الحقيقة أنّ كُتب السّير الذاتية -أيّاً كان شكلها السّرديّ- لا تروقني في الغالب لتهافتها الاستعراضيّ الكاذب في معظم الأوقات، وقلّما تاقتْ نفسي إلى أن أكمل القراءة فيها، إلاّ في القليل منها ولأسباب بحثيّة أو فضوليّة بحت؛لما فيها من بطولات دكنشوتية ممجوجة. لكنّني أستطيع أن أزعم أنّ القليل من هذه السّير الذّاتية قد شدّني نادراً إن صدر بلغة صادقة وصريحة تملك شجاعة خاصّة في تعرية ذوات أبطالها وواقعهم دون عمليات تجميل، وهي أقلام قليلة ومعدودة على الأقلّ على مستوى المشهد العربيّ بما هو مكتوب من سير باللّغة العربيّة أو مُترجم إليها.لكن كتاب السّيرة الذّاتيّة الذي يحمل اسم "السّير في الطّريق السّريع" قد أثار انتباهي، واسترعى توقّفي عنده، لعلّ اللّغة العربيّة الرّشيقة التي تُرجم الكتاب إليّها وبها هي أوّل ما لفت انتباهي، واستدعى إرساء مرساتي، إنّها لغة عربيّة جميلة يُترجم إليّها الأستاذ الدكتور مجيب الرحمن النّدويّ، ولم أعجب عندما قرأته اسمه على التّرجمة بمستوى رقيّ لغته العربيّة وفصاحتها؛فأنا أعرف أيّ لغة عربيّة فصيحة صافية يملك، وهو أستاذ الأدب الحديث في جامعة جواهر لآل نهرو في العاصمة الهنديّة دلهي، كما شغل من قبل منصب رئيس مركز الدّراسات العربيّة والإفريقية، ورئيس تحرير المجلة العلميّة الدّورية المحكّمة الصادرة عنه، فضلاً عن جهوده المشرفة في خدمة العربيّة والجهد العلميّ والبحثي في صدد هذه المهمة الشريفة التي انقطع لها، لاسيما في حقول الدّراسات والإشراف على الأطروحات، وتنظيم حلقات البحث العلميّ والنّدوات والمؤتمرات المحليّة والدّوليّة.ولكنّني عجبتُ من أنّه لم يخبرني من قبل عن هذا الكتاب السّيريّ الذي ترجمه، وخمنّت أنّ تواضعه المعروف عنه يمنعه –كعادته - من أن يتفاخر بمنجزه أو يلوّح به أمام الجميع.

قبل أن أبحر مع الكتاب سألتُ الأستاذ الدكتور مجيب الرّحمن النّدوي عن سبب قيامه بترجمة هذا الكتاب من لغته الأم التي كٌتب بها إلى اللّغة العربيّة، فردّ على سؤالي قائلاً:" بحكم اطلاعي على عمق العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية والشعبية بين الهند والإمارات كنتُ حريصاً جدا على قراءة كتب ومصادر تحكي قصة نشأة مدينة دبي ونموها وتطورها المدهش في العصر الحديث، وقد عملت الأفلام الهندية على ترسيخ صورة مشرقة لدبي في أذهان المشاهدين الهنود حيث باتت دبي رمزاً للثراء السريع ومن ثم صارت مقصداً للباحثين عن العمل والمغامرين في التجارة والأعمال. والآن تستضيف الإمارات أكبر جالية مقدرة بـ 2.6 مليون نسمة،  ولحسن الحظ لقيت رجل أعمال هندي بارز مقيم في دبي منذ ستين سنة بواسطة صديق حميم لي مقيم في دبي، وأعجبتني قصة نجاحه الباهر في مجال الأعمال في دبي، ولما قرأت سيرته الذاتية باللغة الإنجليزية "السير في الطريق السريع" أعجبتني قصة حياته التي تكاد تكون أسطوريّة،  وشدني أسلوب الكتاب،  وطريقة عرضه لأحداث حياته،  ووجدتُ أنّ هذا الكتاب لا يحكي قصة حياة فرد ونجاحه في مجال الأعمال التّنافسي في دبي فحسب،  بل يحكي أيضاً قصة نشأة دبي وتطورها إلى مدينة عملاقة منذ بداية النهضة العمرانية في الإمارات قبل ستين سنة تقريباً،  كما يدوّن الكتاب تطور العلاقات والأواصر بين البلدين،  ويتضمن الكتاب دروساً وعبرا للجميع؛لأن الحكمة لحمته والخبرة أساسه،  ولما عرض عليّ المؤلف أن أقوم بترجمة الكتاب إلى العربية لم أتردد في قبول عرضه،  وعكفت على التّرجمة ستة شهور،  ويسعدني صدور الكتاب في هذا المظهر الأنيق من مدينة دبي".(1)

كانت هذه الإجابة محفزاً لي على قراءة كتاب "السّير في الطّريق السّريع"، لاسيما أنّني تلقّيت إجابة مقنعة حول سبب ترجمة هذا الكتاب إلى العربيّة، كالعادة إجابات د.مجيب الرحمن مقنعة لكلّ من عرفه أو تواصل معه عن قرب، وهي إجابة جعلتني أفتح هذا الكتاب بفضول لأرى ذلك الشّخص الذي نال اهتماماً من المترجم ليترجم هذا العمل الضّخم، فاكتشفتُ أنّ اسمه د.رام بوكساني، وهو قامة هنديّة تجاريّة وإنسانيّة نمت وأزهرت في الإمارات، وفيما بعد اكتشفتُ أنّه يشكّل بكتابه هذا وبقصة حياته حلقة جميلة من حلقات الاندماج العربيّ الهنديّ عبر دوائر تاريخيّة عملاقة جمعت هاتين الحضارتين.

لم أكن أعرف د.رام بوكساني على المستوى الإبداعي أو الأكاديميّ كما أعرف موقع د.مجيب الرحمن الندويّ على هذه الخارطة الملبسة؛وعذري في ذلك ضعف اهتمامي- إن لم يكن انعدامه- بأهل المال وناشطيه، ولكنّني عندما قرأتُ هذا الكتاب، ونقلني الفضول إلى الاطلاع على منجزات صاحبه، عرفت أنّه استطاع في كتابه هذا أن يخلق فضاء جديداً له، وهو فضاء الكلمة التي قلّما يبغي أرباب المال والصّناعات أن يحلقوا فيها؛فمحبو الكلمة هم جمهور آخر في الغالب.على كلّ حال وجدتُ أنّ د.رام بوكساني يجمع الكثير من أنواع الحبّ في ذاته بدليل منجزه الذي راق لي أن أتعرّف عليه، والكتاب يقدّم رحلة في هذا العالم الشّائك المحموم بالعمل والتّحديات، ليغدو في نهاية المطاف بعد 53 سنة قضاها في دبي رئيس مجموعة "آي.تي.أل"، بعد أن شغل منصب مدير بنك" أندوسلاند"، فضلاً عن أنّه عضو شركة "أندوسلند" العالميّة المحدودة في جزيرة موريشيوش، فضلاً عن عضوية الكثير من الشّركات الأخرى المهمة.وقد مُنح شهادة الدكتوراة من الجامعة العالمية في واشنطن عام 2004 عن أطروحته "حكومة دبي:تأثير التّقاليد القبيليّة في صنع القرار خاصة في فترات الأزمات خلال تطوّر المدينة"

بين يدي الطّبعة الثانية هذا الكتاب " السّير في الطّريق السّريع"، وهي صادرة عن دار كتّاب للنّشر والتوزيع في عام 2016، والكتاب يقع في 459 صفحة من القطع الكبير، ويتصدّر الكتاب تقديمان؛تقديم الطّبعة الأولى، وتقديم الطّبعة الثانية، فضلاً عن تمهيد للكتاب بقلم :جيه بي فاسواني سادهو فاسواني ميشيون.وقد لفت نظري في التّقديمين تلك السّرديّة التلقائيّة الجميلة التي يمكلها د.رام، فهو يحدّثنا بوضوح وصدق وبساطة عن حياته وفكره دون تعقيد فكريّ أو لغويّ أو بنائي أو تجارب شكليّة ملفتة أو جديدة، هو باختصار يسكب في أعماقنا بعضاً عملاقاً من ذاته عبر مسيرته الطّويلة فيما أسماه " الطّريق السّريع" لنكتشف أنّه كان فعلاً" الطّريق الصّعب"، إنّه يقول في جملة ما يقول :" أمضيتٌ 57 عاماً من حياتي في دبي، وهي أضعاف المدّة التي أمضيتها في بلدي...حيثُ كنتُ في الثامنة عشرة من عمري عندما جئت إلى هنا...جامعتي كانت أسواق دبي، وتعلّمتُ أيضاً دروس الحياة من هناك، في الحقيقة دبي صاغت حياتي، وكان للثّقافة العربيّة تأثير كبير علي، وكتابي هو عبارة عن تحيّة إلى البلدان والشّعوب والمجتمعات والشّركات التي لعبت دوراً هامّاً في تكويني"(2)

الكتاب ينقسم إلى 18 باباً تحمل على التّوالي العناوين التالية :يوم جديد حياة جديدة، الطفولة، النشأة في بارودا، شعب مع تاريخ، التقسيم الطبقيّ، علاقة مع العرب، الغوص من أجل اللؤلؤ، البصمة البريطانيّة، الانتقال إلى العصر الحديث، البقاء للأصلح فقط، عندما جرت الأعمال على أساس الثقة وحسن النية، كلما زادت الأشياء تغيراً بقيت على حالها، أمر يتعلّق بالخيارات الشّخصيّة، هل السندية في خطر أم أنّها حيّة وفي حالة جيدة؟لا نهاية تتغيّر، الهنديّ غير المقيم الذي صار يتيماً، وهناك جيل جديد، أكبر سنّاً وأكثر خبرة.إلى جانب ملحق يتضمّن نبذة عن الاستعراضات المنشورة في مختلف الصّحف والمجلات عن هذا الكتاب عند نشره في طبعته الأولى، وبعض رسائل القرّاء ممهورة بأسماء من أرسلها ومكان إقامته، وينتهي الكتاب بملحق صور فوتغرافيّة لمحطات أسرية وعمليّة رسميّة في حياة د.رام بوكساني، وهذا الملحق الفوتوغرافيّ يحمل اسم" على مدى السّنوات".

يقول د.رام بوكساني في كتابه آخر سطور من كتابه هذا :"لما جئتُ هنا كمراهق كانت عندي المستكشِف.وعلى مرّ الزّمان تضاءل الفرق بين المستكشِف والمستكشَف.وهذا شيء طبيعيّ، وسوف يجعل هذا الإدراك المرء واعياً بنقاط القوّة والضّعف في شخصيته.لقد قضيت جلّ حياتي في استكشاف هذا المكان، وقد أدركت أنّني أستكشف المكان المناسب، لقد أظهرت لي دبي طريقة أفضل للحياة"(3)

وهذا الرّجل النّاضج الذي يكتب هذه الكلمات في آخر كتابه، هو امتداد ذاك الفتى الشّاب الذي كتب د.رام بصوته ومشاعره وتجاربه في أوّل كتاب سيرته الذّاتيّة هذه:" كنتُ في الثّامنة عشرة من عمري عندما جئت إلى هنا، ولم تكن في ذلك الوقت كهرباء، ولا ماء جارٍ، ولا طرق، جئت عن طريق الباخرة، ونزلت في منطقة الخور"(4)، وبين النّقلين نستطيع أن نقرأ د.رام الإنسان والعامل والنّاجح والنّاضج ومن ثم صاحب الرّؤية والتّجربة، ونرى محطات طريقه السّريع المتعب المضني الذي جعله النّاطق الرّسميّ باسم الجالية الهنديّة المقيمة في الإمارات في ظلّ ما لعبه من دور استراتيجيّ في التّواصل بين الجالية الهنديّة والحكومة الهنديّة؛فحصل على جائزة "رجل العام" من مجلة "بهارات راتنا" الواسعة الانتشار في أوساط الجالية الهنديّة في العالم، إلى جانب منحه الكثبر من الأوسمة والتكريمات، على رأسها تكريمه من الرّئيس الهنديّ.

كما أنّ د.رام قد اندغم في أعمال مؤسستيه وتطوعيّة كثيرة؛منها على سبيل الذّكر لا الحصر، أنّه مؤسّس المنتدى الاقتصادي الهنديّ في خارج الهند، والنّادي الهنديّ في دبي، فضلاً عن أنّه عضو أمناء مركز نور لتدريب الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصّة.

قرأتُ في خضم بحثي عن هذا الكتاب وصاحبه أنّه قد تُرجم إلى الكثير من اللّغات، ومنها اللّغة السّندية والهنديّة والغواجاراتي والمراثي والأوردو، ولذلك أتوقّع أنّ هذه التّرجمات أتاحت لقطاع كبير من البشر أن يطالعوا هذه السّيرة الطّويلة الدؤوبة التي تمخّضت عن نجاح عملاق، جعل هذا الصّبي السّنديّ المولود في بيئة متواضعة في مدن حيدر آباد يرسم أقداره النّاجحة بنفسه عبر رحلة امتدت من الهند على دبي، وعاشت مخاضات عملاقة وتحديات جسيمة، ثم آلت إلى نجاح باهر منقطع النّظير يعزّ أن يتحقّق لغيره بسهولة، وهذه الرّحلة تقطر بالرّؤية الفلسفيّة والفهم الخاص للحياة عبر بوتقة عملاقة من التّجارب والخبرات والمعلومات والأفكار الحاضنة من ينبوع متدفّق من الثّقافة التي تنال نصيبها من كلّ حدب وصوب، فنقرأ خلاصة تجارب د.رام في كتابه هذا ممزوجة بحكم غيره وأفكارهم عبر رصدها، والانطلاق منها في عرض ما في جعبته من الحكايا والقصص والتّجارب.

أستطيع القول إنّ هذا الكتاب صادقني بشدّة بقوة قدرته على تجنيد الجانب الوجدانيّ والعقليّ فيمن يقرأ فيه؛إنّه صوت رجل كبير حكيم وصل السّتين من عمره، ويقصّ قصّة نجاحه بصدق وروية على كلّ من يحبّه أو يتطلّع ليعرف المزيد من أحاجي نجاحه وأسرار انتصاره في معركة الحياة على حرمانها وهزائمها؛لعلّها تكون إشارات مرشدة له في دربه المنشود إن بغى أن يسير عليه بقوة وإصرار د.رام بوكساني، فهو باختصار شديد يخطّ لنا درب " الطّريق السّريع" الذي اختاره في رحلة حياته المضناة المتعبة، لتكون ناجحة ومفيدة ومفعمة بقوة خارقة اسمها الإصرار.

 

بقلم الأديبة: د.سناء الشعلان/ الأردن

.......................

الإحالات:

1- مضمون مراسلة بين د.سناء الشعلان وأ.د مجيب الرحمن بتاريخ 2017-2-4

2 - د.رام بوكساني: السّير في الطّريق السريع، ترجمة أ.د مجيب الرحمن، ط1، دار كتّاب للنشر والتّوزيع، الإمارات العربية المتحدة، 2016، ص9.

3 -  نفسه :ص382.

4 - نفسه:ص9.

 

 

 

 

قرأت الكتاب مرتين لأتأكد من بعض النقاط، وأعدت قراءته للمرة الثالثة حين ضاعت  المسودة بسبب عجز الحاسوب حينها عن الحفظ، والكتاب هو..

DE PIERRE LOTI « LES TROIS DAMES DE LA KASBAH », EDITIONS DU LAYEUR, 96 PAGES..

عمل الكاتب 42 سنة في البحرية، ما مكنه من التمتع بأغلب بحار العالم الغربية والعربية.  ألف هذا الكتاب سنة 1882، وكانت أول زيارة له للجزائر سنة 1869، وزار الجزائر أربع مرات وخلال 10 سنوات أي سنوات 1869-1880.

يبدأ كتابه ببسم الله الرحمن الرحيم ويتحدث عن عائلة جزائرية تتكون من الأم خديجة والبنتين فاطمة وفايزة. ويتحدث عن الهندسة المعمارية للقصبة بإعجاب شديد والتي تتسم بصغر بيوتها وانعدام النوافذ إلا نافذة صغيرة محاطة بأسلاك، والزهور التي زيّنت جدرانها وبأنها مطلة على السماء ما يجعلها على إتصال دائم بسماء الجزائر الجميلة  الصافية، وأبوابها صغيرة لا تفتح كاملة ، ويرى أن روعة  الهندسة القديمة يعود الفضل فيها للتاريخ الإسلامي، وأن عزلة الغلق التي تميز السكنات العربية هي التي تحدد شبهة الغيرة والحراسة المشددة لحياة المسلمين.

يتحدث بإعجاب شديد عن جمال المرأة الجزائرية وعيونها الكبيرة الغارقة في السواد، والحليّ الكثير الثقيل القديم الذي يزيّن رقبتها ويديها الجميلة المكشوفة والتي تحدث صوتا حين ترفع يديها. و النساء الجزائريات اللواتي يعشن وراء الجدران المغلقة قرب البحر وبجوار الرومي غير الوفي، ويبدو أنهن مازلن يحافظن على السر غير المنتهك منذ عصور المسلمين الأوائل. وكن أحيانا يجمعن الزهور أو أوراق البرتقال بعدما يضغطن عليها لاستخراج العطر، وممارسة هواية الغناء والضرب على الدف و الدربوكة.  وفي ليالي الصيف حين تغرب الشمس يصعدن للسقف ويتبادلن الحديث مع النساء اللواتي يعشن نفس الظروف، وهن يحدقن بعيونهن السوداء نحو القصبة كاللقلق الواقف على الآثار القديمة، ويتمتعن بالنظر من فوق السطوح المتشابهة إلى مسجد سيدي عبد الرحمن وبجوار بعض من النخيل. و البحر الأبيض المتوسط كأنه سجاد كبير نحو سيدي فرج.

منذ سنوات قتل عبد الله زوج خديجة بسبب محاربته  للاحتلال الفرنسي، ومن يومها وابنتيه فايزة وفاطمة يتيمتين. ورغم الحلي القديمة الثمينة التي كانت تزين صدور وأيدي الفتاتين إلا أنهما فقيرتين. وعليه أقول: ما يدل على أن الاستدمار الفرنسي جعل من الغالي الثمين الذي يملكه  الجزائري لا يساوي شيئا، ما جعله يعاني الفقر والجوع ويجبره المحتل الغاصب إلى ترك أراضيه الخصبة ويعاني التشرد والتهميش.

يتحدث بحسرة عن ضياع الجزائر لحسنها وجمالها حين فتحت أبوابها للسكارى من حثالة الجنسيات المختلفة التي إحتلت الجزائر. ويتحدث بإعجاب عن لباس المرأة الجزائرية الأبيض الذي يلف الجسد كله، وتعجبه حشمة المرأة الجزائرية، فيقول.. كانت النسوة يضربن الباب الخشبي بطريقة معينة يفهم منها، أيها الخباز إذا مررت من هنا ضع أمام الباب قطعة الخبز، وهو ما يحدث بالفعل، فيضع الخباز قطعة الخبز أمام الباب ويتسلم في المقابل قطعة النقود جزاء جهده وعمله. 

كانت  الأسرة الجزائرية تتغذى من التين والتمر المجفف، ما يدل على الاكتفاء الذاتي للأسرة الجزائرية. ويصف القصبة بإعجاب شديد وهو في سنة 1869 بأنها قديمة، ما يدل على أن القصبة عريقة قديمة. ومن خلال بيع النسوة لحليهم الغالي بأبخس الأثمان لليهودي ، يتضح سيطرة اليهود على سوق الذهب والفضة والمال وتبعية الجزائريين لهم بسبب الفقر المفروض عليهم من طرف نهب الاحتلال والاستدمار الفرنسي.

يتحدث بإعجاب شديد عن القصبة القديمة المحمية بطهرها ليلا والمستمد من ماضيها، عكس المدينة ذات الطابع المسيحي المفروض  من طرف الاستدمار الفرنسي المعروفة بانحلالها ولياليها الصاخبة الحمراء. و بعدما أطال في وصف جمال الجزائريات راح يمدح جمال الرجل الجزائري، فقال.. يقفون مستقيمين برهبة وجلال  وجمال، رؤوسهم صغيرة وعيون كبيرة سوداء، والشمس تغرقهم بأشعتها الملونة الذهبية، وجمالهم يضاهي جمال الآلهة.

يحنوي الكتاب على 74 صورة نادرة تعود للقرن التاسع عشر زيّنت صفحات الكتاب والتي تدل على بهاء الجزائر من نساء، ورجال، ومساجد، ولباس الرجال والنساء، والقصبة، والبحر، والعمارة الإسلامية وتاريخ الجزائر العميق. و أعيد طبع الكتاب بعد قرن من الطبعة الأولى.

 

معمر حبار 

قبل عدة شهور برز سيل من العناوين الرئيسية تفيد بان الامم المتحدة جعلت الدخول الى الانترنيت حقا من حقوق الانسان. غير ان هذا الادّعاء ثبت انه انطباع خاطئ. ما قامت به الامم المتحدة كان مجرد تمرير قرار يؤكد على اهمية الدخول الى الانترنيت كوسيلة لإنجاز العديد من حقوق الانسان. القرار دعا الدول الى اتخاذ اجراءات للعمل باتجاه دخول عالمي للانترنيت، وانه أقر بان القيود الثقيلة على الانترنيت بمثابة انتهاك لحقوق الانسان. غير ان ذلك لا يعني الآن وجود حق انساني في الانترنيت. بل ان شيء ما يمكن ان ينجز حقوق الانسان بدون ان يكون هو ذاته حق انساني.فمثلا، امتلاك حذاء معين يساعد في بلوغ عدد من حقوق الانسان،مثل حق الحرية في الحركة والحق بالحصول على مستوى كافي من المعيشة، ولكن سيكون من الغريب جدا القول ان هناك حق انساني بالحذاء. التدخّل في استمتاع الناس ببعض الاشياء يمكن ان يشكل انتهاكا لحقوقهم دون ان تكون تلك الاشياء ذاتها حقا من حقوق الانسان. فمثلا، سيكون انتهاكا لحق الخصوصية لو ان الحكومة تقرأ فاتورة ديون الناس دون موافقتهم، لكن ليس هناك حق انساني معين بعدم قراءة فاتورة ديون شخص ما. مع ذلك،اذا كان الدخول للانترنيت هو بالفعل هام جدا مثلما يقترح قرار الامم المتحدة ،فهو ربما يُعتبر حق انساني. الرأي الشعبي يبدو داعما لهذه النظرة. طبقا لإستبيان قامت به جمعية الانترنيت عام 2012 ، وُجد ان 83% من بين اكثر من عشرة آلاف مشارك من 20 دولة وافقوا بان "الدخول للانترنيت يجب اعتباره حق اساسي من حقوق الانسان".

وبالرغم من الرأي الشعبي ،فهناك شك كبير بان الدخول للانترنيت يمكن تمييزه كحق انساني. لنرى لماذا سنحتاج للنظر بماهية حقوق الانسان وكيف يمكن تبريرها.

الحقوق الطبيعية والحقوق القانونية

يمكننا البدء بتوضيح الغموض في استعمال مصطلح "حقوق الانسان". احيانا عندما يتحدث الناس عن حقوق الانسان فهم يشيرون عادة الى الحقوق القانونية وشبه القانونية المعبّر عنها بالوثائق الدولية لحقوق الانسان مثل الإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عن الامم المتحدة، والاتفاقية الدولية للحقوق السياسية والمدنية ، والاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. دعنا نسمي هذه بـ "حقوق انسان قانونية". في اوقات اخرى عندما يتحدث الناس حول حقوق الانسان فهم انما يشيرون الى الحقوق الطبيعية وهي الحقوق الاخلاقية العالمية  التي يتمسك بها كل الناس بمقتضى كونهم اناسا. في معظم الاوقات التي يتحدث بها الناس عن حقوق الانسان نراهم في الحقيقة يخلطون بين هذين المفهومين المتميزين. من المهم تجنّب هذا الالتباس لأن حقوق الانسان القانونية والحقوق الطبيعية هما نوعان مختلفان من المفاهيم الاخلاقية ولكل منهما دور مختلف. لذا نستطيع ان نسأل كلا السؤالين حول ما اذا كان هناك حق طبيعي في الدخول للانترنيت ام ان هناك حق قانوني .

ان الحقوق الطبيعية هي حقوق اخلاقية عالمية يتمتع بها كل الناس بمقتضى كونهم بشرا. وبهذا، فان تلك الحقوق يجب ان تتأسس على سمات اخلاقية ملائمة لما هو انسان. رغم ان هناك اجماع على ماهية هذه السمات ،لكن الرؤية السائدة والاكثر مقبولية هي ان الحقوق الطبيعية تتأسس على المصالح الاساسية التي يتقاسمها الجميع، او على الاقل غالبية البشر. وفق هذه الرؤية سيكون هناك حق طبيعي بعدم القتل العشوائي لأن كل شخص لديه مصلحة هامة بان لا يُقتل، وهناك حق طبيعي بعدم التعذيب لأن كل شخص له مصلحة هامة بان لا يُعذّب، وهناك حق طبيعي بعدم فرض العبودية لان كل فرد له مصلحة هامة بان لا يُستعبد وهكذا.

وفق هذه الرؤية يكون من الصعب اعتبار الدخول للانترنيت حق طبيعي لأن المصلحة بالدخول للانترنيت ليست اساسية بما يكفي. كيف يمكن ان تكون كذلك في ظل صدفيتها التاريخية؟ قبل الاف السنين كانت للانسان مصلحة بان لا يُقتل او يُعذّب او ييُستعبد،ومن المعقول الافتراض ان الناس ستكون لديهم نفس المصلحة بهذا بعد عدة الاف من السنين من الآن(بافتراض استمرار وجود البشر). ولكن لا يمكن تصديق القول ان الاغريق القدماء كان لديهم اهتمام بالدخول للانترنيت باعتبار انهم لم يكن لديهم تصور عن هذه التكنلوجيا. ونحن لا يمكننا معرفة ما اذا كان الناس في المستقبل سيكون لديهم مثل هذا الاهتمام: قد لا يحصل لهم ذلك لو استُبدل الانترنيت بنوع اخر من التكنلوجيا اكثر قوة. الحقوق الطبيعية يُفترض ان يتمتع بها جميع الناس عالميا باعتبارهم بشرا. ولذلك لا معنى للقول ان هناك حق طبيعي بالدخول للانترنيت.

ومما تجدر ملاحظته ان ذلك يجب ان لا يقود الى عدم وجود حق قانوني في الانترنيت. خلافا للحقوق الطبيعية،الحقوق القانونية هي هياكل اجتماعية، هي اما ان توجد او لا توجد. لا معنى هناك للسؤال ما اذا كانت هناك ضرورة لوجود حقوق طبيعية معينة طالما ان هذه ليست من خياراتنا ولا يمكننا ان نقررها . الحقوق الطبيعية لها واقع اخلاقي يتجاوز قدرتنا في التأثير عليها. بالمقابل،محتوى الحقوق القانونية هو خيار يعود لنا. بالطبع،ليس جميعنا لديه امكانية القول الفصل حول ماهية الحقوق القانونية لكن محتواها يتقرر من جانب الناس ولا يُكتشف. لذا حتى عندما لا يندرج حق الدخول للانترنيت حاليا ضمن حقوق الانسان الدولية،مع ذلك يبقى هناك معنى للسؤال حول وجوب ان يكون كذلك. ولكي نتأكد من امكانية ان يكون  هناك حق قانوني للانسان بالدخول للانترنيت سنحتاج للنظر بالطريقة التي يُبرر بها محتوى حقوق الانسان القانونية.

الحقوق القانونية ليست حقوق طبيعية

يُفترض احيانا ان الحقوق القانونية هي فقط تعبيرات قانونية عن الحقوق الطبيعية،وان السؤال عن احتمال وجود حق قانوني في بعض الاشياء يعتمد كليا على ما اذا كان هناك حق طبيعي بها. وفق هذه الرؤية،حقيقة عدم وجود حق طبيعي في الدخول للانترنيت يُنهي التساؤل حول ضرورة وجود حق قانوني مطابق. نحن يجب ان نرفض هذه الرؤية. اولا،عندما ننظر في المحتوى الحقيقي لتشريعات حقوق الانسان العالمية،نجد انها اوسع واكثر تحديدا من الحقوق الطبيعية. فمثلا، الاعلان العالمي لحقوق الانسان يتضمن الحق في التجنس بالاضافة الى الحق في الانتماء الى النقابات. تاريخيا التجنس والنقابات كلاهما  طارئان ولذلك لا يمكن ان يكونا موضوعا للحقوق الطبيعية. ربما يرى البعض ان هذه الحقوق يجب ان لا يتم ادراجها ضمن حقوق الانسان القانونية. ولكن لماذا يجب الاعتقاد بهذا في ظل غياب سبب جيد للايمان بان حقوق الانسان القانونية هي مجرد تعبيرات قانونية عن الحقوق الطبيعية؟

كذلك، حقوق الانسان القانونية لها دور مختلف جدا عن الحقوق الطبيعية،ولذا ليس من الواضح لماذا يجب علينا الاعتقاد ان لها محتوى مطابق. الحقوق الطبيعية هي ادّعاءات اخلاقية لدى كل البشر . بالمقابل،الحقوق القانونية هي ادّعاءات قانونية يمتلكها الافراد بالذات تجاه الدول التي هم عرضة لسلطاتها،وهي تعمل كقيود على سيادة تلك الدول. القول بان حقوق الانسان القانونية هي فقط تعبيرات قانونية عن الحقوق الطبيعية يعني ان الحقوق الطبيعية وحدها يمكنها خدمة هذه الوظائف. ولكن لماذا علينا القبول بهذا الرأي؟ لا يبدو من المثير للجدل الافتراض ان جميع الافراد يجب ان يمتلكوا حقوقا قانونية امام حكوماتهم بعدم تجريدهم من جنسياتهم او عدم منعهم من تشكيل الاتحادات اوالانتساب لها . لكننا وجدنا سلفا ان مثل هذه الحقوق لا يمكن ان تكون حقوق طبيعية.

ورغم ان حقوق الانسان القانونية هي ليست مجرد تعبيرات قانونية عن الحقوق الطبيعية،لكن هناك ارتباط هام بينهما: كل من الحقوق الطبيعية والقانونية يتأسسان على المصالح الاساسية لكل الناس. الفرق هو ان حقوق الانسان القانونية يمكن ان تشمل الحقوق المشتقة من حقوق اكثر اهمية ضمن سياق تاريخي واجتماعي معين . الحقوق القانونية بالجنسية مثلا،لا تقوم على مصلحة جوهرية في الجنسية لكل الناس،طالما لم تكن هناك دائما دول. بدلا من ذلك، للناس مصلحة في امتلاك جنسية لانه في العالم المعاصر امتلاك جنسية هو شيء هام في انجاز مصالح اساسية اخرى،بعضها يبرر حقوقا طبيعية. بدون جنسية بلد ما لا يمكن للمرء الحصول على جواز سفر ،وبدون جواز سفر تصبح حرية المرء بالحركة مقيدة جدا. ان حرية الحركة هي مصلحة اساسية لكل الناس،ولذلك فان هذه المصلحة الاساسية تبرر الحق الطبيعي بحرية الحركة. هذه المصلحة ايضا توفر اساس لحق قانوني اساسي بحرية الحركة، منه يمكن اشتقاق حق قانوني معين بالجنسية.

حقوق الدخول للانترنيت

هل يمكن بهذه الطريقة تبربر حق الانسان القانوني بالدخول للانترنيت؟ الفائدة من امتلاك الانترنيت هي بالتأكيد تقوم على مصالح اكثر اهمية ،بعضها من ذلك النوع الذي يبرر حقوقا طبيعية،كما في المصلحة في حرية التعبير وحرية الانتماء. الانترنيت الآن هو من اكثر المنصات اهمية في التعبير عن الآراء ونشر المعلومات وتوفير حجم هائل من الفرص لمختلف اشكال المؤسسات.

ربما يقال انه حتى بدون الدخول الى الانترنيت يبقى الناس يتمتعون بحرية الانتماء والتعبير عن انفسهم، بافتراض انهم لايزالون يتجمعون في اماكن عامة وينشرون افكارهم في الصحف وهكذا. غير ان حق حرية التعبير وحرية الانتماء لايتطلبان مجرد ان يكون مالكو الحق لديهم اقل فرصة للتعبير عن انفسهم والانتماء وانما ،هما يتحققان فقط حينما يكون لدى الناس فرص كافية للانتماء والتعبير عن انفسهم. لكي نمنع الناس بشكل استبدادي من نشر افكارهم في جميع الصحف عدى واحدة سيشكل انتهاكا لحقهم في الحرية رغم احتفاظهم ببعض الفرص للتعبير عن انفسهم. وبالمثل،المنع العشوائي للناس في الانتساب لجميع المؤسسات عدى منظمة واحدة او حزب واحد او نادي واحد يعد انتهاكا لحقهم في التعبير عن حرية الانتماء رغم احتفاظهم ببعض الفرص للالتحاق ببعض المؤسسات الاخرى. السؤال حول ما الذي يشكل فرصة او قدرة كافية لممارسة المرء لحرية التعبير والانتماء هو سؤال هام وصعب،ولكن بالنظر للاهمية الكبرى للانترنيت يبدو من المعقول الايمان بانه لكي نمنع شخص ما من الدخول الى الانترنيت يعني حرمانه من الفرص الكافية لممارسة حريته في التعبير والانتماء. انه يبدو كما لو ان حق الانسان القانوني في الانترنيت يُشتق من الحقوق الطبيعية الاساسية الاكثر اهمية في حرية التعبير وحرية الانتماء،وبنفس الطريقة ان الحق الانساني القانوني بالجنسية يمكن اشتقاقه من الحقوق الطبيعية الاكثر جوهرية في حرية الحركة.

غير ان هناك فرق هام بين الحق في الجنسية والحق في الانترنيت. ليس من العملي امتلاك قوانين دولية هي بحاجة الى تحديث مستمر . ولهذا،فان حقوق الانسان القانونية لا تحتاج فقط لتكون ذات اهمية عظيمة الان،وانما ايضا في المستقبل المنظور. لذا فان التقدم السريع في التكنلوجيا يجعل الانتنريت ومن ثم الحق القانوني به،اكثر راهنية وهشاشة. ان عدم وجود حق طبيعي بالانترنيت لا يمنع من امكانية وجود حق قانوني انساني فيه،لأن الانترنيت حاليا هام جدا في انجاز حقوق الانسان الاخرى. ولكن مع احتمال ان يصبح الانترنيت متقادما ليس في المستقبل البعيد،فالاحتمال يبقى كبير جدا  بان الدخول اليه لا يضمن جيدا مكانة حقوق الانسان القانونية الدولية .

 

حاتم حميد محسن

.......................

للكاتبة Dr.Jesse Tomalty بروفيسور الفلسفة في جامعة Bergen بالنرويج،تدرّس حاليا في مجال الاخلاق والفلسفة السياسية.

للمرة الأولى أقرأ فيها للمفكر العراقي الدكتور عبدالجبار الرفاعي وأتعرف فيها على فكره، كان هذا عن طريق كتابه المهم الموسوم بـ "الدين والظمأ الانطولوجي" والذي أظنه ضروري لكل مثقف مهتم بالشأن الديني، والكتاب صادر بطبعته الأولى لعام 2016 عن مركز دراسات فلسفة الدين ودار التنوير للطباعة والنشر.

الكتاب هو مجموعة مقالات وأبحاث ومقابلات ضمنها الدكتور في كتاب واحد جمعها موضوع الظمأ الانطولوجي حسب اصطلاحه، وهو ما يعرفه بأنه ظمأ الإنسان للمقدس والحنين للوجود، حيث أن وجود الإنسان محتاج إلى ما يثريه ويمنحه المعنى، الأمر الذي يراه الكاتب متوفرا في الدين حصرا.

فلا الفنون ولا الآدب ولا المعارف يمكنها أن تروي ظمأ الإنسان الملح والفطري ولا شيء يمنحه الطمأنينة والسعادة سوى الدين، ولكن أي دين هذا؟

يتفرق الكتاب على سبعة فصول ومجموع صفحاته مائتين واثنين وسبعين صفحة، كما يلي:

 

في الفصل الأول: بعنوان نسيان الذات، يطرح الكتاب قضية الذات البشرية المنسية، الذات الخاصة بكل إنسان خلقه الله المتفردة في خصائصها الذاتية، هذه الذات التي دأبت الجماعات والأحزاب على تنميطها واستعبادها وإذابتها عبر قسرها على قوالب جاهزة، وعمليات التنميط هذه تجري عبر التربية والتثقيف والمنابر الإعلامية حتى تستلب الذات وتصبح جزءً من صورة كبيرة كل عناصرها متشابهة ومتماثلة، ينصهر الفرد في الجماعة حتى ينسى ذاته ويهمل حياته الخاصة التي تصبح عديمة القيمة، ما يهم الجماعة هو سلوك الفرد الخارجي أما باطنه فغير مهم مما يحول الإنسان إلى (شخصية مستعارة) تنعدم فيه شخصيته الحقيقية الأصلية وتحل محلها شخصية نمطية يسودها الأحكام الجاهزة والعصبية الفاشية.

في ظل هذا الاستلاب للذات البشرية كيف يمكن للإنسان الإيمان أو اللإيمان ذاتيا؟ إذ الإيمان خيار شخصي وحالة ذاتية لا يتحقق بالنيابة، وبغياب الذات يصبح الدين سلوكا خارجيا لا يعبر عن حقيقة ذات الإنسان الأصلية.

الفصل الثاني: نسيان الإنسان، يحاول د.عبدالجبار هنا أن يسطر شيئا من سيرته الذاتية مركزا على البيئة الأصلية التي جاء منها راسما صورة خشنة عن حياة الريف العراقي منتصف القرن الماضي مضمنا تلك الذكريات بعضا من التحليل الاجتماعي لبيئته وكيف أسهمت نشأته في بناء شخصيته المتدينة بطبعها، وذاكرة اللامكان التي اكتسبها بسبب حالة التشرد التي عاشها، وصولا إلى ذكريات سنوات الدراسة في المدرسة الأولى إلى التحاقه بالحوزة النجفية وانضمامه لحزب الدعوة بشكل مقتضب مبررا ذلك بالبعد عن نبش آلام الماضي ورغبة في تجاوزها بهدوء وسلام.

يصل الكاتب لنتيجة أن الدين بالنسبة للكائن البشري مكون انطولوجي يرثه من أبيه وأمه كما يرث لون بشرته وصفاته الجسدية، حتى عندما يتحول إلى دين آخر فإنه يقلب الدين الجديد ويعلبه بدينه الأصلي، كما حال اللغة الأم فمهما تعلم الإنسان لغة أخرى يبقى مبرمجا على ترجمتها وإعادتها للغته الأصلية.

وفي جزء مهم من هذا الفصل يفرد الكاتب صفحات عن أهمية التحلي بالغفران والمحبة كمرادف الإيمان والدين.

أما الفصل الثالث: المثقف علي شريعتي.. يعد من أهم فصول الكتاب.

حيث يُحمل الكاتب بعض المثقفين من أمثال علي شريعتي مسؤولية ترحيل الدين من الانطولوجيا إلى الأيديولوجيا، أما سبب اهتمامه بشريعتي تحديدا فلإن مقولاته بدأت تغزو الوسط الثقافي العربي بعدما انتهى الإيرانيون من نقدها وتجاوزها.

يلخص الكاتب اتجاهات التفكير الديني في إيران الحديثة كالتالي:

أ- الاتجاه التقليدي:

وهو المسيطر على معظم الحوزات الدينية في إيران حتى اليوم.

 

ب- الاتجاه الإحيائي :

ويتفرع إلى تيارين:

1- فلسفي عرفاني : تأسس على يد السيد الطباطبائي صاحب الميزان

2- المدرسة التفكيكية : وهي تدعو لإحياء التفكير النصوصي الحديثي وتناهض التفكير العقلاني، بما يشبه عودة للتيار الإخباري، أبرز رموزه مهدي الاصفهاني.

ج- الاتجاه التجديدي:

وينقسم إلى تيارات عدة منها:

1- تيار التفسير العلمي: يدعو لتفسير القرآن على ضوء الاكتشافات العلمية الحديثة.

2- تيار الهوية (الذاتية): يدعو للعودة للهوية الإسلامية وغربلة التراث من المؤثرات الطارئة عليه، تمثل في الفيلسوف فرديد ، وانعكس في نتاج علي شريعتي.

3- تيار الماركسية الإسلامية: هو تيار نشط في الستينات والسبعينات، حاول إعادة صياغة التاريخ الإسلامي وفق النظرية الماركسية والاشتراكية.

وانعكس هذا الفكر في جماعات سياسية متعددة منها منظمة مجاهدي خلق.

 

4- تيار معرفي عابر للأيدولوجيا: ويتجه هذا التيار لتفسير الدين على فلسفة العلم والهرمنيوطيقا والعلوم الاجتماعية، وأبرز رواده سروش وشبستري وملكيان.

علي شريعتي:

يضع الكاتب نبذة موجزة عن سيرة علي شريعتي، إلا أنه يشير إلى ثلاث نقاط رئيسية:

الأولى:  الشائع أن شريعتي درس وتخصص في علم اجتماع الأديان إلا أنه لم يجد أي وثائق تثبت هذه الدعوة، لذا فهو يشكك في ذلك.

الثانية: يشكك الكاتب في ما يشاع أن شريعتي مات مقتولا على يد مخابرات الشاه، ويرجح بأنه توفي وفاة طبيعية.

الثالثة: يتهم الكاتب شريعتي بسطحية إطلاعه على الفلسفة الغربية وتطويعه لمعارفه لتخدمه ايدولوجيته إلى جانب ضعف تكوينه الديني ومعرفة الدينية الإسلامية.

يشير الكاتب إلى دور شريعتي الكبير في أدلجة الدين وإعادة قراءته وفق ايدولوجية يؤمن بها، مما ساهم بتكوين ايدولوجية دينية جزمية همها تنميط وتدجين ونمذجة الشخص، فأيدولوجية شريعتي تحلم بالعدالة الاجتماعية لكنها تهمش الحرية ولا تقبل الحداثة الغربية وما يرتبط بها من ديمقراطية وحقوق بشر بوصفها ملتبسة بالاستعمار والرأسمالية، ومن ناحية أخرى أعاد شريعتي قراءة التاريخ الإسلامي والشخصيات التاريخية وفق ايدولوجية.

وتحت عنوان فرعي (الحساسية السياسية والحساسية الفلسفية) يتهم الكاتب شريعتي وكل من سار على نهجة باحتقار الفلسفة وتهميشها لأنها تفضح دعواهم الايدولوجية حيث يعتبر أن "خمسمائة رجل كابن سينا لا أثر لهم في المجتمع بينما رجل كأبي ذر يمكنه أن يحدث تحولا لقرن كامل".

سعى شريعتي لبناء رؤية دنيوية للدين اصطلح عليها (البروتستانتية الإسلامية)عبر تحويل كل ما هو ديني إلى دنيوي وكل ما هو دنيوي إلى ديني، ويعتبر أن كل ماهو متداول في عالم الإسلام منذ الغزو المغولي هو كاثوليكية إسلامية داعيا للقضاء عليها، ويمضي شريعتي بثنائياته الكثيرة فيقسم الإسلام السني إلى إسلام محمدي وآخر أموي، والتشيع إلى تشيع علوي وآخر صفوي، معتبرا أن الإسلام هو التسنن المحمدي والتشيع العلوي.

دعوة البروتستانتية الإسلامية التي اشترك شريعتي فيها مع جماعة الإخوان المسلمين هي دعوة أدلجة الدين والتراث بحسب الكاتب، وفي الوقت الذي أنجزت البروتستانتية المسيحية تحرير العلم والدولة من الدين وسطوة الكنيسة، قامت البروتستانتية الإسلامية بتوسيع حدود الدين ليشمل كل مناحي الدنيا والعلم والدولة.

إن وعود البروتستانتية الإسلامية لم تنجز بل انتهت إلى نتائج عكسية وأفضت إلى عبادة الإنسان للأيدولوجية واستلابها لروحه وقلبه وعقله وإقحامه في وعود خلاصية موهومة.

الفصل الرابع: (التجربة الدينية والظمأ الانطولوجي للمقدس)، في هذا الفصل الهام يشرح الكاتب مفهوم الظمأ الانطولوجي حيث هو افتقار الشخص البشري إلى ما يثري وجوده، ويكرس كينونته، ويمنحه وقودا لحياته، ويكشف له سر الحياة ويجعله قادرا على التغلب على مشكلة الوجود البشري.

والتجربة الدينية بحسب الكاتب هي البعد الانطولوجي للدين التي يمكنها معالجة هذا الظمأ، وهذا الإرواء يجب أن يكون كتجربة ذاتية فردية جوانية، ويفرق الكاتب بين هذه الحالة والحالة الصوفية معتبرا أن ليس كل متصوف صاحب تجربة دينية فقد يكون المتصوف خاويا روحيا إذا ما تحول التصوف إلى التصوف الطرقي السلوكي الذي هو تصوف الدراويش والتكايا والزوايا.

مولانا جلال الدين الرومي:

عن جلال الدين الرومي يفرد الكاتب عنوانا جانبيا ليعالج ما يعتبره حالة من التحول الذي شهدته شخصية الرومي التاريخية إلى الرومي الميثولوجي كشخصية خارقة استثنائية بخلاف الشخصية الحقيقية البشرية داعيا إلى استلهام العبر من تراثه الروحي.

إلى جانب التصوف الطرقي يشير الكاتب إلى التصوف المعرفي: وهو تصوف عقلي خرج على الانساق المعرفية التراثية وانتج قراءة حية متوالدة ذات افق رحب معيدا الاعتبار للذات المستلبة وانشغل بإرواء ظمأ الروح.

رؤيتان للعالم:

1-الرؤية الأفقية : وهي رؤية المتصوفة والعرفاء التي ترى في الصلة بالله وصال حبيبين.

2- الرؤية العمودية: هي رؤية المتكلمين: ترى في علاقة الإنسان بالله علاقة عمودية يخضع فيها العبد ويذل لإله متسلط منتقم.

وعن الإيمان والتدين يدعو الكاتب لضرورة التفرقة بين الدين والتدين-الدين والحياة الروحية- الدين والإيمان، داعيا إلى الخلاص من تديين الدنيوي أي أن الدين لا يشمل كل شيء في الحياة، إذ لا يجب أن يختلط الدين بالعلم والأدب والفلسفة والفن ..الخ فالعلم علم وليس دين، والأدب أدب وليس دين وهكذا، فما يشوه الدين في مجتمعاتنا هو اختلاط الدين بكل شيء وعليه يجب أن يعود الدين لحقله الطبيعي في بناء الحياة الروحية والأخلاقية للبشر، أما ما ينجزه العقل والتجربة البشرية فلا ضرورة لإقحامه في الدين أو إقحام الدين فيه.

إن جوهر الدين يتمحور حول إرواء الظمأ الانطولوجي للشخص البشري وعندما يرتوي يكف الدين عن أن يكون أداة للصراع على الثروة والقوة والسلطة، كما تفعل معظم الجماعات الإسلامية التي سرقت الدنيا باسم الآخرة، والأرض باسم السماء، والإنسان باسم الله.

دين الايدولوجيا ودين الانطولوجيا:

المتكلم هو فيلسوف دين الايدلوجيا، بمعنى أنه يصوغ رؤية لله والإنسان والعالم وفهما للدين، والجماعات الإسلامية تنسج على رؤية المتكلم شباكاها لتصنع دين الايدولوجيا، هذا الدين الذي يستخدم الإنسان ويسخر حياته وطاقته بينما دين الانطولوجيا يخدم الإنسان ويمنح عقله حرية التفكير ولا يجبره على تكرار نماذج تاريخيه أو أن يعيش نيابة عن غيره.

دين الايدولوجيا لا يبني حياة روحية، يميت الروح والقلب والضمير ويفسد ولا يصلح، بينما دين الانطولوجيا يصنع حياة روحية وأخلاقية ويغني الحياة بالهدوء والسكينة والسلام.

الفصل الخامس: (أية دولة بلا حياة روحية وأخلاقية)، وهو عبارة عن ورقة قدمها الكاتب للمؤتمر الدولي حول الأديان والقيم السياسية – لبنان 2014

الفصل السادس: (لا خلاص إلا بالخلاص من أدلجة الدين)، وهو عبارة حوار مع الصحافية اللبنانية رحيل دندش بأسئلة منوعة

الفصل السابع: (تحديث الفكر الديني)،

وهو عبارة عن حوار لمجلة يتفكرون مع الكاتب المغربي مولاي أحمد صابر بأسئلة متنوعة.

 

عقيل عبد الله - كاتب سعودي

الكتاب: جمال عبد الناصر في يوميات ومذكرات دافيد بن غوريون و موشيه ديان (حرب السويس.. 1956 -1957)

الكاتب: الدكتور الياس عفيف سليمان

طباعة دار النهضة الناصرة (2010)

قبل عدة سنوات وقع بين يدي كتاب لفت نظري بموضوعه، وموضوعيته البحثية يحمل عنوان: "الحروب الأهلية في لبنان ومشروع تهجير الموارنة إلى الجزائر- 1840 – 1860" لمؤلفة د. الياس عفيف سليمان، فيما بعد عرفت انه من قرية برعم المهجرة ويقيم في قرية الجش، القريبة من ارض برعم، والتي تجاور جبال الجرمق الفلسطينية رائعة الجمال. وكان د. الياس في نفس الفترة يعد رسالة الدكتوراه في موضوع "النظام الطائفي في لبنان".

كتابه طرح موضوعاً فاجأني وقتها، وتبين، أن العديدين من الموارنة، وبعضهم رجال دين، لا يعرفون عن مشروع تهجيرهم إلى الجزائر.

ومضت عدة سنوات. حتى كنت قبل فترة زمنية قصيرة في زيارة إلى ابنتي المتزوجة في الجش، ففاجأتني بكتاب هدية من الدكتور الياس عفيف سليمان يحمل عنوان: "جمال عبد الناصر في يوميات ومذكرات دافيد بن غوريون وموشيه ديان – حرب السويس 1956-1957" صدر عام 2010. فأصرّرت على لقائه.. وشعوري كيف يمكن صدور مثل هذه الدراسات الهامة دون ان تلتفت صحافتنا وكتابنا ومفكرينا الى هذه الأبحاث العميقة جداً، والجادة، والتي تشكل بحد ذاتها مرجعاً هاماً، تاريخياً وسياسياً ومعلوماتياً.

التقيته في مكتبه في مجلس محلي الجش، حيث يعمل مديراً لقسم المعارف.

الحديث بيننا مشوّق جداً، وطرحنا الكثير من المواضيع الفكرية والسياسية والتاريخية، التي تتعلق بشرقنا الأوسط. وواقع المجتمعات العربية ومشاكلها الطائفية والتطويرية، وكان الحديث معه مفعماً بسعة اطلاعه وقدرته على إعطاء التفاصيل الدقيقة، بموهبة باحث وخبير في العلوم السياسية، لا تفوته النقاط الجوهرية  التي أثرت وحسمت في العديد من قضايا التطور في أحداث منطقتنا.

لم يكن يتحدث عن رؤيته فقط، بل عن حقائق تاريخية، قادت إلى اتجاهات عديدة أوصلتنا إلى ما نحن به اليوم من تعقيدات، ومن ممارسات سياسية ومواقف وقضايا معلقة.

قرأت خلال مشوار حياتي الفكرية والسياسية الكثير من كتب التنظير، التاريخ، المذكرات والأبحاث المتنوعة العربية والأجنبية، بما في ذلك عن حرب السويس، أو ما يعرف باسم العدوان الثلاثي على مصر، الذي شكل  المرحلة الأولى  في بداية تشكل وعيي السياسي والإنساني، وهو العدوان الذي نفذته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عام 1956  لضرب وإسقاط نظام عبد الناصر الوطني المعادي للاستعمار، والذي كسر احتكار السلاح، بعقده صفقات سلاح مع المعسكر الاشتراكي، وكسر الحواجز التي كانت مفروضة على الاتحاد السوفييتي وقتها، وأمم قناة السويس، التي كانت خاضعة للبريطانيين، ودعم الثورة الجزائرية ضد فرنسا، وطرح مشاريع تطوير مصر بإقامة السد العالي لتوفير الطاقة الكهربائية الضرورية لأي مشروع تطويري، وساهم في بعث الشعور القومي العربي، بشكل لا سابق له في التاريخ العربي.

البحث الذي يقدمه الدكتور الياس سليمان في كتابه، يختلف عن جميع ما قرأته. انه يرصد مؤامرة الحرب بين فرنسا وبريطانيا وإسرائيل عن طريق مذكرات ويوميات رئيس حكومة إسرائيل الأول دافيد بن غوريون ورئيس هيئة الأركان للجيش الإسرائيلي وقتها الجنرال موشيه ديان.

الكتاب يستعرض بناء المؤامرة على نظام عبد الناصر التحرري، دون أن يعطي موقفه، بل يلتزم البحث الأكاديمي بدقة، مبينا تفاصيل تبدو اليوم، رغم مرور سنوات طويلة، رهيبة بكل المقاييس، وكأن لا شيء تغير إلا أسماء رؤساء حكومات إسرائيل، وقادة جيشها.

يعتمد الباحث  على مذكرات بن غوريون وسجل يومياته، وعلى يوميات موشيه ديان ومذكراته، وموقفهما، الشخصي عملياً، من جمال عبد الناصر، ورؤيتهما ضرورة إسقاطه، لأنه، كما تدعي إسرائيل رسمياً، يريد إبادة إسرائيل، بينما الحقائق التي تتحدث عن نفسها لم تورد جملة واحدة تشير إلى نية جمال عبد الناصر مهاجمة إسرائيل، أما موضوع إبادتها فهو مجرد حملة دعائية لتمهيد الحرب مع الدولتين الاستعماريتين القديمتين، فرنسا وبريطانيا في محاولة لإعادة سيطرتهما على الشرق الأوسط الغني بمصادر الطاقة، ولقمع الثورة الجزائرية، وضمان استمرار الجزائر فرنسية. ولهدف إسرائيلي عبر عنه بن غوريون احتلال سيناء التي تبشر بآبار نفط، واحتلال مضائق تيران، التي تعتبرها إسرائيل قناة السويس الخاصة بها واقامة مملكة اسرائيل، التي تعتبر سيناء جزءاً من فكرها التوراتي الغيبي والأسطوري، حيث تتحدث أساطير التوراة عن نزول التوراة على موسى في جبل سيناء، وهناك تلقى الوصايا العشر، وهي نسخة طبق الأصل من قوانين حمورابي، وبالتالي، كان يطمح بن غوريون الى تغيير خارطة الشرق الأوسط بما يتلاءم ورؤية إسرائيل السياسية والتوراتية ومصالح الاستعمارين البريطاني والفرنسي.

 ويذكر ان باحثين يهوديين هما اسرائيل فنكلشتاين، ونيل سيلبرمان، أصدرا دراسة مثيرة باللغة الانكليزية (THE BIBLE UNEARTTHED)  ترجمت للعبرية (ראשית ישראל) وللعربية (التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها) تنسف الدراسة كل قصص التوراة، أي بما في ذلك كل ادعاءات الحركة الصهيونية حول الحق التاريخي بأرض فلسطين.

قراءة كتاب  د. الياس سليمان عن حرب السويس مثيرة للغاية، اشبه برواية مليئة بالمؤامرات وخطط الحرب. وكلما تقدمت بقراءة الوثائق التي يوردها الباحث أُصابُ بصدمة، لا شيء تغير من سياسة حكام إسرائيل. نفس العقلية تسود اليوم بل بشكل أكثر اتساعاً وأشد خطراً.

الكاتب باعتماده على تسجيلات بن غوريون يكشف عن الفكر التوسعي لدولة إسرائيل ومؤسسيها، فأحد برامج بن غوريون  لتنظيم كل الأمور في الشرق الأوسط حمل اسم "الخيالي" (פנטסתי) وحسب بن غوريون: "البرنامج قابل للتنفيذ بشرط ان توجد إرادة ورغبة صادقة عند البريطانيين، الأمر الذي أشك به".

وتعالوا نقرأ شرح بن غوريون لمشروعه "الخيالي": قبل كل شيء، ومن الواضح، يجب القضاء والتخلص من ناصر، وبعد ان يتم ذلك تقسم الأردن الى قسمين، الضفة الغربية تسلم لإسرائيل، والضفة الشرقية تسلم للعراق. والشرط الإسرائيلي في هذا الشأن أن توقع العراق على اتفاقية سلام مع إسرائيل، وأن توافق على توطين اللاجئين على أراضيها".

وأضاف بن غوريون: "يجب تقليص حدود لبنان وسلخ قسم من لبنان، وإعطائه لسوريا، وقسم آخر حتى نهر الليطاني (مصدر المياه – نبيل)  يسلم لإسرائيل، وفي القسم المتبقي من لبنان تقوم دولة مسيحية، بالنسبة لسوريا سيستقر النظام عندما يقف على رأسه حاكم يدعم الغرب، وللأمريكيين ثقة بالشيشكلي".

هذا جزء يسير من منهج التفكير الذي قاد إسرائيل في مغامراتها العسكرية العدوانية ضد مصر وسوريا فيما بعد، وثم ضد لبنان وقصف المصنع الذري في العراق ثم في سوريا، والحملة ضد عرفات ثم ضد قطاع غزة.. والعالم العربي بأنظمة تماماً كما أرادت إسرائيل أن تشكل المنطقة العربية، وهو ما نجحت به نجاحاً كبيراً، بعد غياب جمال عبد الناصر.

من المميزات للكتاب ما يورده على لسان بن غوريون وديان وموظفين كبار آخرين. مثلا بن غوريون يقول عن عبد الناصر: "ابن موظف بريد، قائد ثورة الضباط الأحرار، الذي يعتبر البطل الطبيعي للعالم العربي، صورته التي رسمت على مئات آلاف المطبوعات والملصقات في البيوت والدكاكين والأسواق، وفي كل أنحاء الشرق الأوسط. عرف عبد الناصر كيف يزعزع الغرب وكيف يستقطب العرب كونهم عانوا من الاستعمار الأوروبي عشرات السنين، وعلم عبد الناصر متى يتوقف وأين، وعرف كيف تعالج الأمور مانعاً بذلك انقطاع محتمل بالعلاقات مع أوروبا ومع العالم العربي".

أورد هذا الاقتباس للدلالة على أن الخوف من جمال عبد الناصر، ليس لخطط يعدها لإبادة إسرائيل، أو لمنع النفط عن فرنسا وبريطانيا، إنما لأنه استقطب العالم العربي، ويعتبر البطل الحقيقي للعرب، وعرف كيف يزعزع الغرب، ويعرف متى يتوقف وأين، ويعرف كيف يعالج الأمور؟

ما الخطأ، أو ما الجريمة في هذه الصفات، التي كتبها رئيس حكومة إسرائيل الأول دافيد بن غوريون؟؟

جريمة ناصر كانت معارضته التخطيط الإسرائيلي المدعوم من الاستعمارين العجوزين، لإبقاء العالم العربي أسير التخلف والإحباط والجهل واستنزاف العقول العربية للغرب، وجعل الفقر من ثوابت الواقع الاجتماعي العربي.

 للأسف هذا أنجز بنجاح كبير!!

هذا يذكرني بحوار دار بين بن غوريون في أولى سنوات الدولة، مع جنرال، لا أتذكر المصدر، ولكنه نشر في إحدى الصحف الإسرائيلية، وعلى الأغلب هآرتس، قال بن غوريون ما معناه انه لا ضرورة للخوف، "العرب قوم لا يقرؤون". سأله الجنرال:" وإذا تعلموا القراءة؟" رد بن غوريون:" وإذا قرأوا لا يفهمون، وإذا فَهِموا لا يطبِّقون فلا خوف على اسرائيل". وهذا قد يفسر الخوف من نهج عبد الناصر في إرساء مصر حرة متطورة تقود الشعوب العربية إلى التغيير الكامل، وكنا للأسف شهوداً على قبر تجربة عبد الناصر والعودة إلى ما يريده الاستعمار من أنظمة تقبر حلم التغيير العربي، ولا بأس من الشعارات الثورية على نهج البعث مثلا، ثورة، حرية، اشتراكية لم ينفذ منها إلا قمع وسجون وقتل الجماهير ومقابر جماعية، وفقر وجوع وتخلف وتفكك اجتماعي.

الكتاب يستعرض تفاصيل مثيرة عن تطور المؤامرة، بالتنسيق بين الدول الثلاث، ويطرح الخلافات الناشئة، ويتوسع حول "الذريعة الإسرائيلية" لحرب السويس، والتي ستستغل للتدخل العسكري البريطاني والفرنسي. والخطة أن تقوم إسرائيل بمهاجمة مصر واحتلال سيناء، وعندها توجه بريطانيا التي كانت عظمى وفرنسا المتورطة في الجزائر، إنذاراً لمصر وإسرائيل بوقف القتال والانسحاب من منطقة قنال السويس، لتأمين الملاحة، طبعاً مصر ترفض وعندها سيجري التدخل الاستعماري لإعادة احتلال قناة السويس وإسقاط نظام عبد الناصر.

اعتقد أن هذا الكتاب لائحة اتهام خطيرة لنهج حكومات إسرائيل ولا اعرف السبب الذي لا تقوم فيه مصر مثلا بمطالبة التعويض الكامل لخسائر تلك الحرب التي انكشفت  أنها  مؤامرة  وسخة لإسقاط  أول نظام عربي يعيد الكرامة للشعوب العربية، دون أن يرتكب أي عمل عدواني ضد إسرائيل مثلاً. ألم تتلقَّ إسرائيل تعويضات ضخمة من العراق بسبب حرب الخليج وقصف صدام لإسرائيل بالصواريخ؟ رغم ان للعراق سبباً لمطالبة إسرائيل بالتعويض بسبب غارتها على المصنع العراقي، الذي يعتبر إعلان حرب وعدوان وقح.

 في أي تفكير سليم، ما قامت به حكومة بن غوريون، اشد خطورة من صواريخ صدام. وكل الوثائق المباشرة من مذكرات بن غوريون، ويومياته، ويوميات ومذكرات موشيه ديان، وتفاصيل اللقاءات في فرنسا لوضع الخطط للحرب وإسقاط جمال عبد الناصر، تثبت الطبخة الوسخة، والمؤامرة على دولة مسالمة، وقعت اتفاق هدنة  مع إسرائيل عام 1948، عن طريق الأمم المتحدة.

في الفصل الأول يتناول الباحث تأميم قناة السويس ورد الفعل الإسرائيلي والدولي، والإسقاطات غير المتوقعة للمؤامرة، واللعبة السياسية الإنجلو فرنسية ضد مصر والدور الإسرائيلي  كذريعة للحرب الانجلو فرنسية على مصر.

في الفصل الثاني، يعالج الباحث موضوع التنسيق العسكري ونتائج المؤتمرات الثلاثية بين إسرائيل وشريكيها الفرنسي والبريطاني. وبدء التحضير للحرب في إسرائيل.

الفصل الثالث عن بدء العملية العسكرية الإسرائيلية  والهجوم الانجلو فرنسي على مصر وخوف بن غوريون من التدخل السوفييتي، والموقف الأمريكي الرافض للعدوان. وصدور الإنذار السوفيتي الذي فهم انه تهديد باريس ولندن بضربهما بصواريخ غير تقليدية، القصد كما فهم صواريخ نووية، الأمر الذي أرعب المعتدين وأفشل خططهم وعملياً قاد إلى اضمحلال الدور الدولي للاستعمارين العجوزين، فرنسا وبريطانيا.

وفي الفصل الرابع  يطرح اعتبارات بن غوريون السياسية والعسكرية والمماطلة في الانسحاب من سيناء، والمواقف الدولية..

عبر الكتاب كله، يلتزم الباحث بالحقائق المجردة، مقدما عرضا وافيا لمختلف ملابسات الحالة السياسية للدول الثلاث، ولسائر دول العالم من تطور الأحداث.

أهمية هذا الكتاب انه يطرح حرب السويس من زاوية جديدة، كيف نظرت المؤسسة الحاكمة في إسرائيل لحركة التحرر العربية التي قادها جمال عبد الناصر، والرعب من انتقال العالم العربي لمرحلة البناء وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب العربية، ويمكن الفهم أن حرب 1967 أيضا لم تكن إلا المرحلة الثانية من حرب السويس.

للأسف المؤامرة نجحت لأسباب عديدة بتعويق مرحلة التحرر العربي، وبناء الاقتصاد وتطوير العلوم والتعليم، وإبقاء جهاز الدولة نظيفاً من الحرامية، خاصة بعد غياب عبد الناصر ووصول قيادات فاسدة ومرتشية، قادت العالم العربي إلى مرحلة جليدية استمرت من العام 1970 حتى انتفاضة ساحات التحرير 2011.

 

 

 

ازدهرت الحضارة الاسلامية في الاندلس ثمانية قرون تحديدا من عام 711م حتى سقوط آخر القلاع العربية في غرناطة عام 1492م. و كانت الاندلس  قبلة للعلم يتوافد عليها الباحثون والعلماء من كل بقاع الارض واصبحت من الطرق المهمة التي عبرت منها العلوم العربية ، والحضارة العربية الاسلامية الى عموم اوربا . لقد تركت الامة الاندلسية اثارا واضحة في اسبانيا فأنشأت المدارس والمكتبات في كل بقعة من بقاع الاندلس وترجمت الكتب المختلفة، وبرعت في اللغة و الادب والطب والعلوم, وهذا  دليل قاطع على أن الحضارة العربية الإسلامية في اسبانيا لم تكن عابرة فقد وجدت لتبقى.

لقد حكم المسلمون  معظم انحاء شبه الجزيرة الايبرية (اسبانيا والبرتغال) قرونا واستطال حكمهم في جنوب اسبانيا تحديدا وكان نظامهم مبنيا على نشر الحضارة الاسلامية ونقل معارف العلوم الى جميع اوربا فاصبحت الاندلس  قبلة للعلم يتوافد عليها الباحثين والعلماء من كل بقاع الارض .  لقد كان الفتح العربي لأسبانيا حدثاً حضارياً مهما و بعد الفتح أمتزجت حضارات سابقة كالرومانية والقوطية التي كانت موجودة في شبه الجزيرة الايبرية  مع الحضارة العربية الاسلامية، ونتج عن هذا المزج والصهر حضارة أندلسية مزدهرة أثرت في الحياة الأوربية وتركت آثاراً عميقة مازالت تتراءى مظاهرها بوضوح حتى يومنا هذا. لقد مرت قرون طويلة على زوال العرب المسلمين من اسبانيا الا ان مأثرهم البطولية واثارههم بقت  تطل على الاراضي الاسبانية في جلال وكبرياء وتحكي في صمت مهيب قصة مجدهم وشجاعتهم  وحضارتهم في الاندلس.

لم ينقطع  التاثير القوي للحضارة الاسلامية  في اسبانيا  حتى في العصر الذي اخذ فيه نجم الوجود العربي الاسلامي في الأفول  وتضاءلت  رقعة الاندلس وانحصرت في حدود مملكة غرناطة  التي كانت  تتمتع  بحضارة رفيعة على الرغم من خوضها المعارك والقتال  مع الاسبان .نجد اليوم الكثير من الاثار  الهندسية والزخارف العربية  في كثير من الصروح والكنائس  الاسبانية  وفي مختلف جوانب الحياة في اسبانيا . ولابد لنا ونحن نتحدث عن الاثار الاندلسية ان نتحدث عن تراث الاندلس الفكري الذي ابقت عليه يد الزمن الى يومنا هذا  فقد ورثت اسبانيا  عن الامة الاندلسية  تراثا فكريا   فمكتبة الاسكوريال الملكية في مدريد شاهد على وجود نوادر الكتب  الاندلسية  التي ورثتها اسبانيا من العرب المسلمين تلك الكتب بمثابة كنوز في مجال الادب والفلسفة والطب  والهندسة والفلك والفقه وعلوم الدين والقران

لقد تركت الامة الاندلسية  اثارا واضحة في اسبانيا و فأنشأوا المدارس والمكتبات في كل بقعة من بقاع الاندلس وترجموا الكتب المختلفة، ودرسوا العلوم الرياضية والفلكية والطبيعية والكيمياوية والطبية و لا ريب أن أثر اللسان العربي في اللغة الأسبانية يعد من أهم أثارها العربية وأكثرها خلوداً في الأندلس، وهو الدليل القاطع على أن الحضارة العربية الإسلامية في اسبانيا لم تكن عابرة فقد وجدت لتبقى،لقد  دام الوجود العربي الاسلامي في  إسبانيا مدة ناهزت الثمانية قرون فاللغة الأسبانية تحتوي اليوم من المفردات العربية أكثر من أربعة آلاف كلمة من غير اشتقاقاتها ولمختلف ميادين الحياة  الزراعية والهندسة المعمارية والاقتصادية والادبية والعسكرية  والعلمية  .إن انتشار  مفردات اللغة العربية إلى اليوم داخل اللغة الإسبانية لدليل على عمق التأثير العربي والإسلامي في اوربا و شاهد على حضارة عظيمة أسسها المسلمين في شبه الجزيرة الإيبيرية.

الخروج من فردوس الاندلس، عبارة طالما ترددت على ألسنة شعراء الأندلس، وهم يقصدون بالخروج: خروج أخر سكان البلاد الأصليين (الأسبان) للمسلمين من الأندلس"الجنة" التي هي عندهم قطعة من جنة الله في أرضة قد شغلت طبيعة الأندلس الشعراء الأندلسيين، فأقبلوا عليها وهاموا بها. وفتنوا بطبيعتها فتنة لا يعادلها إلا اعتزازهم بشعرهم، ذكروا الأندلس ومحاسنها، ووصفوا الربيع ومقدمه، والأنهار والأشجار والرياض والأزهار، وتحدثوا عن ورودها وأشجارها، وما يتصل بها من غدران وأنهار، وتحدثوا عن ومحاسنها والربيع وبشره، فتن الشعراء بجمال بلادهم، ومحاسن، طبيعتها، وأكثروا من التغني بمناظرها الفاتنة، وعبروا عن مدى هيامهم بها، حتى ادّعى الشاعر ابن خفاجة أنها الجنة، منْ دخلها، فقد حُرمت عليه النار،إذ يقول:

يا أهــل أندلس - لله دركمُ -

ماءٌ و ظلٌّ و أشجارٌ و أنهارُ

ما جنــة الخلد إلا في دياركمُ

ولو تخيرتُ هذا كنت أختارُ

لا تتقوا بعدها أن تدخلوا سقراً

فليس تُدخل بعد الجنة النارُ

جميل أن تكون الأندلس قصيدة تأتي من المستقبل، ولكن الأوروبيين يقولون إن الأندلس حسب مفهوم الغرب كانت مستعمرة عربية -إسلامية، عن هذه المقولة الغربية، يعتقد الكثير من الباحثين والمختصين في مجال التأريخ الاندلسي ، أن الأندلس وما بناه العرب فيها من حضارة هي المحاولة الأولى والأخيرة من تاريخ الإنسانية لأن العرب عندما ذهبوا إلى الأندلس لم يكونوا محتلين بل إنهم أقاموا فيها وجعلوا منها وطنهم الأول والأخير ، لأن الإقامة على أرض الأندلس نتجت عنها حضارة عظيمة انتقلت منها الحضارة الإغريقية العربية إلى أوروبا. فيها العرب لم يكونوا محتلين للأندلس ولم ينهبوا ثرواتها وخيراتها وينقلوها إلى بلدان أخرى بل كانت وطنهم ونتج عن وجودهم هناك مزيج حضاري عجيب وسحري. دور بناء الحضارة العربية في الاندلس لم يقتصر على العرب وحدهم ، بل كافة الأقوام الذين كانوا ينتمون إلى بلدان مختلفة وإلى أديان مختلفة. لقد كان  تعاون حضاري إنساني حقيقي – لاول مرة في التاريخ-  أنجزه العلماء والمفكرون والشعراء وحدهم بعيدا عن السياسة التي كانت مشغولة بصخبها وعنفها في ذلك الوقت. مثلا، كانت الجامعات في غرناطة وفي قرطبة وفي إشبيلية ملتقى لعلماء من كافة بلدان العالم وإن حركة الترجمة التي نشطت في تلك السنوات قد لعبت دورا كبيرا في مسار الحضارة العالمية سواء على مستوى العلوم الإنسانية أو على مستوى التكنولوجيا والعلوم. لذا عمدنا عند اعدادنا لهذا الكتاب ، أن نفتح نافذة صغيرة على فردوس الاندلس من معالم اثرية وشخصيات وتراث فكري ، تلك أرض الاجداد لكي نقف أمام هذه الأطلال ، التي طالما اشعرتنا بالفخر والمجد تاره وبالحزن والأسى تاره بين ماض مجيد وحاضر مؤلم بين أحلام وأمال والام و لكن بعد ذلك كان هناك الحزن و البكاء على تاريخ ومجد وحضاره أشرقت على الأنسانيه وانارت ظلمتها 800 عام.

 

اعداد و ترجمة : أ.م.د. غيداء قيس أبراهيم

م.د. شذى اسماعيل جبوري

م.م. محمد هاشم محيسن

 

 

 

 

صدر قبل اسابيع كتاب بعنوان: (استجواب الرئيس:التحقيق مع صدام حسين) ... Debriefing the President: The Interrogation of Saddam Hussein

لمؤلفه جون نيكسون..عميل الأستخبارات المركزية الأمريكية، الذي التقى صدام لعدة أيام في سجنه" أيلول- كانون الأول 2003"وكان قبلها قد حضر الى العراق موفدا من (CIA) لفهم شخصية صدام، حيث كانت مهمته هي التعمق في دراسة شخصيات القادة العالميين بتحليل (حوافزهم ومثيراتهم) وفقا لما قاله لبرنامج فيكتوريا ديربيشير على قناة بي بي سي.ونيكسون هذا البالغ من العمر (55) عاما والمتخرج في جامعتي نيويورك وجورج تاون الحاصل من الأخيرة على شهادة الماجستير عن شخصية صدام، كان التحق بجهاز الأستخبارات عام 1998 وعيّن ليكون (المحلل القائد)ف ي العراق..الذي يعني ان يكون شغله الشاغل هو:دراسة صدام... الى عام 2011 حيث غادرها ليعمل مستشارا بمعهد دولي تابع لحكومة ابو ظبي.

  يتضمن الكتاب بطبعته الأنجليزية (14) فصلا في (239) صفحة. ويحكي قصة أكبر مطاردة "يصفها بالأكثر عدوانية" قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية في كانون الأول/ديسمبر 2003 باعتقال صدام حسين في مخبأ تحت الأرض بجانب بناء زراعي قرب مسقط رأسه بمدينة تكريت، ويصف العثور عليه واعتقاله بأنه كان "اشبه بسقوط صاروخ فوق جميع انحاء العالم"

 لا يعنينا هنا تقويم عام للكتاب وما يحتويه من معلومات معظمها حوار سياسي يتعلق باسلحة الدمار الشامل وموقف صدام من اميركا ونظرته الى العلاقات الدوليه وتطلعاته نحو الشرق الاوسط، وفصل عن التهديد الفارسي(ص 91) وآخر بعنوان عمامات في السياسة(ص 107)، والتقاطعات السياسية (ص173).. واخرى حقائق نعرفها جميعا ولا تضيف جديدا، بل حواراته مع صدام في محاولته لتحليل شخصيته، في الفصول: الثاني   Dare to Be Right، والخامس   Getting Under Saddams Fingernails، والتاسع   Saddam Blows His Top.. وما اذا كان قد اكتشف جديدا في شخصية صدام لا يعرفه العراقيون، ومقارنتها بتحليل عراقي لشخصية صدام.

 كان نيكسون هو اول شخص يجري تحقيقا مع صدام (معه اثنان من المخابرات ايضا)، ويعترف الرجل بأنه حين دخل عليه (ظللت اقرص نفسي لأصدق أني أحقق مع اكثر رجل مطلوب في العالم).ويضيف: (عندما بدأت التحدث معه حدقني بنفس النظرة التي علت وجهه في صورة غلاف كتاب ظل على مكتبي سنين .. وان عبارة "فوق الخيال والتصور" ما كانت تكفي لوصف الموقف.

 يصف نكسن شخصية صدام حسين بانها "اكثر الشخصيات الكارزمية التي قابلتها في حياتي"وان الرجل "كتلة من التناقضات" وفي تناقض صارخ مع طريقة تصويره في الأعلام الأمريكي، فهو شخص ساحر، لطيف مهذب حين يشاء، ووقح فظ ولئيم حين يستفز، وانه "احد اكبر المتشككين الذين قابلتهم في حياتي"، فمع كل سؤال اسأله كان "يجيبني بسؤال"، وكان  الحاحه بالسؤال"هل انتم من المخابرات العسكرية..افصحوا عن هويتكم؟" مصحوبا بنظرة مخيفة تعكس الكراهية.

  ويزعم  " نيكسون"،  أن صدام حسين أدلى له باعترافات مفادها أنه  كان ديكتاتورا،  وأنه كان ينوى أن يفجر العالم كله،  ومنها إدارة جورج دبليو بوش"، ويورد معلومة يصعب تصديقها بأن صدام كان يقضي معظم وقته في كتابة الروايات وانه لم يكن يعرف وقتها شيئا عما يدور في وطنه، ولم يقدم خطة دفاعية لحماية العراق من الغزو".

ومع انه ذكر له حقيقتين قالهما صدام بأن لا علاقة له باسامة بن لادن وأن  العراق لا يمتلك اسلحة دمار شامل، فانه ذكر معلومتين، الأولى صدّقها نيكسون ويصعب علينا تصديقها بقوله انه لم يصدر امرا بضرب حلبجة بالسلاح الكيماوي، والثانية فيها انكار ضدي يخص علاقته بزوج امه الذي وصفه بأنه "كان ألطف رجل عرفته: إبراهيم حسن،  باركه الله،  وقد كنت أمين سره،  وأقرب إليه من ابنه أدهم”.

ويصدق نيكسون بوصف صدام بأنه كتلة من التناقضات، فهو امر بحرق اسطول من السيارات الفارهة كان لدى عدي الذي اعتدى على وطبان في حفلة للعائلة وهو سكران، معتبرا ذلك استفزازا للشعب في زمن الحصار، في حين ان صدام بنى القصور في الزمن ذاته!.

 لقد وصفت أمازون في تقديمها للكتاب بأنه " يعكس خلاصة صريحة ومذهلة حول صدام"

فهل انه عكس ذلك فعلا؟.

 

 شخصية صدام حسين

 كنا التقينا السيد عدنان الباججي (كانون الأول 2003) بوصفه رئيس مجلس الحكم يومئذ وطلبنا منه ان تتاح لفريق من خبراء علم النفس والطب النفسي مقابلة صدام،  واجاب بأنه الان في عهدة اميركا ويمكن ذلك حين يكون بعهدة الحكومة العراقية.والتقينا بعدها السيد اياد علاوي..واعتذر، وراحت على العلماء العراقيين فرصة تقديم دراسة علمية فيها فائدة للحكام والشعوب..وحصل ما كنا حذرنا منه بصدور كتاب (استجواب الرئيس) عن المخابرات الأمريكية.

 ان صدام حسين كان ظاهرة عربية واجتماعية واخلاقية وسياسية ونفسية ساهم في صنعها، ليس تاريخه السياسي والأسري والبايولوجي فحسب، انما العراقيون والعرب ايضا..وهو شخصية غير عادية، بمعنى:ان الناس يغلب عليهم نمط واحد في الشخصية فيما شخصية صدام تتصف بأنها مركّبة من اكثر من نمط، البارز فيها اربعة، نوجزها بالآتي:

1- نمط شخصية المتحدي.

 واهم صفات هذا النمط هي :الشعور بالثقة العالية بالنفس، قدرة التأثير في الآخرين، سعة الحيلة والدهاء، الصراحة والشهامة، الحسم وحب السيطرة، الميل للاستبداد والارهاب، وحب المواجهة.

 ان جميع هذه الصفات موجودة في شخصية صدام، لاسيما (حب المواجهة).فالمتأمل لتاريخه الشخصي يجد ان صدام كان لا يرتاح للهدوء والاستقرار، وانه كان يعمد الى خلق أزمة تفضي الى مواجهة ومجابهة اذا شعر بأن الاستقرار سيطول زمنه..وهذه حاجة نفسية عصابية قسرية في شخصية المتحدي.(موجودة الآن في الواقع العراقي لدى بعض الحكّام).

2- نمط شخصية المتحمس.

 ومن اهم صفاته:الجرأة، النشاط والحيوية، عملي لكنه اندفاعي غير منظبط، يسيء استعمال مواهبه وقدراته ويستغلها بصورة سلبية، وصدام كان يمتلك من الجرأة والنشاط ما لا يوجد عند من هم بمنصبه وعمره.وهو اندفاعي ..فغزوه الكويت كان ناجما عن حالة انفعالية وما كانت عقلانية قطعا.

3.نمط الشخصية النرجسي.

 واهم صفاته:الميل لأخضاع الآخرين لأرائه، واعتقاده بأنه يمتلك قدرات استثنائية او خارقة، شعوره بالتميز عن الآخرين وأنه ارقى منهم ..وان عليهم ان ينفذوا اوامره..وكلها موجودة في شخصية صدام.

4.نمط شخصية السيكوباثي.

 وهذا يتصف بالسادية والعنف والقسوة مع الخصوم، ويعد ايقاع الأذى بالآخرين امرا مشروعا، ولهذا فأنه لا يشعر بتأنيب الضمير عندما يعذب خصومه او يصفيهم جسديا..وكلها متوافرة في شخصية صدام.

 فضلا عن حقيقة سيكولجية هي ان (مفهوم الذات) او معتقد الانسان بخصوص نفسه، يشكل الدافع الرئيس وراء سلوكه.وان هذا المعتقد يمكن ان يكون عقلانيا او وهما، وان الكثير من معتقدات صدام التي كان يؤمن بها هي في حقيقتها اوهاما..من قبيل توحيد البلدان العربية في دولة واحدة يسودها نظام اشتراكي مع انه ما استطاع تطبيقه في بلده!، ومعتقده بأنه افضل العرب لرئاسة دولة الأمة العربية الواحدة.

  الاستثناء في شخصية صدام ان صفات تلك الانماط الاربعة اجتمعت في تركيبته وشكّلت الركائز الاساسية في شخصيته.ولهذا فانه خلق في حينها اكثر من صورة ذهنية.فهو عند كثير من العرب وبعض العراقيين يمثل (شخصية المتحدي) التي تثير الاعجاب وتبرر له اخطاءه وحتى جرائمه.وهو عند معظم العراقيين يمثل شخصية (السيكوباثي)العنيف القاسي الذي لا توجد في قلبه رحمة تجاه خصومه، والنرجسي الأناني الذي احتكر الثروة لنفسه وانفقها في ترف سفيه..يأكل لحم الغزلان المطعم برائحة الهيل فيما شعبه أكل الخبز الأسود في زمن الحصار الذي كان هو سببه، وكأنه كان ساديا يتلذذ بعذاب ضحيته.

  كان جون نيكسون محاورا ذكيا مع صدام حسين..ذهب اليه وهو معبأ بكم من المعلومات عن احداث، وقائع،  لقاءات او احاديث تخص صدام، بعضها كان يفاجئه بها.وكانت له القدرة على ان يغير الأسئله تبعا لمزاج صدام، او ردود فعله.وكان ماكرا ايضا في اعادة السؤال بطريقة اخرى ليتحقق من صدقية اجابة صدام بما يخدم الجهة التي كلفته..وامتاز بمهارة التواصل في كسب ود صدام وحاجته النفسية لشخص يتحدث معه في سجنه الانفرادي. غير انه لم يقدم تحليلا سيكولوجيا لشخصية صدام بالقدر الذي اشيع عنه في الصحافة، ولم يكن متعمقا في تحليل تنشئته الأسرية والحزبية وانعكاستها في قراراته حين اصبح حاكما. ومع ذلك فان الكتاب قد يحقق رواجا حين يترجم الى العربية، لا لما فيه من معلومات معظمها معروفة للعراقيين، بل لأنه صادر من الـ(CIA) عن شخص وصف بأنه كان الأخطر في العالم!.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

كتاب "الأمير عبد القادر" للألماني برهان كارل بيرنت، ترجمة الأستاذ أبو العيد دودو، دار هومة، الجزائر، الطبعة 2012، من 238 صفحة.

تحدث الكاتب الألماني عن 5 سنوات قضاها خارج ألمانيا و ثلاث بالجزائر إبان بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر من سنة 1835 إلى سنة 1839 تاريخ فراره من الجزائر إلى الفرنسيين. وصف الأميرعبد القادر من عدة زوايا وهي التي سنركز عليها، وعادات وتقاليد الجزائريين بدقة متناهية من حيث السلبيات والإيجابيات، وهي..

أولا: الأمير عبدالقادر.. يرى أن الطاعون كان من وراء الأسباب التي دفعت الأمير لعدم اقتحام الجزائر العاصمة. واستطاع الأمير أن يضع حدا للنزاعات بين القبائل في المناطق التي كان يسيّرها. وصف الأمير عبد القادر صفحة 50، فقال: تميز منذ صغره بذكائه وشجاعته، واستطاع أن يخضع لسلطانه جميع العرب، بالشدة حينا وباللين حينا آخر، من المدية إلى المغرب، وبعض القبائل انبهرت بقوته وشدة  ذكائه. و في صفحة 61، يتحدث الألماني حين قادوه إلى ولاية معسكر فأخبروه أن الأمير عبد القادر لا يقبل الأجانب في جيشه، ولا يقبل منهم سوى أصحاب الحرف. ويبدو من خلال القراءة أن الألماني تعرّف على الأمير عبد القادر إثر معركة المقطع التي انتصر فيها الأمير على المحتل الفرنسي، وهذه الملاحظة في غاية الأهمية أي أنه تعرف على الأمير وهو في تمام قوته وانتصاراته. وعن ثقة الجزائريين بالأمير عبد القادر، يقول في صفحة 65، كان الناس يعتقدون أن  إنهزام الأمير عبدالقادر أمر مستحيل. فرح الألماني بكون المحتلين الفرنسيين أحرقوا بيت الأمير في معسكر حين إقتحموها. ويقول عن الأمير بأنه كانت له زوجة واحدة. ووصف حالة الإضطراب التي عاشها الأمير وجيشه ومن معه على إثر إحراق المحتل الفرنسي لمعسكر واحتلال تلمسان. ويتحدث الألماني عن كونه أصبح مترجم للأمير عبد القادر ومعدا لرسائله وقراءتها التي توجه للفرنسيين، والتي عثر على بعضها في جيوب بعض الجنود الفرنسيين المحتلين الذين تم إلقاء القبض عليهم أو قتلهم في المعارك.  وخيمة الأمير كانت صغيرة متواضعة.

وصف الأمير عبد القادر في صفحة 69 فقال: ولم يكن لباسه فيه أي أثر للذهب والفضة. والأمير رجل شاب، في حوالي الثلاثين أو الواحدة والثلاثين من عمره، وهو قصير القامة، رشيق الجسم، أبيض اللون، يرتسم النبل والحلم على ملامح وجهه، وكانت عيناه ذات لون أزرق رمادي، ولكنهما برّاقتان، ولحية سوداء  منتظمة، وأسنانه ناصعة البياض، وكان صوته عميقا، وكانت به نعومة ورقة، وكان يحمل ووشما صغيرا فوق جبينه وخده الأيمن ويده اليمنى. ووصفه في صفحتي 73-74 فقال: لقد جمع الأمير عبد القادر بين الدهاء العربي والشجاعة الحربية والطموح، ولكنه كان يتسم بالحلم والعدل على قدر ما تسمح به مواقفه وتطلعاته. وهو يعيش من الوجهة الدينية حياة ورعة، متمسكا بالعادات والشرائع الظاهرية، ويؤكد سلوكه في كل مناسبة مدى تسامحه وخلوه التام من الأحكام المسبقة على من يخالفه في الرأي. وهو متمكن من الكتابة العربية واللغة العربية، ومتمكن من الأدب العربي، ويخصص أوقات راحته لقراءة الأدباء والشعراء العرب، ويعرف تاريخ الخلفاء، وكان يشعر في نفسه، على ما يظهر، القدرة على أن يعيد الهلال ما كان له من غلبة وعظمة. ويتمسك في أسلوب حياته بالعادات المتبعة، بل هو يعيش أكثر بساطة وتواضعا من معيشة معظم العرب، لا يرتدي أبدا ألبسة مذهبة أو مفضفضة، إلا فوق أسلحته وجياده. وللمرة الثانية يعجب بكون الأمير ليس له سوى امرأة واحدة. ولم  يكن هناك في الواقع ما يشغل قلبه غير حبه للمجد وتطلعه للأعمال البطولية، يضاف إلى ذلك حلمه ولطفه، ولذلك لم يكن من المستغرب أن يحبه شعبه ويحترمه أعداؤه من المسلمين والمسيحيين على حد سواء.

وفي صفحة 76 يتحدث عن رفض الأتراك تقديم حصن  المشور للأمير ليتخذها مقرا لجيشه، وفي المقابل سلموه طواعية للفرنسي المحتل سنة 1836، ما يدل على خيانة الأتراك، وفي نظر الأتراك لايليق بالتركي أن يحكمهم العربي. ويتحدث في صفحة 78 عن معركة المقطع التي انتصر فيها الأمير عبد القادر بثلاثين ألف رجل ضد الجنرال المحتل تريزيل بثلاثة آلاف محتل قادما من وهران. وتحدث فيما بعد عن هزيمة الأمير عبد  القادر في معركة سيدي امبارك فنتج عن ذلك استيلاء المستدمر الفرنسي على معسكر.

ويقول في صفحة 80-81: كان الأمير عبد القادر يرغب في السلام، غير أنه لم يكن يريد أن يكون أول من يطلب ذلك. ويتحدث عن قلة عدد جيش الأمير بسبب المعارك وحالات الفرار على حد سواء، فأصبح في وضع يدعو إلى  الشفقة. ويخاطب الأمير بلقب سيدي ومولانا، وينتقده حين يستلزم النقد دون جرح ولا  قداسة. وفي صفحة 88-89 يتحدث عن فرار بعض الجند من جيش الأمير بسبب بعدهم عن بيوتهم، وكذا إنسحاب بعض القبائل وتركه وحيدا إلا من بعض القبائل العربية يواجه المحتل  الفرنسي لوحده. وقال في صفحة 100 أن الأمير عبد القادر لم يتلق من ملك المغرب غير التأكيدات الأخوية، والإعراب له عن عجزه عن تقديم أية مساعدة تتعدى الدعوات الصادقة. وتطرق الكاتب الألماني في صفحة 125 إلى خيانة باي مستغانم إبراهيم بوشناق وبعض القبائل المتعاونة مع المحتل الفرنسي ويرى بأنهم استمدوا تلك الجرأة من تسامح السلطان وضعفه  الواضح. وتحدث في صفحات 128-130 عن أن الأمير عبد  القادر لم يكن صديقا لأحمد باي، ويكره فيه السلطة التركية ورغم ذلك فرح وأمر بإقامة الحفلات إبتهاجا بهزيمة الفرنسيين المحتلين والمحاولين إحتلال قسنطينة أثناء المرة الأولى. ويرى أن الفرنسيين أقاموا معاهدة مع الأمير ويبدو أنها معاهدة التافنة ليتفرغوا لاحتلال قسنطينة بأي ثمن، ولذلك لبوا كل مطالب الأمير حسب الألماني، ويكفي أنهم طالب بكل السرى ولم يطالبوا بأسراهم. ويرى في صفحة 141أن المعاهدة الثانية وهي معاهدة التافنة كانت أشد ضررا على المحتل الفرنسي من أي معركة أخرى.

وصف الأمير عبد القادر في صفحة 142 بـالأمير الداهية ووصف المجتمع الجزائري الذي أكرمه واستضافه وقدم له الخيول الجميلة التي لم يحلم بها بالشعب المتعود على العنصرية والتعصب الديني. ويختم الفصل الرابع عشر بضرورة إحتلال الجزائر والاستمرار في احتلالها، ويطالب بالقضاء على الأمير عبد القادر ويحذر من التنازل له كما حدث في  معاهدة التافنة التي ساعدته في الخروج من الحصار المفروض عليه من قبل ومكنته من الاستيلاء على تلمسان، ومعسكر، ومليانة، والمدية. مع العلم الأمير أحسن إليه، واعترف أن الحياة مع الأمير أفضل بكثير من العيش في الفرقة الأجنبية التابعة للجيش الفرنسي المحتل. ويقول في الفصل السادس عشر 149-156، أن الملك فيليب هو الذي وقع معاهدة التافنة مع الأمير، لأن الأمير عبد القادر رفض أن يوقع المعاهدة مع أيّ جنرال. ويتحدث عن أن الأغنياء من الأتراك والكراغلة إنضموا جميعا للمحتل الفرنسي ضد الأمير عبد القادر.

ويقول عن نفسه في الفصل السابع عشر157-168، أنه يتقن اللغة العربية، والألمانية، والإسبانية،  والإيطالية. وتحدث عن التبذير الذي يحدث في الأعراس العربية. وفيما يخص الفصل الثامن عشر 168-174، تأسف الألماني لكون فرنسا تركت الحصون للأميرعبد القادر، وأنه رفض التنازل لفرنسيين عن مطالبهم معتمدا على بنود معاهدة التافنة. وتحدث عن كون بعض الفرنسيين حاولوا تقليد الألمان في الفرار من الجيش الفرنسي المحتل والالتحاق بالأمير عبد القادر لينالوا الحصان الجميل القوي، ولباس ذا جودة، ووظيفة سامية، وحسن معاملة من الأمير.  

ثانيا: المجتمع الجزائري..وصف الفرقة الأجنبية التابعة للجيش الفرنسي المحتل للجزائر في صفحة 26  بحثالات أوربا بأسرها، وأبدى فرحا شديدا حين علم أنهم سيحتلون البليدة. ظل يصف الحصان العربي بالجميل والقوي وبأن سرعة الجياد العربية تشبه سرعة الرياح. ويعترف أن الجزائريين الذين ألقوا عليه القبض أحسنوا إليه، وظل يتفاخر بحسن معاملتهم على الغربيين الذين كانوا ضمن الفرقة الأجنبية، وكان يقول أن طعامنا أحيانا كان أفضل مما يقدم للخليفة. تحدث بشكل كبير عن جمال المرأة الجزائرية وأعجب بجمالها أيما إعجاب وظل يصفه وهو يفر من الجزائر للمرة الثالثة، وتحدث عنها وهي تلبس "ملاية كبيرة بيضاء". يتحدث عن شرب الجزائريين للقهوة بشكل ملفت للنظر حتى أنه سماه بـ "المشروب المحبوب"، ما يدل أن ولع الجزائري بالقهوة خاصة السوداء منها عادة جزائرية وليست من آثار الاستدمار الفرنسي كما يقال ويكتب. قال عن الجزائريين بأنهم لايدخنون ويرفضون ذلك في مجالسهم عكس الأتراك. تحدث عن زملاء ألمان وفرنسيين فروا من الفرقة الأجنبية والتحقوا بالجزائريين لحسن معاملتهم لهم. تحدث عن ظلم الأتراك للجزائريين وكيف أنهم منعوهم من التنقل وحمل السلاح بل لم يكونوا يسمحون لهم بحمل السكين، وأرهقوا كاهلهم بالضرائب. وصف العربي في صفحة 50، فقال: العربي شجاع أيضا ومضياف، ولكنه سارق ومكار. ولغته لغة عربية واضحة، ولكنها ليست لغة القرآن، بل هي لهجة دارجة، كما أنه لم يبق شيء من تلك المروءة القديمة. ويقول في صفحة 72 أن الأتراك يعاملون الجزائريين معاملة احتقار وعبيد، لذلك حاربهم الجزائريون ومنهم من التحق بالفرنسي المستدمر نكاية في ظلم  الأتراك. وفي الفصل التاسع 107-114 وهو يتحدث عن فراره من الجزائر ومن الأمير عبدالقادر الذي أحسن إليه وأكرمه أيما إكرام، وراح يصف كرم الجزائريين الذين  أحسنوا إليه وزملائه رغم قلة الشيء ودون مقابل. وفي صفحتي 110 و195 تحدث عن الأسود في الجزائر، ما يدل على أن الجزائر إلى عهد قريب كانت تزخر بمختلف أنواع الحيوانات النادرة. وفي آخر الكتاب أفرد فصلا "يحتوي على شروح للعادات والتقاليد والتعابير اللغوية وغير ذلك"، عبر صفحات 203-238، شرح من خلاله بعض العادات الجزائرية والعقيدة الإسلامية كما رآها، وسلوكات الجزائريين كما عايشها عبر المقاهي والحمامات، وبعض العبارات الخاصة، وكذا قاموس مفردات من الألف إلى الياء يشرح فيه الكلمة العربية كما ينطقها الجزائري بالعامية، وكم كنت أتمنى من المترجم أبو العيد دودو، أن لا ينقل  بعض الكلمات بعامية مسيئة للسمع والنظر.

 

معمر حبار

 

 

 

 

صدر حديثا بالسويد للكاتبة بلقيس الربيعي كتاب بعنوان: اللؤلؤ المسحور، وهو قصة للأطفال مصورة بالألوان من 35 صفحة من القطع المتوسط. نفذت رسومها الجميلة الفنانة اليمنية جميلة عزاني. وتجدر الإشارة إلى أن كتابها هذا هو الخامس في سلسة إصداراتها، وكان آخر إصدار لها مجموعة قصصية بعنوان " طيف الغائب " صدر سنة 2016.

والقصة موجهة للأطفال الصغار تحبب لهم فعل الخير وتحثهم على التمسك بمكارم الأخلاق. فهي قصة استخدمت فيها الكاتبة لغة سهلة رقيقة، مما يجعلها تنضوي تحت ما يسمى بالسهل الممتنع. تحكي قصة فتاتين تعاملها أمهما معاملة مختلفة، فهي تحب البنت الكسولة والأنانية التي تقضي معظم وقتها في النوم. بينما لا تحب ابنتها الثانية المهذبة والطيبة والتي تساعد أمها في أعمال البيت وتحب مساعدة الآخرين.

ولهذا تنحى القصة نحو كيف أن عمل الخير يثمر، بينما عمل الكسل والبغضاء لا يثمر، وبهذا تؤسس الكاتبة إلى قصص تخاطب الأطفال بما يتناسب مع أعمارهم. فالقصة رائعة في ثيمتها رغم بساطتها، وهادفة في ذات الوقت. وجاءت الصور معبرة عن القصة بما حوته من جمالية وألوان زاهية، بحيث تجعل الأطفال يتعلقون بها من أول وهلة.

والكتابة للأطفال من أصعب أنواع الكتابة الأدبية، لأنه يتحتم على الكاتب مخاطبة الطفل حسب قدراته الذهنية والعقلية، ومدى استيعابه للغة الكاتب، كما إنها في ذات الوقت موجهة في الغالب ليدرك مقاصدها الكبار، يقول هانس كريستيان أندرسون أشهر كاتب قصص الأطفال، وكاتب قصة حورية البحر التي نتج عنها تمثال حورية البحر في مدخل ميناء كوبنهاجن والذي يزوره عشرات الآلاف من السياح سنويا وبات رمزا للدنمارك، يقول:" حكاياتي الخرافية هي للكبار كما هي للصغار في الوقت نفسه، إذ الصغار يفهمون السطحي منها، بينما الناضجون يتعرفون على مقاصدها ويدركون فحواها. "

إن قصة " اللؤلؤ المسحور " قصة تستحق الإشادة بها، خاصة وأنها مصورة وطبعت باللغتين العربية والسويدية، مما يتيح لها الانتشار الأوسع في بيئتين، الأولى بيئة الكاتبة باللغة العربية حيث جذورها من العراق، والثانية في موطنها الثاني ومكان إقامتها في السويد، وهنا لا يسعنا إلا أن نبارك للكاتبة إنجازها الحديث في 2017 .

 

كريم السماوي

صدر مؤخراً عن المركز الثقافي العراقي في مدينة الحلة الذي يديره الشاعر ولاء الصوّاف وبالتعاون مع مطابع دمشق بسوريا كتاب جديد للكاتب أحمد الحلي بعنوان (عطر الأمكنة أو ريشة الهدهد، مرويات في سيرة المهمّشين والمنسيين )، وهو كتاب طريف فريد في بابه، حيث تناول الكاتب بطريقة السرد الروائي المشوّق سيرة عدد كبير من شخصيات قاع المدينة من بائعي العربات والمدمنين من الشعراء والأدباء وسواهم وحتى المجانين ممن ترتبط بسيرهم حكايات وثيمات يمكن أن تُحكى، ولم يقف المؤلف عند هذا الحد بل امتدت سرده ليتناول تجربة الحياة في الجبهات القتالية إبّان الحرب العراقية الإيرانية عاكساً لنا حكايات عدد من الجنود وعلاقتهم الملتبسة بضباطهم .

غطى الكتاب لمجريات أحداث معينة عايشها العراقيون ووثق لبعض الأمكنة ولاسيما المقهى الشهير باسم (مقهى أبو سراج) الذي شهد محاورات ومواقف متعددة بعضها سياسي والآخر اجتماعي وثقافي، خاصة إذا علمنا أن النظام البائد اختار ساحته في مرحلة التسعينيات لتنفيذ جريمة قطع ألسنة عدد من شبان المدينة على يد ما سمي بـفدائيي صدام .

زينت الغلاف لوحة فنية جميلة وموحية للفنان العراقي المغترب صدر الدين أمين .

صدر الكتاب بواقع 294 صفحة من القطع المتوسط

 

حسنين قاسم

 

صدر حديثا عن دار مرسم بالمغرب للشاعر نزار كربوط مجموعته الشعرية الرابعة بعنوان "أهب وجهي للفوضى".  هي لحظة شعرية مكتنزة بعد ديوانه الثالث "سقف من فراشات" الذي ترجم الى الفرنسية وصدر بباريس. الديوان قيد النظر، يتكون من قصائد عديدة، لكنها متفرعة كشجرة أنساب. في هذا العمل الشعري الجديد اشتغل الشاعر بوعي يحمل بين ثناياه ثقل القصيدة المعاصرة بكل ما فيها من تلوينات، كما تناول تيمة الوجه كعمود فقري ترتكز إليه جل القصائد وتلتحم في ما بينها لتطرح القارئ أمام عمل شعري جديد يرسم مسيرة الشاعر نزار بخطوط عريضة وثابتة. "أهب وجهي للفوضى" هو عنوان يطرح مجموعة من الأسئلة الوجودية ويحيلنا على تركيب مجازي عميق يجعل من الوجه مختبرا للفوضى الخلاقة وأداة للتعبير عن شعرية الوجه الإنساني.

يقول الشاعر والناقد فوزي عبد الغني:

" بالأخص ما يتعلق بالذات وتمظهرها، واللغة وشعرية التكثيف، إضافة للبعدين السردي والأوتوبيوغرافي. لا بد من التنصيص، على أن هذه الملامح والممكنات الجمالية حضرت في منجزه الشعري السابق بنسب متفاوتة الحضور والصياغة. لكن أراها الآن تمددت وبدأت تتشعب على ضوء تعدد المقروء وامتداد التجربة وقوة المشاهدة والتأمل، الشيء الذي جعلنا أمام نص مركب يرقصك عبر طبقات من التشكيل الجمالي والتخييلي. لهذا فعناصر الإضافة بادية في الاشتغال الدؤوب لهذا الشاعر الذي يعمق الصلة دوما بالحياة والشعر."

من الديوان نقرأ:

سِيُورَانْ

كَمَا عَوَّدَتْنِي أَزِقَّةُ مُونْمَارت 

صِرْتُ أُلاَحِقُ ظِلاَلَ

كُلّ من عَبَر جِسْرَ الجَمِيلاَتِ

وَفِي وَجْهِهِ زِلْزَال مِنَ النَّبِيذِ  

أَنْظُرُ

إِلَى طَيْفِ سِيُورَانْ

وَهُوَ يُزْعِجُ النَّائِمِينَ

أولائك الذِينَ يَرْسُمُونَ أَشْجَارَ اللَّوْز

عَلَى شَاشَة الهَاتِفِ النَّقال

وَيَتَبادَلُون اللَّيْكَات

في مُسْتَشْفَى المَجَانِين

 

صِرْتُ أَشْحَن قَلْبِي فِي مَحَلَّاتِ لُعَبِ الأَطْفَال

تَقْذِفُني ابْتِسَامة عَابِرَةٌ لَم تَكُن لِي

وَتُرَوِضُنِي قِطْعة سُكر عَلَى الانْحِنَاء

أَمَامَ عَسَلِ السَّيِّدَات

صِرت أَقْرَأُ الأَلْوَانَ بِفَمِي

أَتَذَوَّقُ

حَلْوَى النُّورْمَانْدِي بِفَمِي

وَأَكْتُبُ وَجْهِي

بِفَم لَيْس لِي.

 

 

 

صدرت حديثاً المجموعة الشعرية "شذرات ثلاثية الأبعاد" للشاعر المغربي بن يونس ماجن عن "منشورات ألوان عربية " بالسويد. وقد ضمت المجموعة 26 قصيدة توزعت على 124 صفحة من الحجم المتوسط.

قصائد بن يونس ماجن في هذه المجموعة لا تتعرى بل تتجرد، وهي لا تأبه بالتفاصيل لأن الكتابة الشذرية لا تتحمل سيل التفاصيل لو تدفق، وبذلك هي تتجنب أن تفقد إحساسها بالومضة الصاعدة إلى رقي حضورها لتبتني في القصيدة توهجها وهي تكشف عن عوالمها الحميمية الذاهبة في كل الاتجاهات الوجودية.

ولئن التعقيد بات سمة هذا الوجود، فأن قصيدة ماجن تحلل وتفكك الأبعاد المستعصية وتجعلها هينة ليّنة في إعادة الاعتبار لوظيفة القصيدة التي تضع الشعر عند ذائقته الجمالية.

لا تخفى عناية الشاعر بالتصوير، وأكثر دقة بالتصوير الثلاثي الأبعاد، حيث تحتل ذائقة الشاعر ورؤاه الجمالية مكان تقنيات العدسة، ليضعنا أمام مشهدية بالغة الدقة في دلالاتها التعبيرية، وزاخرة بالفتنة التي لا تخطئها عين أو إحساس يتلمس البلاغة في تكسير المألوف وصولا إلى ما هو فوق الواقع الذي يجعل الدهشة تتألق بقدر حيوي في القصيدة.

يستفيد الشاعر ماجن من قصيدة الهايكو اليابانية ويوظفها كشكل ويحافظ على هيئتها، ولكنه يحشد بها كل خصوصيات البيئة العربية. وحين يتوغل الشاعر بالمتجسد العربي يستحضر كل الهموم والتحديات التي تشغل الأنسان العربي، لتصبح القصيدة على يد الشاعر علامة مميزة تصبغ عمله الذي يحاول حفر طريقه بعيداً عن التأثر بتجارب الآخرين. فللشاعر ماجن بصمته في إنتاج قصيدة حيوية ومتفاعلة في قلب الحداثة التي ما عادت تتوقف عند حدود.

إنها شذرات مصفّاة ومكثفة، قالت وأسمعت، فوصلت شذية ورقراقة في قوالب شعرية تعرف الطريق إلى البهاء، وتعرف كيف تتغلغل في النفس ريحاناً حين النفس تود بشغف الخروج إلى إلفتها وطبيعتها المتجددة.

والجدير ذكره إن هذا الديوان هو المجموعة الخامسة عشر في مسيرة الشاعر الطويلة التي ابتدأت منذ عام 1988 مع صدور ديوانه الأول "أناشيد للضباب". بالإضافة إلى ديوانين باللغة الفرنسية وديوان باللغة الإنكليزية.    

لقد قرأت بتمعن وشغف كتاب د. عبد الجبار الرفاعي" الدين والظمأ الانطولوجي" ط2، والذي صدر عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد 2017. بدأت بقراءة مقدمته، لكني لم أتمكن من التوقف، فانجذبت الى قراءة الكتاب بالكامل. انه سفرٌ مشوق يحمل بين طياته قلباً وجدانياً مفعماً بالحب والايمان، وفكراً ناضجاً عميقاً، نيراً وصادقًا. كلماته تعبر عن ذاته لذاته وللآخرين. إنها خبرة حياة وأيمان بكل معنى الكلمة، وليست اجتراراً للسلف، ولا ترديداً لطقوس جامدة، ولا تدينا زائفًا.

كتاب أتمنى أن يقرأه كل رجل دين مسلم ومسيحي، وكل أنسان مؤمن، لأنه في النهاية باعتقادي، سيقوده إلى أن يعبد الله "بالروح والحق"، كما يقول السيد المسيح (إنجيل يوحنا 4/13). لأن من يقرأه سيزداد معرفة وتنويراً وحقاً وحباً لله...

  أقول ومن دون مجاملة وجدت الكتاب سفراً غير معتاد من مسلم، يتحدى الجمود  "الاكليروساني- الاسلامي" عن معرفة وخبر،  فجاء مبدعاً ومحركاً. عبد الجبار الرفاعي "ابن الحوزة العلمية"، يتكلم عن خبرة ذاتية، وعن علاقة شخصية بالله، ويتكلم عنه بمنطق الايمان وليس بأسلوب فلسفي -  ميتافيزيقي، أو بكلام الصالونات، أو باجترار للسلف، بلا تاريخ، "عود أبدي" كما يسميه عندما يروي سيرته الشخصية في الفصل المخصص عن سيرته والمعنون "نسيان الإنسان"  ص 35-90. استمتعت جداً جداً بسيرته الذاتية، والتي أتمنى أن تتحول إلى فلم أو مسلسل يعلّم الجيل الجديد كيف يكون عصامياً بجهد شخصي"بعرق الجبين"، وليس بطريقة أخرى سهلة!

 الكاتب لا يريد أن يعيش على الحدود، ويرفض البكاء على الأطلال، أو التغني بالأمجاد كما يفعل العرب عموما، بل يريد الإبحار إلى العمق إلى الجوهر ليكشف ما فيه من جديد الله في جديد الإنسان، وجديد الزمن، كما يروي في الفصل المخصص عن سيرته.

ما يشدّ في الكتاب أنه يحكي ببساطة عن خبرة حياة ايمانية، عن انسان يقيم علاقة شخصية معمقة مع الله فيتكلم بشجاعة الأنبياء عن أن الإيمان ثورة حب، ووجدان، وغفران، وروح وليس ممارسات جوفاء ( ص  74.. الخ).  يتكلم عن إنسانية الدين ويعطي الطمأنينة والأمان. يتكلم عن خبرات الإنسان، وتساؤلاته، وأوجاعه، وقلقه، وأحزانه، وأفراحه الصغيرة، وآماله الكبيرة، وخيباته، وإمكاناته، وطاقاته التي من خلالها يظهر الانسان بكل جماله.

القيامة في الحياة والحياة في القيامة.لأن الحياة مشوار الى القيامة. ومن ليس قائما منذ اليوم، لا يقوم إلى الأبد! القيامة هي الحياة الحقة التي لا تولد، بل تبدع كما سطرت. الإيمان (وليس التدين)، الفكر، الحب، خدمة الإنسان هي الخلود.

 انه يتواصل مع البدايات الممتازة، مع الينابيع الأصيلة من أجل "الأصالة والمعاصرة"، والا تتخشب المعطيات ولا تقول شيئاً ذا معنى لإنسان اليوم كما فعل المسيح مع" الفريسيين، علماء الشريعة والذين سماهم:"القبور المكلسة" (متى  23/27).

يشدد الرفاعي على أهمية الدراسة المقارنة للأديان، التي يتجلى فيها الجوهر الروحاني العميق لها، فيكتب: "الدراسة المقارنة للأديان والفرق والمذاهب ضرورة تفرضها النزاعات الدينية في مجتمعاتنا. المنهج العلمي في دراسة أية ديانة لا يصح إلاّ بالعودة إلى نصوصها المقدسة، ومدوناتها الحافة بهذه النصوص. مالم يتسع حقل مقارنة الاديان والفرق والمذاهب بين الدارسين والباحثين في المعارف الدينية، لا يمكن تصويب سوء الفهم والأحكام المسبقة، وحذف الكثير من الاخطاء المتراكمة في فهم اتباع ديانة أو مذهب لمقولات اتباع ديانة أو مذهب أخر. سوء الفهم والأحكام المسبقة تتوالد منها أحكام أحادية اقصائية حيال الآخر، وتتحول إلى منبع تستقى منه حالات التعالي، وازدراء الآخر، واحتقار ديانته وتراثه. وسيجد الباحث عبر المقارنة الموضوعية للأديان انها تنشد تكريس واثراء الجوهر الروحاني للانسان".

  وفي الحوار الذي أُجري معه في الصفحات (175- 216 ) والذي عنونه: "لا خلاص للدين إلاّ بالخلاص من أدلجة الدين وإعادته الى وظيفته في إرواء الظمأ للمقدس"، يجيب الرفاعي عن الأسئلة العظمى للدين: "معنى الوجود والخلود والاخلاق والطقوس والقوانين ...".  ويسعى بشجاعة لتحديث التفكير الديني في الإسلام وخطابه، ولربما هنا جواب غير مباشر على من يفكر بلا منطقية الدين، أو يخطف للتحريض على الإكراه والقتل والدمار.

الدين خلق وإبداع وليس جمود وتحنيط، سفر دائم الى الآفاق البعيدة، لاكتشاف معنى الأحداث والأشياء، وإيجاد أبجدية جديدة تنطق وتشحن وتحرك وتغير. الدين يدعو الى تخطي  ثقافة الكلمات الى ثقافة  المعاني.

كتاب عبدالجبار الرفاعي يتكلم عن عبور متواصل، قادر على الحضور في زماننا، من خلال تجدد  يومي في الحياة، واحتفاء دائم بسر الوجود، وصلة حية بالله. كي نولد في قلب الله... أليس هذا هو الايمان؟

لا يدعو للحب باسلوب مبسط، وانما يحاول أن يتعمق في تفسيره، ليشرح جذوة الحب الملهمة، بوصفه حالة تحققها الذات وتتحقق بها، ويكشف عن شيء من طبائع الشخصية البشرية. يكتب الرفاعي: "الانسان كائن مسكون بطلب الحب. الحب من أصعب اختبارات المرء في الأرض، وأغناها عطاء. حب الناس من أشق المهمات في حياة الانسان، ذلك أن الكائن البشري كثيراً ما يتعذر عليه أن يحب غيرَه. الحب لا يُتخذ كقرار، وانما هو حالة تتحقق وتوجد في الذات، وتتحقق وتوجد بها الذات في طور أجمل. الحب لا يُمتلَك إلاّ بعد تربية طويلة، وتزود بخبرات الشفاء من الكراهيات الغاطسة في الذات، ومقدرة الانسان على مراجعة سلوكه مع غيره وكيفية تعامله مع الناس، وشجاعة نقد وتقويم الذات، وبصيرة تمكنه من اختبار سلوكه مع الناس بمقارنته بما ينفره من مواقفهم معه، فكل ما يزعجه منهم يزعجهم أيضاً لو صدر منه. الانسان أعمى عن أخطائه، لأنها مألوفة لديه، ولفرط تكرارها أضحى مدمناً عليها بشكل يمنعه من رؤيتها أخطاء، وعادة فإن ما يصبح مألوفاً في حياته يتعذر عليه أن يراه قبيحاً. الانسان ليس كائناً آلياً، بل هو بطبيعته أسير ضعفه البشري، لذلك لا تجف منابع الغيرة في أحاسيسه، ولا تموت نزعات الشر في أعماقه، ولا يكف عن الصراع مع غيره، ولا يتوانى عن اللجوء للعنف مع خصومه. تلتقي في نفس الانسان الكثير من الدوافع والرغبات المتضادة، المنبعثة من مكبوتات متنوعة مترسبة في ذاته".

أتمنى أن يقرأ هذا الكتاب كل رجل دين مسلم ومسيحي، حتى تكون له شجاعة الأنبياء في تبليغ الناس رسالة الايمان، وليس الغلاف الذي ينسى  الانسان. هذا الكتاب صرخة موجعة أمام الواقع المرير، انه نداء يتوجه إلى ضمير كل مؤمن مسلم ومسيحي. ويتمنى هو، وأتمنى أنا أيضاً: أن يجد صدى ما في حياتنا.

 أتمنى ألا يستمر صوت د. الرفاعي وحده حتى النهاية، بل أترقب أن يكوّن حوله مدرسة من طلاب فكر وإيمان ونور ومحبة وخير، فيعيد  الى الدين جوهره وصفاءه ممن خطفوه وشوهوه!

 

المطران الدكتور لويس ساكو

د. لويس ساكو - بطريرك الكلدان الكاثوليك

.............................

مار لويس روفائيل الأول ساكو، بطريرك الكلدان الكاثوليك منذ شباط 2013. حصل على شهادة الدكتوراه من الجامعة البابوية في روما عام 1983، وماجستير في الفقه الإسلامي سنة 1984، كما حاز لاحقا على شهادة دكتوراه من جامعة السوربورن سنة 1986.

 ألف ونشر ما يزيد عن 200 مقالاً، و20 كتاباً في مجالات اللاهوت والدين..

 

 

يتيح لنا كتاب (علم الكلام الجديد.. مدخل لدراسة اللاهوت الجديد وجدل العلم والدِّين)، الذي أعدَّه وحرَّره الباحث والمفكر العراقي عبدالجبار الرفاعي، بمشاركة عدد من الباحثين والمفكِّرين العرب والأجانب، ضمن الجزء الثالث من موسوعة فلسفة الدِّين، التي تصدر عن مركز دراسات فلسفة الدِّين في بغداد، وتطبعها وتوزعها دار التنوير للطباعة والنشر في بيروت والقاهرة وتونس، الوقوف على نشأته، بداية من خلال مُفتتح الكتاب (تمهيد لدراسة علم الكلام الجديد) للرفاعي نفسه، بالإطلالة التاريخية التي قدَّمها باتفاق الدارسين - عودة إلى أحد الهوامش في التمهيد - ومن بينهم جوزيف فان إس في مقالته (نشأة علم الكلام عند المسلمين) التي نشرها العام 1933، وطبعت كملحق في كتاب (مدخل لدراسة الفلسفة الإسلامية) لمحمد علي أبوريّان وعباس سليمان، باعتقاد فان إس أن أول المصنفات في علم الكلام ظهرت نحو سنة 70 للهجرة، بالرسالة التي وضعها الحسن بن محمد بن الحنفية، المتوفى سنة 100 للهجرة، رداً على القدرية. في المفاصل التاريخية لنشأة علم الكلام، يأخذنا الرفاعي إلى (مرحلة تمدد الإسلام خارج الجزيرة العربية، والتنوع الذي حدث له واستيعابه لمجتمعات وأثنيات، بدءاً من بلاد الشام مروراً بالعراق وإيران وليس انتهاء بآسيا الوسطى وحدود الصين، ومصر وشمال إفريقيا حتى الأندلس، وما واجهه المسلمون من جملة الآراء «وما تمخّض عن احتكاكها بعقيدة التوحيد ومواقف المسلمين، فأصغى المسلمون القادمون من شبه الجزيرة العربية إلى أسئلة وإشكالات لم يسمعوا بها من قبل مثل: حقيقة الإيمان، ومنزلة صاحب الكبيرة، والقضاء والقدر، وطبيعة الصفات الإلهية)، الأمر الذي أوجد جملة من المفاهيم في سياق الجدل العقائدي، تصوغ رؤى مختلفة حيال تلك الاستفهامات والإشكالات.

يأخذنا الرفاعي في تمهيده مطولاً إلى الجوانب التاريخية التي بدأ فيها تشكل ملامح علم الكلام، الذي أصبح (واحداً من السمات المعرفية الخاصة بالحضارة الإسلامية)، وما حدث من انخراط قطاع كبير من العلماء المسلمين في دراسته والتأليف فيه، وذلك منذ نهاية القرن الهجري الأول.

 

مناهضة علم الكلام... البدعة

وعن مدلول تسمية (علم الكلام) وتاريخ استعمالها، يورد الرفاعي ثمانية أسباب لتلك التسمية، منها: لأن عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا وكذا. ولأن مسألة الكلام كانت أشهر مباحثه، وأكثر نزاعاً وجدالاً، حتى إن بعض المتغلّبة قتل كثيراً من أهل الحق لعدم قولهم بخلق القرآن. ولأنه يورّث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم، كالمنطق للفلسفة. ولأنه أول ما يجب من العلوم التي تعلم وتتعلّم بالكلام، فأطلق عليه هذا الاسم لذلك، ثم خص به ولم يطلق على غيره تمييزاً له. ولأنه إنما يتحقق بالمباحثة وإدارة الكلام بين الجانبين، وغيره قد يتحقق بالتأمل ومطالعة الكتب. ولأنه أكثر العلوم خلافاً ونزاعاً، فيشتد افتقاره على الكلام مع المخالفين والرد عليهم. ولأنه لقوة أدلته كأنه هو الكلام دون ما عداه من العلوم، كما يقال للأقوى من الكلامين: هذا هو الكلام. وأخيراً لابتنائه على الأدلة القطعية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية، أشد العلوم تأثيراً في القلب وتغلغلاً فيه، فسمي الكلام المشتق من الكلم وهو الجرح.

في التمهيد عروج على المناهضة التي واجهت علم الكلام، منذ أيامه الأولى، وخصوصاً من بين رجال الحديث، في مقاومتهم لمحاولات تدبّر النصوص المتشابهة وتأويلها، والتهم التي تم سوقها ضد الذين يمارسون هذا اللون من التفكير، حتى راج في ذلك الوقت شعار (فُرّ من الكلام، في أي صورة يكون، كما تفر من الأسْد). من بين وجوه الأمة في تلك الفترة المبكرة يضعنا الرفاعي أمام مواقف كل من الأئمة: مالك، والشافعي، وابن حنبل، فالإمام مالك كان يحذر مما أسماه بدعة تعاطي التفكير والحديث في ذات الباري وصفاته، محذّراً بالقول: (إياكم والبدع، قيل يا أبا عبدالله وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان)، وكان يقول: (من طلب الدِّين بالكلام فقد تزندق).

 

القصور في التراث الكلامي

أما الإمام الشافعي فحكمه في أهل الكلام، أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك السنة وأخذ في الكلام.

أما الإمام أحمد فلم يبتعد عمن سبقوه في موقفه من (الكلام)، بل وأسرف في تكفير من يتعاطون في (الكلام)، فقد نقل عنه قوله: (لا يفلح صاحب كلام أبداً، ولا ترى أحداً ينظر في الكلام إلا وفي قلبه مرض)، وقوله (علماء الكلام زنادقة).

يشير الرفاعي إلى أبرز 11 بُعداً من القصور في التراث الكلامي، بغية اكتشاف مبررات تجاوز الكلام التقليدي، وإعادة بناء التفكير الكلامي في إطار استفهامات العصر ومعارفه، موجزاً إياها في الآتي: هيمنة المنطق الأرسطي باعتباره مسلمات أساسية في البحث الكلامي، مركزين على القياس الأرسطي وأشكاله كقوالب أساسية في الاستدلال على المقولات والمسائل والآراء. ظلت المقولات والمناهج السائدة والمتداولة في المنطق الأرسطي، منذ ترجمته، حتى اليوم، حقائق نهائية.

في ظل كل التحولات التي مر بها التعاطي مع المنطق الأرسطي، كانت بنية المجتمعات في تغير بيِّن، وكذلك الأمر في طرق التفكير، وبروز مشكلات وقضايا جديدة، أوجدت بالضرورة مفاهيم خاصة بها لتبيان حدودها وإشكالاتها وحلولها أيضاً. في ظل كل ذلك برز جدل مفاده أن أرسطو لم يفعل شيئاً سوى الكشف عن قوانين التفكير البشري الأبدية، والتي هي مشتركة بين كل البشر (بقطع النظر عن الزمان والمكان ونمط التمدن والثقافة والمعرفة والعلوم السائدة. لكن هذه الحجّة يكذّبها تاريخ المنطق ذاته، فإن الخبراء بتاريخ هذا الفن يعرفون أن للمنطق تاريخاً، مثلما لأي فن ومعرفة وعلم تاريخاً، بل أن للعقل تاريخاً، كما تقول الأبستمولوجيا).

وفي التدليل على ذلك يمكن النظر إلى أن المنطق الأرسطي انسحب بالتدريج من الحياة العقلية، وتبددت سطوته على الفلسفة منذ الأورغانون الجديد لفرنسيس بيكون، وكوجيتو رينيه ديكارت، مروراً بتنوير إيمانويل كانط، ومنطق هيغل.

 

نسيان الإنسان في الكلام القديم

هنالك النزعة التجريدية أو الفصام بين النظر والعمل، وعن هذا العامل يرجع الرفاعي سببه إلى أن إسراف المتكلمين في استعارة المنطق الأرسطي، وتوظيف مفاهيمه في صياغة علم الكلام فيما بعد، نجم عنه تشبّع التفكير الكلامي بمنهج هذا المنطق، فانحرفت وجهته، وراح يفتش عن عوالم ذهنية مجردة، بعيدة عن الواقع وتداعياته ومشكلاته (فتغلّبت بالتدريج النزعة التجريدية الذهنية على المنحى الواقعي في التفكير الكلامي، وتحول علم الكلام إلى مشاغل عقلية تتوغل في صناعة آراء ومفاهيم ومقولات لا علاقة لها بحركة الحياة وشجونها).

ولأن المساحة تحكم تناول الأبعاد الـ 11 جميعها بالتفصيل، نوردها مختصرة، كي يتسنى لنا استعراض بعض الأبحاث التي وردت في الكتاب. من بين تلك الأبعاد، تفريغ علم الكلام من مضمونه الاجتماعي، وتراجع دور العقل وشيوع التقليد في علم الكلام، نسيان الإنسان في الكلام القديم، ويشير الرفاعي هنا إلى أن المتكلمين لم يدرجوا في مؤلفاتهم بحثاً خاصاً بالإنسان، يتناول تأصيل موقف نظري يحدد موقع الإنسان في سلّم المخلوقات (أي منزلة الإنسان وقيمته بالنسبة إلى غيره، والهدف من وجوده، وحقوقه وحرياته، وطبيعة وظيفته، وأنماط حياته، وثقافته، وعيشه، وعلاقتهما بما يتشكّل لديه من رؤية للعالم، وما يرتبط بذلك من مسائل).

وهنالك التربية على الخوف وترسيخ نفسية العبيد، وترسيخ اللاهوت الصراطي، مبيّناً هنا أن كل فرقة من المتكلمين تحتكر صورة لله، بعد أن تنحتها في سياق مواقفها ومقولاتها الاعتقادية، وآفاق انتظارها، مع أن الله تعالى لا صورة له. الله صورة من يتصوره. ونسيان الروح والقلب والعاطفة الدينية، وافتقار علم الكلام القديم للمضمون الأخلاقي، والخلط بين النص المقدّس وقراءاته، واعتماد الكلام القديم على الطبيعيات الكلاسيكية، مستنداً على معطياتها كحقائق نهائية (بينما نسخت العلوم الطبيعية الحديثة معظم الآراء والفرضيات التي قامت عليها الطبيعيات بالأمس، وبرهنت الاكتشافات الحديثة لقوانين الطبيعة على أن الكثير من فرضيات تلك الطبيعيات وأفكارها أوهام محضة).

تناول تمهيد الكاتب والمفكر العراقي عبدالجبار الرفاعي، موضوعات على ارتباط وثيق بموضوعة علم الكلام الجديد، وجعل من ورقته تمهيداً للكتاب باعتبار أن تناولاته على متاخمة مع بقية الأبحاث والأوراق التي ضمَّها الإصدار. من بين تلك الموضوعات التي تناولها: إحياء علم الكلام، مبتدئاً بتوطئة تاريخية، مروراً بمفهوم تجديد علم الكلام، والذي حدَّده بعضهم بعدم اقتصاره على ضم مسائل جديدة فحسب، وإنما يتسع ليشمل التجديد في: المسائل، والهدف، والمناهج، والموضوع، واللغة، والمباني، والهندسة المعرفية. كما تناول التمهيد بدايات علم الكلام الجديد، والتي تتحدد في النصف الثاني للقرن التاسع عشر الميلادي حتى نهاية الربع الأول من القرن العشرين، حيث نشطت دعوات إحياء علم الكلام، مرجعاً ظهور مصطلح علم الكلام الجديد للمرة الأولى من خلال عنوان كتاب شبلي النعماني (1878-1914)، مع عدم الجزم بأن النعماني هو أول من نحت المصطلح.

 

الفلسفة وتجديد اللاهوت

تنقسم دراسة المفكر والأكاديمي اللبناني أديب صعب، والتي حملت عنوان (الفلسفة وتجديد اللاهوت)، إلى قسمين، في الأول، يطرح تحديداً لفلسفة الدِّين، وينظر في أهمية هذه الفلسفة للدِّين والإيمان، وينطلق القسم الثاني من هذا التحديد لمعالجة أثر الفلسفة عموماً، وفلسفة الدِّين خصوصاً في تجديد اللاهوت. الأسئلة التي يبدأ بها صعب دراسته تتْرى مع بروز عبارة (فلسفة الدِّين)، من قبيل: ما شأن الفلسفة بالدِّين، والدِّين بالفلسفة؟ أليست العلاقة التاريخية بين الاثنين علاقة تنافر ورفض؟ هنالك سؤال ليس على مبعدة من الأول: ما النفع الذي يمكن أن يجنيه الدِّين أو الفلسفة من فلسفة الدِّين؟

زهراء طاهر تترجم دراسة لميشيل بيترسون وآخرين، حملت عنوان (العلم والدِّين هل يتوافقان أم يختلفان)؟ الدراسة تنطلق من كتاب كوبرنيكوس، الذي وضع على قائمة الكتب المحظورة، وطلب الكنيسة من غاليليو التخلي عن موقفه من نظرية كوبرنيكوس، وما أبداه من شجاعة في الدفاع عنها. يظل غاليليو القضية التي تقود البحث باعتبارها مليئة بالمسائل المعقدة (سواء استخدام السلطة من قبل مؤسسة دينية، والممارسات الضاغطة والمجحفة من قبل العلماء المتبعين لنظريات بطليموس)، والعملية التي كان يتبعها اللاهوت في استقاء الحقائق العلمية من الكتاب المقدس، والتوتر الناشئ داخل حقل العلم بين المناهج الاستدلالية والاستقرائية، وافتقار غاليليو للأسلوب الدبلوماسي في نشر أفكاره).

يؤكد بيترسون أنه بتأمّل تاريخ البحث الإنساني، فإننا نجد أن جميع حقول البحث انبثقت فعلياً من الفلسفة. وبالعودة إلى قضية غاليليو، اعتبرت ولفترة طويلة رمزاً للتصادم الجوهري بين الدِّين والعلم. من بين أشهر المسائل المرتبطة بالتصادم أو الجدل، هو الجدل المعروف حول مسألة التطور والخلق؛ إذ طوال مئة عام أثار هذا الجدل المحتدم وجهة نظر ترى أن البشرية نتاج معقد لعمليات طبيعية في مواجهة وجهة نظر أخرى ترى أن البشرية خلقت على يد كيان إلهي ذاتي.

تأخذنا الدراسة أيضاً إلى فترة طويلة من القرن العشرين؛ حيث أيد مذهب الوضعية المنطقية )positivism) المادية العلمية. خذ على سبيل المثال، أي. جاي. آير (1910-1989) وهو من القادة البارزين لهذه الحركة، وقد اتخذ مساراً أبستمولوجياً متشدداً بقوله، إن العبارات التي يمكن أن نعتبرها ذات معنى حقيقي هي تلك التي يمكن إخضاعها لاختبار الصواب والخطأ بواسطة الاختبار التجريبي. «ولأن الدِّين والميتافيزيقيا وحتى الأخلاق تشير إلى وقائع ليست بالتجريبية ولا بالحسية، فإن العبارات التي ترد ضمن هذه المجالات تُعتبر أشباه جُمل، خالية من أي معنى معرفي.

في تناول الدراسة للتطور اللاهوتي وجدل العلم والدِّين، إشارة إلى أن التطور اللاهوتي (Theistic( )evolution) يعتبر محاولة أخرى لبناء التكامل بين العلم والدين. (التطور اللاهوتي الذي لا يرى وجود صدام بين معتقدات اللاهوت وحقائق التطور، كان دائماً خيار اللاهوتيين ذوي الاطلاع». يظل اللاهوت مقبولاً على أسس فلسفية ولاهوتية، أما التطور في شقيه الكوني والبيولوجي، فمقبول وفق أسس علمية).

 

تاريخية علم الكلام

دراسة المفكر والأكاديمي المصري حسن حنفي (نحو علم كلام جديد... تاريخية علم الكلام)، تشير إلى أن تاريخية علم الكلام تظهر في تاريخ الفِرَق، وتاريخ النسق، أي قواعد العقائد، وتاريخ الثقافة، وتاريخ العصر أو الزمن. موضحاً حنفي أن تاريخ الفرق يثبت أن الفرق الكلامية نشأت في ظروف اجتماعية وسياسية. «فالمعتزلة بآرائها، والأشاعرة بعقائدها، والخوارج بأصنافهم، والشيعة بأقسامها، إنما نشأت في حوادث معينة، فكرية أو سياسية، بسبب خلاف في الرأي، أو خلاف في الموقف السياسي.

مشيراً حنفي إلى أن علم الكلام باعتباره قواعد للعقائد، علم تاريخي محض، تشكل في التاريخ، وتطور بتطوره (ويمكن تتبع مراحله مثل تتبع أي ظاهرة حية، ميلاد، وتطور واكتمال ونهاية)، مشيراً إلى أن العلم اكتمل في القرن الخامس والسادس والسابع، وبدأ في الانهيار بعد ذلك، منذ الإيجي وابن خلدون، وهناك محاولات إصلاحية حديثة، منذ (رسالة التوحيد) لمحمد عبده، كلها تحاول أن تطور العلم - علم الكلام - بعد توقفه، وتنقل موضوعاته ومناهجه وأهدافه من علم الكلام القديم إلى علم الكلام الجديد.

مختتماً حنفي دراسته بالإشارة إلى أن الخصام في وجدان العالم والمواطن بين علم الكلام القديم وبين العصر الحاضر ليشعر به الجميع، وإن الحاجة إلى علم كلام جديد مطابق لظروف العصر الحاضر، لحاجة يشعر بها الجميع أيضاً في السر والعلن. والشعور بالشيء أولى مراحل العلم.

تضمن الكتاب دراسات لكل من: أمير عباس علي زماني، عبدالمجيد الشرفي، فضل الرحمن، علي مبروك، علي المدن، شلايرماخر، جون ماكوري، سورن كيرككورد، نعيمة بور محمدي، محمد لغنهاوزن، ميشيل بيترسون وآخرون، محسن جوادي، مصطفى ملكيان.

يذكر أن (موسوعة فلسفة الدِّين) يحررها ويعدها: د. عبدالجبار الرفاعي، ويصدرها مركز دراسات فلسفة الدِّين في بغداد، وتطبعها وتوزعها دار التنوير في بيروت والقاهرة وتونس. وقد صدر منها ثلاثة مجلدات، تناولت:

  1. تمهيد لدراسة فلسفة الدِّين.
  2. الإيمان والتجربة الدينية.
  3. علم الكلام الجديد.

 فيما يترقب القراء صدور المجلدات التي تتناول:

  1. الهرمنيوطيقا والتفسير الديني للعالم.
  2. لغة الدِّين.
  3. التعدُّدية الدينية.
  4. الدِّين والأخلاق.
  5. مشكلة الشر.

 

جعفر الجمري

 

عنوان الكتاب: أرض النهرين،

تأليف: أدون بفن

نقله من الإنجليزية إلى العربية: الأب انستاس ماري الكرملي

ساعده:  الأب لويس مرتين الكرملي

أخرجه ووضع فهارسه: حكمت توماشي

عرض ونقد: حسين سرمك حسن

إصدار دار ضفاف (الشارقة/بغداد) للطباعة والنشر- 2016

 

تواصل دار ضفاف (الشارقة/بغداد) للطباعة والنشر جهدها المتميّز في نشر الكتب المترجمة والمخطوطات التي تتعلق بتاريخ العراق القديم لتحصين الجيل الحاضر بالوعي المطلوب بتاريخه المجيد الذي يكاد يذوي ويضمر – للأسف - في عقول وذاكرات الأبناء في الوقت الحاضر. وضمن جهدها المبارك هذا يأتي هذا الكتاب "أرض النهرين" الذي ترجمه الأب انستاس ماري الكرملي (المتوفى في 7 كانون الثاني 1947م ، والذي نقل هذا الكتاب إلى العربية في شهر آب سنة 1918م، وساعده في ذلك الأب لويس مرتين الكرملي- ص 3). ولم يتسن له نشره في حياته حسب قول الأستاذ "حكمت توماشي" من أمناء مكتبة المتحف العراقي الذي تصدّى لإخراجه ونشره (ص 4)، لتأتي دار ضفاف فتكمل هذا الجهد بإعادة نشر هذا الكتاب المهم.

يتناول الكتاب (166 صفحة) حضارة وادي الرافدين منذ فجر حياتها بصورة موجزة طبعا . ويلخص المؤلف هدفه من وضع كتابه هذا ببساطة في مقدمة الكتاب قائلاً :

(ليست غاية هذا الكتيب أن يتحف القارىء بشيء جديد، كما ليست غايته أن يرجع إليه بمنزلة كتاب نصوص أو مقالة معلمة (دائرة معارف)، بل غايتي أن أدون كتابة ما يفعله رجل في مخاطبة رجل آخر إذا ألقى عليه سؤالاً في مطاوي الكلام وهو:

ما كانت الجزيرة في الماضي؟ فلقد اشتركت الآن البلاد التي نسميها خطأ الجزيرة والبلاد المعقودة بناصيتها - أرمنية والأناضول وفلسطين، وبلاد العجم، بمصالح تهم كل إنسان ويتحدث بها اليوم، وكلها ترجع إلى مسائل تعود إلى السياسة التي قد أخذ بأطرافها، فهذا ما حداني إلى أن أطرف القراء بذكرى جديدة هي عجالة تطلعهم على ما كانت تعني هذه الألفاظ في الماضي، فإن غابرها قد بدا للعالم كله مدة عدة قرون فإذا أراد القارئ أن تتجلى حوادثها الماضية أمام فكره في ساعةٍ واحدة أو ما يقرب منها فلا بد من أن يصطدم بأحد أمرين: إما أن يقف أمام تفاصيل أخبار ناشفة من كل لذة لا يحصى عددها مع سماع أعلام لم تألفها آذانه، وإما أن يهمل كثيراً من الأحداث الجوهرية الضرورية لتصوير صور التاريخ بجميع مناظرها.

أما أنا فحاولت أن أبين ما يهم القارئ من الأمور الرئيسية وأهملت التفاصيل التي لا تلزم أعظم لزوم لإدراك الكل، ولم نذكر من أعلام الناس والمواضع أكثر مما ظناه اللازم اللازب، ولما كتبت ما كتبت ظننتني أسرد أموراً لرجل ليس له اطلاع خصوصي على التاريخ القديم، بل مجمل علمه قائم على معرفة عامة تتعلق ببلاد اليونان ورومية وببعض أعلام مذكورة في الكتاب الكريم- ص 5 و6).

ثم يمضي المؤلف في استعراض تاريخ بلاد النهرين وحياتها الحضارية بأوجهها المختلفة السياسية والدينية والثقافية والاقتصادية بدءاً من مرحلة دويلات المدن. ويتناول منجزات هذه البلاد الحضارية وعهودها اللاحقة المختلفة الأكدية ؛ البابلية والكلدانية، والآشورية المتداخلة ثم فترات الغزو الخارجي المختلفة : الأخميني (كورش ودارا خصوصا) والمقدوني (السلوقي بعد موت الإسكندر) والفرثي والساساني .. كما يستعرض العلاقة بين بلاد آشور وبلاد مصر وبين بلاد آشور والدولة اليهودية في فلسطين.. وغيرها .

ومن خلال قراءة متن الكتاب أكثر من مرة توفّرت لدي الملاحظات النقدية التالية :

(1). الغلطة الكبرى التي وقع فيها المؤلف والغريب أنه يصرّ على تكرارها في أكثر من موضع هو اعتبار المصريين هم من اخترع الكتابة !!! في حين أن أبسط قارىء في العالم يعرف أن العراقيين القدماء (السومريين حصرا) هم من اخترع الكتابة. على سبيل المثال :

ص 12 : (ويمكننا أن نقول إن هذه المدة امتدت إلى جميع الحضارات القديمة وإلى آخر العصور المتوسطة أي أنها دامت زهاء ستة آلاف وخمسمائة سنة منذ اختراع الكتابة في مصر أي نحو 5000 سنة).

ص 22: (وأخذ الأكديون عن الشمريين الكتابة ذلك الاختراع الذي اخترعوه في أرض الفراتين (كما اخترع مثله سكان النيل قبلهم ببضعة ألوف من السنين)!!

(2). لا أعتقد أن الكتاب مخصص لحضارة بلاد النهرين كما عكس ذلك عنوان الكتاب، فهو يضم استطالات كبيرة عن الحضارات الفارسية واليونانية والرومانية والزرادشتية ودورها وظهور المسيحية والإنقلاب الذي أحدثته والدولة اليهودية وتطورها .. وغيرها الكثير من الموضوعات التي لا تتصل بتاريخ بلاد النهرين إلا بصورة غير مباشرة.

(3). ومن تلك الاستطالات أن الكتاب يبدو في نصفه الأول وكأنه مخصص للحضارة المصرية القديمة وفي نصفه الأخير للحضارة اليونانية والرومانية..

(4). لا أعرف لماذا لجأ المؤلف إلى استخدام التسمية التوراتية لبلاد بابل وهي "شنعار" :

ص 20 : عنوان الفصل هو "نشوء شنعار"

ص 23 : يقول المرلف "المراد من إيرادنا بعض الأمور عن شنعار وأرض النيل .."

 ص 33 : عنوان الفصل "تأثير حضارة شنعار وديار مصر على سائر البلاد"..

وغيرها الكثير من المواضع .. فلماذا ؟؟

(5). ومثل ذلك نقوله عن استخدامه الإسم التوراتي للملك البابلي "مردوخ أبلا إدّينا الثاني" (710 -703 ق.م) حيث سمّاه بالإسم التوراتي وهو "مردوخ بلدان" (ص 60 وما بعدها) .

(6). ولا أعرف لماذا ترجم الأب أنستاس الكرملي تسمية القطر الجنوبي من العراق القديم باسم "شمر" بدلا من التسمية التي اعتدنا عليها منذ عشرات السنين وهي "سومر" !!

(7). وهناك ظاهرة النقاط (...) التي تعبّر عن فراغات في النص لا أعلم هل هي من المؤلف أم من المترجم الذي قفز المعلومة. ولكن في الحالتين فإن هذه النقاط أثّرت على المعنى وتسلسل السرد . مثلا -وسأضع النقاط بين قوسين- :

 ص 48 و49 : (وابن تغلث فلسر أخذ ثأر أبيه وأخذنا نسمع ببغداد للمرة الأولى (لا بكونها مدينة عظيمة بين مدن شنعار) بأن الآشوريين (......) وبعد عدة ملوك اضمحلت سلطنة آشور..

ص 61 : (وبينما كانت جماعة من الجند الآشوريين تسير في طريقها لاقت جماعة من جنود المصريين والظاهر أنها (.....) وفي الآخر أي في سنة 670 أقبل الحظ إذ عبر الآشوريين برافية (رفع) !!!

ص 64 : (وكان في (.....) الآشوريين جماعة من ملوك عيلام في السابق وكان آشور بنيبل يشدهم (......) ليجروها، فاعلاً ما يفعله بعد ذلك بقرون تيمورلنك بالملوك الذين أسرهم، وحينما كانت دولة آشور تشتمل على بابل ومصر وعيلام كانت أوسع دولة وجدت إلى عهدها بيد ملك واحد، ومع هذا فقد جاء بعده من الملوك من فاق سيّد آشور في سعة الملك وضخامته فقبل وفاة اشوبنيبل (.......) الذي تنمو علي تخوم آشورية وتهدد جارتها وبدأت كفة الميزان (.....) على الساميين، ونهض في مصر رجل صنديد اسمه) !!

(8). وتظهر حماسة المؤلف وتعاطفه المفرط مع اليهود في أكثر من موضع من الكتاب بصورة لا منطقية يحرّف بها وقائع التاريخ ومسلماته . على سبيل المثال :

ص 50 لماذا الانحياز لليهود : (ففي سائر  الممالك أيضاً كان الناس يدوّنون أفكارهم أو تواريخهم على الحجارة والفخار والبردي والرق، وحيثما كانت تلك الأخبار مكتوبة من هضاب فارس في الغرب إلى بحر الروم، نسيت بعد بضعة أجيال وغدت كأنها لم تكن وأما الأشياء التي دوّنها بنو إسرائيل فإنها لم تُنس قط وبقيت حيّة في ذاكرة الأمة لا تزال تطالع يوماً بعد يوم إلى عهدنا هذا في الأرض كلها).

ص 72: (وقد وافق وقوع هذه الهنيهة في زمن تطور خبرة شعبين آخرين خصا لأن يدفعا أفكار البشر وتصوراتهم وتخيلاتهم المستقبلة لتبت على أحسن صورة وقد خصا بذلك تفصيلاً لهما على أي شعبين آخرين كانا في وقتهما يومئذ لما في غرائزهما من المآثر الجليلة وهذان الشعبان هما اليونان واليهود وذلك لأن الحضارة الشنعارية المحتضرة كانت قد فعلت في نفوسهما كل الفعل قبل أن تشهق شهقتها الأخيرة وبقي اسم بابل في الأجيال المتتالية واسم المنتسبين إليها مرادفاً للعظمة والجلالة والبذخ والزهو).

ولا وقت عندي للإطالة ومناقشة المسلّمات وأكتفي بنقل رأي للمؤرخ والباحث الفرنسي الشهير "غوستاف لوبون":

 (لم يكن لليهود فنون ولا علوم ولا صناعة، ولا أي شيء تقوم به حضارة. واليهود لم يأتوا قط، بأي مساعدة مهما صغرت في إشادة المعارف البشرية، كما أنهم لم يجاوزوا قط الأمم شبه المتوحشة التي ليس لها تاريخ)

(9). ولا أعرف أيضا لماذا يترجم الأب أنستاس الكرملي "الجنائن المعلّقة" بوصف "البساتين المعلّقة" . منذ عشرات السنين والقارىء العراقي والعربي يقرأ "الجنائن المعلّقة" .. فلماذا هذا النحت الغريب لمصطلح جديد غريب ؟؟!!

ص 75 : (ولا جرم أن هذا القصر الملكي كان مصلاً بالجبل المصطنع، ذلك الجبل الذي وصفه لنا اليونان باسم «البساتين المعلقة») !!

(10). وهناك هامش على الصفحة 57 يقول فيه الأستاذ "حكمت توماشي" :

(لم نسمع بمملكة أراراط بل جبال أراراط)

وهو يعلّق على قول المؤلف : (في عهد سرجون الذي تسمى باسم الفاتح الاكدي الكبير قبل ألفي سنة، تقدمت السطوة الآشورية تقدماً جديداً ، وذلك أن سطوة مملكة أراراط في الشمال كسرت شوكتها- ص 57).

وهو أمر غريب حين يصدر من الأستاذ "حكمت" الذي توصيفه في الكتاب أنه " من أمناء مكتبة المتحف العراقي" .  فمملكة أرارات مملكة معروفة تاريخيا : (أورارتو (بالأكدية اورارتو Urartu)،بالأرمينية Ուրարտու ، هو اسم بالآشورية يدل على مملكة تقع في منطقة الهضبة الأرمينية جنوب شرق البحر الأسود وإلى الجنوب الغربي من بحر قزوين. وسميت أحياناً «نائيري» (Nairi) في حين سمى الأورارتيون بلادهم «بياينيلي» (Biainili).. قامت إبان القرنين الـ 9 والـ 7 ق.م. بجبال شرق تركيا حول بحيرة وان. وأهلها من الحوريين. وكانت العاصمة مدينة وان. وكان بها قلعة مدخلها بجبل صخري وعلي واجهة مدخلها لوحة صخرية منقوشة عليها رسومات نقشية سجلت حروبهم مع الآشوريين جيرانهم. وكانوا يصنعون التماثيل المجنحة والمشغولات البرونزية. وقد حكم أوراتو الآشوريون أوائل القرن الـ13 ق.م وكانت ثقافتهم متأثرة بشرق وشمال الهلال الخصيب وكما كتبوا لغتهم القزقازية بالكتابة المسمارية. والمعابد تشبه المعابد الإغريقية وهناك جبل أرارات ويقال أن به بقايا سفينة نوح) (الويكيبيديا).

(11). يقول المؤلف :

ص 154 : (ولو كانت يد أوروبية بدلاً من يد تورانية قبضت على بلاد الفراتين في مدة هذه العصور الأخيرة لما رأيناها في هذه الحالة المنكرة التي نراها عليها اليوم)

وهو رأي "نرجسي" يخالف منطق التاريخ ويحاول ان يغطّي، بالغربال، شمس العنصرية الأوروبية وتدميرها الوحشي الاستعماري لحضارات شعوب الشرق. نحمد الله أن بلاد الفراتين – في ذلك الوقت – لم تصلها اليد الأوروبية التي – على سبيل المثال – قتلت 6 ملايين مواطن في الكونغو في فترة الاستعمار الأوروبي "الذهبية". 

 

عرض ونقد : حسين سرمك حسن

......................................

ملاحظة:

هذا العرض هو التسلسل (88) ضمن سلسلة عروض الكتب من الناقد حسين سرمك حسن لعامي 2017/2016.

 

 

منذ نهايات القرن التاسع عشر لم تنقطع الكتابة ولم يتوقف التفكير في دور الدين في حياة المسلمين، وهل انه سبب انحطاطهم وتخلفهم؟ ام العكس تماما اي ان  تواري الدين عن ان يكون محور التشريع والتفكير والتنظيم السياسي والثقافي والاداري، وحلول ثقافة جديدة متعارضة مع الدين وذبول التفكير الديني

هو السبب في هذا الانحطاط والتدهور!؟ على خلفية هذا الجدل وتلك التساؤلات دار محور النشاط السياسي والفكري بين ساع الى الموائمة بين العلم والدين واظهار عدم تعارض الاسلام مع العلم، كما فعل المسلم الهندي السير احمد خان، او ساع الى تنشيط دور الرابطة الاسلامية كجامعة لوحدة المسلمين ورافعة لجهود نهضتهم كما نشط من اجل ذلك السيد جمال الدين الافغاني وتلميذه الشيخ محمد عبدة، قبل ان ينفصل عنه، ويتبنى منهج التربية والتعليم، كمحور لحل مشاكل التخلف والضعف وسيادة الجهل والخرافة.

بعد ذلك وجدنا علماء نابهين يحاولون استجلاء صورة الدين الاسلامي وتنزيهه مما علق به من توظيف سياسي واجتماعي، انتهى به الى مناصرة الاستبداد، ورفض التجدد، وظهور معارضة في قبول الكشوفات العلمية والنظريات المعرفية. كما فعل السيد هبة الدين الشهرستاني، والميرزا محمد حسين النائيني.. وعشرات غيرهما، كما تابعهم الدكتور فهمي جدعان في رسالته  "اسس التقدم عند مفكري الاسلام".

في عشرينات القرن العشرينات ومع صدور الكتاب الجدالي المهم للشيخ علي عبدالرازق "الاسلام واصول الحكم" في عام ١٩٢٥ اي بعد عام او اكثر من  الغاء نظام الخلافة العثماني وتاسيس الجمهورية التركية بنظام علماني، يقطع في الكثير من انظمته وقوانينه ورؤيته مما تعارف عليه الناس، وما ارتكزت عليه الثقافة العامة للمسلمين،  جاء اجتهاد الشيخ الازهري علي عبدالرازق، ومارافقه من ردود فعل عنيفة، بمثابة صدمة بين فكر ينحو الى شمولية راسخة تعتقد انها مؤصلة، وتدافع عن تمامية الاسلام، وبين فكر تنزيهي نقدي يدعو الى استئناف النظر في الكثير من المقولات السائدة والراسخة، ذات الاستقرار في البنية الثقافية العامة، وكان من جملة الردود على الغاء نظام السلطنة العثماني تاسيس  جمعية الشبان المسلمين في مصر الخديوية، بدفع رسمي لمنح السلطة شرعية دينية  تبعها بسنوات ١٩٢٧تاسيس جماعة الاخوان المسلمين، بشعار الاسلام دين ودولة، عقيدة وشريعة. ومالبث ان انتشر هذا الشعار، وهذا النمط من التفكير الديني في الاسلام الحديث في ارجاء واسعة من بلاد المسلمين.

 في حين كان الشيخ ابو الأعلى المودودي في الهند يخط مؤلفاته عن الدستور الاسلامي، وحاكمية الاسلام، ويشدد على التناقض الجوهري المفضي الى الكفر، حينما يتبنى مسلم نظاما للسياسة والادارة لاينتمي الى الفكر الاسلامي، كما سطرته ادبيات فقه الحكومة السلطانية الاسلامي، منذ الماوردي وابي يعلى الفراء  الى ابن تيمية الحراني، وكان ابن تيمية هو الملهم الأهم للمقولات المحورية في كتابات المودودي وما استلهمه سيد قطب لاحقاً.

وبموازاة ذلك الظهور القوي لجماعات ماعرف لاحقا بالاسلام السياسي، كان الفيلسوف الهندي المسلم محمد اقبال يجوب الحواضر الهندية الاسلامية مبشرا بفكر تجديدي للاسلام، لاينحو منحى سياسيا، بل يركز على الامتلاء الروحي والتعالي الاخلاقي والسمو الوجداني واثراء الروح، ويدعو الى اخذ العلم الحديث كعنصر موازي في بناء شخصية المسلم، دون اقتحام المنطقة الخطرة في التفكير السائد، وهي موقف الاسلام من السياسة والادارة والحكم، وهي التي دارت عليها رحى النشاط السياسي والدعوي، والصراعات الايديولوجية والفكرية والحزبية، وحركت مناخ التجاذبات السياسية في منطقتنا.

ايضا كانت التساؤلات على اشدها بشان مساحة حضور الديني في المجال السياسي، بين من يرى ألا فصل بين الدين والسياسة، وبين رافض لهذا الدمج بين مجالين لكل واحد منهما مساراته الخاصة، كان تيار الوعي الاسلامي يصر على ان شرط النهوض والتنمية والاستقلال السياسي والثقافي، وقدرة المسلمين على بناء الدولة الناجحة والعادلة والرشيدة، متوقف على سيادة المنهج الاسلامي في كل المجالات، وان الاستقلال الثقافي والاقتصادي والعلمي والمعرفي منوط بالقطيعة المعرفية مع ذلك الفكر والنظريات والرؤى والاجتهادات الاسلامية. هكذا كان الانقسام الفكري والايديولوجي يتعمق كل يوم في بلاد المسلمين، والقطيعة النفسية والثقافية تتجذر بموقف صراعي عنيف، استغلته قوى حاكمة لتبطش بمعارضيها، ولتسود اجواء من القتال المجتمعي والتنكيل المسلح العنيف افضى الى خواء اجتماعي، وانهيارات اقتصادية، وتراجع خدماتي، وتخلف علمي، وتمدد الفقر، والامية، واتساع الفجوة المعرفية مع الحضارة المعاصرة، وخسارة اغلب المعارك الوطنية والقومية، وشيوع ظاهرة الحروب الاهلية، والانقسام المذهبي والقومي، وتدهور السلم الاهلي، وظهور ردود الفعل المناوئة لما يسمى بظاهرة الاحياء الاسلامي او الصحوة الاسلامية، التي انتهت بظهور تنظيمات الارهاب ذات الانتماء للفضاء الاسلامي، والتي اعلنت حرب التكفير ضد جميع من لايتبنى فكرها الاحادي، ومنهجها المنغلق، وسلوكها المتوحش، وعدوانيتها المستفزة للفطرة الانسانية.

في التحليل الاخير لا تمثل الظاهرة الارهابية إلاّ حالة انتحار اسلامي داخلي، يشي بعجز كبير عن مغادرة القراءة الاحادية واللاتاريخية للنصوص الاسلامية، وجمود عقلي كبير، واستلاب معرفي ماضوي، بشكل اطاح بمقولات تيارات الاسلام السياسي التي ترفع شعارات: الاسلام هو الحل، وصلاحية الاسلام لكل زمان ومكان، وشموله لكل شيء في الحياة.. وظهر ان الاسلام عاجز عن ان يحقق تلك المقولات عمليا، وان يحقق للمسلمين كأمة وجماعات وافرادا سلاما داخليا واطمئنانا روحيا، ويمنع عنهم فتن مهولة، توسعت لتصبح داءا يهدد السلام العالمي والحضارة المعاصرة، ولتظهر الدين وكأنه سلاح دمار شامل، لايتقيد بعرف، او قانون بشري، او قيم انسانية كونية.

في الرصد الدقيق بدات تتمظهر ظواهر: الالحاد، والعدمية، والخواء الروحي، وانطلق نقاش معمق عن دور الدين في حياة المسلمين، اذا كانت تجلياته السياسية والصحوية افضت الى هذا الدمار الواسع،  وتفشي موائد الذبح، وولائم التوحش والانحطاط، المتعدد الاشكال.

تبدو الحاجة ملحة الى فكر نقدي، ومراجعات فكرية جادة، وصراحة جريئة، للبحث عن الجذور الفكرية والمعرفية والسياسية لهذه الظواهر المتعارضة، والتي ترجع الى السوأل الذي أثرناه حول مدى مسؤولية الفكر الشمولي ومقولاته الطوباوية، الذي تفشى في عالم الاسلام، في كل هذا الذي حصل ويحصل في عالم الاسلام والعالم؟ والى  اي مدى ساهم اقحام الدين في  مجالات غير مجالاته الاصلية في ظهور هذه الظواهر غير القابلة للسيطرة؟ وهل كان تسيس الدين او تديين السياسة هي العوامل الفاعلة في المآلات الدامية التي نعيشها؟ وماهي القراءة العقلانية الناجعة للدين والايمان، التي بامكانها ان تعالج مشكلات العولمة، ومرحلة مابعد الحداثة الغربية التي اقصت الدين، وانتقصت من شان الايمان، وانتجت وأولدت كل ردات الفعل الدامية، التي حملت شعار الدفاع عن المقدس وسمو المقدسات، حتى اضحى القتل والانتحار باسم الله مقدسا، يستقطب الآلاف، ويقود نحو الهاوية؟

في ظل هذا الجدل الواسع الذي يحتدم في الساحة الثقافية تاتي مساهمات الدكتور عبدالجبار الرفاعي لتقدم زادا معرفيا دينيا مهما في لحظة تاريخية خطيرة، وهي مساهمات تمثل خلاصة تجارب روحية شخصية، وحوارات فكرية معمقة، ورحلة تكوين معرفي طويلة، انفتحت على قراءات واعية للموروث الاسلامي بمدارسه المتعددة، والفكر العالمي، وماانتجته عقول مفكرين مسلمين، بدأوا يستانفون النظر في الكثير من المفاهيم والمقولات الدينية الشائعة.

الدكتور الرفاعي صدم الأوساط الثقافية بمنجز فكري كبير، متحررا من قيود تاريخه الشخصي، ومجال اشتغالاته البحثية والمهنية، متبنيا منهج تفكيك المقولات القارة في قعر التفكير الاسلامي السائد، عندما اصدر كتابا جريئا بعنوان: "الدين والظمأ الانطولوجي". ما اقدم عليه عبدالجبار الرفاعي، وهو يقدم الطبعة الثانية للكتاب في غضون مدة أقل من عام واحد، يجعلنا نحتفي بمادة حوار وبحث ومسائلة جادة وعميقة، لما استقر في اذهان الغالبية الساحقة من المسلمين عن: الجوهري والفاعل والمقصود من رسالة الدين في حياة الانسان، وبين مساحاته وحدوده المفترضة.

ان التعاطي مع هذه المقولات والافكار من شانه ان يحرك الكثير من المياه الراكدة، ويستانف النقاش في مآلات التفكير الديني وتجلياته الراهنة، بما ينتظم  ضمن سلسلة طويلة من التفكير في الدين ودوره في حياة الانسان، حيث الجدل الصاخب بين ناكر لهذا الدور، ومتجاوز لحاجات الانسان وظمئه الوجودي للمقدس وللايمان وللدين، وبين متوسع في هذا الدور، لدرجة ادخل الايمان والدين في مجالات غير مجالاته المفترضة، ماحمل الدين وظيفة استخدمت كاداة للصراع ولنفي الآخر، والحط من كرامته، واشاع الكراهية والعنف والقتل المقدس. وذلك ما اختصره عبدالجبار الرفاعي بقوله: "‫يضفي الدين دلالات روحية ورمزية على العالم، تشعر الانسان بالانتماء اليه، وتخفض اغترابه الوجودي، وتروي تعطشه للمقدس. لكن اخراج الدين من حقله، وعدم رسم حدوده، والعبث بوظيفته، لا يضيع دلالاته ويبددها فقط، بل يطيح بوظيفته، ويجعلها تنقلب إلى الضد منها".

 

jafar abdulmahdisahibصدر عن دار العارف للمطبوعات – بيروت كتاب الأستاذ الدكتور محسن عبد الصاحب المظفر والموسوم المسرح العسكري البيئي. وهو كتاب ضخم (528) صفحة. يحتوي الكتاب ثمانية فصول معززة بالصور الرسوم التخطيطية والخرائط. وقد درج المؤلف في نهاية الكتاب جدولين الأول خاص بالجداول والثاني خاص بالأشكال والأغلام. وكعادة البروفسور المظفر، تمتاز كتبه بالرصانة العلمية والاستطراد النافع عند تطرقه لأي موضوع علمي يتناوله.

ومن خلال عنوان الكتاب فأن مادة البحث تطيل أكثر من حقل من حقول المعرفة العلمية ، الجغرافية العسكرية وعلم الجيوبولتيك والعلوم العسكرية والدراسات الاستراتيجية، والعلوم السياسية والقانون الدولي العام وقانون الحرب وغيرها. ونرى المؤلف قد صب جل اهتماماته العلمية في طرح مادة الكتاب بشكل واقعي ورصين، وكيف لا وهو الأستاذ الجامعي المتمرس ذوالسمع الحافلة بالانجازات العلمية المشرقة التي تشهد له سوح الجامعات العراقية والعربية.

تناول الفصل الأول من الكتاب تعريف المفاهيم المستخدمة في البحث إذ تضمن الفصل ثمانية عشر عنواناً فرعياً غطت مفهوم الجغرافية العسكرية ومقترباته: البنية النظرية للجغرافية العسكرية وأطرها الفكرية، مفهوم جغرافية العسكر، تطور جغرافية العسكر، ما ذكره هوز هوفر عن الجغرافية العسكرية، الجغرافية العسكرية المعاصرة، فروع الجغرافية العسكرية، التاريخ العسكري، الجغرافية العسكرية توجه الى التطبيق، علاقة الجغرافية العسكرية بفروع الجغرافية الأخرى، الجيوبولتيكا والفكر العسكري، علاقة الجغرافية العسكرية بالاستراتيجية، والمفاهيم المعتمدة في الجغرافية العسكرية، ومنهج البحث في الجغرافية العسكرية، وأساليب البحث في الجغرافية العسكرية، ووسائل وأدوات البحث في الجغرافية العسكرية، والوسائل المعتمدة في الجغرافية العسكرية، الأدوات التي يستخدمها الباحث في الجغرافية العسكرية، مضامين الجغرافية العسكرية.

وقد استوقفني عنوان فرعي، سبق ذكره أعلاه، علاقة الجغرافيا العسكرية بالجيوبولتيك، واهتمامي بالموضوع يأتي بحكم المهنة حيث قمت ولسنوات عديدة بتدريس مادة الجيوبولتيكا لطلاب الدراسات العليا ولمرحلتي الماجستير والدكتوراه. فقد تطرق المؤللف الى نظريات الجيوبولتكيين الألمان (الدولة ككائن حي) وذكر رودولف كيلين كنموذجاً منهم حيث عرف الجيوبولتيك  بأنه (نظرية الدولة) وهو التطبيق السياسي للجغرافية. وأروع عبارة شاهدتها تحت هذا العنوان  تقول: " فالجيوبولتيكيون عند العسكريين الضمير الجغرافي للدولة".

أما الفصل الثاني فقد خصصه الباحث في الحرب وأنواعها وأساليبها وومصطلحاتها ونظرياتها والأسلحة المستخدمة في الحرب البرية والبحرية والجوية. وتضمن هذا الفصل أيضاً نظريات أبرز علماء الجيوبولتيك الألمان: فرايدريك راتزل Friedrish Ratzel و

كارل هاوسهوفر karl Haushover  و جوهان رودولف كيلين Johann Rudolf Kjellen و السير هالفورد جون ماكندر Halford Jon Mackinder ووالتر ميلز  Walter Millis والألكسندر دسكفري Alksender DiscaveDry وجيلو دوهيه Gillo Douet ووليم ميشيل Wilhem Michel.

 وهناك عناوين فرعية أخرى مثيرة للاهتمام، عسكرة الفضاء - حرب النجوم، حرب البيئة، التدخل في عناصر المناخ، استعمال الاشعاعات الكهرومغناطيسية، حرب المياه، الحرب النووية، حرب الطاقة الموجهة، الحرب الكيمياوية، الحرب البايولوجية، الحرب الألكترونية، الحرب الاقتصادية، الحرب الاستباقية، الحرب النفسية، الحرب الخاطفة، الحرب الديموغرافية، الحرب الأيديولوجية، الحرب القذرة، الحرب العادلة. وتناول المؤلف كل نوع من  أنواع هذه الحروب شارحا تعريفها وتسميتها وعناصرها ووسائلها مع اعطاء نماذج حية منها لحروب نشبت فعلاً.

ويخصص المؤلف الفصل الثالث من الكتاب لدور العناصر الطبيعية وأثرها على العمليات العسكرية. فيتكلم عن العوارض الطبيعية وتأثيرها على العمليات العسكرية مثل الجبال، وتطرق الى أنواع الجبال وعناصر النجاح في الحروب الجبلية وصعوبة القتال فيها من جهة أخرى، وتكيف الجيوش للمعارك الجبلية، والمباديء العامة القتالية في الجبال.  ثم يتناول أهمية العوامل الجيمورفولوجية في تحقيق الأغراض العسكرية، والمواقع المناسبة لبناء المطارات، وتأثير السهول على المهاجمين، والصحاري وتأثيراتها السوقيةومباديء القتال في المناطق الصحراوية، ومباديء العمليات الدفاعية في الصحراء،و أهمية الصحاري السوقية، وتأثير الصحاري الباردة على القطعات العسكرية، وخصائص  واستخدام الأسلحة في الصحاري. وينتقل المؤلف الى المناخ وتأثيراته على العمليات العسكرية، ويقصد بها الحرارة والرياح والغيوم والتساقط ويربط ذلك بقوة الدولة. فحالة الجو لها تأثيراتها  العسكرية على حركة الطيران الحربي والحركات البرمائية. ويتناول المؤلف جانباً آخر من العوامل الطبيعة ذلك المتعلق بالمناطق الغابية وأثرها على الحركات العسكرية. ويعطي البروفسور المظفر نماذج لمعارك دارت في الغابات مثل مثل المعارك التي شنها الجيش النازي على الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الكونية الثانية حيث ركز الجيش السوفيتي على مواقعه داخل الغابات ووجه نيرانه صوب القوات الغازية، التي تقطعت خطوط مواصلاتها، وهي تحاول التقدم من أراض مكشوفة، فأجبر الجيش الألماني في تغيير مسيره عبر المستنقعات. وأعطى المؤلف مثالاً  آخر يتعلق بسير المعارك بين القوات الكردية ضد هجمات الجيش العراقي حيث استفادت تلك القوات من من المناطق الجبلية والوديان التي تغطيها الغابات في شن هجوماتها المضادة، وبذلك تعد الغابات كمناطق آمنة للاختفاء تقلل من حركة الآليات والنعدات العسكرية المقابلة، وهذا ما جعل القوات المهاجمة تعتمد أحياناً على حرق الغابات بهدف كشف الغطاء عن القوات التي تتحصن بالاختفاء تحت أشجارها.

ويتجول بنا البروفسور المظفر في عوالم الأنهار والوديان والبحيرات والمستنقعات ودورها في الحركات العسكرية سلباً أو إيجاباً ، ويستشهد بعدة مواقف عسكرية سببتها الأنهار للجيوش المهاجمة، منها الصعوبات التي واجهتها القوات الإيطالية في عبور نهر الراين في خريف عام 1944، وما واجهته الفرقة المدرعة الأمريكية في عبور نهر سافا في لبوسنة في شتاء عام 1996.

ويخصص البروفسور المظفر الفصل الرابع للعناصر البشرية وتأثيرها على الحركات العسكرية، ويذكر بالتفصيل الحدود السياسية وتصنيفها كالإمتداد البحري والعمق الجوي والأشكال الهندسية للحدود وتأثيرها على الحركات العسكرية. ويتناول أيضاً طرق السكك الحديدية وطرق الآليات والمسالك والنياسم والطرق الجوية. ويتطرق المؤلف الى مراكز الاستيطان وأثرها على الحركات العسكرية والموانع والعوائق التي هي من صنع الإنسان وكيفية اختراقها كالألغام والكمائن ولتحصينات والقلاع والخنادق والأبراج والسقالة والخطوط المحصنة. وفيما يتعلق بهذه الخطوط ذكر المؤلف نماذج منها خط ماجينو وخط سيكفريد وخط مرهايم وخط إيدن التي اشتهرت في الحرب العالمية الثانية ودورها في منع جيوش العدو من التقدم. ولابد أن نقول لزميلنا العلامة المظفر كان من الأفضل لو ذكر خط بارليف الإسرائيلي باعتباره من النماذج الحديثة والقريبة من الذاكرة العربية.

ويحمل الفصل الخامس من الكتاب عنواناً مهماً ( إستراتيجيات الحرب وعناصر التفوق العسكري). ويضم هذا الفصل ثمانية وخمسين عنواناً فرعياً.، ويبداً بمقدمة يكون موضوع السَوق محورها الرئيسي. وقد لاحظنا أن دكتورنا الرصين محسن المظفر قد كتب في هذه المقدمة القصيرة مواقف وتعريفات الإستراتيجيين السوفيت فقط دون أن يذكر أو يشير الى مواقف المختصين من المعسكر المضاد. فذكر رأي المنظر أ. فاتسييتس الذي مات قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية (1938) حيث يؤكد هذا المنظر الذي يعتقد أن ليس بمقدور العالم العسكري أو رجل السَوق العسكري أن يهيىء الوضع لحرب المستقبل على انفراد، بل ينبغي أن يكون رجل السَوق عالم سياسة وفاهم في الاقتصاد في ذات الوقت. وذكر المؤلف منظراً سوَقياً ثانياً  هو ك. الألكسندر، والمتوفي بنفس سنة زميله السابق، فهو يرى بأن الأفعال العسكرية تتخذ جملة أشكال كالتدمير والاستنزاف والدفاع والتعرض والمناورة والموقف، ولكل شكل من هذه تأثير جوهري على خط السلوك السَوقي. وثالث منظر سوفيتي هو القائد العسكري السوفيتي ميخائيل ن. توفاشفسكي الذي يرى أن الأوضاع الحديثة تتطلب أن توجد علماً للحرب لأن هذا علم كهذا لم يوجد حتى الآن، وأن الدول التي حاربت في الحرب العالمية الأوى طورت نفسها من خلال الحرب ذاتها. وذكر الدكتور المظفر منظراً سوفيتياً رابعاً، إيفان زافيلوف، الذي أوضح ما يتصل بالعلاقة بين السَوق وفن العمليات والتعبئة.

وكما نوهنا أعلاه فأن البروفسور محسن المظفر قد ذكر في المقدمة تحديداً أربعة من المنظرين السوفيت دون أن يبين لنا رأي منظر واحد سواء كان ألمانياً أو فرنسياً أو بريطانياً أو أمريكياً. هذا بالإضافة الى بعدهم الزماني عن عصونا الحالي الذي تطورت فيه وسائل التعبئة والسَوق العسكري، في زمن تستخدم فيه السبرنتيكا والقتل النظيف والقنابل الذكية والحرب الألكترونية (علماً بأن المؤلف قد تناول الحرب الألكترونية بشكل مفصل في هذا الكتاب ص 174- 180).

إن عدم ذكر آراء المنظريين في المقدمة يقتصر على المقدمة فقط،، فالمؤلف لم يغفل عن ذكرهم في متن الفصل، واعتراضنا كان على تركيب المقدمة التي ذكرت طرفاً واحداً من أطراف المعادلة العسكرية الكونية.

فقد ذكر المؤلف (ص 219) بأن مفهوم القدرة العسكرية تغير في الوقت الحاضر بمستوى أكثر اتساعاً لأن الأمر أصبح لا يستهدف دولة واحدة في عالم التحالفات والأحلاف العسكرية والتكتلات السياسية والاقتصادية. إضافة الى أن القدرة لم تعد مقتصرة على الجانب العسكري بل اشتملت على الإمكانيات الاقتصادية والبيئة الاجتماعية والخبرات العلمية والقدرات المعنويةوالعسكرية مجتمعة.

وجاء الفصل السادس من الكتاب تحت عنوان: الأقاليم العسكرية، وهو يحتوي على ثلاثة وعشرين عنواناً فرعياً. وتفرض طبيعة البحث  وموضوعه تناول مفهوم الإقليم من زاوية عسكرية صرفة كالأقاليم التعبوية وتقسيم تلك الأقاليم استناداً الى  الواقع المناخي مثل الأقاليم المعتدلة، والأقاليم القطبية الباردة، والأقاليم الصحراوية وشبه الصحراوية والأقاليم المدارية.وقد تطرق الباحث في هذا الفصل الى أمثلة تطبيقية حية أفرد لها عناوين مستقلة ضمن هذا الفصل مثل التقسيم الإقليمي لجبهات القتال وأرض المواجهة في معارك الجيش العراقي، وعنوان آخر خص بأقاليم المواجهة مع إسرائيل.

أما الفصل السابع من الكتاب فيطرح العلاقة بين عناصر الربط بين قوة الدولة ووضعها العسكرية. فيبدأ المؤلف بتعريف مفهوم القوة وأنماط قوة الدولة الشاملة وتنميط قياسها  المختلف باختلاف آراء العلماء المختصين مثل (جيرمان F.C.German  ووليم فوكس Wilhelm Fucks ووريتشارد ومير Richard Muir ورآي كلاين Ray Cline ).

وعلى سبيل المثال يقيس الألماني فوكس قوة أي دولة بالاعتماد على عاملين أساسيين هما حجم الناتج الاجمالي وحجم القوة البشرية للدولة، وفق المعادلة التالية:

قوة الدولة = قوة الانتاجية للدولة = حجم الناتج القومي x الجذر التكعيبي للقوة البشرية

أما نمط جيرمان الذي ركز فيه على عدة عوامل رئيسية وأخرى مساعدة لقياس قوة الدولة . ومن العوامل الرئيسية (الجغرافي والسكاني ووالاقتصادي والعسكري).  العامل الجغرافي وما يتعلق به من مساحة الدولة وعلاقتها بكثافة السكان وتأثير تلك المساحة على طرق المواصلات فيها اعتماداً على السكك الحديدية. في حين نظر الى العامل السكاني من خلال حجم القوى العاملة ومستواها التقني. وفيما يتعلق بالعامل الاقتصادي فصب اهتمامه فقط على مجموع الناتج الاجمالي الصناعي تحديداً. أما العامل العسكري فيجد فيه حجم القوة البشرية بالإضافة الى امتلاك الأسلحة الذرية .

واتبع كلاين مسلكا آخر في نمطه بالاعتماد على عوامل محسوبة كالاقتصاد والسكان وغيرهما الى جانب اعتماده على عناصر غير مادية كالروح المعنوية والروح القومية والإرادة السياسية والتي يمكن تبنى عليها معادلة القوى المحسوسة.

ويمكن لنمط كلاين أن يختصر بالمعادلة التالية:

القوة المحسوبة للدولة= الكتلة الحيوية (السكان + المساحة) + القدرة الاقتصادية +القدرة العسكرية × الاستراتيجية القومية + الإرادة الوطنية.

ولا يخلو هذا الفصل من شرح مفاهيم القوة الإعلامية وتأثيرها على الرأي العام والقوة الأيديولوجية والقوة وأثر القيادة في تسيير دفة الدولة. ويفرد المؤلف عنواناً باررزاً يتطرق فيه للقوة الجيوبولتيكية للولايات المتحدة الأمريكية .

ونقرأ الفصل الثامن وهو الفصل الأخير من هذا الكتاب الذي وشح بعنوان يقول (التغير في أثر المسرح المكاني على نظام الجيوش والسلاح والتعبئة والسوق خلال التاريخ)، ويندرج تحت هذا العنوان ستة وعشرون عنواناً فرعياً يستعرض فيها البروفسور المظفر المعارك الكبرى عبر مراحل التاريخ المختلفة مع تبيان نوعية الأسلحة والعتاد في مختلف العصور. ويقسم المؤلف التاريخ العسكري القديم الى خمس: مراحل تاريخية، وهي:

 المرحلة الاولى: عصر التطور البطيء  (من 3000 ق. م الى 1500 ق. م).

المرحلة الثانية: عصر مشاة الصدمة الثقيلة (من 500 ق . م الى 500 م).

المرحلة الثالثة: عصر خيالة الرمي (من 500 م الى 1500م).

المرحلة الرابعة: عصر فرض قانون المدفعية ( من 1500 م الى 1800 م).

المرحلة الخامسة: العصر الحديث (من 1800 م الى أيامنا هذه).

ويمتاز الفصل الثامن بكثرة الرسوم التوضيحية والجداول الرقمية والجداول التبسيطية المساعدة في شرح العرف على مراحل التاريخ العسكر ي الذي يبحث عن أسباب الحروب التي نشبت  بين الدول والأسفار التي قام بها قادتها للوقوف على المباديء السَوقية والأسس التعبوية التي طبقت خلال تلك الحروب.

وذكر الدكتور المظفر أمثلة حية لمعارك تاريخية منها معركة اليرموك 636 م والدروس المستقاة منها في فشل الروم وقيمة الأرض في هذه المعركة.

ومثال آخر من معارك الحرب العالمية الثانية وهي معركة العلمين التي دارت بين الجيشين الألماني والبريطاني على الأرض المصرية مع شرح يتعلق بطبيعة ارض المعركة وأهميتها في سير القتال، والتخطيط والإدارة في الدعم اللوجستي بالإضافة الى تفوق القوة الجوية البريطانية وهيمنتها على سير المعارك، واهتمام مونتيغمري بأمن المعلومات والاستطلاع ودقة المعلومات الاستخبارية في جبهات القتال وانتخاب مواقع الأرض الحيوية. وتنتهي هذه النقطة باستعراض الدروس من معركة العلمين من خلال الحديث عن الموقف الإداري والموقف الجوي الذي اشرنا اليه قبل قليل. وأخيراً عامل الطقس الذي تمثل بسقوط الأمطار الذي أعاق سرعة مطاردة القوات البريطانية لوحدات رومل المتقهقرة.

أما العنوان الأخير من هذا الفصل فقد كرسه المؤلف للعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 مبيناً الخطة العامة للعدوان ووصف ساحة الحركات ومن ثم طرح عوامل نجاح إسرائيل في حملتها على سيناء، الذي رده المؤلف الى الدعم العسكري البريطاني والفرنسي والتنسيق المشترك بين القوات الغيرة للدول الثلاث إضافة الى عامل المباغتة في القصف الجوي.

وبعد أن انتهينا من استعراض هذا الكتاب استعراضاً سريعاً، يمكن لنا القول بأن مادة الكتاب غنية بمضمونها العلمي الأكاديمي والتي يمكن أن تكون مادة مرجعية رئيسية للطلاب والعلماء الباحثين في ميادين الدراسات الجيوستراتيجية والعسكرية والجيوبوليتيكية بالإضافة الى المعلومات الغنية بالجوانب التاريخية والسياسية والاقتصادية. وليس غريباً أن يكون كتاباً بهذا الوزن من الكياسة العلمية يصدر عن مؤلف أكاديمي رصين وموسوعي كالبروفسور دكتور محسن عبد الصاحب المظفر الذي أتحف المكتبة العربية بمؤلفاته الراقية العلمية العديدة.

 

تأليف:  البروفسور دكتور محسن عبد الصاحب المظفر.

عرض: البروفسور دكتور جعفر عبد المهدي صاحب.

 

haidar abdullradaإن من حصيلة تمظهرات فعالية أدوات المنهج النقدي السليم ، هو توافر ثمة حركة إجرائية مرنة من شأنها أولا وأخيرا خلق علائقية حيوية دافقة بين النص المدروس وبين صلب موجهات رؤية الناقد التي من شأنها منح دراسته النقدية فسحة إجرائية سوية الدلالة والأداة والتقويم والطرح لفضاء ولمتن وشكل ذلك النص المدروس . في سياق سلسلة قراءات كتاب (سرد ما بعد الحداثة) للناقد والروائي الصديق عباس عبد جاسم وجدنا طبيعة قراءات الناقد في حقل الرواية والقصة القصيرة والتي اراد منها الوصول الى مداليل منطقة ما وراء السرد ــ الميتاسرد ــ في تجربة النصوص التي أتخذها نموذجا لموضوعة وفكرة سرد ما بعد لحداثة . غير أننا ونحن نطالع أدوات ومحمولات تلك الأشكال المبحثية في معاينات قراءة تلك النصوص وجدنا جل معالجات الناقد لتلك التجارب قد طال الناقد في خصوصية مصطلح مفهومه النقدي حيث رطانة الأصطلاح وتشعبات الأسئلة المطروحة من جهة الناقد والتي لم تدخل في صياغة أية علاقة عضوية ما بين صوت الناقد ورؤيته وبين موضوعية النص نفسه . وهذا الأمر بات من الوضوح في وجه مباحث مقال (الوصف والسرد / من تعديل المفهوم الى تأويل النص) فمن خلال ما قرأناه في ورقة هذا المقال تبين لنا حجم اشتباكية إخضاع النص لرؤية وعلاقة الناقد قسرا ودون أي تعاملية فريدة في أسئلة الإجرائية النقدية لديه بأستثناء وجود ثمة سؤال ممنهج إحادي الطرح والمطارحة في عتبة تمظهرات نظرية عصية وبالغة العسر في ملاءمة رؤية موضوعة النقد مع فحوى تجليات النص نفسه ، وتبعا لهذا النهج يقول عباس عبد جاسم عبر عتبة فقرات مقاله مثل هذه الإفتتاحية: (استتبع تغيير أشكال القص تغيير آليات الوصف والسرد فقد تمثل الوصف في الرواية الجديدة في لغة تصف نسيج المكان وحده برؤية بصرية من الخارج ومزجت رواية تيار الوعي الوصف مع السرد في لغة تصف نسيج الذهن وحده برؤية تحليلية من الداخل ولم تكتف حركية القص بالوصف المستقل عن السرد بعين الوصاف الشيئي أو المزج بينهما وأنما أتجهت الى استخدام الوصف بعين الشخصية القصصية نفسها فتغيرت العلاقة بين الوصف والسرد وخاصة بعد أن خلخل السرد غير النقي واقعية السرد نفسه مما جعل حركية القص تتجه الى خلط الترتيب الزماني والمكاني للوصف والسرد بأفق مفتوح على مستويات متعددة من اللغة والدلالة والشكل .. ولا تلعب شفرات النص السردية والشكلية والتقنية المختلفة دورا أساسيا في تخليق أضاءات جوانية مضمرة في دلالات وملامح النص بل أنها تعيد تكريس منتوجها الأسلوبي في بنى من الصياغات الأسلوبية الخاصة فارضة بذلك تحديداتها على رؤى النص ومغزاه . لذلك نجد أن غياب التناول التفصيلي لتلك الشفرات النصية وافتقار النقاد لإكتشاف الجدليات الفعالة فيها بات من أخطر أوجه القصور في نقدنا الممنهج / سرد ما بعد الحداثة) . ونتيجة لتخطيط عباس عبد جاسم الجيد للموضوع واختياره الموفق لصياغات مصطلحاته التعاملية . غير أننا نجده وعند وصوله ورقة أو مرحلة دراسة أنموذج النصي الذي يقع كترتيب تسلسلي بموجب علاقات فقرات مباحث المقال والذي كان بدوره نصا قصصيا للقاص محمود عبد الوهاب بعنوان (الحديقة) إذ نرى الناقد من خلاله راح يعقد مخطوطة سيميائية خاصة ومركبة من شأنها فرز اشارات وتفاصيل ومحاور مخفيات وكشوفات علائقية النص السيميائية والإفعالية والصفاتية في جل تغيراتها الدلالية لغرض الكشف النقدي عن جوهر العلاقة النصية العضوية التوالدية للمعنى ، وتبعا لما قرأناه في حقل المخطوطة والمداخل التنظيرية من لدن إطارية مباحث الناقد حيث للأسف الشديد وجدنا الدارس لم يوفر لفضاء تفصيلاته التراتيبية العصية أي جهة ملاءمة مع أحداث وحالات النص نفسه بل أنه راح يفوت على نفسه وعلى القارىء حصيلة أختيارات بنيوية ودلالية هامة كان من المفترض على الناقد رصدها بادىء ذي بدء قبل الدخول الى غائبية شروحاته التغاضية الهائلة عن محتوى ما يحمله النص من طبيعة نوعية هامة في شفرات وانسجة القص . أن من أشكاليات مباحث الناقد عباس عبد جاسم في معاينة تجارب النصوص هو ولوجه الصارم نحو مستويات منظورية مركبة كامنة في مقترباته لدراسة النص الأدبي ، على حين غرى نلحظ بأن بعض النصوص لا تبلغ كل هذا المستوى من رؤى التفخيم المفهومية لديه والحاصلة في علاقات وأجواء وطبيعة وموضوعة وشكل النص المدروس كحال عوالم القاص علي السوداني في مقال (هو كوكو وما كوكو / اللعب الحر بقواعد القص) ومقال (الميتاسرد التاريخي وتمثيلات القهر الكولونيالي / موقع مخيم المواركة من سياق الرواية العربية) . وبالرغم من جدة استقصاءات المقتربات في سرد ما بعد الحداثة في رؤى آليات الناقد غير أنها في الوقت نفسه جاءت تسلط شفراتها المفهومية والمنهجية حول موطن تجارب ليست بالقريبة بالشكل الموضوعي الدقيق من قراءة موقعية وآلية منهج الناقد .

 

تعليق القراءة

في الواقع أن الاهتمام بالبنية أو البنى السردية المختصة بعوالم نصوص ما بعد الحداثة هي من السمات الفاعلة والبارزة في منهج ورؤى عباس عبد جاسم شاكرين له ولكن هناك مجاليات غير مستجيبة في طبيعة تجربتها النصية الغير فاعلة في شكلها الاعتيادي المتوحد . فالناقد في مشروع كتابه (سرد ما بعد الحداثة) راح يلجأ الى تجارب نصية لا علاقة لها تماما بمشروعه المعني بسرد ما بعد الحداثة وذلك لبعد الترابط والتلاحم الموضوعي مع آلياته ومنهجه ومقولاته . فضلا عن هذا الأمر راح يبرز لنا كقراء هو مدى حجم سلامة أدوات الناقد . فالقارى لها لربما لا تتضح له سوى مقتربات مقولية موغلة في بطون مجالات المكفوفية النظرية التي تحاول رسم وفرز وتقويم حالات وحياة النص ذوقا وكشفا , فالناقد في فضاء قراءاته النقدية لم يفصل القول النظري عن مساحة موقعية الممارسة الإجرائية بأي حدود فاصلة ما ، بل وجدناها أي العلاقة الإجرائية للنص شبه دمجية مع آليات نظرية غامضة بأطروحاتها الجاهزية المبنى والمصدرية . صحيح ولا أنكر بأن هناك تجارب تستحق التعويل عليها لما فيها من قيمة فنية وجمالية وتقنية كبيرة كتجربة مقال (الضفيرة / رواية ما فوق واقعية) وفصل مقال (طفولة جبل / الأحساسية الجديدة في كتابة الرواية ) ولكن هذا الأمر لا يتوقف على نوعية النص وكاتبه بل الإشكالية تتعلق بمقولات وآليات وتنظيرات الناقد لها والتي راحت تضع النصوص المنقودة في مقالات الكتاب في موضع الإيماءات الأصطلاحية والصور الكيفية الغير معتدلة مع محتوى تضمينات دلالات النصوص ذاتها. وفي الأخير لا أجدني بالضد مع تجربة الصديق الناقد ولكن أجدني مخالفا لبعض مشخصات ادواته النقدية التي لم تحسن عملية الفصل والمفاصلة بين مجال التنظير ودائرة الإجرائية التطبيقية للنصوص المدروسة . أن قراءة مباحث ومقالات كتاب (سرد ما بعد الحداثة) سواء كان الأمر في الرواية أو القصة القصيرة أو غير ذلك فالأمر يتطلب من الناقد إدخال ثمة علاقات مشخصة ومفاهيم متحركة في طبيعة مقولاته القرائية للنص ، بل ينبغي أيضا توفير ما هو متغير في شكل من أشكال التقنية والدلالة الرؤيوية في مساحة المعاينة النقدية لدى الناقد نفسه .. لا أن يقدم قراءات مصدرها الأساس قناعات مصدرية خاصة قد تنطبق على مداخل نصوصية مطابقة لذلك المحمول المدلولي المختص بمنطقة ما وراء السرد .. لا أن تقدم القراءة النقدية مرة أخرى لدى الناقد ثمة تجارب لا تعتمد ولا تتمثل بها تلك الأفكار لا من بعيد ولا من قريب بل لربما تبدو القراءة النقدية بهذا الحال وكأنها عشوائية غنوصية متنافرة الرؤى والأطراف والأقطاب والمشارب والأهواء . هكذا قرأنا مقالات كتاب (سرد ما بعد الحداثة) حيث وجدناه عبارة عن مقولات قرائية كان مصدره الأساسي المتحكم هو صنعة وحرفية عين الروائي الذي أخذ يقدم وجهة نظره النقدية ومشخصاته المفهومية حول تجارب روائية وقصصية وفقا لسيرورة مرتبطة أشد الأرتباط بقاموسية دليل الناقد المنظر وبلا هوادة ما وهو يؤول مقولاته المفهومية الحادة حول مواضع نصوصية كان من الأجدر به تقويمها بمقصوديات إجرائية معيارية تتوافق ودليل ونتائج وقائعها النظرية المفترضة بطريقة اتفاقية ما.

 

sadiq alsafiمؤلف الكتاب: شيريب سبيريدوفيتش، كما قدمه ناشر الطبعة-مأمون سعيد- من أسرة أسكندنافية نبيلة الأصل، وجده الاعلى الأمير رورك الذي أستدعاه السلافيون عام 862م الى فوجرود حيث أسس أسرة حاكمة أعطت لروسيا أهميتها.

أمتاز شيريب بروح شفافه واعية وتلقى تعليما خاصا وتدريبا مميزا مع خاصية موهبته العجيبة وقدرته على خلق فهم لمتطلبات الحاضر،  ولديه معجزة التنبؤ بالمستقبل،  تدرج بالرتب العسكرية والمناصب وكان اخر أيامه يحمل رتبة عليا -ميجرجنرال-في الجيش الامبراطوري الروسي، لكن وفاته كانت بصيغة غامضة مسموماً بالغاز في غرفته بفندق فخم يقيم فيه.؟يوم23تش1عام1926م قبل فترة قليلة من حضور مؤتمر للسلافيين،  كان طموحا لكنه توفي قبل ان يحقق حلمه في توحيد ملايين السلافيين الموزعين في أرجاء دول العالم.

وقد تطرق في تأليف كتابه الى أحد أهم حوادث التأريخ الحديث، وعن أشهر القادة الرؤساء في العالم، ولاهمية المعلومات التي تعطينا فكرة واضحة عن خلفية الأحداث الغامضة والقوى المحركة وراء كل حدث عجز الناس عن أيجاد تفسير منطقي له.؟

وقد أختار المؤلف هذا العنوان {حكومة العالم السرية - أو - اليد الخفية}

The Secret World Gove --- or -- TheHidden Hand

وفيه توضيح ل100مائة حدث تأريخي غامض في كتابه، أهمها قناعته بوجود هيئة يهودية لها صفة عالمية قدر عدد أفرادها في أوائل القرن العشرين ب300شخص يهودي، يرأسهم-أحدهم-نظامهم ديكتاتوري أستبدادي ويعملون وفق خطط موضوعة مسبقا للسيطرة على العالم.؟

هم حكومة خفية تحكم الشعوب بواسطة عملائها، لا تتوانى عن قتل او تحطيم كل مسؤول يحاول الخروج عن طاعتها، أو يقف حجر عثرة في سبيل تنفيذ مخططاتها.؟ ولها من النفوذ والقدرة ما يجعلها قادرة على أيصال اي{حقير} الى {الزعامة} وقمة المسؤولية، وتحطيم أي قائد حيثما يشاء.؟

 

المنظمة السرية

يعطونها أسماء مختلفة أهمها-{قيادة الماسونية العالمية} وهي حكومة سرية عالمية تتحكم في شعوب العالم من وراء ستار.؟

يؤكد مؤلف كتاب اليد الخفية سبيريدوفيتش {أن القوة الخفية التي تتحرك من خلف الماسونية هي{الحكومة السرية اليهودية}

وهنا علينا أن نحدد الاستنتاجات والمعلومات عن دور هذه{القوة} التي لاتستطيع أعطاءها أسما معينا، حيث ظهرت خلال حقب التأريخ جمعيات سرية تغرق في - الرمزية - ونجد أفتضاح أمر هذه الجمعيات السرية عند أعتقال أفرادها ومعرفة طرق تنظيمها وأفشاء أسرارها.؟ ومن الطبيعي أن تستفيد التنظيمات الاخرى وتتحاشى سلبياتها ولو تغيرت الاهداف والغايات ..!

لابد من التأكيد بأنه من المعروف تأريخيا - كان لليهود دولة بمعنى الدوله زمن النبي داود-ع- والنبي الملك سليمان-عليه السلام- فقط،  وتوفي النبي الملك سليمان-ع- حوالي922قبل الميلاد-،  وفي سنة 587 قبل الميلاد -قام الملك البابلي القوي نبوخذ نصر بتوسيع نفوذ مملكته، ونظرا للشغب الذي عملته مملكة يهوذا،  قرر نبوخذنصر معاقبتهم فدمر مملكة يهودا،  وساق أهلها اسرى الى بابل -بما يعرف تاريخيا { السبي البابلي الشهير}.

ولم يستطيع اليهود بعد ذلك من أقامة دولة متماسكة لهم، رغم محاولاتهم المتكررة، حيث يعقب كل محاولة تشتيت جديد في انحاء العالم.. لذلك عمد زعماء اليهود الى أختراع فكرة{ الوعد} لدى أسرى بابل، ورسخوها في أذهانهم ليحافظوا على وحدة اليهود، وان يعيدوا لهم الثقة بأنفسهم بعد كل هذه الانقسامات بمقولة -خرافية-{شعب الله المختار}.؟؟

لذا لانستبعد عقليا فكرة ان يقوم اليهود بتأسيس جمعية سرية تعمل عى تحقيق أهدافهم التي يسمونها{غوييم} وهم الذين يعتقدون ان اليهود شعب الله المختار، لذلك لانستغرب بوجود{حكومة عالمية سرية}لليهود، لاوطن لها،  ولا أرض،  ولا سلطات.؟

لكن مامدى سيطرة هذه المنظمة السرية او {الرحكومة الخفية} على الحكومات الحقيقية،  خاصة التي أرتبط أسمها بالصهيونية العالمية واخص بالذكر         

{الماسونية}

الماسونية

قال الاستاذ فؤاد فضول وهو احد كبار الماسون العرب في كتابه {الماسونية خلاصة الحضارة الكنعانية}في معرض دفاعه عن الماسونية،  نقلا عن جان ابي نعوم وهو ايضا من كبار الماسون .؟- من هنا ساد الاعتقاد ان {البّناء الحّر} كان كنعانياً،  وان {البنائية}وهم الاسم الذي يطلقه الماسون على {الماسونية} بأنها- بنت الحضارة الكنعانية وهي قديمة قدم الانسان-.؟ ويعتقد هؤلاء بأن الصهيونية دخيلة عليها، ومتجنية فكريا وعلميا ودينيا.؟

ويكتب الاستاذ فؤاد فضول فصلاً مستقلاً في كتابه{تسلل الصهيونية الى الماسونية} يقول فيه - رب قائل يقول - لايهمنا الماضي بل يهمنا الحاضر-،  وحاضر {البنائية} يظهر علاقة البنائية بالصهيونية.!! لمثل هذا نقول أن التنكر للماضي هو تنكر للمستقبل، ونحن نرفض بشدةٍ قبول الامر الواقع ونعمل لتصحيح الحاضر.

 

التدرج في قيادة الماسونية

اغلب الناس يعتقدون ان الماسونية بجميع محافلها تدار عن طريق التسلسل من قبل قيادة يهودية لايدخلها غير اليهود، ومنهم مؤلف كتاب-حكومة العالم الخفية- سبيريدوفيتش،  لكن الاستاذ عبدالرحمن سامي مؤلف كتاب{الصهيونية والماسونية}

يقسم الماسونية الى 3ثلاث فرق

- الفرقة الأولى-المبتدئ- هم الماسونية الرمزية العامة ذات الدرجة 33 -ثلاث نقاط متراكبة نجميا-وهي الشائعة في كل الاقطار، وسميت عامة لانها للناس كافة على أختلاف أديانهم ولها ثلاث درجات اعلاها{ 33}ويسمى حاملها{أستاذ أعظم}

- الفرقة الثانية-رفيق- هي الماسونية الملوكية{العقد الملوكي}وهي متممة للفرقة الاولى ويقبل فيها{الاساتذة الاعاظم} الحائزين على درجة{33} ممن أدوا خدمات هامة جليلة لتحقيق أهداف الماسونية، لكن لايجوز لهؤلاء أن يتعدوا-المرتبة الاولى-فيها وهي رتبة{رفيق}أذا كانوا من غير اليهود.؟!!

- الفرقة الثالثة-الأستاذ- هي الماسونية الكونية وهذه لايعرف عن رئيسها ولا عن مقرها أي احد.؟ سوى أعضاءها من رؤساء محافل{العقد الملوكي} وكلهم يهود ولهذه الطبقة الماسونية محفل واحد لا يتعدد مهما طال الزمن.؟

هذه الفرقة تصدر تعليماتها الى محافل العقد الملوكي، وعن طريق هؤلاء تصل الاوامر الى محافل الماسونية الرمزية.؟-- انتهى--

ملاحظات سريةهامة

يجب ان لا ننسى ان معظم -{ماسونيّ العرب} منتمين سواءا كانوا ملوك او رؤساء ووزراء كبار او صغار.؟ لايعرفون هذه الحقائق-حسب المختصين- فهم جميعهم مهما ارتفعت درجاتهم يعتبرون في الدرجات الماسونية الدنيّا، بذلك يبقون خارج المخططات العالمية،  ومنهم من يترك الماسونية عندما يعرف حقيقة هذا الكلام عنها.؟ والباقين منهم يكابرون على أقل تقدير..ومنهم يأمل ان تتحسن الاوضاع لصالحه،  ويختلف بين كل منتمي عربي-مهما كان- واخر.؟

أما مدى نفوذ هذه المنظمات السرية او ما يسمى {حكومة العالم الخفية}على الحكومات الفعلية،  فهذا يختلف بين حكومة واخرى، فقد يصادف ان يكون رئيس دولة ما.؟ عضوا في بعض المنظمات، بينما يمكن ان يكون رئيس دولة اخر عدوا لدودا لهم .؟ فتنتقم منه بكل السبل .؟

كذلك فان قوة المنظمات الفعلية أمر فيه نظر ..والذي نعتقده أن مايكتب ويذاع وينشر فيه انواع من المبالغة وتهويل كثير، وذلك ما يرضي قادة تلك المنظمات ويجعلهم يضحكون في سرهم مما يكتب ويذاع وينشر، وهم اعرف بأنفسهم .؟ بل ربما هم من ساعدوا على هذا التهويل والمبالغة والتشويش ضمن مخطط مدروس لحرب نفسية.؟!

لكننا لا نقلل من أهمية دور المنظمات السرية او الايدي الخفية وما قدمته وتقدمه للصهيونية العالمية،  فأقامة أسرائيل وفق وعد بلفور وطرد الفلسطينيين من اوطانهم، ليست وليدة الصدفة، بل نتاج تاريخ طويل من التخطيط المضني والعمل الدؤوب المركّز،  وهو اقوى مخطط رهيب تم تنفيذه على مراحل وها هو مستمر الى الان  في تقطيع وتمزيق اوصال الدول العربية بالحروب والفتن بما يسمونه {الربيع العربي} واحتلال الدول وادخال القاعدة والنصرة وداعش الارهابية  التي من خلالها تم تدمير الجيوش والبنية التحتية وايقاف الازدهار والتعليم والتقدم باساليب ذكيه مدمرة  منها الاقتتال الداخلي بين افراد الشعب الواحد والعداء بين الدول ... كل هذه وغيرها من النتائج المؤلمة لجهود تدخل المنظمات السرية او الايادي الخفية بمساعدة بعض الحكام والعملاء  لهم.؟

 

صادق الصافي - كاتب - ناشط مدني

عراقي مقيم في النرويج

 

980-bilfaqirصدر عن دار بصمة للنشر والتّوزيع عمل روائي جديد للكاتب المغربي عبد العزيز بلفقـير. تحمل الرّواية عنوانا مثيرا للاهتمام "لا تجرّب حبّ امرأة"، الذي يحيل إلى دلالات كثيرة، كلّها متعلقة بقيمة الحبّ، باعتبارها قيمة مسؤولة عن كلّ التغييرات والأحداث التي تشكل حياة الإنسان. كما أنّ غلاف الرّواية الذي صممته دار بصمة للنشر والتوزيع، يغري بقراءة العمل وتتبع مسارات الرّواية من البداية حتى النّهاية.

980-bilfaqirكثيرة هي تجارب الحب التي عاشها ويعيشها الرّجال، بعضها كلّل بالنجاح وبعضها الآخر كانت نهايته الفشل. لكن ما الحب الذي لا يجب على الرّجل عدم تجربته؟ ولكن كيف يجب أن نحبّ أصلا؟ أسئلة كثيرة يمكن للقارئ أن يطرحها على العالم السّردي للرّواية، وأكيد لن يجد إجابات إلاّ بعد قراءة العمل، غير أنّ بعض الإجابات تدخله في أسئلة أخرى مرتبطة بالواقع واللاواقع، بالوجود والعدم، بالمعنى والعبث، بالحياة والموت.. لذا يبقى السؤال أداة لاكتشاف العالم من خلال العمل الروائي.

رواية "لا تجرب حب امرأة" تعري المجتمع المغربي وتفضح بعض التجاوزات التي يقدم عليها كلّ من الرّجل والمرأة على حد سواء. كما تكشف عن قضايا غيّرت مسارات كثير من الشخصيات، كالإرهاب والاعتقال والمشاكل العاطفية والنفسية للأفراد وغيرها.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الرّواية ستشارك بها دار بصمة للنشر والتّوزيع بمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2017. كما أنّ دار بصمة تعتبر من بين أبرز وأهم دور النّشر التي لها صيت طيب وكبير في العالم العربي.

 

979-miftahصدر للشاعر المغربي عبد اللطيف الوراري ديوان جديد تحت " مُثنّى بصيغة الجمع"، عن منشورات مقاربات- فاس، يناير 2017.

  والديوان هو في الأصل قصيدة طويلة تتشكل من مقاطع وشذرات متنوعة تستغرق أزمنة وفضاءات ورموز عابرة للتاريخ الروحي والجمالي للإنسان (جلال الدين الرومي، ذو النون، الحسن والحسين، المعتمد بن عباد، ابن زيدون، زينب النفزاوية، السياب، جامع الفنا، بردى،..). ومن  خلال هذه الفسيفساء للعينين (المثنّى) يتم تأويلهما بصيغة جمع متعدد يسافر بالقارئ في أقاصي التاريخ والحضارة.

  فقد جعل الشاعر من (العينين) بما هما أول الوجه وعمقه وسر غوامضه، لازمة تتكرر طوال شذرات القصيدة، واستعارة كنائية تعبر عن جوهر الإنسان وكينونته المتحولة في احتفائها بالجمال والخير والمحبة وصراعها الخفي مع قوى الشرّ والظلام.

  979-miftahفي إحدى هذه الشذرات، يقول الشاعر:

"عَيْناكِ

أستمعُ إليهما،

يقولان:

منذ خرجنا مع الإنسان،

ونحن نُزكِّي عليه

من ماء الكَوْثر،

ونُخفِّف عنه."

 وتجدر أن الديوان- القصيدة حاز على جائزة القصيدة العربية بالمغرب في دورتها الرابعة التي حملت اسم الشاعرة أمينة المريني.

 

 

978-maصدر حديثا للكاتب المغربي عبد الرحيم الخصار عمل أدبي جديد بعنوان "خريف فرجينيا، رحلات إلى أوروبا وأمريكا". ويندرج هذا الكاتب الصادر عن دار نشر كرّاس المتوحد بالمغرب ضمن أدب الرحلة المعاصرة. وسبق للكاتب أن أصدر عددا من الأعمال الشعرية بالمغرب ومصر ولبنان.

وقد اختار عبد الرحيم الخصار أن يفتتح كتابه الجديد بمقدمة موجزة تحمل عنوان "في قاعة الإركاب"، جاء فيها: (يمكن اعتبار هذا الكتاب بمثابة إطلالة من نافذة صغيرة على مروج لا نهاية لها، لذلك قلت في أحد نصوصه: "أنا الذي لم أرَ من العالم إلا ما يراه الأعشى في السديم". غالبا ما كان النص برمته ينطلق من فكرة بسيطة أو لحظة إنسانية صغيرة، ليتفرع عنها الكثير من الحكي غير المخطط له. فالحكيم لاوتسو كان يقول: "المسافر الجيد ليست لديه خطط محددة، ولا يعتزم الوصول". فأنا لم أخطط للسفر، ولم أخطط للكتاب. ومثلما تركت للصدفة مهمة القيادة في هذه الرحلات تركت لها أيضا المهمة ذاتها تقريبا في ترتيب الكلمات. يمكن اعتبار هذا الكتاب أيضا بمثابة وعد يتردّد في أعماق كائن يرغب في أن يضع قدميه في الجهات الأربع لهذه الأرض قبل أن يغادرها).

978-maنقرأ على الغلاف كلمة للناشر في وصف نصوص الكتاب: "سرد لتفاصيل مشوقة من رحلات الكاتب إلى ثلاث ولايات أمريكية هي فرجينيا وكاليفورنيا وإلينوي، إضافة إلى مدن أوربية أخرى هي: لندن وبروكسيل ولوديف ومارسيليا، مع مادة خاصة عن المنزل الذي كان يعيش فيه الشاعر اليوناني كفافيس في الإسكندرية. يجمع الكتاب بين الثقافي والإنساني والمؤثر والطريف، كما يقدم ولأول مرة في العالم العربي تقارير خاصة عن مكتبة سيتي لايتس التي ترعرع فيها جيل البيث بسان فرانسيسكو، والطاحونة الخضراء بشيكاغو. كل ذلك بأسلوب شيق ولغة عربية أخاذة تجمع بين السرد والشعر".

في أحد نصوص الكتاب نقرأ: "كان نداء بروكسيل يتردد في الداخل، حتى أن قرع الأجراس كان يتناهى إلى مسمعي بين فينة وأخرى. لا بدّ من الذهاب إلى بروكسيل وبعدها أمستردام ثم النزول إلى لوكسمبورغ عبر بلاد السيد هولدرلين . قلت هذا مع نفسي وأنا أجرّ حقيبة بنيّة صغيرة اشتريتها من شارع ديدوش مراد بالجزائر، حقيبة لا تحمل الكثير من الملابس، لكنها تحمل معي ذلك الشعور العميق الذي يحمله كائن يرغب أن يطوف العالم بالطائرة والقطار والحافلة والسيارة ومشيا على الأقدام، كائن يحس أن الحياة قصيرة، وأن العالم ليس قرية كما يشاع".

يقع خريف فرجينيا في 118 صفحة من القطع المتوسط، وستصدر قريبا الترجمة الفرنسية للكتاب بتوقيع محمد حمودان الكاتب المغربي المقيم في باريس.

 

 

977-azizعن دار "نور نشر" بألمانيا 2016 صدر مؤخراً للناقد والكاتب المغربي عزيز العرباوي كتاب جديد تحت عنوان "الشعر العربي وغموض الحداثة: دراسات نقدية"، تعرض فيه، إضافة إلى مدخل نظري، إلى دراسة العديد من الدواوين الشعرية العربية تتوزع مناطق جغرافية متعددة من المغرب إلى الخليج، مثل الشعراء: حسن نجمي، لطيفة الأزرق، نور الدين الزويتني، صلاح دبشة، محمد حلمي الريشة، علي الستراوي، سيف الرحبي، فاطمة ناعوت، محمد علي شمس الدين، وليد علاء الدين... وغيرهم.

977-azizيقول الناقد في مقدمة الكتاب: "إن الشعر ينطلق من الواقع فيستقل عنه في المرحلة الثانية ويختلف عنه، ويؤسس لذاته عالماً خاصاً به جمالياً ودلالياً وفنياً. وبالتالي، فهو يثير هذا العالم من حيث الوعي به ومعرفته وتحديده تحديداً فجائياً ومدهشاً. إنه يتماهى مع العالم ومع الواقع لكنه يرسم لوحة لها طبيعتها الخاصة. سواء كان شعراً موزوناً مقفى، أم شعراً حراً، أم شعراً نثرياً (قصيدة النثر). فالشعر إبداع وخلق، والمهم فيه ليس الشكل والمضمون بل الإبداع المتميز والمدهش لأنه عنوان للشعرية والتميز الفني والأدبي، بعيداً عن الرداءة والفقر والفشل".

كما يؤكد الناقد أيضاً على أن "الشعر ذو طبيعة مختلفة عن طبيعة العلوم والمعارف المختلفة التي تستعمل اللغة وسيلة للتعبير عنها، بحكم أنه ليس قانوناً اجتماعياً أو فلسفياً أو ثقافياً. فهو طريقة تعبير خاصة لا يمثل الموضوع فيها إلا عنصراً من عناصر القصيدة المختلفة... إنه عالم خاص مستقل عن العالمين الداخلي والخارجي، يحتكم إلى الأسطورة والرمزية والخيال في تبني مرجعيته الخاصة. والشعر يتميز عن الدين والفلسفة والعلم بكل أنواعه من حيث وظيفته الجمالية، لأنه لا يرمي إلى تقديم غاية مباشرة، بل بالعكس فغايته هي الإيقاع والدهشة، ولا يرمي إلى تقديم معرفة معلبة جاهزة ينافس بها العلم بل له معرفته الخاصة به التي تظهر من خلال جماليته التعبيرية واللغوية".

 

ezzeddine  anayaثلاث قصص للأطفال هي آخر إصدارات مشروع كلمة الإماراتي من الإيطالية، الأولى بعنوان "رَجُل الماءِ والنّافُورة" لأوفو روزاتي وغابرييل باكيكو، وهي حكاية تروي قصة "رَجُلَ الماءِ، بِالتَّحديدِ.

أَقولُ ثانية، لِمن لَم يَفهمْ.

رَجُل مِنَ الماء، بَعْدَ أَن كَوّنت القَطرةُ الأَخيرةُ

خصْلة شَعْره المنْحنية في منتصفِ جَبينهِ،

اِنتصبَ فَجْأة عَلى قَدميهِ،

قَفز خارج المِغسلةِ وصاحَ:

يا إلَهي.. ما الذي يجرِي هنا؟"

أما القصة الثانية فهي بعنوان "الأَسد آكِلُ الرُّسومِ" لبنيامينو سِيدوتي وهي لا تقلّ تشويقا عن سابقتها، تروي قصة "أسَد شَغوف بِرُسوم الأَطفالِ.

كان يحِبّها حبّا جمّا!

وكان يَقولُ: "رُسوم الأَطفالِ حَسنةُ المذاق،

أَلذّ مِنْ بَقيّةِ الرُسوم". وَيقولُ أيضا:

"لا أعْرفُ لماذا… رُبّما بِسببِ كلّ تلك الألوانِ،

أَو لِأنّ الخطوط عَريضةٌ.

على أَية حال، إنّها شَهِيّة جدّا.

لا شَيء يعْجبنِي أَكثر منْ رَسم طازج

رَسمه طِفل لِتوه!"

في حين القصة الثالثة "رحلة إلى المَجهول"، فهي لكريستيانا فالنتيني وفيليب جوردانو، تحدّثُ عن بذرة طارت من شجرة "ففي يَومٍ مُزهر هَبّت الرّيحُ وَداعبتِ الغُصون

فَحَيّت الشجَرة البُذورَ الصّغيرة

وهي تَبدأُ رِحلتها الطّويلة إلى المصيرِ المجهول.

ولِكي تصبِح أَشجارا، حَلّق بَعضُها نَحو الجَنوب الدافئ،

وبَعضها إِلى الشّمال البارِد،

طار بَعضها قريبا، داخلَ مزْهرِيّة على إِحدى الشُرفات.

وهناكَ بُذور هَامت بَعيدا بَعيدا، ربّما إلى المصيرِ المجهولِ".

القصص الثلاث من ترجمة العراقي عدنان ومراجعة التونسي عزالدين عناية، وهي تندرج ضمن مبدأ أقره "مشروع كلمة" اعتماد الترجمة من اللغات الأصلية مباشرة دون لغات وسيطة، والأطفال هم أجدر القراء لمراعاة حقهم هذا.

 

رَجُل الماءِ والنّافُورة

تأليف: أوفو روزاتي-غابرييل باكيكو

ترجمة: عدنان علي

مراجعة: عزالدين عناية

"مشروع كلمة"، أبوظبي 2016.

 

الأَسد آكِلُ الرُّسومِ

تأليف: بنيامينو سِيدوتي

ترجمة: عدنان علي

مراجعة: عزالدين عناية

"مشروع كلمة"، أبوظبي 2016.

 

رحلة إلى المَجهول

تأليف: كريستيانا فالنتيني-فيليب جوردانو

ترجمة: عدنان علي

مراجعة: عزالدين عناية

"مشروع كلمة"، أبوظبي 2016.

 

976-kotobضمن سلسلة الموسوعة الصغيرة التي تعنى بمختلف العلوم والفنون والآداب والتي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة صدر للكاتب محمود الحاج قاسم محمد كتابه الموسوم  (الألم وعلاجه عند الأطباء العرب والمسلمين).

976-kotobتضمن الكتاب ثمانية فصول توزعت ما بين الألم وعلاجه في الطب الحديث، المفهوم الإسلامي للألم وعلاجه، الألم عند الأمم السابقة، الألم وأنواعه عند الأطباء العرب والمسلمين ومعالجة الألم بشكل عام بالأدوية غير المنومة والمخدرة عند العرب والمسلمين، معالجة الألم بالأدوية المسكنة والمنومة والمخدرة عند الأطباء العرب والمسلمين، المفهوم العلمي الحديث للأدوية المخدرة والمنومة التي استعملها الأطباء العرب والمسلمون، الطرق غير الدوائية في علاج الألم عند الأطباء العرب والمسلمين.

يعتبر الكتاب خلاصة موجزة عن مفهوم الألم وعلاجه والاهتمام بهذا المجال من قبل الباحثين النفسيين والأطباء وصدور الكثير من الكتب وانعقاد العديد من الندوات العلمية واستحداث عيادات لتخفيف معاناة المرضى من الألم في أقطار مختلفة من العالم.

 

 

sanaa alshalanمن له باع طويل ويد عليا في قراءة المذاهب الفكريّة الحديثة لا سيما الوجوديّة منها، وله إطلالته المشرفة بحقّ على الأدب العربيّ الحديث لا سيما الشّعريّ منه، يستطيع أن يحسن تثمين كتاب "الاتّجاهات الوجوديّة في الشّعر العربيّ الحديثّ" للعلامة الهنديّ محمد ثناء الله النّدوي، وهو كتاب يعدّ علامة من علامات نقد الشّعر العربيّ الحديث من منظور الفكر الوجوديّ.ومن السّهل علينا عند الإطلاع عليه أن نخمّن مقدار الجهد الفكريّ والبحثيّ والاستقصائي الذي بُذل فيها حتى استوى على الشّكل الذي قبله له مؤلّفه النّدويّ، وهو جهد لعلّه استمرّ لسنوات، ليتشبّع –بوضوح- بثقافة مؤلفه وبفكره وبآرائه ونظرته للتّأثّر والتّأثير، وفلسفته البحثيّة الرّصينة في رصد تجلّى المؤثّر في الأثر، أعني –هنا- تجلّي الاتّجاه الوجوديّ في الشّعر العربيّ الحديث.

هذا الكتاب صدر عن قسم اللّغة العربيّة في جامعة عليكره الإسلاميّة الهنديّة، وهو يقع في 357 صفحة من القطع المتوسّط، ويتكوّن من اثني عشرة فصلاً مرهونة بمقدمة تسبقها، وخاتمة تنهيها، وتجمعها في تبئير تلخيصيّ ختاميّ.

ولعلّ الكتاب يبدأ فعلاً من صفحة الإهداء، لا من صفحة المقدّمة، إذ يعبّر العلامة النّدويّ في هذه الصفحة عن الرّوح التي تملّكته وهو يقوم بهذا البحث العميق المطوّل المتأنّي، إذ يقول في الإهداء:" إهداء آخرين هم الفردوس، من وقفوا في وجه حيرتي وضياعي :أبي (أكرم مثواه) وأمي (طال بقائها) وأساتذتي، فجزاهم الله خيراً" (1)، وكأنّ العلامة النّدويّ يبدأ رحلة الحيرة من نفسه عبر رحلته الأولى مع العلم والسّؤال والمعرفة، ثم ينتقل بهذه الرّحلة بما فيها من أسئلة وجود وحيرة وشكّ ويقين إلى تجارب غيره من الحائرين في محورين:الأوّل: التّشكيل الفكريّ الممثّل في التّنظير للمدرسة الوجوديّة، والثّاني التّشكيل الإبداعيّ المتأثّر بالتّشكيل الفكريّ ممثلاً في الشّعر العربيّ الحديث المتأثّر بالوجوديّة.

وتمهيداً لذلك كلّه يرصد النّدوي مقدّمة كتابه لتكون إطلالة سريعة على الفكر الوجوديّ عبر مشكلاته ومحرّضات وجوده وتمثّلات أفكاره في ضوء المعطيات التّاريخيّة والثّقافيّة التي هيأت لولادته، أو سوّغت وجوده، وهو يجعلها توطئة ذكية ومقنعة للمقبل من كتابه حيث يقول في ختامها :" ويجب أن أشير – في نهاية هذه البداية- إلى أنّني قمتُ في هذا الكتاب بإحاطة التّنظير الفلسفيّ والأدبيّ والشّعريّ للوجوديّة الأوربيّة العربيّة الحديثة، وتقميش المعلومات حوله ودراسة الشّعر الوجوديّ في غرب آسيا بما يجعل القارئ يشاهد صرح الوجوديّة يسمع صرختها، والمؤلّف هو المسؤول عن التحرّي الموضوعيّ والاستدلال العلميّ وإيراد النّصوص والاستنتاج:قوة وضعفاً، رداً وقبولاً، على كلّ فالمجال متسع في موضوع مثل فلسفة الوجوديّة وانعكاساتها في الشّعر العربيّ الحديث" (2)

وبعد هذه المساحة الشّاسعة من الجدل والمناظرة التي يطرحها النّدويّ أمامنا ينتقل إلى مدخل كتابه الذي يعقده تحت عنوان " فلسفة الوجوديّة:تنظيرها الأنطولوجيّ وتقميصها الاجتماعيّ والرّوحيّ"، حيث يتصدّى في هذا الفصل للمحدّدات الزّمنيّة والمكانيّة والظّرفيّة التي خلقت أرضاً محفّزة لمخاض الفكر الوجوديّ، ثم دراسة للقاعدة الفكريّة للوجوديّة ابتداء من ولادتها بوصفها حركة فلسفيّة، مروراً بأشهر أعلام الوجوديين الأوربيين باستعراض مشبع لنظرياتهم الوجوديّة انطلاقاً من مناهجهم على اختلاف تشكيلاتها ومعطياتها ومكوّناتها على مستويي التّنظير والسّلوك، انتهاء بالتّوقف المتأمّل والطّويل عند مساحات التّلاقي والتشابه والتّداخل والتّنافر بين الفكر الوجوديّ والفلسفات الأخرى لاسيما  الفلسفة الإسلاميّة والغنوصيّة الإسلاميّة في ظلّ تنظير موجز حول التّصوّف الوجوديّ والأدب الوجودي الأوروبيّ، وقوفاً على عجالة عند تعريف الشّعر الوجوديّ، وهو تعريف يستثمره النّدويّ في اختياره للنّماذج الشّعريّة العربيّة التي يختارها مادة تطبيقيّة لكتابه هذا.

وقد نظّم النّدويّ هذه الأحفورات المعرفيّة في عناوين داخليّة، وهي:مدخل، أسلاف الوجوديين، ظهور الحركة الوجوديّة كحركة، القضايا المنهجيّة في الوجوديّة، التّنظير الأنطولوجي ومقولاته، الوجود، العدم، الحرية، الاختيار، الالتزام والمسؤولية، وجود الآخرين، وجود الله، مقولات العاطفة والإرادة، الأحوال العاطفيّة، معطيات الوجوديّة في الأخلاق والسّلوكيّات، أوجه التّلاقي بين الوجوديّة والفلسفة الإسلاميّة، الإنسان الكامل والرجل الأوحد، القلق، الملامتية والقلندريّة من وجهة نظر وجوديّة، التّصوف الوجوديّ.

أمّا الفصل الثّاني المعقود تحت عنوان "التّنظير الوجوديّ للأدب"، فهو يرصده لعرض يمثّل الفكر الوجوديّ في الأدب متمثّلاً ذلك في رصد دقيق ومستوف لأهم أدباء الوجوديّة وإبداعاتهم ضمن تسلسل زمنيّ دقيق ومثبت، وقوفاً عند ملامح هذا الأدب الوليد وأهم قضاياه وتجلياته وتشكّلاته وتلقّي الجماهير له في ضوء الظّروف الفكريّة والسّياسيّة الاجتماعيّة التي عايشت تلك الولادات الإبداعيّة في حضن الفكر الوجوديّ.

في حين أنّ الفصل الثّالث من كتابه كان توقّفاً ببلوغرافيّاً عند أهم الأعمال الوجوديّة التي تُرجمت إلى العربيّة، وذلك في فصل معقود تحت عنوان "ترجمة الأعمال الوجوديّة إلى العربيّة"، مع التوّقف عند بعض مواقف مفكري الوجوديّة وأدبائها التي جعلت لهم موطأ وجود واحترام وتقدير في المشهد الأدبيّ الفكريّ إبّان فيض التّرجمات من أدبهم إلى العربيّة، وهي مواقف جعلت الكثيرين يرغبون بالإطلاع على إبداعاتهم، وقد رأى النّدويّ في هذا الفصلّ أنّ الوجوديّة قد حظيت بتربة خصبة في البيئة العربيّة بعد الحرب الثانيّة للأسباب التّالية:" البعثات العلميّة التي أمّت أوروبا في الرّبع الثالث من هذا القرن، والمثقفون الذين كانوا يتقنون اللغات الأجنبيّة ويقرأون التّراث العلميّ والفلسفيّ في اللّغات الفرنسيّة والألمانيّة والانجليزيّة وسواها، ويحتكون بأساتذة الجامعات الغربية والمثقفين من الغرب، والتّرجمات التي نقلت من خلالها إلى العربيّة أعمال الوجوديين وشروحها والتّعليقات عليها"(3)، مشيراً إلى أنّ العرب قد ركزوا في التّرجمات الوجوديّة إلى العربيّة على الوجوديّة الفرنسيّة، لا سيما أعمال سارتر وكامو وسيمون دي بوفوار.

وانتقل العلامة النّدويّ في الفصل الرّابع المعقود تحت عنوان " مراجعات وتعقيبات عربيّة للفكر الوجوديّ" إلى رصد مواقف أشهر المفكرين والأدباء والنّقاد والفلاسفة والأكاديميين العرب الذين كتبوا كتباً أو دراسات أو أبحاث أو مقالات حول الوجوديّة، وهي مواقف ومؤلفات تراوحت بين العرض إلى التّبني والإعجاب إلى النّبذ والرّفض والتّفنيد والإقصاء، وفي ذلك يقول النّدويّ:" لا نجد مؤلفاً شهيراً أو كاتباً قديراً أو مثقفاً يُشار إليه بالبنان من العرب إلاّ وتناول الوجوديّة والوجوديين موقفاً هجوياً، ومنهم من دافع عن الوجوديّة وفلسفتها وأدبها، ومن أشهر من تناول الوجوديّة دفاعاً أو هجوماً على السّاحة العربيّة:عباس محمود العقاد، وطه حسين، وسلامه موسى ويوسف إدريس وحسين مؤنس ولويس عوض وأحمد بهاء الدّين وأنور الجندي ومحمد لبيب البوهي"(4)

أمّا في فصل "توأمة الحداثة والوجوديّة على السّاحة العربيّة" فقد قدّم النّدويّ رؤيته الخاصّة حول حدود التّداخل والاستدعاء والاستعارة والاستنهاض في تخوم الحداثة والوجوديّة في السّاحة الإبداعيّة العربيّة المحدثة؛إذ يرى النّدويّ أنّ الحداثة تتضمّن عناصر عدّة، وتستلزم الأخذ بعناصر عدّة، وواجهت صعوبات عديدة منذ نشأتها في أوساط الأدب العربيّ الحديث لا سيما الشّعريّ منه، وهي جميعها تقودنا إلى الاستدراك على تأثر الأدب العربيّ بالوجوديّة لاسيما أنّ الحداثة واجهت رفضاً كما واجهت الوجوديّة، وفي ذلك يقول النّدويّ مفسّراً:" في رأيي أنّ هذه المعاناة الذّهنيّة أو وليدة العقل، لأنّ العالم الحديث الذي يتحدّث عنه المحدثون يعنون به العالم الأمريكيّ والأوروبيّ، وليس العالم الوطنيّ الحديث الذي وُلد ونشأ فيه الأديب العربيّ، وهذا يجعل الحداثة الشّعريّة لدى الشّعراء والنّقاد المحدثين وكأنّها جسم غريب مستعار"(5) .وفي هذا الصّدد توقّف النّدويّ عند مسألة الوزن والقافية، والنّثر الشّعريّ والشّعر المنثور، والقصيدة الحديثة، واللّغة الشّعريّة الحديثة.

في حين رصد النّدوي الفصل السّادس من كتابه ليكون بعنوان " الوجوديّة في الشّعر العربيّ الحديث"، وفيه يتوقّف على حلول الوجوديّة في المبنى الشّعريّ العربيّ، وفي ذلك يقول:" الوجوديّة نوع من الحداثة الفكريّة في الشّعر العربيّ الحديث، ولا يخفى على الباحث أنّ الشّعر العربيّ الحديث شهد ألواناً من معطيات فكريّة وتجارب شعريّة في العصر الحديث... لقد حمل الفكر الوجوديّ إلى المجتمع العربيّ معطيات إيجابيّة ومعطيات سلبيّة في آن واحد..."(6).وقد توقّف عند أهم الصّفات التي تتميّز بها النّقطة الوجوديّة المليئة بالمعاني، وهي :الجزع، والقلق.إلى جانب الوقوف عند أداوت التّعبير وما اعتراها من تغيير على مستويات الألفاظ والصّور والوزن في ظلّ الوجوديّة، وصولاً إلى الوقوف عند موضوعات التّعبير التي يقول النّدوي في عنها:" موضوعات التّعبير غير محدودة في الشّعر الوجوديّ، وللشّاعر الوجوديّ أن يطرق أيّ موضوع شاء، لكن بشرط أن يكون في هذا الموضوع ما يرتفع به إلى إبداع عالم من الإمكان في نطاق الذّاتيّة، وهو لهذا لا يضيّق حدود إلهامه بشيء ممّا يتصل بطبيعة الموضوع المعالج"(7)

وشكليّاً الفصول السّت الأولى من هذا الكتاب هي حقل تنظيريّ ومنجز عملاق من الببلوغرافيا والرّصد الزّمنيّ والتّجذير التّاريخيّ والفكريّ والجماليّ لما يعرضه النّدويّ من أنساق فكريّة واستدعاءات فكريّة وسلوكيّة وفنيّة، في إزاء الموقف البحثيّ الصّارم الذي يصدر عنه في تجلياته وانتقاءاته وتشكيلاته الفكريّة والجماليّة، وهو موقف يرصد بحياديّة تحليليّة، تسمح للملتقي بتشكيل رؤيته وموقفه دون دفعه إلى تبنّي موقف بحد ذاته خارج عن حقّه في حريّة تلقي الحالة الجماليّة التي هو بصددها وفق معرفته بالأرضيّة التّاريخيّة للفكر الوجوديّ.

أمّا الفصول السّتة الأخيرة من هذا الكتاب فهي تشكّل الجزء التّطبيقيّ من هذه الدّراسة حيث تنعقد في سبعة فصول تحمل على التّوالي العناوين التّالية:" شعراء وجوديون" وخليل الحاوي:ترتيل ناي وريح ورماد" و"بين قافية الحياة وقافية الشّعر:انعكاسات بدوي في مرآة نفسه" و"حطام الفراغ وشموخ الحريّة:أدونيس وأغانيه" و"البياتي وإدماء سيزيف" و"بقايا رجاء في بقايا رجل:المأساويّ المتفائل في صلاح عبد الصّبور".وفي هذه الفصول يبتدأ النّدويّ دراسته التّطبيقيّة بتقعيد أهمّ ملامح الوجوديّة في الشّعر العربيّ المعاصر حيث يقول في ذلك:" الشّعر الوجوديّ يكثر من استخدام الصّور في التّعبير قدر المستطاع، بحيث لو قدر أن يجعل تعبيراته كلّها معرضاً مستمرّاً لصور متوالية لكان من الذّروة العليا من الإبداع في الأداء"(8)،  و"الشّعر الوجوديّ يطرق أيّ موضوع شاء بشرط أن يكون في هذا الموضوع ما يرتفع به إلى إبداع عالم من الإمكان في نطاق الذّاتيّة" (9)، و" الشّعر الوجوديّ العربيّ يمثّل المعطيات السّلبيّة والمعطيات الإيجابيّة لفلسفة الوجوديّة في آن معاً، فمن المعطيات السّلبيّة ما امتلأ به الفكر الوجوديّ من معاني التّمزّق واليأس والعبث والاستسلام والقرف والغربة والقلق والتّوتّر والملل والضّياع والغثيان والتّنكّر لقيم الأخلاق والعيش في دوامة الحيرة والتّناقض والانسحاق ومسرحياتها، أمّا الجوانب الوجوديّة الايجابيّة من الفكر الوجوديّ فهي تتمثّل في مبدأ اعتبار الإنسان أصلاً في الوجود، وتوكيد الذّات الفرديّة والحريّة التي لا يقيّدها شيء والتي تتحقّق بالعمل والإبداع وتغيير الحاضر وبناء المستقبل، هذه الحريّة تجعل الإنسان مسؤولاً عن هذا الاختيار، وبالتالي عن هذا العالم كلّه، فالحريّة والالتزام الكلّي أفضل ما منحتنا فلسفة الوجوديّة وأفضل ما تبّناه الشّعر"(10)، " الوجوديّ ينبذ كلّ ما هو وراء المادة وكلّ ما هو خارج الوجود الإنسانيّ، إنّه يبدع إنجيله من تراتيله، ويولد في كلّ غدّ من جديد، وهو في اختياره لهجة البرق والصّاعقة قديس بربريّ وساحر الغبار وفارس الكلمات الغريبة، والأرض له سرير وزوجة والعالم انحناء، ويصعد الإله من أعماقه، إنّه يبحث عن عالم يبدأ في طرف العالم"(11)

وبعد أن يحدّد النّدوي المعاني التي تسكن الوجوديّة وتتجلّى في الشّعر العربيّ الحديث ينطلق إلى رصدها في الأمثلة التطبيقيّة الخمسة التي اختارها؛ويتوقّف عندها جميعاً بالتّعريف بالأديب صاحبّ النّص المستدعى وبعلاقته بالوجوديّة وروافدها الفكريّة وما قيل عنه في هذا الصّدد، ثم يتخيّر العمل الذي يراه أنموذجاً لحلول الوجوديّة في فكر شعره، ثم يشرع يفكّكه، ويُعمِل مبضعه فيه بخفّة متمرّسة، فيخلع عن الصّمت رداءه، ويرينا وجه الوجوديّة في خفاء المسكوت عنه في تلك النّماذج المتخيّرة، ثم يترك لنا أن نقيّم العمل الإبداعيّ الذي شرّحه لنا، بعد أن وضعه في أحضاننا مخلّياً بيننا وبينه، لنتلمّس فيه ملامح الوجوديّة وفق فهمنا لها، وتعاطينا مع ملامحها وأفكارها وطروحاتها.

وخليل الحاوي هو أوّل من يستدعيه أنموذجاً للشّعر العربيّ الوجوديّ، حيث يدرس بعض قصائد ديواني" نهر الرّماد" و"النأي والريح" ليصل بنا إلى أنّ هذين الدّيوانين يشكّلان ذروة الشّعر الوجوديّ الرّصين في الأدب العربيّ، كما يمثّلان تجربة حضاريّة تتصدّى للقلق والتمزّق الذين يثيران الحيرة واللّبس"(12)، ثم يرحل إلى الدكتور عبد الرّحمن بدوي في ديوانه "مرآة نفسي" حيث يستعرض في قصائده ملامح كثيرة ومتعدّدة ومتكرّرة للوجوديّة في أكثر صورها جلاء، ثم بعد ذلك يعرّج على الشّاعر أدونيس في ديوانه "أغاني مهيار الدّمشقيّ" الذي يتكوّن من سبعة فصول جميعها تحتوي  على عناصر وجودية بشكل ظاهر ومسيطر على أجواء القصيدة، ثم يطيل وقوفه في الفصل الحادي عشر عند الشّاعر عبد الوهاب البياتي، حيث يدرس قصائد مختارة من دواوينه الشّعريّة التي تعجّ بالوجوديّة، مثل:"أباريق مهشمة" و"النّار والكلمات"و"سفر الفقر والثّورة" وغيرها، وذلك في إطار خليط بين الماركسيّة والقوميّة العربيّة والوجوديّة "بما تقوم عليه من مفاهيم الحريّة ومعاناة الوجود الإنسانيّ من أزماته ومشكلاته وقضايا الذّات الفرديّة والجماعيّة، والتزام ذلك طوعاً واختياراً من خلال المفهوم الحقيقيّ للحريّة الوجوديّة"(13)، ثم ينتهي عند صلاح عبد الدين عبد الصّبور في ديوانه " النّاس في بلادي" الذي بدأ تجاربه الشّعريّة واقعيّاً اشتراكيّاً ثم انتهى وجودياً بامتياز في ديوانه "النّاس في بلادي" الذي يقول النّدوي عنه:" صلاح الحائر القلق السّاخط الرّاضي يمثّل جيلاً صاعداً في كفره وإيمانه، في نجاحه وإخفاقه، ولكنّه لا يؤمن بالهزيمة، لأنّها تدمير، وهو يحبّ البناء، وهو على استعداد تام لمواجهة الحياة العابثة والهادفة على حدّ سواء"(14)

وينهي النّدوي كتابه بتأكيده أنّ دراسة تجلّي الوجوديّة في الشّعر العربيّ المعاصر هي حالة وعي بحالة جماليّة لها مسوّغاتها الفكريّة والاجتماعيّة والسّياقيّة، وليست مجرّد طفرة أو حيلة استعراضيّة أو استدعاء أعمى هدفه التّقليد لا غير، وبذلك يقول:" ويجب التّأكّد من حقيقة هي أنّ جوهر التّنظير والتّطبيق في كلّ من فلسفة الوجوديّة وغزوها للعالم العربيّ وأوساط الثّقافة والأدب العربيّة، وظلالها وأضواءها ومخلفاتها في المجتمع العربيّ وانعكاساتها في الشّعر العربيّ الحديث يجب أن لا يتراءى تزويقاً أو تسويغاً بأيّ نوع كان، وإنّما هو بلورة واقع كينونيّ بأبعاده البراجماتيّة والوظيفيّة والجماليّة"(15)

 

.........................

الإحالات:

1- محمد ثناء الله النّدوي: الاتجاهات الوجوديّة في الشّعر العربيّ المعاصر، ط1، منشورات قسم اللغة العربيّة وآدابها، جامعة عليكره الإسلاميّة، عليكره، الهند، ص صفر.

2- نفسه:ص VI

3- نفسه:ص100

4- نفسه:ص128.

5- نفسه:ص146.

6- نفسه:ص170.

7- نفسه:ص183.

8- نفسه:ص193

9- نفسه:ص193

10- نفسه:ص194

11-  نفسه: ص194-195.

12- نفسه:ص213

13- نفسه:ص277

14- نفسه:ص324

15- نفسه:ص334.

 

ezzeddine  anayaاِستخفّت الثقافة الأوروبية، منذ وقت طويل، بالتجارب الكثيرة لحكم الملكات والحاكمات بالوصاية، بل وعدّتها هامشية. لكن مع تسعينيات القرن العشرين، سَلّطت أبحاث تاريخية جديدة الضوء على الموضوع. وهو ما أدّى إلى إعادة التفكير في انتقال السلالة الملكية في السلطة إلى النساء، وزرع الشك في أن المبدأ الذي كان يُشرّع ذلك الاستبعاد هو مبدأ مبني على أسباب مرتبطة بالجنس بسبب تقسيم "طبيعي" للأدوار بصورة عامة. إلا أن فكرة السلطة النسائية المنتشرة منذ فترة طويلة بين المؤرخين المتخصصين، التي لم يتم استبعادها تمامًا حتى يومنا هذا، تؤيد أن حكومات النساء كانت سيئة الحظ أو موفّقة في حالات عابرة.

في إطار متابعة مدى نجاح النساء أو إخفاقهن في السلطة أصدر "مشروع كلمة" التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة ترجمة لمؤلف تاريخي من اللغة الإيطالية بعنوان: "ملكات بمحض الصدفة" لأستاذة التاريخ بجامعة بولونيا، شيزارنيا كازانوفا، بترجمة المصرية أماني فوزي حبشي ومراجعة التونسي عزالدين عناية. يتناول الكتاب إعادة تقييم الحكم النسائي على مدار التاريخ، وخاصة في الثقافة الأوروبية التي ظلت -لفترة طويلة- تُهمش العديد من تجارب الحكم النسائي للملكات أو للحاكمات بالوصاية. حيث تناول الكتاب تلك التجارب من زوايا متعددة، مع إعادةٍ تشخيص طرق تناولها.

فلقد انتشرت عبر التاريخ ثقافة تناول حياة الملكات والحاكمات، في روايات اعتمدت إلى حدّ كبير على الإشاعات والأقاويل المسيئة للسمعة. والتي كان يطلقها خصوم النساء الحاكمات، أو كارهو النساء عموما في تلك الفترات. وفي الروايات الحديثة أصبح التركيز على التحليل الذاتي لأبطالها دون الالتفات إلى الأعمال والإنجازات السياسية والاجتماعية لهن. تحاول المؤلفة إذن من خلال بحثها هذا، أن تعيد تناول حكم عددٍ من الملكات والحاكمات في أوروبا وروسيا، وكذلك المشكلات التي تعرّضن لها، والحروب التي نشبت في محاولة للحيلولة دون تولّي المرأة السلطة، مثل حرب المائة عام، وحروب إيطاليا، وحرب القرن الثامن عشر، التي نشبت رفضًا لتولي ماريا تيريزا النمساوية للحكم.

من جهة أخرى استطاعت الكاتبة أن تلقي الضوء على التباين في تقبُّل  الحكم النسائي في إنجلترا وفي روسيا، وكيف أتاح وجود النساء الحاكمات للبرلمان الإنجليزي الحصول على قدر أكبر من الصلاحيات، مما أدى تاريخيًا إلى الواقع السياسي الحالي. وعلى الجانب الآخر كيف كان جلوس النساء على كرسي الحكم في روسيا، غير مسبب لردود الأفعال نفسها التي كانت تشهدها أوروبا من رفض واستياء، حيث تولت ثلاث نساء الحكم في روسيا في أعقاب وفاة القيصر بطرس الأول، ولم يتعرضن لما تعرضت له كثير من الملكات في أوروبا من عمليات تشويه للسمعة.

تناول الكتاب أيضًا بالعرض بعض الشخصيات النسائية ودورهن السياسي في الوساطة، بل  وألقى الضوء على حساسية دورهن. حيث غالباً ما كنّ يتولّين الحكم في ظل ظروف سياسية دقيقة، وأوضاع تتميز بالفوضى في أعقاب وفاة الملك. وكيف نجحت تلك الشخصيات، على الرغم من تناول حياتهن بشكل هامشي، في استعادة الاستقرار، أو في الوصول إلى نوع من الوساطة السلمية، وخاصة في حالة الحروب البروتستانتية الكاثوليكية. تناول الكتاب أيضًا دور تلك الشخصيات في رعاية الفنون، ولم ينكر الدور السلبي لبعض تلك الشخصيات وتأثيرهن السيء على الملوك، حيث اعتمدت الكاتبة بشكل كبير على العديد من الأبحاث، وتناولت تلك الشخصيات من وجهات نظر متنوعة وزوايا مختلفة. 

الكتاب هو من تأليف الأستاذة شيزارينا كازانوفا، وهي جامعية تدرّس التاريخ الحديث في جامعة بولونيا الإيطالية، وتهتم بالدراسات المجتمعية وتاريخ العائلات والنساء والأجناس وتاريخ العدالة. وللمؤلفة أعمال أخرى، منها: "العائلة والقرابة في العصر الحديث"، "إيطاليا الحديثة: موضوعات واتجاهات تاريخية" وغيرها.

المترجمة أماني فوزي حبشي، حاصلة على الدكتوراة في الأدب الإيطالي، والجائزة الوطنية للترجمة عام 2005. مصرية مقيمة في المملكة المتحدة، سبق أن ترجمت عدة أعمال منها: "بندول فوكو" لأمبرتو إيكو، "الفسكونت المشطور" لإيتالو كالفينو، "شجاعة طائر الحناء" لماوريتزيو ماجاني وغيرها.

المراجع عزالدين عناية، أكاديمي تونسي يدرس في جامعة روما، ترجم وراجع ما يربو عن خمسين عملا من الإيطالية إلى العربية.

 

ملكات بمحض الصدفة (مؤلف تاريخي)

المؤلفة: شيزارنيا كازانوفا

المترجمة: أماني فوزي حبشي

المراجع: عزالدين عناية

"مشروع كلمة"، أبوظبي 2016.

 

mustafa alomariكتاب تنهد به عقل عراقي مُشبع بالذكريات المأساوية القاسية فعلاً، أحداث ومواقف متغيرة جعلتني أعيش معه بتفاصيله، فبالوقت الذي ألّحُ فيه على العقل ان لا ينصهر مع العاطفة ومع مجريات وتفاصيل الكتاب المؤلمة، لا أنكر ولمرات عديدة أجدني وقد سرّح العقل خيوطه الواعية لتكون ساحة الاستيعاب فارغة للعاطفة، ولطالما وجدت نفسي أحرك يدي او أهز رأسي تفاعلاً مع الكتاب .

ذكريات الزمن القاسي، كتاب خرج من ذاكرة الاستاذ والصديق محمد علي الشبيبي، حيث روى فيه تجربته الشخصية ومعاناته بعد انضمامه للحزب الشيوعي العراقي، يبدأ الشبيبي تفاصيل كتابه من ذاكرته الغضة، حيث يذكر سفره مع عائلته أيام العطلة من كربلاء الى النجف، حيث يوجد بيت جده لأبيه العلامة والخطيب الحسيني المعروف محمد الشبيبي .

يذكر وبدهشة واستمتاع عندما كان يذهب مع جده الى السوق، وعندما يجتمع الناس للسلام على جده او الحديث معه .

يتذكر الاستاذ الشبيبي وبطريقة لا تميل الى التوثيق، إعدام عمه حسين الشبيب، الملقب صارم المنتمي للحزب الشيوعي والمعدوم مع مؤسس الحزب فهد .

تتأثر عائلة الشبيبي بعد إعدام حسين، وهذا التأثير يأتي من محورين أساسيين، أستطيع ان استشفه من خلال قراءتي العقلية الخالية من العاطفة .

المحور الاول الذي تأثرت به العائلة هو فقد فرد مهم تربطهم به أواصر ووشائج متينة جداً، فعلى الحسابات الطبيعية للإنتماء الاسري في المجتمع العراقي يكون الحزن فيه لوعة مختلفة كيف واذا كان المتوفى مأخوذاً بجريرة الانتماء الى حزب ومحكوماً بالاعدام .

المحور الثاني، طبيعة المجتمع العراقي وعدم تفاعله مع المختلف او غير المألوف، عادةً ما يأخذ ردة فعل قوية وسريعة الانتشار وداعية الى القطيعة والابتعاد، حتى من دون معرفة الحقائق والملابسات التي تحيط بالموضوع .

أشعر ان ردة فعل الكربلائيين والنجفيين مع عائلة الشبيبي كان فيها غلظة مفرطة، واستبعاد وتجني دون الالتفات ان العائلة لم ترتكب جرماً، فيما اذا صح ان نقول ان ابنهم الذي ارتكب ذلك الجرم . لم تشفع للخطيب الثمانيني، محمد الشبيبي، كل محاضراته ودروسه بعد إعدام ابنه فقد أُشيع في حينها ان الشبيبي عندما يقول بمحاضراته الحسينية يا حسين، فهو لا يقصد الامام الحسين ع بل يقصد ولده حسين !

هكذا بدأ التحايل والاقصاء الاجتماعي لعائلة الشبيبي وخاصة ان معظم هذا التحايل أتى من المؤسسة الدينية المتمثلة بالحوزة .

 

يذكر في الصفحة 19 : ( منذ سنوات الأربعينات وخاصة بعد إعدام الشهيد حسين أصبحت العائلة وخاصة والده وشقيقه الأكبر –والدي- تحت المراقبة والاضطهاد السياسي والمحاربة حتى في الرزق والمعيشة. وللأسف ساهم في ذلك بعض من اعتلوا المرجعية الشيعية فسخروا المؤسسة الدينية لخدمة القوى الإقطاعية والرجعية الملكية الحاكمة في محاربة الوطنيين المخلصين عكس ما فعلته المراجع في ثورة العشرين وموقفها المشرف والمؤثر في الثورة. وتمادت احدى المراجع الشيعية بسبب حقدها وظلاميتها في محاربة الشيخ والد الشهيد حسين حتى بعد وفاته، حيث مارست من خلال موقعها كمرجعية في الضغط والتأثير على الناس البسطاء، ومنعهم من شراء بيت الشيخ عندما عرض للبيع بعد وفاته عام 1958 بحجة حرام السكن فيه لأن مالكه كان شيوعيا! مما أدى إلى هبوط سعر البيت وتراجع الراغبون في شرائه فتقدم هذا المرجع واشتراه لنجله.)

و لان الكاتب أشار وبلغة تلميح واضحة من هي المرجعية التي حرمت شراء البيت الى ان هبط سعره فاشتراه نفس المرجع، يتصدى كاتب اخر لهذا الموضوع وهو محمد باقر الحسيني في مقاله المعنون (سيرة السيد /الجزء الثالث) الذي نشره في موقع الحوار المتمدن بتاريخ 31/5/2007 العدد 1932 وتناول فيها سيرة السيد محسن الحكيم وجاء فيها (وتصرف .. السيد محسن الحكيم مع بعض رجال الدين تصرفا مقززا، كإرسال الشقاوات لضرب بعضهم كما أسلفنا في المقال السابق، ولم يراع خدمة الشيخ محمد الشبيبي للمنبر الحسيني فترة زادت على الخمسين عام، وهو والد المناضل المرحوم حسين الشبيبي، فحرم شراء بيته الذي عرض للبيع نظرا للحاجة المادية القاهرة للعائلة بسبب سجن محمد علي ومحمد الشبيبي ناشرا الدعاية من إن هذا البيت نجس، وعندما ارتد الراغبون عن الشراء، اشتراه السيد لنفسه بسعر بخس لإسكان السيد باقر الحكيم، ولغرض تطهيره من النجاسة، طلب من بلدية النجف تزويده بسيارة الإطفاء لغسل الأرض بعد تهديم البيت)

أكاد أجزم ان تأثير الهجمة على بيت الشبيبي هي من جعلت الشاب محمد (صاحب الكتاب) يندك إندكاكاً غير مدروساً في الحزب الشيوعي . أعتقل صاحب المذكرات وهو في عمر السابعة عشر، زمن الحكم الملكي، ثم تتالت عليه الاعتقالات في زمن قاسم وعبدالسلام حيث نقرة السلمان، الى الحقبة البعثية .

و لأن بيت الشبيبي من عائلة دينية أبت والدته ان يذهب هو وابيه الى المحكمة الا بعد ان يمروا تحت القرآن الكريم إيماناً منها انهم سيكونون بالحماية والحفظ وغالباً ما كانت تندب (ابو الفضل العباس) لكي يخلص لها زوجها وابنها . والدة الاستاذ محمد الشبيبي، عانت من الويلات والحرمان والعذاب والخوف وربما الجوع، الامر الذي جعلني اكثر من مرة احقد على الشبيبي ومواقفه الصبيانية.

 

إنطباعاتي حول الكتاب: لا انكر ان الشبيبي وظف قضاياه توظيفاً مناسباً جداً وأعتقد ان ذاكرته كانت نشطة جداً، فهو قد تحدث بالاسماء والارقام أكثر من مرة، لكنه وليعذرني على صراحتي، كان متهوراً جداً، سحب بلاءات وعذابات الدنيا وأمطرها على أهله، لم يستطع ان يتأثر بوالده بشكل جدي واقعي إنما كان تأثيراً شكلياً، والده كان في الخمسينات من العمر ومن خلال الترجمة له عرفت انه رجل في قمة الوعي والمسؤولية، حيث كان هدفه الحياة الواقعية وليس المثالية التي أغرم بها ابنه .

يذكر في الصفحة 200، ماذا قال له والده (عندما فصلت من التعليم سنة 1947 قررت ان أمارس اي عمل لإعالتكم لا ان افعل مثل البعض حيث سحب ابناءه من المدارس وشغلهم في بيع النفط بالشوارع، فرأس مالي هو انتم)

المأساة الكبيرة التي جرها المؤلف على نفسه وعلى أهله، ابعدته عن وطنه، واعتقد انه ينتمي للغربة أكثر مما ينتمي للوطن الذي سجن وعذب من أجله .

كان بودي الكتابة أكثر عن قساوة الزمن مع الاستاذ محمد الشبيبي، بودي ان اسأله عن كيفية إنضمامه للحزب الشيوعي؟ هل كانت شعارات الشيوعيين ومثاليتهم العالية حقيقية أم مجرد إستهلاك لغرض كسب العدد الاكبر من الناس؟

لأنه ذكر اكثر من مرة كيف انه وجد ان أقوال وشعارات الشيوعين تحطمت مع اول موقف حقيقي، كيف تخلى الطلاب عنه في الانتخابات، المحسوبية في البعثات الدراسية، خروجه من المعتقل خالي اليدين، محاولة تشويه سمعته من قبل احد الشيوعين المعتقلين معه .

لا أشك ان الاستاذ الشبيبي الذي إجتاز السبعين قد مخضته الحياة أكثر من مرة وتعرف على معادن بشر مختلفة . أدرك تماماً ان الاطاحة بعقل الشباب أسهل وربما لا مقارنة مع عقول الناضجين والاكبر سناً .

 

إشارة لابد منها:

يعتمد الدعاة دائماً،إسلاميون وعلمانيون،على الشباب الذين لم تجلدهم الحياة بعد والتي لم يخوضوا بها تجارب تمكنهم من إكتشاف ومعرفة القدر الاكبر من كيفية التعامل مع القضايا المهمة . تعتمد هذه الدعوات على طيش هؤلاء الشباب ونزقهم ومواقفهم التي لا تعرف التأني، فتزج بهم وبقساوة في مشروع أسمه الموت من أجل القضية !

بينما يتهرب اصحاب القضية وربما يتفرجون على سذاجة ونزق الشباب المساكين وكيفية سلخ جلودهم في المعتقلات .

كنت أحسب ان الظاهرة الدعوية مسجلة باسم الاسلاميين فقط، لكني وجدتها عند الشيوعيين في تلك الحقبة ماثلة وبقوة، في استلاب عقول الشباب وجعلهم مشاريع موت وقتل .

ذكريات الزمن القاسي كتاب فيه تحريض للواعيين وللحكومات الحريصة على ابنائها، ان الشباب هم العمد الحقيقي لبناء الاوطان بالوقت نفسه هم الخاصرة الرخوة لتمرير مشاريع هدامة وفتاكة للوطن .

الزمن القاسي كتاب انصح كل الواعين والشباب بالتحديد لقراءته لأنه تجربة شخصية قادها وتحمل أعباءها ووزر أخطاءها المؤلف الاستاذ محمد الشبيبي .

أعذرني يا صديقي فقد عشت مع محنتك اكثر مما عشت معك وتفاعلت مع أهلك ووالديك أكثر منك، وتألمت على ضياع مستقبلك الدراسي وانت الطالب الذكي أكثر من تألمي عليك وانت تجلد في أقبية السجون .

اتمنى عليك ان تكتب عن إنطباعاتك وأخطائك عن تلك الحقبة وكيف تنظر لها الان .

 

مصطفى العمري

 

nadheer khazrajiعالم الكتابة يشبه الى حد بعيد عالم الرياضة في مجال الساحة والميدان بخاصة سباق الركض، فالعداء هو عداء لا يختلف من حيث الوصف، ولكنه يختلف من حيث المسافة التي اعتاد على قطعها واشتهر بها وتمكن منها وعليها ونال منها الأوسمة والجوائز، فعداء المسافات القصيرة يختلف عن عداء المسافات الطويلة، فالأول هو منافس شديد في ميدانه ولكنه لا يستطيع أن ينافس الثاني في المسافات البعيدة المصاحبة للإرادة والنفس الطويل، والثاني هو منافس شديد في ميدانه ولكنه لا يستطيع أن ينافس الأول في المسافات القصيرة المصاحبة للسرعة الموضعية الفائقة، فكلاهما يركضان وكلاهما ينطبق عليهما وصف (العداء)، ولكن هذا لا يعني أن صاحب المسافات القصيرة لا يستطيع أن يركض لمسافات بعيدة، وإنما غير قادر أن يكون منافسا لغيره في هذا النوع من السباق، وكذلك صاحب المسافات البعيدة مع صاحب المسافات القصيرة.

وفي عالم الكتابة، يختلف حجم الباع من كاتب لآخر، فهناك من يجيد كتابة المطولات من الأبحاث والدراسات والمقالات، ولكنه لا يستطيع أن يكون منافسا لمن احترف كتابة العمود اليومي أو المقالة الأسبوعية، فكلاهما كاتبان وكلاهما حرفيان في مجالهما، ولكن لكل حقل من الكتابة أدواته ولكل كاتب فراسته، صحيح أنَّ لكلٍّ منهما أن يأخذ دور الآخر، ولكن عند الحديث عن الإحتراف والمهنية، فإن لكل منهما خصوصيته وأسلوبه وقدرته وكفاءته ومهارته.

عندما اطلعت على الجزء السادس من كتاب "معجم المقالات الحسينية" للمحقق الشيخ محمد صادق الكرباسي، الصادر نهاية العام 2016م عن المركز الحسيني للدراسات في (646) صفحة من القطع الوزيري، وهممت بالكتابة عنه، تذكرت قراءة لي عن أحد أجزاء دائرة المعارف الحسينية، حاول كاتب مبتدئ أن ينسبها له، لكن الحظ لم يسعفه، لأن رئيس مجلس إدارة الجريدة التي يعمل بها هو من كشفه.

القصة تعود الى عام 2008م، وحينها كنت في فندق الرشيد ببغداد قادمًا من لندن في دعوة رسمية من قبل وزير الدولة لشؤون الحوار الوطني الدكتور أكرم الحكيم، لحضور المؤتمر الثاني للقوى السياسية العراقية لدعم المصالحة الوطنية الذي انعقد في اليومين 18 و19 آذار مارس 2008م تحت شعار: "معًا لوحدة القوى الوطنية لتحقيق الأمن والإعمار واستكمال السيادة".

في إحدى الاستراحات التقيت بعدد من رجال النضال والسياسة الذين جابوا معنا وناضلوا في المهاجر بحثًا عن وطن خال من الظلم والإستبداد والإرهاب، كان منهم القيادي السابق في منظمة العمل الإسلامي السيد عبد الجبار الموسوي الصافي الذي كان وقتها رئيس مجلس إدارة جريدة اللواء التي أصدرها في بغداد عام 2007م، ومما أسرّني عن خفايا العمل أن أحد المحررين في الصفحة الثقافية والإسلامية جاء الى مدير التحرير بمقالة حسينية مذيلة بإسمه، ولما اطلع عليها رئيس مجلس الإدارة قبل أن تذهب الى الطبع، لفت نظره عنوان المقالة وأسلوبها وفحواها ومدارها، فشكك في صحة نسبتها لمحرر الجريدة، فطلب من مدير التحرير البحث عن المقالة في الشبكة الكهربية (النت)، وقال له أظن أن المقالة لصديق قديم ساكن في لندن أعرف أسلوبه في الكتابة، وبعد فترة قصيرة عاد مدير التحرير بالمقالة مطبوعة من شبكة (النت) مذيلة بكاتبها (نضير الخزرجي)، وعندها طلب رئيس مجلس الإدارة حضور الكاتب المحرر وجوبه بالمقالة فأُسقط في يديه وحار جوابًا، لكنه كعادة المتصحفين الغُرر رمى حمل المسؤولية على كاهل متاعب الحياة اليومية التي منعته من الكتابة وتسليم المادة في وقتها فاستعان بالشبكة العنكبوتية كأسهل صديق في الملمات المليونية التي أنتجت آلاف الإعلاميين والكتاب والأدباء في عراق ما بعد 2003م أقل ما يمكن أن يقال فيهم أن خمسة في المائة منهم ربما يصدق عليهم الوصف، أقول ربما!.

 

إفاضة وإفادة

من معالم منهج المحقق الكرباسي في الكتابة الحرص على توثيق الوسيلة الإعلامية، فضلا عن بيان سيرة رؤساء التحرير، حيث ضم الجزء السادس (80) وسيلة، شملت الجرائد الورقية والصحف الكهربية (الالكترونية) والمجلات الورقية والكهربية، والوكالات الخبرية، والنشرات الورقية، والمواقع والمنتديات والشبكات الكهربية، وقد أفاض في شرحها وبيان تفاصيل نشأتها ورؤساء التحرير ومدراء التحرير، ومعظم التفاصيل تم الوصول إليها من مظانها مباشرة عبر وسائل الإتصال الحديثة، مما قدّم خارطة لكل قارئ وباحث يستطيع رصد ما يرغب رصده.

ووسائل الإعلام مع بيان نوعها هي حسب الحروف الهجائية: الإتجاه الآخر (موقع)، الإحسان (مجلة)، الأخبار (صحيفة كهربية)، إذاعة الجمهورية الاسلامية (موقع)، إسلام إن أردو (موقع)، الإسلام والحياة (نشرة)، إشراق (موقع)، إصلاح (مجلة)، أفكار وآراء (نشرة)، الإمام الحسين (نشرة)، أمل (مجلة)، أوصاف (جريدة)، بوابة كربلاء الإلكترونية (موقع)، البيِّنة الجديدة (جريدة)، التعبئة الشعبية العراقية (موقع)، الجامعة (جريدة)، جمعية العمل الإسلامي (نشرة)، جهينة الإخبارية (صحيفة كهربية)، خبرگزاري مهر (وكالة)، خراسان (جريدة)، الخليج (جريدة)، الدر المكنون (موقع)، الديار اللندنية (صحيفة كهربية)، راه (مجلة)، الرؤية الجديدة (جريدة)، الرياض (جريدة)، زندگي (مجلة)، السدرة (مجلة)، سفينة النجاة (نشرة)، السياحة الإسلامية (مجلة)، سيد الشهداء (نشرة)، السيدة رقية (نشرة)، السيدة سكينة (نشرة)، شبكة الإعلام العراقي (الموقع الخبري)، شبكة أم الحمام (موقع)، شبكة والفجر الثقافية (موقع)، شبيه الرسول الأكرم علي الأكبر (منشور)، الشعائر (مجلة)، شورى نت (موقع)، الصادقين (نشرة)، صدى الوفاق (نشرة)، صدى كربلا (مجلة)، الصدِّيقة (مجلة)، الصراط (موقع)، صوت الحق (نشرة)، الضيافة الحسينية (مجلة)، الطف (جريدة)، العتبة الحسينية (موقع)، العهد (موقع)، الفيصل (موقع)، فويس أوف يونيتي (مجلة)، قناة المنار (موقع)، قناديل كربلاء (نشرة)، كربلاء اليوم (جريدة)، الكفيل (نشرة)، الكوثر (موقع)، ماه نو (مجلة)، المائدة (مجلة)، مجلس الصفار الثقافي (مركز)، مدونون (موقع)، مركز پژوهش هاي صداي وسيما (موقع)، المستشار (جريدة)، المسرح الحسيني (مجلة)، المعارج (مجلة)، المنار (مجلة)، منبر الجوادين (مجلة)، منتدى الديوانية (موقع)، منتديات مملكة البحرين (موقع)، المهجر (مجلة)، مؤسسة الأنوار الثقافية العالمية (موقع)، موقع الشيخ علي الكوراني العاملي (موقع)، ن والقلم وما يسطرون (مجلة)، النفحات (مجلة)، النهار (جريدة)، الوارث (مجلة)، وقت (جريدة)، وكالة أنباء المدى برس (موقع)، ولايت نيوز (موقع)، ويژه نامه مؤسسة رسول أكرم (مجلة).

وتوزعت مناشيء هذه الوسائل مع أعدادها على البلدان التالية: الإمارات (1)، أوغندا (1)، إيران (11)، الباكستان (2)، البحرين (3)، السعودية (8)، السويد (1)، العراق (27)، الكويت (9)، لبنان (4)، المملكة المتحدة (8)، الهند (2)، وثلاثة مواقع عامة لم يقف المؤلف على مكان بثها رغم الجهد المبذول، ويظهر العراق في المرتبة الأولى من حيث عدد وسائل الإعلام ثم إيران وبعدها الكويت.

كما توزعت الصحف والمجلات والمواقع على اللغات التالية حسب عددها على النحو التالي: العربية (63)، الأردوية (7)، الفارسية (7)، الانكليزية (6)، والسويدية (1)، وبعض وسائل الإعلام اشتملت على لغتين أو ثلاث.

هذا وضم الجزء السادس (112) وسيلة إعلامية أخرى سبق شرحها في الأجزاء الخمسة السابقة من (معجم المقالات الحسينية، وهي موزعة حسب تسلسها العددي على البلدان التالي: إيران (23)، العراق (21)، الباكستان (14)، المملكة المتحدة (14)، الكويت (9)، البحرين (7) لبنان (6)، السعودية (4)، سوريا (3)، ألمانيا (2)، السويد (2)، الهند (2)، هولندا (2)، أميركا (1)، كند (1)، وموقع إعلامي غير معروف البلد.

 

أسماء وتراجم

ولا يخفى أيضا أن من العلامات الفارقة في منهج التأليف لدى الكرباسي، هو توثيق الأسماء الواردة في النصوص وترجمتها حسب مقتضيات الكتاب، فمرة تكون الترجمة في عشر صفحات كما في باب "معجم الشعراء"، ومرة في صفحات غير محددة العدد كما في باب "معجم أنصار الحسين"، ومرة في أسطر قلائل، كما في "معجم المقالات الحسينية"، وهي أسطر تكون غنية في معرفة الشخصية المراد بيان سيرتها، ومعظم الأسماء الواردة في هذا الجزء من دائرة المعارف الحسينية هي في واقعها أسماء قاسمها المشترك هو "نون القلم" من إعلاميين وصحفيين وكتاب وأدباء.

ولا شك أن بيان الأسماء الواردة في هذا الجزء نسبة الى مسقط الرأس أو محل العمل والسكنى الحالي، يقدم دلالة عميقة على الجهد الذي صرفه المحقق في ملاحقة السير ومتابعتها لتكون واضحة بينة أمام القارئ، وهي في الوقت نفسه توثيق للشخصية في قاعدة بيانات دائرة المعارف الحسينية، حيث توزعت الأسماء على الدول التالية:

من الأردن: خالد فراج. من ألمانيا: نوري علي. من الإمارات: تريم عمران تريم، عبد الغفار السهلاوي، وعبد الله عمران تريم. من أميركا: صالح المحنّة، وكامران آغائي. من إيران: أمير حسين فردي، حسن حضرتي، روح الله الخميني، عادل علوي، علي الخامنئي، علي رضا خاني، علي الميلاني، علي عسكري، علي شريعتي، علي الكوراني، محتشم الكاشاني، محمد طاهر الخاقاني، محمد علي آذرشب، هاشم الكعبي، ووحيد جليلي. من الباكستان: بينظير بوتو، جاويد أكبر ساقي، مهتاب خان، ومير جاويد خليل الرحمان. من البحرين: إبراهيم الأنصاري البحراني، خديجة العرادي، خليفة حمد آل خليفة، خليل الزنجي، صلاح المالكي، عباس المرشد، عبد الأمير الجمري، قاسم حسين، ومنصور سرحان. من تنزانيا: مرتضى علي دينا. من الجزائر: مراد عبد الملك غريبي. من جنوب أفريقيا: صفية سورتي.

 ومن مميزات التراجم وفرة الأسماء من السعودية وكثرتها، وهي: أحمد الدبيسي، أحمد العيثان، بشير البحراني، تركي السديري، تركي العجيان، توفيق السيف، جعفر الشايب، جعفر النمر، حسن النمر، حسن علي آل ثاني، حسن الصفار، حسين بزبوز، حسين آل فاران، حسين الجعفر، حسين البيات، حسين المصطفى، رائد الجشي، رضي العسيف، زكي العليو، زهير العبد الجبار، سعد البريك، سعيد المرهون، سناء بوخمسين، شريفة الشملان، صالح المنيان، ضياء الخباز، عباس الموسى، عبد الجليل الزاكي، عبد الله اليوسف، عبد الله فدعق، عقيلة آل حريز، علي القروص، عيسى العيد، فاضل آل درويش، قيس آل مهنا، كميل السلطان، ماجد الفردان، محمد الصفار، محمد المبارك، محمد علي الخويلدي، محمد علي الهرفي، منتظر الشيخ أحمد، منصور القطري، مهدي المبروك، ميثم السلطان، ناصر آل تحيفة، نجيب الخنيزي، نداء آل سيف، نوال الجارودي، وداد المطرود، وئام المديفع، وياسر آل غريب.

أما السويد فقد انفردت بالشاعر العراقي: فائق الربيعي، لكن العراق شهد حضور أسماء كثيرة فاقت كل الدول وهي: أحمد العباسي، أحمد الشريفي، أحمد الوائلي، أحمد آل طعمة، أحمد السلامي، أحمد القاضي، باسم الحلي، باهر الجبوري، جسام السعيدي، جعفر الخليلي، جلال الدين الصغير، جلال الدين الحنفي، جمال الدين الشهرستاني، جمال الوكيل، جميل الربيعي، حسن الخاقاني، حسن الفتال، حسن الشيرازي، حسن الهاشمي، حسين الحصناوي، حسين نصر الأنباري، حسين نعمة الخفاجي، حمودي الكناني، حميد النجار الوزني، حيدر الجراح، حيدر الحلي، حيدر الوائلي، رضا الخفاجي، رضا الهندي، رؤوف الصفار، ستار السويعدي، سعد عواد الخفاجي، سعيد زميزم، صادق آل طعمة، صباح الزبيدي، ضياء الدين أبو الحب، طالب الظاهر، طه الربيعي، عادل الموسوي، عالية طالب الجبوري، عبد الحافظ البغدادي الخزاعي، عبد الرزاق الخفاجي، عبد المهدي الكربلائي، عبد الوهاب السويعدي، عدنان البكاء، عز الدين الفائزي، علاء ضياء الدين، علاء العبيدي، علي الحاج، علي الشلاه، علي الدباغ، علياء الأنصاري، عماد نافع الخزعلي، عمران الكركوشي، غالب الدعمي، فخري كريم، فضل الشريفي، قاسم بلشان التميمي، كمال معاش، ماجد الكعبي، محمد اليساري، محمد حسين كاشف الغطاء، محمد رضا الجلالي، محمد الدخيلي، محمد علي الحلاق، محمد زوين، محمد اليعقوبي، محمود الصافي، مشعان الجبوري، مشكور بدقت الأسدي، منير الحزامي، مهدي الوزني، نبيل الحسني، نصيف جاسم الخطابي، نعمة الخفاجي، هادي المدرسي، ويحيى النجار.

وتوزعت بقية الأسماء على غانا: محمد دار الحكمة. فلسطين: سري سمور. الكويت: أبو القاسم الديباجي، أحمد فيصل أحمد، جواد بوخمسين، حسن عباس، حسين المتروك، خالد الحطاب، صالح عاشور، عبد الله سهر، عبد المحسن يوسف جمال، عبد الناصر الأسلمي، عصام الفليج، وفاطمة حبيب. لبنان: حافظ إبراهيم خير الله، حسين شحادة، عفيف النابلسي، علي دعموش، محمد جواد مغنية، محمد حسن الأمين، محمد حسين فضل الله، ومحمد دهيني. مصر: أحمد راسم النفيس، عباس العقاد، عبد الرحمن الشرقاوي، ومنير الفيشاوي. المملكة المتحدة: أحمد الزين، أميرة العطار، بشرى الخزرجي، بشرى القزويني، خليل المرعشي، رجاء الموسوي الهاشمي، سميرة التميمي، عباس الرضوي، عبد الخالق حسين، عبد الرزاق الصافي، عبد الصاحب الشاكري، علاء الحسيني، علي جودي البغدادي، علي رمضان الأوسي، ليزلي هازلتون، محمد كاظم الخاقاني، نضير الخزرجي، وهوارد إيان كيث أندرسون هوارد. الهند: علي أظهر حسن النقوي، غاندي موهانداس كرمشاند، محمد باقر الباقري الجوراسي، ومحمد جابر الجوراسي. ومن هولندا: قاسم حول، وياسين النصير.

وبالطبع هناك مئات الأسماء من حملة القلم وردت في طيات الكتاب، إما استطرادًا أو أن لها ترجمة في الأجزاء الخمسة السابقة من "معجم المقالات الحسينية"، أشار إليها المحقق الكرباسي مرجعًا القارئ الى الجزء الذي وردت فيه الترجمة كاملة.

 

أعظم الموسوعات

وثَّق المؤلف في كل جزء من باب "معجم المقالات الحسينية" عناوين المقالات وفق التسلسل الهجائي مع الترقيم، ولذلك يجد القارئ في كل جزء مقالات من جميع الحروف الهجائية، على أن الترقيم التسلسلي يبدأ بما انتهى إليه الجزء الذي قبله، ولهذا فإن الجزء السادس يبدأ بالرقم (3013) وينتهي بالرقم (4769)، أي (757) عنوان مقالة حسينية بلغات مختلفة، توزعت وفق الحروف على النحو التالي: الألف: (80) مقالة، الباء: (27)، التاء: (28)، الثاء: (11)، الجيم: (5)، الحاء: (70)، الخاء: (6)، الدال: (16)، الذال: (5)، الراء: (19)، الزاي: (22)، السين: (58)، الشين: (67)، الصاد: (2)، الضاد: (1)، الطاء: (3)، الظاء: (1)، العين: (64)، الغين: (3)، الفاء: (24)، القاف: (44)، الكاف: (57)، اللام: (25)، الميم: (57)، النون: (18)، الهاء: (20)، الواو: (15)، وحرف الياء: (9) مقالات.

وكما هو ديدن المؤلف، فإن هذا الجزء من الموسوعة الحسينية التي صدر منها حتى نهاية 2016م (105) أجزاء من نحو 900 مجلد، ضمّ مقدمة أجنبية، وهذه المرة باللغة السنهالية بقلم وزير الدفاع السريلانكي السابق اللفتنانت كولونيل جوتابهايا راجاباكسا، حيث كتب يقول: (عندما هممت بالكتابة عن الحسين، ظننت في بادئ الأمر أن الحسين شخصية خاصة بطائفة، ولكنني أدركت أن الحسين شخصية عامة كتب عنها المسلم وغير المسلم وهي محل تقدير واحترام الجميع).

وأظهر الوزير السابق، وهو غير مسلم، قناعة تامة بأنَّ: (الحسين الذي ضحى من أجل الدين والإنسانية هو حي بشهادته، وهو حي في قلوب أتباعه، وقلوب طلاب الحقيقة بغض النظر عن الجنس والقومية، من أبيض وأسود، عربي وغير عربي، من مسلم وهندوسي ومسيحي ويهودي، وحتى الذين لا يؤمنون بوجود إله فإنهم يؤمنون برسالة الحسين)، ووجد أن من معالم هذه الحياة: (دائرة المعارف الحسينية التي تعد من أعظم الموسوعات المعرفية، كرّس لها العالم الفذ الشيخ الكرباسي كل حياته من أجل الكتابة والتحقيق عن الحسين، ويغمرني شعور كبير بأن العالم الكرباسي وإن كان جسده في لندن لكن روحه في كربلاء يستمد العزم والهداية من الحسين)، ووجد الكولونيل جوتابهايا راجاباكسا أن: (من الشرف أن أكون جزءًا من هذا الكتاب، متمنيا أن يصار الى ترجمة أجزاء الموسوعة الحسينية إلى لغتنا حتى يتمكن شعبنا من اكتساب المعلومات عن الحسين القائد والكرباسي الباحث).

هذا هو الإمام في عين غير المسلم، وبتعبير الأديب اللبناني عبد الحسن دهيني الذي دأب على كتابة "مقدمة الناشر" لأجزاء الموسوعة الحسينية وغيرها، ومنها هذا الجزء: (سيدي .. أنى التفت رأيتك .. وحيثما بحثت وجدتك .. رأيتك في عيون المحبّين، وفي قلوب الموالين، وفوق جباه المنصفين. ووجدتك في قرائح الشعراء، وفي مداد يراعات الكتاب، وبين صفحات الباحثين .. باختصار .. رأيتك ووجدتك ما بين المشرق والمغرب، مهوى المحبين والأولياء، وملتقى ذوي القلوب البيضاء، وموئل المساكين والضعفاء، وموطن الكتاب والأدباء، وقدوة التلاميذ والعلماء، ونبراس الثائرين).

هكذا هو سيد شباب أهل الجنة .. المبشر بغد مشرق لعالم الحرية والسلام والوئام.. فكيف وجدتموه أنتم؟

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

974-enayatتساوي إيطاليا لدى البعض مافيا (إيطاليا - مافيا)، وفي أفضل الأحوال "بيتزا" نابوليتانية شهية؛ لكن إيطاليا الثقافة والأدب والفن يبدو أنها انحصرت لدى العرب في ثلة مورافيا وكالفينو وبازوليني وإيكو وذائع الصيت دانتي دون سواهم، مع أن إيطاليا تحفل بأسماء عديدة وبنشاط ثقافي غزير متنوع ومتعدد يمتد من المقدّس إلى المدنّس، حري أن نعيد اكتشافه علنا نكتشف ذواتنا. الرواية الحالية التي نقدمها للقارئ العربي هي رواية عامل كادح، تحديدا صانع للبيتزا قبل أن يكون روائيا، صدرت ضمن نطاق برنامج الترجمة "مشروع كلمة" التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، وهي ترجمة لرواية إيطالية بعنوان: "الثمار المنسية" للكاتب الإيطالي كريستيانو كاڤينا من إعداد الفلسطيني وسيم دهمش ومراجعة التونسي عزالدين عناية.

974-enayatتعرض الرواية قصة يتراوح نسيجها الحكائي بين الواقع والخيال. إنها جزء من السيرة الذاتية للكاتب يتناول فيها جانبا حساسا من القيم الاجتماعية، فهو يروي لوالده على فراش الموت سيرة طفولته غير المألوفة. فقد نشأ، دون أن يعرف أباه، في كنف أمه وجديه لأمه في شقة متواضعة من شقق الإسكان الشعبي. وكان  طفلا يفيض بالطاقة، يقضي الساعات الطوال في ملعب كرة القدم، أو على متن دراجته. أدى استماعه إلى الحكايات التي يرويها رواد المقاهي، في بلدته كازولا في شمال إيطاليا، إلى شحذ ولعه بالقصّ والحكي. ومنذ صغره كانت الكتب ملجأه الآمن. تدور أحداث الرواية في بلدة زراعية في شمال إيطاليا تتمحور حياتها حول مهرجان الثمار النادرة، التي يقوم سكان البلدة بزراعتها رغم محدودية مردوها التجاري. تعبر الرواية شخصيات مختلفة، لعل أهمها في عيني الطفل الراوي، راهبات الدير اللواتي يدرن مدرسة الحضانة، التي بدأ فيها حياته المدرسية. يعطينا هذا الجانب من الرواية التي يروي فيها الكاتب أحداث طفولته في مدرسة الحضانة لمحة عن حياة الأرياف الإيطالية، والعلاقة القوية التي تربط أفراد الجماعة بعضهم ببعض وتشدهم إلى الكنيسة الكاثوليكية والمؤسسات المتفرعة عنها. والتي تترك أثرًا عميقا في المجتمع الإيطالي حتى يومنا هذا. تتراوح القصة بين طفولة الراوي الذي لا والد له وميلاد ابنه، عند بدء تدهور علاقة الراوي بأم الوليد. تأخذ مشاعر القاص حيزا واسعا من الرواية وتنسحب على مختلف شخصياتها؛ لكن علاقة الأبناء بالآباء تبقى المحور الرئيس الذي تقوم عليه الرواية. تنتقل مشاعر الحنين إلى الأب الغائب ومشاعر البنوة المنكرة إلى الابن رمز الحياة المتجددة والأمل الجديد لتجلي مشاعر الأبوة في أرق مظاهرها.

 بدأ الكاتب حياته العملية كخباز في مطعم للبيتزا، لكن شغفه القديم بالحكايات أدى به إلى الكتابة الأدبية محققا نجاحا باهرا في وقت قصير. بدأ كريستيانو كاڤينا يروي الحكايات وهو طالب في المدرسة، ثم وهو يزاول مختلف الأعمال، وعندما نشر أولى قصصه نال عليها بعض الجوائز. بعد ذلك نشر روايته الأولى "بِكُلِّ عَظَمة" عام 2002، التي حاز عليها جائزة توندللي عام  2006، ولاقت نجاحا كبيرا ومُثِّلت في المسارح والمدارس واعتمدتها بلدة فولفيرا في إقليم بيومنته، ضمن مبادرة سمتها "فولفيرا تقرأ كتاب 'بِكُلِّ عَظَمة' قراءة عامة". كما نشر الروايات التالية: "في بلاد تولينتيساك"، عام 2005، التي كانت من بين الأفضل مبيعا ذلك العام، ثم "آخر موسم كناشئين" عام 2006، والرواية ملحمة فكاهية ومؤثرة عن حياة المراهقين. الكاتب الكادح كاڤينا في جعبته ما يربو عن عشر روايات ومازال يشتغل في محل لصنع البيتزا إلى يوم الناس هذا، أردنا تقديمه للقارئ العربي أملا ألا يغترّ الكتّاب ولا يمشون في الأرض مرحا، فالكتابة كدح وعناء وبساطة.

المترجم وسيم دهمش، فلسطيني من مواليد 1948. أستاذ جامعي بجامعة كالياري في سردينيا. صدرت له مجموعة من الأعمال الأدبية بالإيطالية، كما صدرت له ترجمات بالعربية.

المراجع عزالدين عناية أكاديمي تونسي يدرس في جامعة روما، ترجم وراجع ما يربو عن خمسين عملا من الإيطالية إلى العربية.

 

الثمار المنسية (رواية)

المؤلف: كريستيانو كاڤينا

المترجم: وسيم دهمش

المراجع: عزالدين عناية

"مشروع كلمة"، أبوظبي 2016.

 

 

973-saadalshak"خرائط الجسد" هو عنوان المجموعة القصصية التي صدرت حديثاً للأديب الفلسطيني سعيد الشيخ عن "منشورات ألوان عربية" في السويد. ضمت المجموعة مائة قصة قصيرة جداً، موزعة تحت ثلاثة عناوين وضعها المؤلف لتقريب أجواء القصص. وهذه العناوين هي: فسحات الروح، خرائط الجسد، وجبهات النار. صورة الغلاف واللوحات الداخلية من أعمال الفنان التشكيلي عبد الهادي شلا وقد جاءت معبرة لتتناغم مع أجواء القصص.

 وقد اعتبر الكاتب بإصداره هذه المجموعة في كلمة وردت على الغلاف الأخير، بأنه مقدم على مغامرة إبداعية بسبب السؤال الذي ما يزال يحوم في الجو الثقافي حول هذا النوع الأدبي الذي انتشر منذ تسعينيات القرن الماضي والذي اختلف حوله النقاد بين من يرى أن هذا الفن يجاري روح العصر ومتطلبات الحداثة، ورأي آخر يرى أن كتابة القصة القصيرة جداً هي عبارة عن كسل كتابي لا يتصل بروح العملية الإبداعية. ليخلص إلى أن كاتب القصة القصيرة جداً يمشي في دروب غير مأمونة النهايات.

عنوان المجموعة والعناوين الداخلية هي أشبه بلوحات فسيفسائيّة انتقى سعيد الشّيّخ حبّاتها بعناية فائقة؛ ليقدّم خرائط ذات بعد إنسانيّ متشابك. يستدلّ القارئ من خلاله على تفاصيل حياته اليوميّة واختباراته الإنسانيّة العديدة، ولكن بعين الكاتب الأشبه بعدسة كاميرا التقطت بدقّة تفاصيل الحياة الإنسانيّة، وشرعت تحفر عميقاً لترسم عوالم الإنسان بكل ما فيها من ماديّة وروحيّة وفكريّة فلسفية. حيث سيجد القارئ بعضاً من ذاته في كلّ قصّة، بل سيكتشف أنّه مواكِب لعدّة تفاصيل يوميّة قد تشكّل قصّة في حياته.

"خرائط الجسد" عنوان فلسفيّ أيضاً لمجموعة قصصيّة تستهلّ امتدادها من فسحات الرّوح وتعبر بالجسد برغباته ولذّاته وإشكاليّاته، لتخلص إلى جبهات النّار المشتعلة في قلب الإنسان والمجتمع والسّياسة... بكلمات قليلة يبني سعيد الشيخ عالماُ متكاملاً له أبعاده القصية الهادفة ما بين المباشرة والرمزية على ارتكازات غرائبية تجعل المتخيّل أقرب إلى الواقع.

973-saadalshakاجتهاد الكاتب يبدو واضحاً في البدعة الفنية وهو يقدّم رسماً كيانياً إنسانيّاً، تتعرّج خطوطه لتدلّ القارئ على أنّ الحياة سلسلة تفاصيل قد تدمي قلبه أو تحييه، إلّا أنّها بتعرّجاتها المستمرّة دلالة على الحياة. وبهذا المعنى فأن قصص المجموعة هي قصص أفكار مغلفة بسرد وامض، لكنه عميق يستدعي الدهشة والسؤال.

لا بدّ من أنّ هذه المجموعة القصصيّة عصارة تأمّل الكاتب في السّلوك الإنسانيّ المرتبك غالباً بفعل الواقع فيستحيل متناقضاً أو إزدواجيّاً. واضطّرابات الرّوح الّتي تمرّ بالموت قبل الموت، وتعانق المنفى قبل الارتحال، وتحيا الغربة في عالم يئنّ بالانتماء والحرّيّة والسلام. وهو بذلك لا يتوانى عن التّطرّق إلى الحال الإنسانيّ المتألّم من شتّى الأمور بدء من الهاجس الجسديّ، إلى السّياسيّ، إلى الاجتماعيّ؛ ليعبّر عن وجع شامل لدى أوساط مختلفة من الناس على مختلف مشاربهم وموقعهم الطبقي، كما ويسلّط الضّوء على أفكارهم وخيالاتهم الّتي قد لا يتمكّنون من التّعبير عنها.

لعلّ "خرائط الجسد" لم تترك تفصيلاً لم تسكبه في ثنايا نصوصها، لتلمع كالبرق في النّفس، فتحرّك العقل والرّوح من جهة. ومن جهة أخرى تعكس خرائط القارئ فيفهم خطّ الإنسانيّة في معالمه الدّاخليّة ويستقرئ ذاته وواقعه ومحيطه لتتحرك الأسئلة عن ماهية الوجود. وبذلك جاءت القصص أداة لمعالجة واقع أنساني مضطرب بطريقة الطّبيب المعالج، بعيداً عن التّنظير والوعظ، منحازا إلى الإبداع والإمتاع والعمق ووضوح الرؤيا لرثاء البؤس والاحتفال بالبهجة المستحيلة.

 

 

972-saadصدرت حديثاً للشاعر العراقي سعد جاسم حكاية شعرية للاطفال تحمل عنوان (بيت في الغابة) عن دار اصالة - بيروت. وقد قامت برسمها الفنانة اللبنانية (راسيل اسحق) وتتحدث الحكاية عن قيم العمل والتعاون والمحبة،

972-saadوفي غلافها الأخير تم تدوين نبذة مختصرة ومشوقة عنها . وقد سبق للشاعر ان اصدر العديد من كتب الطفولة منها (اجراس الصباح) وهي مجموعة شعرية صدرت عن دار ثقافة الأطفال العراقية و(اصوات جميلة) وهي مجموعة قصائد وحكايات للأطفال صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب وغيرها من الاصدارات .

 

ezzeddine  anayaثمة جدار عال ينتصب بين العرب وبين الإيطاليين في مجال الثقافة يحول دون تواصلهما، ودون تعارفهما، برغم القرب الجغرافي والماضي التاريخي. من جانب، يتمثل الأمر في تراجع الاستشراق الإيطالي وربيبه الاستعراب في الإلمام بلغة الضاد، رغم كثرة أدعياء من هم من المستعرِبين والخبراء والمتخصصين في الإسلام والعرب والشرق من الطليان، وهو ما حال دون تخطي عائق اللغة ومن ثمة النقل والترجمة؛ وبالمقابل، من الجانب العربي، ثمة مليون وربع المليون من المهاجرين في إيطاليا، أن تجد بينهم كاتبا أو مترجما يعني أنك تبحث عن إبرة في كومة تبن، فالسواد الأعظم منهم عمالة كادحة لا يعنيها أمر الثقافة والمثقفين. ينضاف إلى ذلك أن جامعات وكليات عربية تزعم أن فيها أقساما للآداب واللغة الإيطالية (تونس والمغرب والأردن ومصر على سبيل الذكر)، هي تقريبا شبه غائبة عن الحراك الثقافي العربي الإيطالي ومحصورة في أبراجها الجامعية. في هذا الجو المقفر راهن مشروع كلمة الإماراتي على الترجمة من الإيطالية لرفد المكتبة العربية دوريا بأعمال من لغة دانتي في مسعى لخلق تواصل وانفتاح على الثقافات العالمية.

وضمن هذا الإطار أصدر "مشروع كلمة" التابع لهيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة مؤخرا ترجمة جديدة عن الإيطالية بعنوان "الابنة الغامضة" للكاتبة الإيطالية المعاصرة إيلينا فيرّانتي بترجمة المترجمة شيرين حيدر ومراجعة الأستاذ عزالدين عناية.

971-ezadinفعبر لقاء عابر على شاطئ البحر في إجازة الصيف تلتقي الشخصية الأساسية في الرواية، وهي أستاذة جامعية في منتصف الأربعينيات، بشابة وطفلتها. ويصبح ذاك اللقاء المفتاح لاستعراض علاقات إنسانية شتى أوّلها علاقة الأمومة التي تربط الصبية بطفلتها، والتي تربط السيدة الأربعينية بابنتيها. تنزع الروائية القدسية عن الأمومة وترفض الاستسهال في وصف، أو ربما تصور العلاقة التي تربط الأم بطفلها فتحللها وفقاً للظروف التي تنشأ فيها على ضوء أحاسيس قاتمة تعتري المرأة/الأم، والتي غالبا ما تسعى للتستر عليها خوفا من ابتعادها عن نموذج الأم السائد الذي رسّخته في الأذهان، ووطّدته في الممارسة صور نمطية عن الأمومة لا تقبل التمرد ولا حتى المساءلة. كما لا تخشى الروائية إعادة النظر في مؤسسة العائلة التي تحتل في معظم الثقافات إن لم نقل فيها جميعا مكانة رئيسية، باعتبارها الرابط العضوي الأول بين الفرد والمجموعة، وهي الكيان الذي لا يزال يمثل في المجتمع الإيطالي عامة ركيزة تقليدية راسخة.

بَيْد أنّ إيلينا فيرّانتي الروائية الإيطالية التي ولجت بخطى واثقة عالم الرواية الإيطالية المعاصرة، لم تتردد في مختلف رواياتها في الإمعان في خلع القشور عن القيم السائدة والمسلّم بها علّها تبلغ عمقها، تلك النواة التي قد تبرّر وجودها أو تنفي ضرورته. في رواياتها المختلفة والتي بلغت حتى الآن الروايات السبع بالإضافة إلى كتاب عن صنعة الكتابة، وقصة للأطفال، اعتمدت فيرّانتي نوعاً من التصعيد في تركيبها التقني لشخصياتها، التي راحت ملامحها ترتسم بوضوح أكبر مندرجة بيسر في إطارها الزمني والتاريخي الفردي، إنّما كذلك في إطارها التاريخي العام، أي في الإطار العام لتاريخ إيطاليا الحديث، وهو ما بان جلياً في رباعيتها الروائية وهو آخر إنتاجها الأدبي. والتي تُرجمت كسائر رواياتها السابقة إلى لغات عدة سمحت لها بأن تصبح مثلاً من أكثر الروائيين قراءة في الولايات المتحدة.

لا تخاف إيلينا فيرّانتي تفتيت الأحاسيس والعلاقات وتشريحها، تبرع في ذلك وهي تفكك المشاعر لا سيما البشع منها، ويعزو البعض ذلك إلى أنّها تنعم بحرية مطلقة إذ تتستّر وراء قناع تُخفي به هويتها  منذ امتهنت الكتابة. فهي لم تظهر يوماً على العلن ولم يُر لها وجه ما أثار الكثير من التساؤلات والتخمينات عن هويتها الحقيقية. أياً كانت إيلينا فيرّانتي، فهي روائية لا يكتمل المشهد الروائي الإيطالي اليوم من دونها،  فقد يجهل القارئ هويتها الفعلية غير أنّه يسهل عليه أن يدرك أنّ لها هوية أدبية مكتملة المعالم وواضحة تستحق منه متابعة نتاجها.

المترجمة شيرين حيدر لبنانية مقيمة في سويسرا سبق لها أن ترجمت رواية "أيام الهجران" لإيلينا فيرانتي.

المراجع عزالدين عناية أكاديمي تونسي يدرس في جامعة روما، ترجم وراجع ما يربو عن خمسين عملا من الإيطالية إلى العربية.

الابنة الغامضة (رواية)

المؤلفة: إيلينا فيرّانتي

المترجمة: شيرين حيدر

المراجع: عزالدين عناية

"مشروع كلمة"، أبوظبي 2016.

 

970-adilصدر ضمن منشورات إتحاد الأدباء والكتّاب في البصرة . طُبع في لبنان 2017 . وقد صمم الغلاف حسين عجيمي مع لوحة الرسّام سمير البدران . أحتوى الديوان على (37) قصيدة . منها ( قطافُ الرؤيا - العابر الإيثاكي - قبر أعلى شجرة - غرباء في الجنّة - لوندري ثرثرة البخار - باخوس في الجنوب - رفرفات

970-adilمن المشرق - بمعونة سأم روز - حياة شاحبة ......... ) ، وكان الشاعر قد صدر له :-

1- فضاءات شرقية - دار ألواح - أسبانيا 1999

2- من لا تحضره السكينة - البصرة 2006

3- إنشاد حامل الجمر - دار أزمنة - عمّان 2008

4-دائماً في صباح العالم - دار تموز - دمشق 2012

 

 

jamil hamdaouiيتناول كتابنا هذا قضايا التصوف الإسلامي، بالتوقف عند دلالات كلمة التصوف لغة واصطلاحا، وتحديد مواضيعه التي حصرناها في المجاهدات، والكرامات، والشطحات الصوفية، والتجليات الغيبية. وقد بينا، من جهة أخرى، أن للتصوف الإسلامي مصادر داخلية تتمثل في القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، وظروف المجتمع العربي الإسلامي. دون أن ننسى المصادر الخارجية للتصوف الفلسفي، مثل: النرفانا، واليوغا، والهرمسية، والبوذية، والفلسفات الفارسية والهندية والصينية، والهرمسية، والأفلاطونية المحدثة، والعقائد النصرانية واليهودية.

ومن ثم، فقد مر التصوف الإسلامي بأربع مراحل كبرى هي: مرحلة الزهد، ومرحلة التصوف السني، ومرحلة التصوف الفلسفي، ومرحلة التصوف الطرقي. وقد انتشر التصوف -اليوم- انتشارا كبيرا في العالم الإسلامي، وبالضبط في شمال أفريقيا ، ومن أهم هذه الطرق: الشاذلية، والجيلانية، والقادرية، والعلوية، والتيجانية، والكتانية، والرافعية، وغيرها من الطرق العرفانية المهمة.

ويتوقف كتابنا هذا عند تاريخ التصوف ونشأته في العالم الإسلامي، برصد موضوعاته وقضاياه المختلفة، وتقويم هذا التصوف إيجابا وسلبا، ودراسة المصطلح الصوفي بتتبع مرجعياته في مختلف العلوم والمعارف، وتبين دلالاته العرفانية واللدنية والروحانية، والحديث عن السعادة كما عند عامة الناس والفلاسفة والصوفية، وتبيان الطريقة المعتمدة عند القادرية في تبليغ أورادها الصوفية والعرفانية، مع تسليط الضوء على الشعر الصوفي والتصوف الشعري بنية، ودلالة، ووظيفة.

وقد آثرنا أن نطبق منهج الظواهر والقضايا ، وهو  منهج صالح لدراسة مجموعة من الملامح الدينية والفكرية والأدبية الكبرى والبارزة في الساحة الثقافية والتاريخية، مع استكشاف دلالات الظواهر اللافتة للانتباه داخل المجتمع من النواحي الدلالية، والفكرية، والمجتمعية ، والفنية، والمقصدية، اعتمادا على منهجية الاستقصاء والاستقراء، والارتكان إلى المنهجية الوصفية، وتمثل العقلانية التحليلية، والميل نحو الموضوعية إلى حد كبير، والتعامل مع جدلية المضمون والشكل، دون إهمال البعد الذاتي والشخصي في أثناء عملية التقويم، والاحتكام إلى الذوق والأحكام المعيارية التفضيلية، حينما يستدعي الأمر ذلك. ويعني هذا أن منهج الظواهر والقضايا منهج وصفي تحليلي، وطريقة تفسيرية بامتياز، نستعين بها لدراسة السياق الخارجي والتاريخي بغية معرفة إفرازات الظاهرة الفكرية والصوفية والأدبية، وتبيان دلالاتها ومقاصدها الفكرية والمرجعية، ورصد صيغها التعبيرية والفنية والجمالية.

وفي الأخير، أرجو أن تنال هذه الدراسة رضا القراء واستحسانهم، ونعتذر عن مختلف الهفوات والأخطاء والهنات التي نكون قد وقعنا فيها لغرورنا، وجهلنا ، و سهونا، وتقصيرنا... وقد صدق الشاعر أبو نواس حينما قال:

  فقلْ لمنْ يدَّعِي في العلمِ فلسفة   حفِظْتَ شَيئًا، وغابَتْ عنك أشياءُ 

د. جميل حمداوي

....................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

 

التصوف الإسلامي من خلال قضاياه وظواهره / د. جميل حمداوي

 

969-ajmiأصدر الكاتب حسن عجمي كتابا ً جديدا ً بعنوان: الميتاميزياء.. فلسفة ما وراء الميزة، عن الدار العربية للعلوم ناشرون. يعرِّف المؤلف الميتاميزياء على أنها فلسفة ما وراء الميزة التي تقول بأن كل شيء فكرة ولغة وبذلك لا يوجد تمييز حقيقي بين الحقائق التي تبدو مختلفة. تؤكد الميتاميزياء على أنه لا يوجد ما يميّز بين الظواهر بل الظواهر كافة تتضمن بعضها البعض تحليليا ً. بذلك يستنتج الكاتب أن العلاقات التحليلية هي التي تحكم الكون بكل ظواهره. والعلاقة التحليلية هي التي تتشكّل من جراء معاني المفاهيم. فمن خلال معنى مفهوم هذا الشيء أو ذاك تترتب علاقاته مع الأشياء الأخرى وتبنَى وظائفه.

969-ajmi يميّز المؤلف بين فلسفة الميتاميزياء والتحليل التقليدي. بينما التحليل التقليدي يحلّل المفاهيم لكي يميِّز بين الأشياء، الميتاميزياء تحلّل المفاهيم لتوحِّد بين الظواهر. فمثلا ً بالنسبة إلى الميتاميزياء، الحياة حقل لغوي قد يضيق ليشمل الكائنات الحيوانية والنباتية وقد يتسع ليشمل الكون كله. يقول الكاتب إن كل الظواهر حقول لغوية ما يسمح لها أن تنفصل وتتحد في حقل واحد. مثل آخر هو اعتبار أن العقل لغة الحياة. ولذلك العقل يتضمن تحليليا ً اللغة والحياة والعكس صحيح ما يحتم ظهور العقل واللغة بمجرد أن تنشأ الحياة. من هنا العلاقة التحليلية المعتمدة على معاني المفاهيم تفسِّر لماذا الكائنات الحية تملك عقولا ً ولغات. وعلى هذا الأساس تكتسب الميتاميزياء قدرة تفسيرية ناجحة ما يدعم قبولها. للمؤلف كتب فلسفية عديدة منها السوبر حداثة والسوبر مستقبلية والسوبر تخلف.  

 

 

56-salakbahia1توطئة: إن النزعات التأويلية في تجريد المفردات النصية المقدسة، عمقت أخاديد ذهنية، وراهنت على طوفانها، بمتواليات هندسية معقدة، توحي لنا بمعارف بديلة في حلية جليلة من عوالم منطق القداسة ومقاصده الأصيلة. ومن زخم تلكم المعطيات الفلسفية الميتافيزقية، وتشعب مستويات التأويل والفهم، غارت العقول الأسلامية في أدغال الأحاديث لتقويم ونجدة مدركاتها الذهنية، وتعاطت معها بذات القدسية النصية، وبالأخص إذا ما تحررت أنساقها بمضامين تصب في تيارات مرمى تأويلاتها الفلسفية، وما يخرج عنها تجتهد في تأويله تعسفياً.

من هنا أنطلقت ماكنة الأحتكار الفقهي بمدارسه المختلفة لتُفرِغَها في ساحات مريديها. وقد دأب على هذا المنهج التأويلي للنصوص المقدسة كُلٍ من فيلون وجيروم وأغسطينوس، وهؤلاء حسب إعتقادي هم الذين أحيوا منطق التأويل للنصوص المقدسة، كسفينة إنقاذ عقلية، تصلح لحمل كل أزواج النفوس المهتدية بمنهجها، وبهذا المنهج التعسفي إهتدت اليه بعض الفرق الغنوصية لحل المتناقضات الفلسفية، فرفضوا فكرة الأله العادل وأستبدلوه بالحكمة الألهية، فمن منهج الأسبيتين التعسفي نشأت فكرة الفيض أو الواسطة، أو أن الخالق لايخلق بذاته بل  (بالفيض الفعال) . وكل هذا وفق رأي أوليري* : هو محاولة فيلون لقراءة معنى إفلاطوني في العقيدة اليهودية*. وعليه سارت العقول الفقهائية على مر العصور من حيث تعلم أو لاتعلم .

 من نبع لقاح أزواج العقول ـ العقل في المقدس، وعقل النقل في الأخبار ـ في مركب التأويل التعسفي ـ وبعد أن  أفضى كل زوجٍ بعضه الى بعض ـ  تفجرت قدحات تأويل حروف القداسة في أنابيب الحديث النبوي ، لتلد في كل رحم عصرٍ وليدها بمعونة أخصائي فيض الخالق الأبدي.

 فبين رحى فتاوي وتأويلات الأرباب لكل عصر، طُحِنت الأختلافات وخبزت بدماء معايير العدل وصدق الوحي، حتى تهرأت جدر الأيمان ودب الشك في قلوب المؤمنين، فضاع رب الكل وانتحر كل نبي. فلا خبر جاء ولاوحي نزل . فعدنا الى الوراء الى حضارة الغاب، وحب الذات .

 في حوار بين أوغسطينوس وجيروم: يسأل أغوسطيونس جيروم: ما إذا كانت الحقيقة مخلوقة أم مولودة؟ فرد جيروم على إنها مخلوقة. فقال أوغسطينوس: فلماذا إذن يُعَمِّدها الرهبان؟

بعيدا عن المجردات، فالحقائق هي أفعال من صنع أفكارنا نُعمِّدُها بما يرضينا، فنحن البناؤون، ونحن من يصنع اﻷشياء ويبني في مخياله صور معانيها وقد يتعسف أحياناً كثيرة في تأويل ما يؤمن به ويخدع به نفسه، لتلد له بثوب المفاهيم التي يطمح الوصول اليها، فيظن أن الله صيرها خلقا لنعبدها ونفديها.

 

مضمون الحوار في كتاب الغرباوي:

56-salakbahia1هو عبارة عن تساؤلات بما تستدعيه إفرازات الواقع المتخلف الملتهب بسلوكيات إجرامية يراد لها أن تظهر انعكاسا للتراث الفقهي المبني على أحاديث وسنن نبوية، تتداخل معانيها بشكل أو بأخر مع صراحة الكثير من الآيات القرآنية، المراد لها أن تُفهم، كأيات سيف معتدية .

 يحاول الكاتب الغرباوي، أن يرسم الخط البياني لأسباب التخلف الحضاري والبناء الأنساني للمسلمين في جغرافيتهم العربية، للوصول الى مصل مفهومي يرقى الى سبل الشفاء من سرطانات نهشت بأوردة دماء العقول البشرية العربية الأسلامية بالأخص.

فمن بين أدخنة المفاهيم وثقافة الفقهاء المبنية في الأجتهاد على معايير القياس بشهادة القال والقيل كأساس. ولدت الخرافات وعنف الأحكام بما يكفي لتشويه رسالة السماء وخنق الأنفاس. زد عليها أتربة طائرات الأغاثة الجوية المشحونة بثقافة البحوث العلمية العربية والاسلامية الصبغة لأحياء وبث حرارة روح النهضة الفكرية والعلمية الأسلامية في عروق الدول الأوربية المتجمدة عقلياً.

 لذا أصبح  من الضرورة بمكان، فتح ابواب الحوار الجريء حول جذور ثقافة الحضارة العربية والأسلامية وحقيقتها بالنوع والكيف ومقدار صدق الأثر، لشد حزام الأمان ولضمان الهبوط على أرض صلبة بسلام قبل أن تطين السماء أرضنا ليبتلعنا مثلث زلازل الأمطار في أرض حضارة الأدغال.

 يصادق على آراء وردود المفكر الغرباوي في المجمل العام، صور إرث حاضر المسلم العربي والعراقي بالأخص بكلا جناحيه العلمي والتربوي الخلقي الأنساني ـ (لاندخل في حساباتنا المنطقية بلدان عربية إسلامية انقلبت حضارتها بقدرة قادر من الهوش الى الماكنتوش) ـ فالتخلف حاصل  في البناء التربوي الإنساني الذي نتج عن تعاظم  التهابات الزوائد الدودية من جراء إفرازات المأكولات التاريخية النتنة، لتحل كممارسات في سلوكيات وفقه بعض الفرق الإسلامية. بل وتتجاوز بعض الطوائف المتأسلمة بفقهها الى شرعنة تصعيد ضغط الدم لتتفجر أجساد طائفتها بصكوك فتاويها الفقهية على مخالفيها مذهبيًا ودينيا. لم يكن هذا الحاصل هو لغياب كتاب (اميل) لجان جاك روسو عراقي أو عربي إسلامي فقط، وإنما لغياب حرية النقد والتفكير وإعمال العقل وإستقلاله، خارج فلك مرجعيات فقه صحاح التربية والتعليم .

من لهيب هذه النيران الاجتماعية الإسلامية، يخرج علينا السائل سلام السماوي من جعبته أسئلة فكرية، وبماراثون الحوار وقدحات زناده الفكري، يحاول المفكر الغرباوي ان يحرق شيئا من شحوم الأحباط النفسي، والتخلف الحضاري، وما تمخض عنه من صراع مرير جوّال، يزداد عليه كل يوم حجم الأقبال.

 

أهمية الكتاب بمضمونه العام:

 يعد الكتاب، محاولة هامة وجادة، لأقتلاع الخلايا المدمنة على فقه السياسة والتقليد الأعمى، من سلطةـ الوارثين عنوةً للحاضر والمستقبل ـ الى دين الأنسان المتعقل الحر، بما أمرت كتب الله المقدسة ورسله على مر الزمان.

 نلخص بعض ردود الغرباوي (وبتصرف مني بالسؤال والجواب) في إطار المعقول في هذا المقال. فمن اسئلة المحاور السماوي قال:

 هل اختلف المسلمون في تشخيص اسباب الهوة الحاصلة بين الحضارة الغربية والإسلامية، كما وما هي مردوداتها السلبية، وسبل العلاج للنهوض منها؟

يجيب الغرباوي: بالإيجاب عن وقوع  الأختلاف في التشخيص، ثم بشيء من التفصيل والتحليل، تناول مسألة الإنبهار بحضارة الغرب والشعور بالدونية وتبعية الذات. كما وشجب ثقافة الداعين الى اﻹندماج التاح حد الانسحاق وعده بالأمر الخطير: لما له من تداعيات سلوكية ونفسية، تؤدي بدورها الى حالات انفصام إجتماعية وثقافية.

 

 ثم يواصل الغرباوي التوضيح والتحليل بقوله:

إن المشكلة الثقافية أعمق من تبني قيم الأخر، وتداعياتها أخطر على السلوك والمشاعر، وهذا السلوك لايساعد على تجاوز عتبة التخلف، أو بناء حضارة تمثل قيمهم وهويتهم.

 

في هذا الكتاب  تجد الكثير من الأسئلة الرائعة والأجوبة الماتعة، والتي تعد إنفلاتا من عتمة القيود، الى مسارات الحرية الفكرية ولكن لايعني هذا أن كل الردود نتفق معها بالتفاصيل فلربما عندي أو عند غيري لاتصح أومنها ما نتوقف عندها لنقصان الأستشهاد بالدليل، لكن الأمر في التعريف عن الكتاب لا يستوجب النقد أو تصيد الأخطاء أكثر ما يدعو للتفكر والبحث والحوار مع الباحث الجميل. لذا اكفتي بما قدمته كي لا افسد متعة قراءة الكتاب بالأكثار من أمثلة ضروب الحوار. كما وأثني على مقدمة السماوي الأدبية الجميلة وثقافته الرصينة، وبالمثل على للبروفيسور الصائغ،  والدكتور صالح الرزوق.

 

الكتاب: إخفاقات الوعي الديني.. حوار في تداعيات النكوص الحاضري

ماجد الغرباوي

حاوره: سلام البهية السماوي

 

علاء هاشم الحكيم

٢٠١٦ـ ١٢ ـ ١٦

....................

* الفكر العربي ومكانه في التاريخ. ص ٣٠ ، ٣١ .

 

 

 

hatam hamidmohsinلا يصعب على المرء استذكار الجمهورية الرومانية حينما يرى جموع البليونيرات والقادة العسكريين وهم يلتحقون بركب حكومة دونالد ترامب.

التشابه بين روما وامريكا كان قد حصل في الماضي، بول كندي في كتابه "صعود وسقوط القوى الكبرى" تحدّث عن التمدد الامبريالي والانفاق العسكري المفرط الذي اطاح في النهاية بهيبة الامبراطورية.

لكن التشابه الحالي يعود الى فترات أبعد في تاريخ روما. كيف تحوّل النظام الجمهوري في النهاية الى بلوتوكراس او حكم الاغنياء. في كتابها عن تاريخ روما القديمة "SPQR"(رمز باللاتينية لـ senates populous que Romanus) تذكر الكاتبة ماري بيرد التالي:

"المتطلبات الاولى للوصول للسلطة كانت الثروة بحجم كبير. لا احد يستطيع النجاح في الانتخابات بدون اجتياز الاختبار المالي الذي استبعد معظم المواطنين".

هذا لا يعني القول انه جرى تجاهل الفقراء. وتضيف السيدة بيرد "ان اصوات الفقراء كانت موضع اهتمام وجرى تمحيصها بعناية. الاغنياء في العادة لم يكونوا موحدين ، والانتخابات كانت تنافسية".

ان طبيعة تلك المنافسة كانت تعتمد على كمية الطعام والشراب التي يستطيع المرشحون توفيرها لجمهور الناخبين، والشعارات السياسية في الحقيقة كانت عادة تُلصق في نهايات كؤوس الخمر، لذا فانت تعرف لمنْ تصوّت بعد ان تنتهي من الشرب . 

ان قوة الجنرالات في روما القديمة جاءت من مصدرين اثنين. الاول هو ان صفة جنرال كانت من أسرع

 الطرق الى الثراء، الجيش الفاتح يستطيع الاستيلاء على غنائم الحرب (ويوزعها لكي يعزز قوة العسكر).

ثانيا، وكما اوضح يوليوس قيصر ان الجنرال يمكنه استخدام جيشه لتخويف القوى المدنية.

من حسن الحظ، لم ينطبق ذلك على الجنرالات المعاصرين. في العصور الحديثة،يُنظر الى القائد العسكري كـ "رجل مسيطر"يستطيع تحقيق اهدافه بانجاز الاشياء. تجدر الاشارة الى ان 12 من بين  44 رئيس امريكي حتى الان كانوا جنرالات سابقين،بدءا من واشنطن حتى ايزنهاور.

لكن منْ هو الجنرال في روما القديمة الأكثر شبها بترامب؟ الشخصية التي تقفز الى الذهن هو ماركوس ليسينوس Marcus Licinius Crascus،الذي هو اغنى رجل في تاريخ روما. هو صنع ثروته من خلال المضاربة في العقارات. كان يتظاهر بكونه متحدثا رسميا جيدا وعانى من فضيحة جنسية حينما اتُهم بقربه الشديد من عذراء روما الطاهرة (vestal virgin ) حارسة النار المقدسة. التشابه ليس دقيقا جدا ،طالما ان ماركوس كان قائدا عسكريا ورجلا ثريا ايضا. لكن من الملفت ان نجد في كتاب توم هولاند حول روما القديمة "Rubican"،كان ماركوس ينحدر من اب ثري وانه"سيرث من ابيه الاعتراف بان الثروة هي الاساس الحتمي للسلطة".

وفي ضوء نزعة ترامب في التراجع السريع في السياسة خاصة في قضايا مثل الاجهاض،نجد الجملة التالية في كتاب هولاند والتي ايضا تؤكد صحة ذلك

"المبادئ،بالنسبة لماركوس،كانت مجرد حركات في احجار الشطرنج ضمن لعبة واسعة ومعقدة،يجب تبنّيها والتضحية بها متى ما تطلبت الاستراتيجية ذلك"

ان ماركوس لم يحقق ابدا السلطة الكلية، كونه شكّل فقط رمزا من بين  ثلاثة رموز اثنان منهما هما الاكثر شهرة وهما بومبي و يوليوس قيصر.

ان مؤامرات ودسائس هؤلاء الرجال لعبت دورا كبيرا في ضمان استبدال الجمهورية بامبراطورية تحت حكم الابن المتبنّى لماركوس،(اوكتافيان)  وخليفته الاقل شهرة.

ولكن ماذا حدث لماركوس في نهاية المطاف؟ قُتل ماركوس وهو يقود المعارك في حرب خاسرة مع ما يسمى حاليا بـ ايران. فهل يحدث ذلك مرة اخرى؟

 

Economics and politics, The Economist Dec 8th 2016

 

haidar abdullradaقراءة في دراسة (منهج التأويل العقلي) للباحث عبد الله الحديدي

أن أيا من الأستعدادات الصياغية التي تدفع بالأفكار اللا متهيئة الى محاولة تزويغ وتسويف محمولات الجوهر التفسيري في محصلات ملكوت أفق النص القرآني الحكيم وإغراقه بصفات لا تميل لها مصدرية الأنساق التشريعية بالأفق الإيماني الرحيب والموصول بمؤولات فاعلية الإستقرائية الوحدانية الرصينة التي تكون سياقيتها المرجعية عادة متصلة بأوليات المفاهيم النقلية الصادرة وبشكل مباشر عن فقه السنة النبوية الشريفة وعكس هذا الأمر تكون محمولات كل تلك التفاسير القادمة من غير جهة السنة النبوية الشريفة مرفوضة أصلا وبلا أدنى مجادلة ودليل . في الحقيقة أن ما قرأناه في مباحث وفصول دراسة الباحث د. عبد الله علي الحديدي (منهج التأويل العقلي) نستنتج منها بأن آليات مباحث هذه الدراسة قد جاءتنا لتوضيح وطرح ومناقشة ما جاءت به مؤولات نصر حامد أبو زيد في جل مؤلفاته العلمانية المادية في تفسير وتأويل النصوص القرآنية الكريمة . وعند الأمعانية السياقية الدقيقة في مجال مباحث هذه الدراسة الأكاديمية المستفيضة تتبين للقارىء مجالات وآفاق شطط متخيل النص التأويلي ومفهومه لدى أبو زيد والذي كان لا يتعدى في حقيقته التعيينية حدود استقرائيته القاصرة للإسلام والقرآن والتنزيل والوحي والمتشابه والمحكم من الآيات القرآنية . وتحت عنوان المبحث الأول (حياة نصر حامد أبو زيد اجتماعيا وعلميا) نستدرك حجم الواقع المتردي الذي يواجهه أبو زيد في حياته الاجتماعية والعلمية على حد قول الباحث الحديدي في فقرات هذه السطور : لم أحصل على معلومات كثيرة عنه لعدم تمكني من الاتصال به أو مع أحد أصدقائه بالرغم من مراسلتي له الى الجامعة أوترخت / قسم الدراسات الإسلامية في هولندا بتاريخ 5/2/ 2008 ولم أجد جوابا لكن ما علمته من كتبه وكتابات البعض عنه وعن شبكة الانترنت والفضائيات المحاورة له بأن أسمه نصر حامد أبو زيد وهو متزوج من أستاذة جامعية مختصة بالأدب الفرنسي أسمها ابتهال يونس وهما مصريا الجنسية من القومية العربية . وقد ولد نصر حامد أبو زيد في قرية قحافة في طنطا ـــ محافظة الغربية في 10  / 7 / 1943 وكان قد درس في الكتاب وحفظ القرآن في سن مبكرة .. لكن الذي أضطره الى التحول من التعليم الأزهري الى التعليم المدني هو طول التعليم الأزهري الذي يتعارض مع الوضع المعاشي لأسرته فدخل في مدرسة قبطية بقريته . كما أن نصر حامد أبو زيد كان قد عايش الأخوان المسلمين كجمعية ذات طابع ديني في قريته كما يحكي تأثره بأحد متصوفة هذه القرية في مرحلة النشأة .. إلا أنه تأثر في فترة السبعينات بفكر التجمع الوطني التقدمي الوحدوي لنزعته الأشتراكية وصيغته الليبرالية وأنظم للحزب كما يقول نصر حامد أبو زيد عن نفسه . من هنا لعلنا كقراء وبطبيعة الحال نهجس عوالمية هذه الشخصية المتذبذبة الى حد الأزدواج في محاور سيرها وبهذه الطريقة يمكننا فهم تطرفية الذات المنتجة لنصر أبو زيد في مجال ممارساته التقويمية للنص القرآني كما ووصولا منا نعاين ما قد صدر له من دراسات عديدة في مجال التأويل والتفسير القرآني وهي على حد علمي تبدو فائضة على خاصية الإحصاء والوصف كما وله في الوقت نفسه دراسات أخرى في محمولات معرفية أخرى . أما دراسة المبحث الثاني من كتاب الباحث الحديدي والتي جاءت تحت عنوان (أسباب تكفير نصر حامد أبو زيد) حيث  تعلمنا الأخبار الواردة من لدن الباحث في هذا الصدد بأن محكمة القاهرة ـــدائرة الأحوال الشخصية في عام 1995 بالتفرق بينه وبين زوجته وأيدته محكمة النقض في عام 1996حيث أخذت فنتازيا رحلة تكفير أبو زيد من داخل جامعة القاهرة بحجب ترقيته للأستاذية أولا من خلال تقرير رفعه الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين برئاسة الجامعة ينتقد فيه ما طرحه أبو زيد في بحوث ترقيته وهما الإمام الشافعي وتأسيس الايدلوجية ونقد الخطاب الديني . وفي مقابل مفهومنا وفهمنا لمباحث دراسة الباحث الحديدي حول أسباب تكفير نصر حامد أبو زيد حيث نجد بالمقابل الآخر مفهوم وصورة الأسباب والمداليل والعلية التي جعلت من أبو زيد في قيد قبضة الكفر والتراجع في نظر المجتمع العلمي والاجتماعي وهذه الأمور تتلخص على النحو التالي: 1ـــ العداوة الشديدة لنصوص القرآن والسنة والدعوة الى رفضها وتجاهل ما أتت به  2ــ الهجوم على القرآن وإنكار مصدره الإلهي والحديث عن أسطورة وجوده الأزلي القديم في اللوح المحفوظ  3 ــ الهجوم على الصحابة ونعتهم بصفات لا تليق بهم مثل اتهام عثمان بن عفان بأنه وحد قراءات القرآن التي كانت متعددة في قراءة قريش وذلك استمرارا لمؤامرة السقيفة لتكريس سيطرة قريش على الإسلام والمسلمين 4ــ إنكار مبدأ أن الله تعالى هو الخالق لكل شيء وأنه هو العلة الأولى وإنكار الغيب والهجوم عليه مع أن الأيمان بالغيب من شروط الأيمان الكامل . في الواقع أن القارىء لدراسة (منهج التأويل العقلي) تتحدد له معضلة واشكالية افكار أبو زيد ومنها تحديدا مستوى بناءاته الذاتية المسرفة في مجال استدلالاته اللاعقلية واللاتأويلية في تفسير النص القرآني وهدمه وهذا الأمر جاءنا في مبحث الفصل الثاني تحت عنوان (هدم مفهوم النص) حيث يقول الباحث فيه: عمد نصر حامد أبو زيد الى هدم مفهوم النص الذي يمثل المحور الأهم في تثبيت أسس الشريعة الأسلامية والتي تكاد تنتفي بأنتفائه وتتحول الى قالب يعبأ بأنواع المعاني إذا ما هدم هذا المفهوم الذي أتفقت عليه كل المذاهب الأسلامية تقريبا في إفادته لليقين ووجوب العمل به حيث قام نصر أبو زيد بنفي هذا المفهوم من خلال عدة شبهات: الشبهة الأولى: ــ ندرة وجود النص في القرآن حسب رأيه وهي مرحلة تحجيم وجود النص لديه وذلك بتبني ما أورده السيوطي في الأتقان عن بعض المتكلمين أنهم قالوا بندور النص جدا في الكتاب والسنة .. فنجد أن نصر حامد أبو زيد يردد هذا الكلام بقوله : النصوص عزيزة ونادرة خاصة في مجال الشريعة وعلل هذه الندرة بقوله هذا المفهوم نادر جدا بحكم الرمزية للغة . وإذا حاولنا البحث عن مسبب شبهة الأفكار والآراء عند منهج أبو زيد نجدها متأثرة الى حد بعيد بمناهج المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها أبو زيد حيث يقول الباحث الحديدي بهذا الصدد أيضا : لا يمكن أن نقول أن نصر حامد أبو زيد ينتمي لمدرسة فكرية محددة وهو قد نهل وأخذ من أكثر من مدرسة فكرية فهو تأثر بعقلانية المعتزلة ووظف بعض أفكارهم في دعم منهجه العقلي في التفسير كما تأثر بآراء المتصوفة كأبن عربي فحاول أيضا توظيفها في أضفاء الشرعية على بعض المعايير التي تبناها في التفسير كما وتأثر بالمدرسة التأويلية الغربية وتأثر بالنظريات الحديثة في اللغة تحديدا بنظرية دي سويسر .

 

(تعليق القراءة)

لقد تصرفت القابلية العلمية في الباحث أبو زيد في إخضاع النص والواقعة والمرجعية القرآنية الى جملة مقترحات لا تنحرف عن أفق المؤثرات القرائية الحاصلة لديه من لدن المناهج والمدارس الغربية كنظرية دي سويسر في اللغة الحديثة وكآراء المعتزلة والمتصوفة ويمكن القول بأن أبو زيد حاول تفسير النص القرآني بمفهوم تاريخي مغاير حيث وجد لنفسه ضرورة تبديل المعنى القرآني المرجعي بمعنى دنيوي يلاءم متطلبات حاجاته العصرية الحداثوية المادية الرخيصة على حد فهمه ومنطقه المنحرف عن جادة العقل النقلي والأستدلالي الحكيم في موازين الشريعة والسنة النبوية الشريفة . والقارىء لكتاب (منهج التأويل العقلي) لربما سوف يواجه المزيد من الدلالات البحثوية التي صرف الباحث من أجلها جهده الجهيد لأجل تكثيف محاكاتها وعلاقاتها وإحالاتها ومقارباتها لاسيما في سياق فصل (التفسير العقلي والتأويلي) وفصل (أراء نصر حامد أبو زيد في علوم القرآن) وفصل (نقد حامد أبو زيد بعض المناهج الفكرية) وتبعا لهذا كله يمكننا القول الأخير بأن عوالم نصر حامد أبو زيد في تفسير وتأويل النصوص القرآنية جاءتنا كمقومات انطباعية ضالة راحت تستجمع لذاتها المشيطنة موارد ومصادر ومعطيات المدارس المعرفية اليهودية والأمريكية في التاريخ والأدب بحجة وذريعة توسع الذهن التأويلي الخاص والعام في قراءة دلالات آيات الذكر الحكيم مما يجعل صيغة المقروء النصي مستجمعة دلالتها مع دوافع وحافزية متطلبات الاتجاه الزمني الذي يحيا به أبو زيد في يومنا الراهن . هذا هو بالضبط ما اراده أبو زيد من خلال عشوائية أدواته الفهمية للنص القرآني .. أراد به الأقتراب من مداليل يومية وحاجات دنيوية خاصة في مواطن التفاسير الممنهجة ببرمجيات العقل الاستشراقي الغربي الملحد وأخيرا فيها وجدنا مؤولاته أختراقا وتسويفا وتزويرا لما تقتضيه وتتلاقى فيه دلالات آيات الرحمة والحكمة الإلهية التي لا يفصح عن حجبها النورانية الساترة وعرفانها وفقهها سوى الله عز وجل بنور أيمانه وهدايته . من هنا أظن بأن دوري قد جاء وليس دور الباحث عبد الله علي الحديدي في الرد على مكاره نصر حامد أبو زيد وإحراق ورقته الانطباعية الساذجة حول مجاله الذي راح منه للأسف يقع في اشكالية كفرية خطرة بتغليب الطابع الذاتي على ما هو أسمى وأغلى ما في الوجود وهو كتاب الله عز وجل أسمه . سوف أقول له قولا لا قول بعده : تطرح الدراسة النقدية التي جاءتنا تحت عنوان (منهج التأويل العقلي عند نصر حامد أبو زيد ثمة مكاشفات هائلة من الحقائق التي راح يثريها الباحث بالمصادر والإحالات التي تبدو لنا في أماكن معينة من الدراسة عبارة عن زوائد لا حاجة لدليل المباحث لمثلها تماما . أما فيما يخص آلية وأدوات رؤية الباحث عبد الله علي الحديدي فقد وجدناها وعلى مدى فضاء مباحث الدراسة الطويلة لربما كان يغلب عليها الجانب التوثيقي والأكاديمي أكثر مما تتطلبه موضوعة الدراسة من سمة إجرائية نقدية متحكمة في معاييرها الخاصة، أي بمعنى ما، أخذ الباحث الحديدي يطيل من سكب معارف ومصادر وإحالات اقتباسات وحواشي دراسته مما جعله دراسته تصاب بوهن الفضفضة والهلهلة والحشو والتخمة الى حد غير مفيد تماما . أما فيما يتعلق بنصر حامد أبو زيد موضوع بحثنا فلا أجد بدوري الشخصية بأنه من أشباح أهل التأويل ولا التفسير في الوقت نفسه خاصة وأن ما كان ينقضها من حقائق مرجعية ما يطرح بشكل مباشر كونه ليس من أهل المعارف الدينية وذلك لأن ما كان ينفيه ويدحضه ويغيبه ليس برواية ولا قصيدة ولا بمقال منشورا في صحيفة يومية بل أنه كتاب الله وأسراره ومقاصده التي لا تسلم مداليلها الأحدية في أم الكتاب لكل من هب ودب عابثا . أقول لنصر حامد أبو زيد مكررا بدأ التفسير للقرآن وبيان معانيه من عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان هو المعلم الأوحد لتفسير آيات النص الحكيم وتوضيح مقاصده وحل ما غمض من عباراته قال تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) وفي عصر النبي وبأمر منه أشتغل جماعة من الصحابة بقراءة القرآن وحفظه وضبطه وهم الذين يسمون ب (القراء) وبعد الصحابة استمر المسلمون في التفسير ولا زال حتى الآن فيهم مفسرون . أما فيما يخص علم التفسير وطبقات المفسرين أقول أشتغل الصحابة بالتفسير بعد أن أرتحل الرسول (صلى الله عليه وآل وسلم) الى الرفيق الأعلى ومنهم أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله الانصاري وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن الزبير وأبو هريرة وأبو موسى وقد كان منهج هؤلاء في التفسير أنهم ينقلون ما سمعوه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في معاني الآيات بشكل أحاديث مسندة قد بلغت هذه الأحاديث كلها الى نفي مائتي واربعين حديث منها ضعيفة ومنها منكرة لا يمكن الركون أليها بأي وجه من الوجوه الموجبة للمسند الحقيقي وربما ذكر هؤلاء تفسير بعض الآيات على أنه تفسير منهم بدون أسناده الى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعد المفسرون من متأخري أهل السنة هذا القسم أيضا من جملة الأحاديث بحجة أن الصحابة أخذوا علم القرآن من النبي ويبعد أن يفسروا من عند انفسهم . أما فيما يخص الوحي ومنزل الوحي أكثر من غيره من الكتب السماوية المقدسة كالتوراة والأنجيل حتى نجد فيها آيات تتحدث عن ماهية وكيفية الوحي نفسه كما ويعتقد عامة المسلمين في وحي القرآن : أن القرآن بلفظه كلام الله تعالى أنزله على النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بواسطة الملائكة المقربين وهذا الملك الوسيط هو (جبرائيل) و(الروح الأمين) جاء بكلام الله تعالى الى الرسول في فترات مختلفة بلغت ثلاثا وعشرين سنة . وكان الرسول أن يتلو الآيات على الناس ويوقفهم على معانيها ويدعوهم الى ما فيها من المعارف الأعتقادية ومكارم الأخلاق والقوانين المدنية والوظائف التكوينية الخاصة للمخلوق إجمالا . رأينا الذي ذكرناه هنا هو للباحثين المعتقدين بالله تعالى وينظرون الى الدين والقرآن والوحي بنظرة فيها من الأنصاف والتقييم . أما الملحدون المنغمرون في المفاهيم الماركسية والعلمانية والحداثوية العقيمة التي ليس لها من مكان ما في آيات القرآن ولا في تفاسير الآيات لأن الخطاب القرآني ببساطة غير خاضعا لمستحدثات التأويل والمؤول الحداثوي العلماني ولا من جهة كونه محض أسلوبية أجناسية كالرواية والقصيدة . بل أنه كلام الله الخالص الذي يذكر تعالى فيه (قل لئن أجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا / سورة الأسراء) من الواضح هنا والبديهي أن كلامنا في هذا المقال قد لا يناسب مرجعية وشرائع ومؤولات العبقري الفذ (نصر حامد أبو زيد) لأنه أتخذ من المعارف الماركسية والعلوم العلمانية ناصية للسان ولعقل القرآن بل أنه غدا يفسر الآيات بموجب نظريات القراءة والتلقي الأدبية التي تختص بحقول الرواية والقصيدة والقصة القصيرة والأقصوصة، فيا للخيبة؟

 

abdulhusan shaabanبعد كتابَيه معنى اللاّعنف (1995)، واستراتيجية العمل اللّاعنفي (1999)، أصدر فيلسوف اللاّعنف الأبرز على المستوى العالمي، جان ماري مولر، كتاباً بعنوان «قاموس اللّاعنف» (2007)، وأعقبه بكتاب عن غاندي المتمرّد (2011)، ويأتي كتابه الجديد «نزع سلاح الآلهة»، تتويجاً لفلسفته التي كرّس حياته من أجلها، منذ أن أريد له في مطلع الستينات أن يلتحق جندياً في الجيش الفرنسي للذهاب إلى الجزائر لمقاتلة الجزائريين الذين يناضلون لتحرير بلادهم ونيل الاستقلال، فرفض وامتنع وسُجن وأُقصي، وهكذا تكوّنت لديه  قناعات بأهمية الانخراط في عمل لا عنفي، بل إن اللاّعنف أصبح قضيته الأساسية. ويأتي كتابه الجديد: «نزع سلاح الآلهة» تتويجاً لمعرفية حركية دينامية طوال خمسة عقود من الزمان.

الكتاب مقسّم إلى جزأين، يبحث في جزئه الأوّل الموسوم «المسيحية قيد المناقشة»، ما له علاقة بكلام الله وأقوال البشر، فيسلّط ضوءًا على المسيحيّة ومصادرها في مناقشة فلسفية لبعض تعاليمها ودعوتها لعدم مقاومة الشرّ وعدم الحذو حذو الشرّير، ويطرح مولر فريضة المصالحة وفضيلة الوداعة، إضافة إلى فضيلتَي الرّحمة والطيبة، بدلاً عن العنف، وذلك لكي يكون الإنسان قريباً من الآخر.

ويعدّ مولر، يسوع المسيح شهيداً للاّعنف، والشهادة هي للحقّ، ويتوصّل إلى قناعة بإفلاس آلهة العنف، ويعتبر الله «ليس إلاّ» محبّة، والمحبة هي للإله الطيّب، في حين أن المخافة هي من الإله الشرير، ويؤسس على ذلك بقوله: الله ليس محبة فقط، بل إنسانية.

يقول مولر: في البداية خطر ببالي أن أعنون مخطوطي بـ«نزع سلاح الله»، ولكن سرعان ما تبيّن لي أن الأمر سيكون غلطاً، إذْ أن الإله حق، في كل الأحوال، وهو ليس مسلّحاً، ومن قلّة العقل، بالتالي، ادّعاء تجريده من سلاحه. في وسع أي شخص كان أن يشك في وجود الله، لكن لا يجوز لأي أحد أن يتجاهل وجود آلهة مسلحة متعدّدة تخيّلها البشر العنفيون لتبرير عنفهم. وهذه الآلهة الأكذوبة هي التي على الإنسان نزع سلاحها ليقوى على التفكّر بالله. (ص24- 25).

ويتوقّف مولر عند الحروب الدينية في القرن السادس عشر، فيمتدح التسامح، ويقتبس فقرة من فولتير لربط قضية الدين بالعنف، بقوله: «ولكن عجباً ألأن ديننا دين إلهي يتعيّن عليه أن يسود بالكره، بالسخط، بالنفي، بمصادرة الممتلكات، بالسجون، بالتعذيب، بالقتل، بالتسبيحات المرفوعة إلى الله حمداً على هذه الجرائم؟». (ص230).

ويسمّي الحرب العالمية الأولى «المذبحة الفظيعة»، كما يتناول مواقف الكنيسة ذات الطبيعة المزدوجة، ويدعو إلى وضع حد لمسألة الأسلحة النوويّة، مثلما يدعو إلى «الحظر المطلق للحرب» ويوضح قوّة العمل اللاّعنفي بوجه العنف. (ص281).

يقدّم مولر قراءات جديدة للنصّ الديني، بقوله: إنّ الله لا يسمح بانتصار الشّر (ص284)، وإن حصل ذلك، فإما أنه ليس قديراً، وإما أنه ليس طيباً، والله لا يقحم نفسه في تاريخ البشر ليحل محلّهم، واستناداً إلى ذلك يتوصل إلى قناعة بأن العنف الذي ينوء التاريخ بثقله هو من صنع أيادي البشر حصراً، ومن مسؤوليتهم أن يحطموه، وليس من الضروري التضرّع إلى الله حتى يرضى إبداء رأفته بالعالم، وهو الذي «يطلع شمسه على الأشرار والأخيار، وينزل المطر على الأبرار والفجّار»، ولا يحتاج الله إلى أن يأمر البشر بالصلاة له ليكفّوا عن عنفهم، بل هو الذي يصلي لهم، كيما يصنعوا السلام. (ص293).

إن ما يُبهر البشر في العنف هو العنف، ولكي يكف البشر عن العنف، فعليهم أن يغيّروا موقفهم منه، وأن يخضعوا لعملية تطهّر جذرية للانصراف عنه، ولنزع شرعيته، وعند ذاك يمكنهم أن يكتشفوا حكمة اللاّعنف. ويقول مولر: «واللاّعنف هو الرواق الذي يفتح للإنسان طريق الاحترام والرّحمة والطيبة والمحبّة، وفيما يتعداها أيضاً طريق التعالي» (المقصود السموّ).

وفي الجزء الثاني المعنون «الإسلام قيد المناقشة» يبحث مولر في «الإسلام والإسلامية» ويسأل عن الرابط بينهما، فهناك مسلمون يشجبون «الإسلامية» مؤكّدين أن لا صلة بينها وبين الإسلام، والمقصود بالإسلاميّة تحويل الدين إلى آيديولوجيا، فالإسلام بحسب وجهة النظر الكلاسيكية هو دين، أما الإسلامية فهي آيديولوجيا بمعنى «نسقية» وتسيّدية، في حين أن الإسلام هو دين يعلّم على التسامح والسلام والعدل والرحمة والحب، ولذلك يستغرب مولر أن يؤدي الانتساب إلى الإسلام إلى فرض نظام سياسي قهري وقمعي عليهم، أو اقتراف أفعال تعصّب وعنف، وهو يرى أن هناك إسلامَيْن: إسلام العنف وإسلام اللاّعنف وكلاهما يزعم الرجوع إلى القرآن، ومثلما هناك أصوليّة إسلامية هناك أصولية مسيحية. ومن واجب «المؤمنين» أن يكشفوا النور عن جوهر الدين والدعوة إلى التسامح واللاّعنف والسلام بدلاً من التمترس بالآيديولوجيا، سواء كانت إسلامية أو غيرها. (ص 300 – 301).

ويبحث مولر في فكرة الجهاد، فيركّز فيها على الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس والتغلّب على العنف لدى الإنسان بمجاهدة الأهواء لتحرير نفسه من القيود التي تشدّه، إلى الأعمال الشائنة والشهوات الفاسدة، مقابل الجهاد الأصغر الذي يركّز على مقاتلة العدوّ بالسلاح، في حين أن معنى الجهاد الأكبر هو مقارعة الشرّ بوصفه صراعاً ضد وسوسات الشيطان المسمّى إبليس، «العدوّ» الذي يقبع داخل كل فرد، والذي من شأنه أن يؤدي إلى التهلكة، والمقصود بالجهاد الأكبر كما فهمه مولر هو عن إماتة «الكافر» المقيم في قلب كل مؤمن.

ويتوقّف مولر عند المفكر المصري الإسلامي سيد قطب الذي أُعدم العام 1966، وذلك حين يميّز بين ثلاث مراحل في نزول الأوامر الإلهية المتعلقة بالجهاد: مرحلة الخطر والمقصود بها (المرحلة المكية) التي أسميها بالمصطلح الحديث مرحلة بناء الحركة واكتمال أركان الدعوة الإسلامية أي «المرحلة التبشيريّة»، ثمّ مرحلة الإباحة، والمقصود بها "المرحلة المدينية بعد هجرة الرسول إلى يثرب/ المدينة المنوّرة" وامتلاك المسلمين عناصر قوّة الرد (المواجهة)، وهي المرحلة الدفاعية، ثم مرحلة ما بعد تأسيس الدولة (أي بعد دخول مكّة وإقامة الدولة الإسلاميّة)، تلك التي أصبح الإسلام فيها سيّداً، وهي ما نطلق عليه المرحلة الهجومية، ومن هذا المنطق يدعو قطب إلى أن يكون الإسلام المعاصر أشد قوة وبأساً، ولا بدّ له من نضال وجهاد. (ص310)، والمقصود بذلك استلهام واستعادة المرحلة الهجومية.

ويستهدف مولر من إبرازه دور الجهاد في المنظومة الفكرية الإسلاميّة، أوضاع الحاضر حيث يسود العنف والإرهاب باسم الدين وتتجه جماعات متوحشة لِلَويّ عنق النص الديني لكي ينسجم مع تعاليمها، سواء كانت سلفية، أو أصولية، أو راديكالية متطرفة، وباسم القاعدة أو داعش أو غيرها، كما يجري هذه الأيام. وحين يناقش الأمر يعود إلى بعض الأصول التي تساعد على تقديم تفسيرات وتأويلات لتبرير العنف، سواء على يد ابن تيمية أو على يد سيد قطب، أو غيرهما، وكنت أتمنى عليه مناقشة آراء بعض العلماء المسلمين الآخرين مثل علي شريعتي والسيد محمد باقر الصدر والسيد محمد حسين فضل الله، وقد كتبت له بذلك.

يمكن القول إن كتاب الفيلسوف الفرنسي جان ماري مولر هو من أهم الكتب المرجعية التي تبحث في مسألة اللّاعنف، وهو إضافةً إلى غناه وعمقه وجرأته في تناول قضايا العنف واللاّعنف من زاوية الديانتين المسيحية والإسلامية، فإنّه يمتاز بالجدّة والشموليّة والاجتهاد، وخصوصاً أنه يدخل في عمق الإنسان، فلسفةً واجتماعاً وحقوقاً وأخلاقاً وقوانين، ناهيك بطبائعه وأمزجته وسلوكه، لأن العنف مؤسّس في بنية المجتمع وفي فلسفة إداراته وأدوات ارتهانه من داخله ومن خارجه حسب مؤلف الكتاب.

 ولأن التمييز بجميع أشكاله بات جزءًا من المشهد العام، وأنّ العنف باسم الدين أو بغيره يزداد مأسويّة ويتسبّب بالقتل والتهجير وانتهاك الكرامة والوجود والحقوق، فإن مولر لهذه الأسباب يدعو إلى تعليم اللاّعنف، وكم كان مستبشراً حين عرف أن جامعة له تؤسّس لأول مرّة، وكان قد قال فيها عند إطلاق كتابه: كم هو سعيد لأنّه يحاضر في بلد عربي «لبنان»، عن اللاّعنف، لأنه يدرك المسؤوليّة التربويّة والأكاديميّة والفكريّة والثقافيّة والحقوقيّة للجامعات ومناهجها، لأنها مؤتمنة على قيم الإنسان كإنسان.

لقد أعادني كتاب نزع سلاح الآلهة إلى حوار دار في بكين في معهد الشؤون الدولية التابع لوزارة الخارجية، حين ناقشنا فيه الفلسفة التاوية الصينية وفيلسوفها الكبير لاوتسه، كما تناولنا الفيلسوف كونفوشيوس أيضاً، بمقارنة مع الفلسفة العربية – الإسلامية الصوفية متجسّدة بمولانا محيي الدين بن عربي الذي يرقد في حي ركن الدين بدمشق. ولعلّ أهم ما يميّزهما هو الروحانية وحب الآخر متبلوراً في حب الله المطلق، والله حسب الكتاب ومولر هو مطلق وهو محبّة، وبالتالي لا يمكن أن يكون عنفيّاً، أو مع العنفيين، وإلاّ كيف يفعل الله ما يفعله البشر؟

في رواية الروائي الروسي دستوفسكي «الأخوة كارامازوف» يتحاور أخوان في خصوص مبدأ القصاص والرد بالمثل واستخدام العنف ضد العنف، والأخوان في الرواية هما إيفان وأليوشا، والأمر له علاقة بما تعرّض له الأطفال على يد الجلادين، فيقول إيفان لأخيه ما معناه: القصاص أو العقاب لا يساوي عندي دمعة من عين طفل: أوَتقول لي إن الجلادين سوف يتعذّبون في الجحيم؟ ولكن ما جدوى ذلك؟ وبدلاً من الانتقام أو الثأر فإنّه  يطلب الغفران وزوال العذاب...

 ذكرتني هذه الرواية بما تعرّض له بشير الحاج علي اليساري الجزائري على يد الجلادين بعد التحرير واستقلال الجزائر، (كتابه الموسوم "العسف")، وكان كلّما فاق من المغطّس يسمع شاباً بجواره وبين حفلة تعذيب وأخرى: يقول سنعذّبهم مثلما عذّبونا وسنستخدم كل الوسائل لإذلالهم مثلما حاولوا إذلالنا، فما كان من بشير الحاج إلا أن يجيبه: وما الفرق بيننا وبينهم: نحن نريد كنس التعذيب وإنهائه إلى الأبد، وهو الذي يسميه دستوفسكي «التناغم الأبدي» في روايته المذكورة. وقد سبق لي أن أشرت إلى دعوة خير الدين حسيب إلى ممارسة الرياضة النفسية عند مداخلته في الحلقة النقاشية حول «العدالة الانتقاليّة»، وليس ذلك سوى نوع من التطهّر الروحي والتخلص من ثقل الكراهية، والرغبة في الانتقام والثأر والكيديّة.

وحين نستذكر اللاّعنف يحضر الروائي الروسي الشهير تولستوي، صاحب رواية: «الحرب والسلام»، ودعواته إلى عدم مقاومة الشرّ بالعنف، ففي كتابه «ما هو مذهبي؟» أراد القول: «لا ترتكب عنفاً أبداً، بمعنى آخر لا ترتكب أبداً أي فعلة مناقضة للمحبة»، أي أن الانتقام وسيلة سيئة، وحسب تصويره فالحرب الروسية - اليابانية هي بين مسيحيين وبوذيين، يقتل أحدهما الآخر في حين أن المسيحية والبوذية لا تدعوان إلى القتل وتحرّم ديانتهما قتل البشر، بل إن البوذية تحرّم حتى قتل الحيوانات.

لقد رفض تولستوي طاعة أوامر الدولة التي تفضي إلى العنف، لأنه غالباً ما يكون عنفاً ظالماً وكان يقول لا للجيش الذي يكفل العنف لقهر الشعب، ومن هنا موضوع رفض الإعدام. وترك تولستوي أثراً كبيراً لدى المهاتما غاندي، فقد كتب غاندي عنه بمناسبة مئويته العام 1928: كان أكثر رجال عصره صدقاً، إنه أعظم رُسل اللاّعنف الذين شهدهم عصرنا الحالي.

إذا كان العنف قوة خشنة وقاسية وإكراهية، فإن اللاّعنف قوة ناعمة، وهي قوّة الإرادة البشرية، وطابعها الإنساني، وذلك هو جوهر كتاب مولر.

 

الكاتب: جان ماري مولر

الكتاب: نزع سلاح الآلهة – المسيحية والإسلام من منظور فريضة اللّاعنف.

ترجمة ديميتري أفييرنيوس

إصدار جامعة اللّاعنف وحقوق الإنسان، بيروت، 2015.

440 صفحة من المقطع الكبير.

 

تقريظ: عبد الحسين شعبان