المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

غيمة شيكاغو.. القص وتمظهرات الحضور والغياب

عقيل هاشممجموعة قصصية للقاص المغترب حيدر عودة.. "قصة بيت فيحلم"

الي علي عبد النبي الزيدي، الشاهد والشريك في الحلم

(أشياء صغيرة يمكنها أن تترك في قلبه شعورا بالفقدان، قد يعيش معه طويلا، مثلا:ان يصادف احد الاصدقائه القدامى في مكان مالم يخطط للذهاب إليه، فيبدو له شخصا غريبا مثل وجه عابر في صورة متخيلة، حتى يقرر أحيانا التخلي عن الذكريات التي جمعتهما معا في أوقات بعيدة مهما بدت ثابتة ولا تسقط مثل رسوخ دون اختبار، أحيانا ينتابه شعور انه يعيش بذاكرة ليست له او بقلب شخص مات وهو يحبس الكثير من الغضب .هو الآن يعيش لحظات فقدان أناس معنيين في حياته وحسب، ويملاه شعور بأسى عميق لاينفع معه النسيان...ص11)

في المجموعة القصصية (غيمة شيكاغو) للقاص المغترب حيدر عودة يمكن لمس البعد الأوتوبيوغرافي – السيري الذاتي- حين يسرد القاص سيرته الكتابية بعد أن نلتمس تداخل سردي وباصوات متعددة في نصوص أخرى خروجه من سلطته ككاتب . تعيدنا هذه القصص القصيرة إلى عالم أحياء الهوامش من خلال سرد ممتع في حيوات متنوعة هي جزء من تداخل الذاكرة بالحاضر والتي تحاول أن تؤثر في أفق توقع القارئ وتفتتح بتنويه للسارد بأنها محض حكايات قصها على مسامعه ساقة سيارات الأجرة في مدينة "الكهون" شرق مقاطعة "سان دييغو:الأمريكية وهم الذين منحوه حكاياتهم وحزنهم ..

اقتباس:

"عائلة مسافرة"

(لايعرف سبب تعكر مزاحه كلما خرج من شقته في منطقة الكهون متوجها لعمله، أمضى حوالي عشر سنوات سائق أجرة في شركة النجمة الزرقاء رغم محاولاته العديدة للبحث عن عمل أخر، لكنه يفشل ويعود ثانية للشركة نفسها .يفكر في أيامه وماضيه ومايحدث له كل يوم دون تغيير ملحوظ .ثمة أشياء تختفي من حوله وأخرى تحل محلها، مثلما يهدم مطعم اوفندق ليحل محله مطعم أخر ومتجر ما مع ذلك تبقى الأمكنة ولا تختفي فهي جزء من وجود واحد ممتد....ص73)

والحقيقة أن إغراء القارئ بالقراءة لهذه النصوص، خاصة وأن هناك تطابقا في الأسماء والأمكنة، هذا التطابق الذي يكون قد لجأ إليه الكاتب لتعزيز هذا الإيهام عند المتلقي. ولا يكتفي الكاتب بهذا الأسلوب في تقديم نصوصه بل نجده يستخدم في أسلوب سرده طرائق تقليدية من خلال تركيزه الواضح على سرد التفاصيل الخاصة بالمكان أو الأحداث والشخصيات، ومن خلال استخدام ضمائر الغائب والمتكلم والذي يكون فيه الخطاب موجها مباشرة إلى القارئ، وبقدر ما يضفي ذلك من حميمية على تلك العلاقة التفاعلية، فإنه يجعل شخصية السارد تهيمن على السرد الحكائي وتجعله حاضرا في كل مكان، ما يوحي وكأنه سرد لسيرة ذاتية وهو مايدعى التحفيز الواقعي، سواء من خلال استخدام أسماء الأصدقاء وأسماء للأماكن هي محاولة لهذا التفاعل والحميمية .

اقتباس:

"قصة غيمة شيكاغو"

الى قيس وحكاياته:

(في أوقات الانتظار الطويل لنداء طلبات سيارات الأجرة، يتجمع الساقة في زاوية تحت سلم مشاة كونكريتي تحيطه بعض الأزهار منقار الطير، وهي تودع بريق ألوانها مع نهاية الربيع، يجلسون على حافة الرصيف مثل مشاهدي عروض الهواء الطلق مشدودين لصونه وهو يبدو كأحد أبطال الأفلام يأخذهم في كل مرة لمكان مختلف وكمن لم يعيشوه، لم تكن حكايته معلقة في سماء شيكاغو فحسب، بل كان يجبرها ان تهبط وتمطر على مدينة الكهون الصغيرة والمحاصرة بجبال أربعة شيكاغو الستينات ليست فقط في افلام العصابات والجريمة بل أنها في حكايات جورج أيضا...ص45)

من عتبة النص نكتشف إثارة فضول التلصص على تلك النصوص وهي تثير دهشة القارئ، وفضوله، وألمه، وتعاطفه مع شخص ساردها وهي يعاني صراعاً وجودياً يتعلق بالذاكرة (ذاكرة الزمن الجميل للمغترب) هذا الانتقال المفاجيء الى أمكنة من زمن الإقصاء (شيكاغو) هذه المدينة (الحلم) ليست مجرد مكان بل المبتغى لكل حالم وهذا كشف اولي يجعلنا نتوقف عند العنوان للوهلة الأولى ونفهم أبعاده السوسيولوجية، فكما نكتشف مباشرة ومن القراءة الأولى للعنوان أن ثمة «امكنة حلمية »وامكنة في الذاكرة، وبين هذا وذاك هناك منطقة اقصائية أو مجتمعاً خاصا بفئة مسماة المكان الإقصائي، هذه الأمكنة تفرض قوانينها على من يسكنها لاسيما (سائق التاكسي) وهو يطوف ليل نهار في أزقتها ويكتشف مغاليقها ليلا ويدونها سرديا فجرا، كشف سردي ومن خلال حوار لغته بسيطة يدور بينه ومن راح يوصلهم الي أمكنتهم الخاصة والغارقة بالخصوصية عبر سرد بسيط عبر يتعامل معهم، تقنيات سردية وبطريقة مسلية، فتتعدد تقنية السرد من قصة إلى أخرى وكأننا ننتقل معه وبسيارته الأجرة، وتدخلنا أحياناً أمكنة متخيلة، كاميرا كما لو أنها تلتقط صوراً فوتوغرافية من البيئة العامة الذهنية والسوسيولوجية، لتضفي على تلك القصص بعداً درامياً عميقاً.

اقتباس:

"قصة كرسي مارلون "

(منذ ثلاثة شهور وهو يستيقظ مبكرا، بعد ان عمل في شركة لنقل مرضى الحالات الخاصة، يتوجه بسيارته لنقلهم من أماكن سكن متفرقة الى المستشفيات او العيادات المتخصصة بالإضافة لرحلة ساحل لاهويا شمال المدينة لمرة واحدة في الأسبوع بينما بقية الأيام ينشغل معهم في مراجعات وعلاجات هنا وهناك .يبدأ بالسيد وليد مسعود الذي وصل المدينة منذ عام ويقيم في سكن خاص بكبار السن في مدينة الكهون، يتحدث الرجل ببطء وينصت بعيون مفتوحة تنغلق بين الحين والآخر ....ص52)

إذن نحن أمام نصوص في مجملها تبدو الأحداث فيها مألوفة ولكنها غريبة جغرافيا والتي تحكي بتداخل صوتي هي قصص الماضي من الأصدقاء وفراقهم القسري وأمكنة ربما اندرست ولكنها لازالت ماثلة في ذهنه، علائق حلمية اكتشفها ساردها جراء الهوس الاغترابي ويمكن أن تكون قد وقعت في حياة ساردها فعلا او تخيلا في مدن عاشها يوميا والتلصص عليها من ظواهر غرائبية من الاقتراب ونقيضها الإقصاء، والفوارق المصطنعة الاجتماعية والتي لاتعرف الهدوء وإنما الصخب حتى في حالات الليل والسكون الشاعري حين يستفحل الحنين فلا يرى فيه إلا إثباتاً لذاته، ونرجسيته يذوب كل ماهو عالق وجميل فيهرب إلى الذاكرة والحلم معا .

اقتباس:

"قصة رحلات قصيرة:

الي احمد ثامر

(أحيانا يشعر أن حياته ليست أكثر من تجميع لمشاهد من أفلام مختلفة أو ان مايمر به يتشابه مع مشاهد أفلام قد شاهدها فكر بذلك وهو ينزل لوحة جدول رحلاته اليومية من على الجدار ويضعها مع كتبه في صناديق من البلاستيك بعد ان طلب منه صاحب الشقة الرحيل لحاجته لها .وحين أكمل جمع أغراضه كلها جلس على كرسي هزاز كان أخر مااشتراه من رحلة السعادة والدهشة ليلتقط أنفاسه....ص89)

وأخيرا أقول المجموعة تميزت بلغة شفافة وعميقة، والظاهر أن القاص يولي عناية كافية للغته الصحفية والذي يخدم لعبة الكتابة وينشر البهاء ويحفر في الدلالات ويخلق متعة الإبهار والإمتاع والتشويق في نفس القارئ، هذه النصوص هي اختزال من التناقضات التي يعيشها المجتمع من خلال أحداث واقعية أو تلامس الواقع، حاول المؤلف الإفصاح عنها وانتقادها أحيانا، الأحداث التي تجسد إلى حد ما واقع الحياة اليومية داخل المجتمع الامريكي، وأحيانا أخرى عن طريق التخفي في الأحداث البارزة التي تكشف وتفصح عن نفسها عن طريق اقتباس التناقض والتباين بين الحقيقة والمظهر وتقديمها في قوالب سردية ممتعة.

أما بخصوص شخصية جولات سائق التكسي فهي مرآة للكشف والتحري لتقلبات مجتمعية والتحولات اليومية لحيوات تعيش صراعا ماديا بين الحاجة العاطفية وأخلاقيات الواقع الاجتماعي المقيت، هذا الانعكاس هو تمظهر ثقافي عولمي طرأ على سلوك وأفعال شخصياتها ظلت ترزح تحت الذكرى وحلمها المفقود ليس إلا..

 

قراءة: عقيل هاشم الزبيدي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4490 المصادف: 2018-12-21 01:46:10