1009 aliالتفجيرات الانتحارية التي استهدفت مركز التجارة العالمية في نيويورك ومبنى البنتاغون (وزارة الدفاع الامريكية) في واشنطن 11 ايلول عام 2001 هزت العالم باكمله وتعد من اهم احداث التاريخ البشري المعاصر النادرة ، شكلت منعطفا بارزا طبع القرن العشرين بمنعطف تاريخي هام لايوازيه في الاثارة والدهشة والاهتمام الا بعض احداث الحرب العالمية الثانية

1939 – 1944 وربما لاسباب دراماتيكية فاقت تفجيرات ايلول المفاجئة بعض تلك الأحداث غير المتوقعة الحدوث في حينها .

وتحديدا في العام 2003 المنصرم اي بعد حادث التفجيرات بعامين تقريبا وقع بيدي عددا من مجلة المستقبل العربي لايحضرني رقم العدد ولا تاريخه تحديدا سبق صدوره احداث ايلول 2001 بنحو اكثر من عام ، ومجلة المستقبل العربي كما هو معلوم تصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت يرأس تحريرها الاستاذ الدكتور خيري الدين حسيب وزير الاقتصاد العراقي الاسبق في حكومة رئيس مجلس الوزراء  المرحوم عبد الرحمن البزاز في العهد العارفي.

ان استعراضا مذيلا اخر صفحات العدد من المجلة استوقفني كثيرا بقلم الاستاذ الدكتور سعد الشلماني استاذ مركز دراسات الشرق الاوسط – جامعة درم – المملكة المتحدة استعرض في العدد الذي اشرت له من المجلة لاربعة كتب من تأليف بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل الاسبق وزير المالية حاليا 2005-2003 في حكومة مجرم الحرب الارهابي شارون تحت عنوان (نتنياهو ونظرية الارهاب الاسلامي) الكتب الاربعة تم تأليفها وطبعها ونشرها في الولايات المتحدة الامريكية قبل تفجيرات ايلول 2001 ، وقبل بروز مفهوم العولمة  Golbalization كباب مفتوح وحيد امام البشرية لدخول القرن الواحد والعشرين وبروز ظاهرة الارهاب Terrorsim كمصطلح سياسي دوخ العالم واقلق سكان المعمورة بأكملها – اول كتابين  صدرا  لنتنياهو عام 1981 ، 1986، والثالث عام 1993 والرابع عام 1995 -  وهو الاكثر الغالب استعمالا وقصدا بأسم (الارهاب الاسلامي !!) قبل تسويقه للعالم ان الارهاب الاسلامي حتمية تاريخية سياسية جرى استيلادها ومن ثم توريط في مرحلة اخيرة الولايات المتحدة الامريكية في مهمة مواجهتها ومحاولة القضاء عليها واجتثاثها ويتطلب ذلك بحسب دعوة نتنياهو تظافر جهود كل دول العالم المحبة للخير والسلام مكافحة الارهاب والجريمة ومن ضمن الدول اسرائيل طبعا على اعتبارها دولة غير ارهابية!!.

ارجو القارىء الكريم التركيز بأمعان على تاريخ صدور هذه الكتب ومحتوياتها ومفاهيمها وربطها بما حصل في 11 ايلول عام 2001 تلاها اسقاط نظامي طالبان في افغانستان وصدام في العراق والتبشير المعاصر للعولمة .

العرض الذي يسرده الاستاذ الشلماني لكتب نتنياهو الاربعة يعطي حقائق مذهلة تضع علامات استفهام عديدة وكبيرة امام الكثير مما عشناه وشاهدناه ونعيشه الان ونتوقعه مستقبلا .

كتب نتنياهو هي:

1- كتاب محاربة الارهاب : كيف تستطيع الديمقراطيات هزيمة الارهابيين المحليين والدوليين!؟

Benjamin Netanyahu

Fighting Terrorism : how democracies can Defeat Domestic and international Terrorists .

"New york: Farrar،  Straus، Giroux,1995).vi  151,[1]p

2- كتاب الارهاب : كيف يمكن للغرب ان ينتصر

Benjamin Netanyahu (ed.)

Terrorism : how the west can win.

(NewYork:Farrar,Straus,Giroux,1986) . xv,254p.

3- كتاب : مكان بين الامم : اسرائيل والعالم

Benjamin Netanyahu :

A Place among the Nations: Israel & The world

New york ، Bantam Books,1993).xxvii,467p.

4- الارهاب الدولي : تحدي واستجابة ، وقائع مؤتمر القدس حول الارهاب الدولي

International Terrorism, Challenge and Response:Proceedings of the Jerusalem Conference on International Terrorism

Edited by Benjamin Netanyahu

(Jerusalem: Jonathan Institute;New Brunswick USA :Transaction Books 1981).383p.

 

علي محمد اليوسف

 

nemer saediصدر للفلسطيني نمر سعدي ديوان حمل عنوان (رماد الغواية) وفيه قصائد مكتوبة ما بين الأعوام 2015 و2016 وهي بأشكال شعرية مختلفة منها التفعيلة وقصيدة النثر والقصيدة العمودية، وقد جاء الديوان في نحو 195 صفحة من القطع المتوسط بغلاف مميز، وقد صدر عن مؤسسة الانتشار العربي ونادي الباحة الثقافي في المملكة العربية السعودية، وقصائد الديوان تسعى جميعها للإنصات لصوت الكينونة حيث نقترب من صدى عوالم الشاعر ومن رؤاه الخاصة بالعالم، وهذا النفس الشعري الشبابي يعطي للقصيدة الفلسطينية اليوم أفقا آخر ينفتح على تيمات تقترب من اليومي ومن الذات في القصيدة العربية الحديثة، ويتوزع الديوان على عدة أبواب شعرية تبدأ بقصائد (سبايا الملح) وتنتهي بمطولة (رماد الغواية).

ويصر الشاعر الفلسطيني نمر سعدي في ديوانه الجديد أن يعقد مقارنة بين عالمين، عالم الكتابة بما تشكل هي من ترياق ضد الألم والخيبة وعالم مسكون بانكسارات وصور شخوص وأمكنة وأزمنة تتوحد جميعها في ترسيخ هذا التضاد، في ذروة هذا الصراع الأبدي بين عالمين يصدح صوت الشاعر وهو يخط من خلال اللغة ورؤاه ميسما خاصا لبعض من الأمل الذي ينفتح من قيم المحبة والقدرة على الانتصار لقيم الحياة، كما يستحق أن يعيشها الإنسان.

ولسعدي عدة دواوين شعرية صادرة في فلسطين ومصر ولبنان من أهمها (موسيقى مرئية) و(تشبكُ شعرها بيمامة عطشى) و (وقت لأنسنة الذئب) و(وصايا العاشق).

ونلمس في قصائد الديوان استدعاء خفيا أو مستحيلا للمرأة / القصيدة، وكأن الشاعر أراد أن يثبت في ديوانه هذا أنها لم تكن إلا غواية يتطاير رمادها الأنثوي اللامع خلف ظلال حياته.

تجدر الإشارة إلى أن الديوان صدر بتوصية من الشاعرين السعوديين الكبيرين علي الدميني وحسن الزهراني رئيس نادي الباحة الأدبي.

ومن أجواء الديوان نختار هذه القصائد العابقة بعبير الحب، والتي تشاطرنا بدلالات المكان والكتابة، حيث تبحث عبرها ذات الشاعر المسكونة بالوجع عن معنى لوجودها من خلال استقصاء الأثر التي تخلفه الحاجة لكتابة قصائد تسترجع معاني الحياة وهذا الحضور المجازي لأسماء وأماكن في ثنايا الذاكرة.

1008 neemir

مثلما يغمسُ الطيرُ منقارَهُ

في السرابِ على عجَلٍ

سوفَ أغمسُ قلبيَ

في ناركِ الأنثويَّةِ والباردةْ

سأُردِّدُ مثلَ الحيارى:

إلى أيِّ خَصْرٍ سأُسندُ رأسي لأنسى

ولو لحظةً واحدةْ

وعلى أيِّ صَخرٍ سيغفو المحاربُ

بعدَ الرجوعِ من الحربِ كالشبَحِ الآدميِّ؟

وهل سأقولُ لإحدى النساءِ:

تركتُ فمي حينَ قبَّلتُ عينيكِ

مثلَ الفقاعةِ فوقَ الزجاجِ

لينمو كزهرةِ توتِ الحديقةِ

أو كالمحارةِ في عُهدةِ الموجِ...

هل صرتِ أجملَ؟

هل أنفُكِ الآنَ أقنى كأيقونةٍ؟

هل شفاهُكِ أعذبُ من زهرتيْ لوتسٍ في البُحيرةِ؟

يا امرأتي شالُكِ الآنَ طوعُ خيالكِ

منفاكِ فيَّ ومنفايَ فيكِ..

ومحشوَّةٌ بالبُكاءِ أصابعُنا والضرامْ

*

 

صدر مؤخرا عن دار امل الجديدة  في دمشق كتاب "مذكرات مثقف عراقي أوان الحصار"  للكاتب والشاعر العراقي جواد غلوم ويتضمن مجموعة من المقالات والمذكرات الموثقة للمعاناة التي أطاحت بالمثقف العراقي خلال عقد التسعينات من القرن الماضي وما تلاها من سنوات القهر وحال المثقف العراقي وهو يتأجج بسعير الفاقة والجوع والإذلال والحطة والخوف من الكتابة والتعبير عن رأيه هلعا من السلطة المرعبة، ويعاني مرارات الحياة بكل اشكالها وأصنافها ويخضع مرغما للتسلط من قبل نظام الحزب الواحد .

يذكر ان هذه المذكرات سبق وان نشرت في صحيفة الزمان اللندنية قبل بضع سنوات لتحكي عن حقائق ووقائع تعرّض لها الكاتب شأنه شأن بقية زملائه وأقرانه الكتّاب والشعراء من العاملين في الحقل الصحفي والادبي ممن لم يغادروا بلدهم باستثناء من حالفهم الحظّ ونفذ بجلده خارج الوطن المستعر .

يتضمن الكتاب ايضا بعضا من المقالات عن بغداد الجمال السالف والادب الوارف والتي ساهمت المواقع الالكترونية والصحف بنشرها في الاعوام القليلة الماضية ، بغداد تلك الحاضرة الكسيحة الان، لم تنس إشراقاتها الأولى يوم كانت هذه المدينة العريقة العتيدة مرتعا ومركز اشعاعٍ للفنّ والرقيّ والتسامح والمحبة وموئلا للثقافة من خلال مسارحها وتعدّد فرقها الفنية ومراكزها الثقافية المتعددة عربيا وعالميا ودور العرض السينمائي المنتشرة بكل ارجائها وحالها المشبع بالأسى في واقعنا المؤسف الحالي .

هذا وتصدرت لوحة " الصرخة " للرسام النرويجي " ادوارد مونك " غلاف الكتاب تعبيرا عما كان يقاسيه المثقفون وبقية أبناء وطنهم في تلك الفترة المغرقة بالويلات والانكسارات .

صدرت للروائي العراقي نوزت شمدين، رواية جديدة حملت عنوان (شظايا فيروز) عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت،  ضمت 284 صفحة من القطع المتوسط.

تتحدث الرواية عن شاب عربي  مسلم يدعى (مراد) من قرى غرب جبل سنجار(غرب نينوى) يقع في حب فتاة أيزيدية كردية (فيروز) من قرى شرق الجبل. وبسبب حاجزي الدين واللغة يكتفي مراد بمراقبتها في المكان الذي تبيع فيه البصل على جانب طريق قريب من قريته( أم نهود)، في حين تُبقي هي حدود التجاهل فاصلاً بينهما بسبب تعاليم الدين التي تحرم أي علاقة بين( إيزيدية ومسلم) ويستمران على هذا الحال لأكثر من سنة يقود خلالها مراد حملة في قريته والقرى المجاورة لإعادة أهلها الى ما كانوا عليه من علاقات أخوية مع الإيزيديين في القرى والمجمعات القريبة ، متحدياً بذلك تشدد أخيه غير الشقيق(وضاح) المنتمي للدولة الإسلامية. والوضع القائم في نينوى بنحو عام قبلها بسنوات حيث صراع دموي بين قوى الأمن من جيش وشرطة، وفصائل دينية مسلحة حولت الموصل والبلدات المحيطة بها الى ساحة حرب شوارع لم تهدأ قط.

 وفي مطلع شهر آب 2014، يهاجم تنظيم (داعش) قضاء سنجار بما فيها من بلدات وقرى، ويرتكب عناصره مجازر بحق الرجال الإيزيديين هناك، ويختطفون النساء كسبايا ومن بينهن (فيروز) ويقتادونهن الى مناطق نفوذهم.

عندما يكتشف مراد ذلك، لا يجد أمامه غير الخروج من الحياد الذي كان فيه ويعلن مبايعته للتنظيم لكي يستطيع البحث عن فيروز وتحريرها وإعادتها الى حياتها.

يسير النص في مسارين،  الأول تسرد فيه فيروز تفاصيل أسرها مع شقيقتيها وعمتها، وأماكن تنقلهن في البلدات قبل ان يصلن الى مدينة الموصل. والثاني يسرد فيه راو عليم رحلة مراد المحفوفة بالمخاطر، واستظهار خبايا التنظيم من النواحي الإدارية والعسكرية والتشريعية، والتغييرات الجوهرية التي أحدثها في جميع المستويات داخل مدينة الموصل التي صارت عاصمة للخلافة ، فضلاً عن وصف للدمار الذي حل بمرافقها التاريخية والعمرانية.

تظهر بين المسارين شخصية إشكالية (الحاج بومة)، قضى خمساً وستين سنة من عمره يسجل أسماء الموتى في سجلات اكتظت بها إحدى غرف منزله، يسميها(المقبرة)، عاصر الأنظمة العراقية المتعاقبة من الملكية مرورا بفترة البعث والاحتلال الأمريكي للعراق وما تلاها من سطوة التنظيمات المسلحة وصولا الى دولة الخلافة، حبه وارتباطه بالموصل منعاه من مغادرتها وكان لقبه يتغير بتغير الأنظمة الحاكمة( بومة، الرفيق بومة، الحاج بومة). شارك مراد في رحلة بحثه عن فيروز مؤمنا بالظلم والتعدي الكبيرين اللذين وقعا على الأيزيدية، وتعديا ذلك بوضع خطة لتحرير السبايا بنحو عام.   

وكان نوزت شمدين قد أصدر روايتين سابقتين (نصف قمر) عن دار الشؤون الثقافية العامة بغداد2002، وطبعة ثانية عن منشورات مومنت في لندن 2015. و(سقوط سرداب) عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت 2015، وترجمت الى الكردية والانكليزية والألمانية.

 

 

إضاءة عامة: يعد مؤلف "الأدب الرقمي"[1] للدكتور "محمد أسليم"، حلقة هامة من حلقات التأليف في هذا المجال الجديد والحيوي، سواء في الأدب العربي أو المغربي، بعد سلسلة من المؤلفات أهمها؛ "من النص إلى النص المترابط" لـ"سعيد يقطين" (2005). و"مدخل إلى الأدب التفاعلي" لـ"فاطمة البريكي" (2006). و"الأدب الرقمي: أسئلة ثقافية وتأملات مفاهيمية" لزهور كرام" (2009). وأهم ما يميز هذا الكتاب "الترجمات"، كما جاء في مقدمة الدكتورة "زهور كرام"، هو "اعتناؤه بالمفاهيم وتحديدها. فلا يمكن تأصيل ثقافة في تربة ما، أو جعلها مُنتجة في سياق معين خارج الوعي المعرفي بالمفاهيم التي تشكلها"[2]. وبذلك، فهو يحاول تقريبنا من مجموعة من المفاهيم التي تولدت عن هذا الأدب الذي أصبح يبني له جغرافيات جديدة ربما على أنقاض الأدب المكتوب. في أفق بناء وعي جديد، من خلال الجمع بين شتات قد تفرق في وضعية الأدب السابقة، "فلأول مرة يجتمع كل من النص والصورة والحركة والصوت والأشكال المتحركة في حامل واحد. وهذه التركيبة الجديدة والمُختلفة للنص الأدبي تحقق وجودا مختلفا لمنتجه وقارئه"[3].

 ووفق هذا السياق، يمكن القول إن مسألة الوقوف عند أهم المفاهيم المتربطة بالأدب الرقمي، لم تكن خارج سياق التاريخ وسياق الوعي المعرفي، فالتغيير الذي يُمَارس بفعل منطق التاريخ، لابد أن يسايره بناء وعي جديد يفتح له مجال الذيوع والاستئناس به، بل أرضية الألفة والمؤالفة،  رغم ما يُجابه به من رفض، باعتباره نشازا ضمن بنية تقليدية دأب عليها الإنسان، وكأن التغيير ضمن بنية الذهن العربية تشكل حاجزا هلاميا نحو تطور مستقبلي، هذا إذا لم تكن هناك مآرب أخرى، لهذه العصا التي تسلط على فعل التغيير ورواده المدافعين عنه. ونحن هنا لسنا، خارج مفهوم "الحداثة"، التي نجدها ترتبط بعنصرين اثنين هما؛ أولا الإنسان، فهو جوهر الحداثة المرتبطة بالعقل، واعتماد الحرية والمعرفة والعلمية والعقلانية في فهم العلل والنتائج، في سياق التعامل مع التاريخ وتطورات وقائعه، ومن ثمة "اعتماد المعرفة مجهودا إنسانيا يتطور باستمرار، ويتغير نحو الأفضل"[4]. وثانيا؛ ترتبط بالسياق التاريخي، فهي وظيفة بالأحرى لتاريخ الخطاب الذي يبرز وَفق عوامل إنتاج في فترة معينة، هي فترة ذات معنى حداثي بالذات[5].

إن هذا المؤلف الذي اختار له الدكتور" محمد أسليم" هذا المنحى، لم يكن اعتباطا، بل بغية الربط عموديا بين منطق التاريخ وبناء الوعي، وأفقيا رهانات التحول التي  أصبح يعرفها الأدب من بنيته التقليدية نحو أدب رقمي، يؤسس لمفاهيمه الجديدة، ومن ثمة لمصطلحاته وآلياته القرائية والنقدية.

1-  الأدب: نحو برامج تفاعلية

إن أولى المفاهيم الكبرى التي يقف عندها هذا المؤلف هو "الأدب الرقمي"، الذي جسد قطيعة تاريخية مع عصر "المطبعة"، كما جاء في المقال الأول منه، بعنوان "وداعا جتنبرغ"، ومعه "يختم العصر الذي افتتحه اختراع جتنبرغ، وهو المطبعة التي أحدثت ثورة في علاقتنا بالمكتوب وبالنصوص، وجددت وصولنا إلى المعرفة وغيرت نظرتنا إلى العالم"[6].حيث التحول من الكتاب الورقي نحو الكتاب الرقمي، أسفر عن تحولات أهمها "تشتيت النص، وتفكيك الحوامل التقليدية، ثم التداخل مع وسائط أخرى"[7]. وبذلك، تم التدقيق في مجموعة من المصطلحات منها "الأدب الرقمي" الذي يعد "كل شكل سردي أو شعري يستعمل الجهاز المعلوماتي وسيطا ويوظف واحدة أو أكثر من خصائص هذا الوسيط"[8]، علما أن مفهوم "الوسيط" هو أداة التواصل المستخدمة، الذي تشتغل فيه الميديات بشكل متناغم، مما ينتج وسائط متعددة، عبارة عن ميديات يفهمها الإنسان "مثل الصوت والصورة والنص، وعليه فالوسائط المتعددة ذات طبيعة سمعية بصرية"[9]. ويتحكم في هذا النظام، "الخوارزم" الذي هو "مجموعة من القواعد المنطقية التي يتم ترميزها برمجية لأنتاج نتيجة"[10]. و"التشفير الرقمي" القائم على ثنائية (01). و"التفاعلية" التي تجسد العلاقة "التي تقوم بين القارئ والبرنامج. إنها قدرة تُمنح للقارئ وإكراه يُلزِمُ البرنامج: يمنح العملُ القارئَ قدرة التأثير في تركيب العلامات المقترحة للقراءة ويفرضُ العملُ نفسُه على البرنامج أن يتجاوب مع بعض المعلومات التي يقدمها القارئ"[11]. و"الوسيط المركب" الذي يعد مقر "تنفيذ البرنامج أو نقل المعلومات بين أجهزة أو بين برامج"[12]. ويمر هذا عبر "جهاز العمل"  الذي يجمع بين كل مكونات الأدب الرقمي أي العلاقة بين "الأجهزة والبرامج التي تتدخل في التواصل الذي يحدثه هذا العمل بين الكاتب والقارئ والفاعلين المشاركين فيه"، وحيثما كان العمل جاهزا، فيدخل ضمن مفهوم "العابر المرئي" الذي يعد حدثا "متعدد الوسائط الناتج عن تنفيذ البرنامج والمتاح للقراءة"[13].

والتدقيق في مثل هذه المصطلحات، لم يكن  بترف معرفي، بقدر ما جاء بهدف التمييز بين الأدب الرقمي والأدب الإلكتروني  (أو المعلوماتي) الذي ارتبط بالأدب المكتوب الذي يسهل إعادة طبعه في كتاب ورقي. وإن تعددت مفاهيمه، مثل؛ "النص التشعبي" أو "الأدب الرقمي" أو الأدب الشبكي" أو الأدب التفاعلي" (...) أو غيرها، فهو يروم إحداث قطيعة تاريخية مع كل ما هو خارج الشبكية وإن استعمل الوسيط المعلوماتي؛ مثل "الكتب الورقية المرقمنة، وهي مؤلفات لاتدخل ضمن فئة الأعمال الأدبية الرقمية"[14].

وقد مر "الأدب الرقمي" تاريخيا بثلاث مراحل: فالمرحلة الأولى؛ كانت ما بين (1959) و(1980)، وفيها كانت المقاربة شبه تجريبية. والمرحلة الثانية؛ بدأت "مع المولدات الأوتوماتيكية الأولى التي برمجها جان بييير بالب في عام 1980، وانتهت بتأسيس مجموعة L.A.I.R.E سنة 1988"[15]. أما المرحلة الثالثة، فقد تميزت بهيمنة أعمال جماعة ALAMO بفرنسا، خاصة اقتراحات "جان بيير بالب" وأعماله. كما واكب هذا التطور ظهور مجموعة من المجلات مثل مجلة "LAIRE" في يناير 1989. وتابعت أعمالها فيما بعد، مجلة KAOS.

وتبعا لهذا، تحولت أقانيم العلاقات التي كان يقيمها الأدب التقليدي، مقارنة بالأدب الرقمي، سواء على مستوى المؤلف أو القارئ أو النص. و"بهذا المعنى، يصبح الأدب التفاعلي شيئا آخر وتصير الكتابة، باعتبارها فعله المؤسِّسُ، عملا أو حركة متبادلة حيث العلاقات بين المؤلف والنص والقارئ بداخلها آخذة في التغيير"[16]. فموت المؤلف[17] التي نادى بها "رولان بارت"، قد تحققت  بصيغة شبه نهائية، حيث حررت كل من النص والقارئ من سلطته التي كانت متمركزة حوله خلال عهد الكتابة. فمبجرد أن ينبي المؤلِّف خطابه على شكل نص تشعبي، يحضر القارئ، باعتباره المسؤول عن قراءة مثل هذه النصوص، ويستحيل على المؤلِّف "أن يتوقع سائر السياقات التي سيتم فيها قراءة مقاطع نصه"[18]، وذلك من خلال التحول عن الحامل  الورقي  نحو الحامل الإلكتروني، أي تحول من مفهوم "القراءة" التي كانت تتم في ظروف تقليدية أساسا، نحو مفهوم آخر نتيجة التفاعلية التي أتاحها " الكتاب الإلكتروني"، حيث أصبحت "أفعال القراءة والكتابة وإعادة الكتابة التي كانت يُنظر إليها إلى وقت حديث بأنها أنشطة منفصلة تميلُ الآن إلى الانصهار في فعل واحد أو عملية مثالية واحدة هي "الكتاءة" (écrilecture)"[19].

لقد أتاح "الحامل الإلكتروني" نوعا من الثراء والتنوع على مستوى النشاط القرائي، في صورة تكتمل علاقة النص بالقارئ والمؤلف، ويعود هذا بالتحديد إلى تميز النص الرقمي، من خلال إعادة إنتاجه على آلة الحاسوب، بمجموعة من الخصائص؛ فالخصيصة الأولى تتمثل في "صيغة العرض" حيث "تستطيع شاشة الحاسوب أن تحتضن تخطيطات مختلفة للصفحة وخيارات حروف قابلة للتعديل"[20]. والخصيصة الثانية، هي قابلية مثل هذه النصوص للبرمجة الحاسوبية، فلم تعد تعرض فقط، بل تولَّدُ بالآلة، وبهذا "صار المؤلف هو –مهندس النص- حيث لم يعد يكتب كتبا وإنما يصمم خوارزميات، بل ويصمم أحيانا برامج ليفسرها الحاسوب لاحقا"[21]. أما الخصيصة الثالثة فهي التفاعل، الذي يظهر من خلال قدرة القارئ على التدخل في النص، والتأثير على مجرياته عبر مجموعة من الخيارات.

لقد أفضت مجمل هذه الخصيصات إلى ظهور أنواع عدة من النصوص الرقمية التي تشكل ما ينعت الآن بـ"الأدب الرقمي"؛ وإن اختلفت بين النقاد والمهتمين بهذا المجال، فيمكن حصرها في نوعين كبيرين، وفق ما جاء به الدكتور "محمد أسليم" من خلال هذه المترجمات، وهي "النص التشعبي" الذي يمكن أن تتولد عنه مجموعة من النصوص، تبعا للمقاربة النوعية  المعروفة من النص القصصي أو الروائي أو الحكائي أو غيرها، و"الشعر الرقمي" الذي أصبح ينعت ب"الشعر المتحرك"، وتتفرع عنه أيضا أنواع عدة.

1- النص التشعبي:  نحو "رؤية كلية"

إن ثاني المفاهيم الكبرى التي وقف عندها مؤلف "الأدب الرقمي"؛ "النص التشعبي"، الذي افترعه "عالم الرياضيات فانيفار بوش، الأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ووصف مبدأ هذا النص في مقال نشره في عام 1945، معيدا فكرة أن الدماغ البشري يعمل عن طريق التخاطر"[22]. ومن بعده "تيد نلسون" الذي لم يفلح في محاولته، إلا مع ظهور "نظام "الهايبركارد" الذي صممه"بيل اتكنسون" لأجهزة كمبيوتر شركة أبل، وهي أول الحواسيب التي توفرت على الماوس الشهيرة"[23]. ويعرف "جورج لاندو" النص التشعبي أنه "تكنولوجيا للمعلومات تتكون من كتل من النصوص –أو الكلمات- والوصلات الإلكترونية التي تربط فيما بينها"[24]. بينما يعرفه بشكل أكثر وضوحا" إيلانا سنايدر" بكونه "شبكة من الروابط بين كلمات وأفكار ومصادر ليس لها نواة مركزية ولا نهاية"[25].

ولاغرو أن النمط الذي ارتبط بهذا المفهوم، هو "النص التشعبي التخييلي"، الذي لم يكن جديدا على مجال الأدب في عهد الحامل الورقي، فمفهومه عموما، يلتقي في بعض نواحيه مع تيار الفكر البنيوي، الذي يعتبر النص قائما على فكرة الترابط والتبادل، حيث يرى البنيويون أن الفكر عبارة عن "نسق من التبادلات، بمعنى أنه شبكة، ليس فيها نواة مركزية، ولكن فيها العديد من المجموعات المتفاعلة فيما بينها"[26]، توافقا مع العرض الذي جاء به "رولان بارت" في مؤلفه "s/z". وفي هذا الصدد، فالقراءة عنده تعني تشبيك "النص، مثل قائمة زلزال، يباعد بين كل الدلالات بحيث لا تدرك منها القراءة إلا سطحها الذي يلمحه تدريجيا تدفق الجمل، وخطاب السرد المنساب، ومجرى اللغة الطبيعي الكبير. (...)"[27]. مع العلم أن القليل من الأعمال التي يمكن أن تنفلت من "منطق الحكي"، وفق منطق الزمن الذي يحتكم إلى نظام يستدعي تقدما تسلسليا. فالبعودة إلى "أرسطو" لابد أن تكون للحكاية "بداية ووسط ونهاية"، مما يعني أنها قائمة على نظام، ولا تحتكم إلى العشوائية. في حين نجد أن النص التشعبي، "يزعم قطع الصلة بهذا التقليد الراسخ، ومن وجهة النظر هذه يحسن التمييز بين الحكايات الشجرية متعددة الفروع وتلك التي (...) ترسم مسارات خطية وتسرد قصة واحدة أو أكثر سردا تقليديا"[28].

وبذلك، تم التمييز بين كل من "النص التشعبي" و"القصص الشجرية "والتوليف الخالص"، والرابط بينهم هو عامل النظام على مستوى الوحدات السردية الشذرية، "وبذلك يكون النص التشعبي عبارة عن مجموعة من المقاطع النصية شبه المنظمة، (في أفق تحقق) حلم قديم جدا، هو حلم إشراك القارئ في كتابة العمل الأدبي"[29]،  الذي يسمح له أثناء عملية التفاعل، اعتمادا على ما أسماه "كلود بيرسزتيجن" "Claude Bursztjen"[30] ب "التزلج على الأمواج"  "surfing"، عوض "الإبحار" أو "التصفح". وهذا ما جعل "ستيورت ملثروب" في "شهوة النصر" يقول "ربما نعيش غارقين في الوسائط التشعبية وما بعد الحداثة، في عالم يشبه على نحو مريب حديقة الممرات المتشعبة"[31].

 لقد أسفرت مثل هذه النصوص عن تحولات ليس في آليات النص بأكمله فحسب، بل في العلاقة التقليدية بين أطراف عملية الاتصال الأدبي.رغم ما أتاحته الكتابة من تجاوز لأشكال المعرفة التقليدية، على اعتبار أن "الأبجدية هي أول نظام تواصل عالمي"[32]. كل هذا خلق وعيا جديدا، في فضاء سبرنتيكي؛ أصبح يتميز بنمط العلاقات المفتوحة،  وبالسرعة في التطور والتحول، في أفق بناء ذكاء جماعي، أساسه" الرؤية الكلية"، من خلال "اتخاذ عدد لانهائي من وجهات النظر المتنوعة"[33]. ناهيك عن التأثيرات المتمثلة في "الديموقراطية السيبرانية" واقتصاد السوق "بقيادة أخلاقية للاقتصاد من لدن الاقتصاديات الشعبية على الخط ومن لدن الاستهلاك في الأسواق الافتراضية الشفافة"[34].

2 - الشعر الرقمي: الدينامية والتوليد

  وثالث المفاهيم التي تم الوقوف عندها، تتمثل في "الشعر الرقمي" الذي ظهر باللغة الألمانية والإنجليزية عام 1959، أما باللغة الفرنسية فلم يظهر حتى عام 1964، بفعل مجهودات مجموعة من الباحثين والجمعيات، خاص جمعية "الأدب المدعوم بالحاسوب" أو "ALAMO، ثم بعد ذلك واصلت العديد من المجلات الإلكترونية الجديدة العمل على هذا النمط الشعري الجديد مثل مجلة "alire" و مجلة KAOS".

ولم يتشكل الوعي بهذا النمط الشعري، بشكل سريع، بل عبر ثلاثة مراحل، على وجه التقريب. فالجيل الأول، اهتم فقط ب"تحديد العمليات الرئيسة للإبداع ووصفها بمصطلحات حاسوبية من أجل امتلاك القدرة على إعادة بنائها ومحاكاتها (...) مع ما يسميه فرانسوا هذا بتحليل الإجراءات الأدبية و "الأنيبولية""[35]. والمرحلة الثانية؛ بدأت عام 1961، التي تم الاهتمام فيها بعمليات جديدة للإبداع، وهو ما أطلق عليه ب "التركيب"، أي "آلات معالجة المعلومات" بهدف "اكتشاف إمكانات الأدب الكامنة والاحتمالية"[36]. أما المرحلة الثالثة؛ فقد بدأت عام 1995، مع ظهور شبكة الأنترنيت، وظهور "الشعراء الشبكيين" و "الشعر الشبكي". وقد رافق هذا الاكتشاف العديد من الدراسات التي أنجزت في نطاق علمي أكاديمي، مثل "تكنولوجيا الإعلام الجديدة والإبداع الأدبي" لكل من "أورلاندو كارينيو" و"رودريغيز- ماريبونا" بإسبانيا. و"تحولات الواقع. المعلوماتية والإبداع الأدبي" ل"بيدرو باربوصا" بالبرتغال. و"عن دوكس Doc(k)s: طريقة الاستعمال. تاريخ الأشعار التجريبية المعاصر وأشكالها ومعانيها" ل"فيليب كاستيلان" بفرنسا. وقد مهدت هذه الأبحات لظهور مجموعة من الكتب في هذا الموضوع[37].

ويتميز الشعر الرقمي بمجموعة من الخصيصات، أهمها الدينامية والتوليد، فكونه يتميز بالدينامية "الشعر المتحرك"، لأنه "يسعى إلى إبراز الوجه المحسوس للعلامات اللغوية في الإبداع الشعري"[38] مما جعله يعرض للمشاهدة أكثر من القراءة "أما اليوم فقد تغير الوضع وأصبح الشعر الرقمي يعرف كيف يستغل كل إمكانات العرض والتحريك باستعمال الحاسوب (...)"[39]. أما خصيصة التوليد، "الشعر التوليدي" فتتجلى "في نوع من القصائد التي لا توجد مسبقا ولكن يتم تصنيعها (أو توليدها...) ببرنامج "مولِّد" أو "مركِّب" للنص (...) يصمم خصيصا لهذا الغرض"[40]. وتبعا لهذا، عرف تحولا على مستوى المفهوم، خلاف ما جاء في الأدب المكتوب، فهو شعر يجمع بين الصوت والصورة و الحركة واللغة، بلا حدود فاصلة بينها، بل أصبحت القصيدة الشعرية بلا نهاية، لأنه  "لا يعرف حدودا جغرافية ولا لغوية أو تكنولوجية"[41]، لذلك تولدت عنه أنواع عديدة، وأشكال شعرية غير معهودة "مثل الشعر الشبكي، والفن الشبكي، والشعر الإلكتروني، وشعر الويب، والويب آرت، وفن البريد الإلكتروني، وشعر البريد الإلكتروني، وآلاف التنويعات من الشعر الديجتالي، والرقمي، والتكنولوجي، والإلكتروني، والمتعدد الوسائط، والمشعب الوسائط، والتشعبي، والتفاعلي، والتركيبي، والتوليدي، والمتحرك، وما إلى ذلك"[42].

تنوير خاص:

لقد أسهم ظهور الأدب الرقمي في إحداث تحولات متحاوزة ما دأب عليه " الأدب المكتوب"، ومع مرور الوقت ستضاف تحولات أخرى، وفق منطق حركية التاريخ وتحولات بناء الوعي، خاصة أن الأبحاث  العلمية الآن تسعى إلى الجمع بين ما هو رقمي وما هو بيولوجي :" البيورقمي". لكن السؤال الذي يطرح نفسه ضمن هذا السياق؛ هل سيبقى الأدب كما كان، أم سيتم تجاوزه إلى مسألة التقنية ويصبح الأدب مفهوما شكليا وليس تخييلا بالمفهوم التقليدي في نظرية الأدب، وإذا كان كذلك ، ما مصير الكتابة والكتاب؟. هل الكل ينبغي الانخراك في هذا التحول، وبأية معايير نقدية؟. هل القارئ بدوره قادرا على تطوير النص التشعبي التخييلي بشتى أنواعه أم أن الأمر سيكون حكرا على "مهندسي التكنولوجيا" فحسب. وبالمقابل هل المجتمع المغربي يعي  الفوارق المطروحة على المستوى الثقافي والتعليمي؟ أم أن الأمر لا زال رهين المبادرات الفردية وبعض الجمعيات والمواقع الإلكترونية التي تدفع بالجيل الجديد للانخراط في هذا التحول الرقمي؟. ما موقع المدرسة المغربية من هذا، هل تعي الهوة بين مجتمع ينفتح على عالم رقمي ومدرسة لازالت تركن إلى الوسائل التقليدية في العملية التعليمة- التعليمة؟. وملاك القول؛ فمنذ القرن الواحد والعشرين، نحن مقدمون على تحولات بنيوية على جميع المستويات عموما، وعلى المستوى الثقافي والأدبي على جه خاص، ولا سبيل لنا إلا الانخراط الجاد في هذه الثورة مجتمعيا وإنسانيا.

 

رشيد طلبي

............................

هوامش

[1]-  محمد أسليم؛ الأدب الرقمي. تقديم: الدكتورة "زهور كرام". الدار المغربية العربية للنشر والطباعة والتوزيع. ط1. 2016. وهو عبارة عن ترجمات لعدة مقالات، حول "الأدب الرقمي"، لكل من "فليب بوتز" وكلود بيرسزتيجن" وألان فويلمان" وجان كليمون" و"بيير ليفي" و"صوفي ماركوص".

[2]- نفسه. المقدمة. ص6.

[3]- نفسه. المقدمة. ص8.

[4]- حسن العودات؛ النهضة والحداثة بين الارتباك والإخفاق. دار الساقي. بيروت- لندن. ط1. 2011. ص107.

[5]- Henri Meschonnic;Modernité Modernité. Collection folio/essai. ED Gallimard.1988.p35.

[6]- محمد أسليم؛ سابق. ص9.

[7]- نفسه. ص16.

[8]- نفسه. ص29.

[9]- نفسه. ص30.

[10]- نفسه.  

[11]- نفسه. ص33.

[12]- نفسه.ص36.

[13]- نفسه. ص37.

[14]- نفسه. ص40.

[15]- نفسه. ص45.

[16]- نفسه. ص68.

[17]- رولان بارت؛"موت المؤلف" سنة 1967.

[18]- محمد أسليم؛ سابق. ص90.

[19]- نفسه. ص72.

[20]- نفسه. ص93.

[21]- نفسه.  

[22]- نفسه. ص148.

[23]- نفسه. ص149.

[24]- نفسه. ص177.

[25]- نفسه.  

[26]- نفسه. ص183.

[27]- نفسه. اُنظر الهامش. ص183-184.

[28]- نفسه. ص161.

[29]- نفسه. ص163-164.

[30]- نفسه. أنظر مقال (المترجم): "التفكير التشعبي". ص151.

[31]- نفسه. ص173.

[32]- نفسه. ص121.

[33]- نفسه. ص126.

[34]- نفسه. ص129.

[35]- نفسه. ص207.

[36]- نفسه. ص208.

[37]- نفسه. اُنظر ص209-210.

[38]- نفسه. ص99

[39]- نفسه.

[40]- نفسه. 219.

[41]- نفسه. ص225.

[42]- نفسه. ص254.

 

 

صدرت يوم الاثنين المصادف 20.03.2017 مجموعة شعرية جديدة حملت عنوان " أحلـــمُ أن أعـــودَ " وباللغة العربية وهي المجموعة الشعرية التاسعة للشاعر العراقي المغترب صباح سعيد الزبيدي تُضاف إلى مجموعاته الشعرية السابقة والتي اصدرها وبالطبعتين العربية والصربية .

عن الشاعر وقصائده هذه كما جاء في تقديم الشاعر والناقد العراقي د. وليد جاسم الزبيدي:

" مع إطلالةِ عامٍ جديد (عام 2017) يهلّ علينا هلال (أحلمُ أن أعود) الذي أبدعهُ شاعرنا العراقي (صباح سعيد الزبيدي) وهو يرسمُ لوحاتٍ بألوانٍ تأخذُ بصرنا وبصيرتنا نحو عوالمَ عاشها ويعيشها ويحلمُ بها الشاعر".

واضاف : " بعد أربعين عاماً من سفرٍ طالَ، أحسّ السندباد بالتعب، التعب الممتزج بالخوف من الموت، أنهُ كأسٌ يشربهُ نخبَ العمر. وهكذا جاءت نصوصه الشعرية وهي تحمل هذا الحنين لداره الأولى والى أصدقاء الصّبا، الى كلّ شارعٍ ومحلّة ومقهى ونهر. ".

هذا وتضمّ المجموعة التي جاءت في 140 صفحة 34 نصّاً شعرياً .

تجدر الاشارة ان الديوان طبع في بلغراد – صربيا - مطبعة غورابرس.

الغلاف من تصميم المؤلف - لوحة الغلاف الاول بريشة الفنان الدكتور صبيح كلش

رقم الايداع في المكتبة الوطنية الصربية ببلغراد :

COBISS.SR-ID 228726540 

الترقيم الدولي :

 ISBN 978-86-89695-13-7 

ومن منشورات مركز ميزوبوتاميا الثقافي في بلغراد.

 

بلغراد / خاص

 

 

عقب انتظار دامَ عقوداً من المتخصصين بالدراسات المغولية لرؤية هذه المخطوطة الفريدة مطبوعةً، أصدرت مؤسسة نشر التراث المخطوط هذا الشهر (آذار ٢٠١٨) في طهران مصوَّرة (بالفاكسميلي) الترجمة العربية لكتاب جامع التواريخ للمؤرخ المغولي رشيد الدين الهمذاني (توفي سنة ٧١٨هـ/ ١٣١٨م)، استناداً إلى مخطوطته النادرة المحفوظة في مكتبة أيا صوفيا بتركيا تحت الرقم ٣٠٣٤ والمكتوبة سنة ٧٨٥ هجرية/ ١٣٨٣ ميلادية؛ وقد كتب لها الباحث العراقي في التاريخ المغولي يوسف الهادي مقدمةً عرَّف بها بالمخطوطة وخصائصها وأسلوب مترجمها إلى العربية فضلاً عن ترجمة موجزة لحياة الوزير والمؤرخ رشيد الدين الهمذاني الحافلة بالوقائع الخطيرة؛ وقد تُرجِمَ ملخصٌ لهذه المقدمة إلى الفارسية والإنجليزية وأُلحقَ بالكتاب. وتقع هذه الطبعة في حوالي ٩٠٠ صفحة.

صدر عن دائرة الثقافة بالشارقة، ضمن سلسلة نصوص مسرحية، كتاب "أصابع الياسمين" ومسرحيات أخرى، للكاتب العراقي أحمد الماجد، والذي تضمن أربع نصوص مسرحية "الجلاد"، "أصابع الياسمين"، "بُقع"، و"صاحبك"، والتي عرضت جميعها في السنوات الأربعة الماضية في عدد من المهرجانات المسرحية في دولة الإمارات العربية المتحدة.

تتوحد النصوص المسرحية الأربعة (الجلاد، أصابع الياسمين، بقع، صاحبك)، في تركيزها على معالجة قضايا إنسانية شائكة تحدث في أي مجتمع، ولا تختص بمكان بعينه أو منطقة دون أخرى، فهي حدثت وما تزال تحدث، خصوصا في المجتمعات التي تعاني من أزمات مزمنة بفعل الإضطرابات التي أحاطت البيئة المعيشة، والتي أثرت سلباً على النفس البشرية وجعلت من الإنسان محدود القدرات في مواجهة التحديات، لتجعل من الشخوص ممزقة، تميل إلى العزلة بعيدا عن فوضى الحياة، تلك الحياة التي مسختها التقلبات والصراعات والخوف من المجهول المتربص بالحاضر والمستقبل، متمسكة بخيوط الأمل الذي قد ينتشل الإنسانية من براثن القسوة وغياهب الظلان وأفكار العتمة.

 تروي المسرحية حكاية فتاة وشاب متزوجان، طريقهما يصل إلى دروب مغلقة مظلمة، في ظلّ ماضٍ قاسِ وشائك لوالد الزوج، بسبب وظيفته المربكة والمتسلطة التي ألقت بظلالها على حياة ابنه "إبن الجلاد" بشكل خاص وعلى الزوجين في وصف أشمل.. في صراع إنساني من أجل البقاء عبر الأخذ بمفاتيح المبادرة، وعبر أخلاقيات متجذرة في النفوس وسمات اجتماعية لا طائل منها، غذّتها البيئة المتشظية بالويلات والتي أدّت في آخر المطاف إلى نهاية كان بالإمكان تجاوزها بقليل من التسامح وكثير من الحبّ.

وتدور فكرة "أصابع الياسمين" حول التشوه الذي أصاب الروح الإنسانية بفعل الحروب والكوارث، فمزقت الذات وخلخلت الوجدان وأقصت الإنسان من خلال قصة اجتماعية تتكرر لزوجين عبثت بهما أصابع أعداء الجمال وحولت حياتهم إلى خراب ليتأرجحوا بين ماضٍ أليم وحاضر بلا ملامح ومستقبل يطمح أن يقف إلى صف الحب.

وتتمحور حكاية مسرحية "بقع" حول شخصيات لكل منهم ماضٍ يؤرقه، غير قادرين على التصالح مع الواقع الذي يصعب الفكاك منه باعتباره قدراً محتوماً، حيث تجري كل محاولات تجاوزه في إطار الكلمات لا الفعل، بإشارات واقعية في سياقات تمزج الأوهام بالأحلام والواقع بالخيال حيث تبتلع الجميع مروحة الزمن حينما يتسلط على أرواحهم ضوء الحقيقة. أما مسرحية "صاحبك" فتذهب إلى قضية الفوضى وما تجرّه من ويلات على الإنسان، وما ترتكبه من حماقات وجرائم باسم الحرية.

يشار إلى أن هذا الإصدار، هو الحادي عشر للكاتب، بعد الكتب: "انتبه قد يحدث لك هذا"، "نوبة حراسة"، "محاكمة الفيلة"، "بناية ونهاية"، "ستارة وناسخ ومنسوخ"، "أسئلة الرمل.. بنية التحليل والدراما والوعي في نصوص إسماعيل عبدالله"، و"نص الخشبة"، و"فتنة المسرح جمر الإبداع"، بالإضافة إلى كتابين تأليف مشترك مع مجموعة من الكتّاب العرب.

 

تمّ بحمد الله استلام كتابي الجديد (كريم عبدالله والسايكودراما) هذا اليوم من دار بغداد للتوزيع والنشر، وهو عبارة عن فصلين،:

الفصل الاول يحتوي مذكرات خمسة عشر عاما من العمل مع المرضى العقليين الراقدين في المستشفى وبالخصوص السايكودراما،

اما الفصل الثاني فيحتوي على اربع مسرحيات سايكودراما قام باداء الادوار فيها مجموعة رائعة من المرضى والمريضات الراقدين في المستشفى .

الكتاب من القطع الكبير وهو عبارة عن (200) صفحة .. شكرا للاخ الدكتور رعد احمد الزبيدي صاحب دار بغداد للتوزيع والنشر على هذه الجهود الاستثنائية في اخراج هذا الكتاب بالشكل الجميل والوقت المحدد ..

صدر حديثا في سورية عن دار أمل الجديدة للطباعة والنشر، كتاب الكاتب والمترجم أحمد فاضل "لا محاضرة" وقد تضمن قراءات نقدية لسبعة وعشرين شاعرة وشاعر وروائي عراقي وعربي، تناول الكاتب من خلال قراءاته لمنجزهم الشعري والروائي أبرز المحطات الواردة فيها، حيث توقف طويلا أمام ما أبدعته قرائحهم من خيال خصب وصور أطرها واقعهم المعاش ليكون المنطلق الحقيقي لكتاباتهم، وهم على التوالي :

1 – الكاتبة والمترجمة العراقية المغتربة أ. د إنعام الهاشمي.

2 – الروائية والمترجمة العراقية المغتربة لطفية الدليمي.

3 – الشاعرة والروائية العراقية المغتربة وفاء عبد الرزاق.

4 – الشاعرة العراقية المغتربة د. هناء القاضي.

5 – الشاعرة العراقية المغتربة د. ريم قيس كبة.

6 – الشاعرة العراقية المغتربة فليحة حسن.

7 – الشاعرة العراقية المغتربة رائدة جرجيس

8 - الشاعرة العراقية د. ليلى الخفاجي.

9- الشاعرة العراقية د. سجال الركابي.

10- الشاعرة العراقية فاطمة الزبيدي.

11– الشاعرة العراقية ميادة المبارك.

12 – الشاعرة العراقية فراقد السعد " وفاء ".

13 – الشاعرة العراقية إسراء الأسدي.

14 – الشاعرة العراقية نجاة معلة.

15 – الشاعرة السعودية بلقيس الملحم.

16 – الشاعرة اللبنانية سوسان جرجس.

17 - الشاعر والقاص المغترب يحيى السماوي.

18 – الشاعر والمترجم العراقي المغترب صلاح حسن.

19 – الشاعر العراقي المغترب سعد جاسم.

20 – الشاعر العراقي ناهض فليح الخياط.

21 – الشاعر العراقي فلاح الشابندر.

22 – الشاعر العراقي طلال الغوار.

23 – الشاعر العراقي عدنان جمعة.

24– الشاعر والمترجم العراقي عبد الهادي فنجان الساعدي.

25– الروائي العراقي الراحل عبد الستار ناصر.

26– الروائي العراقي صادق الجمل.

27– الروائي الكردي العراقي اريان صابر خضر الداودي.

أولا: حول الوثيقة والمحقق سعيدوني.. كتاب "قانون أسواق مدينة الجزائر 1107-1705"، لمتولي السّوق عبد الله محمّد الشويهد، تحقيق وتقديم وتعليق الأستاذ ناصر الدّين سعيدوني، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى 1427هـ -2006، من 250 صفحة.

الكتاب عبارة عن وثيقة تركية بقلم تركي كتب عن تلك الأحداث في تلك الفترة، ورسم صورة عن الجزائر من خلال الضرائب التي أضرت بالجزائريين و الأسواق.

ويبدو غلاف الكتاب أنه ردىء في النظرة الأولى، لكن جودة أوراقه فاقت في جودتها وجمالها أوراق المجلدات التي تباع بأثمان باهظة جدا والتي تعتبر أقل بكثير من هذا الكتاب الذي بين أيدينا.

بذل الأستاذ ناصر الدّين سعيدوني مجهودا خارقا في تقديم الوثيقة التاريخية التركية على أحسن وجه وأفضل بكثير من الوثيقة بحد ذاتها.  فقد نقل في الأعلى النص حرفيا كما نقله التركي بعامية يصعب فهمها خاصة بعد أن طال عليها الأمد، وفي الوسط أعاد النص إلى لغته العربية الفصحى التي يفهمها الجميع، وفي الأسفل وضع هوامش لبعض الكلمات التركية التي يصعب فهمها الان، فشرحها أحسن شرح، وشرح الأعلام والأماكن والتواريخ، فكان الهامش بحق قاموسا يرجع إليه القارىء والطالب والمهتم. فتحية تقدير للأستاذ على الجهد المبذول والصرامة في العمل، والدقة في المعلومات، وإثراء الكتاب للأجيال الحالية والقادمة وتسهيله للقراءة والنقد والمتابعة. ولفهم ما جاء في الكتاب لابد من قراءة مقدمة الأستاذ سعيدوني فإن فيها شرحا مستفيضا وافيا يعين القارىء وينير له ما صعب عليه. و يعترف المحقق وفي عدة مرات أنه عاجز عن معرفة معنى الإسم الفلاني أو المهنة الفلانية ويصرح كما جاء في صفحة 121: "لم نعثر على تعريف لها والراجح أنها ..."، وهذا من الأمانة والصدق الذي يسجل له.

ثانيا: محتوى الوثيقة التركية.. جاء في صفحة 46 أن مادة الأفيون كانت تستورد ويقبل عليها الحشاشون وأغلبهم من البحارة.

ويتضح من خلال صفحة 61 سر سيطرة الخبازين من ولاية جيجل على مهنة صنع الخبز والحلويات عبر كامل التراب الوطني إلى يومنا هذا، والسبب في ذلك يعود لسنوات 1700 كما واضح في الكتاب أو ربما ما قبلها.

ومن الضرائب التي ذكرت في صفحة 63 و65، تلك المفروضة على بائع الفخار "إذا كان منتعلا فيخضع للضريبة" و "يدفع الساكن في الطابق العلوي ضعف ما يدفعه الساكن في الطابق الأرضي".

وأعجبني كثيرا ما جاء في صفحة 92 ، حيث أنه من أراد أن يشتري الحمام فهو مطالب بعدم طرد العمال كالطيابين حتى لا يتعطل العمل بالحمام ويحافظ على سمعته.

وجاء في هامش صفحة 93، أن فرنسا المحتلة هدّت أجمل مسجد في الجزائر سنة 1830 وأتموا عملية الهدم سنة 1830، وأشعلوا النار في دعائم المنارة الخشبية وإزالة حجارتها بالمعاول لتختفي إحدى المعالم العمرانية للجزائر، وهو جامع السيّدة الذي بني سنة 1561.

ويتضح من خلال صفحة 99 وحسب ما جاء في الهامش، أن الأتراك هم الذين أدخلوا الدخان إلى الجزائر وقلّدهم الجزائريون في شرب الدخان.

ومما يفرح أنه جاء في صفحة 103، أن من "يلتحق بمحل ما لتعلم المهنة عن صاحبها لا يغادر المحل إلا وقد أتقن الحرفة".

وجاء في هامش صفحة 104، أن جامع الرابطة الذي بني سنة 1624 تم هدمه من طرف الاستدمار الفرنسي سنة 1832.

ومن مظاهر التمييز التي شرحها المحقق في هامش صفحة 105، أن الأتراك كان لهم سجن خاص بهم.

وتحدث في صفحة 115 عن سطوة المال لشراء المنصب والنفوذ، وكان معمولا به عبر كافة المستويات والشرائح.

و جاء في هامش صفحة 130، أن المومسات أو النساء العموميات كن يقمن في منازل خاصة بهن ويتردد عليهن الجند الإنكشاري الذي كان يعيش في حالة عزوبة طيلة الخدمة العسكرية، حيث تجاوز عددهن عند الاحتلال الفرنسي سنة 1830 بثلاثة آلاف مومس. ويمكن للقارئ أن يرجع للصفحة ويقف على فضائع أخرى.

وجاء في هامش صفحة 131، أن الاستدمار الفرنسي هدم العديد من أسواق الجزائر بعد سنة الاحتلال 1830 ومنها حريق 1844.

وجاء في صفحتي 144- 145، إستيلاء الفرنسيين على ميناء جيجل سنة 1655 و 1664. وتعرض مدينة الجزائر لقنبلة الأسطول الفرنسي لثلاث مرات وعبر سنوات 1682 و 1683 و 1686.

جاء في صفحة 149 "وصول أعداد من المهاجرين الأندلسين سنوات 1584 و 1609.

ثالثا: تقرير الإستدمار الفرنسي.. جاء في التقارير الفرنسية الممتدة عبر صفحات 161 -182، أن الجزائر كانت مركزا للقرصنة ولم تعرف التجارة أو الصناعة قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر والذي يسميه التقرير بالنظام الفرنسي، وكانت تبدو أزقة الجزائر للمحتل الفرنسي غامضة وغير آمنة.

وجاء في صفحة 162، أن الفرنسيين لم يقيموا أدنى اعتبار لخصوصيات المدينة الشرقية وأخضعوها للقواعد العمرانية التي ألفوها من أوربا.

وكانت المرأة الجزائرية كما جاء في صفحة 165 من التقرير المحتل الفرنسي لم يكن باستطاعتها شراء الحلي الذهبية بسبب المفروض، وكانت تكتفي بشراء الحلي المصنوعة من قرون الثيران ولذلك كانت هذه الصناعة رائجة.

وتحدث في صفحة 166 عن اليهود فقال لم يكن لليهود شارع خاص بهم كما هي العادة في المدن الإسلامية الأخرى وقد كان المسلمون واليهود يعيشون في الجزائر جنبا إلى جنب.

وقال في صفحة 168، أن الانكشاريين اشتهروا بظلم الجزائريين لذلك تعرضوا للانتقام إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر من طرف الجزائريين.

وذكر في صفحة 169-176 أن صناعة مدينة الجزائر لم تكن تلقى رواجا بالخارج عكس صناعة تلمسان التي كانت تلقى رواجا بالخارج. ويرى أن الأتراك لم يمارسوا التجارة إنما تركوها لليهود الذين احتكروا وسيطروا عن طريق إستغلال أسماء أوربية لكي يدفعوا أقل الضرائب ويتحصلوا على أقصى ربح. ويعطي التقرير الفرنسي مثالا عن ذلك فيقول.. في سنة 1826 وأثناء الحكم التركي لم يدخل ميناء الجزائر أكثر من 12 سفينة تجارية من كل الجنسيات، بينما وبعد 11 شهر من الاحتلال الفرنسي للجزائر دخلت 295 سفينة لميناء الجزائر لنقل حاجات الجيش الفرنسي المحتل للجزائر. وقال أيضا: "نلاحظ أن الخمور تعتبر من أهم الواردات في انتظار أن يبدأ استهلاكها من طرف العرب". ودعا التقرير إلى الإسراع في احتلال قسنطينة وأراضي جزائرية أخرى قبل أن تستحوذ عليها بريطانية. ويقول التقرير أن الفلاح الجزائري كان يستعمل 700 زوج بقر لحرث أرضه وبعد الضرائب التي فرضها عليه الأتراك أصبح يستعمل 60 زوجا، ودائما حسب التقرير الفرنسي.

ويرى التقرير في صفحات 177 -179 أن عروج كان قرصانا ونقل القرصنة إلى إخوانه الأتراك، مع التنبيه أن هذا هو رأي فرنسا في عروج. و يتأسف الفرنسي لكون العلاقات التي أبرمها مع فرنسا كانت لصالحه ولم تكن لفرنسا. وذكّر بالقصف الهولندي والإنجليزي للجزائر سنوات 1655، و1669، و1670، وكذا القصف الفرنسي للجزائر سنوات 1682، و1683، 1687. وتحدث قبيل الاحتلال الفرنسي للجزائر عن تدهور الصناعة الجزائرية بشكل كبير.

ويرى التقرير عبر صفحتي 181-182، أن أسواق مدينة الجزائر كانت ضعيفة ولا تقارن بأسواق الشام وبغداد، بل لا يمكن مقارنتها بأسواق زمير وقسنطينة. وكان الثراء بالجزائر بمثابة الحكم بالإعدام. وكان الأوربي يأخذ معه الصناعات التقليدية لبلده وهو قادم من زيارة الجزائر، ومنها أشياء من خيوط الصبار.

 

معمر حبار

 

 

 

 

 

 

 

 

صدر للشاعرة والمترجمة نفين عزيز محمد طينه في 06 / 02 / 2017 ديوانها "فرحَتي البِكر" عن منشورات دار التوحيدي في المغرب/ الرباط. وهو ديوان يضمُّ في حناياه قصائدَ عن الحبِّ والأرض والسلام.

يحتوي الديوان على ستٍّ وعشرينَ قصيدة منها: فرحتي البكر، نبية الأحلام، قميص النور، احتراق حتى مطلع الفلق، حماقاتي العذارى... وغيرها. وقد سطر على 88 صفحة من الحجم الوسط. ويعتبر الديوان فرحة الشاعرة البكر فعلا، فهو أول مولود شعري لها يخرج إلى النور.

ويقول السيميائي الشهير د. محمد حجو أستاذ السميائيات في جامعة محمد الخامس بالرباط: عن "فرحتي البكر" إنها "قصيدة بأجنحة فراشة، وعنوان للديوان البكر للشاعرة الفلسطينية نفين طينه، وهي قبس من تلك المعاني المتراقصة في "وادي عبقر" التي تشتهيها روح الشعر، فيصطادها الشاعر بأناقته وحسه الفني المرهف". ويضيف د. حجو " الديوان قد صار جاهزا ليُعمِّر في تاريخ القول الشعري. وهو ديوان يمنح للقارئ المتذوق العاشق للشعر دفقا من رونق الموسيقى ومتعة التغني بالقراءة وجمال اللغة، فكأنها تزغرد المعاني وليست تقولها قولا إنشاديا فقط".

وتُهدي الشاعرة ديوانَها إلى الحالمين الذين ينتظرون أن تخرج أحلامُهم إلى عالم النور قائلة إنّ: "الأحلامَ بسمةٌ نرسمُها على شفاه الحياة وننتظر، إلى كل الذين رسموا أحلامهم، وينتظرون أن تنفذ من عنق الزجاجة".

 

صدرت للشاعر والكاتب مصطفى محمد غريب في 30 / 12 / 2016 روايته " متاهات.. الخروج من الشرنقة " عن دار نسيم للتوزيع  والنشر في مصر/ القاهرة وهي رواية عن العراق بعد الاحتلال والسقوط.. تحتوي الرواية على فصلين أساسيين وثلاث فصول فرعية ترتبط بالحدث الذي هز ليس العراق فحسب بل العالم وهو احتلال البلاد وسقوط النظام الدكتاتوري وقد سطرت على 114 صفحة من الحجم الوسط وبتصميم جميل للغلاف  الخارجي من قبل الدكتورة المصرية هند سمير، تعتبر الرواية هي الثالثة التي أصدرها الكاتب وقد ترجمت روايته الثانية  إلى النرويجية " بين النجوم تلألأ آخر نجمة ..."  التي صدرت من دار الرواد / بغداد في 2004..

رواية " متاهات ــ الخروج من الشرنقة " تضع القارئ أمام اختيارات عديدة ضمن تراجيديا الأوضاع المأساوية التي رافقت الفرد العراقي خلال 35 عاماً من تسلط النظام الدكتاتوري البعثي  ثم كوارث الاحتلال والقوى الإرهابية السلفية والأصولية بخطوط تفصيلية ملموسة تقول أبرزها أن " مأساة البلاد بدأت أكثر دموية منذ انقلاب 8 شباط الدموي عام 1963 " وما نتج بعده من فواجع الاحتلال والقوى الإرهابية وهو يضع انطباعاً واقعياً على الاستمرار في التردي في حالة عدم تحقيق الحرية والديمقراطية والاستئثار بالسلطة، والرواية أيضاً تحمل هموماً إنسانية عامة وشخصية ترافق أحداث الرواية، كما أن رواية " متاهات..." تبتعد عن السردية القصصية المتبعة إلى نوع من التشكيل التجريدي في التسلسل والمعنى.

"مخطوطة ابن إسحاق، مدينة الموتى"، هي رواية للكاتب المصري حسن الجندي، تصنف ضمن روايات الرعب، تتحدث عن شاب جامعي خامل، يقرر ذات مرة زيارة سور الأزبكية وهو مكان لبيع الكتب القديمة يماثل شارع المتنبي في بغداد، وكانت زيارته الأولى لهذا المكان، فهو يعيش بعيد عن عالم الكتب والمعرفة، مثل اغلب شباب هذا العصر التابع للشبكة العنكبوتية "الانترنيت"، فتقع بين يديه مخطوطة أصلية لساحر عاش في مصر في فترة بعيدة، فينغمس في قراءتها، فيصبح شخص أخر، حيث ركزت الرواية على مخاطر كتب السحر على جيل الشباب غير الواعي.

عالجت الرواية موضوع مخاطر مطالعة كتب السحر، من دون وعي وفهم سابق، فتكون مطب كبير لمن يطالعها، أن السحر في العالم الغربي يعتبر علم وله قوانينه وأساتذته، أما في بلداننا فيعتبر شعوذة ويستخدمه في الغالب حثالة المجتمع، وهو في الحالتين خطير ويؤثر سلبا على الشخص المتعاطي به، وقد كفر ديننا المتعاملين بفنون السحر، لكن قضية تداول كتب السحر وسهولة الحصول عليها من الأمور الخطيرة، وهي منتشرة ألان وبكثافة، هذه الظاهرة يجب أن يكون لها ضوابط، كي ندفع خطرها.

أولا نوضح أمر مهم وهو أننا لسنا ضد حق النشر وحرية التداول، لكن كتب السحر والشعوذة تعتمد فنون غريبة، تنتمي لقوانين ما وراء الطبيعة، وتكون خطرا على فئة الشباب والأشخاص المرضى النفسيين، فيكون موضوع حماية المجتمع مقدم على حرية التداول.

انتكاسات الحياة هي السبب

قصة الشاب مازن مازالت طرية في ذاكرتي، كان مازن إنسان طيب يسعى دوما لخدمة الناس،لكنه تعرض لانتكاسات متتابعة من وفاة والده، الى فشله بالحب، الى خسارة مشروعه، مما جعله يلجا الى الانعزال عن الناس، كان يحس بالحقد على كل من استهزأ بآرائه، أخيرا وجد كتاب بعنوان السحر الأسود، فشرع بقراءته بشره كبير، وبدأ يجمع كتب غريبة ويمارس طقوس عجيبة، الى ساءت أحواله الصحية والنفسية وانتهت بموته المفاجئ.

بعض الشخوص يكون بنائهم الشخصي ضعيف، والبعض الأخر تكون ضغوطات الزمان عليه شديدة، هؤلاء يكون عالم السحر وقوانينه الغامضة خطر شديد عليهم، حيث يتحولون الى أشخاص خاضعين لقوة غريبة، بما يسمى بالتلبس أو طبيا بذات السحايا، خمول توقف عن أداء أي دور حياتي، وكل هذا بسبب الغرق في صفحات كتب، والاعتقاد بالقوى الخفية، وكل هذا لا ينهض بالإنسان بل تحط من قدره.

كتب السحر والفضائيات

أحيانا تكون الدوافع لدخول عالم كتب السحر، هو البحث عن القوة، والسعي للفوز بالغايات، بعد أن جعلت الحياة كل الأمور صعبة المنال، وعندها تحصل عملية الغرق، ويكتشف أن لا قوة حقيقية ولا فوز بأي شيء، فقط مجرد خيبة أمل وندم لكن حين لا ينفع الندم.

لكن الغريب أن تفتح فضائيات للترويج للسحرة والدجالين، وهؤلاء يرشدون الى كتبهم ويبينون للمتلقي طريق الفوز بقوة خفية، كان في السابق يتم اعتقال السحار لكن ألان يسمح له بفتح مكاتب وفضائيات ليدخل كل بيت من دون استئذان، أمثال أبو علي الشيباني والوائلي وغيرهم الكثير، وقد أصبحت لهم شعبية ومريدين وناس تأخذ منهم.

العجيب أيضا أن تركز بالدراما العربية على موضوع السحر، وتقوم بإطلاق مسلسلات تعتمد على قضية السحر، وتبرزها بشكل مخيف مثل مسلسل (الكبريت الأحمر)، والذي عرض بعد شهر رمضان الفائت، ومسلسل (ونوس)، وكلاهما يخلق تشويق عند الإنسان العادي للخوض في كتب السحر، ليفهم ما طرحته الدراما، وهنا يتبين لنا مدى تغلل خط السحر، وهذا لا يتم الا بتواجد شخوص ومنهج وهدف،  ويتضح مقدار عدم الاهتمام بالإنسان العربي، وغياب لجان الرقابة الفعال، بل يبدو أن هنالك جهات خفية تدعم نشوء هكذا خط أعلامي يروج للسحر.

الثمرة

نحتاج اليوم الى تنظيم عملية تداول كتب السحر، مثلا أن يحدد عمر معين  يسمح له بالاطلاع على كتب السحر، وان يفرض عليها ضريبة كبيرة كي ترتفع أثمانها فتصبح صعبة المنال، وان تلتزم دور النشر بتوفير معلومات كاملة عن أي كتاب للسحر يطبع الراعي والهدف والفئة المستهدفة، وإلا يتم محاسبة دار النشر الى عقوبات تصل للغلق والسجن، ومن جانب أخر يجب على الأعلام والمنابر أن ترسخ فكرة أن الإنسان يجب أن يصل لغاياته عبر قدراته وأرادته وعلمه وليس بطريق والسحر والخزعبلات، الوعي وعملية خلقه في المجتمع أمر مهم في حل هذه القضية.

تكاتف الجهود يجعلنا نتقدم بخطوات واثقة في عملية حماية المجتمع من مخاطر قوانين عالم خفي. 

 

اسعد عبدالله عبدعلي

كاتب وأعلامي عراقي

 

 

يلقي كتاب (رهانات السلطة والحكم في العراق.. حوار في آيديولوجيا التوظيف السياسي) الصادر في دمشق عن دار الأمل الجديدة بالتعاون مع مؤسسة المثقف العربي في سيدني (1)، الضوء على الازدواجية التي عانينا منها خلال عقود، منذ نهايات أول حرب عالمية وحتى عام 2003 وهو المنعطف المؤثر والتاريخي الذي وضع نتائج سايكس بيكو تحت الاختبار والتعديلات.

يأخذ الكتاب شكل الفصول المفيدة، أو يطيب لي تسميته أيضا شكل السؤال المتفق عليه للوصول إلى أجوبة تفسر المناطق الرمادية والغامضة من تجربة العرب مع السياسة أو فن الحكم. هل كان العرب موفقين في إدارة شؤونهم أم انه غلبت عليهم أعراض الخلل المنهجي والذي يضع التطبيقات وراء الأفكار؟؟.

بتعبير آخر يقدم الكتاب نفسه بخط عريض وواضح على أنه قراءة تجريبية، تستند للملاحظة والخبرة. فالمشاركان في عملية التأليف وهما الأستاذ طارق الكناني والمفكر المعروف ماجد الغرباوي اتفقا على أن السياسة هي عمل من عدة مستويات، إنها إنتاج لأفكار لها صفة الإطلاق وإنتاج لمجموعة من الممارسات التي لا تتبلور إلا من خلال الوعي بمعنى تاريخية الظواهر. جتى لو أن الأفكار أسره بالمقارنة مع الممارسة ص8.

فالجمود لا يليق بالإنسان الذي شهد عدة أطوار وتحولات نقلته من واقع الاستسلام لظروف الطبيعة إلى واقع التحكم بالطبيعة القهرية ذاتها.

وقد تلازم مع هذه الرؤية الديناميكية روح النقد والتقويم، وعلى ما أرى إن هذه الروح هي ضرورة وواجب، بل هي فرض عين على كل مفكر، حتى لا نقع في المحظور ونتحول إلى جوقة من المداحين العميان، لا نرى ما حولنا ونخاف من رؤية أنفسنا.

لقد اختار الكناني أسئلة موجعة (بتعبيره مباشرة وحادة وتتطلب موقفا صريحا لا لبس فيه ص 7) وطرحها على الغرباوي الذي وضع في إجاباته الواقع العربي على المحك.

وأن نتكلم عن الواقع العربي يعني أن نقارب نقاط التحسس بين التصورات، ولا سيما في المرجعيات سواء هي مادية أو أنها تستمد شرعيتها من الإسلام. وحتى أن الدين يعاني من مواجهات مرعبة ودامية بين أهل الشورى وأتباع الإمامة كما ورد على لسان الغرباوي في آخر الكتاب.

مع أن الرسول لم ينص على أحد باتفاق الشيعة (كما وردت في كتب الشيخ المفيد) والسنة (التي يمثلها الطبري). ص181.

لقد تركت وفاة النبي فراغا بين النخبة السياسية الذين نعرفهم باسم الصحابة. وبتعبير الغرباوي إن ما جرى في مؤتمر السقيفة كان مخزيا، فهو مجرد تقاسم لسلطات النبي الروحية وتنازع عليها.و برأيي الغرباوي محق حين نظر للمؤتمر على أنه التأم لحسم نزاع سياسي ولو هناك نص (يعني قاعدة شرعية) لانتفت الحاجة للخلاف أصلا (ص181).

وكانت الحجة لدى كل فريق تعتمد على النسب العائلي أو درجة القرابة. ص181 .

إن هذه الجراة في تجريد الأفكار ثم شخصنتها يذكرني بمشروع سابق ومبكر ظهر في الستينات للمرحوم جلال صادق العظم أول من فكك التفكير الديني وأول من فك التشفير عن أسباب الهزيمة عام 1967. وذلك في ثنائيته المشهورة (نقد الفكر الديني 1970) و(النقد الذاتي بعد الهزيمة 1968).

لكن مشروع الغرباوي ينقل هذه التجربة الى مستوى التشربعات، بمعنى أنه يعارض السلفية المعاصرة من داخل القانون الإسلامي. فهو بالانطلاق من ترسانة الشواهد الدامغة التي يأخذها من السنة المشرفة والقرآن الكريم (وهذه المفردات أضعها بين قوسين لخصوصيتها التي تتنزه عن التشخيص والتجريد) إنما يدخل في منطقة التابو أو يلغي فصاحة المحظور والممنوع، فهو يفحص مشكلة الفتوحات بعد وفاة النبي ويسأل: هل هي جزء من الرسالة أم أنها استعمار وغزو وبقوة السيف؟ ص40. ويتابع مع مفهوم الجزية، هل هو إسلامي في ظروف الألفية الثالثة أم أنه تفسير جاهلي لظاهرة إيمانية تعود للقرن السادس بعد الميلاد. ص 180.

بهذه الروح يواجه الكتاب خمسة محاور أساسية.

الأول الفكر القومي ص19. ويعتقد أنه يعاني من الضعف والهشاشة في العراق لكنه أقوى في مصر وبلاد الشام ص21. وييذكر عدة أسباب لتفسير ذلك. فالعراق يتكون من جيوب اجتماعية أو إثنيات. بينما مصر جاهزة للتجانس لم تتخللها تاريخيا غير موجات بشرية متماثلة. فبعد الحضارة الفرعونية توسع الأقباط ثم حل في مكانهم المسلمون، ووجد الأقباط فيهم خلاصا من الاستعمار الروماني وطقوسه وإملاءاته. ص24.

وأضيف لما سلف أن الخلل في هذه المنطقة ناجم عن الأفكار الميكانيكية التي تفرضها السلطات من أعلى. فحكوماتنا العربية لا تؤمن بالتربية ولا مبدأ الإقناع. وتستعمل العنف عند أي مشكلة تطرأ على الساحة. وربما كان العنف المبذول ضد المعارضة أكبر من العمليات العسكرية التي واجهنا بها المحتل. ولذلك الغيبوبة السياسية هي التي تتحكم بالخطاب الإعلامي. وليس غريبا أن تسمع في وسائل الإعلام عن نبأ ولكن لا تجد له أي مصداقية على أرض الواقع. والقومية العربية في مصر وبلاد الشام ليست بريئة من هذه الشبهات.

فهي فكر كلاسيكي لديه خروقات إيديولوجية وتطاله العيوب من كل أطرافه. وأعتقد أن هذا هو السبب وراء تبلوره في العراق أكثر من البلدان المجاورة. فهو ذريعة للتماسك. باعتبار أن العراق على خط المواجهة مع الساسانيين أو الفرس وبلغة معاصرة إيران.

وكل دوائر العقل العربي الحديث وجدت لها أرضا خصبة في سنة العراق وحكومة صدام. وهذا لم يكن من السهل تذويبه بعد موت النظام السابق عام 2003. فموته لم يكن سريريا، ولكنه تفكيك للأدوات. بمعنى آخر لقد طرأ تبدل في المساحة التي يحتلها اللاعبون الأساسيون أو الكبار، القوميون أصبحوا في الخلف والإسلاميون احتلوا الواجهة. وليس من الوارد إقصاء أي طرف أو الغاؤه.

وكما يقول أرنست غيلنر: إن الإسلام الإصلاحي لعب دورا يشبه الذي تلعبه القومية. وفي البلاد الإسلامية يصعب التمييز بين الحركتين. ص34، فالإسلام يزود أتباعه بالهوية القومية والمثال الأبرز ما قدمه في سياق الكفاح ضد الاستعمار. ص35.(2). ولم ترتفع في العراق أصوات تدعو لتحييده عن الساحة العربية. لكن الصورة تختلف في سوريا. فقد كان للميليشيات السورية وجود بالعلن أو في السر منذ تأسيس سوريا.

لقد دخلت الأحزاب، التي ترسم للعراق شخصية أكادية، في عداد الثقافات الميتة التي تحتاج للإنعاش والحماية للحفاظ على الإرث الحضاري للعراق. بينما الدعوات الانعزالية تنشط في بلاد الشام. وإذا لم يكن لها مشاركة فعالة في السلطة فإنها في وضع التهيؤ أو الانتظار. وتجد لنفسها أكثر من ساحة لتلعب بها ومنها الدعوات المختلف عليها كمجموعة بلاد حوض المتوسط أو نظرية الشرق ألاوسط الجدبد وهلم جرا.

والصورة في لبنان أوضح لو نظرت لواقع القوات اللبنانية وحراس الأرز. مثلا يرى يوسف السودا (3) أنه لا يوجد فرق بين لبنان وفينيقيا. ص13 حتى أن التوراة كانت تسمي السواحل الفينيقية باسم لبنان. ص23.

ويرى رئيس حزب الكتائب اللبنانية الأسبق كريم بقردوني (4) أن البعثيبن في سوريا أقلية سياسبة والعلويين أقلية دينية و لم يجد حافظ الأسد ضمانة له للاستمرار غير اتباع أساليب غير كلاسيكية في ممارسة وتطبيق الفكر القومي.

فقد انتهج سياسة الجسور الممدودة، وأضاف إليها سياسة التحالفات البديلة، كما يقول بقردوني، وهذه الصيغة هي التي خلصت الأساطير الإيديولوجية من العيوب والنواقص.

لقد كان صدام يؤمن بأسطورة التفوق العرقي ويدعو لتعويم العشيرة والأسرة، وكانت فكرة التضحية عنده تكاد تكون صورة بالمرآة لظاهرة الجهاد المقدس التي يتبناها الإسلاميون.

بينما اعتمدت المدرسة البعثية في سوريا مبدأ اللعبة المفتوحة. وهذا التعبير أيضا لبقردوني. فاستراتيجية الأسد في إدارة الأزمات تستبعد الحل النهائي وتتبنى الحل المؤقت. وأهم ما في هذه السياسة أنها تحول هذه الحلول إلى أوضاع ثابتة مع الزمن. ص87.

وإذا كان الغرباوي يرى أن المشروع العربي نجح وتخلى اللبنانيون والسوريون عن خلافاتهم الدينية واحتكموا للعروبة لمواجهة الاستعمارين التركي ثم الفرنسي ص 32 فأنا لا أجد أي مزاعم تشكك بهذه الخطوة التحريرية، مع ذلك إن المرجعيات تختلف في تفسير أسباب وأشكال يقظة العقل العربي في بلاد الشام.

فقد تداخلت ردود الأفعال إلى حد التناقض.

بالنسبة لمواجهة سياسة التتريك كانت الصحوة ذات هوية عروبية، ووقف خلفها الهاشميون باعتبار أنهم ينظرون للإسلام كدين هاشمي، ولكن بالنسبة للانتفاضة ضد الاستعمار الفرنسي فقد غلبت على الحراك الشعبي الدعوة لطرد جحافل الصليبيين العائدين إلى المشرق وبلاد المسلمين، حتى أن حرب النكبة كانت وراءها شعارات إسلامية تشبه ما فعله النبي وأصحابه بالقبائل اليهودية في شعاب يثرب. بينما كانت الثورات العربية ذات مضمون وطني، اشتراكي قومي أو تقف وراءها فكرة النسر السوري، وهي فكرة حضارية لا تفرق بين الماضي التاريخي لبلاد الشام والمشهد السياسي المعاصر، وتجد في هذه الأفكار بقايا ورواسب من أيام الإمبراطورية الهيلينية، وعناصر من الفكر البيزنطي الذي امتد ليشمل مملكة تدمر.

وبجرد بسيط لأسماء الجمعيات الناشطة في بلاد الشام ضد العثمانيين تلاحظ تغليب مفهوم الانتماء للوطن السوري بالمعنى الروحي لوحدة سوريا الطبيعية داخل إطار جغرافيا هذه البلاد، فقد اقترنت القومية مع العلمنة وأنجبتا بلا تردد ثقافة غربية أنكلو فرنسية تسعى لسلخ القناع العثماني عن وجه سوريا والتماهي مع علمنة التفكير القومي في رؤية وطنية. من هذه الجمعيات والأحزاب أذكر: حزب الاتحاد السوري وجمعية ١٨٧٥ والحزب الديمقراطي والمؤتمر السوري العام وقد تطورت هذه الأندية من منطلق علماني صرف قبالة الحركة التي قادها الأفغاني ومحمد عبده في مصر من منطلق ديني (5). ص78.

وعليه يمكنك أن تنظر لنشاط الأفكار في المشرق على أنه يشتمل على ثلاثة ميول أساسية: التيار الإصلاحي الديني في مصر، والوطني السوري في سوريا ولبنان، والقوماني العربي في العراق، وإذا كنا مصرين على إضفاء الصفة القومانية على السوريين فهي، كما يرى داية، عن وجه حق، كانت عروبة تكتيكية، حتى أن نجيب عازوري مؤلف يقظة الأمة العربية كان يصر على فصل العرق عن العقل، وينادي بضرورة الوحدة، ولو تأملت بخلفيات هذا الشعار ستتبين أنه يشير للاتحاد السوري كنواة لأمة نبني عليها لاحقا. ص79. وهو ما يسميه بالإمبراطورية العربية الجديدة ص80. ولنضع خطا تحت الجديدة، ولو شئت التفصيل فحدود الأمة العربية بنظره تمتد من دجلة إلى برزخ السويس.

وهذا يختلف جذريا عن شعار القومانيين العرب الذين ينادون بعروبة مراكش قبل المناداة بعروبة بغداد.

المحوران الثاني والثالث هما عن إيديولوجيا التوظيف السياسي وتداعيات المواقف السياسية. وتخصصا بالمعارضة وظاهرة اللجوء إلى دول الجوار، وما ترتب على ذلك من خيانات يمكنك أن تقول إنهاعظمى ص59. وطوال النقاش كان السائل والمجيب يؤكدان على مشكلة طلب المعونة من طرف خارجي لحل أزمات الداخل.ص69 .

ولم تبرأ هذه المحاورة من أفلاطونية أو طوباوية سياسية.

فقد كان الغرباوي لا يبرر لحزب الدعوة ظاهرة العمل من خلف الحدود لكنه نوه بحجم الفاجع الذي كانت تعانيه في إيران بالرغم مما دفعته من ثمن باهظ جراء حمل لواء معارضتها للبعث. ص78.

ناهيك أنهم لم يغادروا طواعية وإنما بالقسر، وهو ما يعرف باسم التسفير وإن كان يفضل نعته بصفة التهجير ص103 ، فالذي حصل كان عملية تفريغ للبلاد من المعارضة بتهمة أنهم تبعية إيرانية. والحقيقة أن جذورهم عراقية وهربوا من خدمة الجيش العثماني بحمل هويات مصدرها إيران ص132، حتى أن هذه التهمة مضى عليها ما ينوف على خمسين عاما، أضف لذلك أن دستور البعث الذي يعمل به صدام يصنف كل من آمن بالانتماء للعروبة بين العرب.

لم أقرأ شيئا بهذا الوضوح وهذا الترتيب حول الأزمة الروحية لحزب الدعوة.

وأعتقد أن الغرباوي فسر مشكلة فقدان الاتجاه وانقلاب الموازين بعد الدخول في معادلة السلطة. فالمصلحة الوطنية كانت تقتضي الاعتراف بالأضداد. والإشارة هنا إلى الدولة الإيرانية والجيش الأمريكي.

ويوجد فرق واضح في هذه المساهمة الأجنبية.

إن دخول إيران على الخط له ما يبرره، فالتفكير الإسلامي كما يقول الغرباوي كوني، وهو منذور لنشر رسالة التسامح والمساواة بين كل أفراد الجنس البشري. ولذلك لا يوجد مساس بالروح الوطنية، ولا ترقى المعارضة الإسلامية في إيران لأية شكوك.

ويمكن أن تقول نفس الشيء عن البعثيين الذين احتموا في سوريا، ففكرة الوحدة العربية والمصير المشترك يساوي بين العمل السياسي على طرفي الحدود. وهذه ظاهرة متفشية في كل الكتل السياسية التي تعمل من وراء النظام. حتى الدولة الإسلامية المرفوضة عالميا هدمت نقاط التفتيش بين العراق وسوريا واعتبرت أنها صناعة وليست حقيقة.

إنما المشكلة التي ساعدت على تدمير العراق في بدايات الغزو هي في التنسيق مع أمريكا، فهي دولة غير عربية. ولا يمكن أن تجد سببا قويا للتعامل معها لقلب نظام الحكم لا برعاية من التفكير القومي ولا الإسلامي ولو شئت الحقيقة إن تدخل أمريكا في العراق لا يختلف عن ورطتها في فيتنام.

وكان الغرباوي واضحا في هذا الخصوص، فقد كان غطاء الغزو على مسؤولية أفراد وليس تنظيمات، ثم أخذت سياسة الأمر الواقع مفعولها بالتدريج .ص113 .

المحوران الرابع والخامس هما الفساد الاداري والمالي ودور الإسلام في بناء الدولة، ولقد كال الغرباوي التهم من كل الأنواع للنخب الحاكمة، فإذا كان صدام طاغية ونهب ثروات البلاد فإن حكومات المحاصصة نهبت ما تبقى ص147، ويفند الغرباوي الأسباب، ويدعمها بأرقام وحيثيات من الواقع السياسي المعيش. ولكن في كل كلمة تشم رائحة السبب الأساسي وهو غموض الاستراتيجية المتبعة.ص150 . ولا يمكن أن أستثني بلدا واحدا في منطقتنا العربية من هذا الداء.

حتى مصر لم تكن تتحرى طريقها بشكل مستقر، وكانت تسبح فوق بحر من الفوضى طوال أول خمس سنوات من ثورة يوليو المعروفة الآن باسم الجمهورية الأولى. فقد تداخلت في مجلس قيادة الثورة الميول الاشتراكية مع المال السياسي بصبغة أضفى عليها الإسلام مشروعا إصلاحيا بعيدا كل البعد عن المعنى الراديكالي للثورات، ونجم عن هذه المشكلة انفجار أزمة اللواء نجيب ودراما إخراجه من السلطة لاستبعاد الموالين له وهم الإخوان المسلمون. ويمكن أن تؤكد أن عالم السياسة والأحزاب لدينا يتبع آلية عمل الرمال المتحركة، ومثلما أن الحدود سائلة لأنها بدعة وتعود لاتفاق دولي وليس لظروف موضوعية فإن المفاهيم والإيديولوجيا سائلة، وخطوط العزل والاشتباك تحددها المصالح والأحلاف، أو بلغة معاصرة التوافقات. فالبعث له عدة أجنحة ومدارس تتصارع فيما بينها، وبالأخص نظرية ميشيل عفلق وهي كلاسيكية ومتأثرة بالمعنى الحضاري للأمة، ثم نظرية الأرسوزي التي تعول على علاقة اللغة بالفضاء النفسي للمجتمع وليس العرق. وهذا يضفي عليها بعدا وطنيا ورومنسيا له أفق متحول.

وأعتقد أن هذا الغموض والاختلاف الجدلي الذي يرقى لمرتبة قطيعة معرفية بين أطراف الحزب الواحد هو المتسبب حتما بتبديل معرفة الاتجاه، فالبعث في العراق أثمر عن هوية إسلامة تشبه إلى حد بعيد القدر الذي اختاره الاتحاد الاشتراكي في مصر لنفسه، فقد سقطت معظم كوادره في ظاهرة التأسلم ، بلغة الدكتور رفعت السعيد. في حين أن ميول البعثيين في سوريا تقودهم إلى هوية أرستقراطية تحاول أن تردم الفجوة التي تركها خروج حكومات الاستقلال من المجتمع. وإذا كان تأسلم صدام أنجب مجمعات تجارية ضخمة احتكرت العقل العربي لنفسها، فإن البعث في سوريا يقشر نفسه، وهذه عملية إنضاج وتطوير بطيء وطويل الأجل، وخلالها سيكون الحظ الأوفر لقطاع الخدمات والمانيفاكتورة البورجوازية.

من البديهيات في ألف باء السياسة أن يكون للحزب استراتيجية دائمة وتكتيك آني، ولكن للأسف يشوبنا الغموض في تحديد الاتجاه، حتى أن المبادى تبدو عرضة للمساومة لدرجة غسيل الدماغ، فالانتقال من مرحلة الحزب الشمولي إلى النشاط في البرلمان كما حصل في روسيا مسألة مفهومة لأن الشيوعي لم يطعن في الهدف أو الاستراتيجية ولكن اضطر لإعادة النظر في الأساليب والأدوات.

بينما ماكينة الأفكار لدينا تعوم في بحر من الضباب وينقصها الديمومة وربما تتأثر بعلاقات القرابة ورابطة الدم، فتحالف البعثيين مع عدنان المالكي واعتباره رمزا من رموزهم كان وراءه شقيقه رياض، وهو من صفوف البعثيين. ويمكن أن تجد نفس الظاهرة في حزب إيدبولوجي أممي عريق هو الشيوعي السوري، فقيادته تنتقل بالوراثة من الأب إلى الزوجة إلى الابن بمتوالية غريبة، كأنه لم يعد يوجد بين الشيوعيين مخلص ومؤمن غير آل بكداش. مثل هذه السياسة التي تحركها قوانين ميكانيكية هي التي تسببت باختراق الشيوعي السوري وتشرذمه في عدة تيارات تحمل أسماء مختلفة لخطاب واحد. لقد كان التناحر على السلطة هو السبب الرئيسي في الصراعات الداخلية وليس تعويم الأفكار، وانقلاب البعث على حكومة الأخوين عارف في العراق من المشاكل المحيرة، فقد كان الشقاق بين حلفاء. ويمكن أن تقول نفس الشيء عن الجماعات الإسلامية، فقد كانت تنضوي تحت لواء الإخوان المسلمين في الخمسينات، وكان للشيعة تكتل داخل جماعة الإخوان المسلمين واسمه الفرع الفاطمي كما هو الحال اليوم مع السنة المنضوين في كتلة النجيفي تحت قبة البرلمان (وهذه المعلومة من أرشيف الدكتور قصي الشيخ عسكر)(6). وتجد للغرباوي أكثر من إشارة تؤيد هذا الطرح ومنها قوله في الخاتمة إن الحركات الإسلامية جمعاء سنة وشيعة تربت ثقافيا وحزبيا في أحضان الإخوان المسلمين ولذلك هي لا تؤمن بالديمقراطية وتنحاز إلى اللطف الإلهي وتعتبر حاضنة طبيعة للعنف في حل النزاعات ص170. ويمكن في أي لحظة أن تنكل بالدستور المدني وتعود إلى شرع الله أو القرآن والسنة النبوية.

إن سياسة الكيل بمكيالين من الخصال النوعية المميزة عند العرب، وهذه خصلة تبث الرعب في النفوس، وتدعونا لتوخي الحذر لأنك لا تعرف مع من تتعامل. كل الأحزاب الهجينة في العالم لديها أهداف تعلن عنها وتسعى جهدها لتطبيقها لأنه توجد محاسبة على التقتير في جواب الطلبات، فالبرنامج أو الأجندا مطلب وليس مزاجا. إلا نحن، أحزابنا بلا هوية مستقرة، ويبتبادل الوجه والقناع المواقع بسرعة البرق. وتنشأ التحالفات من العدم، ومهما بذلت من عناية وحذق في الاستقراء لا تصل إلى الظاهرة الموجبة. وكانت أفظع نتبجة هي الرهان على السلطة بعد 2011. لقد حول الإهمال من طرف والتزمت من طرف آخر الشرق الأوسط إلى بحيرة من الدم، واستشرت السياسة الانتقامية على حساب البناء حتى بدأنا ننتبه أننا نراوح في المربع الأسود الذي يقول عنه ماجد الغرباوي: إنه سياسة الاحتلال ويسميه محاوره طارق الكناني باسم الفساد ص141.

 

د. صالح الرزوق

..................................

هوامش ضرورية:

1 – رهانات السلطة في العراق: حوار في إيديولوجيا التوظيف السياسي لطارق السماوي وماجد الغرباوي. منشورات الأمل الجديدة. دمشق. 2017. 191 ص.

2- ما بعد الحداثة والعقل والدين لأرنست غيلنر. كتاب المدى. دمشق. 2001.

3- تاريخ لبنان الحضاري ليوسف السودا. منشورات دار النهار. بيروت. 1979.

4- السلام المفقود لكريم بقردوني. منشورات عبر الشرق. بيروت. 1984.

5- رواد النهضة ودورهم في تأسيس التيار القومي العلماني لجان داية، ندوة الفكر الوطني في مواجهة المشكلة الطائفية، منشورات مجلة فكر، 1981.

 

 

 

من (تقرير عن إغتصاب وقتل وتعذيب واعتقال اكثر من 4000 اربعة آلاف إمراة في بلد المقابر الجماعية " العراق") الذي يحوي على 930 صفحة و365 صورة ووثيقة،

في ذلك التقرير وثيقة عن قيام صدام المجرم نفسه باغتصاب السيدة الفنلندية ( ورسالتها الموجه لي موجودة في التقرير)؟ أيدتها الشرطة...

* أسماء31 فتاة إغتصبهن عدي؟

* صورة الطفلة استبرق (المنشورة في التقرير) التي ولدت في سجن الطاغية صدام

* كيف كان المجرم صدام كان يعتدي على نساء المسؤولين الصداميين والبعثيين !

* ( صدام حاول اغتصاب زوجة معتقل) هذا عنوان في الصفحة 24 من التقرير.

* (صدام قد ذبح ابنة مضيفه)؟

* " شعب التسقيط ".

 * قصة (الملثم) صدام وعلاقته بعائلة المرحوم رشيد مصلح الحاكم العسكري العراقي العام السابق في الصفحة 31 من التقرير؟

 * والمعتقل عبد الحميد العباسي الذي حسب ما أظن انه الصديق السيد حسن شبر الذي كتب عن (صدام يغتصب طالبات الجامعة) نظام المجرم صدام

* صورة السيدة سلمى الجابري التي اراد صدام ان يغتصبها؟

 * صورة نور الدين صافي التكريتي الذي اخذ صدام زوجته منه وكافأه بتعيينه مديرا للخطوط الجوية العراقية؟

* الآنسة أسيل منصور وما جرى لها من قبل عدي صدام؟

 * العروس التي اغتصبت في يوم عرسها فانتحرت ، وعلاقة ذلك بعدي صدام التكريتي وعريسها الطيار سعد عبد الرزاق؟

 * والصفحة الستون من التقرير عن (الإغتصاب) ماخوذا عن كتاب فندق السعادة للصديق الدكتور جليل العطية عافاه الله؟

* قصي صدام التكريتي الذي اعدم ضابطا وخطيبته واخفاء الجثة في البستان؟

هذا غيض من فيض عن فصل واحد من فصول التقرير

عدا المواضيع الأخرى التي تحدثت بالتفاصيل عن :

* أخلاق حزب البعث العراقي وحكومته

* الاعتداءات الاخلاقية على العراقيات خلال حكم البعث عام 1963

كتاب المنحرفون

* فتيات وقع الإعتداء عليهن

* تعذيب الفتيات في قصر النهاية

* ازهار سلوم الخفاجي

* الاخت كفاح ادخلوا الصوندة بها

* إعتداء على بنات العراق الشاهدة ام امير زوجة الصديق الاخ رضا جواد تقي

* جريدة التايمس اللندنية : إجبار المعتقلين على مشاهدة إغتصاب زوجاتهم

* علي حسن مجيد التكريتي يختار من البنات أجملهن ص 117

* تعرية الآنسة آمنة واغتصاب المعتقلات ص 118

* الممثلة المشهورة زينب تتحدث عن الزفاف ... ولكن ! ، ص 121

* التهديد باغتصاب زوجة المرحوم مدحت الحاج سري وشهادة الشهيد السيد مهدي الحكيم

* إعتداء على الام أمام الاولاد.. ص 125

* العروس التي فقدت عريسها صبيحة زفافها ص 126

* إنتحر في السجن لانه شاركه في زوجته ص 128

* مسؤلو النظام والاغتصاب الجنسي ص 129

* التهديد باغتصاب زوجته والتي لم يرها بعد ص130

 * تعرية المتعقلات واغتصاب آخريات الشاهد المعتقل السيد علي موسى الحكيم الذي أطفأ جلاوزة صدام المجرم عينيه بالسجائر ( صورته ) في ص 134

* الجيش العراقي يغتصب النساء ص 136

* طبيبة تصف اغتصاب مديحة لمدة 4 سنوات متتالية ص138

* عض الفتاة العارية المدماة ص 140

* الجيش العراقي يغتصب 3 فتيات ص 141

* تعرية معتقلة مع معتقلات عاريات ص 142

* إغتصاب جماعي ص 145

* هنا ولدتني امي ص 145

* محاولة اغتصاب دكتورة سعاد خيري ص 147

* تعذيب جنسي ص 151

* صور اغتصاب المعتقلات للمتعة ص 152

* عضوا الاخت والاخ التناسليين شهادة الدكتور المعتقل حسين الشهرستاني ص 153

  • الطبيبة التي استعدت للبلاء بي بي سي ص 154

* وقائع الاغتصاب وتهديد الزوجات العفو الدولية ص 157

* معتقلة تتحدث عن ازالة بكارة معتقلات ص 158

* إعتداء على أم هدى قبل قتلها امام زوجها ص 161

* إغتصاب مستمر شهادة السيد حسين الصدر ص 162

* إغتصاب النساء امام ذويهن ص 163

* إغتصبوها وانجبوا منها ولم تبلغ الـ 11 عاما ص 171

* محاولة الاعتداء على ساهرة واصابة نهلة وليلى ص 172

* إدخال القضيب في فرج المعتقلة شاهد عيان من سجون صدام ص 175

* كاميرا مخفية لتصوير المعتقلات العاريات ص 178

* عشرون جثة عارية وقطعت اثداؤهن ص 184

* تعذب إمرأة عارية شهادة المعتقلة ام حسن البياتي ص 186

* قراءة في كتاب القسوة ص 187

* معتقلة تحت الارض تقول ازالوا بكارة نضال في المعتقل ( صورة المعتقلة) ص 191

* إغتصاب سجينات عاشت معهن الممرضة البريطانية دفني بريش المعتقلة بالعراق ص 194

* وضعوا التيار الكهربائي في كل فتحة من اجسامنا ص 195

* لو ظفروا بنا سيعتدون على شرف الشابات وقد فعلوا مع اناس قبلنا نيشتمان ص 196

* مشاهد مفجعة للبنات والنساء الكرديات في الانفال ص 198

* الاعتداء الجنسي على النساء الكرديات في معتقل نقرة السلمان ص 200

* تعليق النساء عاريات من شعورهن ص 202

* مداهمة فجأة والتهديد بالإغتصاب ، والتعرية من الملابس الشاهدة فريدة ص 207

* في الاستخبارات العسكرية : معذبة مع زوجها خرجت احشاؤها ص 210

* الفنانة المعروفة ناهدة الرماح: استعداد للانتحار ص 215

* إعتداء جنسي على الشاهدة ص 126

* الاكراد الموالون لصدام اعتدوا على اعراض 7 بنات المعتقلة بشرى ( صورة) ص 219

وغير ذلك كثير جدا...

 

مؤلف الكتاب:  الدكتور صاحب الحكيم

آذار 2017 لندن

 

 

 

ويلز رائد أدب الخيال العلمي: لا أعتقد أنّ احداً منّا، قرّاءً وكتّاباً، لا يمتلك معلومات وافية عن هربرت جورج ويلز Herbert George Wells واختصارا بالعربية "هـ . ج . ويلز". ولعل أكبر جزء من معرفتنا به سيرتبط حتما بريادته في مجال الخيال العلمي (ريادة يتشارك فيها مع جول فيرن مع الفارق الكبير لصالح ويلز) وتحديدا روايات الخيال العلمي الكثيرة التي تحوّلت إلى افلام تشاهدها الأجيال الجديدة دون أن تلتفت إلى دور مؤلفها الفائق في خلق أدب الخيال العلمي. فروايات مثل آلة الزمن وحرب العوالم والرجل الخفي وتاريخ السيد بوللي وجزيرة الدكتور مورو وغيرها قد وضعت الأساس لأدب الخيال العلمي مثلما أسهمت بصورة أساسية في وضع الأسس لسينما الخيال العلمي أيضا.

وبقدر تعلّق الأمر بعنوان وموضوع مقالتنا هذه ينبغي البدء بالقول إن ويلز الذي وُلد ومات في إنجلترا (21 سبتمبر 1866،13 أغسطس 1946) عن عمر ناهز 79 عاماً، كان مشهورا بـ "نبوءاته" العلمية الصادمة التي – كالعادة في تعامل العقل البشري، والأهم " قلقه " مع ما هو مُتخيّل سابق للمعطيات الواقعية خصوصا حينما يكون مخيفا من ناحية ويكشف جوانب من الحقيقة البشرية العدوانية المستترة التي نحاول مستميتين التستّر عليها بتزويقات الحضارة من ناحية ثانية، ووجهت بالكثير من الإنكار وحتى الاستخفاف .

لقد استقبلت رواية "آلة الزمن" (1895) بالكثير من النقد وهي تصوّر الرحيل الخارق جدا نحو المستقبل (حوالي 802,701 بعد الميلاد) والانقسام المروّع للبشرية إلى طبقتين هما ما نراه يتركّز ويترسّخ كل يوم في حياتنا من طبقة قطط (أو كلاب) سمان (سمّاهم ويلز الإيلو) تعوم في الرفاهية وطبقة مُحطمة من سكنة العالم السفلي (سمّأهم ويلز المورولوك).

أمّأ "حرب العوالم" (1898) التي تدور حول هجوم كائنات مريخية عنيفة على الكرة الأرضية وتدميرها (وهذه نبوءة جاءت ضد الطروحات العلمية السائدة آنذاك حول الضوء) باستخدام أسلحة "ليزرية". وهي رواية نبوءة أيضا حول الانحطاط البشري والسعي المرعب في مجال حرب الفضاء وغيرها. 

تنبّا حتى بالدبابات والقنبلة الذرية والاستنساخ الوراثي!

وفي رواية "جزيرة الدكتور مورو" (1896) نبوءة واضحة لكن استباقية غير متوقعة عن عالِم تشريح يعيش في جزيرة معزولة ويتلاعب بالتركيبة الجينية للحيوانات ليمنحها شيئا من صفات البشر وقد طُرد من وطنه لنفس السبب وهو ما يحاول العلماء القيام به في الوقت الحاضر بصورة سرّية، وعلنية خادعة، من خلال الاستنساخ الوراثي.

والأمر نفسه يمكن أن نقوله عن نبوءات فريدة صادمة أخرى استشرف ويلز فيها (وصوّر) بدقة اختراع الدبابات .. ونزول الإنسان على القمر .. واختراع القنبلة الذرّية (أخطأ في العنصر الكيمياوي فقط وهو الراديوم بدل اليورانيوم) .. وغيرها الكثير.

لكن كانت لويلز نبوءاته وتوقعاته واستشرافاته السياسية أيضا (وهو ما يميّزه من جول فيرن)، منها على سبيل المثال لا الحصر توقّعه اشتعال الحرب العالمية (الأصح الغربية) الثانية عام 1939 (اشتعلت عام 1940 أي بفارق سنة واحدة فقط) وقبلها توقّع اشتعال الحرب العالمية الأولى ..  وقد جمع ويلز نبوءاته وتوقّعاته السياسية والاجتماعية عن الحكومة العالمية الواحدة والوحدة الاقتصادية الديمقراطية والثورة الجنسية والسيادة اللغوية للانكليزية وغيرها من التوقعات وجانبا من توقعاته العلمية حول الثورة العلمية والتكنولوجية في مجال القطارت والطائرات وغيرها في كتابه الشهير "توقّعات  Anticipations" (صدر عام 1901 وهو بعمر 34 عاما) الذي حظى باستقبال واسع.

كتاب ويلز النبوءة صدر عام 1933!

وكلما تقدّم بويلز العمر ابتعد نسبيا عن الكتابة الروائية القائمة على الخيال العلمي واتجه نحو الروايات الواقعية من ناحية ونحو الكتابة و"النبوءات" السياسية والفكرية من ناحية ثانية. وضمن الإطار الأخير يأتي كتابه : " شكل الأمور التي ستأتي أو شكل الأمور في المستقبل The Shape of Things To Come" الذي أصدره عام 1933 وسطّر فيه رؤياه المستقبلية لمستقبل العالم حتى عام 2106 ولكن بصورة استعادية عبر مراجعة أوراق دبلوماسي مُتخيّل هو الدكتور فيليب رافن .

يتكوّن الكتاب من خمسة أقسام أو "كتب" هي :

(1). اليوم وغدا: عصر فجر الإحباط - تاريخ العالم حتى 1933.

(2). الأيام بعد الغد : عصر الإحباط - 1933-1960.

(3). عالم عصر النهضة: ولادة الدولة الحديثة - 1960-1978.

(4). الدولة الحديثة المقاتلة - 1978-2059.

(5). الدولة الحديثة في السيطرة على الحياة - 2059 إلى يوم رأس السنة الجديدة 2106.

النبوءة المشؤومة: الحرب العالمية الثالثة ستشتعل شرارتها من البصرة!

وقد راجع المحلّل السياسي والتاريخي الأمريكي الدكتور "دنيس كودي" كتاب ويلز هذا واقتبس منه على الصفحة 50 من كتابه : "العولميون: النخبة الحاكمة تنكشف  The Globalists: The Power Elite Exposed" الصادر عام 2001 :

"في عام 1933، كتب ويلز كتاباً بعنوان" شكل الأمور في المستقبل The Shape of Things To Come". في هذا الكتاب، كشف ويلز عن جزء من خطة عُصبة المتنورين لبدء الحرب العالمية الثالثة التي من شأنها أن تعلن الدخول إلى "الدولة العالمية الحديثة" التي سيحكمها "المسيح - المسيح الدجال". لنستمع بعناية إلى هذا الجزء من الخطة، لأننا قد نرى ذلك يظهر مستقبلاً في أخبارنا اليومية:

".. إن مخطط تحقيق "الدولة العالمية الحديثة" سوف ينجح في المحاولة الثالثة (الحرب العالمية الثالثة) والتي سوف تنشب من شيء يمكن أن يحدث في البصرة، بالعراق" (ص 50) .

وحسب تحليل الدكتور دنيس كودي، فقد رأى ويلز - وببساطة - أن "تشكيل منظمة الأمم المتحدة  (تأسست عام 1945)، بعد الحرب العالمية الثانية، ستكون المحاولة الثانية في تشكيل الحكومة العالمية، ولكن ويلز أدرك أن هذه المحاولة أيضا لن تكون ناجحة. وهكذا، فإن خطة لـ 'دولة العالم الحديث" سوف تنجح في المحاولة الثالثة .. . وسوف تخرج من شيء يمكن أن يحدث في البصرة في العراق".

يمكن أن نعيد إلى الأذهان أن الهجوم على العراق عام 1991 (أي حرب تحرير الكويت التي تحوّلت إلى حرب تدمير العراق) بدأت بالهجوم على البصرة بعد تحشيد دولي عسكري وسياسي هائل جعل البعض يصفها بأنها الحرب العالمية الثالثة حيث فاقت القوات العسكرية المحتشدة ضد بلد واحد والأسلحة المستخدمة وعدد الغارات وكمية المتفجرات ما استُخدم في عمليات الحرب العالمية الثانية مجتمعة. وتحت أي غطاء تم شنّ هذه "الحرب العالمية الثالثة" ؟ لقد شُنّت هذه الحرب تحت غطاء "النظام الدولي الجديد" الذي يرادف ما دعا إليه هـ . ج . ويلز من حكومة عالمية سمّاها "دولة العالم الحديث" وهي التي تديرها الآن – سرّياً – جماعة بيلدلبرغ Bilderberg Group التي تضع حتى خطط اختيار رؤساء الولايات المتحدة والحروب في العالم وبرامج الإبادة البشرية (والأخيرة لا يؤيّدها ويلز طبعا).

لكن محاولة 1991 لم تحقق أهدافها، فهل كانت حرب احتلال العراق عام 2003 والتي بدأت بالهجوم على البصرة هي محاولة أخرى مُجهضة لإشعال الحرب العالمية الثالثة ولم تأخذ مداها النهائي والكلّي؟

مواقع أمريكية: عاجل نحن على بعد 300 ميل من الحرب العالمية الثالثة!

لقد لفت انتباهي أن عدداً من المواقع الإلكترونية الأمريكية المعروفة مثل The End Times Forecaster و Cutting Edge Weekly Newsletter وغيرهما ظهرت وهي تحمل عنوانا صادما هو :

URGENT: We Are ONLY 300 Miles Away From the Start Of WW3!

عاجل: نحن نبعد 300 ميل فقط من بداية الحرب العالمية الثالثة !

وذلك بعد أن احتل تنظيم داعش الإرهابي محافظة الأنبار، وأصبح على بعد 300 ميل من البصرة في عام 2015، وكانت المقالة تُفتتح في كل المواقع بالاقتباس السابق من ويلز :

".. إن مخطط تحقيق "الدولة العالمية الحديثة" سوف ينجح في المحاولة الثالثة (الحرب العالمية الثالثة) والتي سوف تنشب من شيء يمكن أن يحدث في البصرة، بالعراق" .

فهل ستتحقّق نبوءة ويلز الشيطانية هذه في المحاولة الثالثة بعد المحاولتين السابقتين بترتيب جديد تصوغه إرهاصات مُبدع تطفّل على السياسة بعقلية روائي فكان يرى الشرارة التي تحرق أكثر مما يرى التداعيات والعوامل التاريخية الواقعية التي تُطفىء؟

وهل يمكن أن نأخذ درسا من نبوءة روائي ؟

هل يحتاج رجل السياسة للأدب؟

لقد كتب أحد الروائيين الإنكليز رواية عن سفينة ضخمة جدا تحمل المئات وتغرق في المحيط ويموت فيها ألفان من المسافرين وكان اسمها "تايتانك" وذلك قبل عشر سنوات من حادثة غرق السفينة تايتانك الحقيقية. نفس الحادثة ونفس الإسم ونفس الطريقة والعدد .. فهل هناك أكثر دقة من هذه النبوءة؟

ولنضع السؤال بصورة أوسع : هل يحتاج رجل السياسة للأدب؟ وهل يمكن أن يضع رجل السياسة الماكر "العقلاني" خططه استنادا إلى رؤى تحرّكها قوى اللاشعور التي لا يمكن حسابها على الورق؟

وفي كل الأحوال فقد اعتدنا في وطننا العراق على انتظار شرارات الحرائق بلا نبوءات من ويلز أو غيره.. فهل هذا هو قدر بلادنا الميتافيزيقي المحيّر و"نبوءتها" التي لا فرار منها؟؟!!

 

حسين سرمك حسن - بغداد المحروسة

 

 

هو كتاب أهداه صاحبه إلى كل المظلومين والمضطهدين الذين أرهقتهم الأيام وداستهم أقدام الطغاة، كان كما قال عبارة عن صرخة مدوية لا يملك سواها، إنها صرخة القلب الجريح، مذكرا لهم بأن لكل بداية نهاية، ولكل ليل فجرا مهما طال وتمدد، قدم الكتاب الشيخ محمد الهادي الحسني، وقد كتب العلامة محمد نسيب الجزائري في أولى صفحات الكتاب عبارة مثيرة جدا قال فيها: " أيها الظلم المصغر خده رويدك إن الدهر يبني ويهدم، هو الحق يعفي.. ثم يعرض ساخطا فيهدم"، والكتاب عبارة عن مجموعة مقالات مختلفة نشرها الكاتب في صحف ومجلات جزائرية، نظمها في شكل كتاب، وهذه المقالات تعالج أمراضا ومشاكل اجتماعية، وماهي سوى صرخات النفس المعذبة، ودخانا تصاعدا من قلب محترق، وقد قسم المؤلف كتابه إلى  أربعة محاور: تناول في المحور الأول السيرة النبوية، وتناول في المحور الثاني بعض الشخصيات العلمية الجزائرية المتخرجين من مدرسة محمد، وتحدث في المحور الثالث عن الرافضون عبر التاريخ الذين اختاروا الدروب الوعرة المغروسة بالأشواك، الرافضون للعبودية والتبعية، أما المحور الرابع ركز فيها صاحب الكتاب على قضية التبشير الإستعماري الصليبي والإعلام الغربي الصهيوني وخطرهم على الأمة الإسلامية.

وإن كان صاحب الكتاب من أصول أمازيغية، فقد أبى إلا أن يدافع على لغة "الضاد" وهوة يؤلف كتابه بلسان عربيّ، وهو يستظهر بطولات الشعب الجزائري الذي تصدى للإستعمار الفرنسي مدافعا عن دينه ولغته وقيمه، من قال أن الأمازيغي لا يتكلم العربية، من قال أن الأمازيغي لا يعرف الكتابة باللغة العربية، فهاهو الأمازيغي يتحدث عن الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية العلامة ابن باديس، ويدعو جيل الإستقلال بأن يتعلم عن هذا الإمام المصلح، وأن لا يتسامح ولا يتنازل عن ثقافة وطنه ولسان قومه، وقد أسهب محمد نسيب في وصف مأساة الإنسان المعاصر الذي يقوده العميان والمجانين، إنه الإنسان المادي الذي صنعته الحضارة المادية فحولته إلى حيوان مفترس، وفيما يتساءل الكاتب عن الحرية والديمقراطية المزعومة التي صنعها الغربيون، يصف محمد نسيب تجار الحروب بأعداء الإنسانية..

لقد جف ريق الكاتب وهو ينادي المسلمين الذي تفرقوا ويدعوهم إلأى العودة لكتاب الله، فهو يخاطبهم قائلا: " يا مسلمين متى تقفون على أقدامكم ولا تزحفون على بطونكم.. يا مسلمين تعالوا إلى كتاب الله هو الحكم فينا بينكم ونبراس ينير طريقكم المظلم فلا تهملوه فتظلوا الطريق..، يا مسلمون هل من عقل يفكر وضمير يستيقظ، وحركة تنبعث..؟..الخ، ولكن لا احد يسمع فيستجيب، فلا يجد العزاء إلا من البحر يحدثه ويناجيه، وهو مقال عنونها الكاتب بالصيغة التالية: " متى تثور يا بحر؟"، إذ يقول: "  يا بحر متى تغضب وتثور، وتغرق القرود والخنافس، وتطهر شواطئك من الأمواج والأشلاء المبعثرة التي ينخرها الدود ويحوم حولها الذباب وينقل منها الجراثيم والأمراض ويهلك الأحياء"، ويضيف قائلا: " يا بحر لو أرسلت موجة واحدة لغسلت رمالك وأزلت من وجهك الأوساخ التي تجمعت حولك،و تطفوا على سطحك  فشوهت جمالك وغيرت لونك ورائحتك، يا بحر كنت ثائرا وكان هديرك يملأ الدنيا رعبا وخوفا،  وصرت جامدا سلكنا لا تدافع عن شرفك المهان وكرامتك المداسة، كان شاطئك يا بحر مأوى الأحرار وملتقى الأبطال ومرتع الأسود والأشبال..، لعلهم قالوا لك  إننا جيل ثائر على الأخلاق والعادات والتقاليد وعلى كل مبادئ الإنسانية؟، فصرت يا بحر لا تتأثر ، تغضب ولا تثور..الخ..

و يرحل الكاتب مع الرافضين عبر التاريخ، وهو في الحقيقة كتاب ألفه الأستاذ محمد الصالح الصديق، جمع فيه بين الأولين والآخرين، وعرّف بعظماء الشرق والغرب الذين قالوا " لا" في كل زمان ومكان، ورفضوا العبودية وقاوموا الظلم والإستبداد وصاحوا في وجوه الجبابرة والطغاة ودافعوا عن الحرية والكرامة الإنسانية، والحقيقة أنني بحثت عن كتاب الرافضون عبر التاريخ ولم أعثر عليه، يقول محمد نسيب : لولا الرافضون لابتلعتنا هذه الأفاعي التي تزحف في كل مكان تثير الرعب والفزع في قلوب البشر، والكاتب محمد نسيب من مواليد 1924 بمنطقة القبائل ناحية  بوغني ولاية تيزي وزو، بدأ تعليمه على يد والده في المنزل ثم انتقل إلى زاوية الشيخ عبد الرحمن اليلولي، قبل أن يشد رحاله إلى جامعة الزيتونة بتونس لمواصلة الدراسة، اشتغل في الصحافة بعد حصوله على شهادة ليسانس في الفلسفة من جامعة الجزائر، تولى إدارة المركز الثقافي الإسلامي بالعاصمة، ثم مديرا لمجلة "الرسالة" ، وظل يناضل بقلمه وفكره إلى أن وافته المنية في سنة 2003

 

علجية عيش

 

".. هكذا وشمت جدّتي لأبي قديماً سفحَ عُنُقِها وكَعْبِها، كَي يُميّزَها ضبعُ الفلواتِ من بين النّساء. هكذا حفرتْ بِحبرِها السريِّ حكايةَ قريةٍ ذهبت معها إلى القبر، وأبقت لنا فيءَ حكايةٍ نَستظلُّ بخُرّافيّتِها"،،،، (عَين خَفشة)

عن الأهليّة للنّشر والتّوزيع، بيروت- عمّان، صدرت "عَيْن خَفشة"، رواية رجاء بكريّة الجديدة. وهي تأتي  بعد روايتي،  عُواء ذاكرة، النّاصرة- النّهضة  1995  ،و"امرأة الرّسالة"، بيروت 07. تصميم الغلاف بريشة التّشكيليّة، هيام مُصطفى.

" لم يكن عملاً سَهلا أبدا، أن تكتُبَ تاريخَكَ بماءِ العَين. ستّة عشر عاما وأنا بينَ تسويدٍ ومحو. تسويدِ الصّفحاتِ بالرُّصاصِ، ومحوِها بالدّمع. دَمعُها جدّتِي الّتي ذهبت، ولو قيلَ لي أنّي سأنتَهي من كتابتها على هذا النّحو، لما صدّقت! ".

والعمل يحكي عن مقبرة الأرقام الّتي ضيّقت عيون قرية بصغيرها وكبيرها. وكانت خفافيشها سببا في إنشاء نظام جديد لحياتها، وقلب موازين ليلها ونهارها.  وفكرتُها، شأن "امرأة الرّسالة" رواية الكاتبة الأخيرة، انطلقت من واقعٍ مُعاش، مركزهُ  تقرير بعيد صدر في الإتّحاد الحيفاويّة حول مقبرة الأرقام قبل سنوات. في أعقابهِ أجرت الرّوائيّة بحثا ميدانيّا، تاريخيّا، وفكريّا تجاوز الأيّام، وفنّن تفاصيل الواقع، كي يقدّم التّاريخ بذاكرةِ أصحابِهِ. وَجِعاً عَذباً مُبكِيا. حكاية لُجوءٍ  قالتها نسوة ذلك الزّمن في زَمنٍ لم يَعُد لهنّ,,

"وأنا، أحاول في (عَين خَفشة) أن أعيدَ للنّكبة أسماءها الأولى الّتي عِشناها نحن صِغارا، على لسانِها، جدّتي، وكلّ النّساء اللّواتي تمارينَ في تنويحاتها القاتلة. فلأجلِها كَتبتُها"،(رجاء.ب)

حيفا..

 

 

خواطر مضيئة يكتنزها كتاب "حوارات وآفاق"، الصادرعن "نورللنشر" في زاربورغ بألمانيا، والذي يروي السيرة الفكرية للكاتبة مروة كريدية التي تتحلى برؤية عالمٍ في أعماقه حدس شاعرٍ عابرٍ للتخوم؛ وبحسٍ وجودي ترقى بالفكر و السياسية نحو فضاءات لامتناهية من الحرية الحقيقية، التي توقظ الوعي و تحرره من كلّ ما يقيده من عبودية الأفكار والأشخاص والمخاوف والاطارات الثقافية المغلقة، حيث رؤية الواقع بِعمقٍ لا يختزل الانسان ىوصفه البيولوجي بل تمنحه حضورا ايجابيا  في الوجود.

وتتنوع موضوعات هذه القطوف المختارة التي تتمحور حول محورين أساسيين، الأول منها يتناول الواقع السياسي، والثاني يكشف عن الخبرة الأدبية والفنية، فيما يتكامل الموضوعان بالتوجه نحو أفق متأمل يلتزم الصمت الحكيم الفاعل في العالم، الحاضر في الكون.

المحور الأول الذي جاء بعنوان : "على تخوم الثورة " وتستشرف فيه الكاتبة ارهاصات "الربيع العربي"، حيث ترى ان الثورة بمفهومها الايجابي هي فعل سياسي يسعى لتحقيق النواحي الايجابية لسياقات التطورات المصاحبة لكافة التطورات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية وغيرها، وان "السياسة"  والحالة تلك  تعني الحكمة وحسن الادارة  على نحو ينسجم مع القيم الانسانية ، وأنه لابد لأن نرقى بالسياسة عن عالمها الأدنى إلى حيث تخوم الانسانية التي لا تغفل حق الانسان في حرية روحه وكونيته مؤكدة على ان فعالية التغيير تكمن في سلمية أي تحرك، إذ ان الظلم لا يرفع بالظلم وان اللاعنف مبدأ وجودي .

وقد تضمن هذا المحور أيضًا العديد من القضايا الفلسفية والمضامين الفكرية المهمة نقرأ منها:"عطالة المنطق ورهانات الفكر، فتوحات المعرفة وصناعة الخراب" حيث تنتقد فيه الأسس "المنطقية" التي ينبني عليها الفكر، وترى ان صناعة الخراب ليست وليدة حالة ثقافية راهنة بل صنيعة حالة فكرية ساهمت فيها العقول المؤدلجة التي اتخذت من العقائد أداة لشرعنة القتل .

 أما تحت عنوان "الحتميات الطائفية واللادولة " فتقدم لنا الكاتبة تحليلا للعقلية الإلغائية التي تحوّل التكوينات الثقافية في الشرق الأوسط إلى مستودعات عنصرية، مؤكدة أن مواجهة تلك  الحتميات الطائفية تكون بالسير نحو الديموقراطية وفصل السلطة السياسية عن سلطة رأس المال .

وتحت عنوان " تواطؤ الأضداد" ترى الدكتورة مروة كريدية ان غياب مفهوم المجتمع المدني أدى الى انتاج حكومات فاسدة تعيد إنتاج نفسها حتى عبر معارضيها حيث المعارضة تكون وجه آخر لترجمة القمع السابق نفسه .

وتناقش تحت " الحوار الحضاري وحرب التأويلات، القوميات والهوية الحضارية " تعقيدات هذا العصر وسط أزماته الثقافية والفكرية التي تفاقمت و حوّلت بعض المجتمعات الى جُزر منعزلة تشي  بانعكاسات مدمرة على بني البشر، لتلقي الضوء على اسباب تأويلات النصوص المقدسة التي تنبني عليها العقائد ومآلات ذلك على بنية الهوية وتشكل القوميات .

أما المحور الثاني من الكتاب فقد جاء بعنوان " المرأة والجمال "، ويضم بعدًا روحيًّا ينعكس في الاعمال الفنية والانجازات الادبية، التي قدمتها الكاتبة طيلة عقد من الزمن، حيث تُعانق  نهجًا عرفَانيًّا يعتمد الرؤيا والحَدس ويَمزِج الرومانسية بالحداثية، ويوائم السرد الواقعي بالرؤيويّة الصوفية، ويتناول مفهوم الانسان الكوني والمرأة بوصفها الحاضنة للعطاءات، والمبدعة القادرة على الوهب اللامحدود. 

وقد اشتمل هذا المحور على العديد من العناوين الفرعية منها " تحولات النص البصري " الذي تعتبر فيه أن رمزية الحرف واتساع المعنى لا تستوعبه الريشة، إذ أن التصوير يقيد المعاني . وتحت عنوان "الفن التأملي والنقد" ترى أن النص الأدبي يتجاوز مؤلفه، وأنّ الفن التأملي أبعد من الأسقاط الأنوي ، فيما الفن الانفعالي من شأنه أن يكون انعكاسا للواقع المعاش.

ووحول "الأدب والقضايا الانسانية " ترى ان الآداب سيف ذو حدين حيث بإمكانها ان تخدم القضايا الانسانية، كما يمكن ان تحرض على الكراهية، وان الانسان الكوني هو الذي لا يفصل ذاته عمن يحسبهم العالم سيئين اذ انه لا يمنح نفسه حق محاكمة الآخر .

أخيرا، تخلص الكاتبة الى انه على الرغم من تنوع الميادين المعرفية التي يطرقها الانسان خلال مسيرته، فإن الحياة تغدو كلها مدرسة وجودية للذات الانسانية، وكلها تتجه في عمقها الحقيقي نحو أفق كوني حيث يحيا الفرد حياة تامة كاملة القيمة، لا كما يرغب بل كما هو ، فيما ينسجم مع محيطه بمحبة باذخة .

****

المؤلفة في سطور :

 مروة كريدية كاتبة لبنانية تقيم في الولايات المتحدة ، وهي اسم بارز في المجالين الفكري والثقافي،    تفرغت لدراسة ظواهر العنف في المجتمعات الانسانية، والبنى الفكرية المؤسسة لها وعلاقة ذلك بالحقوق والمدنية وعلاقتها ببنية الأنظمة السياسية والأيديولوجيات، لتقدم رؤية تتمحور حول كونية الانسان ووحدة الوجود مما ينعكس في سلوك لاعنفي وانتماء كوني يحترم البيئة و الكائنات ويحافظ عليها .

درست العلوم الإنسانية وتخرّجت من الجامعة اللبنانية، واكملت دراساتها العليا في المجال نفسه لتنال الدكتوراه في الفلسفة وعلم اجتماع، وقد قدمت للمكتبة العربية العديد من المؤلفات  الفكرية والكتب الادبية والابحاث الميدانية، من اهمها "استراتيجيات الامل في عصر العنف" "فكر على ورق" ، "لوامع من بقايا الذاكرة" ، "عواصف النسيان"  و "رهانات السلام اسئلة العنف وآفاق الكون " وغيرها .

****

عنوان الكتاب : حوارات وآفاق  -  سيرة فكرية بين محاور السياسة ومعابر الفن والأدب

المؤلف : د. مروة كريدية

عدد الصفحات : 184

الطبعة الأولى : 2017

الترقيم الدولي : 9783330848153

دار النشر : نور للنشر -  زاربورغ – ألمانيا

التصنيف : علم الاجتماع – الفكر السياسي .

 

زاربورغ – ألمانيا

 

 

 

إنَّ هذا الجهد التاريخي النوعي الذي يقدّم لنا هو ثمرة قطفت من شجرة جهود علمية بذلها الباحث كما اشار في مقدمة كتابه حيث استند في القول الى عبارة من آيات القرآن الكريم بأسلوب استهلالي،إذ يقول:  (الحمد لله الواحد الاحد الفرد الصمد الذي جعلنا شعوباً وقبائل لنتعارف ان اكرمنا عند الله اتقانا).

ولهذا القول غاية تصب  في نهر الايمان لتتدفق الى أذهان العقلاء اثناء السقي منها حتى تتحقق تلك الغاية المنشودة (التعارف وتقوى الله تعالى).

أما الاطار العام لهذا الكتاب،فهو دراسة تاريخية  اكاديمية جديدة عن خفاجة في الجوانب السياسية والعسكرية والعلمية والعمرانية، فحتما انها ستفتح  افاق البحث لكل باحث في تاريخ هذه القبيلة ليبحث عن الجديد .

ونستطيع القول بأن هذه الدراسة التاريخية هي تمهيد لطريق واضح نحو إقدام الدراسات العليا على دراسة تاريخ هذه القبيلة، لا سيما ان لها مراجعا خاصة وضعها المرحوم الاستاذ د. محمد عبد المنعم خفاجي،وهي :

1.بنو خفاجة وتاريخهم الادبي والسياسي |تسعة اجزاء، صدر منه خمسة اجزاء في سنة 1950م،والاخرى مازالت مخطوطة .

2.الدولة الخفاجية في التاريخ .

3.الخفاجيون في التاريخ.

فضلا عمّا نشرناه من بحوث ومقالات عن تاريخ القبيلة ونسبها مع امكانية العودة للمراجع ونشر بعضها،وجميعها مادة تاريخية (خام) تتيح للباحث العمل بها سواء كأطروحة او دراسة وتحقيق .

وجاء هذا الكتاب (امارة بني خفاجة) مكملا لما ذكرنا من مراجع خاصة .

ومن فوائده انه مصدر عام تقدم به المؤلف وهو استاذ مختص في التاريخ، فالبحث هو بحثٌ يعلم الباحث ان يختار ما الجديد ليكتشف الحقيقة المغيبة عن تاريخ هذه القبيلة العريقة .

وعلى سبيل المثال تناول المؤلف موضوع وفود ربيع الخفاجي على الرسول (صلى الله عليه واله وسلم). وهذا الموضوع لم تتطرق اليه المراجع الخاصة بالقبيلة غير اننا كتبنا عنه بشكل عابر كمادة (خام)  ونشرناه عبر الموقع الرسمي للقبيلة، فقدم الاستاذ د. خضر الخفاجي تفصيلا كاملا عنه في كتابه المذكور.

ويقف المؤلف الدكتور بين ثنايا صفحات الكتاب عند بعض النصوص،فيحللها تحليلا علميا دقيقا  .

ويكتب رأيه حول نسب خفاجة بعد دراسته لضوابط علم النسب، ويبين لنا وجهة نظره في تسلسل النسب حيث يتفق معنا في مذكراتنا المنشورة سنة 2005 بالنسبة لأسماء اباء واجداد خفاجة .

ويختلف معنا في بحثنا الاخير (عمود نسب خفاجة الى ادم) المنشور على مكتبة علوم النسب (لندن) في 2016م، حيث ان الاستاذ الفاضل اعتمد على ابن حزم في جمهرة النسب، واعتمدنا نحن على سيرة ابن هشام .

وفي اسماء احفاد خفاجة كثمال اتفق معنا في المذكرات،لكننا اختلفنا معه في بحث العمود حيث ان د، خضر الخفاجي ذكر في نسبه ثمال بن سيف بن برصم (الاكبر)!

ونحن اكتشفنا في البحث المذكور ان ثمال هو ثمال بن مهدي بن سلمان بن حزن ..وسندنا بذلك  ابن ماكولا في   كتابه الاكمال في رفع الارتياب، الطبعة الاولى 1965م،ج4، ص25 .

 إن كتاب امارة بني خفاجة حتى العصر الاسلامي بحثا تاريخي عميق، يرسم من خلاله المؤلف صورة واقعية عن الاحداث والمواقف التي مر بها رجال القبيلة في العصر المشار اليه في عنوان الكتاب .

ومن خلال دراسته النصوص الاصيلة في المراجع والمصادر المختلفة أشبع مواضيعه تحليلاً علميأ دقيقاً.

وهكذا هي كتابة التاريخ يجب ان تكون نافعة  للباحثين أولا ، ثم لأبناء القبيلة ثانياً حيث يرتقي تاريخهم عن طريق السلم العلمي .

يشتمل الكتاب على تسعة فصول يبدأ في نسب خفاجة ومعناها والنشأة ثم ينقل المؤلف الكريم بعدها الى دور خفاجة في عصري الرسالة والاموي، ثم دراسة مستفيضة عن امارة عمران بن شاهين واولاده، معرجا على نسبه والمعارك التي خاضها .

وينقلك في الفصل التالي الى شخصيات سياسية وعسكرية من خفاجة.

ويقدم دراسة انفرادية اخرى عن الدور السياسي والعسكري لآل ثمال.

ويطرح الحوادث السياسية والعسكرية لخفاجة في القرن السادس وهذا الموضوع تفتقده مراجع ومصادر خفاجة الاولى .

اما الفصل التالي  هو تقديم صورة دراسية عن علماء خفاجة .

وينطلق المؤلف في بحثه العميق ليعرج بالقراء الاكارم ويقف معهم على نماذج من الدور العمراني لبني خفاجة حتى العصر العباسي .

ويعود معهم من حيث بدأ ليطلعهم على الجديد في ذلك البحث من ناحية النسب فيقدم دراسة عن المنسوبين لخفاجة وليسوا منها .

وينهي الاستاذ د. خضر الخفاجي بحثه بلمحة عن نسبه وخاتمة البحث حيث النتائج التي توصل اليها في هذا الكتاب .

ولا يسعني في هذه المقالة المتواضعة غير تقديم الشكر والتقدير والثناء لهذا الاستاذ القدير الذي غرس الامل عندي بأن هناك من يفكر معي من أجل الارتقاء بتاريخ قبيلة خفاجة .

والشكر موصول الى الاستاذ د. سلام الجابري في جامعة ذي قار الذي تحمل عناء وصول تلك الهدية الثمينة الينا .

 

بقلم: مجاهد منعثر منشد

……………….

* مؤلف الكتاب هو الدكتور خضر عبد الرضا جاسم الخفاجي ـــ استاذ جامعي ـ جامعة بغداد ـ كلية التربية للبنات (قسم التاريخ).

 

 

صدر للباحث الدكتور عبد الله الكدالي عن دار "عالم الكتب الحديث" كتاب عنوانه "تداولية المقام، بحث في الشروط المقامية في التراث النقدي والبلاغي". ويقع الكتاب في 226 صفحة، وقدم له الدكتور أبو بكر العزاوي.

ويحاول الكتاب الوقوف على مجمل الشروط التي يخضع لها الكلام البليغ، الشعري منه على وجه الخصوص، إنتاجا وتقبلا. فجاء الكتاب، تبعا لذلك، مقسما على ثلاثة فصول، عناوينها كالتالي؛ الفصل الأول: شروط المقام التعبيري. الفصل الثاني: شروط المقام التأثري. الفصل الثالث: شروط المقام المادي.

وقد حصر الباحث عدد الشروط المقامية في عشرة؛ منها شروط مرتبطة بالمقام التعبيري، وهي شرط الباعث، وشرط القصد، وشرط الشحذ. ومنها شروط مرتبطة بالمقام التأثري؛ وهي شرط التعقل، وشرط الاشتهاء، وشرط الاعتقاد. ومنها شرطان متعلقان بالمقام المادي، هما شرطا الزمان والبيئة.

 

مبارك أبا عزي

وقع تحت يديّ مؤخرًا الكتاب: نهال عبد الرحيم أبو عقل، عرعرة - جذور وأغصان، حكايا وتراث. عرعرة: دار الأماني للطباعة والنشر، ط.١، ١٩٩٩، ١٥٤ ص. من القطْع المتوسّط.

أوّلًا يجب التنويه بأن المؤلّفة، نهال عبد الرحيم أبو عقل، ابنة عرعرة، قد أعدّت مادّة  هذا الكتاب في نطاق بحث قدّمته، حينما كانت في الصفّ التاسع في مدرستها الإعدادية، وعمرها خمسة عشر ربيعًا، ونالت عليه علامة كاملة. بين دفتي الكتاب ثمانية وثلاثون بابًا بمعدّل أربع صفحات في كل باب. من عنوانين تلك الأبواب نذكر: الموقع؛ مبنى القرية العربية؛ أسلوب البناء في الماضي؛ عادات زراعية؛ الزيتون؛ المقاثي؛ الزي الفولكلوري؛ أمثال شعبية؛ الحزازير؛ المطبخ والمأكولات القديمة؛ مقامات وأولياء في عرعرة؛ التعليم؛ قريتي عبر التاريخ، حارات وعائلات؛ عادات وتقاليد؛ سمات الأغاني الشعبية؛ العادات والمعتقدات؛ القهوة السادة في تراثنا.

اعتمدت الطالبة في إعداد هذا الكتاب على بعض المصادر المكتوبة ذكرتها في ذيل الكتاب وعلى إجراء مقابلات مع بعض الأشخاص في عرعرة (ص. ٥، ١٥٣-١٥٤). آنها كانت عرعرة التي في المثلث في منطقة وادي عارة  قرية (هناك عرعرة النقب)، والآن أضحت مدينة حيث يبلغ عدد سكّانها قرابة الخمسة والعشرين ألفًا. ثمة رأي يذهب إلى أن الاسم ”عرعرة“ مستمدّ من شجر العرعر الموجود بكثرة في المنطقة (محمد عقل، المفصّل في تاريخ وادي عارة. القدس: مطبعة الشرق العربية، ١٩٩٩؛ نهال لم تستغل هذا المصدر إذ أنّه صدر في نفس السنة التي قدّمت فيها بحثها هذا). ومعلومة أخرى لافتة للنظر، وتهمّني شخصيًا، تشير إلى أن معظم سكّان عرعرة حتّى الفترة الصليبية كانوا، على ما يبدو،  من السامريين، كما صرّح بذلك المؤرخ العربي أبو الحسن علي المسعودي المتوفي عام ٩٥٧م وكما يشهد على ذلك الكشف عن طرق دفن سامرية هناك.

لا ريب في أن عمل السيّدة نهال هذا جدير بالاحتذاء والتشجيع. حبّذا لو سار على النهج ذاته، طلاب آخرون في المرحلة الثانوية في مدارس عربية أخرى في البلاد، وقد يتعاون بعض الطلاب في إنجاز مثل هذه المهمّة البحثية بإشراف المعلمين ذوي الاختصاص. إنّ القيام بعمل ميداني من هذا القبيل، لذو مردود كبير للطلاب وللمجتمع على حدّ سواء. هناك حاجة ماسّة وهدف سام في جمع وتوثيق ألوان شتّى من التراث الشعبي الشفاهي من أفواه المسنّين والمسنّات في الجليل والمثلث والنقب من قصص، حكايات، حزازير، أغاني الأطفال والأفراح، أدعية، ألغاز إلخ. أو التركيز على موضوع معيّن مثل عادات وتقاليد معينة، الطعام، اللباس، الزراعة، الأعراس، الأمثال، الحداد، معتقدات، السوق، البيادر، الحصاد، المهن القديمة، الزيتون، الكنيسة، المسجد، الطلاق، العلاقات الاجتماعية، الطب الشعبي، وصفات طبية، اللهجة، فروق لغوية بين لهجة الرجل ولهجة المرأة؛ الأمثال، حماية العرض والشرف، العونة-العمل التطوعي القديم، الرقى والتعاويذ، الألعاب القديمة، الدبكة، الرياضة إلخ.

وأرى أن التشجيع هنا واجب لأهميته وضرورته، إلا أنّه يجب ألا نغضّ الطرف عن أخطاء ونواقص، أي لا بدّ من نقد بناء لتفادي الوقوع بمثلها في المستقبل. وعليه ارتأيت أن أسجّل بعض الملاحظات.

١) ترتيب فصول الكتاب يجب أن يكون وَفق خطّة مدروسة ومنطقية، أولا مثلا نبذة عامّة عن القرية من حيث الموقع والتاريخ والسكّان، وما فيها من مواقع هامّة ثم مثلا جانب التراث، الزراعة، العادات والتقاليد ولهجة القرية إلخ.

٢) ترتيب المراجع وفق الأبجدية ووفق اسم العائلة فالشخصي فاسم الكتاب فمكان النشر ودار النشر والسنة، ولا حاجة لاستعمال الأرقام اللاتينية (يمكن أيضا اتّباع طريقة وضع سنة النشر بعد اسم المؤلف مباشرة بين قوسين أو بدونهما) وتفادي التكرار ، ص. ١٥٣-١٥٤.

٣) من المفيد ذكر أعمار الأشخاص الذين أُجريت معهم المقابلات ولا بدّ من مقابلة النساء أيضا.

٤) الطباعة لا تمتاز بجودة عالية وكذلك الصور، حوالي ثلاثين صورة أدرجت بدون كلمة إيضاح، وهي لا تساهم كثيرا كوسيلة إيضاحية.

٥) أخطاء لغوية: إنها آفة عصرنا، وللأسف الشديد، ولا بدّ من وجود/إيجاد مدقّق لغوي في كل دار نشر! وهاك عيّنة من الأغلاط المصحّحة:

 فلا تتردد عزيزي القارىء في الخوض، ص. ٦؛ معتقدا بدلا من معتقدة، ص. ٦؛ وتقع عليها قريتا عارة ومعاوية، ص. ٧؛ عدة ضواح، ص. ٧؛ التعريفات لا التعاريف، ص. ٩؛ إن هناك نوعين، ص. ١١؛ مسطحات، ص. ١٨؛ جاريا خلف فدانه، ص. ٢٠؛ يوم عمله، ص. ٢٠؛ بعض الخرب، ص. ٢١؛ واستقروا فيه، ص. ٢٢؛ وكما كان أصحاب رؤوس الأموال يشترون… ويزرعونها… ويؤتون، ص. ٢٣؛  ومساحته أكبر، ص. ٢٥؛ أكياس الخيش، ص. ٢٨؛ في جواب من الفخار، ص. ٣٠؛ تتواجد الجاروشة على شكلين لكنهما لا يختلفان، ص. ٣٥،  والحصان والحمار والبغل والجمل تقوم بهذا، ص. ٤١؛ وما زال يشكل نسبة عالية، ص. ٤٥؛ في حين عملت المرأة، ص. ٤٥؛ حتى ثلاثة دونمات، ص. ٤٨؛ مسافة خطوة، ص. ٦٠؛ إن الكرامين، ص. ٦٢؛ مأكولات لذيذة يحبها الجميع، ص. ٦٧؛ بعد أربعين سنة وقال استعجلت، ص. ٨٠؛ بنو هلال في الشرق وبنو قرة في الغرب، ص. ٨٨؛ توجد صبية اسمها سعدة، ص. ٨٩؛ في أحد الأيام، ص. ٩٢؛ ثأر أخيها، ص. ٩٢؛ ويعمل أعمالًا دنيئة، ص. ٩٤؛ ٩٩ شخصًا وأصبح يتساءل أنه، ص. ٩٤؛ من ثلاث نسوة، ص. ٩٥؛ حيث يقترب من اليباس، ص. ١٠٤؛ عن مساكن القرية، ص. ١١٨؛ وأصبحوا يسمون كل عشرة بيوت، ص. ١٢٤؛ وهذا جانب من التراث، ص. ١٣٩؛ وليس له ممسك (أذن)، ص. ١٤٦؛ الأرض المعطاءة، ليست عاقرًا، ص. ١٥١، فهو محصّلة بحث، ص. ١٥٢.

تمتّعت في مطالعة هذا الكتاب، ولا سيّما في كل ما يخصّ اللهجة المحكية في عرعرة، التي لا تختلف كثيرا في معجمها عن لهجتي الكفرساوية. هل التلاميذ الذين بعمر نهال عندما أعدّت هذه المادّة، أي الذين تتراوح أعمارهم بين الـ ١٥-١٦ ربيعًا يعرفون معاني مثل هذه الألفاظ التي وردت في الكتاب:

يدغش، الملول، العرازيل، العراق، الصفار، إكوارة، المنزول، الخربوش، يوك/جاق، التشويف، قرقباشة، الحسيم، المنتعة، الليس، زغت، غبوة، ترماية، تتريحة/تغليقة، القمح الهايف، الدومرج، القاحوف، الدقران/القلاب/الشاعوب، البلانة، الكدانة، رياح الحيوان، الشبقات، الملقة، القمشة، ردايد، فرافيرة،المحاير، الروسية، حفشة، قحقيح/قرقيع، البدودة، طيشة البيضة، القرقة، طوالة الصبر، جليشة، الشخشير، الشمبر، ديماية، القهوة خص والشاي قص، اللطع، بصارة.

 

عرض ومراجعة: ا. د. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

يندرج كتاب » في مواجهة اليأس العربي « لكمال عبد اللطيف، ضمن المحاولات الجادة لاستنهاض الأسئلة الحقيقة، المتصدرة لمواجهة ما صار واقع العربي ينعم فيه ويطرحه بسخاء،  من حيرة وغثيان معمم.

كمال عبد اللطيف، لا يتحدث هنا عن يأس عدمي، كما يجنب دراساته بالكتاب، بل عن يأس تاريخي يمنحنا القدرة على التعبير عن كرْبنا بالصورة التي تحول توترنا وانقباضنا أمام ما يجري، إلى مناسبة للمقاومة، ليس بأساليب المقاومة أللفضية، بل بأساليب التعقل التاريخي، القادر على الابتكار وإسداء الأساليب الواقعية للترقي والتطور.

إن ما يميز الطرحات النظرية والرؤى المنهجية التي وسم بها الكاتب مغامرته البحثية، هي أنها صادرة عن مثقف خبر القضايا وقلّب أسبابها، ليصدر عن التحليل والموقف، وهو على عكس ما يرتج فيه المشهد الثقافي من استكانة عديدين لبرجهم العاجي، خاصة في وضعية الأزمة وانسداد أفاق التفكير والعمل العربي المشترك، حيت أننا لم نعد نشهد أعمال بحثية ذات قيمة قادرة على إرساء ما به نستهدي، ونحن نتلمس الطريق مسترشدين بما توضح لنا.

الجدير بالملاحظة والتتبع، أن الكتاب يأتي في ضمن الانشغال العام لهذا الكاتب باستقراء الواقع العربي، ومحاولات الخروج بمدركات نظرية يمكن البناء عليها، لتجاوز الإرباكية العامة التي نَستنْقع داخلها، فالمضيء أن عدد من الخلاصات والمواقف المبثوثة في ثنايا هذا الكتاب، نفهم ضمن مبادئ ركيزة اشتغاله النسقي عليها، في أعمال بحثية أخرى ككتاب (أسئلة النهضة العربية) أو في العمل اللافت للاهتمام (تشريح أصول الاستبداد في فكرنا السياسي) فإن كان الكتاب يقارب منجزه، من خلال عدد من المقالات الرامية لمواجهة جملة من الأحداث الصانعة لكثير من مظاهر الارتباك السياسي والفكري، بحاضرنا وإن كانت تغطي لفترة زمنية محدودة وسابقة لما اندلع بعدها من الربيع العربي، إلا أنها تبقى ذات طابع تحليلي برؤى مخالفة، قادرة على تمثل صلاحيتها على طول المدى المتوسط، بما هي تعلن انحيازها لخيار الحداثة والتحديث السياسي، بل تذهب إلى ما هو أبعد كما يعلن منذ إضاءته الأولى، بمحاولته نقد صورة المخاتلة والتردد والتراجع، التي أصبحت تشكل اليوم سمات بارزة في خطاباتنا السياسية والثقافية .. فدفاع كمال عبد اللطيف عن لزوم الانخراط في الإصلاح، لا يستسهل مطلب الإصلاح، بقدر ما يعمل على محاولة تفكيك أسئلته، وإبراز حدودها التاريخية، بطريقة في العمل لا تتردد في وضع يدها على مظاهر العطب والخلل، فالباحث يواجه وقائع محددة، كما يتصدى لأسئلة مضبوطة، وهو يحاول التفكير بمعيارية الزمني المتوسط، لأنه كما يذهب ويدافع أن صيرورة التدين في زمننا موصولة ببنيات تاريخية محددة، وموصولة في الآن نفسه، بإشكالات تتجاوز الوقائع المرصودة نحو ما هو أبعد منها، أي نحو ما يتغلغل في النسيج الحدثي، السياسي والثقافي، كما يحصل في واقعنا فالتفكير في إشكالية النهضة التي يعبر عنها بموضوع التفكير في الإصلاح، ونتيجة عنه البحث التشخيصي وفهم المآل العربي الراهن في ضوء المتغيرات الجديدة، التي تحملها معالم الصراع السياسي.

فليس من قبيل التشاؤم أو التفاؤل - كما يعلن- أن يتحدث الواحد منا اليوم، عن انسداد الأفاق أمامنا، أمام الحكام والأنظمة، أمام المواطن العادي، فقد تلاحقت الأزمات في عالمنا وبلغ الاحتقان مداه، ولا يبدو أن في الأفق مخرج قريب من المتاهة .. ليس من قبيل التشائم أو العدمية أن نقوم بإقرار هذا المعطى، ونعلنه لأنفسنا وللعالم، دون مواربة ولا خجل، لأننا من جهة معنيون بمآلنا الراهن، ولأننا من جهة ثانية متورطون بصورة أو بأخرى في تركيب وترتيب جوانب من كل هذا الذي حصل، ويحصل أمامنا وفوق رؤوسنا.

إن الجدير بالتتبع داخل هذه الأطروحات والمواقف، بهذا الكتاب هي استنادها على مرجعيات فكرية تَمتح من التنوير كفاءتها، وتُجدِر به نثرها، وحيوية ما به تدافع، فحاجة المجتمعات العربية إلى مبادئ الأنوار وقيم التنوير، حاجة فعلية تتطلبها معركة الإصلاح الثقافي والديني والسياسي بحاضرنا، وهو ما باشر كمال عبد اللطيف الصدور عنه، ليذكرنا أن للمثقف دور حصيف لايمكن التنازل عنه، ولابد أن يقوم به، مهما تكالبت عليه الظروف وحاولوا تغييبه.   

 

عبد الواحد مفتاح

في تاريخ أدبنا الحديث كثير من الشخصيات الموهوبة، ومنها نازك الملائكة شاعرة شديدة التميز، احتلت مكانتها في المشهد الإبداعي العراقي - العربي بالعديد من الأعمال الشعرية والنقدية والقصصية الفارقة. ومع ذلك فالمعلومات المتصلة باهتماماتها وخصالها غنية في الحقيقة، وتكفي لتكوين صورة واضحة عنها كانسان. فإذا أضفنا ما يمكن أن يهدينا إليها شعرها وكتاباتها تصبح الصورة النهائية لها كانسان شاعرة كاتبة أقرب ما تكون إلى الوضوح، أو على الأقل واضحة إلى حد ما. واستطاعت على مدى تجربتها تتدرج بشعرها على طريق التنوع في الموضوع والأصالة وأن تحقق لنفسها مكانة مرموقة بين شعراء جيلها الشيوخ والشباب على السواء. وتكشف القراءة الأولى لبعض قصائدها عن شاعرة متأملة في الحياة والطبيعة والكائنات جميعا. كما تكشف عن شاعرة مرهفة الحس، محبة لوطنها إلى درجة العشق، ومجمل شعرها يدور حول موضوعات بعينها مثل : الحنين للوطن والغيرة عليه، الطبيعة، التعاطف مع الإنسان، واقع المرأة وقضيتها الأساس. وفي كل هذه الموضوعات وغيرها تبدو صاحبة رؤية حزينة متشائمة إلى حد ما، فنراها في مجموعة من الخصائص تتصل بمفهوم الملائكة لوظيفة الشاعرة وطبيعة الشعر كما تتصل بميلها إلى التأمل وشجنها وتفكيرها في قضية الموت وشعورها بالغربة وعاطفتها الفياضة نحو الإنسان والحيوان وحبها للطبيعة. وهي بما إجادة به قريحتها امتداد للمنظومة الشعرية العربية. وفي كلتا الحالتين تشعر أيضاً أنها شاعرة أصيلة غير مقلدة، منفتحة على التراث الشعري العالمي، عبر مدارسه وأساليبه في تناول الأفكار والموضوعات.

وقد عرضنا فيما سبق لأهم جوانب شخصية الشاعرة، ولعنا لمسنا في هذه الشخصية ريادتها في مجال الشعر وتفوقها في مجال الأدب. وما نحب ان نؤكده في ختام هذا التقديم أن الملائكة شاعرة بالدرجة الأولى، تفوقت على كثيرين من شعراء جيلها إن لم تكن هي نفسها من أهم شعراء جيلها. وما نحسب هذه الصفات سوى ضوء يسير على تلك الشخصية الفريدة الجديرة بالدراسة والاحتفال وإعادة النظر في موقعها من التراث الشعري الحديث.

وهذا ما عمل عليه الكاتب الصحفي كريم خالد البهادلي في كتابة الجديد "نازك الملائكة دراسة ونصوص" الصادر عن دار أقلام للطباعة والنشر ببغداد - 2017 بواقع 216 صفحة قطع متوسط الذي كشف لنا فيه المؤلف بالرصد والتحليل والنقد عن جانب مهم من مسيرة نازك الملائكة الأدبية الزاخرة بالإبداع والتجديد، وهذه ليست بالترجمة الخالصة لحياة نازك الملائكة 1923 - 2007 ولا هي بالدراسة النقدية الخالصة لشعرها، ولكنها الشيئان معاً، وإذا صح أن كان بين الشعراء من قام موضوع فنه بمعزل عن حياته، فإن نازك الملائكة من ذلك القطب المقابل والطرف النقيض فالفن هنا كل لا يتجزأ ولعل المرأة - الإنسان والشاعرة لم يمتزجان في أحد أمتزجهما في نازك، فلن نعرفها حق معرفتنا إلا إذا تأملنا في شعرها، ولن نقدر الشاعرة قدرها ونفهم ما تقول على وجه الدقة إلا إذا اطلعنا على حياتها ووقفنا على أخبارها، هذا جانب من جوانب أخرى أكثر حيوية، تأتي بالدرجة الأساس التي شكلت شخصيتها الإنسانية، وعمقت من تجربتها الشعرية، وبلورت رؤيتها النقدية وقد سبق إن جاءت رياح التغيير على المنطقة  بفعل القوانين الموضوعية، واستجابة  لكل العوامل الحضارية والفكرية والفنية ونتيجة الإرهاصات التي شهدها العالم في العقد الرابع من القرن العشرين، حيث ظهرت على الساحة العربية، ومنها العراق بعض الحركات الفنية والأدبية والفكرية التي لم تقتصر على نوع معين من الإبداع، ففي أوربا الغربية كانت هناك الحداثة تتجلى كظاهرة ملفتة للأنظار شملت كل نواحي الفنون والأجناس الأدبية، ومنها الشعر بطبيعة الحال، حيث كان الشعر العربي أسير القوالب القديمة في بناء القصيدة والذي يعود إلى مئات السنين وكان لقاء الشعر الغربي بالشعر العربي يشكل بحد ذاته منعطفا كبيراً وحدثاً مهماً في تاريخ الأدب العربي، وما هو مهم على وجه الخصوص إذ إنه في الوقت الذي كانت فيه أوربا الغربية تعيش الحداثة وتشهد انتشار الشعر الحديث، الذي تمثل في استيعابه واستجابته  لقضايا الإنسان وويلات الحرب وما تركته من تداعيات وأثار انعكس ذلك كله على طبيعة الآداب والفنون، إذ كانت القصيدة العربية تعيش بداية ثورة شعرية هي وليدة للمتغيرات والتلاقح الفكري والأدبي بين الغرب والشرق حينذاك، ففي منتصف الأربعينيات من القرن العشرين ولد الشعر الحر، حينما بدأ العراقيون الجدد فجأة بعد نبذهم للتقاليد الشعرية القديمة المحكومة بالقوالب العروضية الخليلية في كتابة القصيدة، نجد أنه لم يكن من السهل الانفصال عن القالب الشعري العربي القديم في بناءه الهندسي المتوارث أو التخلي عنه كلية، وفي بداية الحركة الشعرية الجديدة نحج رواد الحداثة الشعرية في كتابة قصائد رائعة بعد إن كانت الملائكة قد عرفت على نطاق واسع في الأوساط الأدبية والشعرية في الوطن العربي، فإنها عُرفت كشاعرة، ولكن أكثر من هذا، عُرفت بأنها أحد أبرز الشعراء المجددين للقصيدة الحديثة ويعتقد الكثير من النقاد إن نازك هي أول من كتبت الشعر الحر وتعتبر قصيدتها اللافتة " الكوليرا " التي كتبت في نهاية عام 1946، وقصيدة السياب " هل كان حباً " والتي كتبت بعد ذلك بقليل، من أوائل الشعر الحر في الأدب العربي على الإطلاق، وقد بدأت الملائكة في كتابة القصيدة في فترة زمنية جاءت متزامنة مع ما كتبه السيّاب وزميلين لهما هما : الشاعران عبد الوهاب ألبياتي وشاذل طاقة، اللذان خرجا بالقصيدة نحو آفاق رحبة، على الرغم مما كتب شعراء عرب كثر وفي أزمان مختلفة سابقة من محاولات فردية تقترب من روح الحداثة والتجديد من حيث الشكل والمضمون في بناء القصيدة الحديثة التي أخذت بعدما نفضت الحرب العالمية الثانية أوزارها تستمد موضوعاتها من قضية الإنسان المعاصر وما يعصف به من مشاكل جمة، وما كان يطمح إليه من تغير نحو حياة مستقرة تتطلع إلى الحرية والاستقلال، لايمكن التقليل من شأنها، إلا أنها لم تشكل يومئذ ظاهرة فنية عامة كالتي حققها الشعراء العراقيون، ومنها شاعرتنا التي نترجم لها، إذا تُعد الشاعرة والناقدة الملائكة منعطف كبير في بُنية القصيدة الحديثة، لما لها من بصمة جلية على مسار الحركة الشعرية والنقدية عبر كتابها " قضايا الشعر المعاصر" الذي أحدث دويا كبيرا في الأوساط الأدبية يومئذ على مستوى المشهد الأدبي العربي، هذا وحريّ بنا اليوم العمل على إعادة قراءة شعرها ودراسته موضوعيا وفنيا من جديد كونها شاعرة تركت أثرها الواضح على طبيعة القصيدة العربية، وغيرت من شكلها المعهود، وقد جاءت هذه الدراسة التي نضعها بين دفتي القارئ الكريم محاولة جادة من قبل المؤلف كريم خالد البهادلي، في رسم صورة للشاعرة نازك الملائكة من خلال تتبعه لمسيرتها الشعرية والوقوف عند بعض منعطفاتها الزاخرة بالعطاء والإبداع وقد كُتبت عنها دراسات ورسائل جامعية كثيرة في جامعات عربية وغربية، وقد سبق للمؤلف أن قدم عدة دراسات منفصلة كلٍ على حدة لبعض رموز الحداثة الشعرية، منهم السيّاب، والملائكة، وجبران خليل جبران، وإنه بصدد تحضير دراسات أخرى عن عبد الوهاب ألبياتي، وبلند الحيدري، وغيرهم. وقد تناول الكتاب بالدراسة والتحليل والنقد سبع محاور مع مقدمة ضافية في تجربة الشاعرة الملائكة جاءت على النحو الآتي : المقدمة / سيرة وحياة وذكريات / نازك الملائكة عرابة القصيدة الحديثة / مظاهر الاغتراب في الشعر النسائي/ الاغتراب في شعر نازك الملائكة / الصورة الشعرية عند نازك/ نازك الملائكة وشعراء التجديد/ ثنائية الحياة والموت عند نازك /. وقد صدر لها  خلال مسيرتها سبع مجموعات شعرية هي على التوالي : عاشقة الليل - 1947/ شظايا ورماد - 1949 / قرارة الموجه - 1957 / شجرة القمر- 1968 / مأساة الحياة وأغنية للإنسان - 1970/  يغير ألوانه البحر- 1977/ للصلاة والثورة - 1978. ومن ثم طبعت لها الأعمال الكاملة  " مجلدان" دار العودة - بيروت 1979. ونازك إلى جانب كونها شاعرة رائدة، فإنها ناقدة مميزة ولها أيضا محاولات في القصة القصيرة وقد صدر لها من مؤلفاتها: قضايا الشعر المعاصر - 1962/ الصومعة والشرفة الحمراء - 1965/ التجزيئية في المجتمع العربي - 1974/ سايكولوجية الشعر - 1992 / الشمس التي وراء القمة - 1997 قصص قصيرة .

 

تقديم: عبد الرضا الخياط

الحقيقة أنّ كُتب السّير الذاتية -أيّاً كان شكلها السّرديّ- لا تروقني في الغالب لتهافتها الاستعراضيّ الكاذب في معظم الأوقات، وقلّما تاقتْ نفسي إلى أن أكمل القراءة فيها، إلاّ في القليل منها ولأسباب بحثيّة أو فضوليّة بحت؛لما فيها من بطولات دكنشوتية ممجوجة. لكنّني أستطيع أن أزعم أنّ القليل من هذه السّير الذّاتية قد شدّني نادراً إن صدر بلغة صادقة وصريحة تملك شجاعة خاصّة في تعرية ذوات أبطالها وواقعهم دون عمليات تجميل، وهي أقلام قليلة ومعدودة على الأقلّ على مستوى المشهد العربيّ بما هو مكتوب من سير باللّغة العربيّة أو مُترجم إليها.لكن كتاب السّيرة الذّاتيّة الذي يحمل اسم "السّير في الطّريق السّريع" قد أثار انتباهي، واسترعى توقّفي عنده، لعلّ اللّغة العربيّة الرّشيقة التي تُرجم الكتاب إليّها وبها هي أوّل ما لفت انتباهي، واستدعى إرساء مرساتي، إنّها لغة عربيّة جميلة يُترجم إليّها الأستاذ الدكتور مجيب الرحمن النّدويّ، ولم أعجب عندما قرأته اسمه على التّرجمة بمستوى رقيّ لغته العربيّة وفصاحتها؛فأنا أعرف أيّ لغة عربيّة فصيحة صافية يملك، وهو أستاذ الأدب الحديث في جامعة جواهر لآل نهرو في العاصمة الهنديّة دلهي، كما شغل من قبل منصب رئيس مركز الدّراسات العربيّة والإفريقية، ورئيس تحرير المجلة العلميّة الدّورية المحكّمة الصادرة عنه، فضلاً عن جهوده المشرفة في خدمة العربيّة والجهد العلميّ والبحثي في صدد هذه المهمة الشريفة التي انقطع لها، لاسيما في حقول الدّراسات والإشراف على الأطروحات، وتنظيم حلقات البحث العلميّ والنّدوات والمؤتمرات المحليّة والدّوليّة.ولكنّني عجبتُ من أنّه لم يخبرني من قبل عن هذا الكتاب السّيريّ الذي ترجمه، وخمنّت أنّ تواضعه المعروف عنه يمنعه –كعادته - من أن يتفاخر بمنجزه أو يلوّح به أمام الجميع.

قبل أن أبحر مع الكتاب سألتُ الأستاذ الدكتور مجيب الرّحمن النّدوي عن سبب قيامه بترجمة هذا الكتاب من لغته الأم التي كٌتب بها إلى اللّغة العربيّة، فردّ على سؤالي قائلاً:" بحكم اطلاعي على عمق العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية والشعبية بين الهند والإمارات كنتُ حريصاً جدا على قراءة كتب ومصادر تحكي قصة نشأة مدينة دبي ونموها وتطورها المدهش في العصر الحديث، وقد عملت الأفلام الهندية على ترسيخ صورة مشرقة لدبي في أذهان المشاهدين الهنود حيث باتت دبي رمزاً للثراء السريع ومن ثم صارت مقصداً للباحثين عن العمل والمغامرين في التجارة والأعمال. والآن تستضيف الإمارات أكبر جالية مقدرة بـ 2.6 مليون نسمة،  ولحسن الحظ لقيت رجل أعمال هندي بارز مقيم في دبي منذ ستين سنة بواسطة صديق حميم لي مقيم في دبي، وأعجبتني قصة نجاحه الباهر في مجال الأعمال في دبي، ولما قرأت سيرته الذاتية باللغة الإنجليزية "السير في الطريق السريع" أعجبتني قصة حياته التي تكاد تكون أسطوريّة،  وشدني أسلوب الكتاب،  وطريقة عرضه لأحداث حياته،  ووجدتُ أنّ هذا الكتاب لا يحكي قصة حياة فرد ونجاحه في مجال الأعمال التّنافسي في دبي فحسب،  بل يحكي أيضاً قصة نشأة دبي وتطورها إلى مدينة عملاقة منذ بداية النهضة العمرانية في الإمارات قبل ستين سنة تقريباً،  كما يدوّن الكتاب تطور العلاقات والأواصر بين البلدين،  ويتضمن الكتاب دروساً وعبرا للجميع؛لأن الحكمة لحمته والخبرة أساسه،  ولما عرض عليّ المؤلف أن أقوم بترجمة الكتاب إلى العربية لم أتردد في قبول عرضه،  وعكفت على التّرجمة ستة شهور،  ويسعدني صدور الكتاب في هذا المظهر الأنيق من مدينة دبي".(1)

كانت هذه الإجابة محفزاً لي على قراءة كتاب "السّير في الطّريق السّريع"، لاسيما أنّني تلقّيت إجابة مقنعة حول سبب ترجمة هذا الكتاب إلى العربيّة، كالعادة إجابات د.مجيب الرحمن مقنعة لكلّ من عرفه أو تواصل معه عن قرب، وهي إجابة جعلتني أفتح هذا الكتاب بفضول لأرى ذلك الشّخص الذي نال اهتماماً من المترجم ليترجم هذا العمل الضّخم، فاكتشفتُ أنّ اسمه د.رام بوكساني، وهو قامة هنديّة تجاريّة وإنسانيّة نمت وأزهرت في الإمارات، وفيما بعد اكتشفتُ أنّه يشكّل بكتابه هذا وبقصة حياته حلقة جميلة من حلقات الاندماج العربيّ الهنديّ عبر دوائر تاريخيّة عملاقة جمعت هاتين الحضارتين.

لم أكن أعرف د.رام بوكساني على المستوى الإبداعي أو الأكاديميّ كما أعرف موقع د.مجيب الرحمن الندويّ على هذه الخارطة الملبسة؛وعذري في ذلك ضعف اهتمامي- إن لم يكن انعدامه- بأهل المال وناشطيه، ولكنّني عندما قرأتُ هذا الكتاب، ونقلني الفضول إلى الاطلاع على منجزات صاحبه، عرفت أنّه استطاع في كتابه هذا أن يخلق فضاء جديداً له، وهو فضاء الكلمة التي قلّما يبغي أرباب المال والصّناعات أن يحلقوا فيها؛فمحبو الكلمة هم جمهور آخر في الغالب.على كلّ حال وجدتُ أنّ د.رام بوكساني يجمع الكثير من أنواع الحبّ في ذاته بدليل منجزه الذي راق لي أن أتعرّف عليه، والكتاب يقدّم رحلة في هذا العالم الشّائك المحموم بالعمل والتّحديات، ليغدو في نهاية المطاف بعد 53 سنة قضاها في دبي رئيس مجموعة "آي.تي.أل"، بعد أن شغل منصب مدير بنك" أندوسلاند"، فضلاً عن أنّه عضو شركة "أندوسلند" العالميّة المحدودة في جزيرة موريشيوش، فضلاً عن عضوية الكثير من الشّركات الأخرى المهمة.وقد مُنح شهادة الدكتوراة من الجامعة العالمية في واشنطن عام 2004 عن أطروحته "حكومة دبي:تأثير التّقاليد القبيليّة في صنع القرار خاصة في فترات الأزمات خلال تطوّر المدينة"

بين يدي الطّبعة الثانية هذا الكتاب " السّير في الطّريق السّريع"، وهي صادرة عن دار كتّاب للنّشر والتوزيع في عام 2016، والكتاب يقع في 459 صفحة من القطع الكبير، ويتصدّر الكتاب تقديمان؛تقديم الطّبعة الأولى، وتقديم الطّبعة الثانية، فضلاً عن تمهيد للكتاب بقلم :جيه بي فاسواني سادهو فاسواني ميشيون.وقد لفت نظري في التّقديمين تلك السّرديّة التلقائيّة الجميلة التي يمكلها د.رام، فهو يحدّثنا بوضوح وصدق وبساطة عن حياته وفكره دون تعقيد فكريّ أو لغويّ أو بنائي أو تجارب شكليّة ملفتة أو جديدة، هو باختصار يسكب في أعماقنا بعضاً عملاقاً من ذاته عبر مسيرته الطّويلة فيما أسماه " الطّريق السّريع" لنكتشف أنّه كان فعلاً" الطّريق الصّعب"، إنّه يقول في جملة ما يقول :" أمضيتٌ 57 عاماً من حياتي في دبي، وهي أضعاف المدّة التي أمضيتها في بلدي...حيثُ كنتُ في الثامنة عشرة من عمري عندما جئت إلى هنا...جامعتي كانت أسواق دبي، وتعلّمتُ أيضاً دروس الحياة من هناك، في الحقيقة دبي صاغت حياتي، وكان للثّقافة العربيّة تأثير كبير علي، وكتابي هو عبارة عن تحيّة إلى البلدان والشّعوب والمجتمعات والشّركات التي لعبت دوراً هامّاً في تكويني"(2)

الكتاب ينقسم إلى 18 باباً تحمل على التّوالي العناوين التالية :يوم جديد حياة جديدة، الطفولة، النشأة في بارودا، شعب مع تاريخ، التقسيم الطبقيّ، علاقة مع العرب، الغوص من أجل اللؤلؤ، البصمة البريطانيّة، الانتقال إلى العصر الحديث، البقاء للأصلح فقط، عندما جرت الأعمال على أساس الثقة وحسن النية، كلما زادت الأشياء تغيراً بقيت على حالها، أمر يتعلّق بالخيارات الشّخصيّة، هل السندية في خطر أم أنّها حيّة وفي حالة جيدة؟لا نهاية تتغيّر، الهنديّ غير المقيم الذي صار يتيماً، وهناك جيل جديد، أكبر سنّاً وأكثر خبرة.إلى جانب ملحق يتضمّن نبذة عن الاستعراضات المنشورة في مختلف الصّحف والمجلات عن هذا الكتاب عند نشره في طبعته الأولى، وبعض رسائل القرّاء ممهورة بأسماء من أرسلها ومكان إقامته، وينتهي الكتاب بملحق صور فوتغرافيّة لمحطات أسرية وعمليّة رسميّة في حياة د.رام بوكساني، وهذا الملحق الفوتوغرافيّ يحمل اسم" على مدى السّنوات".

يقول د.رام بوكساني في كتابه آخر سطور من كتابه هذا :"لما جئتُ هنا كمراهق كانت عندي المستكشِف.وعلى مرّ الزّمان تضاءل الفرق بين المستكشِف والمستكشَف.وهذا شيء طبيعيّ، وسوف يجعل هذا الإدراك المرء واعياً بنقاط القوّة والضّعف في شخصيته.لقد قضيت جلّ حياتي في استكشاف هذا المكان، وقد أدركت أنّني أستكشف المكان المناسب، لقد أظهرت لي دبي طريقة أفضل للحياة"(3)

وهذا الرّجل النّاضج الذي يكتب هذه الكلمات في آخر كتابه، هو امتداد ذاك الفتى الشّاب الذي كتب د.رام بصوته ومشاعره وتجاربه في أوّل كتاب سيرته الذّاتيّة هذه:" كنتُ في الثّامنة عشرة من عمري عندما جئت إلى هنا، ولم تكن في ذلك الوقت كهرباء، ولا ماء جارٍ، ولا طرق، جئت عن طريق الباخرة، ونزلت في منطقة الخور"(4)، وبين النّقلين نستطيع أن نقرأ د.رام الإنسان والعامل والنّاجح والنّاضج ومن ثم صاحب الرّؤية والتّجربة، ونرى محطات طريقه السّريع المتعب المضني الذي جعله النّاطق الرّسميّ باسم الجالية الهنديّة المقيمة في الإمارات في ظلّ ما لعبه من دور استراتيجيّ في التّواصل بين الجالية الهنديّة والحكومة الهنديّة؛فحصل على جائزة "رجل العام" من مجلة "بهارات راتنا" الواسعة الانتشار في أوساط الجالية الهنديّة في العالم، إلى جانب منحه الكثبر من الأوسمة والتكريمات، على رأسها تكريمه من الرّئيس الهنديّ.

كما أنّ د.رام قد اندغم في أعمال مؤسستيه وتطوعيّة كثيرة؛منها على سبيل الذّكر لا الحصر، أنّه مؤسّس المنتدى الاقتصادي الهنديّ في خارج الهند، والنّادي الهنديّ في دبي، فضلاً عن أنّه عضو أمناء مركز نور لتدريب الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصّة.

قرأتُ في خضم بحثي عن هذا الكتاب وصاحبه أنّه قد تُرجم إلى الكثير من اللّغات، ومنها اللّغة السّندية والهنديّة والغواجاراتي والمراثي والأوردو، ولذلك أتوقّع أنّ هذه التّرجمات أتاحت لقطاع كبير من البشر أن يطالعوا هذه السّيرة الطّويلة الدؤوبة التي تمخّضت عن نجاح عملاق، جعل هذا الصّبي السّنديّ المولود في بيئة متواضعة في مدن حيدر آباد يرسم أقداره النّاجحة بنفسه عبر رحلة امتدت من الهند على دبي، وعاشت مخاضات عملاقة وتحديات جسيمة، ثم آلت إلى نجاح باهر منقطع النّظير يعزّ أن يتحقّق لغيره بسهولة، وهذه الرّحلة تقطر بالرّؤية الفلسفيّة والفهم الخاص للحياة عبر بوتقة عملاقة من التّجارب والخبرات والمعلومات والأفكار الحاضنة من ينبوع متدفّق من الثّقافة التي تنال نصيبها من كلّ حدب وصوب، فنقرأ خلاصة تجارب د.رام في كتابه هذا ممزوجة بحكم غيره وأفكارهم عبر رصدها، والانطلاق منها في عرض ما في جعبته من الحكايا والقصص والتّجارب.

أستطيع القول إنّ هذا الكتاب صادقني بشدّة بقوة قدرته على تجنيد الجانب الوجدانيّ والعقليّ فيمن يقرأ فيه؛إنّه صوت رجل كبير حكيم وصل السّتين من عمره، ويقصّ قصّة نجاحه بصدق وروية على كلّ من يحبّه أو يتطلّع ليعرف المزيد من أحاجي نجاحه وأسرار انتصاره في معركة الحياة على حرمانها وهزائمها؛لعلّها تكون إشارات مرشدة له في دربه المنشود إن بغى أن يسير عليه بقوة وإصرار د.رام بوكساني، فهو باختصار شديد يخطّ لنا درب " الطّريق السّريع" الذي اختاره في رحلة حياته المضناة المتعبة، لتكون ناجحة ومفيدة ومفعمة بقوة خارقة اسمها الإصرار.

 

بقلم الأديبة: د.سناء الشعلان/ الأردن

.......................

الإحالات:

1- مضمون مراسلة بين د.سناء الشعلان وأ.د مجيب الرحمن بتاريخ 2017-2-4

2 - د.رام بوكساني: السّير في الطّريق السريع، ترجمة أ.د مجيب الرحمن، ط1، دار كتّاب للنشر والتّوزيع، الإمارات العربية المتحدة، 2016، ص9.

3 -  نفسه :ص382.

4 - نفسه:ص9.

 

 

 

 

قرأت الكتاب مرتين لأتأكد من بعض النقاط، وأعدت قراءته للمرة الثالثة حين ضاعت  المسودة بسبب عجز الحاسوب حينها عن الحفظ، والكتاب هو..

DE PIERRE LOTI « LES TROIS DAMES DE LA KASBAH », EDITIONS DU LAYEUR, 96 PAGES..

عمل الكاتب 42 سنة في البحرية، ما مكنه من التمتع بأغلب بحار العالم الغربية والعربية.  ألف هذا الكتاب سنة 1882، وكانت أول زيارة له للجزائر سنة 1869، وزار الجزائر أربع مرات وخلال 10 سنوات أي سنوات 1869-1880.

يبدأ كتابه ببسم الله الرحمن الرحيم ويتحدث عن عائلة جزائرية تتكون من الأم خديجة والبنتين فاطمة وفايزة. ويتحدث عن الهندسة المعمارية للقصبة بإعجاب شديد والتي تتسم بصغر بيوتها وانعدام النوافذ إلا نافذة صغيرة محاطة بأسلاك، والزهور التي زيّنت جدرانها وبأنها مطلة على السماء ما يجعلها على إتصال دائم بسماء الجزائر الجميلة  الصافية، وأبوابها صغيرة لا تفتح كاملة ، ويرى أن روعة  الهندسة القديمة يعود الفضل فيها للتاريخ الإسلامي، وأن عزلة الغلق التي تميز السكنات العربية هي التي تحدد شبهة الغيرة والحراسة المشددة لحياة المسلمين.

يتحدث بإعجاب شديد عن جمال المرأة الجزائرية وعيونها الكبيرة الغارقة في السواد، والحليّ الكثير الثقيل القديم الذي يزيّن رقبتها ويديها الجميلة المكشوفة والتي تحدث صوتا حين ترفع يديها. و النساء الجزائريات اللواتي يعشن وراء الجدران المغلقة قرب البحر وبجوار الرومي غير الوفي، ويبدو أنهن مازلن يحافظن على السر غير المنتهك منذ عصور المسلمين الأوائل. وكن أحيانا يجمعن الزهور أو أوراق البرتقال بعدما يضغطن عليها لاستخراج العطر، وممارسة هواية الغناء والضرب على الدف و الدربوكة.  وفي ليالي الصيف حين تغرب الشمس يصعدن للسقف ويتبادلن الحديث مع النساء اللواتي يعشن نفس الظروف، وهن يحدقن بعيونهن السوداء نحو القصبة كاللقلق الواقف على الآثار القديمة، ويتمتعن بالنظر من فوق السطوح المتشابهة إلى مسجد سيدي عبد الرحمن وبجوار بعض من النخيل. و البحر الأبيض المتوسط كأنه سجاد كبير نحو سيدي فرج.

منذ سنوات قتل عبد الله زوج خديجة بسبب محاربته  للاحتلال الفرنسي، ومن يومها وابنتيه فايزة وفاطمة يتيمتين. ورغم الحلي القديمة الثمينة التي كانت تزين صدور وأيدي الفتاتين إلا أنهما فقيرتين. وعليه أقول: ما يدل على أن الاستدمار الفرنسي جعل من الغالي الثمين الذي يملكه  الجزائري لا يساوي شيئا، ما جعله يعاني الفقر والجوع ويجبره المحتل الغاصب إلى ترك أراضيه الخصبة ويعاني التشرد والتهميش.

يتحدث بحسرة عن ضياع الجزائر لحسنها وجمالها حين فتحت أبوابها للسكارى من حثالة الجنسيات المختلفة التي إحتلت الجزائر. ويتحدث بإعجاب عن لباس المرأة الجزائرية الأبيض الذي يلف الجسد كله، وتعجبه حشمة المرأة الجزائرية، فيقول.. كانت النسوة يضربن الباب الخشبي بطريقة معينة يفهم منها، أيها الخباز إذا مررت من هنا ضع أمام الباب قطعة الخبز، وهو ما يحدث بالفعل، فيضع الخباز قطعة الخبز أمام الباب ويتسلم في المقابل قطعة النقود جزاء جهده وعمله. 

كانت  الأسرة الجزائرية تتغذى من التين والتمر المجفف، ما يدل على الاكتفاء الذاتي للأسرة الجزائرية. ويصف القصبة بإعجاب شديد وهو في سنة 1869 بأنها قديمة، ما يدل على أن القصبة عريقة قديمة. ومن خلال بيع النسوة لحليهم الغالي بأبخس الأثمان لليهودي ، يتضح سيطرة اليهود على سوق الذهب والفضة والمال وتبعية الجزائريين لهم بسبب الفقر المفروض عليهم من طرف نهب الاحتلال والاستدمار الفرنسي.

يتحدث بإعجاب شديد عن القصبة القديمة المحمية بطهرها ليلا والمستمد من ماضيها، عكس المدينة ذات الطابع المسيحي المفروض  من طرف الاستدمار الفرنسي المعروفة بانحلالها ولياليها الصاخبة الحمراء. و بعدما أطال في وصف جمال الجزائريات راح يمدح جمال الرجل الجزائري، فقال.. يقفون مستقيمين برهبة وجلال  وجمال، رؤوسهم صغيرة وعيون كبيرة سوداء، والشمس تغرقهم بأشعتها الملونة الذهبية، وجمالهم يضاهي جمال الآلهة.

يحنوي الكتاب على 74 صورة نادرة تعود للقرن التاسع عشر زيّنت صفحات الكتاب والتي تدل على بهاء الجزائر من نساء، ورجال، ومساجد، ولباس الرجال والنساء، والقصبة، والبحر، والعمارة الإسلامية وتاريخ الجزائر العميق. و أعيد طبع الكتاب بعد قرن من الطبعة الأولى.

 

معمر حبار 

قبل عدة شهور برز سيل من العناوين الرئيسية تفيد بان الامم المتحدة جعلت الدخول الى الانترنيت حقا من حقوق الانسان. غير ان هذا الادّعاء ثبت انه انطباع خاطئ. ما قامت به الامم المتحدة كان مجرد تمرير قرار يؤكد على اهمية الدخول الى الانترنيت كوسيلة لإنجاز العديد من حقوق الانسان. القرار دعا الدول الى اتخاذ اجراءات للعمل باتجاه دخول عالمي للانترنيت، وانه أقر بان القيود الثقيلة على الانترنيت بمثابة انتهاك لحقوق الانسان. غير ان ذلك لا يعني الآن وجود حق انساني في الانترنيت. بل ان شيء ما يمكن ان ينجز حقوق الانسان بدون ان يكون هو ذاته حق انساني.فمثلا، امتلاك حذاء معين يساعد في بلوغ عدد من حقوق الانسان،مثل حق الحرية في الحركة والحق بالحصول على مستوى كافي من المعيشة، ولكن سيكون من الغريب جدا القول ان هناك حق انساني بالحذاء. التدخّل في استمتاع الناس ببعض الاشياء يمكن ان يشكل انتهاكا لحقوقهم دون ان تكون تلك الاشياء ذاتها حقا من حقوق الانسان. فمثلا، سيكون انتهاكا لحق الخصوصية لو ان الحكومة تقرأ فاتورة ديون الناس دون موافقتهم، لكن ليس هناك حق انساني معين بعدم قراءة فاتورة ديون شخص ما. مع ذلك،اذا كان الدخول للانترنيت هو بالفعل هام جدا مثلما يقترح قرار الامم المتحدة ،فهو ربما يُعتبر حق انساني. الرأي الشعبي يبدو داعما لهذه النظرة. طبقا لإستبيان قامت به جمعية الانترنيت عام 2012 ، وُجد ان 83% من بين اكثر من عشرة آلاف مشارك من 20 دولة وافقوا بان "الدخول للانترنيت يجب اعتباره حق اساسي من حقوق الانسان".

وبالرغم من الرأي الشعبي ،فهناك شك كبير بان الدخول للانترنيت يمكن تمييزه كحق انساني. لنرى لماذا سنحتاج للنظر بماهية حقوق الانسان وكيف يمكن تبريرها.

الحقوق الطبيعية والحقوق القانونية

يمكننا البدء بتوضيح الغموض في استعمال مصطلح "حقوق الانسان". احيانا عندما يتحدث الناس عن حقوق الانسان فهم يشيرون عادة الى الحقوق القانونية وشبه القانونية المعبّر عنها بالوثائق الدولية لحقوق الانسان مثل الإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عن الامم المتحدة، والاتفاقية الدولية للحقوق السياسية والمدنية ، والاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. دعنا نسمي هذه بـ "حقوق انسان قانونية". في اوقات اخرى عندما يتحدث الناس حول حقوق الانسان فهم انما يشيرون الى الحقوق الطبيعية وهي الحقوق الاخلاقية العالمية  التي يتمسك بها كل الناس بمقتضى كونهم اناسا. في معظم الاوقات التي يتحدث بها الناس عن حقوق الانسان نراهم في الحقيقة يخلطون بين هذين المفهومين المتميزين. من المهم تجنّب هذا الالتباس لأن حقوق الانسان القانونية والحقوق الطبيعية هما نوعان مختلفان من المفاهيم الاخلاقية ولكل منهما دور مختلف. لذا نستطيع ان نسأل كلا السؤالين حول ما اذا كان هناك حق طبيعي في الدخول للانترنيت ام ان هناك حق قانوني .

ان الحقوق الطبيعية هي حقوق اخلاقية عالمية يتمتع بها كل الناس بمقتضى كونهم بشرا. وبهذا، فان تلك الحقوق يجب ان تتأسس على سمات اخلاقية ملائمة لما هو انسان. رغم ان هناك اجماع على ماهية هذه السمات ،لكن الرؤية السائدة والاكثر مقبولية هي ان الحقوق الطبيعية تتأسس على المصالح الاساسية التي يتقاسمها الجميع، او على الاقل غالبية البشر. وفق هذه الرؤية سيكون هناك حق طبيعي بعدم القتل العشوائي لأن كل شخص لديه مصلحة هامة بان لا يُقتل، وهناك حق طبيعي بعدم التعذيب لأن كل شخص له مصلحة هامة بان لا يُعذّب، وهناك حق طبيعي بعدم فرض العبودية لان كل فرد له مصلحة هامة بان لا يُستعبد وهكذا.

وفق هذه الرؤية يكون من الصعب اعتبار الدخول للانترنيت حق طبيعي لأن المصلحة بالدخول للانترنيت ليست اساسية بما يكفي. كيف يمكن ان تكون كذلك في ظل صدفيتها التاريخية؟ قبل الاف السنين كانت للانسان مصلحة بان لا يُقتل او يُعذّب او ييُستعبد،ومن المعقول الافتراض ان الناس ستكون لديهم نفس المصلحة بهذا بعد عدة الاف من السنين من الآن(بافتراض استمرار وجود البشر). ولكن لا يمكن تصديق القول ان الاغريق القدماء كان لديهم اهتمام بالدخول للانترنيت باعتبار انهم لم يكن لديهم تصور عن هذه التكنلوجيا. ونحن لا يمكننا معرفة ما اذا كان الناس في المستقبل سيكون لديهم مثل هذا الاهتمام: قد لا يحصل لهم ذلك لو استُبدل الانترنيت بنوع اخر من التكنلوجيا اكثر قوة. الحقوق الطبيعية يُفترض ان يتمتع بها جميع الناس عالميا باعتبارهم بشرا. ولذلك لا معنى للقول ان هناك حق طبيعي بالدخول للانترنيت.

ومما تجدر ملاحظته ان ذلك يجب ان لا يقود الى عدم وجود حق قانوني في الانترنيت. خلافا للحقوق الطبيعية،الحقوق القانونية هي هياكل اجتماعية، هي اما ان توجد او لا توجد. لا معنى هناك للسؤال ما اذا كانت هناك ضرورة لوجود حقوق طبيعية معينة طالما ان هذه ليست من خياراتنا ولا يمكننا ان نقررها . الحقوق الطبيعية لها واقع اخلاقي يتجاوز قدرتنا في التأثير عليها. بالمقابل،محتوى الحقوق القانونية هو خيار يعود لنا. بالطبع،ليس جميعنا لديه امكانية القول الفصل حول ماهية الحقوق القانونية لكن محتواها يتقرر من جانب الناس ولا يُكتشف. لذا حتى عندما لا يندرج حق الدخول للانترنيت حاليا ضمن حقوق الانسان الدولية،مع ذلك يبقى هناك معنى للسؤال حول وجوب ان يكون كذلك. ولكي نتأكد من امكانية ان يكون  هناك حق قانوني للانسان بالدخول للانترنيت سنحتاج للنظر بالطريقة التي يُبرر بها محتوى حقوق الانسان القانونية.

الحقوق القانونية ليست حقوق طبيعية

يُفترض احيانا ان الحقوق القانونية هي فقط تعبيرات قانونية عن الحقوق الطبيعية،وان السؤال عن احتمال وجود حق قانوني في بعض الاشياء يعتمد كليا على ما اذا كان هناك حق طبيعي بها. وفق هذه الرؤية،حقيقة عدم وجود حق طبيعي في الدخول للانترنيت يُنهي التساؤل حول ضرورة وجود حق قانوني مطابق. نحن يجب ان نرفض هذه الرؤية. اولا،عندما ننظر في المحتوى الحقيقي لتشريعات حقوق الانسان العالمية،نجد انها اوسع واكثر تحديدا من الحقوق الطبيعية. فمثلا، الاعلان العالمي لحقوق الانسان يتضمن الحق في التجنس بالاضافة الى الحق في الانتماء الى النقابات. تاريخيا التجنس والنقابات كلاهما  طارئان ولذلك لا يمكن ان يكونا موضوعا للحقوق الطبيعية. ربما يرى البعض ان هذه الحقوق يجب ان لا يتم ادراجها ضمن حقوق الانسان القانونية. ولكن لماذا يجب الاعتقاد بهذا في ظل غياب سبب جيد للايمان بان حقوق الانسان القانونية هي مجرد تعبيرات قانونية عن الحقوق الطبيعية؟

كذلك، حقوق الانسان القانونية لها دور مختلف جدا عن الحقوق الطبيعية،ولذا ليس من الواضح لماذا يجب علينا الاعتقاد ان لها محتوى مطابق. الحقوق الطبيعية هي ادّعاءات اخلاقية لدى كل البشر . بالمقابل،الحقوق القانونية هي ادّعاءات قانونية يمتلكها الافراد بالذات تجاه الدول التي هم عرضة لسلطاتها،وهي تعمل كقيود على سيادة تلك الدول. القول بان حقوق الانسان القانونية هي فقط تعبيرات قانونية عن الحقوق الطبيعية يعني ان الحقوق الطبيعية وحدها يمكنها خدمة هذه الوظائف. ولكن لماذا علينا القبول بهذا الرأي؟ لا يبدو من المثير للجدل الافتراض ان جميع الافراد يجب ان يمتلكوا حقوقا قانونية امام حكوماتهم بعدم تجريدهم من جنسياتهم او عدم منعهم من تشكيل الاتحادات اوالانتساب لها . لكننا وجدنا سلفا ان مثل هذه الحقوق لا يمكن ان تكون حقوق طبيعية.

ورغم ان حقوق الانسان القانونية هي ليست مجرد تعبيرات قانونية عن الحقوق الطبيعية،لكن هناك ارتباط هام بينهما: كل من الحقوق الطبيعية والقانونية يتأسسان على المصالح الاساسية لكل الناس. الفرق هو ان حقوق الانسان القانونية يمكن ان تشمل الحقوق المشتقة من حقوق اكثر اهمية ضمن سياق تاريخي واجتماعي معين . الحقوق القانونية بالجنسية مثلا،لا تقوم على مصلحة جوهرية في الجنسية لكل الناس،طالما لم تكن هناك دائما دول. بدلا من ذلك، للناس مصلحة في امتلاك جنسية لانه في العالم المعاصر امتلاك جنسية هو شيء هام في انجاز مصالح اساسية اخرى،بعضها يبرر حقوقا طبيعية. بدون جنسية بلد ما لا يمكن للمرء الحصول على جواز سفر ،وبدون جواز سفر تصبح حرية المرء بالحركة مقيدة جدا. ان حرية الحركة هي مصلحة اساسية لكل الناس،ولذلك فان هذه المصلحة الاساسية تبرر الحق الطبيعي بحرية الحركة. هذه المصلحة ايضا توفر اساس لحق قانوني اساسي بحرية الحركة، منه يمكن اشتقاق حق قانوني معين بالجنسية.

حقوق الدخول للانترنيت

هل يمكن بهذه الطريقة تبربر حق الانسان القانوني بالدخول للانترنيت؟ الفائدة من امتلاك الانترنيت هي بالتأكيد تقوم على مصالح اكثر اهمية ،بعضها من ذلك النوع الذي يبرر حقوقا طبيعية،كما في المصلحة في حرية التعبير وحرية الانتماء. الانترنيت الآن هو من اكثر المنصات اهمية في التعبير عن الآراء ونشر المعلومات وتوفير حجم هائل من الفرص لمختلف اشكال المؤسسات.

ربما يقال انه حتى بدون الدخول الى الانترنيت يبقى الناس يتمتعون بحرية الانتماء والتعبير عن انفسهم، بافتراض انهم لايزالون يتجمعون في اماكن عامة وينشرون افكارهم في الصحف وهكذا. غير ان حق حرية التعبير وحرية الانتماء لايتطلبان مجرد ان يكون مالكو الحق لديهم اقل فرصة للتعبير عن انفسهم والانتماء وانما ،هما يتحققان فقط حينما يكون لدى الناس فرص كافية للانتماء والتعبير عن انفسهم. لكي نمنع الناس بشكل استبدادي من نشر افكارهم في جميع الصحف عدى واحدة سيشكل انتهاكا لحقهم في الحرية رغم احتفاظهم ببعض الفرص للتعبير عن انفسهم. وبالمثل،المنع العشوائي للناس في الانتساب لجميع المؤسسات عدى منظمة واحدة او حزب واحد او نادي واحد يعد انتهاكا لحقهم في التعبير عن حرية الانتماء رغم احتفاظهم ببعض الفرص للالتحاق ببعض المؤسسات الاخرى. السؤال حول ما الذي يشكل فرصة او قدرة كافية لممارسة المرء لحرية التعبير والانتماء هو سؤال هام وصعب،ولكن بالنظر للاهمية الكبرى للانترنيت يبدو من المعقول الايمان بانه لكي نمنع شخص ما من الدخول الى الانترنيت يعني حرمانه من الفرص الكافية لممارسة حريته في التعبير والانتماء. انه يبدو كما لو ان حق الانسان القانوني في الانترنيت يُشتق من الحقوق الطبيعية الاساسية الاكثر اهمية في حرية التعبير وحرية الانتماء،وبنفس الطريقة ان الحق الانساني القانوني بالجنسية يمكن اشتقاقه من الحقوق الطبيعية الاكثر جوهرية في حرية الحركة.

غير ان هناك فرق هام بين الحق في الجنسية والحق في الانترنيت. ليس من العملي امتلاك قوانين دولية هي بحاجة الى تحديث مستمر . ولهذا،فان حقوق الانسان القانونية لا تحتاج فقط لتكون ذات اهمية عظيمة الان،وانما ايضا في المستقبل المنظور. لذا فان التقدم السريع في التكنلوجيا يجعل الانتنريت ومن ثم الحق القانوني به،اكثر راهنية وهشاشة. ان عدم وجود حق طبيعي بالانترنيت لا يمنع من امكانية وجود حق قانوني انساني فيه،لأن الانترنيت حاليا هام جدا في انجاز حقوق الانسان الاخرى. ولكن مع احتمال ان يصبح الانترنيت متقادما ليس في المستقبل البعيد،فالاحتمال يبقى كبير جدا  بان الدخول اليه لا يضمن جيدا مكانة حقوق الانسان القانونية الدولية .

 

حاتم حميد محسن

.......................

للكاتبة Dr.Jesse Tomalty بروفيسور الفلسفة في جامعة Bergen بالنرويج،تدرّس حاليا في مجال الاخلاق والفلسفة السياسية.

للمرة الأولى أقرأ فيها للمفكر العراقي الدكتور عبدالجبار الرفاعي وأتعرف فيها على فكره، كان هذا عن طريق كتابه المهم الموسوم بـ "الدين والظمأ الانطولوجي" والذي أظنه ضروري لكل مثقف مهتم بالشأن الديني، والكتاب صادر بطبعته الأولى لعام 2016 عن مركز دراسات فلسفة الدين ودار التنوير للطباعة والنشر.

الكتاب هو مجموعة مقالات وأبحاث ومقابلات ضمنها الدكتور في كتاب واحد جمعها موضوع الظمأ الانطولوجي حسب اصطلاحه، وهو ما يعرفه بأنه ظمأ الإنسان للمقدس والحنين للوجود، حيث أن وجود الإنسان محتاج إلى ما يثريه ويمنحه المعنى، الأمر الذي يراه الكاتب متوفرا في الدين حصرا.

فلا الفنون ولا الآدب ولا المعارف يمكنها أن تروي ظمأ الإنسان الملح والفطري ولا شيء يمنحه الطمأنينة والسعادة سوى الدين، ولكن أي دين هذا؟

يتفرق الكتاب على سبعة فصول ومجموع صفحاته مائتين واثنين وسبعين صفحة، كما يلي:

 

في الفصل الأول: بعنوان نسيان الذات، يطرح الكتاب قضية الذات البشرية المنسية، الذات الخاصة بكل إنسان خلقه الله المتفردة في خصائصها الذاتية، هذه الذات التي دأبت الجماعات والأحزاب على تنميطها واستعبادها وإذابتها عبر قسرها على قوالب جاهزة، وعمليات التنميط هذه تجري عبر التربية والتثقيف والمنابر الإعلامية حتى تستلب الذات وتصبح جزءً من صورة كبيرة كل عناصرها متشابهة ومتماثلة، ينصهر الفرد في الجماعة حتى ينسى ذاته ويهمل حياته الخاصة التي تصبح عديمة القيمة، ما يهم الجماعة هو سلوك الفرد الخارجي أما باطنه فغير مهم مما يحول الإنسان إلى (شخصية مستعارة) تنعدم فيه شخصيته الحقيقية الأصلية وتحل محلها شخصية نمطية يسودها الأحكام الجاهزة والعصبية الفاشية.

في ظل هذا الاستلاب للذات البشرية كيف يمكن للإنسان الإيمان أو اللإيمان ذاتيا؟ إذ الإيمان خيار شخصي وحالة ذاتية لا يتحقق بالنيابة، وبغياب الذات يصبح الدين سلوكا خارجيا لا يعبر عن حقيقة ذات الإنسان الأصلية.

الفصل الثاني: نسيان الإنسان، يحاول د.عبدالجبار هنا أن يسطر شيئا من سيرته الذاتية مركزا على البيئة الأصلية التي جاء منها راسما صورة خشنة عن حياة الريف العراقي منتصف القرن الماضي مضمنا تلك الذكريات بعضا من التحليل الاجتماعي لبيئته وكيف أسهمت نشأته في بناء شخصيته المتدينة بطبعها، وذاكرة اللامكان التي اكتسبها بسبب حالة التشرد التي عاشها، وصولا إلى ذكريات سنوات الدراسة في المدرسة الأولى إلى التحاقه بالحوزة النجفية وانضمامه لحزب الدعوة بشكل مقتضب مبررا ذلك بالبعد عن نبش آلام الماضي ورغبة في تجاوزها بهدوء وسلام.

يصل الكاتب لنتيجة أن الدين بالنسبة للكائن البشري مكون انطولوجي يرثه من أبيه وأمه كما يرث لون بشرته وصفاته الجسدية، حتى عندما يتحول إلى دين آخر فإنه يقلب الدين الجديد ويعلبه بدينه الأصلي، كما حال اللغة الأم فمهما تعلم الإنسان لغة أخرى يبقى مبرمجا على ترجمتها وإعادتها للغته الأصلية.

وفي جزء مهم من هذا الفصل يفرد الكاتب صفحات عن أهمية التحلي بالغفران والمحبة كمرادف الإيمان والدين.

أما الفصل الثالث: المثقف علي شريعتي.. يعد من أهم فصول الكتاب.

حيث يُحمل الكاتب بعض المثقفين من أمثال علي شريعتي مسؤولية ترحيل الدين من الانطولوجيا إلى الأيديولوجيا، أما سبب اهتمامه بشريعتي تحديدا فلإن مقولاته بدأت تغزو الوسط الثقافي العربي بعدما انتهى الإيرانيون من نقدها وتجاوزها.

يلخص الكاتب اتجاهات التفكير الديني في إيران الحديثة كالتالي:

أ- الاتجاه التقليدي:

وهو المسيطر على معظم الحوزات الدينية في إيران حتى اليوم.

 

ب- الاتجاه الإحيائي :

ويتفرع إلى تيارين:

1- فلسفي عرفاني : تأسس على يد السيد الطباطبائي صاحب الميزان

2- المدرسة التفكيكية : وهي تدعو لإحياء التفكير النصوصي الحديثي وتناهض التفكير العقلاني، بما يشبه عودة للتيار الإخباري، أبرز رموزه مهدي الاصفهاني.

ج- الاتجاه التجديدي:

وينقسم إلى تيارات عدة منها:

1- تيار التفسير العلمي: يدعو لتفسير القرآن على ضوء الاكتشافات العلمية الحديثة.

2- تيار الهوية (الذاتية): يدعو للعودة للهوية الإسلامية وغربلة التراث من المؤثرات الطارئة عليه، تمثل في الفيلسوف فرديد ، وانعكس في نتاج علي شريعتي.

3- تيار الماركسية الإسلامية: هو تيار نشط في الستينات والسبعينات، حاول إعادة صياغة التاريخ الإسلامي وفق النظرية الماركسية والاشتراكية.

وانعكس هذا الفكر في جماعات سياسية متعددة منها منظمة مجاهدي خلق.

 

4- تيار معرفي عابر للأيدولوجيا: ويتجه هذا التيار لتفسير الدين على فلسفة العلم والهرمنيوطيقا والعلوم الاجتماعية، وأبرز رواده سروش وشبستري وملكيان.

علي شريعتي:

يضع الكاتب نبذة موجزة عن سيرة علي شريعتي، إلا أنه يشير إلى ثلاث نقاط رئيسية:

الأولى:  الشائع أن شريعتي درس وتخصص في علم اجتماع الأديان إلا أنه لم يجد أي وثائق تثبت هذه الدعوة، لذا فهو يشكك في ذلك.

الثانية: يشكك الكاتب في ما يشاع أن شريعتي مات مقتولا على يد مخابرات الشاه، ويرجح بأنه توفي وفاة طبيعية.

الثالثة: يتهم الكاتب شريعتي بسطحية إطلاعه على الفلسفة الغربية وتطويعه لمعارفه لتخدمه ايدولوجيته إلى جانب ضعف تكوينه الديني ومعرفة الدينية الإسلامية.

يشير الكاتب إلى دور شريعتي الكبير في أدلجة الدين وإعادة قراءته وفق ايدولوجية يؤمن بها، مما ساهم بتكوين ايدولوجية دينية جزمية همها تنميط وتدجين ونمذجة الشخص، فأيدولوجية شريعتي تحلم بالعدالة الاجتماعية لكنها تهمش الحرية ولا تقبل الحداثة الغربية وما يرتبط بها من ديمقراطية وحقوق بشر بوصفها ملتبسة بالاستعمار والرأسمالية، ومن ناحية أخرى أعاد شريعتي قراءة التاريخ الإسلامي والشخصيات التاريخية وفق ايدولوجية.

وتحت عنوان فرعي (الحساسية السياسية والحساسية الفلسفية) يتهم الكاتب شريعتي وكل من سار على نهجة باحتقار الفلسفة وتهميشها لأنها تفضح دعواهم الايدولوجية حيث يعتبر أن "خمسمائة رجل كابن سينا لا أثر لهم في المجتمع بينما رجل كأبي ذر يمكنه أن يحدث تحولا لقرن كامل".

سعى شريعتي لبناء رؤية دنيوية للدين اصطلح عليها (البروتستانتية الإسلامية)عبر تحويل كل ما هو ديني إلى دنيوي وكل ما هو دنيوي إلى ديني، ويعتبر أن كل ماهو متداول في عالم الإسلام منذ الغزو المغولي هو كاثوليكية إسلامية داعيا للقضاء عليها، ويمضي شريعتي بثنائياته الكثيرة فيقسم الإسلام السني إلى إسلام محمدي وآخر أموي، والتشيع إلى تشيع علوي وآخر صفوي، معتبرا أن الإسلام هو التسنن المحمدي والتشيع العلوي.

دعوة البروتستانتية الإسلامية التي اشترك شريعتي فيها مع جماعة الإخوان المسلمين هي دعوة أدلجة الدين والتراث بحسب الكاتب، وفي الوقت الذي أنجزت البروتستانتية المسيحية تحرير العلم والدولة من الدين وسطوة الكنيسة، قامت البروتستانتية الإسلامية بتوسيع حدود الدين ليشمل كل مناحي الدنيا والعلم والدولة.

إن وعود البروتستانتية الإسلامية لم تنجز بل انتهت إلى نتائج عكسية وأفضت إلى عبادة الإنسان للأيدولوجية واستلابها لروحه وقلبه وعقله وإقحامه في وعود خلاصية موهومة.

الفصل الرابع: (التجربة الدينية والظمأ الانطولوجي للمقدس)، في هذا الفصل الهام يشرح الكاتب مفهوم الظمأ الانطولوجي حيث هو افتقار الشخص البشري إلى ما يثري وجوده، ويكرس كينونته، ويمنحه وقودا لحياته، ويكشف له سر الحياة ويجعله قادرا على التغلب على مشكلة الوجود البشري.

والتجربة الدينية بحسب الكاتب هي البعد الانطولوجي للدين التي يمكنها معالجة هذا الظمأ، وهذا الإرواء يجب أن يكون كتجربة ذاتية فردية جوانية، ويفرق الكاتب بين هذه الحالة والحالة الصوفية معتبرا أن ليس كل متصوف صاحب تجربة دينية فقد يكون المتصوف خاويا روحيا إذا ما تحول التصوف إلى التصوف الطرقي السلوكي الذي هو تصوف الدراويش والتكايا والزوايا.

مولانا جلال الدين الرومي:

عن جلال الدين الرومي يفرد الكاتب عنوانا جانبيا ليعالج ما يعتبره حالة من التحول الذي شهدته شخصية الرومي التاريخية إلى الرومي الميثولوجي كشخصية خارقة استثنائية بخلاف الشخصية الحقيقية البشرية داعيا إلى استلهام العبر من تراثه الروحي.

إلى جانب التصوف الطرقي يشير الكاتب إلى التصوف المعرفي: وهو تصوف عقلي خرج على الانساق المعرفية التراثية وانتج قراءة حية متوالدة ذات افق رحب معيدا الاعتبار للذات المستلبة وانشغل بإرواء ظمأ الروح.

رؤيتان للعالم:

1-الرؤية الأفقية : وهي رؤية المتصوفة والعرفاء التي ترى في الصلة بالله وصال حبيبين.

2- الرؤية العمودية: هي رؤية المتكلمين: ترى في علاقة الإنسان بالله علاقة عمودية يخضع فيها العبد ويذل لإله متسلط منتقم.

وعن الإيمان والتدين يدعو الكاتب لضرورة التفرقة بين الدين والتدين-الدين والحياة الروحية- الدين والإيمان، داعيا إلى الخلاص من تديين الدنيوي أي أن الدين لا يشمل كل شيء في الحياة، إذ لا يجب أن يختلط الدين بالعلم والأدب والفلسفة والفن ..الخ فالعلم علم وليس دين، والأدب أدب وليس دين وهكذا، فما يشوه الدين في مجتمعاتنا هو اختلاط الدين بكل شيء وعليه يجب أن يعود الدين لحقله الطبيعي في بناء الحياة الروحية والأخلاقية للبشر، أما ما ينجزه العقل والتجربة البشرية فلا ضرورة لإقحامه في الدين أو إقحام الدين فيه.

إن جوهر الدين يتمحور حول إرواء الظمأ الانطولوجي للشخص البشري وعندما يرتوي يكف الدين عن أن يكون أداة للصراع على الثروة والقوة والسلطة، كما تفعل معظم الجماعات الإسلامية التي سرقت الدنيا باسم الآخرة، والأرض باسم السماء، والإنسان باسم الله.

دين الايدولوجيا ودين الانطولوجيا:

المتكلم هو فيلسوف دين الايدلوجيا، بمعنى أنه يصوغ رؤية لله والإنسان والعالم وفهما للدين، والجماعات الإسلامية تنسج على رؤية المتكلم شباكاها لتصنع دين الايدولوجيا، هذا الدين الذي يستخدم الإنسان ويسخر حياته وطاقته بينما دين الانطولوجيا يخدم الإنسان ويمنح عقله حرية التفكير ولا يجبره على تكرار نماذج تاريخيه أو أن يعيش نيابة عن غيره.

دين الايدولوجيا لا يبني حياة روحية، يميت الروح والقلب والضمير ويفسد ولا يصلح، بينما دين الانطولوجيا يصنع حياة روحية وأخلاقية ويغني الحياة بالهدوء والسكينة والسلام.

الفصل الخامس: (أية دولة بلا حياة روحية وأخلاقية)، وهو عبارة عن ورقة قدمها الكاتب للمؤتمر الدولي حول الأديان والقيم السياسية – لبنان 2014

الفصل السادس: (لا خلاص إلا بالخلاص من أدلجة الدين)، وهو عبارة حوار مع الصحافية اللبنانية رحيل دندش بأسئلة منوعة

الفصل السابع: (تحديث الفكر الديني)،

وهو عبارة عن حوار لمجلة يتفكرون مع الكاتب المغربي مولاي أحمد صابر بأسئلة متنوعة.

 

عقيل عبد الله - كاتب سعودي

الكتاب: جمال عبد الناصر في يوميات ومذكرات دافيد بن غوريون و موشيه ديان (حرب السويس.. 1956 -1957)

الكاتب: الدكتور الياس عفيف سليمان

طباعة دار النهضة الناصرة (2010)

قبل عدة سنوات وقع بين يدي كتاب لفت نظري بموضوعه، وموضوعيته البحثية يحمل عنوان: "الحروب الأهلية في لبنان ومشروع تهجير الموارنة إلى الجزائر- 1840 – 1860" لمؤلفة د. الياس عفيف سليمان، فيما بعد عرفت انه من قرية برعم المهجرة ويقيم في قرية الجش، القريبة من ارض برعم، والتي تجاور جبال الجرمق الفلسطينية رائعة الجمال. وكان د. الياس في نفس الفترة يعد رسالة الدكتوراه في موضوع "النظام الطائفي في لبنان".

كتابه طرح موضوعاً فاجأني وقتها، وتبين، أن العديدين من الموارنة، وبعضهم رجال دين، لا يعرفون عن مشروع تهجيرهم إلى الجزائر.

ومضت عدة سنوات. حتى كنت قبل فترة زمنية قصيرة في زيارة إلى ابنتي المتزوجة في الجش، ففاجأتني بكتاب هدية من الدكتور الياس عفيف سليمان يحمل عنوان: "جمال عبد الناصر في يوميات ومذكرات دافيد بن غوريون وموشيه ديان – حرب السويس 1956-1957" صدر عام 2010. فأصرّرت على لقائه.. وشعوري كيف يمكن صدور مثل هذه الدراسات الهامة دون ان تلتفت صحافتنا وكتابنا ومفكرينا الى هذه الأبحاث العميقة جداً، والجادة، والتي تشكل بحد ذاتها مرجعاً هاماً، تاريخياً وسياسياً ومعلوماتياً.

التقيته في مكتبه في مجلس محلي الجش، حيث يعمل مديراً لقسم المعارف.

الحديث بيننا مشوّق جداً، وطرحنا الكثير من المواضيع الفكرية والسياسية والتاريخية، التي تتعلق بشرقنا الأوسط. وواقع المجتمعات العربية ومشاكلها الطائفية والتطويرية، وكان الحديث معه مفعماً بسعة اطلاعه وقدرته على إعطاء التفاصيل الدقيقة، بموهبة باحث وخبير في العلوم السياسية، لا تفوته النقاط الجوهرية  التي أثرت وحسمت في العديد من قضايا التطور في أحداث منطقتنا.

لم يكن يتحدث عن رؤيته فقط، بل عن حقائق تاريخية، قادت إلى اتجاهات عديدة أوصلتنا إلى ما نحن به اليوم من تعقيدات، ومن ممارسات سياسية ومواقف وقضايا معلقة.

قرأت خلال مشوار حياتي الفكرية والسياسية الكثير من كتب التنظير، التاريخ، المذكرات والأبحاث المتنوعة العربية والأجنبية، بما في ذلك عن حرب السويس، أو ما يعرف باسم العدوان الثلاثي على مصر، الذي شكل  المرحلة الأولى  في بداية تشكل وعيي السياسي والإنساني، وهو العدوان الذي نفذته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عام 1956  لضرب وإسقاط نظام عبد الناصر الوطني المعادي للاستعمار، والذي كسر احتكار السلاح، بعقده صفقات سلاح مع المعسكر الاشتراكي، وكسر الحواجز التي كانت مفروضة على الاتحاد السوفييتي وقتها، وأمم قناة السويس، التي كانت خاضعة للبريطانيين، ودعم الثورة الجزائرية ضد فرنسا، وطرح مشاريع تطوير مصر بإقامة السد العالي لتوفير الطاقة الكهربائية الضرورية لأي مشروع تطويري، وساهم في بعث الشعور القومي العربي، بشكل لا سابق له في التاريخ العربي.

البحث الذي يقدمه الدكتور الياس سليمان في كتابه، يختلف عن جميع ما قرأته. انه يرصد مؤامرة الحرب بين فرنسا وبريطانيا وإسرائيل عن طريق مذكرات ويوميات رئيس حكومة إسرائيل الأول دافيد بن غوريون ورئيس هيئة الأركان للجيش الإسرائيلي وقتها الجنرال موشيه ديان.

الكتاب يستعرض بناء المؤامرة على نظام عبد الناصر التحرري، دون أن يعطي موقفه، بل يلتزم البحث الأكاديمي بدقة، مبينا تفاصيل تبدو اليوم، رغم مرور سنوات طويلة، رهيبة بكل المقاييس، وكأن لا شيء تغير إلا أسماء رؤساء حكومات إسرائيل، وقادة جيشها.

يعتمد الباحث  على مذكرات بن غوريون وسجل يومياته، وعلى يوميات موشيه ديان ومذكراته، وموقفهما، الشخصي عملياً، من جمال عبد الناصر، ورؤيتهما ضرورة إسقاطه، لأنه، كما تدعي إسرائيل رسمياً، يريد إبادة إسرائيل، بينما الحقائق التي تتحدث عن نفسها لم تورد جملة واحدة تشير إلى نية جمال عبد الناصر مهاجمة إسرائيل، أما موضوع إبادتها فهو مجرد حملة دعائية لتمهيد الحرب مع الدولتين الاستعماريتين القديمتين، فرنسا وبريطانيا في محاولة لإعادة سيطرتهما على الشرق الأوسط الغني بمصادر الطاقة، ولقمع الثورة الجزائرية، وضمان استمرار الجزائر فرنسية. ولهدف إسرائيلي عبر عنه بن غوريون احتلال سيناء التي تبشر بآبار نفط، واحتلال مضائق تيران، التي تعتبرها إسرائيل قناة السويس الخاصة بها واقامة مملكة اسرائيل، التي تعتبر سيناء جزءاً من فكرها التوراتي الغيبي والأسطوري، حيث تتحدث أساطير التوراة عن نزول التوراة على موسى في جبل سيناء، وهناك تلقى الوصايا العشر، وهي نسخة طبق الأصل من قوانين حمورابي، وبالتالي، كان يطمح بن غوريون الى تغيير خارطة الشرق الأوسط بما يتلاءم ورؤية إسرائيل السياسية والتوراتية ومصالح الاستعمارين البريطاني والفرنسي.

 ويذكر ان باحثين يهوديين هما اسرائيل فنكلشتاين، ونيل سيلبرمان، أصدرا دراسة مثيرة باللغة الانكليزية (THE BIBLE UNEARTTHED)  ترجمت للعبرية (ראשית ישראל) وللعربية (التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها) تنسف الدراسة كل قصص التوراة، أي بما في ذلك كل ادعاءات الحركة الصهيونية حول الحق التاريخي بأرض فلسطين.

قراءة كتاب  د. الياس سليمان عن حرب السويس مثيرة للغاية، اشبه برواية مليئة بالمؤامرات وخطط الحرب. وكلما تقدمت بقراءة الوثائق التي يوردها الباحث أُصابُ بصدمة، لا شيء تغير من سياسة حكام إسرائيل. نفس العقلية تسود اليوم بل بشكل أكثر اتساعاً وأشد خطراً.

الكاتب باعتماده على تسجيلات بن غوريون يكشف عن الفكر التوسعي لدولة إسرائيل ومؤسسيها، فأحد برامج بن غوريون  لتنظيم كل الأمور في الشرق الأوسط حمل اسم "الخيالي" (פנטסתי) وحسب بن غوريون: "البرنامج قابل للتنفيذ بشرط ان توجد إرادة ورغبة صادقة عند البريطانيين، الأمر الذي أشك به".

وتعالوا نقرأ شرح بن غوريون لمشروعه "الخيالي": قبل كل شيء، ومن الواضح، يجب القضاء والتخلص من ناصر، وبعد ان يتم ذلك تقسم الأردن الى قسمين، الضفة الغربية تسلم لإسرائيل، والضفة الشرقية تسلم للعراق. والشرط الإسرائيلي في هذا الشأن أن توقع العراق على اتفاقية سلام مع إسرائيل، وأن توافق على توطين اللاجئين على أراضيها".

وأضاف بن غوريون: "يجب تقليص حدود لبنان وسلخ قسم من لبنان، وإعطائه لسوريا، وقسم آخر حتى نهر الليطاني (مصدر المياه – نبيل)  يسلم لإسرائيل، وفي القسم المتبقي من لبنان تقوم دولة مسيحية، بالنسبة لسوريا سيستقر النظام عندما يقف على رأسه حاكم يدعم الغرب، وللأمريكيين ثقة بالشيشكلي".

هذا جزء يسير من منهج التفكير الذي قاد إسرائيل في مغامراتها العسكرية العدوانية ضد مصر وسوريا فيما بعد، وثم ضد لبنان وقصف المصنع الذري في العراق ثم في سوريا، والحملة ضد عرفات ثم ضد قطاع غزة.. والعالم العربي بأنظمة تماماً كما أرادت إسرائيل أن تشكل المنطقة العربية، وهو ما نجحت به نجاحاً كبيراً، بعد غياب جمال عبد الناصر.

من المميزات للكتاب ما يورده على لسان بن غوريون وديان وموظفين كبار آخرين. مثلا بن غوريون يقول عن عبد الناصر: "ابن موظف بريد، قائد ثورة الضباط الأحرار، الذي يعتبر البطل الطبيعي للعالم العربي، صورته التي رسمت على مئات آلاف المطبوعات والملصقات في البيوت والدكاكين والأسواق، وفي كل أنحاء الشرق الأوسط. عرف عبد الناصر كيف يزعزع الغرب وكيف يستقطب العرب كونهم عانوا من الاستعمار الأوروبي عشرات السنين، وعلم عبد الناصر متى يتوقف وأين، وعرف كيف تعالج الأمور مانعاً بذلك انقطاع محتمل بالعلاقات مع أوروبا ومع العالم العربي".

أورد هذا الاقتباس للدلالة على أن الخوف من جمال عبد الناصر، ليس لخطط يعدها لإبادة إسرائيل، أو لمنع النفط عن فرنسا وبريطانيا، إنما لأنه استقطب العالم العربي، ويعتبر البطل الحقيقي للعرب، وعرف كيف يزعزع الغرب، ويعرف متى يتوقف وأين، ويعرف كيف يعالج الأمور؟

ما الخطأ، أو ما الجريمة في هذه الصفات، التي كتبها رئيس حكومة إسرائيل الأول دافيد بن غوريون؟؟

جريمة ناصر كانت معارضته التخطيط الإسرائيلي المدعوم من الاستعمارين العجوزين، لإبقاء العالم العربي أسير التخلف والإحباط والجهل واستنزاف العقول العربية للغرب، وجعل الفقر من ثوابت الواقع الاجتماعي العربي.

 للأسف هذا أنجز بنجاح كبير!!

هذا يذكرني بحوار دار بين بن غوريون في أولى سنوات الدولة، مع جنرال، لا أتذكر المصدر، ولكنه نشر في إحدى الصحف الإسرائيلية، وعلى الأغلب هآرتس، قال بن غوريون ما معناه انه لا ضرورة للخوف، "العرب قوم لا يقرؤون". سأله الجنرال:" وإذا تعلموا القراءة؟" رد بن غوريون:" وإذا قرأوا لا يفهمون، وإذا فَهِموا لا يطبِّقون فلا خوف على اسرائيل". وهذا قد يفسر الخوف من نهج عبد الناصر في إرساء مصر حرة متطورة تقود الشعوب العربية إلى التغيير الكامل، وكنا للأسف شهوداً على قبر تجربة عبد الناصر والعودة إلى ما يريده الاستعمار من أنظمة تقبر حلم التغيير العربي، ولا بأس من الشعارات الثورية على نهج البعث مثلا، ثورة، حرية، اشتراكية لم ينفذ منها إلا قمع وسجون وقتل الجماهير ومقابر جماعية، وفقر وجوع وتخلف وتفكك اجتماعي.

الكتاب يستعرض تفاصيل مثيرة عن تطور المؤامرة، بالتنسيق بين الدول الثلاث، ويطرح الخلافات الناشئة، ويتوسع حول "الذريعة الإسرائيلية" لحرب السويس، والتي ستستغل للتدخل العسكري البريطاني والفرنسي. والخطة أن تقوم إسرائيل بمهاجمة مصر واحتلال سيناء، وعندها توجه بريطانيا التي كانت عظمى وفرنسا المتورطة في الجزائر، إنذاراً لمصر وإسرائيل بوقف القتال والانسحاب من منطقة قنال السويس، لتأمين الملاحة، طبعاً مصر ترفض وعندها سيجري التدخل الاستعماري لإعادة احتلال قناة السويس وإسقاط نظام عبد الناصر.

اعتقد أن هذا الكتاب لائحة اتهام خطيرة لنهج حكومات إسرائيل ولا اعرف السبب الذي لا تقوم فيه مصر مثلا بمطالبة التعويض الكامل لخسائر تلك الحرب التي انكشفت  أنها  مؤامرة  وسخة لإسقاط  أول نظام عربي يعيد الكرامة للشعوب العربية، دون أن يرتكب أي عمل عدواني ضد إسرائيل مثلاً. ألم تتلقَّ إسرائيل تعويضات ضخمة من العراق بسبب حرب الخليج وقصف صدام لإسرائيل بالصواريخ؟ رغم ان للعراق سبباً لمطالبة إسرائيل بالتعويض بسبب غارتها على المصنع العراقي، الذي يعتبر إعلان حرب وعدوان وقح.

 في أي تفكير سليم، ما قامت به حكومة بن غوريون، اشد خطورة من صواريخ صدام. وكل الوثائق المباشرة من مذكرات بن غوريون، ويومياته، ويوميات ومذكرات موشيه ديان، وتفاصيل اللقاءات في فرنسا لوضع الخطط للحرب وإسقاط جمال عبد الناصر، تثبت الطبخة الوسخة، والمؤامرة على دولة مسالمة، وقعت اتفاق هدنة  مع إسرائيل عام 1948، عن طريق الأمم المتحدة.

في الفصل الأول يتناول الباحث تأميم قناة السويس ورد الفعل الإسرائيلي والدولي، والإسقاطات غير المتوقعة للمؤامرة، واللعبة السياسية الإنجلو فرنسية ضد مصر والدور الإسرائيلي  كذريعة للحرب الانجلو فرنسية على مصر.

في الفصل الثاني، يعالج الباحث موضوع التنسيق العسكري ونتائج المؤتمرات الثلاثية بين إسرائيل وشريكيها الفرنسي والبريطاني. وبدء التحضير للحرب في إسرائيل.

الفصل الثالث عن بدء العملية العسكرية الإسرائيلية  والهجوم الانجلو فرنسي على مصر وخوف بن غوريون من التدخل السوفييتي، والموقف الأمريكي الرافض للعدوان. وصدور الإنذار السوفيتي الذي فهم انه تهديد باريس ولندن بضربهما بصواريخ غير تقليدية، القصد كما فهم صواريخ نووية، الأمر الذي أرعب المعتدين وأفشل خططهم وعملياً قاد إلى اضمحلال الدور الدولي للاستعمارين العجوزين، فرنسا وبريطانيا.

وفي الفصل الرابع  يطرح اعتبارات بن غوريون السياسية والعسكرية والمماطلة في الانسحاب من سيناء، والمواقف الدولية..

عبر الكتاب كله، يلتزم الباحث بالحقائق المجردة، مقدما عرضا وافيا لمختلف ملابسات الحالة السياسية للدول الثلاث، ولسائر دول العالم من تطور الأحداث.

أهمية هذا الكتاب انه يطرح حرب السويس من زاوية جديدة، كيف نظرت المؤسسة الحاكمة في إسرائيل لحركة التحرر العربية التي قادها جمال عبد الناصر، والرعب من انتقال العالم العربي لمرحلة البناء وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب العربية، ويمكن الفهم أن حرب 1967 أيضا لم تكن إلا المرحلة الثانية من حرب السويس.

للأسف المؤامرة نجحت لأسباب عديدة بتعويق مرحلة التحرر العربي، وبناء الاقتصاد وتطوير العلوم والتعليم، وإبقاء جهاز الدولة نظيفاً من الحرامية، خاصة بعد غياب عبد الناصر ووصول قيادات فاسدة ومرتشية، قادت العالم العربي إلى مرحلة جليدية استمرت من العام 1970 حتى انتفاضة ساحات التحرير 2011.

 

 

 

ازدهرت الحضارة الاسلامية في الاندلس ثمانية قرون تحديدا من عام 711م حتى سقوط آخر القلاع العربية في غرناطة عام 1492م. و كانت الاندلس  قبلة للعلم يتوافد عليها الباحثون والعلماء من كل بقاع الارض واصبحت من الطرق المهمة التي عبرت منها العلوم العربية ، والحضارة العربية الاسلامية الى عموم اوربا . لقد تركت الامة الاندلسية اثارا واضحة في اسبانيا فأنشأت المدارس والمكتبات في كل بقعة من بقاع الاندلس وترجمت الكتب المختلفة، وبرعت في اللغة و الادب والطب والعلوم, وهذا  دليل قاطع على أن الحضارة العربية الإسلامية في اسبانيا لم تكن عابرة فقد وجدت لتبقى.

لقد حكم المسلمون  معظم انحاء شبه الجزيرة الايبرية (اسبانيا والبرتغال) قرونا واستطال حكمهم في جنوب اسبانيا تحديدا وكان نظامهم مبنيا على نشر الحضارة الاسلامية ونقل معارف العلوم الى جميع اوربا فاصبحت الاندلس  قبلة للعلم يتوافد عليها الباحثين والعلماء من كل بقاع الارض .  لقد كان الفتح العربي لأسبانيا حدثاً حضارياً مهما و بعد الفتح أمتزجت حضارات سابقة كالرومانية والقوطية التي كانت موجودة في شبه الجزيرة الايبرية  مع الحضارة العربية الاسلامية، ونتج عن هذا المزج والصهر حضارة أندلسية مزدهرة أثرت في الحياة الأوربية وتركت آثاراً عميقة مازالت تتراءى مظاهرها بوضوح حتى يومنا هذا. لقد مرت قرون طويلة على زوال العرب المسلمين من اسبانيا الا ان مأثرهم البطولية واثارههم بقت  تطل على الاراضي الاسبانية في جلال وكبرياء وتحكي في صمت مهيب قصة مجدهم وشجاعتهم  وحضارتهم في الاندلس.

لم ينقطع  التاثير القوي للحضارة الاسلامية  في اسبانيا  حتى في العصر الذي اخذ فيه نجم الوجود العربي الاسلامي في الأفول  وتضاءلت  رقعة الاندلس وانحصرت في حدود مملكة غرناطة  التي كانت  تتمتع  بحضارة رفيعة على الرغم من خوضها المعارك والقتال  مع الاسبان .نجد اليوم الكثير من الاثار  الهندسية والزخارف العربية  في كثير من الصروح والكنائس  الاسبانية  وفي مختلف جوانب الحياة في اسبانيا . ولابد لنا ونحن نتحدث عن الاثار الاندلسية ان نتحدث عن تراث الاندلس الفكري الذي ابقت عليه يد الزمن الى يومنا هذا  فقد ورثت اسبانيا  عن الامة الاندلسية  تراثا فكريا   فمكتبة الاسكوريال الملكية في مدريد شاهد على وجود نوادر الكتب  الاندلسية  التي ورثتها اسبانيا من العرب المسلمين تلك الكتب بمثابة كنوز في مجال الادب والفلسفة والطب  والهندسة والفلك والفقه وعلوم الدين والقران

لقد تركت الامة الاندلسية  اثارا واضحة في اسبانيا و فأنشأوا المدارس والمكتبات في كل بقعة من بقاع الاندلس وترجموا الكتب المختلفة، ودرسوا العلوم الرياضية والفلكية والطبيعية والكيمياوية والطبية و لا ريب أن أثر اللسان العربي في اللغة الأسبانية يعد من أهم أثارها العربية وأكثرها خلوداً في الأندلس، وهو الدليل القاطع على أن الحضارة العربية الإسلامية في اسبانيا لم تكن عابرة فقد وجدت لتبقى،لقد  دام الوجود العربي الاسلامي في  إسبانيا مدة ناهزت الثمانية قرون فاللغة الأسبانية تحتوي اليوم من المفردات العربية أكثر من أربعة آلاف كلمة من غير اشتقاقاتها ولمختلف ميادين الحياة  الزراعية والهندسة المعمارية والاقتصادية والادبية والعسكرية  والعلمية  .إن انتشار  مفردات اللغة العربية إلى اليوم داخل اللغة الإسبانية لدليل على عمق التأثير العربي والإسلامي في اوربا و شاهد على حضارة عظيمة أسسها المسلمين في شبه الجزيرة الإيبيرية.

الخروج من فردوس الاندلس، عبارة طالما ترددت على ألسنة شعراء الأندلس، وهم يقصدون بالخروج: خروج أخر سكان البلاد الأصليين (الأسبان) للمسلمين من الأندلس"الجنة" التي هي عندهم قطعة من جنة الله في أرضة قد شغلت طبيعة الأندلس الشعراء الأندلسيين، فأقبلوا عليها وهاموا بها. وفتنوا بطبيعتها فتنة لا يعادلها إلا اعتزازهم بشعرهم، ذكروا الأندلس ومحاسنها، ووصفوا الربيع ومقدمه، والأنهار والأشجار والرياض والأزهار، وتحدثوا عن ورودها وأشجارها، وما يتصل بها من غدران وأنهار، وتحدثوا عن ومحاسنها والربيع وبشره، فتن الشعراء بجمال بلادهم، ومحاسن، طبيعتها، وأكثروا من التغني بمناظرها الفاتنة، وعبروا عن مدى هيامهم بها، حتى ادّعى الشاعر ابن خفاجة أنها الجنة، منْ دخلها، فقد حُرمت عليه النار،إذ يقول:

يا أهــل أندلس - لله دركمُ -

ماءٌ و ظلٌّ و أشجارٌ و أنهارُ

ما جنــة الخلد إلا في دياركمُ

ولو تخيرتُ هذا كنت أختارُ

لا تتقوا بعدها أن تدخلوا سقراً

فليس تُدخل بعد الجنة النارُ

جميل أن تكون الأندلس قصيدة تأتي من المستقبل، ولكن الأوروبيين يقولون إن الأندلس حسب مفهوم الغرب كانت مستعمرة عربية -إسلامية، عن هذه المقولة الغربية، يعتقد الكثير من الباحثين والمختصين في مجال التأريخ الاندلسي ، أن الأندلس وما بناه العرب فيها من حضارة هي المحاولة الأولى والأخيرة من تاريخ الإنسانية لأن العرب عندما ذهبوا إلى الأندلس لم يكونوا محتلين بل إنهم أقاموا فيها وجعلوا منها وطنهم الأول والأخير ، لأن الإقامة على أرض الأندلس نتجت عنها حضارة عظيمة انتقلت منها الحضارة الإغريقية العربية إلى أوروبا. فيها العرب لم يكونوا محتلين للأندلس ولم ينهبوا ثرواتها وخيراتها وينقلوها إلى بلدان أخرى بل كانت وطنهم ونتج عن وجودهم هناك مزيج حضاري عجيب وسحري. دور بناء الحضارة العربية في الاندلس لم يقتصر على العرب وحدهم ، بل كافة الأقوام الذين كانوا ينتمون إلى بلدان مختلفة وإلى أديان مختلفة. لقد كان  تعاون حضاري إنساني حقيقي – لاول مرة في التاريخ-  أنجزه العلماء والمفكرون والشعراء وحدهم بعيدا عن السياسة التي كانت مشغولة بصخبها وعنفها في ذلك الوقت. مثلا، كانت الجامعات في غرناطة وفي قرطبة وفي إشبيلية ملتقى لعلماء من كافة بلدان العالم وإن حركة الترجمة التي نشطت في تلك السنوات قد لعبت دورا كبيرا في مسار الحضارة العالمية سواء على مستوى العلوم الإنسانية أو على مستوى التكنولوجيا والعلوم. لذا عمدنا عند اعدادنا لهذا الكتاب ، أن نفتح نافذة صغيرة على فردوس الاندلس من معالم اثرية وشخصيات وتراث فكري ، تلك أرض الاجداد لكي نقف أمام هذه الأطلال ، التي طالما اشعرتنا بالفخر والمجد تاره وبالحزن والأسى تاره بين ماض مجيد وحاضر مؤلم بين أحلام وأمال والام و لكن بعد ذلك كان هناك الحزن و البكاء على تاريخ ومجد وحضاره أشرقت على الأنسانيه وانارت ظلمتها 800 عام.

 

اعداد و ترجمة : أ.م.د. غيداء قيس أبراهيم

م.د. شذى اسماعيل جبوري

م.م. محمد هاشم محيسن

 

 

 

 

صدر قبل اسابيع كتاب بعنوان: (استجواب الرئيس:التحقيق مع صدام حسين) ... Debriefing the President: The Interrogation of Saddam Hussein

لمؤلفه جون نيكسون..عميل الأستخبارات المركزية الأمريكية، الذي التقى صدام لعدة أيام في سجنه" أيلول- كانون الأول 2003"وكان قبلها قد حضر الى العراق موفدا من (CIA) لفهم شخصية صدام، حيث كانت مهمته هي التعمق في دراسة شخصيات القادة العالميين بتحليل (حوافزهم ومثيراتهم) وفقا لما قاله لبرنامج فيكتوريا ديربيشير على قناة بي بي سي.ونيكسون هذا البالغ من العمر (55) عاما والمتخرج في جامعتي نيويورك وجورج تاون الحاصل من الأخيرة على شهادة الماجستير عن شخصية صدام، كان التحق بجهاز الأستخبارات عام 1998 وعيّن ليكون (المحلل القائد)ف ي العراق..الذي يعني ان يكون شغله الشاغل هو:دراسة صدام... الى عام 2011 حيث غادرها ليعمل مستشارا بمعهد دولي تابع لحكومة ابو ظبي.

  يتضمن الكتاب بطبعته الأنجليزية (14) فصلا في (239) صفحة. ويحكي قصة أكبر مطاردة "يصفها بالأكثر عدوانية" قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية في كانون الأول/ديسمبر 2003 باعتقال صدام حسين في مخبأ تحت الأرض بجانب بناء زراعي قرب مسقط رأسه بمدينة تكريت، ويصف العثور عليه واعتقاله بأنه كان "اشبه بسقوط صاروخ فوق جميع انحاء العالم"

 لا يعنينا هنا تقويم عام للكتاب وما يحتويه من معلومات معظمها حوار سياسي يتعلق باسلحة الدمار الشامل وموقف صدام من اميركا ونظرته الى العلاقات الدوليه وتطلعاته نحو الشرق الاوسط، وفصل عن التهديد الفارسي(ص 91) وآخر بعنوان عمامات في السياسة(ص 107)، والتقاطعات السياسية (ص173).. واخرى حقائق نعرفها جميعا ولا تضيف جديدا، بل حواراته مع صدام في محاولته لتحليل شخصيته، في الفصول: الثاني   Dare to Be Right، والخامس   Getting Under Saddams Fingernails، والتاسع   Saddam Blows His Top.. وما اذا كان قد اكتشف جديدا في شخصية صدام لا يعرفه العراقيون، ومقارنتها بتحليل عراقي لشخصية صدام.

 كان نيكسون هو اول شخص يجري تحقيقا مع صدام (معه اثنان من المخابرات ايضا)، ويعترف الرجل بأنه حين دخل عليه (ظللت اقرص نفسي لأصدق أني أحقق مع اكثر رجل مطلوب في العالم).ويضيف: (عندما بدأت التحدث معه حدقني بنفس النظرة التي علت وجهه في صورة غلاف كتاب ظل على مكتبي سنين .. وان عبارة "فوق الخيال والتصور" ما كانت تكفي لوصف الموقف.

 يصف نكسن شخصية صدام حسين بانها "اكثر الشخصيات الكارزمية التي قابلتها في حياتي"وان الرجل "كتلة من التناقضات" وفي تناقض صارخ مع طريقة تصويره في الأعلام الأمريكي، فهو شخص ساحر، لطيف مهذب حين يشاء، ووقح فظ ولئيم حين يستفز، وانه "احد اكبر المتشككين الذين قابلتهم في حياتي"، فمع كل سؤال اسأله كان "يجيبني بسؤال"، وكان  الحاحه بالسؤال"هل انتم من المخابرات العسكرية..افصحوا عن هويتكم؟" مصحوبا بنظرة مخيفة تعكس الكراهية.

  ويزعم  " نيكسون"،  أن صدام حسين أدلى له باعترافات مفادها أنه  كان ديكتاتورا،  وأنه كان ينوى أن يفجر العالم كله،  ومنها إدارة جورج دبليو بوش"، ويورد معلومة يصعب تصديقها بأن صدام كان يقضي معظم وقته في كتابة الروايات وانه لم يكن يعرف وقتها شيئا عما يدور في وطنه، ولم يقدم خطة دفاعية لحماية العراق من الغزو".

ومع انه ذكر له حقيقتين قالهما صدام بأن لا علاقة له باسامة بن لادن وأن  العراق لا يمتلك اسلحة دمار شامل، فانه ذكر معلومتين، الأولى صدّقها نيكسون ويصعب علينا تصديقها بقوله انه لم يصدر امرا بضرب حلبجة بالسلاح الكيماوي، والثانية فيها انكار ضدي يخص علاقته بزوج امه الذي وصفه بأنه "كان ألطف رجل عرفته: إبراهيم حسن،  باركه الله،  وقد كنت أمين سره،  وأقرب إليه من ابنه أدهم”.

ويصدق نيكسون بوصف صدام بأنه كتلة من التناقضات، فهو امر بحرق اسطول من السيارات الفارهة كان لدى عدي الذي اعتدى على وطبان في حفلة للعائلة وهو سكران، معتبرا ذلك استفزازا للشعب في زمن الحصار، في حين ان صدام بنى القصور في الزمن ذاته!.

 لقد وصفت أمازون في تقديمها للكتاب بأنه " يعكس خلاصة صريحة ومذهلة حول صدام"

فهل انه عكس ذلك فعلا؟.

 

 شخصية صدام حسين

 كنا التقينا السيد عدنان الباججي (كانون الأول 2003) بوصفه رئيس مجلس الحكم يومئذ وطلبنا منه ان تتاح لفريق من خبراء علم النفس والطب النفسي مقابلة صدام،  واجاب بأنه الان في عهدة اميركا ويمكن ذلك حين يكون بعهدة الحكومة العراقية.والتقينا بعدها السيد اياد علاوي..واعتذر، وراحت على العلماء العراقيين فرصة تقديم دراسة علمية فيها فائدة للحكام والشعوب..وحصل ما كنا حذرنا منه بصدور كتاب (استجواب الرئيس) عن المخابرات الأمريكية.

 ان صدام حسين كان ظاهرة عربية واجتماعية واخلاقية وسياسية ونفسية ساهم في صنعها، ليس تاريخه السياسي والأسري والبايولوجي فحسب، انما العراقيون والعرب ايضا..وهو شخصية غير عادية، بمعنى:ان الناس يغلب عليهم نمط واحد في الشخصية فيما شخصية صدام تتصف بأنها مركّبة من اكثر من نمط، البارز فيها اربعة، نوجزها بالآتي:

1- نمط شخصية المتحدي.

 واهم صفات هذا النمط هي :الشعور بالثقة العالية بالنفس، قدرة التأثير في الآخرين، سعة الحيلة والدهاء، الصراحة والشهامة، الحسم وحب السيطرة، الميل للاستبداد والارهاب، وحب المواجهة.

 ان جميع هذه الصفات موجودة في شخصية صدام، لاسيما (حب المواجهة).فالمتأمل لتاريخه الشخصي يجد ان صدام كان لا يرتاح للهدوء والاستقرار، وانه كان يعمد الى خلق أزمة تفضي الى مواجهة ومجابهة اذا شعر بأن الاستقرار سيطول زمنه..وهذه حاجة نفسية عصابية قسرية في شخصية المتحدي.(موجودة الآن في الواقع العراقي لدى بعض الحكّام).

2- نمط شخصية المتحمس.

 ومن اهم صفاته:الجرأة، النشاط والحيوية، عملي لكنه اندفاعي غير منظبط، يسيء استعمال مواهبه وقدراته ويستغلها بصورة سلبية، وصدام كان يمتلك من الجرأة والنشاط ما لا يوجد عند من هم بمنصبه وعمره.وهو اندفاعي ..فغزوه الكويت كان ناجما عن حالة انفعالية وما كانت عقلانية قطعا.

3.نمط الشخصية النرجسي.

 واهم صفاته:الميل لأخضاع الآخرين لأرائه، واعتقاده بأنه يمتلك قدرات استثنائية او خارقة، شعوره بالتميز عن الآخرين وأنه ارقى منهم ..وان عليهم ان ينفذوا اوامره..وكلها موجودة في شخصية صدام.

4.نمط شخصية السيكوباثي.

 وهذا يتصف بالسادية والعنف والقسوة مع الخصوم، ويعد ايقاع الأذى بالآخرين امرا مشروعا، ولهذا فأنه لا يشعر بتأنيب الضمير عندما يعذب خصومه او يصفيهم جسديا..وكلها متوافرة في شخصية صدام.

 فضلا عن حقيقة سيكولجية هي ان (مفهوم الذات) او معتقد الانسان بخصوص نفسه، يشكل الدافع الرئيس وراء سلوكه.وان هذا المعتقد يمكن ان يكون عقلانيا او وهما، وان الكثير من معتقدات صدام التي كان يؤمن بها هي في حقيقتها اوهاما..من قبيل توحيد البلدان العربية في دولة واحدة يسودها نظام اشتراكي مع انه ما استطاع تطبيقه في بلده!، ومعتقده بأنه افضل العرب لرئاسة دولة الأمة العربية الواحدة.

  الاستثناء في شخصية صدام ان صفات تلك الانماط الاربعة اجتمعت في تركيبته وشكّلت الركائز الاساسية في شخصيته.ولهذا فانه خلق في حينها اكثر من صورة ذهنية.فهو عند كثير من العرب وبعض العراقيين يمثل (شخصية المتحدي) التي تثير الاعجاب وتبرر له اخطاءه وحتى جرائمه.وهو عند معظم العراقيين يمثل شخصية (السيكوباثي)العنيف القاسي الذي لا توجد في قلبه رحمة تجاه خصومه، والنرجسي الأناني الذي احتكر الثروة لنفسه وانفقها في ترف سفيه..يأكل لحم الغزلان المطعم برائحة الهيل فيما شعبه أكل الخبز الأسود في زمن الحصار الذي كان هو سببه، وكأنه كان ساديا يتلذذ بعذاب ضحيته.

  كان جون نيكسون محاورا ذكيا مع صدام حسين..ذهب اليه وهو معبأ بكم من المعلومات عن احداث، وقائع،  لقاءات او احاديث تخص صدام، بعضها كان يفاجئه بها.وكانت له القدرة على ان يغير الأسئله تبعا لمزاج صدام، او ردود فعله.وكان ماكرا ايضا في اعادة السؤال بطريقة اخرى ليتحقق من صدقية اجابة صدام بما يخدم الجهة التي كلفته..وامتاز بمهارة التواصل في كسب ود صدام وحاجته النفسية لشخص يتحدث معه في سجنه الانفرادي. غير انه لم يقدم تحليلا سيكولوجيا لشخصية صدام بالقدر الذي اشيع عنه في الصحافة، ولم يكن متعمقا في تحليل تنشئته الأسرية والحزبية وانعكاستها في قراراته حين اصبح حاكما. ومع ذلك فان الكتاب قد يحقق رواجا حين يترجم الى العربية، لا لما فيه من معلومات معظمها معروفة للعراقيين، بل لأنه صادر من الـ(CIA) عن شخص وصف بأنه كان الأخطر في العالم!.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

كتاب "الأمير عبد القادر" للألماني برهان كارل بيرنت، ترجمة الأستاذ أبو العيد دودو، دار هومة، الجزائر، الطبعة 2012، من 238 صفحة.

تحدث الكاتب الألماني عن 5 سنوات قضاها خارج ألمانيا و ثلاث بالجزائر إبان بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر من سنة 1835 إلى سنة 1839 تاريخ فراره من الجزائر إلى الفرنسيين. وصف الأميرعبد القادر من عدة زوايا وهي التي سنركز عليها، وعادات وتقاليد الجزائريين بدقة متناهية من حيث السلبيات والإيجابيات، وهي..

أولا: الأمير عبدالقادر.. يرى أن الطاعون كان من وراء الأسباب التي دفعت الأمير لعدم اقتحام الجزائر العاصمة. واستطاع الأمير أن يضع حدا للنزاعات بين القبائل في المناطق التي كان يسيّرها. وصف الأمير عبد القادر صفحة 50، فقال: تميز منذ صغره بذكائه وشجاعته، واستطاع أن يخضع لسلطانه جميع العرب، بالشدة حينا وباللين حينا آخر، من المدية إلى المغرب، وبعض القبائل انبهرت بقوته وشدة  ذكائه. و في صفحة 61، يتحدث الألماني حين قادوه إلى ولاية معسكر فأخبروه أن الأمير عبد القادر لا يقبل الأجانب في جيشه، ولا يقبل منهم سوى أصحاب الحرف. ويبدو من خلال القراءة أن الألماني تعرّف على الأمير عبد القادر إثر معركة المقطع التي انتصر فيها الأمير على المحتل الفرنسي، وهذه الملاحظة في غاية الأهمية أي أنه تعرف على الأمير وهو في تمام قوته وانتصاراته. وعن ثقة الجزائريين بالأمير عبد القادر، يقول في صفحة 65، كان الناس يعتقدون أن  إنهزام الأمير عبدالقادر أمر مستحيل. فرح الألماني بكون المحتلين الفرنسيين أحرقوا بيت الأمير في معسكر حين إقتحموها. ويقول عن الأمير بأنه كانت له زوجة واحدة. ووصف حالة الإضطراب التي عاشها الأمير وجيشه ومن معه على إثر إحراق المحتل الفرنسي لمعسكر واحتلال تلمسان. ويتحدث الألماني عن كونه أصبح مترجم للأمير عبد القادر ومعدا لرسائله وقراءتها التي توجه للفرنسيين، والتي عثر على بعضها في جيوب بعض الجنود الفرنسيين المحتلين الذين تم إلقاء القبض عليهم أو قتلهم في المعارك.  وخيمة الأمير كانت صغيرة متواضعة.

وصف الأمير عبد القادر في صفحة 69 فقال: ولم يكن لباسه فيه أي أثر للذهب والفضة. والأمير رجل شاب، في حوالي الثلاثين أو الواحدة والثلاثين من عمره، وهو قصير القامة، رشيق الجسم، أبيض اللون، يرتسم النبل والحلم على ملامح وجهه، وكانت عيناه ذات لون أزرق رمادي، ولكنهما برّاقتان، ولحية سوداء  منتظمة، وأسنانه ناصعة البياض، وكان صوته عميقا، وكانت به نعومة ورقة، وكان يحمل ووشما صغيرا فوق جبينه وخده الأيمن ويده اليمنى. ووصفه في صفحتي 73-74 فقال: لقد جمع الأمير عبد القادر بين الدهاء العربي والشجاعة الحربية والطموح، ولكنه كان يتسم بالحلم والعدل على قدر ما تسمح به مواقفه وتطلعاته. وهو يعيش من الوجهة الدينية حياة ورعة، متمسكا بالعادات والشرائع الظاهرية، ويؤكد سلوكه في كل مناسبة مدى تسامحه وخلوه التام من الأحكام المسبقة على من يخالفه في الرأي. وهو متمكن من الكتابة العربية واللغة العربية، ومتمكن من الأدب العربي، ويخصص أوقات راحته لقراءة الأدباء والشعراء العرب، ويعرف تاريخ الخلفاء، وكان يشعر في نفسه، على ما يظهر، القدرة على أن يعيد الهلال ما كان له من غلبة وعظمة. ويتمسك في أسلوب حياته بالعادات المتبعة، بل هو يعيش أكثر بساطة وتواضعا من معيشة معظم العرب، لا يرتدي أبدا ألبسة مذهبة أو مفضفضة، إلا فوق أسلحته وجياده. وللمرة الثانية يعجب بكون الأمير ليس له سوى امرأة واحدة. ولم  يكن هناك في الواقع ما يشغل قلبه غير حبه للمجد وتطلعه للأعمال البطولية، يضاف إلى ذلك حلمه ولطفه، ولذلك لم يكن من المستغرب أن يحبه شعبه ويحترمه أعداؤه من المسلمين والمسيحيين على حد سواء.

وفي صفحة 76 يتحدث عن رفض الأتراك تقديم حصن  المشور للأمير ليتخذها مقرا لجيشه، وفي المقابل سلموه طواعية للفرنسي المحتل سنة 1836، ما يدل على خيانة الأتراك، وفي نظر الأتراك لايليق بالتركي أن يحكمهم العربي. ويتحدث في صفحة 78 عن معركة المقطع التي انتصر فيها الأمير عبد القادر بثلاثين ألف رجل ضد الجنرال المحتل تريزيل بثلاثة آلاف محتل قادما من وهران. وتحدث فيما بعد عن هزيمة الأمير عبد  القادر في معركة سيدي امبارك فنتج عن ذلك استيلاء المستدمر الفرنسي على معسكر.

ويقول في صفحة 80-81: كان الأمير عبد القادر يرغب في السلام، غير أنه لم يكن يريد أن يكون أول من يطلب ذلك. ويتحدث عن قلة عدد جيش الأمير بسبب المعارك وحالات الفرار على حد سواء، فأصبح في وضع يدعو إلى  الشفقة. ويخاطب الأمير بلقب سيدي ومولانا، وينتقده حين يستلزم النقد دون جرح ولا  قداسة. وفي صفحة 88-89 يتحدث عن فرار بعض الجند من جيش الأمير بسبب بعدهم عن بيوتهم، وكذا إنسحاب بعض القبائل وتركه وحيدا إلا من بعض القبائل العربية يواجه المحتل  الفرنسي لوحده. وقال في صفحة 100 أن الأمير عبد القادر لم يتلق من ملك المغرب غير التأكيدات الأخوية، والإعراب له عن عجزه عن تقديم أية مساعدة تتعدى الدعوات الصادقة. وتطرق الكاتب الألماني في صفحة 125 إلى خيانة باي مستغانم إبراهيم بوشناق وبعض القبائل المتعاونة مع المحتل الفرنسي ويرى بأنهم استمدوا تلك الجرأة من تسامح السلطان وضعفه  الواضح. وتحدث في صفحات 128-130 عن أن الأمير عبد  القادر لم يكن صديقا لأحمد باي، ويكره فيه السلطة التركية ورغم ذلك فرح وأمر بإقامة الحفلات إبتهاجا بهزيمة الفرنسيين المحتلين والمحاولين إحتلال قسنطينة أثناء المرة الأولى. ويرى أن الفرنسيين أقاموا معاهدة مع الأمير ويبدو أنها معاهدة التافنة ليتفرغوا لاحتلال قسنطينة بأي ثمن، ولذلك لبوا كل مطالب الأمير حسب الألماني، ويكفي أنهم طالب بكل السرى ولم يطالبوا بأسراهم. ويرى في صفحة 141أن المعاهدة الثانية وهي معاهدة التافنة كانت أشد ضررا على المحتل الفرنسي من أي معركة أخرى.

وصف الأمير عبد القادر في صفحة 142 بـالأمير الداهية ووصف المجتمع الجزائري الذي أكرمه واستضافه وقدم له الخيول الجميلة التي لم يحلم بها بالشعب المتعود على العنصرية والتعصب الديني. ويختم الفصل الرابع عشر بضرورة إحتلال الجزائر والاستمرار في احتلالها، ويطالب بالقضاء على الأمير عبد القادر ويحذر من التنازل له كما حدث في  معاهدة التافنة التي ساعدته في الخروج من الحصار المفروض عليه من قبل ومكنته من الاستيلاء على تلمسان، ومعسكر، ومليانة، والمدية. مع العلم الأمير أحسن إليه، واعترف أن الحياة مع الأمير أفضل بكثير من العيش في الفرقة الأجنبية التابعة للجيش الفرنسي المحتل. ويقول في الفصل السادس عشر 149-156، أن الملك فيليب هو الذي وقع معاهدة التافنة مع الأمير، لأن الأمير عبد القادر رفض أن يوقع المعاهدة مع أيّ جنرال. ويتحدث عن أن الأغنياء من الأتراك والكراغلة إنضموا جميعا للمحتل الفرنسي ضد الأمير عبد القادر.

ويقول عن نفسه في الفصل السابع عشر157-168، أنه يتقن اللغة العربية، والألمانية، والإسبانية،  والإيطالية. وتحدث عن التبذير الذي يحدث في الأعراس العربية. وفيما يخص الفصل الثامن عشر 168-174، تأسف الألماني لكون فرنسا تركت الحصون للأميرعبد القادر، وأنه رفض التنازل لفرنسيين عن مطالبهم معتمدا على بنود معاهدة التافنة. وتحدث عن كون بعض الفرنسيين حاولوا تقليد الألمان في الفرار من الجيش الفرنسي المحتل والالتحاق بالأمير عبد القادر لينالوا الحصان الجميل القوي، ولباس ذا جودة، ووظيفة سامية، وحسن معاملة من الأمير.  

ثانيا: المجتمع الجزائري..وصف الفرقة الأجنبية التابعة للجيش الفرنسي المحتل للجزائر في صفحة 26  بحثالات أوربا بأسرها، وأبدى فرحا شديدا حين علم أنهم سيحتلون البليدة. ظل يصف الحصان العربي بالجميل والقوي وبأن سرعة الجياد العربية تشبه سرعة الرياح. ويعترف أن الجزائريين الذين ألقوا عليه القبض أحسنوا إليه، وظل يتفاخر بحسن معاملتهم على الغربيين الذين كانوا ضمن الفرقة الأجنبية، وكان يقول أن طعامنا أحيانا كان أفضل مما يقدم للخليفة. تحدث بشكل كبير عن جمال المرأة الجزائرية وأعجب بجمالها أيما إعجاب وظل يصفه وهو يفر من الجزائر للمرة الثالثة، وتحدث عنها وهي تلبس "ملاية كبيرة بيضاء". يتحدث عن شرب الجزائريين للقهوة بشكل ملفت للنظر حتى أنه سماه بـ "المشروب المحبوب"، ما يدل أن ولع الجزائري بالقهوة خاصة السوداء منها عادة جزائرية وليست من آثار الاستدمار الفرنسي كما يقال ويكتب. قال عن الجزائريين بأنهم لايدخنون ويرفضون ذلك في مجالسهم عكس الأتراك. تحدث عن زملاء ألمان وفرنسيين فروا من الفرقة الأجنبية والتحقوا بالجزائريين لحسن معاملتهم لهم. تحدث عن ظلم الأتراك للجزائريين وكيف أنهم منعوهم من التنقل وحمل السلاح بل لم يكونوا يسمحون لهم بحمل السكين، وأرهقوا كاهلهم بالضرائب. وصف العربي في صفحة 50، فقال: العربي شجاع أيضا ومضياف، ولكنه سارق ومكار. ولغته لغة عربية واضحة، ولكنها ليست لغة القرآن، بل هي لهجة دارجة، كما أنه لم يبق شيء من تلك المروءة القديمة. ويقول في صفحة 72 أن الأتراك يعاملون الجزائريين معاملة احتقار وعبيد، لذلك حاربهم الجزائريون ومنهم من التحق بالفرنسي المستدمر نكاية في ظلم  الأتراك. وفي الفصل التاسع 107-114 وهو يتحدث عن فراره من الجزائر ومن الأمير عبدالقادر الذي أحسن إليه وأكرمه أيما إكرام، وراح يصف كرم الجزائريين الذين  أحسنوا إليه وزملائه رغم قلة الشيء ودون مقابل. وفي صفحتي 110 و195 تحدث عن الأسود في الجزائر، ما يدل على أن الجزائر إلى عهد قريب كانت تزخر بمختلف أنواع الحيوانات النادرة. وفي آخر الكتاب أفرد فصلا "يحتوي على شروح للعادات والتقاليد والتعابير اللغوية وغير ذلك"، عبر صفحات 203-238، شرح من خلاله بعض العادات الجزائرية والعقيدة الإسلامية كما رآها، وسلوكات الجزائريين كما عايشها عبر المقاهي والحمامات، وبعض العبارات الخاصة، وكذا قاموس مفردات من الألف إلى الياء يشرح فيه الكلمة العربية كما ينطقها الجزائري بالعامية، وكم كنت أتمنى من المترجم أبو العيد دودو، أن لا ينقل  بعض الكلمات بعامية مسيئة للسمع والنظر.

 

معمر حبار

 

 

 

 

صدر حديثا بالسويد للكاتبة بلقيس الربيعي كتاب بعنوان: اللؤلؤ المسحور، وهو قصة للأطفال مصورة بالألوان من 35 صفحة من القطع المتوسط. نفذت رسومها الجميلة الفنانة اليمنية جميلة عزاني. وتجدر الإشارة إلى أن كتابها هذا هو الخامس في سلسة إصداراتها، وكان آخر إصدار لها مجموعة قصصية بعنوان " طيف الغائب " صدر سنة 2016.

والقصة موجهة للأطفال الصغار تحبب لهم فعل الخير وتحثهم على التمسك بمكارم الأخلاق. فهي قصة استخدمت فيها الكاتبة لغة سهلة رقيقة، مما يجعلها تنضوي تحت ما يسمى بالسهل الممتنع. تحكي قصة فتاتين تعاملها أمهما معاملة مختلفة، فهي تحب البنت الكسولة والأنانية التي تقضي معظم وقتها في النوم. بينما لا تحب ابنتها الثانية المهذبة والطيبة والتي تساعد أمها في أعمال البيت وتحب مساعدة الآخرين.

ولهذا تنحى القصة نحو كيف أن عمل الخير يثمر، بينما عمل الكسل والبغضاء لا يثمر، وبهذا تؤسس الكاتبة إلى قصص تخاطب الأطفال بما يتناسب مع أعمارهم. فالقصة رائعة في ثيمتها رغم بساطتها، وهادفة في ذات الوقت. وجاءت الصور معبرة عن القصة بما حوته من جمالية وألوان زاهية، بحيث تجعل الأطفال يتعلقون بها من أول وهلة.

والكتابة للأطفال من أصعب أنواع الكتابة الأدبية، لأنه يتحتم على الكاتب مخاطبة الطفل حسب قدراته الذهنية والعقلية، ومدى استيعابه للغة الكاتب، كما إنها في ذات الوقت موجهة في الغالب ليدرك مقاصدها الكبار، يقول هانس كريستيان أندرسون أشهر كاتب قصص الأطفال، وكاتب قصة حورية البحر التي نتج عنها تمثال حورية البحر في مدخل ميناء كوبنهاجن والذي يزوره عشرات الآلاف من السياح سنويا وبات رمزا للدنمارك، يقول:" حكاياتي الخرافية هي للكبار كما هي للصغار في الوقت نفسه، إذ الصغار يفهمون السطحي منها، بينما الناضجون يتعرفون على مقاصدها ويدركون فحواها. "

إن قصة " اللؤلؤ المسحور " قصة تستحق الإشادة بها، خاصة وأنها مصورة وطبعت باللغتين العربية والسويدية، مما يتيح لها الانتشار الأوسع في بيئتين، الأولى بيئة الكاتبة باللغة العربية حيث جذورها من العراق، والثانية في موطنها الثاني ومكان إقامتها في السويد، وهنا لا يسعنا إلا أن نبارك للكاتبة إنجازها الحديث في 2017 .

 

كريم السماوي

صدر مؤخراً عن المركز الثقافي العراقي في مدينة الحلة الذي يديره الشاعر ولاء الصوّاف وبالتعاون مع مطابع دمشق بسوريا كتاب جديد للكاتب أحمد الحلي بعنوان (عطر الأمكنة أو ريشة الهدهد، مرويات في سيرة المهمّشين والمنسيين )، وهو كتاب طريف فريد في بابه، حيث تناول الكاتب بطريقة السرد الروائي المشوّق سيرة عدد كبير من شخصيات قاع المدينة من بائعي العربات والمدمنين من الشعراء والأدباء وسواهم وحتى المجانين ممن ترتبط بسيرهم حكايات وثيمات يمكن أن تُحكى، ولم يقف المؤلف عند هذا الحد بل امتدت سرده ليتناول تجربة الحياة في الجبهات القتالية إبّان الحرب العراقية الإيرانية عاكساً لنا حكايات عدد من الجنود وعلاقتهم الملتبسة بضباطهم .

غطى الكتاب لمجريات أحداث معينة عايشها العراقيون ووثق لبعض الأمكنة ولاسيما المقهى الشهير باسم (مقهى أبو سراج) الذي شهد محاورات ومواقف متعددة بعضها سياسي والآخر اجتماعي وثقافي، خاصة إذا علمنا أن النظام البائد اختار ساحته في مرحلة التسعينيات لتنفيذ جريمة قطع ألسنة عدد من شبان المدينة على يد ما سمي بـفدائيي صدام .

زينت الغلاف لوحة فنية جميلة وموحية للفنان العراقي المغترب صدر الدين أمين .

صدر الكتاب بواقع 294 صفحة من القطع المتوسط

 

حسنين قاسم

 

صدر حديثا عن دار مرسم بالمغرب للشاعر نزار كربوط مجموعته الشعرية الرابعة بعنوان "أهب وجهي للفوضى".  هي لحظة شعرية مكتنزة بعد ديوانه الثالث "سقف من فراشات" الذي ترجم الى الفرنسية وصدر بباريس. الديوان قيد النظر، يتكون من قصائد عديدة، لكنها متفرعة كشجرة أنساب. في هذا العمل الشعري الجديد اشتغل الشاعر بوعي يحمل بين ثناياه ثقل القصيدة المعاصرة بكل ما فيها من تلوينات، كما تناول تيمة الوجه كعمود فقري ترتكز إليه جل القصائد وتلتحم في ما بينها لتطرح القارئ أمام عمل شعري جديد يرسم مسيرة الشاعر نزار بخطوط عريضة وثابتة. "أهب وجهي للفوضى" هو عنوان يطرح مجموعة من الأسئلة الوجودية ويحيلنا على تركيب مجازي عميق يجعل من الوجه مختبرا للفوضى الخلاقة وأداة للتعبير عن شعرية الوجه الإنساني.

يقول الشاعر والناقد فوزي عبد الغني:

" بالأخص ما يتعلق بالذات وتمظهرها، واللغة وشعرية التكثيف، إضافة للبعدين السردي والأوتوبيوغرافي. لا بد من التنصيص، على أن هذه الملامح والممكنات الجمالية حضرت في منجزه الشعري السابق بنسب متفاوتة الحضور والصياغة. لكن أراها الآن تمددت وبدأت تتشعب على ضوء تعدد المقروء وامتداد التجربة وقوة المشاهدة والتأمل، الشيء الذي جعلنا أمام نص مركب يرقصك عبر طبقات من التشكيل الجمالي والتخييلي. لهذا فعناصر الإضافة بادية في الاشتغال الدؤوب لهذا الشاعر الذي يعمق الصلة دوما بالحياة والشعر."

من الديوان نقرأ:

سِيُورَانْ

كَمَا عَوَّدَتْنِي أَزِقَّةُ مُونْمَارت 

صِرْتُ أُلاَحِقُ ظِلاَلَ

كُلّ من عَبَر جِسْرَ الجَمِيلاَتِ

وَفِي وَجْهِهِ زِلْزَال مِنَ النَّبِيذِ  

أَنْظُرُ

إِلَى طَيْفِ سِيُورَانْ

وَهُوَ يُزْعِجُ النَّائِمِينَ

أولائك الذِينَ يَرْسُمُونَ أَشْجَارَ اللَّوْز

عَلَى شَاشَة الهَاتِفِ النَّقال

وَيَتَبادَلُون اللَّيْكَات

في مُسْتَشْفَى المَجَانِين

 

صِرْتُ أَشْحَن قَلْبِي فِي مَحَلَّاتِ لُعَبِ الأَطْفَال

تَقْذِفُني ابْتِسَامة عَابِرَةٌ لَم تَكُن لِي

وَتُرَوِضُنِي قِطْعة سُكر عَلَى الانْحِنَاء

أَمَامَ عَسَلِ السَّيِّدَات

صِرت أَقْرَأُ الأَلْوَانَ بِفَمِي

أَتَذَوَّقُ

حَلْوَى النُّورْمَانْدِي بِفَمِي

وَأَكْتُبُ وَجْهِي

بِفَم لَيْس لِي.

 

 

 

صدرت حديثاً المجموعة الشعرية "شذرات ثلاثية الأبعاد" للشاعر المغربي بن يونس ماجن عن "منشورات ألوان عربية " بالسويد. وقد ضمت المجموعة 26 قصيدة توزعت على 124 صفحة من الحجم المتوسط.

قصائد بن يونس ماجن في هذه المجموعة لا تتعرى بل تتجرد، وهي لا تأبه بالتفاصيل لأن الكتابة الشذرية لا تتحمل سيل التفاصيل لو تدفق، وبذلك هي تتجنب أن تفقد إحساسها بالومضة الصاعدة إلى رقي حضورها لتبتني في القصيدة توهجها وهي تكشف عن عوالمها الحميمية الذاهبة في كل الاتجاهات الوجودية.

ولئن التعقيد بات سمة هذا الوجود، فأن قصيدة ماجن تحلل وتفكك الأبعاد المستعصية وتجعلها هينة ليّنة في إعادة الاعتبار لوظيفة القصيدة التي تضع الشعر عند ذائقته الجمالية.

لا تخفى عناية الشاعر بالتصوير، وأكثر دقة بالتصوير الثلاثي الأبعاد، حيث تحتل ذائقة الشاعر ورؤاه الجمالية مكان تقنيات العدسة، ليضعنا أمام مشهدية بالغة الدقة في دلالاتها التعبيرية، وزاخرة بالفتنة التي لا تخطئها عين أو إحساس يتلمس البلاغة في تكسير المألوف وصولا إلى ما هو فوق الواقع الذي يجعل الدهشة تتألق بقدر حيوي في القصيدة.

يستفيد الشاعر ماجن من قصيدة الهايكو اليابانية ويوظفها كشكل ويحافظ على هيئتها، ولكنه يحشد بها كل خصوصيات البيئة العربية. وحين يتوغل الشاعر بالمتجسد العربي يستحضر كل الهموم والتحديات التي تشغل الأنسان العربي، لتصبح القصيدة على يد الشاعر علامة مميزة تصبغ عمله الذي يحاول حفر طريقه بعيداً عن التأثر بتجارب الآخرين. فللشاعر ماجن بصمته في إنتاج قصيدة حيوية ومتفاعلة في قلب الحداثة التي ما عادت تتوقف عند حدود.

إنها شذرات مصفّاة ومكثفة، قالت وأسمعت، فوصلت شذية ورقراقة في قوالب شعرية تعرف الطريق إلى البهاء، وتعرف كيف تتغلغل في النفس ريحاناً حين النفس تود بشغف الخروج إلى إلفتها وطبيعتها المتجددة.

والجدير ذكره إن هذا الديوان هو المجموعة الخامسة عشر في مسيرة الشاعر الطويلة التي ابتدأت منذ عام 1988 مع صدور ديوانه الأول "أناشيد للضباب". بالإضافة إلى ديوانين باللغة الفرنسية وديوان باللغة الإنكليزية.    

لقد قرأت بتمعن وشغف كتاب د. عبد الجبار الرفاعي" الدين والظمأ الانطولوجي" ط2، والذي صدر عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد 2017. بدأت بقراءة مقدمته، لكني لم أتمكن من التوقف، فانجذبت الى قراءة الكتاب بالكامل. انه سفرٌ مشوق يحمل بين طياته قلباً وجدانياً مفعماً بالحب والايمان، وفكراً ناضجاً عميقاً، نيراً وصادقًا. كلماته تعبر عن ذاته لذاته وللآخرين. إنها خبرة حياة وأيمان بكل معنى الكلمة، وليست اجتراراً للسلف، ولا ترديداً لطقوس جامدة، ولا تدينا زائفًا.

كتاب أتمنى أن يقرأه كل رجل دين مسلم ومسيحي، وكل أنسان مؤمن، لأنه في النهاية باعتقادي، سيقوده إلى أن يعبد الله "بالروح والحق"، كما يقول السيد المسيح (إنجيل يوحنا 4/13). لأن من يقرأه سيزداد معرفة وتنويراً وحقاً وحباً لله...

  أقول ومن دون مجاملة وجدت الكتاب سفراً غير معتاد من مسلم، يتحدى الجمود  "الاكليروساني- الاسلامي" عن معرفة وخبر،  فجاء مبدعاً ومحركاً. عبد الجبار الرفاعي "ابن الحوزة العلمية"، يتكلم عن خبرة ذاتية، وعن علاقة شخصية بالله، ويتكلم عنه بمنطق الايمان وليس بأسلوب فلسفي -  ميتافيزيقي، أو بكلام الصالونات، أو باجترار للسلف، بلا تاريخ، "عود أبدي" كما يسميه عندما يروي سيرته الشخصية في الفصل المخصص عن سيرته والمعنون "نسيان الإنسان"  ص 35-90. استمتعت جداً جداً بسيرته الذاتية، والتي أتمنى أن تتحول إلى فلم أو مسلسل يعلّم الجيل الجديد كيف يكون عصامياً بجهد شخصي"بعرق الجبين"، وليس بطريقة أخرى سهلة!

 الكاتب لا يريد أن يعيش على الحدود، ويرفض البكاء على الأطلال، أو التغني بالأمجاد كما يفعل العرب عموما، بل يريد الإبحار إلى العمق إلى الجوهر ليكشف ما فيه من جديد الله في جديد الإنسان، وجديد الزمن، كما يروي في الفصل المخصص عن سيرته.

ما يشدّ في الكتاب أنه يحكي ببساطة عن خبرة حياة ايمانية، عن انسان يقيم علاقة شخصية معمقة مع الله فيتكلم بشجاعة الأنبياء عن أن الإيمان ثورة حب، ووجدان، وغفران، وروح وليس ممارسات جوفاء ( ص  74.. الخ).  يتكلم عن إنسانية الدين ويعطي الطمأنينة والأمان. يتكلم عن خبرات الإنسان، وتساؤلاته، وأوجاعه، وقلقه، وأحزانه، وأفراحه الصغيرة، وآماله الكبيرة، وخيباته، وإمكاناته، وطاقاته التي من خلالها يظهر الانسان بكل جماله.

القيامة في الحياة والحياة في القيامة.لأن الحياة مشوار الى القيامة. ومن ليس قائما منذ اليوم، لا يقوم إلى الأبد! القيامة هي الحياة الحقة التي لا تولد، بل تبدع كما سطرت. الإيمان (وليس التدين)، الفكر، الحب، خدمة الإنسان هي الخلود.

 انه يتواصل مع البدايات الممتازة، مع الينابيع الأصيلة من أجل "الأصالة والمعاصرة"، والا تتخشب المعطيات ولا تقول شيئاً ذا معنى لإنسان اليوم كما فعل المسيح مع" الفريسيين، علماء الشريعة والذين سماهم:"القبور المكلسة" (متى  23/27).

يشدد الرفاعي على أهمية الدراسة المقارنة للأديان، التي يتجلى فيها الجوهر الروحاني العميق لها، فيكتب: "الدراسة المقارنة للأديان والفرق والمذاهب ضرورة تفرضها النزاعات الدينية في مجتمعاتنا. المنهج العلمي في دراسة أية ديانة لا يصح إلاّ بالعودة إلى نصوصها المقدسة، ومدوناتها الحافة بهذه النصوص. مالم يتسع حقل مقارنة الاديان والفرق والمذاهب بين الدارسين والباحثين في المعارف الدينية، لا يمكن تصويب سوء الفهم والأحكام المسبقة، وحذف الكثير من الاخطاء المتراكمة في فهم اتباع ديانة أو مذهب لمقولات اتباع ديانة أو مذهب أخر. سوء الفهم والأحكام المسبقة تتوالد منها أحكام أحادية اقصائية حيال الآخر، وتتحول إلى منبع تستقى منه حالات التعالي، وازدراء الآخر، واحتقار ديانته وتراثه. وسيجد الباحث عبر المقارنة الموضوعية للأديان انها تنشد تكريس واثراء الجوهر الروحاني للانسان".

  وفي الحوار الذي أُجري معه في الصفحات (175- 216 ) والذي عنونه: "لا خلاص للدين إلاّ بالخلاص من أدلجة الدين وإعادته الى وظيفته في إرواء الظمأ للمقدس"، يجيب الرفاعي عن الأسئلة العظمى للدين: "معنى الوجود والخلود والاخلاق والطقوس والقوانين ...".  ويسعى بشجاعة لتحديث التفكير الديني في الإسلام وخطابه، ولربما هنا جواب غير مباشر على من يفكر بلا منطقية الدين، أو يخطف للتحريض على الإكراه والقتل والدمار.

الدين خلق وإبداع وليس جمود وتحنيط، سفر دائم الى الآفاق البعيدة، لاكتشاف معنى الأحداث والأشياء، وإيجاد أبجدية جديدة تنطق وتشحن وتحرك وتغير. الدين يدعو الى تخطي  ثقافة الكلمات الى ثقافة  المعاني.

كتاب عبدالجبار الرفاعي يتكلم عن عبور متواصل، قادر على الحضور في زماننا، من خلال تجدد  يومي في الحياة، واحتفاء دائم بسر الوجود، وصلة حية بالله. كي نولد في قلب الله... أليس هذا هو الايمان؟

لا يدعو للحب باسلوب مبسط، وانما يحاول أن يتعمق في تفسيره، ليشرح جذوة الحب الملهمة، بوصفه حالة تحققها الذات وتتحقق بها، ويكشف عن شيء من طبائع الشخصية البشرية. يكتب الرفاعي: "الانسان كائن مسكون بطلب الحب. الحب من أصعب اختبارات المرء في الأرض، وأغناها عطاء. حب الناس من أشق المهمات في حياة الانسان، ذلك أن الكائن البشري كثيراً ما يتعذر عليه أن يحب غيرَه. الحب لا يُتخذ كقرار، وانما هو حالة تتحقق وتوجد في الذات، وتتحقق وتوجد بها الذات في طور أجمل. الحب لا يُمتلَك إلاّ بعد تربية طويلة، وتزود بخبرات الشفاء من الكراهيات الغاطسة في الذات، ومقدرة الانسان على مراجعة سلوكه مع غيره وكيفية تعامله مع الناس، وشجاعة نقد وتقويم الذات، وبصيرة تمكنه من اختبار سلوكه مع الناس بمقارنته بما ينفره من مواقفهم معه، فكل ما يزعجه منهم يزعجهم أيضاً لو صدر منه. الانسان أعمى عن أخطائه، لأنها مألوفة لديه، ولفرط تكرارها أضحى مدمناً عليها بشكل يمنعه من رؤيتها أخطاء، وعادة فإن ما يصبح مألوفاً في حياته يتعذر عليه أن يراه قبيحاً. الانسان ليس كائناً آلياً، بل هو بطبيعته أسير ضعفه البشري، لذلك لا تجف منابع الغيرة في أحاسيسه، ولا تموت نزعات الشر في أعماقه، ولا يكف عن الصراع مع غيره، ولا يتوانى عن اللجوء للعنف مع خصومه. تلتقي في نفس الانسان الكثير من الدوافع والرغبات المتضادة، المنبعثة من مكبوتات متنوعة مترسبة في ذاته".

أتمنى أن يقرأ هذا الكتاب كل رجل دين مسلم ومسيحي، حتى تكون له شجاعة الأنبياء في تبليغ الناس رسالة الايمان، وليس الغلاف الذي ينسى  الانسان. هذا الكتاب صرخة موجعة أمام الواقع المرير، انه نداء يتوجه إلى ضمير كل مؤمن مسلم ومسيحي. ويتمنى هو، وأتمنى أنا أيضاً: أن يجد صدى ما في حياتنا.

 أتمنى ألا يستمر صوت د. الرفاعي وحده حتى النهاية، بل أترقب أن يكوّن حوله مدرسة من طلاب فكر وإيمان ونور ومحبة وخير، فيعيد  الى الدين جوهره وصفاءه ممن خطفوه وشوهوه!

 

المطران الدكتور لويس ساكو

د. لويس ساكو - بطريرك الكلدان الكاثوليك

.............................

مار لويس روفائيل الأول ساكو، بطريرك الكلدان الكاثوليك منذ شباط 2013. حصل على شهادة الدكتوراه من الجامعة البابوية في روما عام 1983، وماجستير في الفقه الإسلامي سنة 1984، كما حاز لاحقا على شهادة دكتوراه من جامعة السوربورن سنة 1986.

 ألف ونشر ما يزيد عن 200 مقالاً، و20 كتاباً في مجالات اللاهوت والدين..

 

 

يتيح لنا كتاب (علم الكلام الجديد.. مدخل لدراسة اللاهوت الجديد وجدل العلم والدِّين)، الذي أعدَّه وحرَّره الباحث والمفكر العراقي عبدالجبار الرفاعي، بمشاركة عدد من الباحثين والمفكِّرين العرب والأجانب، ضمن الجزء الثالث من موسوعة فلسفة الدِّين، التي تصدر عن مركز دراسات فلسفة الدِّين في بغداد، وتطبعها وتوزعها دار التنوير للطباعة والنشر في بيروت والقاهرة وتونس، الوقوف على نشأته، بداية من خلال مُفتتح الكتاب (تمهيد لدراسة علم الكلام الجديد) للرفاعي نفسه، بالإطلالة التاريخية التي قدَّمها باتفاق الدارسين - عودة إلى أحد الهوامش في التمهيد - ومن بينهم جوزيف فان إس في مقالته (نشأة علم الكلام عند المسلمين) التي نشرها العام 1933، وطبعت كملحق في كتاب (مدخل لدراسة الفلسفة الإسلامية) لمحمد علي أبوريّان وعباس سليمان، باعتقاد فان إس أن أول المصنفات في علم الكلام ظهرت نحو سنة 70 للهجرة، بالرسالة التي وضعها الحسن بن محمد بن الحنفية، المتوفى سنة 100 للهجرة، رداً على القدرية. في المفاصل التاريخية لنشأة علم الكلام، يأخذنا الرفاعي إلى (مرحلة تمدد الإسلام خارج الجزيرة العربية، والتنوع الذي حدث له واستيعابه لمجتمعات وأثنيات، بدءاً من بلاد الشام مروراً بالعراق وإيران وليس انتهاء بآسيا الوسطى وحدود الصين، ومصر وشمال إفريقيا حتى الأندلس، وما واجهه المسلمون من جملة الآراء «وما تمخّض عن احتكاكها بعقيدة التوحيد ومواقف المسلمين، فأصغى المسلمون القادمون من شبه الجزيرة العربية إلى أسئلة وإشكالات لم يسمعوا بها من قبل مثل: حقيقة الإيمان، ومنزلة صاحب الكبيرة، والقضاء والقدر، وطبيعة الصفات الإلهية)، الأمر الذي أوجد جملة من المفاهيم في سياق الجدل العقائدي، تصوغ رؤى مختلفة حيال تلك الاستفهامات والإشكالات.

يأخذنا الرفاعي في تمهيده مطولاً إلى الجوانب التاريخية التي بدأ فيها تشكل ملامح علم الكلام، الذي أصبح (واحداً من السمات المعرفية الخاصة بالحضارة الإسلامية)، وما حدث من انخراط قطاع كبير من العلماء المسلمين في دراسته والتأليف فيه، وذلك منذ نهاية القرن الهجري الأول.

 

مناهضة علم الكلام... البدعة

وعن مدلول تسمية (علم الكلام) وتاريخ استعمالها، يورد الرفاعي ثمانية أسباب لتلك التسمية، منها: لأن عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا وكذا. ولأن مسألة الكلام كانت أشهر مباحثه، وأكثر نزاعاً وجدالاً، حتى إن بعض المتغلّبة قتل كثيراً من أهل الحق لعدم قولهم بخلق القرآن. ولأنه يورّث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم، كالمنطق للفلسفة. ولأنه أول ما يجب من العلوم التي تعلم وتتعلّم بالكلام، فأطلق عليه هذا الاسم لذلك، ثم خص به ولم يطلق على غيره تمييزاً له. ولأنه إنما يتحقق بالمباحثة وإدارة الكلام بين الجانبين، وغيره قد يتحقق بالتأمل ومطالعة الكتب. ولأنه أكثر العلوم خلافاً ونزاعاً، فيشتد افتقاره على الكلام مع المخالفين والرد عليهم. ولأنه لقوة أدلته كأنه هو الكلام دون ما عداه من العلوم، كما يقال للأقوى من الكلامين: هذا هو الكلام. وأخيراً لابتنائه على الأدلة القطعية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية، أشد العلوم تأثيراً في القلب وتغلغلاً فيه، فسمي الكلام المشتق من الكلم وهو الجرح.

في التمهيد عروج على المناهضة التي واجهت علم الكلام، منذ أيامه الأولى، وخصوصاً من بين رجال الحديث، في مقاومتهم لمحاولات تدبّر النصوص المتشابهة وتأويلها، والتهم التي تم سوقها ضد الذين يمارسون هذا اللون من التفكير، حتى راج في ذلك الوقت شعار (فُرّ من الكلام، في أي صورة يكون، كما تفر من الأسْد). من بين وجوه الأمة في تلك الفترة المبكرة يضعنا الرفاعي أمام مواقف كل من الأئمة: مالك، والشافعي، وابن حنبل، فالإمام مالك كان يحذر مما أسماه بدعة تعاطي التفكير والحديث في ذات الباري وصفاته، محذّراً بالقول: (إياكم والبدع، قيل يا أبا عبدالله وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان)، وكان يقول: (من طلب الدِّين بالكلام فقد تزندق).

 

القصور في التراث الكلامي

أما الإمام الشافعي فحكمه في أهل الكلام، أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك السنة وأخذ في الكلام.

أما الإمام أحمد فلم يبتعد عمن سبقوه في موقفه من (الكلام)، بل وأسرف في تكفير من يتعاطون في (الكلام)، فقد نقل عنه قوله: (لا يفلح صاحب كلام أبداً، ولا ترى أحداً ينظر في الكلام إلا وفي قلبه مرض)، وقوله (علماء الكلام زنادقة).

يشير الرفاعي إلى أبرز 11 بُعداً من القصور في التراث الكلامي، بغية اكتشاف مبررات تجاوز الكلام التقليدي، وإعادة بناء التفكير الكلامي في إطار استفهامات العصر ومعارفه، موجزاً إياها في الآتي: هيمنة المنطق الأرسطي باعتباره مسلمات أساسية في البحث الكلامي، مركزين على القياس الأرسطي وأشكاله كقوالب أساسية في الاستدلال على المقولات والمسائل والآراء. ظلت المقولات والمناهج السائدة والمتداولة في المنطق الأرسطي، منذ ترجمته، حتى اليوم، حقائق نهائية.

في ظل كل التحولات التي مر بها التعاطي مع المنطق الأرسطي، كانت بنية المجتمعات في تغير بيِّن، وكذلك الأمر في طرق التفكير، وبروز مشكلات وقضايا جديدة، أوجدت بالضرورة مفاهيم خاصة بها لتبيان حدودها وإشكالاتها وحلولها أيضاً. في ظل كل ذلك برز جدل مفاده أن أرسطو لم يفعل شيئاً سوى الكشف عن قوانين التفكير البشري الأبدية، والتي هي مشتركة بين كل البشر (بقطع النظر عن الزمان والمكان ونمط التمدن والثقافة والمعرفة والعلوم السائدة. لكن هذه الحجّة يكذّبها تاريخ المنطق ذاته، فإن الخبراء بتاريخ هذا الفن يعرفون أن للمنطق تاريخاً، مثلما لأي فن ومعرفة وعلم تاريخاً، بل أن للعقل تاريخاً، كما تقول الأبستمولوجيا).

وفي التدليل على ذلك يمكن النظر إلى أن المنطق الأرسطي انسحب بالتدريج من الحياة العقلية، وتبددت سطوته على الفلسفة منذ الأورغانون الجديد لفرنسيس بيكون، وكوجيتو رينيه ديكارت، مروراً بتنوير إيمانويل كانط، ومنطق هيغل.

 

نسيان الإنسان في الكلام القديم

هنالك النزعة التجريدية أو الفصام بين النظر والعمل، وعن هذا العامل يرجع الرفاعي سببه إلى أن إسراف المتكلمين في استعارة المنطق الأرسطي، وتوظيف مفاهيمه في صياغة علم الكلام فيما بعد، نجم عنه تشبّع التفكير الكلامي بمنهج هذا المنطق، فانحرفت وجهته، وراح يفتش عن عوالم ذهنية مجردة، بعيدة عن الواقع وتداعياته ومشكلاته (فتغلّبت بالتدريج النزعة التجريدية الذهنية على المنحى الواقعي في التفكير الكلامي، وتحول علم الكلام إلى مشاغل عقلية تتوغل في صناعة آراء ومفاهيم ومقولات لا علاقة لها بحركة الحياة وشجونها).

ولأن المساحة تحكم تناول الأبعاد الـ 11 جميعها بالتفصيل، نوردها مختصرة، كي يتسنى لنا استعراض بعض الأبحاث التي وردت في الكتاب. من بين تلك الأبعاد، تفريغ علم الكلام من مضمونه الاجتماعي، وتراجع دور العقل وشيوع التقليد في علم الكلام، نسيان الإنسان في الكلام القديم، ويشير الرفاعي هنا إلى أن المتكلمين لم يدرجوا في مؤلفاتهم بحثاً خاصاً بالإنسان، يتناول تأصيل موقف نظري يحدد موقع الإنسان في سلّم المخلوقات (أي منزلة الإنسان وقيمته بالنسبة إلى غيره، والهدف من وجوده، وحقوقه وحرياته، وطبيعة وظيفته، وأنماط حياته، وثقافته، وعيشه، وعلاقتهما بما يتشكّل لديه من رؤية للعالم، وما يرتبط بذلك من مسائل).

وهنالك التربية على الخوف وترسيخ نفسية العبيد، وترسيخ اللاهوت الصراطي، مبيّناً هنا أن كل فرقة من المتكلمين تحتكر صورة لله، بعد أن تنحتها في سياق مواقفها ومقولاتها الاعتقادية، وآفاق انتظارها، مع أن الله تعالى لا صورة له. الله صورة من يتصوره. ونسيان الروح والقلب والعاطفة الدينية، وافتقار علم الكلام القديم للمضمون الأخلاقي، والخلط بين النص المقدّس وقراءاته، واعتماد الكلام القديم على الطبيعيات الكلاسيكية، مستنداً على معطياتها كحقائق نهائية (بينما نسخت العلوم الطبيعية الحديثة معظم الآراء والفرضيات التي قامت عليها الطبيعيات بالأمس، وبرهنت الاكتشافات الحديثة لقوانين الطبيعة على أن الكثير من فرضيات تلك الطبيعيات وأفكارها أوهام محضة).

تناول تمهيد الكاتب والمفكر العراقي عبدالجبار الرفاعي، موضوعات على ارتباط وثيق بموضوعة علم الكلام الجديد، وجعل من ورقته تمهيداً للكتاب باعتبار أن تناولاته على متاخمة مع بقية الأبحاث والأوراق التي ضمَّها الإصدار. من بين تلك الموضوعات التي تناولها: إحياء علم الكلام، مبتدئاً بتوطئة تاريخية، مروراً بمفهوم تجديد علم الكلام، والذي حدَّده بعضهم بعدم اقتصاره على ضم مسائل جديدة فحسب، وإنما يتسع ليشمل التجديد في: المسائل، والهدف، والمناهج، والموضوع، واللغة، والمباني، والهندسة المعرفية. كما تناول التمهيد بدايات علم الكلام الجديد، والتي تتحدد في النصف الثاني للقرن التاسع عشر الميلادي حتى نهاية الربع الأول من القرن العشرين، حيث نشطت دعوات إحياء علم الكلام، مرجعاً ظهور مصطلح علم الكلام الجديد للمرة الأولى من خلال عنوان كتاب شبلي النعماني (1878-1914)، مع عدم الجزم بأن النعماني هو أول من نحت المصطلح.

 

الفلسفة وتجديد اللاهوت

تنقسم دراسة المفكر والأكاديمي اللبناني أديب صعب، والتي حملت عنوان (الفلسفة وتجديد اللاهوت)، إلى قسمين، في الأول، يطرح تحديداً لفلسفة الدِّين، وينظر في أهمية هذه الفلسفة للدِّين والإيمان، وينطلق القسم الثاني من هذا التحديد لمعالجة أثر الفلسفة عموماً، وفلسفة الدِّين خصوصاً في تجديد اللاهوت. الأسئلة التي يبدأ بها صعب دراسته تتْرى مع بروز عبارة (فلسفة الدِّين)، من قبيل: ما شأن الفلسفة بالدِّين، والدِّين بالفلسفة؟ أليست العلاقة التاريخية بين الاثنين علاقة تنافر ورفض؟ هنالك سؤال ليس على مبعدة من الأول: ما النفع الذي يمكن أن يجنيه الدِّين أو الفلسفة من فلسفة الدِّين؟

زهراء طاهر تترجم دراسة لميشيل بيترسون وآخرين، حملت عنوان (العلم والدِّين هل يتوافقان أم يختلفان)؟ الدراسة تنطلق من كتاب كوبرنيكوس، الذي وضع على قائمة الكتب المحظورة، وطلب الكنيسة من غاليليو التخلي عن موقفه من نظرية كوبرنيكوس، وما أبداه من شجاعة في الدفاع عنها. يظل غاليليو القضية التي تقود البحث باعتبارها مليئة بالمسائل المعقدة (سواء استخدام السلطة من قبل مؤسسة دينية، والممارسات الضاغطة والمجحفة من قبل العلماء المتبعين لنظريات بطليموس)، والعملية التي كان يتبعها اللاهوت في استقاء الحقائق العلمية من الكتاب المقدس، والتوتر الناشئ داخل حقل العلم بين المناهج الاستدلالية والاستقرائية، وافتقار غاليليو للأسلوب الدبلوماسي في نشر أفكاره).

يؤكد بيترسون أنه بتأمّل تاريخ البحث الإنساني، فإننا نجد أن جميع حقول البحث انبثقت فعلياً من الفلسفة. وبالعودة إلى قضية غاليليو، اعتبرت ولفترة طويلة رمزاً للتصادم الجوهري بين الدِّين والعلم. من بين أشهر المسائل المرتبطة بالتصادم أو الجدل، هو الجدل المعروف حول مسألة التطور والخلق؛ إذ طوال مئة عام أثار هذا الجدل المحتدم وجهة نظر ترى أن البشرية نتاج معقد لعمليات طبيعية في مواجهة وجهة نظر أخرى ترى أن البشرية خلقت على يد كيان إلهي ذاتي.

تأخذنا الدراسة أيضاً إلى فترة طويلة من القرن العشرين؛ حيث أيد مذهب الوضعية المنطقية )positivism) المادية العلمية. خذ على سبيل المثال، أي. جاي. آير (1910-1989) وهو من القادة البارزين لهذه الحركة، وقد اتخذ مساراً أبستمولوجياً متشدداً بقوله، إن العبارات التي يمكن أن نعتبرها ذات معنى حقيقي هي تلك التي يمكن إخضاعها لاختبار الصواب والخطأ بواسطة الاختبار التجريبي. «ولأن الدِّين والميتافيزيقيا وحتى الأخلاق تشير إلى وقائع ليست بالتجريبية ولا بالحسية، فإن العبارات التي ترد ضمن هذه المجالات تُعتبر أشباه جُمل، خالية من أي معنى معرفي.

في تناول الدراسة للتطور اللاهوتي وجدل العلم والدِّين، إشارة إلى أن التطور اللاهوتي (Theistic( )evolution) يعتبر محاولة أخرى لبناء التكامل بين العلم والدين. (التطور اللاهوتي الذي لا يرى وجود صدام بين معتقدات اللاهوت وحقائق التطور، كان دائماً خيار اللاهوتيين ذوي الاطلاع». يظل اللاهوت مقبولاً على أسس فلسفية ولاهوتية، أما التطور في شقيه الكوني والبيولوجي، فمقبول وفق أسس علمية).

 

تاريخية علم الكلام

دراسة المفكر والأكاديمي المصري حسن حنفي (نحو علم كلام جديد... تاريخية علم الكلام)، تشير إلى أن تاريخية علم الكلام تظهر في تاريخ الفِرَق، وتاريخ النسق، أي قواعد العقائد، وتاريخ الثقافة، وتاريخ العصر أو الزمن. موضحاً حنفي أن تاريخ الفرق يثبت أن الفرق الكلامية نشأت في ظروف اجتماعية وسياسية. «فالمعتزلة بآرائها، والأشاعرة بعقائدها، والخوارج بأصنافهم، والشيعة بأقسامها، إنما نشأت في حوادث معينة، فكرية أو سياسية، بسبب خلاف في الرأي، أو خلاف في الموقف السياسي.

مشيراً حنفي إلى أن علم الكلام باعتباره قواعد للعقائد، علم تاريخي محض، تشكل في التاريخ، وتطور بتطوره (ويمكن تتبع مراحله مثل تتبع أي ظاهرة حية، ميلاد، وتطور واكتمال ونهاية)، مشيراً إلى أن العلم اكتمل في القرن الخامس والسادس والسابع، وبدأ في الانهيار بعد ذلك، منذ الإيجي وابن خلدون، وهناك محاولات إصلاحية حديثة، منذ (رسالة التوحيد) لمحمد عبده، كلها تحاول أن تطور العلم - علم الكلام - بعد توقفه، وتنقل موضوعاته ومناهجه وأهدافه من علم الكلام القديم إلى علم الكلام الجديد.

مختتماً حنفي دراسته بالإشارة إلى أن الخصام في وجدان العالم والمواطن بين علم الكلام القديم وبين العصر الحاضر ليشعر به الجميع، وإن الحاجة إلى علم كلام جديد مطابق لظروف العصر الحاضر، لحاجة يشعر بها الجميع أيضاً في السر والعلن. والشعور بالشيء أولى مراحل العلم.

تضمن الكتاب دراسات لكل من: أمير عباس علي زماني، عبدالمجيد الشرفي، فضل الرحمن، علي مبروك، علي المدن، شلايرماخر، جون ماكوري، سورن كيرككورد، نعيمة بور محمدي، محمد لغنهاوزن، ميشيل بيترسون وآخرون، محسن جوادي، مصطفى ملكيان.

يذكر أن (موسوعة فلسفة الدِّين) يحررها ويعدها: د. عبدالجبار الرفاعي، ويصدرها مركز دراسات فلسفة الدِّين في بغداد، وتطبعها وتوزعها دار التنوير في بيروت والقاهرة وتونس. وقد صدر منها ثلاثة مجلدات، تناولت:

  1. تمهيد لدراسة فلسفة الدِّين.
  2. الإيمان والتجربة الدينية.
  3. علم الكلام الجديد.

 فيما يترقب القراء صدور المجلدات التي تتناول:

  1. الهرمنيوطيقا والتفسير الديني للعالم.
  2. لغة الدِّين.
  3. التعدُّدية الدينية.
  4. الدِّين والأخلاق.
  5. مشكلة الشر.

 

جعفر الجمري

 

عنوان الكتاب: أرض النهرين،

تأليف: أدون بفن

نقله من الإنجليزية إلى العربية: الأب انستاس ماري الكرملي

ساعده:  الأب لويس مرتين الكرملي

أخرجه ووضع فهارسه: حكمت توماشي

عرض ونقد: حسين سرمك حسن

إصدار دار ضفاف (الشارقة/بغداد) للطباعة والنشر- 2016

 

تواصل دار ضفاف (الشارقة/بغداد) للطباعة والنشر جهدها المتميّز في نشر الكتب المترجمة والمخطوطات التي تتعلق بتاريخ العراق القديم لتحصين الجيل الحاضر بالوعي المطلوب بتاريخه المجيد الذي يكاد يذوي ويضمر – للأسف - في عقول وذاكرات الأبناء في الوقت الحاضر. وضمن جهدها المبارك هذا يأتي هذا الكتاب "أرض النهرين" الذي ترجمه الأب انستاس ماري الكرملي (المتوفى في 7 كانون الثاني 1947م ، والذي نقل هذا الكتاب إلى العربية في شهر آب سنة 1918م، وساعده في ذلك الأب لويس مرتين الكرملي- ص 3). ولم يتسن له نشره في حياته حسب قول الأستاذ "حكمت توماشي" من أمناء مكتبة المتحف العراقي الذي تصدّى لإخراجه ونشره (ص 4)، لتأتي دار ضفاف فتكمل هذا الجهد بإعادة نشر هذا الكتاب المهم.

يتناول الكتاب (166 صفحة) حضارة وادي الرافدين منذ فجر حياتها بصورة موجزة طبعا . ويلخص المؤلف هدفه من وضع كتابه هذا ببساطة في مقدمة الكتاب قائلاً :

(ليست غاية هذا الكتيب أن يتحف القارىء بشيء جديد، كما ليست غايته أن يرجع إليه بمنزلة كتاب نصوص أو مقالة معلمة (دائرة معارف)، بل غايتي أن أدون كتابة ما يفعله رجل في مخاطبة رجل آخر إذا ألقى عليه سؤالاً في مطاوي الكلام وهو:

ما كانت الجزيرة في الماضي؟ فلقد اشتركت الآن البلاد التي نسميها خطأ الجزيرة والبلاد المعقودة بناصيتها - أرمنية والأناضول وفلسطين، وبلاد العجم، بمصالح تهم كل إنسان ويتحدث بها اليوم، وكلها ترجع إلى مسائل تعود إلى السياسة التي قد أخذ بأطرافها، فهذا ما حداني إلى أن أطرف القراء بذكرى جديدة هي عجالة تطلعهم على ما كانت تعني هذه الألفاظ في الماضي، فإن غابرها قد بدا للعالم كله مدة عدة قرون فإذا أراد القارئ أن تتجلى حوادثها الماضية أمام فكره في ساعةٍ واحدة أو ما يقرب منها فلا بد من أن يصطدم بأحد أمرين: إما أن يقف أمام تفاصيل أخبار ناشفة من كل لذة لا يحصى عددها مع سماع أعلام لم تألفها آذانه، وإما أن يهمل كثيراً من الأحداث الجوهرية الضرورية لتصوير صور التاريخ بجميع مناظرها.

أما أنا فحاولت أن أبين ما يهم القارئ من الأمور الرئيسية وأهملت التفاصيل التي لا تلزم أعظم لزوم لإدراك الكل، ولم نذكر من أعلام الناس والمواضع أكثر مما ظناه اللازم اللازب، ولما كتبت ما كتبت ظننتني أسرد أموراً لرجل ليس له اطلاع خصوصي على التاريخ القديم، بل مجمل علمه قائم على معرفة عامة تتعلق ببلاد اليونان ورومية وببعض أعلام مذكورة في الكتاب الكريم- ص 5 و6).

ثم يمضي المؤلف في استعراض تاريخ بلاد النهرين وحياتها الحضارية بأوجهها المختلفة السياسية والدينية والثقافية والاقتصادية بدءاً من مرحلة دويلات المدن. ويتناول منجزات هذه البلاد الحضارية وعهودها اللاحقة المختلفة الأكدية ؛ البابلية والكلدانية، والآشورية المتداخلة ثم فترات الغزو الخارجي المختلفة : الأخميني (كورش ودارا خصوصا) والمقدوني (السلوقي بعد موت الإسكندر) والفرثي والساساني .. كما يستعرض العلاقة بين بلاد آشور وبلاد مصر وبين بلاد آشور والدولة اليهودية في فلسطين.. وغيرها .

ومن خلال قراءة متن الكتاب أكثر من مرة توفّرت لدي الملاحظات النقدية التالية :

(1). الغلطة الكبرى التي وقع فيها المؤلف والغريب أنه يصرّ على تكرارها في أكثر من موضع هو اعتبار المصريين هم من اخترع الكتابة !!! في حين أن أبسط قارىء في العالم يعرف أن العراقيين القدماء (السومريين حصرا) هم من اخترع الكتابة. على سبيل المثال :

ص 12 : (ويمكننا أن نقول إن هذه المدة امتدت إلى جميع الحضارات القديمة وإلى آخر العصور المتوسطة أي أنها دامت زهاء ستة آلاف وخمسمائة سنة منذ اختراع الكتابة في مصر أي نحو 5000 سنة).

ص 22: (وأخذ الأكديون عن الشمريين الكتابة ذلك الاختراع الذي اخترعوه في أرض الفراتين (كما اخترع مثله سكان النيل قبلهم ببضعة ألوف من السنين)!!

(2). لا أعتقد أن الكتاب مخصص لحضارة بلاد النهرين كما عكس ذلك عنوان الكتاب، فهو يضم استطالات كبيرة عن الحضارات الفارسية واليونانية والرومانية والزرادشتية ودورها وظهور المسيحية والإنقلاب الذي أحدثته والدولة اليهودية وتطورها .. وغيرها الكثير من الموضوعات التي لا تتصل بتاريخ بلاد النهرين إلا بصورة غير مباشرة.

(3). ومن تلك الاستطالات أن الكتاب يبدو في نصفه الأول وكأنه مخصص للحضارة المصرية القديمة وفي نصفه الأخير للحضارة اليونانية والرومانية..

(4). لا أعرف لماذا لجأ المؤلف إلى استخدام التسمية التوراتية لبلاد بابل وهي "شنعار" :

ص 20 : عنوان الفصل هو "نشوء شنعار"

ص 23 : يقول المرلف "المراد من إيرادنا بعض الأمور عن شنعار وأرض النيل .."

 ص 33 : عنوان الفصل "تأثير حضارة شنعار وديار مصر على سائر البلاد"..

وغيرها الكثير من المواضع .. فلماذا ؟؟

(5). ومثل ذلك نقوله عن استخدامه الإسم التوراتي للملك البابلي "مردوخ أبلا إدّينا الثاني" (710 -703 ق.م) حيث سمّاه بالإسم التوراتي وهو "مردوخ بلدان" (ص 60 وما بعدها) .

(6). ولا أعرف لماذا ترجم الأب أنستاس الكرملي تسمية القطر الجنوبي من العراق القديم باسم "شمر" بدلا من التسمية التي اعتدنا عليها منذ عشرات السنين وهي "سومر" !!

(7). وهناك ظاهرة النقاط (...) التي تعبّر عن فراغات في النص لا أعلم هل هي من المؤلف أم من المترجم الذي قفز المعلومة. ولكن في الحالتين فإن هذه النقاط أثّرت على المعنى وتسلسل السرد . مثلا -وسأضع النقاط بين قوسين- :

 ص 48 و49 : (وابن تغلث فلسر أخذ ثأر أبيه وأخذنا نسمع ببغداد للمرة الأولى (لا بكونها مدينة عظيمة بين مدن شنعار) بأن الآشوريين (......) وبعد عدة ملوك اضمحلت سلطنة آشور..

ص 61 : (وبينما كانت جماعة من الجند الآشوريين تسير في طريقها لاقت جماعة من جنود المصريين والظاهر أنها (.....) وفي الآخر أي في سنة 670 أقبل الحظ إذ عبر الآشوريين برافية (رفع) !!!

ص 64 : (وكان في (.....) الآشوريين جماعة من ملوك عيلام في السابق وكان آشور بنيبل يشدهم (......) ليجروها، فاعلاً ما يفعله بعد ذلك بقرون تيمورلنك بالملوك الذين أسرهم، وحينما كانت دولة آشور تشتمل على بابل ومصر وعيلام كانت أوسع دولة وجدت إلى عهدها بيد ملك واحد، ومع هذا فقد جاء بعده من الملوك من فاق سيّد آشور في سعة الملك وضخامته فقبل وفاة اشوبنيبل (.......) الذي تنمو علي تخوم آشورية وتهدد جارتها وبدأت كفة الميزان (.....) على الساميين، ونهض في مصر رجل صنديد اسمه) !!

(8). وتظهر حماسة المؤلف وتعاطفه المفرط مع اليهود في أكثر من موضع من الكتاب بصورة لا منطقية يحرّف بها وقائع التاريخ ومسلماته . على سبيل المثال :

ص 50 لماذا الانحياز لليهود : (ففي سائر  الممالك أيضاً كان الناس يدوّنون أفكارهم أو تواريخهم على الحجارة والفخار والبردي والرق، وحيثما كانت تلك الأخبار مكتوبة من هضاب فارس في الغرب إلى بحر الروم، نسيت بعد بضعة أجيال وغدت كأنها لم تكن وأما الأشياء التي دوّنها بنو إسرائيل فإنها لم تُنس قط وبقيت حيّة في ذاكرة الأمة لا تزال تطالع يوماً بعد يوم إلى عهدنا هذا في الأرض كلها).

ص 72: (وقد وافق وقوع هذه الهنيهة في زمن تطور خبرة شعبين آخرين خصا لأن يدفعا أفكار البشر وتصوراتهم وتخيلاتهم المستقبلة لتبت على أحسن صورة وقد خصا بذلك تفصيلاً لهما على أي شعبين آخرين كانا في وقتهما يومئذ لما في غرائزهما من المآثر الجليلة وهذان الشعبان هما اليونان واليهود وذلك لأن الحضارة الشنعارية المحتضرة كانت قد فعلت في نفوسهما كل الفعل قبل أن تشهق شهقتها الأخيرة وبقي اسم بابل في الأجيال المتتالية واسم المنتسبين إليها مرادفاً للعظمة والجلالة والبذخ والزهو).

ولا وقت عندي للإطالة ومناقشة المسلّمات وأكتفي بنقل رأي للمؤرخ والباحث الفرنسي الشهير "غوستاف لوبون":

 (لم يكن لليهود فنون ولا علوم ولا صناعة، ولا أي شيء تقوم به حضارة. واليهود لم يأتوا قط، بأي مساعدة مهما صغرت في إشادة المعارف البشرية، كما أنهم لم يجاوزوا قط الأمم شبه المتوحشة التي ليس لها تاريخ)

(9). ولا أعرف أيضا لماذا يترجم الأب أنستاس الكرملي "الجنائن المعلّقة" بوصف "البساتين المعلّقة" . منذ عشرات السنين والقارىء العراقي والعربي يقرأ "الجنائن المعلّقة" .. فلماذا هذا النحت الغريب لمصطلح جديد غريب ؟؟!!

ص 75 : (ولا جرم أن هذا القصر الملكي كان مصلاً بالجبل المصطنع، ذلك الجبل الذي وصفه لنا اليونان باسم «البساتين المعلقة») !!

(10). وهناك هامش على الصفحة 57 يقول فيه الأستاذ "حكمت توماشي" :

(لم نسمع بمملكة أراراط بل جبال أراراط)

وهو يعلّق على قول المؤلف : (في عهد سرجون الذي تسمى باسم الفاتح الاكدي الكبير قبل ألفي سنة، تقدمت السطوة الآشورية تقدماً جديداً ، وذلك أن سطوة مملكة أراراط في الشمال كسرت شوكتها- ص 57).

وهو أمر غريب حين يصدر من الأستاذ "حكمت" الذي توصيفه في الكتاب أنه " من أمناء مكتبة المتحف العراقي" .  فمملكة أرارات مملكة معروفة تاريخيا : (أورارتو (بالأكدية اورارتو Urartu)،بالأرمينية Ուրարտու ، هو اسم بالآشورية يدل على مملكة تقع في منطقة الهضبة الأرمينية جنوب شرق البحر الأسود وإلى الجنوب الغربي من بحر قزوين. وسميت أحياناً «نائيري» (Nairi) في حين سمى الأورارتيون بلادهم «بياينيلي» (Biainili).. قامت إبان القرنين الـ 9 والـ 7 ق.م. بجبال شرق تركيا حول بحيرة وان. وأهلها من الحوريين. وكانت العاصمة مدينة وان. وكان بها قلعة مدخلها بجبل صخري وعلي واجهة مدخلها لوحة صخرية منقوشة عليها رسومات نقشية سجلت حروبهم مع الآشوريين جيرانهم. وكانوا يصنعون التماثيل المجنحة والمشغولات البرونزية. وقد حكم أوراتو الآشوريون أوائل القرن الـ13 ق.م وكانت ثقافتهم متأثرة بشرق وشمال الهلال الخصيب وكما كتبوا لغتهم القزقازية بالكتابة المسمارية. والمعابد تشبه المعابد الإغريقية وهناك جبل أرارات ويقال أن به بقايا سفينة نوح) (الويكيبيديا).

(11). يقول المؤلف :

ص 154 : (ولو كانت يد أوروبية بدلاً من يد تورانية قبضت على بلاد الفراتين في مدة هذه العصور الأخيرة لما رأيناها في هذه الحالة المنكرة التي نراها عليها اليوم)

وهو رأي "نرجسي" يخالف منطق التاريخ ويحاول ان يغطّي، بالغربال، شمس العنصرية الأوروبية وتدميرها الوحشي الاستعماري لحضارات شعوب الشرق. نحمد الله أن بلاد الفراتين – في ذلك الوقت – لم تصلها اليد الأوروبية التي – على سبيل المثال – قتلت 6 ملايين مواطن في الكونغو في فترة الاستعمار الأوروبي "الذهبية". 

 

عرض ونقد : حسين سرمك حسن

......................................

ملاحظة:

هذا العرض هو التسلسل (88) ضمن سلسلة عروض الكتب من الناقد حسين سرمك حسن لعامي 2017/2016.