وكذا في قصة عرفة (رمز العلم) بعد أن سكن وزوجته بيتًا هو صورة مصغرة من البيت الكبير.

قدري وهمام (قابيل وهابيل)

كان الأخوان التوأم قدري وهمام أو (قابيل وهابيل) -بعد ظهورهما في القصة- الرمز الحقيقي والأوضح لتواجد الخير والشر في النفس الإنسانية، وليس الأخوين أدهم وإدريس (آدم وإبليس)، وحواراتهما كانت موحية كأن الملاك والشيطان يتحاوران في نفس واحدة.

كانت الفروق بينهما بادية في تقييمهما للجبلاوي. وبينما والدهما أدهم لا يذكر الجبلاوي إلا بالإجلال، يبرر همام ذلك بأنه مؤمن بعدالة ما نزل به من عقاب، بينما يرى قدري أنه فقط طامع في عفوه. الأهم أن همام يتفق مع أبيه في إجلال الجبلاوي بينما يوافق قدري عمه إدريس ويتسافه في حق الجبلاوي، ولا يعجبه أباه؛ فهو يكرر ادعاءات عمه إدريس عن فظاظة الجبلاوي وأنه وعمه ليسا إلا على الشاكلة نفسها!

أجمل لافتة من محفوظ في هذا الحوار كانت عندما واجه همام قدري بأنه يبطش بالناس لأسباب أهون مما استحق عليه أباهما العقاب! وقد أكد محفوظ على هذا المعنى مرارًا، فكأنه أراد أن يقول إن الظالم الذي لا يتورع عن البطش بغيره من البشر لا يرى نفسه مستحقًا للعقاب ممن هو أعلى منه قدرًا مهما أجرم، بينما الودود الطيب يندم على أدنى شيء تقترفه يداه، ويتقبل ما يلحقه من جزاء عليه.

في الجزء التالي من قصة التوأم بدت تصرفات محفوظ وعدم اقتباسه مواقف القصة الأصلية المقدسة كما هي. كان التمييز بين همام (الخير) وقدري (الشر) في السماح لهمام وحده بالذهاب إلى البيت الكبير (الجنة)، فليس ثمة قربان أو ما يشبهه. كانت الدعوة التي وُجهت لهمام دون قدري للذهاب إلى البيت الكبير تكرارًا للمشهد الأول عندما احتج إدريس على تكليف أدهم وحده بالاعتناء بالوقف. كان سبب دعوة همام وحده لدخول البيت الكبير، واستبعاد أخيه قدري وهند ابنة عمهما إدريس؛ كونهما ملوثان بالعار لعلاقتهما الآثمة، وهذا البيت (الجنة) لا يدخله من لوث نفسه.

عند زيارة همام للبيت الكبير وحديقته أجاد محفوظ في وصف مشاعره، فكأنه ينتمي إليه رغم أنها أول مرة يخطوه فيها، وكأن أدهم عاش في الحديقة (الجنة) ليورث ذريته محبتها والتوق إليها. وظهر بعدها العرض لهمام بأن يعيش في هذا البيت ويتزوج فيه بفتاة جميلة.

كما كان مشهد قتل قدري لهمام خطأ مخالفًا تمامًا للمشهد في القصة المقدسة، فلا خلاف على الفتاة التي أحبها قدري، ولكنه حسد من قدري لهمام لأنه سيحظى بدخول البيت الكبير، بينما قُضي عليه باستمرار العذاب والعناء خارجه.

الدرس الأكبر هنا جاء في حوار أدهم مع ابنه القاتل، عندما اكتشف أن الشر لا يوجد فقط في كوخ إدريس (إبليس)، الذي لا يزيد نصيبه من الشر على أن يعربد ويوسوس، بل هناك قدرة خفية كبرى على الشر داخل كوخه (داخل النفس البشرية)، وهي القدرة على القتل التي لا يقترف إدريس مثلها!

والأهم كان مشهد عفو الجبلاوي عن خطيئة أدهم تقديرًا لندمه. جاء العفو عن أدهم عندما شارف على الموت. مات أدهم وأميمة وإدريس، ووُعِد أدهم بأن يكون الوقف لذريته كلهم، فهل كان؟!

جبل (موسى)

بدأ هذا الفصل بوصف الحارة بعد أن اختطت وتوسعت وزاد سكانها. والحارة هي رمز الأرض المعمورة على اتساعها. تلك الحارة التي يصفها محفوظ أنها لم تعرف العدالة أو السلام منذ أن طُرد أدهم وأميمة من البيت الكبير.

الملاحظ هنا أن محفوظ، وبعد أن قطع كل هذه المسافة من الرواية حتى كساها لحمًا ودمًا، وصارت قصة آدمية كققصنا، حتى أنك تدقق كثيرًا لتعرف إلى من ترمز الشخصيات الرئيسية –والتي لم أدركها إلا بعد ظهور شخصية جبل-، ورغم عدم وجود ضرورة درامية لاستمرار وجود الجبلاوي كشخصية مستترة وسط قصته الأرضية إلا أن رمزيته الإلهية الأولى حالت دون اختفائه تمامًا من المشهد، فالجبلاوي موجود في بيته، وإن كان لا يتدخل في سير الحوادث إلا في لحظات حاسمة.

كان أهم ما في حارتنا في هذه المرحلة هم الفتوات، وهم فئة من الآدميين يعيشون على مص دماء غيرهم من الكادحين. كان هؤلاء الفتوات من ذرية إدريس. ويساويهم في الأهمية ناظر الوقف، وقد مثّل فرعون في قصة جبل، الذي اطمأن إلى حماية الفتوات، وبلغ بهم قمة الهرم الاستغلالي. واختفى العدل والرحمة والشهامة والزهد والنزاهة من حياة الناس، وعاش الناس في فقر وذل صابرين. وكان من أكثر ما يلفت هو تلك المسبحة التي لا تغادر يد ناظر الوقف، وهي دلالة على تمسح الطغاة كثيرًا بالدين.

ثم بدأت ثورة آل حمدان (بني إسرائيل)، وقرروا أن يشكوا إلى ناظر الوقف كونه أيضًا من أبناء أدهم وأميمة؛ فهو قريبهم. ورغم الضنك الذي عاشه هؤلاء الفقراء من أبناء أدهم لم يتدخل الجبلاوي.

هنا تظهر شخصية جبل (موسى)، وهو من آل حمدان، ولكن ربّته هدى هانم زوجة ناظر الوقف (امرأة فرعون) في بيتها. جبل لم يكن لقيطًا كما في قصة موسى، واكتفى محفوظ بالتشبيه؛ فحكى أن هدى هانم زوجة الناظر قد وجدته يسبح وهو صغير في بركة ماء عوضًا عن تابوت الماء في النهر في القصة الأصلية، فعلمت أنه يتيم وضمته إليها.

كان اختيار الاسم عبقريًا، فالجبل هو أقوى ما خلق الله، كما أنه مشتق من اسم الجبلاوي، ولهذا دلالته على ما يصر عليه اليهود من أنهم شعب الله المختار. كما أن عنوان رسالة موسى كان "القوة".

المهم أن جبل ذاته الذي يحتدم لديه الصراع بين أهله المظلومين وبين أولياء نعمته هو من يتعجب في بداية الأمر لعدم تدخل الجبلاوي!

ثم إذا بجبل يقتل أحد الفتوات خطأ أثناء تخليصه أحد أقاربه من آل حمدان من بين يديه. ولمّا اختفى الفتوة سعى كبير الفتوات لدى الناظر لأجل السماح بتأديب آل حمدان مرة ثانية لشكه أنهم قتلوا ذاك الفتوة، فكان مشهد تخيير جبل بين البقاء في بيت الناظر واللحاق بأهله من آل حمدان. أعاد هذا المشهد التذكير بمشهد طرد أدهم وأميمة من البيت الكبير.

كان جبل في قصة محفوظ رمزًا للشهامة والنجدة في نجدته لقريبه المظلوم من يد الفتوة، ثم في هربه خوفًا على أهله لأنه قتل لإنقاذ واحد منهم، ثم في مشهد نجدته للفتاتين في السوق المزدحم وسقايته لهما، وهو المشهد المحاكي لما في القصة المقدسة.

ثم كانت دعوة أبيهما له، ثم زواجه من إحداهما. كانت مهنة أبي الفتاتين ليست إلا رمزًا لإدخال الثعبان في حكاية محفوظ؛ فقد كان أبوهما حاويًا! وامتهن جبل مهنة حميه حتى وجده دعبس، وهو الرجل الذي قتل لأجله الفتوة. وكما لم يكن الثعبان أكثر من خلفية للقصة، فقد كان الراعي وغنمه في جوار جبل عند حواره مع دعبس، بعد أن وجده صدفة ليخبره بتطورات الحوادث في الحارة بعد غيابه.

كانت عودة جبل في قصة محفوظ إلى الحارة لأنه أدرك أنه لا مقام له إلا فيها، وهذا معاكس للهدف من عودة موسى في القصة المقدسة، فما عاد موسى إلا ليأخذ قومه ويساعدهم على الهجرة. والأهم أنها كانت عودة بأمر الجبلاوي بعد أن قابله ووعده بالنجاح، ورأى جبل في هذا مؤشرًا على أن آل حمدان أحب أهل الحارة للجبلاوي.

في قصة محفوظ لم يكن ثمة أثر لشخصية هارون؛ فهي تفصيل لا داعي له وفقًا للهدف من الرواية؛ كما لم يأتِ ذكر أي تفصيل مقارب لتلك الابتلاءات التي ابتُلي بها قوم فرعون؛ فلا ضفادع ولا قمل ولا دم ولا.... فقط كانت الثعابين استحضارًا لملمح رئيسي في القصة الأصلية وتوظيف له في دور يخالف دوره الأصلي، وإن كان يشترك معه في إرعاب هؤلاء الطغاة.

بعد أن واجه جبل الناظر أول الأمر وحده في محضر من هدى هانم، ابتكر محفوظ وسيلة لتقريب القصتين وهي مهنة جبل للحواية، ودعوته من قبل الناظر لطرد الثعابين التي انتشرت في الحارة، والتي استغلها ليأخذ مقابلًا لتلك الخدمة وعدًا وكلمة شرف بحفظ كرامة آل حمدان وحقهم في الوقف. ولم ينس جبل أن يخبر الهانم التي ربته أنه لولا حاجة أهله ما اشترط شرطًا فيه خدمة لها، وهذه لفتة تؤكد شهامة جبل عند محفوظ، وإن كانت كلمة الشرف تلك لم تكن أكثر من كلمة لم يتم الوفاء بها من قِبل الناظر.

كان مشهد الحفرة المغطاة التي سقط فيها الفتوات، الذي اصطنعه محفوظ ليحاكي انشقاق البحر في القصة المقدسة رائعًا. كان أرضيًا لا علاقة له بالمعجزات، استخدم فيه البشر ذكاءهم واجتماع أمرهم مع قائد يأتمرون بأمره على عدوهم؛ فنجحوا ونجوا، وهي إشارة أقوى من أي استلهام لحدث أشبه بالمعجزة طالما نتحدث عن قصة تقترب من الواقع البشري.

على العكس من القصة المقدسة لم يكن الناظر (فرعون) ضمن من هاجموا ربع آل حمدان وسقطوا في الحفرة وماتوا. ونجد مشهدًا يواجه فيه جبل الناظر والهانم زوجته مرة أخرى بعد مقتل الفتوات معاودًا المطالبة بحقوق آل حمدان، واستطاع أن يحصل على حقوقهم. لكن هل رضوا بقسمته العادلة بينهم التي لم ترعَ تفاوت منازلهم؟! وماذا عن حقوق باقي أهل الحارة الذين لم يوص بهم الجبلاوي جبل؟! هذه الأخيرة إشارة لخصوصية رسالة موسى في بني إسرائيل.

في مشهد مهيب أصر فيه جبل على أن يقتص رجل ضعيف المنزلة من آل حمدان من دعبس؛ وهو الرجل الذي قتل جبل الفتوة لأجله، ويبدو صديقه؛ فالعين بالعين. يتحدث محفوظ عن ضرورة إقامة العدل، ويدافع عن القصاص فليس بقسوة إلا على المعتدي، وهو في المقابل رحمة بصاحب الحق. ويذكر بأن البشر لا يكرهون الفتونة إلا عندما تكون عليهم، أما إن رأى أحدهم في نفسه قوة فهو يسارع إلى ظلم من هو أضعف منه. غضب جبل واشتد غضبه لأجل ذلك، هنا جبل لم يعد رمزًا للشهامة فقط بل رمزًا للقوة العادلة.

صاروا آل جبل بعد أن كانوا آل حمدان. لبث جبل فيهم رمزًا للعدالة والقوة وإقامة النظام حتى مات، لكنه لم يهتم بحقوق باقي أهل الحارة، وإن لم يعتدِ عليهم.

رفاعة (المسيح)

ذهب عهد جبل ونسيت الحارة القوة العادلة؛ فآفة حارتنا النسيان. عادت القسمة ضيزى بينهم في الأرزاق، ووُلِد فتوات جُدد، حتى خاف الناس على مواليدهم الخطف.

يبدأ الفصل برجل نجار من آل جبل يهرب من الحارة إلى سوق المقطم بامرأة حُبلى، والتي توشك أن تضع حملها؛ مخافة أن يُسلب الوليد كما فُعل بطفل آخر.

ولا يحكي محفوظ أي شيء عن حياة الثلاثة في منفاهم الاختياري حيث أمنوا، ولكنه يلتفت مباشرة إلى عودتهم إلى الحارة بعد أن شب الغلام ومات الفتوة الذي كان الهرب مخافة منه.

بعد عودته إلى الحارة يبدأ الشاب رفاعة في التعرف عليها كونه لم يخبرها من قبل. كان غرام رفاعة الاستماع إلى حكايات الشاعر، وأحاديث زوجته أم بخاطرها عن العفاريت. بدأت تعلمه أسرارها. كانت تقول: لكل إنسان عفريت هو سيده. لكل عفريت دواءه، لكن ما دواء ناظر الوقف وفتواته؟

دارت حوارات كثيرة تتحدث عما ينقص الحارة، وبينما آل جبل يتحسرون على عهد جبل حيث كانت القوة العادلة، لم يكن رفاعة ناظرًا إلى الوقف وتوزيع الأنصبة كما كان ينظر جبل. اعتقد أنه لم تكن مطالبة جبل بالحق في الوقف طمعًا فيه في ذاته وإنما طمعًا في تلك الحياة الهانئة التي طالما حلم أدهم في العودة إليها، ولكن كان ظن جبل أن تلك الحياة الغنّاء لن تُنال إلا بالقوة العادلة بين الجميع. على العكس منه فرفاعة يظن أن ما ينقص الحارة حقًا هو الرحمة.

ويبدو من حديث رفاعة في البداية ذات الاستفسارات عن اختفاء الجبلاوي التي سبق أن تحدث بها جبل قبل أن يرى الجبلاوي، ثم كانت غيبة رفاعة في الخلاء ثم عودته فجأة، ثم إعلانه لأبيه أنه كان جالسًا بجوار سور البيت الكبير، وأنه سمع صوتًا ظنه صوت الجبلاوي. اللافت هنا هو العبارات الوجيزة الحاملة لفلسفة ترك البشر لأقدارهم، فبينما يطالب رفاعة الجبلاوي بالتدخل لإنصاف المظلومين، يخبره الجبلاوي أن عليه هو أن يفعل، عليه أن يعرف سر قوته، وألا يظن بنفسه الضعف، فلا يظن ذلك إلا الأغبياء.

كان أول موقف يقفه رفاعة دفاعًا عن الضعفاء رحمة بهم دفاعه عن ياسمينة الفتاة اللعوب التي تفاوتت آراؤهم ما بين جلدها أو قتلها بعد أن رُؤيت تخرج من بيت فتوة الحارة. لم يسمح لهم رفاعة بذلك في موقف يُذكِّر بموقف المسيح من المجدلية عندما قال لمن أرادوا رجمها: "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر". وفي قصة محفوظ كان تخليصه إياها بزواجه منها، وإن كان زواجًا شكليًا يرمز إلى الرهبنة في المسيحية.

على العكس من جبل، لم يخص رفاعة آل جبل باهتمامه. كان ذلك في أول أمره فقط، لكنه بعد ذلك أدرك أن ليس هناك معنى لفكرة أن آل جبل هم أفضل الناس، واقتنع أن الطيبين يمكن أن يكونوا من أي قوم، وهذا رمز لعمومية الدعوة إلى المسيحية وتبشيريتها على عكس خصوصية اليهودية في بني إسرائيل. كما كان انتقاله إلى حي آخر بجانب حي جبل رمزًا لنشوء المسيحية كديانة مستقلة إلى جانب اليهودية.

قرر رفاعة أن يذهب إلى المرضى لطرد العفاريت (الشرور الداخلية) منهم. بينما جبل كان يخرج الثعابين من الجحور كان رفاعة يخرج العفاريت من النفوس. بالنسبة لرفاعة كانت القوة الحقيقية التي ينشدها هي أن يحارب كل إنسان عفريته الداخلي، أن يجاهد نفسه، وليست قوة الفتونة. هذا هو الفرق بين رسالة رفاعة ورسالة جبل.

لم ير رفاعة السعادة في القوة والجاه. لكن بالرغم من أن رفاعة لم يتحدث مطلقًا عن الوقف، ولم يدع الناس إلى الثورة على الفتوات، إلا أن خبر اتصاله بالجبلاوي قد وصل إلى أسماعهم وأزعجهم، فبدأ الفتوات في التحرش به؛ خاصة فتوة الحي الذي يسكنه، والذي فوجئ بمحبة ضعفاء الحي لرفاعة ودفاعهم عنه حتى هاجموه ولم يأبهوا! زاد هذا الموقف من مخاوف ناظر الوقف والفتوات أن يزداد حب الناس في الحارة بأكملها لرفاعة حتى يجتمعوا تحت قيادته ويبدأوا المطالبة بالوقف.

في حواره مع الفتوات وناظر الوقف أصر رفاعة على ألا أهمية لديه للقوة والجاه وليسا هدفه، بل ولم يعترف أن مفهومه عن السعادة هذا قد سمعه من الجبلاوي. كان الفتوات في المقابل تارة يتهمونه بأنه ما هو إلا عاجز عن امتلاك القوة والجاه وليس أنه غير مكترث بهما. تارة أخرى يتهمونه أنه يوحي للناس أنهم مرضى وأنه شافيهم.

جاءت رفاعة الخيانة في قصة محفوظ من ياسمينة، تلك التي أنقذها من الموت وتزوجها رأفة بها. وشت به إلى كبير الفتوات أنه سيهرب ومعه أصحابه من بيته إلى بيت أحدهم عبر أسطح البيوت المتلاصقة قبل الفجر. ولم يفت محفوظ ذكر اجتماعه بهم للعشاء. هنا تشتد المحاكاة بين نسيجي القصتين؛ قصة محفوظ والقصة الدينية الإسلامية والمسيحية.

ولأن ياسمينة قد خانته فقد علم الفتوات بموعد وطريقة هروب رفاعة وأصحابه، فهاجموهم على السطح، فهرب الأصحاب، واقتيد رفاعة إلى الخلاء وقتله الفتوات غربي صخرة هند ثم دفنوه، بعدها أتى أصحابه فاستخرجوا جثته وحملوها حتى دفنوها بالمقابر. ثم كان أن ظفروا بياسمينة الخائنة وقتلوها. نجاح الفتوات في قتله جاء محاكاة للقصة من المنظور المسيحي.

أما أصحابه فقرروا إعادته إلى الحياة عن طريق الاتصال بمحبيه، وتلقينهم أسرار علمه لتخليص الأنفس من العفاريت. كانت تلك هي القيامة التي اختارها محفوظ في قصته البشرية.

ثم كان أن انتقم أحد أصحابه من الفتوات، وقتلوا منهم تباعًا، وزاد هؤلاء في إرهاب أهل الحارة حتى اشتعلت الثورة، ووصل الأمر إلى القتال. انتصر فيها أصحاب رفاعة، وصار لهم مكانة، وعلت مكانة رفاعة إلى ما لم يكن يحلم به في حياته، خاصة بعد ما تناقله بعض الناس عن أن الجبلاوي قد حمل جثته ودفنها في حديقته الغنّاء. وظهر اختلاف بين أهل الحارة حول مصير رفاعة، وهو مماثل لاختلاف البشر حول طبيعة المسيح ومصير المسيح.

لم يفت محفوظ الإشارة إلى اختلاف أصحاب رفاعة من بعده، فمنهم من أصر على أن رسالته هي مداواة المرضى واحتقار القوة والجاه، ومنهم من قرر عدم الزواج مثله، أما صاحبه الذي حارب الفتوات بعده فكان أقرب إلى خُطا جبل وكان يؤمن بالقوة العادلة، وأنه ما أن توزع الأنصبة بين الناس بالعدل فهو الخير، ولكن السعادة ممكنة بدونه.

قاسم (محمد)

بدأ الفصل بوصف للحارة التي يبدو أنه لا تختلف فيها سوى التفاصيل؛ فهذا الجبلاوي في البيت الكبير لا يظهر، وناظر الوقف وفتوة الحارة وباقي فتوات الأحياء الفرعية، وحال الناس كما هو لأن الظلم ما يلبث أن يعود.

لكن بالرغم من ذلك كان لافتًا أنه لم يعد حي جبل (اليهود) وحده من له الفخر، ولكن كان لحي رفاعة (المسيحيون) مثله. مع الفارق أن حي جبل كانوا شديدي الفخر بأن الجبلاوي لم يكلم أحدًا سوى جبل؛ ولهذا –ووفقًا لتعبير محفوظ- قلّ أن أحبهم أحد.

من وسط الأحياء الأخرى التي ليس لها قيمة ظهر قاسم في حي الجرابيع. يروي محفوظ قصته منذ كان صبيًا يتيمًا في حجر عمه وزوجة عمه. بالرغم من ذلك كان له قرابة بفتوة حيهم، فهو نسيب في أهله.

كان المعلم يحيى من حي رفاعة، وقد أعطى الطفل قاسم حجابًا ليحفظه. وهو مشهد يحاكي به محفوظ لقاء الراهب بحيرا بالرسول محمد في صباه.

ولم يخل كلام المعلم يحيى من حديث عن رفاعة (المسيح)، فكيف نبت بهذا التسامح في تلك الحارة؟ وكيف أن آل جبل (اليهود) لا زالوا يحقدون عليه على العكس من آل رفاعة (المسيحيون) الذين يقدسونه. ثم كان السؤال الذي وجهه للصبي: هل تحب أن تكون مثل رفاعة أم فتوة؟ ولم يستطع الصبي أن يجيب عليه لصغر سنه، لكنه في شبابه عرف كيف يمسك العصا من المنتصف فتجتمع له القوة والمحبة.

في مشهد رعي قاسم للغنم وظّف محفوظ المفارقة بين حنانه على غنماته التي يرعاها وقسوة الفتوات على أهل حارته. كان قاسم كرفاعة محبًا ودودًا لا تمتد يده بأذى نحو مخلوق، لكن كان أكبر فارق بين قاسم ورفاعة في رأي المعلم يحيى أن قاسم يحب النساء، ولم ير قاسم في ذلك عيبًا. وتطور الحوار ليشمل مقارنة بين جبل ورفاعة أيضًا. كان حديثًا عن الطيبين القليلين في حارتنا!

كان قاسم يرعى فيما يرعى نعجة للسيدة قمر (السيدة خديجة)، وهي سيدة غنية من حيهم. كانت أربعينية جميلة محتشمة، وحنونة عطوفة على قاسم الذي افتقد حنان الأم في صغره.

كان حسن ابن عمه أصغر منه، كان طويل القامة متين البناء، ويحب ابن عمه حبًا جمًا. وواضح تمامًا أنه رمز لسيدنا علي. وكان لقاسم أيضًا صديق عطوف نحيل في مثل سنة يسمى صادق، وهو رمز للصدِّيق أبي بكر.

حدث أن سُرقت محفظة أحد الرجال في الحارة، واختلف الفتوات على أي الأحياء يبدأ بها التفتيش للعثور على المحفظة، ثم جاء تدخل قاسم ليفض الخلاف ويعطي الحل ليكون محاكاة درامية لمشهد خلاف سادة قريش على نقل الحجر الأسود عندما تهدمت الكعبة في عهد الجاهلية وأعادوا بناءها، والذي كان أول حدث برزت فيه حكمة سيدنا محمد، وعلا به قدره. كان حادث سرقة المحفظة سببًا لإعجاب الناس بحكمة قاسم، وهو ما تخوف منه عليه المعلم يحيى أن يستفز الفتوات.

لكن هذا الحدث كان أيضًا المفتاح الدرامي الذي استخدمه محفوظ ليكون بداية إعجاب السيدة قمر بقاسم، وحديث جاريتها معه عن أمر الزواج بها، فقد صار في منزلة الفتوات دون سفك دماء، وهذا ما أعجب السيدة الكريمة التي طالما رفضت أكابر رجال الحي، فرأت في تهذيبه الكفاية، كما أن لديها من المال الكفاية. وفي هذا محاكاة لأمانة سيدنا محمد وصدقه اللذين كانا سبب إعجاب السيدة خديجة به.

وكان قاسم عند ظن السيدة، بل وعند ظن عمها الذي كان يدير تجارتها قبل زواجها؛ فكان أمينًا على أموالها، وفيًا لها. لم ير في حبها له وسيلة للاستغلال.

كان حوار قاسم مع صادق وحسن ومع نفسه عن السعادة موحيًا. فأدهم (آدم) كان يحلم بالفراغ والمال كونهما طريقًا للسعادة، ولكنه هو (قاسم) صار بعد أن حظي بهما يهرب إلى العمل كأنما يهرب من نفسه، لأن تعاسة الآخرين تفسد عليه سعادته. ويثق فوق ذلك أن أدهم لو كان مثله لضاق ذرعًا بتلك السعادة ولسعى نحو العمل. وتساءل قاسم، لماذا لا ينعم بالسعادة المتاحة؟ كان متأكدًا أن هذا التساؤل قد حيّر جبل كما حيّر رفاعة. وكان لهذا أثره في نزهات صار يقوم بها في الخلاء بدءًا من الأصيل وإلى الليل.

في إحدى المرات افتقدوه حتى عثروا عليه في كوخ المعلم يحيى. عثر عليه جيران للمعلم عند صخرة هند، وهو مغمى عليه، فحملوه إلى كوخ المعلم، الذي تركه لينام بعد أن أفاقه من إغماءته، ليحكي بعد ذلك لقمر في بيته عما حدث له عند صخرة هند.

كانت ليلة من ليالي بداية الشهر يظهر فيها هلال، وكان اختيارًا موحيًا من محفوظ؛ فالهلال ليس فقط رمزًا إسلاميًا بل لأن لقاءه بقنديل خادم الجبلاوي عند الصخرة –والذي أُغمي عليه بعده- كان بداية لقصته الحقيقية التي سيسير فيها على درب جبل ورفاعة، ليكمل ما بدآه، بعد أن اختاره الجبلاوي. برر قنديل له ذلك بأنه لعله اختاره لحكمته يوم السرقة ولأمانته في بيته. والمشهد كله محاكاة من محفوظ للقاء الرسول محمد الأول بجبريل في غار حراء، حيث كان يتعبد منعزلًا عن قومه.

كانت قمر أول من حكى لها قاسم سره فصدّقته، كما كانت خديجة أول من حكى لها محمد. وكان المهم في رسالة الجبلاوي لقاسم تأكيده على العدل والمساواة بين البشر وعدم السماح لفئة بالاستئساد على البقية -وهذا جوهر رسالة محمد-. بهذا تتحقق الكرامة التي طلبها جبل، ويسود الحب الذي دعا إليه رفاعة، ويصبح حلم أدهم بالسعادة حقيقة. والأهم أن الجبلاوي كلّفه أن يحقق ذلك بنفسه! وكان هذا كفيلًا بانقضاء عهد الدعة والراحة.

كان أول من صدّقه بعدها صادق (أبو بكر) وحسن (علي). بينما ظن عم زوجته أنه يريد أن يكون لحي الجرابيع نصيب في الوقف، ويريد أن يكون فتوة وناظرًا للحي. كان تخوف عم زوجته وعمه أن يقتله الأقوياء ويهزأ به الضعفاء، وأن الجبلاوي لن ينصره، ثم لماذا يكلف أحدًا بتحقيق المساواة بين رعاياه ولا يحققها بنفسه؟! وهو تساؤل مكرر سبق أن سُئل لجبل ولرفاعة. وهو نواة القصة في رأيي، فما أراد محفوظ قوله إنه ما لم يتحرك فضلاء البشر ويكونوا فاعلين إيجابيين لن يتزحزح الشر.

وصل الأمر بقاسم أن فسّر كلام خادم الجبلاوي بأن المساواة يجب أن تشمل النساء أيضًا. كانت هذه إضافة لم يسبق أن تحدث عنها جبل أو رفاعة.

كانت مهمة قاسم أصعب من مهمتي جبل ورفاعة، فهي تخص الحارة كلها وليس حيًا من الأحياء (فرسالة الإسلام عامة). وكان سبيله لتحقيقها مزيجًا من سبيلي جبل ورفاعة، سيرفع النبابيت كما رفعها جبل (موسى) لأجل تحقق الرحمة التي نادى بها رفاعة (المسيح)؛ فقوة جبل عند الضرورة وحب رفاعة في جميع الأحوال. قوة للقضاء على الفتونة وليس لأجل نيلها أو إرسائها. وإن تحقق ما يريد لا حاجة بالحارة إلى أن يأتي أحد بعده، فهو الخاتم.

كان النادي الرياضي الذي افتتحه قاسم في حوش بيته بغرض جمع الشباب لتقوية أبدانهم وأرواحهم، وبذا يجمع عُصبة حوله. وهي إشارة إلى اهتمام الإسلام بالجسد وليس الروح فحسب كما هي النظرة المسيحية.

واقترح صادق عليه دعوة المتعطلين والمتسولين، فتحمسوا لألعابه وأقواله. وكان من أقربهم إليه عجرمة وشعبان وأبو فصادة وحمروش. وهذه إشارة أخرى إلى اتباع الضعفاء لمحمد فهم أكثر من يفتقد المساواة.

ونتيجة لكلمة زلق بها لسان عجرمة. تخوفوا من عواقب الكلمة، وذهب قاسم إلى محام شرعي وأخبره عن نيته في رفع قضية بخصوص الوقف، مع تأجيل رفع الدعوى إلى حين، فإذا بالمحامي النذل الذي قبض مقدم الأتعاب هو الذي يكشف ما يهدف إليه من مساواة بين أهل الحارة، ويشي بالأمر إلى ناظر الوقف وفتوة الحارة.

دار حوار طويل بين قاسم والناظر، ظهرت فيه شخصية لم يحسب أنها موجودة داخله، وأعلن للناظر أنه لا يريد شيئًا من الوقف لنفسه وإنما يريد العدل للجميع! وبذا تتحقق شروط الواقف. وكانت العاقبة أن سُجن قاسم في بيته ومُنع أصحابه من زيارته إلا ابن عمه حسن. وقام فتوة حي الجرابيع بمضايقة أصحابه، ومنعهم من الاقتراب من بيته، بل طالته هو أيضًا المضايقات. وهذا شكل من أشكال المحاكاة لعزل قريش محمد وأصحابه في شِعب أبي طالب.

أما أعجب ما لاقاه قاسم كان تكذيب آل جبل وآل رفاعة به، وهي إشارة إلى تكذيب أهل الكتاب برسالة محمد. وكان فتوتا الحيين يدعيان لأهل حيهما زورًا أن قاسم ينتقص من جبل ورفاعة!

وكان أن مات شعبان، أحد أتباع قاسم، بعد أن ضربه فتوة الحي. وبعده قرروا الهجرة دفعًا للأذى عنهم، وأن يقيموا ناديهم في الخلاء حتى يكثر عددهم ويعلو أمرهم. ولأن الشجاعة هي أخطر ما يلزم حارتنا فقد قرروا أن تكون القوة سبيلهم لتحقيق العدل والرحمة والسلام.

لكن قاسم ذاته لم يبرح داره، ومرضت قمر مرضًا أخفته عنه في بدايته، حتى اشتد عليها، ثم كانت النهاية المحتومة. ورغم عزاء الناظر والفتوات له، فقد كانوا يخفون غدرًا. بعد موت قمر علم قاسم أن مؤامرة تُحاك لقتله، فخطط للهجرة هو أيضًا. وكانت بدرية أخت صادق الصغرى هي مرساله إليه ليخبره بأمر المؤامرة وترتيب الهجرة سويًا.

كان هربه منهم معجزًا لكن محفوظ لم يعتنِ بإدخال تفاصيل في حوادث قصته تشبه حوادث القصة الأصلية لهجرة سيدنا محمد إلى المدينة المنورة. فقط هو هرب منهم فلم يروه رغم قربه منهم؛ إذ هبط من السطح بعدما كانوا قد دخلوا شقته، وأفضى به السلم إلى حوش المنزل ومنه إلى شوارع الحارة. وهذا هو وجه الشبه الوحيد حيث يذكرنا بخروج الرسول محمد أمام المشركين المحاصرين لداره الذين عجزوا عن رؤيته. وكانت لمحفوظ إضافاته الدرامية التي أوضحت أنهم حاولوا ملاحقة قاسم أثناء هربه مثلما حاول المشركون قديمًا ملاحقة سيدنا محمد. واستقر بقاسم وأصحابه المقام في حيهم الجديد فوق جبل المقطم. واستقبله من كان قد سبقهم إليه من أصحابه وهم يهللون وينشدون. ثم كان زواجه ببدرية (السيدة عائشة).

كان هجومهم على زفة فتوة حيهم سوارس بعد أن كثر عددهم، أول هجمة يعلنون فيها قوتهم، وانتقموا للقتيل شعبان بقتل سوارس. كان هجوم قاسم ليس لأجل الفتونة بل للقضاء على الفتونة. كان يُقاتل للقضاء على عهد الدم والإرهاب! ثم كانت الغنيمة عندما ساق الغنّام أغنام الحي إليهم فوق الجبل معلنًا انضمامه إليهم، فكانت عوضًا عن أموالهم التي نهبها الفتوات منهم في الحارة. والمشهد بأكمله يحاكي التفاصيل الرئيسية ونتيجة المعركة في غزوة بدر.

لكن لم تكن محاولة فتوات الحارة الانتقام محاكية لغزوة أحد في نتيجتها، وإنما اقتصرت المحاكاة على تفاصيل المعركة، فأنصار قاسم أعلى الجبل، مع استبدال الرمي بالحجارة كبديل للرمي بالسهام، كما أن أنصار قاسم انخدعوا بالهجوم عليهم من الناحية الأخرى البعيدة من الجبل! ثم كادوا ينهزمون عندما حاول البقية الباقية من رجال الحارة الصعود من الجهة المعتادة إلى أعلى الممر الموصل إلى حي قاسم فوق الجبل، وكان هناك رماة الحجارة يحاولون منعهم من الصعود، ولم يتركوا أماكنهم كما ترك الرماة أماكنهم في غزوة أحد لأن محفوظ أراده نصرًا ثانيًا لقاسم وأنصاره. وإن كانت المعركة السابقة قُتل فيها فتوة حي الجرابيع سوارس، فهذه المعركة قُتل فيها فتوة الحارة أجمع لهيطة، ليفر فتوتا حي جبل وحي رفاعة مع من فر، ويتفقا أمام ناظر الوقف على عدم التنافس على فتونة الحارة، ويتعاهدا على ذلك. أما حي الجرابيع (حي قاسم) فقد هاجر عن بكرة أبيه والتحقوا بابن حيهم المنتصر. وهذه تفاصيل درامية من محفوظ لم يلتزم فيها بالخط الرئيسي الذي اعتمده في روايته؛ بعدم التشعيب في تفاصيل رئيسية لا يوجد ما يحاكيها في القصة الواقعية.

ثم كان اتفاق الناظر مع فتوتي حي جبل وحي رفاعة؛ جلطة وحجاج، على أن يستبدلوا خطتهم للقضاء على قاسم وأتباعه بعد أن كثروا؛ وذلك بأن يحاصروهم لا أن يقاتلوهم؛ فيمنعوا عنهم الخروج من المسلكين المفضيين إلى الموضع الذي يتحصنون به من الجبل. وكان هذا محاكاة لفكرة غزوة الخندق.

لكن في الليلة السابقة على تنفيذ خطة الحصار قُتل حجاج فتوة حي رفاعة! واتجهت الأنظار إلى جلطة فتوة حي جبل؛ اتهامًا بأنه من فعلها لتخلص له الفتونة، وعلى إثر ذلك نشبت معركة بين رجال ونساء حيي جبل ورفاعة، وانتفض الرفاعية ضد فكرة أن يُقتل فتوتهم ثم يحكمهم فتوة من حي جبل.

ولكن فجأة ظهر قاسم ومعه رجاله داخلين الحارة من أجنابها، معلنًا أنه لا يريد أذى لأحد، وإنما أن يكون الجميع أبناء حارة واحدة، والوقف للجميع. بالرغم من ذلك رفض جلطة وعصبة قليلة معه وقاتل دفاعًا عن فتونته حتى هزمه قاسم ورجاله. كانت تلك آخر معركة خاضها قاسم وانتصر فيها، وتم نصره بأن صار ناظر الحارة بعد هرب الناظر. صارت الحارة لأول مرة بلا ناظر يستغل ولا فتوة يستذل، بل يحكمها سيد بأخلاقه. وهذا هو المشهد الذي حاكى به محفوظ فتح مكة وسيادة المسلمين العالم في عهدهم الأول.

وكان المشهد التالي الذي اختاره محفوظ ليحاكيه في قصة قاسم هو مشهد حجة الوداع، وهو حدث ولا شك عظيم. كان موقع الحج هو بيت الجبلاوي، حيث وقف قاسم أمام البيت الكبير، ودعا جميع أهل الحارة رجالًا ونساءً من الأحياء كافة، فتجمعوا حتى اكتظ بهم المكان، فلا تمييز بين أهل حي وحي، أو بين فرد وفرد، أو بين رجل وامرأة. ووعدهم بالعدل والمساواة، وصدق ففعل؛ حيث وزّع ريع الوقف على الجميع بالعدل، ونعِم الجميع بالوحدة والسعادة والمساواة.

وصف محفوظ لقاسم كان رائعًا. قال فيه: "رأى الجرابيع فيه طرازًا من الرجل لم يوجد مثله من قبل، ولن يُوجد مثله من بعد. جمع بين القوة والرقة، والحكمة والبساطة، والمهابة والمحبة، والسيادة والتواضع، والنظارة والأمانة، وإلى ذلك كله كان ظريفًا بشوشًا أنيقًا، وعشيرًا تطيب مودته، فضلًا عن ذوقه الجميل وحبه الغناء والنكتة". وافتخر به الجرابيع حتى عُرف حيهم بحي قاسم، وهو ما يحاكي أن المسلمين يُعرفون بأمة محمد.

تحدث محفوظ أيضًا عن تزوجه مرات أخرى مع حبه لبدرية، ولم تكن الحارة بحاجة إلى تفسير وتعليل لذلك. ونعمت الحارة فترة بالسلام حتى ظنوا أن النسيان لم يعد آفتها!

عرفة

بانتهاء محفوظ من قصة قاسم يكون قد حاكى التفاصيل الرئيسية في قصص الديانات السماوية الثلاث. وبعد أن انتهى من قصّ ما يتعلق بعهد كان يسيطر فيه الدين على حياة البشر بدأ بسرد القصة الأخيرة، وهي قصة عرفة؛ ذلك الفتى مجهول النسب من جهة الأب الذي فارقت أمه الحارة قديمًا، ولا يعرف أباه، لكنه فقط يعرف أنه ينتمي إلى الجبلاوي؛ فهو جده، مثلما هو جد جميع سكان الحارة.

قدم عرفة إلى الحارة بعد زمن قاسم بفترة، وبعد أن ساءت الأحوال مرة أخرى كعادتها في الحارة، وعاد البؤس يعشش بين أركانها، وناظر الحي الجديد والفتوات الجُدد يعيثون فيها فسادًا. وكان الناس ما بين مُغيَّب الوعي وراضٍ بالمكتوب وحالم بانصلاح الحال مرة أخرى. يفاخر أهل كل حي من الأحياء الثلاثة بالحارة برجلهم الهمام، لكنهم لا يجاوزون الفخر بهم، بينما أفعالهم أبعد ما تكون عما يفاخرون به!

لم يكن عرفة رمزًا لشخص كما كان الحال بالنسبة لجبل ورفاعة وقاسم، بل كان رمزًا لقيمة مقابلة لقيمة الجبلاوي؛ فكما كان الجبلاوي رمزًا للدين، فهو أي عرفة كان رمز العلم، والذي كان محل استهزاء أهل الحارة في البداية!

ولأن عرفة رمز للعلم بماديته، لم يقبل أن يصدق بأمر الجبلاوي (الدين) والحكاوى التي تشيع عن جبل ورفاعة وقاسم دون أن يرى بعينه، رغم أن عهد قاسم كان قريبًا، وكان ممن عاصروه من لا زال حيًا يتحسر عليه. والعلم كما نعلم لا يُصدق إلا بما يُشاهد ويُجرب. أراد عرفة أن يطلع على الشروط العشرة بنفسه، والموجودة في الكتاب الذي طُرد بسببه أدهم من البيت الكبير إن صحت الحكايات! بل وكان يُشكك أنه في الغالب كتاب سحر، ومنه اكتسب الجبلاوي قوته! وهي إشارات لتشكيك الملاحدة في زماننا فيما جاءت به الأديان وفي شخوص الأنبياء وصدق الحكايات التي تُروى عنهم. لأجل ذلك سعى عرفة إلى الوصول إلى البيت الكبير عن طريق نفق حفره موصل لحديقته. وقتل عرفة عن غير قصد خادمًا للجبلاوي، حزن عليه الجبلاوي فمات!

ولهذا الحدث تصورات كثيرة وأحيانًا متعاكسة عن الرؤى التي يراها محفوظ لعلاقة الدين بالعلم. عرفة الذي يرمز للعلم متيقن أنه ينتمي للجبلاوي رمز الدين، والعلم أيضًا يُعرِّف بالدين ويوصل إليه؛ فعن طريقه وصل عرفة إلى حديقة البيت الكبير (الجنة)، ودخل الغرفة الصغيرة التي توجد بها الشروط العشرة، وهو التصرف الذي كان سببًا في غضب الجبلاوي في بدء الحكاية على أدهم، وطرده له، وحرمانه من التمتع بحديقة البيت الكبير. لكن العلم وإن اقتحم خلوة الدين، ثم إنه أوصل إلى الدين، فقد ظل للدين لديه رهبة، وفي ذات الوقت واجهه بشكل غير مباشر، أدى إلى قتله كرمز مؤثر في حياة الناس، وبقاء أثر منه فقط. وربما يمكن القول إن العلم عندما واجه الدين كان أقرب إلى التصديق به، فعرفة كان يستحضر كل ما ذكرته الحكايات عن البيت الكبير والجبلاوي أثناء اقتحامه للبيت! وهو ما لا يتفق مع محاولاته السابقة للإنكار!

ويظهر إيمان محفوظ المعروف عنه بمسئولية الإنسان عن أفعاله وإيجابيته على الأرض، والذي يتداخل مع معنى الاستخلاف الإلهي عنده، فالابن الطيب يجب أن يحل محل أبيه، أن يكونه! على عكس الأبناء الأشرار (الفتوات) والأبناء اللاهين الذين يصورهم منغمسين في المخدرات وشتى صنوف العربدة.

اللافت أن علم عرفة –ذلك الذي تعارك مع الدين- لم يكن علمًا حقيقيًا، بل كان سحرًا وأحجبة وخلطات! وكانت أم عرفة الراحلة عرّافة تقرأ الودع وتعرف الطالع، واسمها جحشة! كما أن عرفة تحول إلى خادم للشر الأعظم (الناظر)، بينما هو يدعي رغبته في القضاء على شر الفتوات! وربما كان في هذا الوصف بمجمله بعض تشكيك من محفوظ في طبيعة العلم الزائفة التي كان يُروج لها في عصره!

الأعجب هو توهم عرفة تحت تأثير المخدر أن الجبلاوي حمّل خادمته وصية أن تخبره أن جده مات راضٍ عنه! فهل هو تعبير عن حالة اضطراب الضمير الإنساني بعد أن قل أثر الدين أم أنه إعلان لموافقة الدين على مساعي العلم رغم أنها قد تخطئ؟! وتبرئة للعلم على لسان الخادمة بأن أحدًا لم يقتل الجبلاوي!

بعد موت الجبلاوي، قرر عرفة أن يبدأ في تنفيذ خطته بالقضاء على الفتوات على طريقته، وبدأ بقتل فتوة الحارة الأكبر سعد الدين، واستغل إحدى قاروراته السحرية فألقاها وانفجرت لإحراق وإبعاد مطارديه. بعدها يخبر الناظر عرفة أنه يعرف أنه السبب في موت الجبلاوي ومقتل فتوة الحارة، وأنه يريد أن يستعين بعلمه وقدرته على صناعة تلك القوارير الحارقة التي ألقاها على من طاردوه للقضاء على الفتوات (الشر). والناظر وإن كان شرًا مثلهم إلا أن شره ذو طبيعة خاصة تفرض الاستبداد بطريقة ناعمة تخلو من الإذلال الذي كان طريق الفتوات، وهي إشارة للتغيرات الحادثة في عالمنا المعاصر، ليس في علاقات الأفراد وحسب، بل وفي علاقات الدول.

بالتالي لم يكن عرفة (العلم) سببًا في القضاء على سطوة الدين في النفوس وحسب، بل كان سبيلًا أيضًا للقضاء على الفتوات (شر الاستذلال)، أي أنه حل محل الدين، فقديمًا قام جبل ورفاعة وقاسم المحملون برسالة الدين بمواجهة الفتوات والقضاء عليهم، واليوم يحل عرفة محلهم، لكنه في الوقت نفسه يسهم في تكريس صورة صنف آخر من الشر لم يكن شره مستطيرًا من قبل؛ متمثلًا في سطوة الناظر، وبالتالي فقد فشل في مهمة القضاء على الشر التي سبق أن نجح فيها جبل ورفاعة وقاسم.

وعلى الهامش، كان صراع فتوات الأحياء الثلاثة بعد قتل فتوة الحارة، ثم تنحي حي جبل بعد مقتل فتوتهم وأعوانه، إشارة إلى انتشار الديانتين الإسلامية والمسيحية بين البشر، وبعد أن أظهرت القرعة أن السيادة ستكون لحي قاسم تغيرت الحوادث وقُتل، فصارت فتونة الحارة لفتوة حي رفاعة، وهو مناظر لتحول السيادة إلى الغرب المسيحي في عالمنا، بعد أن كانت لأمة المسلمين. ثم استخدم الناظر قوارير عرفة الحارقة للقضاء على آخر الفتوات! ويعلن انتهاء عهدهم، ولم ينس بعدها أن يوعز إلى خدمه أن يشوا بعرفة إلى سكان الحارة بأنه هو سبب كل تلك المصائب المتلاحقة. لكن بقي الاثنان –الناظر (القوة) وعرفة (العلم) كل منهما بحاجة للآخر!

انتقل عرفة وزوجته وأخيه إلى بيت فتوة الحارة الخالي، والذي هو نسخة مصغرة من البيت الكبير الذي طُرد منه أدهم، وعاش باقي عمره يتحسر على مفارقته. وكانت زوجة عرفة تتساءل عن سبب عدم سعادتها فيه، وكانت أقرب الإجابات إليها أنها استشعرته سجنًا بعد كراهية الناس لهم. ثم أثم عرفة مع إحدى الخادمات مثلما فعل إدريس قديمًا! فتركت له البيت وأقامت في حجرة صغيرة وجدت فيها راحة البال!

لعل المقابلة بين الدين والعلم في بداية الفصل الأخير من الرواية قد خففت التصور الذي يمكن أن يكون قد صاحب شخصية الجبلاوي حتى ما قبل الفصل الأخير بأن الجبلاوي رمزًا لله، ليتضح لنا أنه رمز لقيمة أكثر مما هو رمز لله، والقيمة المقصودة هي الدين. ثم في حديثه عنه في نهاية الفصل، نجد محفوظ يتحدث عنه كرجل ميت، وكلنا مهما عمّرنا ميتون؛ كلنا أموات وأبناء أموات! وكان جزءًا من حديث طويل عن الحياة والموت، يتصور فيه عرفة أنه يمكن أن يقف أمام الموت مانعًا له! لتأتي المفارقة بعدها بأن عرفة ذاته سيموت!

يُذكِّر عرفة الناظر بضرورة العدالة في تقسيم الوقف على أهل الحارة، ثم بعد ذلك يقرر أن يهرب بعيدًا عن بيته الذي صار سجنًا؛ يهرب بعيدًا عن الحارة. وكان ذلك تأثرًا بفكرة رضا جده عنه رغم اقتحام بيته ومقتل خادمه، لكن من المستحيل أن يرضي جده معاونته للناظر أصل الشرور. إنه العلم بعد أن أخطأ يحاول تصحيح مساره مستمدًا عزيمته من رضا الدين! ولا أدري لماذا ذكرني هذا الموقف بألفريد نوبل مخترع الديناميت الذي كفّر عن ذنبه بتدشين جائزته للسلام!

يتلف عرفة كل شيئ قبل أن يهرب عدا كراسة علومه التي تحوي أسراره، لكن يلاحقه رجال الناظر، ثم يقتله الناظر هو وزوجته، يعود بعدها صديقه حنش إلى الحارة للبحث عن كراسة العلوم التي ألقاها عرفة قبل مقتله، ولا يعلم أحد على وجه اليقين هل عثر عليها حنش أم لا. وتتحول تلك الكراسة إلى الأمل الوحيد لدى أهالي الحارة للخلاص من الناظر.

تعقيب

كانت "أولاد حارتنا" أول رواية يكتبها نجيب محفوظ بعد ثورة 1952، بعد انقطاع عن الكتابة دام سبعة أعوام. وتعتبر أولى روايات مرحلته الأدبية الثانية، حيث من الواضح أن الظروف السياسية الاستبدادية التي سادت مصر بعد الثورة قد أرغمته على التحول من الواقعية الاجتماعية إلى الواقعية الرمزية إن كان يريد أن يستمر في الكتابة، ويستمر ضميرًا حيًا يرصد واقع مجتمعه ومتغيراته، وأن يسلم في الوقت نفسه. ظهر الفيلسوف الأديب وتنحى الأديب الخالص.

كانت أخلاق المجتمع تنحدر بعد الثورة، وبدأ الهزؤ بالدين؛ حتى تجرأ عبد الناصر على أوقاف المسلمين، واتهم قضاة المحاكم الشرعية الذين وقفوا أمامه بأقذر الاتهامات، صاحب ذلك حديث متزايد عن العلم، واتجاه نحو المعسكر الشيوعي الإلحادي. ولم يكن موت الجبلاوي (الدين) بسبب عرفة (العلم)، حتى عاد الناس يتمنون عودة عهد الجبلاوي إلا تحذيرًا من محفوظ من سطوة العلم إذا حكم النفوس وحده، وما يمكن أن يكون لذلك من أثر سيئ على المجتمع.

كما كانت نهاية الرواية منذرة بسطوع شرٍ آخر (الناظر) بعد انتهاء شر الفتوات، والذي حسبه الناس قديمًا أسوأ الشرور! وعلى حد وصف محفوظ "بدا المستقبل قاتمًا أو أشد قتامة مما كان بعد أن تركزت السلطة في يد واحدة قاسية". وفي رأيي كان هذا إشارة إلى ما ظهر للناس من بلايا في عهد عبد الناصر، والذي تفاءلوا به خيرًا في أوله. بل إن الرواية كلها تقوم على فكرة أنه ما أن تنصلح أحوال الناس في الحارة ويستبشروا إلا وتعود الأمور أسوأ مما كانت، فتعود الحياة البائسة لسكان الحارة نتيجة عدم اتباع تعاليم وتشاريع الدين (تنفيذ وصايا الجبلاوي)، والآن صار الأمر أسوأ وتم القضاء على الجبلاوي (الدين)، ولم يقتصر الأمر على عدم تنفيذ تشريعاته.

لكن ختام الرواية أيضًا كان تمجيدًا للعلم؛ فرآه أهل الحارة أملهم الوحيد في الخلاص الموعود من ظلم الناظر. هنا تتحول المقابلة لتكون بين العلم والاستبداد. هذه المقابلة ستتضح أكثر في رواية "بداية ونهاية" التي تحكي حال أسرة كانت في أسوا حال، وضعت أملها أولًا في ابنها الذي أراد دخول الحربية، وأجّل ابنها الأكبر أحلامه بدخول الجامعة، لتضيع أحلامهم في الضابط الأناني، ولا تنصلح أحوالهم إلا بعمل أخيه وانتسابه للجامعة في ذات الوقت. ثم أن هذا الضابط كان يحب فتاة متعلمة ولم يستطع أن يستدرجها إلى الخطيئة، بينما انخدعت أخته الجاهلة وفقدت شرفها. ونجد الفكرة تتكرر مرة أخرى في "ميرامار" التي كتبها محفوظ بعد نكبة 1967؛ فالفتاة الريفية الجاهلة بعد أن أضاعها الحنجوري المتشدق قررت أن تتسلح بالعلم لتفيق من كسرتها.

ربما كان أيضًا غدر الناظر بعرفة بعد أن ساعده في القضاء على الفتوات رمزًا إلى غدر عبد الناصر بكثير ممن ساعدوه للوصول إلى الحكم.

كان آخر ما سطره محفوظ في "أولاد حارتنا": "استحوذ الخوف على الناظر ورجاله، فبثوا العيون في الأركان، وفتشوا المساكن والدكاكين، وفرضوا أقسى العقوبات على أتفه الهفوات، وانهالوا بالعصي للنظرة أو النكتة أو الضحكة، حتى باتت الحارة في جو قاتم من الخوف والحقد والإرهاب، لكن الناس تحملوا البغي في جلد، ولاذوا بالصبر. واستمسكوا بالأمل، وكانوا كلما أضرّ بهم العسف قالوا: لا بد للظلم من آخر، ولليل من نهار، ولنرينّ في حارتنا مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب".

ختامًا أقول: أن تقرأ لنجيب محفوظ يعني أن تكرس عقلك وتوقظ حواسك لتفهم، فرواياته ليست مجلة ميكي تقرأها وأنت تتسلى وبجانبك قرطاس بُشار، فإن لم تكن قادرًا على ذلك فارحم نفسك وارحم الرجل من تأويلاتك وسوء ظنونك. كل من أساء فهم محفوظ كان ذلك بسبب قراءته السطحية له خاصة روايات مرحلته الأدبية الثانية حيث شاعت الرموز وانشغل بالجانب الروحاني؛ تلك الرمزية التي يستحيل أن تُفهم إلا من خلال قراءة فلسفية متعمقة. وربما كانت الرموز في "أولاد حارتنا" أوضح بكثير من روايات أخرى، وهو ما جر عليه المشاكل.

محفوظ لم يقصد بروايته الإساءة لا لله ولا لأنبيائه. لم يكن فيها تكذيب بالجنة، بل حنين إلى تلك الحديقة التي تغنى بها الشعراء طوال القصة، والتي مات أدهم حسرة عليها. لم يكن سلمان رشدي ولا قريب منه.

يقول محفوظ على لسان عرفة: "ماذا علّمتك رباب الشاعر؟ وُجِد في الماضي رجال أمثال جبل ورفاعة وقاسم، فماذا يمنع أن يجيء أمثالهم في المستقبل؟".

أقول: كان لكل قوم من الأقوام السابقة رسول، ثم بعد أن اتسع عمران الأرض واتصل البشر صارت الحاجة لرسول واحد، ولا حاجة لرسول من بعده! فهل سألت نفسك، لماذا توقفت بعثة الأنبياء؟ وهل الله يظلمنا بعدم إرسال مزيد من الرسل لهدايتنا؟

الحقيقة أنه تعالى لم يظلمنا لأنه لا حاجة بنا لمزيد من الرسل، وفي قصص من سبق من العِبر ما يكفينا، وكل منا يستطيع أن يتمثلهم. لكن هل يتمثل كل منا مواقف الأنبياء حين يُوضع في مواقف مشابهة لما وُضعوا فيه؟ هل يكون آدم ليبدي ندمه عندما يذنب أم يُصر على خطيئته ليكون إبليس؟ هل يكون موسى عندما يواجه الفراعين أو يكون محمد حين يضع استراتيجية لحربهم؟ ولعل محفوظ ما كتب تلك الرواية إلا ليقول للناس: يمكنكم أن تواجهوا الفراعين!

مشكلة البشر أن أغلبهم لا تصقله الحكايا، ولا يتعلم إلا من كيسه، بعد أن يدفع الثمن ويمر بخبراته وتجاربه الخاصة، وكأنه يرمي المخزون البشري من الحكمة، ويُصر أن يبدأ من الصفر!

أراد محفوظ أن يقول في "أولاد حارتنا": لا جديد تحت الشمس. تاريخ الإنسان على الأرض منذ أن بدأ هو القصص نفسها، مع اختلاف الشخوص والتفاصيل الدقيقة. لكنكم لا تعتبرون!

أتساءل فقط: كيف رأيتموها كفرًا؟! جريئة هي، ولكنها ليست كفرًا.

 

د. منى زيتون

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

قرات هذه الرواية في طبعة دار الاداب بعد ان أغرمت بأعمال محفوظ السابقة و لا سيما بداية و نهاية و خان الخليلي و زقاق المدق، و رايت ان الرواية مختلفة تماما عما سبقها،
و ربما كانت شهرتها تاتي من مشكلتها مع الرقابة و طباعتها في بيروت و ليس القاهرة ، الفجالة،
انها رواية تتالف من دوائر متطابقة،
بناء الشخصيات متشابه لأنها ترمز لعلاقة متشابهة و مكررة بين البشر و السماء، و يبدو ان محفوظ تخلى عن طموحه في كتابة تاريخ الاديان حينما اعتمد نفس الأسلوب في الحرافيش لكن حدد العلاقة بتأثير جيل بالجيل الذي بعده و علاقة الانسان بالسلطة البشرية،
من المفيد دائما ان نعود لهذه الغرف المعتمة و ننظر في خفاياها لمزيد من التفهم و الموعظة،

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4472 المصادف: 2018-12-03 01:58:03