المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

دفين الصحراء رائد المسرح المغربي: محمد القري هل أنصفه التاريخ؟

moamar baktawi2تقديم: ظل المسرح المغربي -ولفترة طويلة- يعيش على المسرح المشرقي، يقدمه كما هو، أو يعرضه مقتبسا، أو على الطريقة الغربية، يتصرف فيها بكل حرية قصد تقريبها من الجمهور. وهذا الأمر جعل بعض الباحثين المغاربة يؤكدون أن تطور المسرح المغربي لم يعتمد على التراث الفلكلوري، الذي يمتاز بقيمه الخاصة، ممّا جعله في مراحله الأولى محاكيا للمسرح المصري، محصورا في المسرح الأرسطي في صورته الكوميديا الفرنسية وممثلها (موليير).

ولم يكن المسرح هو الرافد الثقافي الوحيد الذي أعجب به المغاربة وتأثروا به. فالتعاون الثقافي والأدبي والتعليمي بين المشرق والمغرب منذ ما قبل زيارات الفرق المسرحية، قد عمل على تمتين الجسور الثقافية بين الضفتين، وهو ما هيأّ المناخ لاستنبات المسرح العربي في التربة المغربية. وقد تم ذلك التعاون في مجال التعليم والتكوين "من المدرسة الابتدائية إلى الجامعات، وفي المدارس الحرة والمعاهد الأصلية. وكانت الأشرطة والمنشورات المختلفة، والأغنية والفرق المسرحية الآتية من مصر تجد إقبالا كبيرا عليها بالمغرب".(1).

 وقد ساعد على ذلك بلوغ النهضة الشرقية في الثلاثينات طور النضج والإنتاج، ولاسيما في مصر التي كان تأثيرها واضحا في المجالات العلمية، والأدبية، والفنية.. عن طريق الكتب، والمجلات، والصحف التي كانت تصل إلى المغرب، وتتلقفها الأيدي بشغف كبير. وقد اعتبر الأستاذ عبد الله كنون تلك النهضة بمثابة "مدرسة تخرج فيها الجيل الأول من رجال العلم والأدب والوطنية الصحيحة، الذين بثوا أفكارهم في النشئ الجديد، ومهدوا السبيل للنهضة المغربية العتيدة، فكانوا صلة الوصل بين الماضي الغابر والحاضر الزاهر."(2).

كان من مظاهر ذلك التلاقح، ازدهار الحركة الشعرية منذ نهاية ثلاثينات القرن الماضي، واكتساب الشعراء المغاربة مفاهيم جديدة حول الأدب، والعملية الشعرية. وانتقل الشعر من حالة الجمود إلى حالة التعبير الفني المحلق في آفاق أرحب، من حيث الصور الشعرية واللغة الفنية. وقد تغيرت كثير من المفاهيم في أذهان الأدباء والشعراء، بسبب التصور الجديد للشعر وللثقافة الأدبية، نتيجة الاطلاع على الإبداع المشرقي الجديد نثرا وشعرا، ولاسيما على مدرسة الإحياء، وبعض المدارس الشعرية الجديدة، ك(الديوان) و(أبولو)، ثم اطلاعهم على المقالات الأدبية، والنقدية والمسرح الشعري. ويمكن إرجاع هذه الحركية الشعرية في الأربعينات إلى العوامل الآتية:

* بلوغ الوعي في تلك المرحلة إلى مستوى متقدم، مما ساعده على الكشف عن أبعاد جديدة. 

*  استمرار احتكاك المغرب بالمشرق على نحو أشد.

* مواصلة نشر الدراسات الأدبية والنقدية، في صور أكثر فهما لبعض القضايا الأدبية والفنية والشعرية.

* ظهور صحف ومجلات أخرى عززت الحركة الأدبية في مناحيها الجديدة، مما أدى إلى ظهور جيل جديد كان يكتب باستمرار في هذه الصحف والمجلات.

1- الحركة الوطنية  تتبنى المسرح

ومن هنا اعتبر المسرح وسيلة ناجعة في التوعية الاجتماعية والسياسية، وفي إيقاظ الحس الوطني والديني، والقومي. ويرى د. محمد الكغاط في التقارب بين ميلاد الحركة الوطنية، وميلاد المسرح المغربي.. تأكيدا "للفكرة التي تربط بين بداية تكون الفكر الديموقراطي وظهور المسرح" (3)

لقد عبّر المسرحون المغاربة منذ البدايات، عن رغبتهم في التحرر من القيود الاجتماعي والاقتصادية والسياسية التي كانت تكبلهم، فلجأوا إلى المسرح كمتنفس ومواجهة. والجدير بالملاحظة أن بعض زعماء الحركة الوطنية، ك(عبد الخالق الطريس) و(علال الفاسي) وغيرهما من الذين زاوجوا بين العمل السياسي والفكري الثقافي، قد استهواهم المسرح، ومارسوه، أو شجعوا على ممارسته كتابة وتمثيلا. وهذا ما أضفى عليه المزيد من الشرعية الوطنية والاجتماعية، وميز الكفاح السياسي الطويل الذي اقترن بالكفاح في الميدان الثقافي، الذي لم يكن يقل تأثيرا وفعالية عن الأول.

2 - محمد القري ضحية المسرح

من أهمّ الرواد الذين زاوجوا ما بين العمل السياسي والمسرحي: محمد القري الملقب ب(دفين الصحراء) الذي مات "في السجن تحت التعذيب الوحشي للفرنسيين"(4). وقد كانت موته يوم حداد وطني. وتبرهن قسوة وبشاعة ما تعرض له (القري)، على خوف الإدارة الاستعمارية من سلطة الكلمة في المسرح الذي وظف كسلاح للمقاومة والتوعية.

ويروي الرواد الذين عاصروا (محمد القري) أمثال الزغاري، وابن الشيخ، والمنيعي.. أنه كان يوقع بعض مسرحياته باسم (عبد الواحد الشاوي) -وهو اسم مستعار- تلافيا لملاحقة السلطة الاستعمارية ورقابتها. يقول عنه محمد أديب السلاوي: "كان من أبرز المؤلفين المسرحيين.. وكان في نفس الوقت أحد القادة البارزين للحركة الوطنية المغربية، وأحد مؤسسيها النافدين، إذ لعبت مسرحياته دورا حاسما في تعزيز جانب الثقافة الوطنية.."(5) ومن الطبيعي أن تتأثر مسرحيات (القري) بالخطاب السياسي الوطني والثقافي، الذي كان يشكل أحد المقومات الأساسية لفكر الحركة لوطنية المغربية. وهذا ما وسَم مسرحيات تلك المرحلة بسمة الواقعية النضالية والإصلاحية.

لقد ساهم (محمد القري) وغيره من الرواد في نشر الوعي المسرحي، وتشجيع شباب المدارس والمعاهد الأصيلة على تكوين الفرق المسرحية، ولممارسة التمثيل بصفته فنّا قائم الذات من جهة، ولخدمة القضية الوطنية من جهة ثانية.

وهذا كلّه عمل على تطوير الثقافة المغربية الوطنية إبان الحماية. وقد ساهم فيها (القري) برصيد مسرحي مهم، توزع مابين الترجمة والإبداع، ذلك بأنه "لم يكن منفصلا عن النضال الجماهيري. ومن ثمة جاءت الميزة الأساسية لانطلاقته في الثلاثينات من هذا القرن."(6) ويرجع له الفضل في تأسيس أول جمعية ثقافية مغربية بفاس. وكان من بين أهم أهدافها: مدّ الجسور بين الثقافة المحلية والثقافة العربية، والتعرف إلى الثقافة والفكر الغربيين، للاستفادة من معطياتهما للحاق بركب التقدم، التي سارت فيه الدول الغربية  القوية.

ولا شك أن الظروف السياسية والفكرية والاجتماعية، التي سبقت ظهور انطلاقة المسرح المغربي في العقدين الأولين من القرن العشرين، كان لها أثر كبير في توجه المسرح مستقبلا، نحو معالجة القضايا المصيرية للمغرب: كالاستقلال، والإصلاح الاجتماعي، ومحاربة البدع والتقاليد السلبية، والجهل والتوعية السياسية.. ولعل الحرب التي خاضتها قبائل الريف في الشمال، والقبائل الصحراوية في الجنوب ضدّ الاستعمار الإسباني، كان لها أثر قويّ في توجّه (محمد القري) المسرحي نحو دعم نضالات الشعب المغربي، والمساهمة في الحياة الثقافية بفن جديد ذي إمكانيات فعالة، في المرحلة الحرجة التي كان يمرّ بها المغرب.

وإذا ما استعرضنا عناوين المسرحيات التي قدمها (محمد القري) مثل (شهيد الصحراء) و(المنصور الذهبي) و(المثري العظيم)، سنجد أنها تؤشر على نضج  الوعي الوطني والقومي لديه. وقد عبر عنهما باستلهام التاريخ المغربي والعربي الإسلامي وعلى الوعي الاجتماعي. ونلمس ذلك أكثر في مسرحياته الاجتماعية، مثل (اليتيم المهمل) و(أدب العلم) و(الأوصياء) و(الانتقام)، التي كانت كلها تعبر عن رؤية نقدية  إصلاحية  للمجتمع.(7)

استنتاج

نستنتج مما تقدم في هذا المقال، أن المسرح في المغرب بدأ بداية توعوية نضالية. فمباشرة بعد ما تعرفه المغاربة، احتضنوه واستخدموه وسيلة أدبيةّ، وفنية ملائمة للمرحلة التاريخية والسياسية للبلاد. وهكذا التزم رواد المسرح بالقضايا التي كانت تؤرق بال الشعب المغربي، وبثوه الفكر الوطني المناضل، والمعاني  والمشاعر القومية والإسلامية، التي تصّب في إطار الكفاح من أجل الاستقلال والتوعية. وبذلك تميزّ هذا المسرح منذ عشرينات القرن الماضي بالتحامه بالحركة الوطنية.

 

معمر بختاوي 

.........................

المراجع والمصادر

1- د.عزيز الحسين: شعر الطليعة في المغرب، منشورات عويدات، بيروت، باريز، ط 1، 1987،ص 52.

2- عبد الله كنون: أحاديث عن الأدب المغربي الحديث، دار الثقافة، البيضاء، ط 3، ص40.

3-د. محمد الكغاط: بنية التأليف المسرحي بالمغرب، من البداية إلى الثمانينات، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط 1، 1986، ص44.

4- عبد الرحمن بن زيدان: المقاومة في المسرح المغربي، دار النشر المغربية، الدار البيضاء ، ط 1، 1985، ص 37.

5- محمد أديب السلاوي: المسرح المغربي، البداية والامتداد، دار وليلي للطباعة والنشر، مراكش، ط 1، ص37.

6- المسرح المغربي، البداية والامتداد، مرجع سابق، ص 38.

7- يرى محمد أديب السلاوي أن معظم نصوص محمد القري لم تصلنا. المرجع السابق، ص 41 .  

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4133 المصادف: 2017-12-29 08:56:07