ضياء نافعفاضل مرزوك أحد طلبتنا في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد (الدراسات المسائية) في تلك السنين الخوالي بتسعينات القرن العشرين، عندما كنّا ندعو الى حرية الطلبة في اختيارهم لتخصصهم اللغوي في الدراسات المسائية (نسبيا طبعا) دون الالتزام الدقيق والاعتماد فقط على مجموع الدرجات التي حصلوا عليها في امتحانات البكلوريا في الصف السادس الاعدادي كما هو معمول به في العراق، و رغم اننا لم نستطع التحرر كليا من تلك التعليمات المركزية الصارمة حول تلك التعليمات، الا اننا – مع ذلك – حاولنا قدر المستطاع الأخذ برغبة الطلبة في اختيار اختصاصهم، او في الاقل مراعاة هذه الرغبة، وقد ساعدنا بالطبع ان طلبة الدراسات المسائية كانوا بالاساس انضج و اكبر عمرا مقارنة مع طلبة الدراسات الصباحية. وهكذا بدأنا التعامل مع هذه التجربة، ونتيجة لكل هذه العوامل، كان انسجامنا الروحي والعلمي والتربوي مع طلبة المساء اكثر و اعمق من انسجامنا مع طلبة الصباح . وبالفعل، برز من ضمن خريجي الدراسات المسائية اناس متميزون في علميتهم، واستطاعوا اكمال دراساتهم العليا لاحقا في بلدان تلك اللغات التي تخصصوا بها، ومن جملتهم د. فاضل مرزوك، الذي حصل على شهادة الدكتوراه في اللغة الروسية من روسيا نفسها، وعاد الى العراق، وحاول – وبكل طاقته وامكانياته – ان يحصل على تعيين في جامعة بغداد / قسم اللغة الروسية ليمارس اختصاصه، ولكنه لم يستطع، اذ كانت امكانية التعيين مغلقة تماما امامه وامام زملائه الآخرين ايضا، وهكذا، وبعد ان فهم ان ابواب التعيين كافة مغلقة امامه، اضطر للعودة الى الخارج، واستطاع ان يشق طريقه في بولندا، مستخدما معرفته العميقة باللغة الروسية وشهادة الدكتوراه، التي حصل عليها في روسيا، وهو الان يقوم بتدريس اللغة الروسية في بولندا وبنجاح، ويقوم بين فترة واخرى بزيارة (معهد بوشكين للغة الروسية)، وذلك للمشاركة في الندوات العلمية والسيمينارات التي ينظمها المعهد المذكور للمتخصصين في اللغة الروسية، وقد التقيته في موسكو اثناء مشاركته في ندوة علمية عندئذ . اللقاء كان (حارّا جدا !) بين معلّم يكنّ الاحترام لطالبه ويعرف تفاصيل مسيرته الدراسية منذ بدايتها، وطالب يكنّ اضعاف هذا الاحترام لمعلّمه ويعرف ايضا تفاصيل مكانته التربوية والعلمية ودوره المتميّز في كلية اللغات بجامعة بغداد، وبما ان هذا اللقاء حدث دون موعد مسبق وجاء عفويا، فانه كان طبيعيا جدا و دون رتوش كما يقال...

حكى لي (ابو عباس) كيف قابل رئيس جامعة بغداد عند عودته، وكيف حاول الحصول على التعيين، ولكن بلا جدوى، وكيف اضطر ان يقول لرئيس الجامعة، انه يتعجب كيف لا يعترف (وهو خريج جامعة غربية !!) بوثائق علمية صادرة من جهات عالمية تشهد بامكانياته العلمية، وانه حصل على ذلك بعد جهد هائل، فسألته – وماذا قال لك؟ أجابني ابو عباس، ان رئيس الجامعة قال لي اذهب الى هؤلاء الذين نصحوك بالعودة واطلب منهم ان يمنحوك وظيفة ما، وابتسم د . فاضل وقال، انه فهم بعد كل محاولاته الطويلة والعريضة، انه حتى رئيس الجامعة لا يقدر ان يصدر أمرا بتعيين اي شخص منذ فترة طويلة، ولهذا قرر السفر مرة اخرى، ووجد مكانا مرموقا ومحترما في بولندا لتدريس اللغة الروسية، والمساهمة في عملية البحث العلمي هناك . وقدّم د. فاضل لي عدة كتب باللغتين البولونية والروسية، تحتوي على بحوث كثيرة، وكان اسمه موجودا بين المشرفين على اصدارات تلك الكتب، ثم قدّم لي كتابا جميلا باللغة الروسية من تأليفه عنوانه – الوسائل الشفاهية لمفهوم العمر في اللغة الروسية، ويقع في 236 صفحة من القطع المتوسط، ووجدت على الغلاف الاخير للكتاب صورة فاضل مرزوك بشكل واضح وملوّن، وخلاصة تعريفية حوله باللغة الروسية تشير الى انه خريج جامعة بغداد وانه عضو في جمعية المترجمين العراقيين، اضافة طبعا الى شهاداته الروسية، وانه مدرس اللغة الروسية في الوقت الحاضر ومترجم محلّف . كتاب د. فاضل مرزوك، كما ارى، هو على الاغلب اطروحته، اذ انه يتكون من المقدمة وثلاثة فصول وخلاصة ختامية ومصادر البحث، الا انه لا يشير الى ذلك في كتابه. وفي كل الاحوال، شعرت بالفخر وانا اطلّع على كتاب روسي من تأليف متخصص عراقي، كان يوما ما طالبا يجلس امامي في صفوف كلية اللغات الحبيبة ...

لم استطع بالطبع ان أقرأ البحوث باللغة البولونية في تلك الكتب، ولكني اطلعت على البحوث باللغة الروسية بشكل عام، وهي ذات طابع اكاديمي بحت، وقد توقفت طويلا عند بحث كتبه شونيكوف من جامعة العلوم الانسانية في موسكو حول الدراما الروسية المعاصرة، حيث يتناول بعض خصائص الدراما في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، واثارني المقطع الخاص حول مسرحية عنوانها – (نضج الكرز في بستان الخال فانيا)، وهي مسرحية توحد مسرحيتين من أعمال تشيخوف (بستان الكرز والخال فانيا)، وتنقل ابطال تلك المسرحيتين الى احداث ثورة اكتوبر 1917 الروسية، وهي فكرة خيالية شجاعة وغير اعتيادية تماما .

اللقاء بين معلّم وأحد طلبته القدامى لذيذ دائما، خصوصا اذا كان هذا الطالب القديم قد أحرز خطوات كبيرة وناجحة في مسيرة الحياة ...

 

أ. د. ضياء نافع

 

الهزيمة التاريخية للثورة: الأسباب والنتائج بالنسبة للحزب الشيوعي

لقد كانت قضية المرحلة الانتقالية والدستور المؤقت صفة اشبه ما تكون بحالة عضوية في كل تجارب الانقلابات العسكرية التي تحولت إلى "ثورات" في وقت لاحق. إن السبب العميق والأساسي لهذه الظاهرة تقوم في أن الانقلابات العسكرية قد استبقت وسرقت بمعنى ما إمكانية الثورات الاجتماعية السياسية الفعلية. وهي الحالة التي عاني وما يزال يعاني منها العالم العربي في كل مجرى النصف الثاني من القرن العشرين وحتى الآن (الربع الاول من القرن الحادي والعشرين)، والتي ما زلنا نرى صداها واحتدامها في العديد من البلدان التي لم تصل بعد إلى برن الأمان الدستوري الثابت والديمقراطية الاجتماعية والسياسية السليمة. فالعسكر معسكر في الذهن والنفسية والعقلية. وهو لا يعرف غير الأوامر وتنفيذها. بينما الحياة السياسية والحزبية هي أكثر وأشد تعقيدا بما لا يقاس من ذلك، أي كل ما لا يستقيم ولا يستجيب لذوق الذهنية العسكرية المجيشة بأوهام القوة.

فقد عاش ومات جمال عبد الناصر في ظل الدستور المؤقت والمرحلة الانتقالية من تموز 1952 حتى أيلول عام 1970، أي حوالي ثمانية عشر عاما.

وعاش ومات عبد الكريم قاسم من تموز 1958 حتى شباط 1963 في ظل الدستور المؤقت والمرحلة الانتقالية، أي حوالي أربع سنوات ونصف.

وعاش ومات عبد السلام عارف وطرد عبد الرحمن عارف من شباط 1963 حتى 1968 في ظل الدستور المؤقت والمرحلة الانتقالية، أي حوالي خمس سنوات ونصف.

والشيئ نفسه ينطبق على حكم حزب البعث العربي الاشتراكي من تموز عام 1968 حتى الاحتلال الأمريكي في نيسان عام 2003 في ظل الدستور المؤقت والمرحلة الانتقالية، أي حوالي خمس وثلاثين سنة.

كل ذلك يشير إلى أن الدستور المؤقت والمرحلة الانتقالية هي أشبه ما تكون بمرض انتقالي بينهم، كما لو أن احدهم يقلد الآخر ويتفوق عليه في هذا المجال. جمال عبد الناصر أولا، وعبد الكريم قاسم ثانيا، والأخوين عارف ثالثا، وصدام رابعاً. وجميعهم فشلوا وانهزموا كل بطريقته الخاصة.

لقد كانت مسيرة عبد الكريم قاسم بالمعنى السياسي ردة واضحة وجلية للقاصي والداني. إلا أن قيادة الحزب الشيوعي آنذاك أصيبت بالجبن السياسي والعملي في مواجهة الردة السياسية والوطنية لعبد الكريم قاسم بحيث تركت الأمور تسير لحالها كما لو أنها مشاهد أحداث تجري في أحد الأسواق الشعبية! لقد كانت الموقف السياسية لعبد الكريم قاسم تتسم بالأنانية والغباء بقدر واحد. يقابله جبن وخنوع سياسي من جانب قيادة الحزب الشيوعي العراقي آنذاك.

لقد كانت الردة السياسية لعبد الكريم قاسم، وانشقاق فؤاد الركابي وانضمامه لجمال عبد الناصر، وانهيار الجمهورية العربية المتحدة عام 1961 مجرد مؤشرات عليها. وقابلها في الوقت نفسه صراع داخلي عنيف في قيادة الحزب الشيوعي. فقد شن سلام عادل هجوما ضد عامر عبد الله واتهمه بالعمالة لعبد الكريم قاسم. وأن السبب القائم وراء عجزه عن تمرير سياسته تجاه عبد الكريم قاسم بسبب الكتلة التي كان يقودها عامر عبد الله نفسه، والتي كانت تضم كل من زكي خيري وبهاء الدين نوري وحسين ابو العيس. وبأثر هذا الصراع استجابت اللجنة المركزية لسلام عادل وأعادت تنظيم نفسها. بحيث أصبح سلام عادل الكلّ في الكلّ. وغادر عامر عبد الله إلى أوربا الشرقية. إلا أن سلام عادل لم يغير شيئاً في استراتيجية الحزب. وهو أمر لا يخلو من غرابة. أما تفسيره فيمكن العثور عليه بصورة غير مباشرة في قول ثابت حبيب العاني عن أن روح الجرأة داخل الحزب قد تعرضت للقتل. والتغيير الوحيد الذي جرى هو إصدار (طريق الشعب) كجريدة سرية للحزب. وفيها ارتفعت حدة النقد الشديد لعبد الكريم قاسم.

لقد كان التكتل الرباعي يعمل على نخر الحزب من الداخل. وفي الوقت الذي كان حزب البعث بإمكانياته الضعيفة يفكر بالاستيلاء على السلطة، كان الحزب الشيوعي العراقي بإمكانياته الهائلة آنذاك يهرب من السلطة. وكانت الأحداث المختلفة تحتدم وتؤثر على مسار العملية السياسية. فقد استخدام السوفييت حق النقض ضد انضمام الكويت للامم المتحدة عام 1961. وفي كانون أول من نفس العام جرى إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين. وكذلك إلغاء امتيازات شركات النفط في المناطق غير المستثمرة، ومسيرة أيار عام 1962 استعادت الصراع ثانية بين عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي. فقد كان شعور عبد الكريم قاسم أو تقديره يقوم في أن الخطر الفعلي عليه يأتي من اليسار وليس من اليمين. وقد كان ذلك يعادل معنى حفر عبد الكريم قاسم لقبره بيده وقبراً للشيوعيين والعراق أيضا.

ولم يغير من سلوك الشيوعيين تجاه هذه الردة الواضحة في السلوك السياسي لعبد الكريم قاسم ما جرى في أيلول عام 1962 من محاسبة التكتل الرباعي. فقد كانت هذه المحاسبة مبتورة. وذلك لأنها لم تجر بمعايير المحاسبة السياسية العميقة المتعلقة بتقييم التكتيك السياسي للحزب وإستراتيجيته البديلة. بمعنى أنها لم تجر ضد ما أدى به سلوكها من تهوين الإرادة الفعالة للحزب وخيانة مهماته الجوهرية آنذاك بالوصول إلى السلطة عبر تذليل الردة السياسية لعبد الكريم قاسم وتنحيته عن السلطة الفردية. إضافة لذلك إن هذه المحاسبة جاءت متأخرة جداً. ولم تستند على كيفية مواجهة الوضع القائم واحتمالات تطوراته المختلفة والاستعداد له. فقد اعترف الكونفرنس الثالث للحزب الشيوعي المنعقد في كانون أول عام 1967 بذلك. إلا انه اعتراف متأخر جداً. بينما نرى زكي خيري يتوصل عام 1994 إلى أنه كان من الضروري إنهاء الفترة الانتقالية لحكم عبد الكريم قاسم! وهو استنتاج يدل أما على جهل أو ضعف الذاكرة أو غباء من طراز خاص لا مثيل له. انه تحسس معنى الهزيمة بعد ثلاثة عقود من الزمن!!

حينذاك كان هتاف الجماهير المنتفضة ضد الانقلابين مدويا بعبارة "باسم العامل والفلاح يا كريم اعطينا سلاح". بمعنى أن روح الجرأة لم تمت كما قيل. فهدير الجماهير يطالب بالسلاح، بينما عبد الكريم قاسم يتجاهل ذلك، أما الحزب الشيوعي فيتقاعس عن قيادتها كما ينبغي في تلك المرحلة الحرجة في المسار التاريخي للعراق. لقد ارتكب عبد الكريم قاسم جريمة كبرى عندما رفض تسليح المنتفضين. وعوضا عن ذلك فضل الاستسلام أمام عبد السلام عارف. كما انه "استنكف" من دفاع الشيوعيين عنه وعن الحزب والشعب والعراق. لقد كانت مسؤولية عبد الكريم قاسم في تلك اللحظات التاريخية هي الأساسية. لقد غدر عبد الكريم بالثورة شأن من غدر فيها من خارجها. كما انه غدر بالشعب الذي أحبه بصدق، لأنه لم يثق به. وتلك كانت من المفارقات المؤلمة أيضا.

إننا نقف أمام حالة تبدو كما لو أنها تمثيلية سخيفة. الدماء السائلة والمحتملة جلية لكل ذي عقل سليم، بينما كان عبد الكريم قاسم يرقص فقط لهتاف الشعب. لقد اختار الانقلابيون ظرفاً اعتقدوا فيه أن العلاقات بين قاسم والشيوعيين بلغت أسوء درجاتها. مع هذا هبت الجماهير ومعهم الشيوعيون دفاعاً عن عبد الكريم قاسم وطالبوا بالسلاح. إلا انه رفض تسليحهم. كما طالب الضباط المحيطين به للانتقال إلى معسكر الرشيد باعتباره أفضل موقع لدحر الانقلابين. كما أن الفرقة العسكرية الأولى للجيش العراقي وكل مدن وجماهير الجنوب كانت ظهيرا لعبد الكريم قاسم . إلا انه رفض ذلك لأسباب تحير العقل النقدي في فهم بواعثها. كان دحر الانقلابين ممكناً. كما أن اندحارهم كان يمكن أن يؤدي إلى تحول عراقي وإقليمي ودولي كبير جداً آنذاك. لقد تم اضاعة فرصة تاريخية كبيرة وهامة للعراق.

إن مجمل الحوادث والمعطيات الواقعية التي سبقت وتزامنت مع الانقلاب البعثي وآثاره اللاحقة تكشف عن حالة شبه سريالية. فهناك معطيات مصورة عن صورة عبد الكريم قاسم فوق دبابات الانقلابين. وكيف إن أحد ضباط الانضباط العسكري الخفر اخبر عبد الكريم الجدة (آمر الانضباط العسكري بعد ثورة تموز واستشهد مع الزعيم عبد الكريم قاسم)، بأن احد الأشخاص اتصل به وأخبره عن محاولة انقلابية. إلا أن عبد الكريم الجدة استهان بالخبر، كما استهان به عبد الكريم قاسم. بينما عرفت قيادة الحزب الشيوعي بالمحاولة الانقلابية قبل ساعات من حدوثها. بينما ضاع خطاب عبد الكريم قاسم الذي سجله في وزارة الدفاع ومن ثم لم يجر إذاعته. ويقال لأن حامله إلى الإذاعة هرب إلى بيته. كل ذلك يكشف عن تخاذل من يسمى بالضباط القاسميين عن الدفاع عن عبد الكريم قاسم والثورة والجمهورية.

ولكننا في الوقت نفسه نستطيع القول، بأن نهاية عبد الكريم قاسم كانت نهاية منطقية لعسكري أناني لا يخلو من الغباء السياسي. لقد اتضح أو بات واضحاً أن الخطة التي وضعها عبد الكريم قاسم لمواجهة الحزب الشيوعي كانت أنانية وذاتية. كما أنها كانت خطة غبية انتهت بنهاية مأساوية لعبد الكريم قاسم وللحزب الشيوعي والعراق. إنها خطة عبد الكريم قاسم الانتحارية! لكنها انتهت بانتحار العراق. مع انه كانت هناك فرصة ملائمة تماماً للعراق في ان يكون نموذجا مبكرا في العالم العربي للدولة الحديثة. وهو نموذج لم ينفصل عن كفاح الشعب العراقي والحزب الشيوعي.

لقد كان انقلاب البعث وقيادته للمؤامرة "التاريخية" على الفكرة الوطنية والدولة والجمهورية صنيعة القوى الخارجية البريطانية والأمريكية، وكذلك أثر مصر الناصرية التي اشتركت من الناحية الموضوعية في هذه النهاية المأساوية للعراق.

كل ذلك يوصلنا إلى تحديد جملة من الأسباب الأساسية وراء سقوط حكم عبد الكريم قاسم، ولعل أهمها هي:

- عدم إنهاء الفترة الانتقالية وتسليم السلطة للشعب كي يدافع عن الدولة والنظام السياسي.

-  سياسة عبد الكريم قاسم المتذبذبة والفردية. وسعيه لموازنة الشيوعيين بالبعثيين والقوميين، الذين انقضوا عليه في الوقت والظرف الملائم لهما.

- تردد الحزب الشيوعي في استلام الحكم عندما كان ذلك مبرراً وممكناً وضرورياً.

-  غياب خطة للحزب الشيوعي لمواجهة الثورة المضادة أو الانقلاب العسكري المحتمل.

- موقف مرجعية النجف، وبالأخص محسن الحكيم ضد الحكم الجديد في العراق.

- التنسيق الامبريالي الرجعي البعثي القومي الناصري ضد الوضع الجديد في العراق، بأثر القلق العميق من تنامي دور الشيوعيين فيه.

- التآمر الامبريالي الرجعي الشرس ضد الحكم الجديد.

-  تأمر شركات النفط ضد حكم عبد الكريم قاسم.

-  تأمر البعث والقوميين وجمال عبد الناصر ضد حكم عبد الكريم قاسم.

- دور القادة القوميين الأكراد الخياني. فالسؤال التاريخي مازال مثيرا بهذا الصدد، وهو لماذا اندلع التمرد الكردي في الحادي عشر من أيلول عام 1961؟ وضمن الصورة اعلاه يكون التمرد الكردي جزء من التآمر على الجمهورية والعراق. الأمر الذي يكشف عن أن التمرد الكردي كان دائماً ومازال ورقة تستغلها القوى الخارجية للتدخل بالشأن العراقي الداخلي. وبالتالي كان التمرد الكردي وسيلة من الوسائل المتممة لإسقاط عبد الكريم قاسم وليس سبباً في سقوط قاسم. (يتبع.....).

 

يوسف محمد طه

 

محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأن علم الطب من أشرف العلوم بعد علوم الشريعة، وأنفعها بعد العلوم المتلقاة عن الوحي؛ ففيه خير للأمة، وإنقاذ لحياة البشر، وإعادة لصحة المريض، وغير ذلك من المنافع العظيمة، وتعلمه فرض كفاية، حتى روى ابن أبي حاتم الرازي في (آداب الشافعي ومناقبه) عنه، أنه قال: إنما العلم علمان: علم الدين، وعلم الدنيا، فالعلم الذي للدين هو: الفقه، والعلم الذي للدنيا هو: الطب. وروى عنه أيضًا: لا تسكنن بلدًا لا يكون فيه عالم يفتيك عن دينك، ولا طبيب ينبئك عن أمر بدنك.

ولذلك يُعدُّ علم الطب من أوسع مجالات العلوم الحياتية التي كان لقدمائنا المصريين فيها إسهامات بارزة على مدار عصور حضارتهم الزاهرة، وكانت تلك الإسهامات على نحو غير مسبوق شمولاً وتميُّزًا وتصحيحًا للمسار؛ حتى ليُخيَّل للمطَّلع على هذه الإسهامات الخالدة كأن لم يكن طبٌّ قبل الحضارة المصرية القديمة !!

ولم يقتصر الإبداع على علاج الأمراض فحسب، بل تعدَّاه إلى تأسيس منهج تجريبي أصيل انعكست آثاره الراقية والرائعة على كافَّة جوانب الممارسة الطبيَّة وقايةً وعلاجًا، أو مرافق وأدوات، أو أبعادًا إنسانية وأخلاقية تحكم الأداء الطبي.

إن روعة الإسهامات المصرية في الطبِّ لتتجلَّى في تخريج هذا الحشد من العبقريات الطِّبِّيَّة النادرة، التي كان لها -بَعْدَ الله سبحانه وتعالى- الفضل الكبير في تحويل مسار الطبِّ إلى اتجاه آخر، ومن هؤلاء العباقرة الدكتور "أحمد محمد كمال المنشاوي" ( أستاذ جراحة القلب والصدر بكلية الطب بجامعة أسيوط ونائب رئيس الجامعة لشئون الدراسات العليا والبحوث بجمهورية مصر العربية ) والذي  قد اختار منذ نعومة أظفاره أن يعيش ويكتب ويتنفس بكل ما يؤمن به خارج قضبان المكرر والمعتاد والمألوف، وآثر أن يتعثر كثيراً جداً، ويخطئ كثيراً جداً، لكنه لا يكف عن المحاولة والفهم ونقد الذات والتعلم من كل أساتذته، الذين يفتخر بأنه تتلمذ على يديهم، فهم أصحاب الفضل الحقيقي في بنائه، وهو يؤمن بأن قدوته وأسوته والذي يبغي أن يكون شبيهه ألا وهو أستاذه الدكتور مجدي يعقوب، ذلك العالم المصري الكبير الذي أُطلق عليه في الإعلام البريطاني لقب "ملك القلوب"، فهو الذي كتب أسطورة جراحات القلب فى العالم، وانحنت له الإمبراطورية البريطانية وملكتها بسبب براعته في تطوير تقنيات جراحات نقل القلب والصدر في العالم كله، وذلك من خلال العمليات المعقدة والصعبة التي كان يجريها؛ فلا ننسي ما قام به مجدي يعقوب بعملية نقل قلب للمريض "دريك موريس"، والذي أصبح أطول مريض نقل قلب أوروبي علي قيد الحياة حتي موته في يوليو 2005، وفي عام 2006 قاد مجدي يعقوب عملية معقدة تتطلب إزالة قلب مزروع في مريضة بعد شفاء قلبها الطبيعي، حيث لم يزل القلب الطبيعي للطفلة المريضة خلال عملية الزرع السابقة...وهلم وجرا . ومن أجل ذلك حصل علي زمالة كلية الجراحين الملكية بـلندن، وحصل علي ألقاب ودرجات شرفية من كلا من: جامعة برونيل، وجامعة كارديف، وجامعة لوفبرا، وجامعة ميدلسكس (جامعات بريطانية)، وكذلك من جامعة لوند بـالسويد. وله كراس شرفية في جامعة لاهور بباكستان، وجامعة سيينا بإيطاليا..

ولذلك من مسار ورحم مجدي يعقوب خرج الدكتور أحمد المنشاوي، ذلك العالم المصري الفذ الذي يمثل واحدا من رواد طب القلب الحديث من دون منازع بمصر والعالم العربي، وذلك من خلال وضع أسس جراحه القلب المفتوح بمفهومها المعاصر، حيث كانت له إسهامات في تطوير جراحات القلب والصدر، سواء من خلال جراحة القلب لدى كبار السن، وعملية زرع القلب وجراحة الأبهري وجراحة الصدر وجراحة القلب للأطفال، علاوة علي أنه قام بتطوير أساليب لتغيير صمامات القلب، كما طور أسلوبا لإصلاح عيوب القلب في ما يسمى بـ" الأطفال ذوي البشرة الزرقاء" ممن يعانون علل خلقية في القلب والذين كانت وفاتهم أمراً مؤكداً تقريباً قبل تطويره هذا الأسلوب، كما طور أسلوباً لتبريد الجسم حتى يمكن إيقاف القلب لإجراء جراحة دقيقة.

والدكتور المنشاوي من رجال الطب المؤمنين بأن جراحة القلب هي الجراحة التي يجريها جراحو القلب على عضلة القلب أو الأوعية الكبيرة أو الغشاء التامورى المحيط بالقلب، وتعتبر جراحة القلب جزء من جراحات الصدر، وتنقسم عادة إلى قسمين كبيرين هما جراحة القلب المغلق وجراحة القلب المفتوح ويستند الفرق قي التصنيف بين هذين القسمين إلى عدم الحاجة أو الحاجة إلى استخدام ماكينة القلب والرئة الصناعي في العملية على الترتيب.

ويتمتع المنشاوي بذكاء خارق ومقدرة ظاهرة وكامنة أتاحت له في بعض الأحيان العمل على مدى أربع وعشرين ساعة متواصلة من دون كلل.. وكان حيوياً ونشيطاً في عمله.. وهو إنسان ذو قدرات عالية .. لا ينام أكثر من خمس ساعات في الليل .. عنيد، لا يحده سقف في التطلع والرقي بعمله.. وفي الوقت نفسه فهو موصوف أيضاً بأنه «جنتلمان» ومنطقي لا يستثارز.ومثابر من الطراز الأول .. يملك أفكاراً وعلى الدوام كأنه في تحد لأي شيء يحده .. وهو حسن المعشر .. سريع النكتة كأغلب المصريين .. وقد وهبه الله بيدين سريعتين مذهلتين حيث يمثلان كمشرط حاد لطبيب بارع، يعرف طريقه جيدًا، يعتصرك من شدة الألم؛ لكنه يستأصل سمومك، ويشفى جروحك، هذا بالإضافة إلي أنه باحث  متفرد، يصغى إلى نوره الداخلى، يحمل في خلاياه هموم كل البشر والمخلوقات، خاصة البسطاء؛ أوجاعهم في أضعف لحظات العجز، وأحمالهم الثقيلة، وأحلامهم المتكسرة، في وقت ربما لا يجيد العديد منا سوى الشكوى من أبسط عثراته الشخصية.

وكان الدكتور المنشاوي قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل أبحاثه في جراحات القلب والصدر تمثل المنارة التي يهتدي بها  المتخصصون في علوم الطب في تخصصه .

وقد ولد المنشاوي في الثامن والعشرون من شهر سبتمبر علام 1965م بمصر الجديدة بمحافظة القاهرة، وقد بدأ حياته العملية بحصوله على بكالوريوس الطب والجراحة من كلية الطب بجامعة أسيوط عام 1988 بتقدير جيد جداً مع مرتبة الشرف وحصل على درجة الماجستير في الجراحة العامة من جامعة أسيوط في يناير عام 1993، ودرجة الدكتوراه في جراحة القلب والصدر في يونيو عام 1997.

وشغل الدكتور أحمد المنشاوي عدداً من المناصب الأكاديمية المهمة والتي بدأت بتعيينه معيداً بقسم الجراحة العامة تخصص جراحة القلب والصدر في الأول من مارس عام 1993، ومدرساً مساعداً لجراحة القلب والصدر في الثاني من أبريل عام 1993، ومدرساً في 27 من يوليو عام 1997، وأستاذاً مساعداً الثاني من فبراير عام 2003، وصولاً إلى تعيينه أستاذاً في 27 من فبراير عام 2008.

كما شغل المنشاوي أيضاً العديد من المناصب الإدارية والتي تضمنت تعيينه نائب مدير مستشفى الأطفال الجامعي للأقسام الجراحية في 15 من ديسمبر 2011، ونائباً لرئيس مجلس إدارة القلب وجراحته من 2014 ولمدة ثلاث سنوات، بالإضافة إلى تعيينه رئيس مجلس إدارة المستشفيات الجامعية، وعميدًا لكلية الطب بداية من 19 من نوفمبر 2017، وفي عام 2018 أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر العربية قراراً جمهورياً بتعيينه نائباً لرئيس جامعة أسيوط لشؤون الدراسات العليا والبحوث لمدة أربع سنوات

كما حاز المنشاوي على عضوية عدد من اللجان والجمعيات المهمة على المستولى الدولي والعالمي المتخصصة في جراحة القلب والصدر، ومنها عضويته باللجنة العلمية الدائمة للترقيات في تخصص جراحة القلب والصدر، لجنة تحرير مجلة القلب، وعلاج القلب، والأوعية الدموية، وعضويته الجمعية الأوروبية لجراحة القلب والصدر، والجمعية المصرية لجراحة القلب والصدر، والجمعية السعودية لأمراض القلب، والجمعية العربية لجراحة الصدر، والجمعية العربية للعيوب الخلقية بالقلب، كما أشرف الدكتور المنشاوي على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه لباحثين من مختلف أنحاء الوطن العربي.

وللمنشاوى مساهمات كبرى في إدخال جميع التخصصات الدقيقة بقسم جراحة القلب منذ تولى رئاسة القسم في عام 2010 م وهى جراحة قلب الأطفال، جراحة الشرايين التاجية، جراحة تمدد شريان الأورطى، جراحة الصدر عن طريق المناظير والتدخل المحدود، جراحة استبدال وإصلاح صمامات القلب عن طريق التدخل المحدود، جراحة الشرايين التاجية بالتدخل المحدود، جراحة وإصلاح تشوهات القفص الصدري وكسور القفص الصدري عن طريق الشرائح والمسامير.

كما كان المنشاوي عضو اللجنة العلمية الدائمة للترقيات (أساتذة وأساتذة مساعدين) في تخصص جراحة القلب والصدر – لدورة الثانية عشر من الفترة 2016-2019، وعضو منتخب بمجلس إدارة الجمعية المصرية لجراحة القلب والصدر (الحصول على أعلى الأصوات) 2016، وعضو الجمعية الأوربية والمصرية والسعودية لجراحة القلب والصدر، وعضو الجمعية العربية للعيوب الخلقية بالقلب، عضو لجنة تحرير مجلة الجمعية المصرية لجراحة القلب والصدر.

وقد عمل المنشاوي استشارياً وأخصائياً لجراحة القلب والجراحة العامة وجراحة الصدر، وعضو هيئة التدريس في كلية الطب بجامعة أسيوط، كما أعير المنشاوي ضمن بعثة تدريبية بعد الدكتوراه للمملكة المتحدة – جامعة ساوثهامبتون – مركز جراحة القلب والصدر للتدريب على جراحة قلب الأطفال لمدة عامين بدأت من 2008، كما عمل استشاري ورئيس وحدة جراحة قلب الأطفال – مستشفى النور التخصصي – مكة المكرمة – المملكة العربية السعودية، ثم انتداب لمستشفى أبو الريش للأطفال – جامعة القاهرة – للتدريب على جراحة قلب الأطفال .

وللدكتور المنشاوي إنجازات طبية وإدارية نذكر منها : مشاركته في إنشاء وتجهيز وتشغيل مستشفى القلب وجراحاته – جامعة أسيوط، ومنها أيضا مساهمته في إدخال جميع التخصصات الدقيقة بقسم جراحة القلب والصدر منذ تولى رئاسة  القسم في 2010: وهى : جراحات: قلب الأطفال والشرايين التاجبة وتمدد شريان الأورطي، وجراحة الصدر عن طريق المناظير والتدخل المحدود، وجراحة استبدال وإصلاح صمامات القلب عن طريق التدخل المحدود، وجراحة الشرايين التاجية بالتدخل المحدود، جراحة إصلاح تشوهات القفص الصدري وكسور القفص الصدري عن طريق الشرائح والمسامير، ومنها إنشائه وتجهيزه لوحدة جراحة القلب والصدر بمستشفى المنيا الجامعي، علاوة علي إشرافه على قسم جراحة القلب والصدر – جامعة أسوان...وهلم جرا.

كما شارك المنشاوي في إعداد البرنامج الأكاديمي لطالب مرحلة البكالوريوس ولطلاب  لطالب الدراسات العليا (دكتوراه)  تخصص جراحة القلب والصدر بكلية الطب – جامعة أسيوط، كما شارك في لجان مشروع التطوير المستمر والتأهيل للاعتماد بكلية الطب – جامعة أسيوط من سنة 2010 وحتي الآن، كما شارك في إعداد الخطة الاستراتيجية والدراسة الذاتية لكلية الطب منذ 2011 وحتي الآن.

كما كان للدكتور المنشاوي اسهامات في تنظيم ورئاسة ورش العمل والمؤتمرات المحلية وذلك علي النحو التالي:

- ورشة العمل عن جراحة الشرايين التاجية – معمل المهارات الإكلينيكية – كلية الطب – جامعة أسيوط – ديسمبر 2016 – رئيس ورشة العمل.

- زيارة وورشة العمل الإكلينيكية للخبير الإيطالي البروفسير أندريا مونيتا لإجراء جراحات الشرايين التاجية عن طريق التدخل المحدود – مستشفى القلب وجراحاته – أبريل 2016– رئيس ورشة العمل

- زيارة وورشة العمل الإكلينيكية للخبير العالمي الإسباني البروفسير دييجو جونزالز ريفاس لإجراء جراحات الصدر عن طريق التدخل المحدود – مستشفى القلب وجراحاته – فبراير 2016 –  رئيس ورشة العمل.

- ورشة عمل عن استخدام مناظير الصدر والتدخل المحدود لجراحات الصدر VATS معمل المهارات الإكلينيكية – كلية الطب – جامعة أسيوط – مايو 2015 – رئيس ورشة العمل.

- اليوم العملي لقسم جراحة القلب والصدر للتدريب على القسطرة البالونية المساعدة لعضلة القلب - معمل المهارات الإكلينيكية – كلية الطب – جامعة أسيوط – أبريل 2015 – مشرف اليوم العلمي.

- ورشة توسيع جزر الشريان الأورطي – بمشاركة الخبير الإيطالي البروفسير كالا فيورى – معمل المهارات الإكلينيكية – كلية الطب – جامعة أسيوط – سبتمبر 2014 – رئيس ورشة العمل

- ورشة زراعة صمامات الأنسجة الحيوية بالقلب وإصلاح الصمام الميترالى – بمشاركة الخبير الإيطالي البروفسير جينو جيروزا – معمل المهارات الإكلينيكية – كلية الطب – جامعة أسيوط – ديسمبر 2012 – رئيس ورشة العمل

- التنظيم والإعداد لزيارات الخبير الأمريكي البروفسير وليام نوفيك بجامعة تينسى – ممفيس – أمريكا والوفد المرافق له (لجمعية العالمية لقلب الأطفال ICHF) خلال الأعوام 2010، 2011، 2012  لوحدة جراحة قلب الأطفال – مستشفى الأطفال الجامعي – وإجراء 52 جراحة قلب أطفال معقدة بالتعاون مع الفريق المصري بجامعة أسيوط

- ورشة عمل لجراحة الشرايين التاجية – معمل المهارات الإكلينيكية – كلية الطب – جامعة أسيوط - ديسمبر 2010 .

- تنظيم المؤتمر الأول لوحدة جراحة قلب الأطفال – جامعة أسيوط – 16 – 18 ديسمبر 2009 – رئيس المؤتمر.

تحية طيبة للدكتور أحمد المنشاوي الذي يمثل لنا نموذجاً فذاً للطبيب الجراح البارع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، هذا الرمز الطبي المتميز: عملاً وتعاملاً وخلقاً، والذي نذر عمره لخدمة مرضى القلب بمصر والعالم العربي، يستحق تكريماً داخل الوطن يليق به، ويرقى لشموخ عطائه وإنجازه.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

بارك الله لنا في أحمد المنشاوي قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره طبيبا يعالج أوجاعنا، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

وأخيراً أختم بهذه المفارقة القلبية اللطيفة: الله خلق للإنسان قلباً واحداً، من هنا كان للقلب مكانة بين الأعضاء لا يضاهيها غيره فهو ملك الأعضاء، إذ هو الذي يمدهم - بقدرة الله - بدم البقاء.. وأطباء القلب بأعلى سلّم درجات الطب والذي أعطتهم هذه المكانة هو كونه الوحيد بالجسم، ولهذا كانت أمنية شاعرنا العربي العاشق عندما قال: ولو كان لي قلبان عشت بواحد.... وتركت قلباً في هواك يُعذَّب.... أيها الشاعر.. كلنا نتمنى ذلك عشاقاً وغير عشاقٍ، ولكن ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه !

إنه قلب واحد فقط يضخُّ الدم ويضخُّ الحب معاً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

ضياء نافعورد اسم علي الشوك في كتاب المستعربة الاذربيجانية الروسية الدكتورة الميرا علي- زادة الموسوم (الادب الروسي والعالم العربي) والصادر عام 2014عن معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم الروسية . لقد ذكرته المستعربة علي – زادة ضمن اسماء الادباء والباحثين العراقيين، الذين ساهموا بالكتابة عن الادب الروسي، وقد أشرت اليهم جميعا في مقالاتي عن هذا الكتاب الروسي المهم في تاريخ العلاقات الادبية العربية - الروسية (انظر مقالاتنا بعنوان – العراقيون في كتاب الادب الروسي والعالم العربي 1،2،3،4،5)، وتوقفت في تلك المقالات عند بعض الاسماء، وناقشت مؤلفة الكتاب بشأن ما ورد عنهم في كتابها، ولكني لم استطع طبعا ان اتوقف بالتفصيل عند كل الاسماء العراقية هناك ومن جملتهم علي الشوك، هذا الكاتب المتميّز في دنيا الادب والفكر في العراق المعاصر، والذي ذكرته د. الميرا علي- زاده باعتباره مترجما لمقالتين ليس الا حول الادب الروسي منشورتين في مجلتين عراقيتين هما الاقلام والثقافة الجديدة، وهذا طبعا لا يتناسب بتاتا ومكانة علي الشوك في هذا المجال . لقد أشرت بشكل عابر جدا الى ان الشوك قدّم مساهمات عميقة حول عدة اسماء كبيرة في الادب الروسي، ومن جملتهم أخماتوفا، واريد هنا ان اتحدث حول مقالته عن الشاعرة الروسية آنّا أخماتوفا فقط، والتي جاءت بعنوان – (كنت امتلك كل شئ / نموذج عن معاناة اديب زمن الدكتاتورية)، اذ ان هذه المقالة بحد ذاتها تستحق ان نتوقف عندها فعلا بعمق وتأمّل لتحديد موقف علي الشوك ليس فقط بالنسبة للشاعرة أخماتوفا وحسب، وانما بالنسبة لمجمل الادب الروسي في القرن العشرين، او بتعبير أدق، الادب الروسي في الفترة السوفيتية بالذات . 

يجب الاشارة قبل كل شئ، ان هذه المقالة تحدثت عن أخماتوفا وما حولها من ظواهر تتعلق بالادب الروسي عامة، وقد تطرق الشوك الى تلك الظواهر بقلمه الساحر الرقيق والدقيق والواضح، وبالتالي، فانه يمكن القول، ان هذه المقالة هي صورة قلمية شجاعة رسمتها ريشة يساري عراقي (وهو يسمّي نفسه هكذا في تلك المقالة) عن كل الادب الروسي في القرن العشرين منطلقا من افكاره الذاتية البحتة فقط، ودون ان يأخذ بنظر الاعتبار الآراء الفكرية التقليدية (الراسخة !!!) في حركة اليسار العراقي والعربي عموما . يتناول الشوك في مقالته تلك مفهوم (الحزبية في الادب)، وهو المبدأ الذي كان سائدا طوال الفترة السوفيتية، ويذكر الشوك بصراحة دقيقة ومتناهية، ان لينين نفسه قد طرح هذا المبدأ، ويشير الى مقالة لينين المحددة بشأن هذا المفهوم، ويذكر(ان لينين كتب في 1905 مقالا بعنوان (التنظيم الحزبي وادب الحزب) . اصبح هذا المقال وثيقة (مقدّسة)، جاء فيها، ان الادب ينبغي ان يخضع بالكامل للاهداف السياسية، ويصبح اداة للدعاية الثورية، الادب ينبغي ان يخضع للايديولوجيا الثورية . أنا كيساري احزنني جدا ما لقيه المثقفون الروس من معاملة ..) . لقد كان الشوك رقيقا ومؤدبا جدا ومتواضعا، ولم يقل بشكل مباشر، انه لا يتفق مع لينين في طرحه لتلك المفاهيم، ولكنه قال – (انا كيساري احزنني جدا ما لقيه المثقفون الروس من معاملة ..)، ويتحدث الشوك في مقالته تلك عن مواضيع انبثقت بالذات من سيطرة هذا المفهوم على مسيرة الادب الروسي، ويذكر مثلا موقف ماياكوفسكي، وهو شاعر الثورة الاشتراكية كما هو معروف في الاوساط اليسارية، ويقول الشوك عنه، ان (ماياكوفسكي المسكين انتحر لانه لم يتحمل وضعه كمصفق للنظام)، وهي جملة عابرة جاءت في ثنايا تلك المقالة، لكن تسمية ماياكوفسكي ب (المسكين!!!) وربط انتحاره برفضه ان يكون (مصفقا للنظام)، تعبّر بلا شك عن رأي جرئ جدا وواضح المعالم حول انتحار ماياكوفسكي، وهذا رأي لم يتقبله النظام السوفيتي وايديولجيوه، ولم يعترفوا به ابدا، ولم يعترف به اليسار العربي ايضا (نتيجة لذلك الموقف السوفيتي طبعا)، ولكن الشوك يشير اليه بوضوح وبساطة ودقة ودون اي صيغة شك او تردد او عدم قناعة، وهذه كلها كلمات شجاعة وحقيقية يكتبها الشوك بموضوعية هادئة، ويشير بعد الجملة عن ماياكوفسكي الى انتحار الشاعر يسينين ورئيس اتحاد الادباء السوفيت فادييف .

ان مقالة الشوك هي عن أخماتوفا كما ذكرنا أعلاه، ولكن الشوك استطاع بمهنية ومهارة عالية جدا (دون ان يثير أحدا ضده !) ان يعبّر عن آرائه بالنسبة لكل سمات الادب الروسي في تلك المرحلة، أما عن أخماتوفا، فقد أشار الى وضعها الصعب ايضا، وقال انه لم يقرأ بما فيه الكفاية شعرها، وبالتالي لم يتكلم عنه، ولكنه تكلم عن تلك القسوة التي تعامل معها النظام السوفيتي آنذاك، وخصوصا في زمن ستالين، واكرر- ختاما - هنا الجملة التي استشهدت بها، وهي التي عبّر فيها الشوك عن حزنه، اذ قال (أنا كيساري أحزنني جدا ما لقيه المثقفون الروس من معاملة، مثل أخماتوفا وزملائها ...).

ان الخطوط العامة لافكار علي الشوك هذه تتناسب مع السمات العامة السائدة في روسيا المعاصرة حول تلك الفترة المحددة لمسيرة الادب الروسي بعد أكثر من ربع قرن من انتهاء الاتحاد السوفيتي وايديولوجيته، ولهذا، يمكن القول، ان افكار علي الشوك حول الادب الروسي تلك كانت تنبؤية بشكل عام، وذلك شئ يثير الاعتزاز والفخر بهذا المثقف والكاتب العراقي الكبير... 

 

أ. د. ضياء نافع