المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

محمد العابد وتعدد المراقد

jawad abdulkadom2تظهر من حين إلى آخر مراقد مجهولة أو مستحدثة تنسب إلى السيد محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام، وقد أحصى صاحب كتاب (المراقد المزيفة) الصادر حديثا ستة مراقد منها، في دربندخان والرفاعي والمقدادية وخانقين والديوانية والدور، وفاتته مراقد منسوبة في أماكن أخرى لم يقف عليها بعد كالذي في محافظة بابل وكربلاء ومنطقة اللطيفية جنوبي بغداد وغيرها .

لم يكن السيد محمد العابد (رض) رجلا مجهولا من عامة الناس فتضيع أخباره وموضع قبره بسهولة، فهو بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام، وقد لخصت (دائرة المعارف الحسينية 4/68) عن مصادرها الموثوقة جانبا من سيرته الغراء، فقالت (كان من أهل الفضل والصلاح، وكانت أمه أم ولد، وهو وأحمد شقيقان، وقد وصف بكونه جليل القدر ذا فضل وصلاح ومداوما على الطهارة، يقضي ليله بالصلاة والعبادة، وكان هذا دأبه كل ليلة إلى طلوع الفجر)، وأكدت أنه (قد دفن مع أخيه أحمد في شيراز)، ومن أبناء السيد محمد العابد، السيد إبراهيم المجاب الدفين في المرقد الحسيني المطهر في مدينة كربلاء المقدسة، وتنتسب له مجموعة من الأسر العلوية الشريفة في المدينة (عشائر كربلاء وأسرها ص277).

وقد نقل الشيخ المفيد (ت413هـ) أخباره بسند معتبر في كتابه (الإرشاد ص303)، وذكره الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (من أعلام القرن السادس الهجري) في كتابه (إعلام الورى بأعلام الهدى ص312)، وبهاء الدين علي بن عيسى الأربلي (ت692هـ) في كتابه (كشف الغمة)، والحسن بن يوسف الشهير بـالعلامة الحلي (ت627هـ) في كتابه (خلاصة الأقوال ص3)، والحسن بن علي الشهير بابن داود الحلي (ت740هـ) في رجاله (ص20) .

ولو تصفحنا كتب الأنساب القديمة والحديثة لوجدنا اسم السيد محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام بارزا ومضيئا فيها، فقد ذكره أبو نصر البخاري (كان حيا سنة 341هـ) في كتابه (سر السلسلة العلوية ص43)، والشريف نجم العمري (القرن الخامس الهجري) في كتابه (المجدي في أنساب الطالبيين ص90)، والفخر الرازي (ت616هـ) في كتابه (الشجرة المباركة في أنساب الطالبيين ص90)، وأحمد بن محمد بن مهنا العبدلي (القرن السابع الهجري) في كتابه (تذكرة الأنساب ص147)، وقد نص على أنه (مدفون في شيراز)، ومحمد بن تاج الدين المعروف بابن الطقطقي (ت709هـ) في كتابه (الأصيلي في أنساب الطالبيين ص183)، ومحمد بن حمزة بن زهرة نقيب حلب (كان حيا 753هـ) في كتابه (غاية الاختصار في البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار)، والسيد أحمد بن علي الحسني المعروف بابن عنبة الداودي (ت828هـ) في كتابه الشهير (عمدة الطالب في أنساب أبي طالب ص216)، والسيد محمد كاظم بن أبي الفتوح اليماني الموسوي (القرن التاسع الهجري) في كتابه (النفحة العنبرية في أنساب خير البرية ص63)، والسيد ضامن بن شدقم الحسيني المدني (كان حيا سنة 1090هـ) في كتابه (تحفة الأزهار وزلال الأنهار مج2 ق2)، والسيد جعفر الأعرجي (ت 1332هـ) في كتابه المعتبر (مناهل الضرب في أنساب العرب ص474)، والسيد حسين أبو سعيد في كتابه النسبي (الأول (المشجر الوافي في السلسلة العلوية 1/13)، والثاني (دراسات عن الأسر الموسوية العربية)، فضلا عن كتابه الحديث الموسوم بـ (تاريخ المشاهد المشرفة ص319) .

وكان حمد الله المستوفي القزويني (ت750هـ) قد ذكر مرقد السيد محمد العابد ضمن المزارات المباركة في كتابه (نزهة القلوب ص138)، وزاره في مدينة شيراز، وقال إن أول من بناه وشيّد قبة عليه هو أتابك بن سعد بن زنكي (من أعلام القرن الثامن الهجري)، وقد نقل هذا القول وأيده جمع من المؤرخين والمحققين منهم حسين جمال الدين الخوانساري (ت 1099هـ) في كتابه الرجالي الشهير (روضات الجنات 1/97)، وأبو علي محمد بن إسماعيل الحائري (ت 1215هـ) في موسوعته الرجالية (منتهى المقال) .

وممن زاره أيضا في القرن الثامن الهجري وأكد موقعه في شيراز معين الدين أبو القاسم جنيد الشيرازي كما ورد في كتابه (شد الإزار عن حط الأوزار في زوار المزار) الذي ألفه سنة 791هـ، وقال عنه : (مزار متبرك يسكن فيه السادة الأخيار والصلحاء الأبرار، يعقد له النذور، وفيه لرجال الغيب حضور وحبور، وتاريخه يلم من تاريخ أخيه، من يتتبعه ويبتغيه).

وأشار إلى مرقده المحدث نعمة الله الجزائري (ت1112هـ) في كتابه (الأنوار النعمانية ص127)، إذ قال بعد أن ترجم له ولأخيه السيد أحمد (هما مدفونان في شيراز، ويتبرك بقبريهما وتكثر زيارتهما، وقد زرناهما كثيرا)، والسيد محمد مهدي بحر العلوم (ت1212هـ) في كتابه (رجال السيد بحر العلوم) المعروف بـ( بالفوائد الرجالية) بتحقيق السيدين محمد صادق وحسين بحر العلوم، وفيه أن قبري السيد محمد العابد وأخيه في شيراز، وإنهما مزاران مشهوران يتبرك بهما الزائرون (1/424، 443) .

ومن أتى على ذكر السيد محمد العابد ومرقده العلامة السيد مهدي القزويني (ت 1300هـ) في كتابه الشهير (المزار ص192)، وقد وصفه بواحد (من زعماء الإسلام وقادته)، وقال عن عمارة مرقده في شيراز : (بنيت عليه قبة منذ القرن السابع الهجري، كما استمرت عمليات تجديد البناء وإدامته على مدى العصور، منها : التجديد الذي أمر به نادر شاه الأفشاري، ومنها : التجديد الذي أمر به النواب إدريس بن النواب الأعظم الشاه زاده فرهاد القاجاري سنة 1296هـ)، وقد نبه محقق الكتاب الدكتور جودت القزويني إلى الوهم الذي وقع فيه الشيخ يونس السامرائي وأوقع به عددا من الباحثين المتأخرين، فقال : (نسب البحاثة الشيخ يونس السامرائي، كما ورد في كتابه (الدور) قبراً في الدور إلى السيد محمد بن الإمام الكاظم (ع) وسماه بالعابد، والصواب أن مرقد الدور هذا هو لأحد المتصوفة ممن لا يمت إلى الأصول العربية بصلة، ولقبه المرادف لاسمه في كتب التاريخ والسير يدل على ذلك) .

وسبق الشيخ يونس السامرائي (153- 1410هـ) في الوقوع بهذا الوهم ياسين العمري (ت1233هـ) في كتابه (تاريخ محاسن بغداد)، كما أعقبه بهذا الوهم الدكتور صالح مهدي الهاشم حين نشر في مجلة (التراث الشعبي ع4 سنة2002م) موضوعا عن (القبة المخروطية لضريح إمام الدور) معتقدا أنها بنيت على قبر السيد محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام، وقد كتبت ردا على ما ذهب إليه في هذا الجانب فقط، وتم نشره في العدد اللاحق من المجلة (التراث الشعبي ع1 سنة 2003م)، وقد فصلت فيه القول اعتمادا على ما توفر لدي من المصادر والمراجع يومذاك، ونبهت فيه إلى أن الكاتب لم يرجع في مقالته إلى (المصادر التأريخية الموثوقة ليقول مثل هذا القول الذي تترتب عليه إشكالات عديدة، ويوقع الوهم لدى العامة) .

أما دفين مدينة الدور صاحب القبة المخروطية، فهو ليس مجهولا أيضا، فقد ورد في عدد من المصادر، ولعل ياقوت الحموى (ت626هـ) هو أقدم من ذكره في كتابه الشهير (معجم البلدان 2/482)، فقد قال عن (الدور) أنها (سبعة مواضع بأرض العراق من نواحي بغداد، أحدها دون تكريت بين سامراء وتكريت)، وأضاف : (وقد نسب إلى كل واحد منها قوم من الرواة، فأما دور سامرا، فمنها : محمد بن فروخان بن روزبة أبو الطيب الدوري، حدّث عن أبي خليفة وغيره أحاديث منكرة، روى عن الجنيد حكايات في التصوف)، وقد اعتمد هذا القول لقدمه ودقته واختصاص صاحبه من قبل المؤلفين التالين عند ذكرهم لقبر محمد الدري في مدينة الدور، ومنهم نزيل سامراء الشيخ ذبيح الله المحلاتي (1310 - 1403هـ) مؤلف موسوعة (مآثر الكبراء في تاريخ سامراء).

وكان المحقق عباس شمس الدين قد أدرج – كما أسلفنا القول - ستة من المراقد المزيفة المنسوبة للسيد محمد العابد في دربندخان والرفاعي والمقدادية وخانقين والديوانية والدور ضمن كتابه الصادر حديثا (المراقد المزيفة ص261)، وهو (معجم موجز للمراقد المزيفة والموضوعة والمنقولة والمجعولة في العراق) التي زادت قائمته الطويلة على الستمائة عنوان، وقال بخصوص مرقد الدور: (مرقد عليه قبة إيليخانية ينسب لمحمد الدري الذي ينسبه المحليون إلى موسى الكاظم عليه السلام، في بلدة الدور، وليس بعلوى أصلا) .

ورأيت في الموسوعة الحرة (الويكبيديا)، وهي موسوعة كثيرة الأخطاء ولا يركن إلى كل ما يرد فيها إلا بعد التحقق من مصادر أخرى، أقول رأيت في ترجمة السيد محمد العابد ما يدخل ضمن المضحك المبكي أو شر البلية ما يضحك، إذ جاء فيها ( ولد في الدور وأخذ العلوم من علمائها حتى أصبح من كبار علماء الدور وقصد إليه من سائر الآفاق، وتوفي في الدور ودفن بمدرسته، ولا تزال البناية التي تضم ضريحه ماثلة إلى اليوم)!! ولا يوجد في هذا النص المختلق كلمة صحيحة واحدة على الإطلاق !!

فالدور لم تكن حاضرة من الحواضر المعروفة يوم ولد السيد محمد العابد بحدود منتصف القرن الثاني للهجرة، بل أن سامراء لم تكن قد مصرت بعد من قبل المعتصم العباسي سنة 221هـ ؛ كما أن الإمام موسى الكاظم (128- 183هـ) عليه السلام (والد السيد محمد العابد) لم يصل إلى منطقة الدور أو ما جاورها طوال حياته، إذ ولد وعاش في المدينة المنورة، وأشخص منها إلى بغداد بطلب من الخليفة العباسي هارون الرشيد، ليسجن مباشرة، ويتنقل بين السجون حتى قضى مسموما في سجن ابن شاهك السندي، ودفن في مقابر قريش (الكاظمية)، ومن المؤكد أن ولادة السيد محمد العابد كانت في المدينة كما عليه المصادر القديمة والمراجع الحديثة التي ترجمت له، ولم يغادرها إلا عند خروجه مع شقيقه أحمد قاصدين طوس لملاقاة أخيهما الإمام على الرضا الذي جعله المأمون وليا للعهد قبل أن يموت بالسم أيضا .

ومن المراجع الحديثة المهمة التي ذكرت السيد محمد العابد ومرقده كتاب (تاريخ المشاهد المشرفة ص319) للمحق السيد حسين أبو سعيدة، إذ أكد على أن مرقده في شيراز، ونقل قصة السيد محمد العابد وأخيه أحمد، فقال إنهما قصدا (أخاهما الإمام علي الرضا على أثر ولايته للعهد أيام المأمون، كي يتصلا به في مرو من خراسان، وذكر أرباب التأريخ بعد وفاة الرضا عليه السلام، أنهما اختفيا وتواريا عن الأنظار حتى توفيا محمد العابد قبل سنة 220هـ في عهد المأمون)، ونبه إلى مرقد مزيف ينسب له (في منطقة أبو الجاسم بين مشروع المسيب وقضاء المسيب قريبا من ولدي مسلم بن عقيل عليهما السلام، وهذا المرقد وضعت تسميته على أصل غير صحيح، فإن ثبت كونه قبرا فهو مجهول عندنا، وإلا فلا) .

كما أن هناك مرقدا ظهر حديثا في قضاء الهندية نسبه المحليون من باب الوهم أيضاً إلى السيد محمد العابد، ولا يعتد بكلام العامة ورواياتهم في مثل هذه الأمور، ولكن الغريب العجيب أن تستلمه هيئة المزارات في كربلاء رسميا مما يدل على جهلها بصميم عملها ؛ بل والأنكى من ذلك حضور محافظ كربلاء آنذاك آمال الدين الهر حفل افتتاحه يوم 11/4/2012م !!

ومن المراجع المهمة الأخرى التي لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن السيد محمد العابد ومرقده :، كتاب (تحفة العالم 2/31) للسيد جعفر بحر العلوم (ت1337هـ)، وكتاب (شيرازنامه ص448) للسيد نصير الله الحسيني (ت1339هـ)، وكتاب (مشاهد العترة الطاهرة ص121) للمحقق الكبير السيد عبد الرزاق كمونة (ت1390هـ)، و(كتاب الدرتين في أحوال السيدين إبراهيم المجاب وابنه أحمد ص20) للشيخ علي القسّام (ت1399هـ)، وكتاب (جامع الأنساب 1/107) للسيد محمد علي الروضاتي، وقد أجمع هؤلاء المحققين الأفذاذ وغيرهم ممن لا يسع المقام لإيراد أسمائهم كلهم مع عنوانات مؤلفاتهم القيمة، وهي تؤكد على أن قبر السيد محمد العابد في مدينة شيراز، والقول بغير ذلك بعيد تماما عن الحقيقة والموضوعية .

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4202 المصادف: 2018-03-08 11:44:45