المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

رحيل المفكر وعالم الإجتماع العراقي فالح عبد الجبار خسارة كبيرة!

khadom almoqdadiبألم وحزن عميقين،نعت الأوساط الأكاديمية والثقافية والمدنية العراقية المفكر وعالم الأجتماع فالح عبد الجبار، الذي توفي يوم السادس والعشرين من شباط 2018 عن عمر ناهز الثانية والسبعين،إثر أصابته بجلطة قلبية أثناء التصوير المباشر لتسجيل حلقة وثائقية جديدة عن تأريخ العراق لقناة "الحرة عراق" كانت تسجل في مكتب القناة في بيروت، وكان عبد الجبار يتحدث عن حضارة (بلاد ما بين النهرين) وعن (الجنائن المعلقة) و(مسلة حمورابي) وعن بابل، واكد، واور، عن النجف والكاظمية وكربلاء وسامراء، عن الثقافة والفن والموسيقى والشعر، وغيرها من التراث الابداعي القديم لبلاد ما بين النهرين، بروح ملؤها الفخر والإعتزاز بحضارة موطنه العراق وحبه له..نقل على أثرها الى مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت للعلاج، لكنه توفي صباح اليوم التالي..

لقد جاءت وفاته المباغته صدمة كبيرة لكل من عرفه وعاصره وتابع نشاطه ونتاجاته المتنوعة لصالح بلده العراق، وشكل رحيله خسارة كبيرة لا تعوض، لا سيما في هذا الظرف العصيب الذي يعيشه العراق وشعبه الجريح،وهما بأمس الحاجة لأمثال الإنسان والمفكر والعالم فالح عبد الجبار.

ولد الفقيد في بغداد عام 1946. وفي ريعان شبابه، في السبعينيات والثمانينيات، عمل في الصحافة اليسارية في العراق وسوريا ولبنان، قبل انتقاله إلى العمل البحثي والأكاديمي..والجدير بالذكر ان عبد الجبار ترعرع في صحيفة " طريق الشعب"- لسان حال الحزب الشيوعي العراقي، التي شكلت بالنسبة له وللكثيرين غيره المدرسة الحقيقية الأولى في العمل الصحفي بمختلف مساراته وتشعباته، ونال عن استحقاق وجدارة، في منتصف سبعينيات القرن العشرين، وسام اتحاد الصحفيين العالمي..

شخصياً عاصرته وعملنا معاً في " طريق الشعب" منذ عام 1974 وحتى عام 1978،حيث غادر العراق مجبراً تخلصاً من ملاحقة الأجهزة البعثية القمعية للمثقفين العراقيين غير المنتمين لحزب البعث. تنقل في عدد من المنافي قبل أن يستقر في العاصمة البريطانية لندن، حيث نال شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من كلية بيركبك بجامعة لندن في عام 1999. وقد عمل محاضرا في جامعة (London Metropolitan University)، وقاد منذ عام 1994 مجموعة بحث المنتدى الثقافي العراقي في كلية بيركبيك. وعمل قبل ذلك مديراً للبحث والنشر في مركز الدراسات الاجتماعية للعالم العربي، الذي يوجد مقره في نيقوسيا وبيروت (1983- 1990).

وشارك عبد الجبار باحثا ومحاضرا في عدد من الجامعات والمؤسسات البحثية، من بينها: معهد دراسات السلام في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، ومدرسة السياسة وعلم الاجتماع في كلية بيركبك، ومدرسة الدراسات الافريقية والشرقية (سواس) بجامعة لندن، وجامعة ميتروبوليتان – لندن، وجامعة اكستر في بريطانيا. وأسّس المعهد العراقي للدراسات الاستراتيجية "دراسات عراقية" الذي كان يرأسه منذ عام 2004 ومقره في بيروت،وهو امتداد لمجموعة بحثية تأسست في لندن في عام 1993 تحت اسم المنبر الثقافي، وتخصصت بدراسات العراق ودول جواره الإقليمي في الشرق الأوسط.

مفكر تنويري كبير وعالم إجتماع يارز

1573 FALIFيُعدُ الراحل بحق احد أعلام التنوير الفكري المعاصر في العالم العربي، وقامة ثقافية عراقية مميزة ،وعلماً من أعلام العراق في علم الإجتماع، يأتي بعد عالم الأجتماع الشهيرالراحل علي الوردي..

تخصص بدراسة الفكر والعلوم السياسية والاجتماعية العراقية والشرق أوسطية.وكانت ميادين اختصاصه العقائد والإسلام والتنظيم الاجتماعي والأنظمة السياسية والخطاب الثقافي.وتناولت أبحاثه: دور القانون، الدين، الصراع الديني، والمجتمع المدني.وقد ركز بحوثه كباحث في علم الإجتماع المعاصر على علم اجتماع الدين. كما اهتم بدراسة التشكيلات الاجتماعية وبنية ما قبل الدولة، كالعشيرة والطائفة، ودورها في تكوين الأمم. واهتم أيضا بدراسة الحركات الاجتماعية الإسلامية من منظور سوسيولوجي. وقد أسهم بالعديد من الدراسات حول العراق لمجموعة الأزمات الدولية من أهمها: Iraq in War (نيسان 2003) وGoverning Iraq (آب 2003) وThe Shi'ite of Iraq (أيلول 2003). كما كتب عدداً من الدراسات البحثية حول العراق والعقيدة الإسلامية عموماً والشيعية خصوصاً، والقومية العربية، وكتب أيضاً حول القبائل والدولة في العراق والشرق الأوسط. وقد ترك في هذا المجال عددا من البحوث والكتب. وكان كاتباً لـه مساهماته في العديد من الصحف العالمية، مثل "لوموند ديبلوماتيك" و"مشروع أبحاث ومعلومات الشرق الأوسط" و"فاينانشيال تايمز" و"التايمز"، وغيرها.

من أبرز مؤلفاته

للفقيد العديد من المؤلفات والبحوث والكتب المترجمة، وهو الذي كان يجيد الأنجليزية والألمانية الى جانب اللغة العربية. ومن مؤلفاته :

- "معالم العقلانية والخرافة في الفكر السياسي العربي" 1992.

- "التوتاليتارية"،1998

- "الديمقراطية المستحيلة الديمقراطية الممكنة- نموذج العراق" 1998

- حرر كتاب "آيات الله والصوفيون والأيديولوجيون"Ayatollahs, Sufis and Ideologues : State, Religion and Social Movements in Iraq,2002. (بالأنجليزية).

- وله كتاب اَخر باللغة الانجليزية: "القبائل والسلطة: القومية والإثنية في الشرق الأوسط" Tribes and Power: Nationalism and Ethnicity in the Middle East,2002

- كما حرر كتاب "الأكراد والقومية والسياسة"،2004.

- وصدر له بالعربية أيضاً كتاب: "في الأحوال والأهوال: المنابع الاجتماعية والثقافية للعنف" 2008،

- وكتاب "العمامة والأفندي: سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الشيعي- نموذج العراق"، 2009.

وتناول عبد الجبار في كتبه وبحوثه الأكاديمية موضوعات المجتمع المدني والطبقات الاجتماعية والدراسات الماركسية. فأصدر:

- الدولة والمجتمع المدني في العراق

- معالم العقلانية والخرافة في الفكر العربي

- بنية الوعي الديني والتطور الرأسمالي

- المقدمات الكلاسيكية لنظرية الاغتراب

وكرس سنوات طويلة من حياته البحثية لترجمة كتاب "رأس المال" لكارل ماركس، الذي صدرت طبعته العربية في ثلاثة مجلدات. كما أصدر كتابين عن "ما بعد الماركسية"، أحدهما بالعربية والثاني بالإنجليزية ، حمل عنوان "مابعد الماركسية والشرق الأوسط".

وكانت نتاجات الفقيد في عام 2017 كتب: "الدولة - اللوياثان الجديد" و "دولة الخلافة:التقدم إلى الماضي ’داعش’ والمجتمع المحلي في العراق"،وهذا الأخير صدر عن "المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسيات"، وأثار الكثير من الجدل عن تنظيم الدولة الاسلامية ودولة خلافته المزعومة.

واَخر كتبه:"حركة الأحتجاج والمساءلة: نهاية الأمتثال بداية المساءلة".

وقبيل رحيله، عكف على اعداد دراسة انثروبولوجية واسعة عن منظومة العشائر في العراق ومدى تأثيرها على المشهد الاجتماعي، لكن الموت لم يمهله لإكمالها.

واَخر نشاط أكاديمي له كان المشاركة في مؤتمر نظمته الجمعية اللبنانية للعلوم الإجتماعية بالتعاون مع الجامعة الأمريكية في بيروت في كانون الثاني المنصرم لمقاربة الحركات الأحتجاجية العراقية واللبنانية ودراستها.وساهم في المؤتمر رغم وضعه الصحي التعبان- يؤكد د.جاسم الحلفي،الذي شارك في المؤتمر.وكان إصراره على المشاركة في المؤتمر نابعاً من تقديره للحركة الأحتجاجية وتعويلها على دورها في التغيير المطلوب.

كتبوا عنه

كتب العشرات من الأكاديميين والكتاب والمثقفين وناشطين مدنيين عن الرحيل المفاجئ والخسارة الفادحة للمفكر التنويري الكبير وعالم الإجتماع البارز د. فالح عبد الجبار.. لضيق المجال،نشير هنا الى بضعة أسماء:

*رحيل فالح عبد الجبار وفي هذا الوقت خسارة لا تعوض، كان بفكره وبقلمه وبصوته ومركزه وبحضوره باحثا وكاتبا معاندا للتخلف والانحطاط.. د. رشيد الخيون.

* كان فالح في قمة عطائه الإنساني، وفي حركة دائبة غير قادر وغير راغب على التوقف ولو لحظة واحدة ليريح قلبه المتعب مما جرى ويجري في العراق الجريح وفي المنطقة.. كان شعلة وهاجة ينير درب الآخرين ويشتعل ذاتياً.. عمل فالح بإخلاص على وفق الحكمة المندائية القائلة: " ويل لعالم غير منفتح على غيره، وجاهل منغلق على نفسه"..مات فالح مبكراً، خسرناه مفكراً ومناضلاً وصديقاً رائعاً.. أنجز أبو خالد العزيز الكثير وبقي الكثير الذي فكر وعمل على إنجازه.. ستبقى صورته في ذاكرتنا وستبقى كتاباته تساهم في إنارة طريق النضال لغد أفضل بالعراق والمنطقة..د.كاظم حبيب.

*لم تكتف يا فالح بالأفكار فقط، بل أثريت حياتك بالنضال ضد كل القوى الفاشية والمعادية للإنسانية من العراق وحتى القتال في بيروت، ثم العودة للنضال مع الأنصار الشيوعيين في العراق.كلها وأنت الطالب المفكر إبن مدرسة لندن للإقتصاد ومترجم ماركس للعربية،بل أفضل من فهم ماركس.. د. علي بدر.

*خسر العراق أحد أعمدة الفكر والبحث الإجتماعي المميزة.. د.علي حسين حنوش

*فقدنا رمزاً من رموز ثقافتنا الوطنية والتقدمية.. د.صبحي الجميلي:

*بغيابه خسرت الثقافة العربية واحداً من الباحثين العلانيين الأحرار، وخسرت الثقافة العراقية أحد العقول العميقة الشجاعة في مجتمع ستنزف العقل فيه ظلام اللامعقول.. الأستاذ عبد الجبار الرفاعي.

*كان فالح عبد الجبار يحلم ببناء مجتمع مدني لا أثر فيه ولا وجود لتداخل الديني بالسياسي، مجتمع خال من شرور الديكتاتاورية والنزعة الشمولية بكل تمظهراتها: في السياسة، أو الدين، أو المعرفة، أو الآيديولوجيا، فهو وإن كان يساري الهوى، إلَا أنه يساري يحلم بوجود مجتمع ديمقراطي، وفق النموذج البريطاني "الإشتراكية الديموقراطية" أو "الديموقراطية الشعبية" على غرار ما أنتجه "حزب العمال البريطاني"، وربما يكون هذا التأثر ناجم من دراسته في بريطانيا وتدريسه في جامعاتها. رافضاً لكل النزعات "التوتاليتارية" التي مثلتها الأنظمة الإستبدادية.. حلم فالح عبدالجبار ببناء مجتمع مدني لا ديني يفصل الدين عن السياسة، يحترم حقوق الأقليات، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة في الحياة والحرية والتعليم. لقد كان يحلم بـ "إنتصار المواطن" على السلطة، وحماية الأقليات وسط الأغلبية "المسلمة" في المجتمع العراقي .. د. علي المرهج.

*ما ينفرد به فالح عبد الجبار ان عقله إستثنائي في طريقة تفكيره..يدهشك بتقديم رؤى تلتقط التشابهات فيما تبدو متضادات، والتناقضات فيما تبدو متشابهات..حتى في يساريته كان إستثنائياً..في ماركسيته، في إنفتاحه على المنطلقات الفكرية الناقدة للماركسية وتفكيره الجدلي..إستثنائي أيضاً..كما هو رحيله المفاجئ وخسارتنا لعقل وإنسان إستثنائي.. د. قاسم حسين صالح.

*في هذه الساعات القائمة تظل كلماتنا باردة ومعانينا متوحشة أمام نبضات شرايين فالح عبد الجبار التي ما تزال دافئة تزيد التشبث بلغز الحياة التي غادرها مبكراً ليترك ظلاله عميقاً في إسلوب تفكيرنا حيال الجدليات المتشابكة للواقع العراقي..فالح عبد الجبار كان يعمل بطاقة مؤسسية، لا بطاقة فردية،إذ ظل حريصاً طوال مشواره الفكري ان لا يتصدى إلا للقضايا المجتمعية الملتبسة ذات الجذور المتعددة المستويات، وذات المخرجات العملية المتداخلة الدلالات في اَن معاً،لذلك ملأ زمانه، وسيظل يملأ زماننا الحالي والقادم، لأنه ببساطة "جازف" بمقاربة الكليات السوسيوسياسية، ونجح في تأطيرها عقلياً في كل مرة ،حتى حين كان يوغل في الجزئيات والتفاصيل.حقق كل ذلك مرة واحدة ودفعة واحدة:التأليف الفردي، والداخلات العامة، والبحث الجماعي، وتأسيس المشاريع الأكاديمية، وإطلاق مشاريع النشر والترجمة.. د. فارس كمال نظمي.

*الباحث الكبير الدكتور فالح عبد الجبار عرفناه باحثاً جاداً، علمياً وموضوعياً..وله منجز يعد ثروة علمية أفاد منها أكثر من جيل وستنفع الأجيال القادمة.. د. علي إبراهيم.

وجاء في نعي المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي: كان الفقيد علما من اعلام الفكر والثقافة العراقيين والعربيين التقدميين المعاصرين، وواحدا من مشاعلهما المتوهجة، يضج بالحيوية والنشاط، ولا يكف عن الغور في حياة مجتمعنا وسبر اعماقها، باحثا عن مخارج لمآزقها وحلول لازماتها، وكاشفا بتواضع العالم عن الجديد دائما في هذه الميادين، وبما يقدم عونا ثمينا للساعين الى معالجة معضلاتها، والى خير الناس ورقي البلاد..

ستبقى ذكراه مضيئة في قلوبنا، ويبقى إلارث الفكري والثقافي التقدمي والعلمي الرصين الذي تركه لنا يسهم في انارة عقولنا، ويبقى عنفوانه الذهني محفزا لتفكيرنا وتطلعنا الى غد عراقي لا ريب فيه، واعد وصاعد على الدوام.

 

د. كاظم المقدادي - أكاديمي عراقي متقاعد، مقيم في السويد.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4197 المصادف: 2018-03-03 12:44:23