jamil hamdaouiيتناول هذا الكتاب مبحث الصورة في ضوء مقاربة سيميو- بلاغية، حيث ينصب هذا المصنف على دراسة بلاغة الصورة السردية نظرية وتطبيقا، بتوقفنا عند مجموعة (ندوب) لميمون حرش لدراستها في ضوء بلاغة الصورة السردية ، بتصنيف صورها، ودراسة بنياتها السردية والتركيبية، واستجلاء دلالاتها الموضوعاتية، واستكشاف وظائفها السياقية.

وبعد ذلك، يستعرض الكتاب  مجموعة من الصور السيميوطيقية، مثل: الصورة البصرية أو الصورة المرئية ، والصورة الإشهارية ذات البعد التواصلي والتنفاعلي مع المتلقي أو الراصد أو المستهلك، والصورة المسرحية التي تصنف إلى أنواع عدة، مثل: الصورة اللغوية، وصورة الممثل، وصورة السينوغرافيا، وصورة الإخراج، وصورة الرصد...

ولم ننس كذلك دراسة الصورة السينمائية التي ترتبط بالفيلم تقطيعا وتركيبا، وقد توقفنا عند بنيتها البصرية، ومجمل رسائلها الدلالية والمرجعية، ووظائفها البصرية والنفية والجمالية...

 

هذا، وقد تناولنا ، في هذا الكتاب، الصورة البيداغوجية والديدكتيكية، باستقراء الكتب المدرسية الموجهة إلى المتعلمين، ودراسة مختلف تلك الصور وتصنيفها، والبحث عن مقاصدها المباشرة وغير المباشرة، بعد تقديم فرش نظري حول تطور اللسانيات والسيميائيات البصرية والأيقونية التي اهتمت كثيرا بدراسة الصور المرئية والبصرية.

واليوم، يصعب الفصل بين البلاغة والسيميوطيقا، مادامتا تدرسان البنيات النصية والخطابية والفنية دراسة شكلانية موضوعية بغية الوصول إلى المعنى العميق، أو الدلالة الكامنة في العمق. لذا، ارتأينا أن نسمي منهجيتنا النقدية أو الاستكشافية بـ(المقاربة السيميو- بلاغية).

وأرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، وأشكر الله شكرا كثيرا،  وأحمده على علمه ونعمه وفضائله  التي لاتعد ولاتحصى.والله ولي التوفيق.

 

د. جميل حمداوي

.....................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

مقاربــة سميـو- بلاغيــــة للصـــورة / جميل حمداوي

 

hatam hamidmohsinحينما كنا اطفالا، وجدنا ان الحياة غير عادلة، الأشياء السيئة تحدث للناس الخيرين والاشياء الجيدة تحدث للناس السيئين. لذا من الطبيعي السؤال "لماذا نتصرف بعدالة في عالم غير عادل؟ فاذا كان العمل اللااخلاقي يتيح لك الحصول على ما تريد وانت تعلم سوف لن يُمسك بك احد، فلماذا لا تقوم به؟" الأجوبة كما طُرحت هنا تبدأ برفض فكرة التضاد بين الاخلاق والسعادة. احترام الذات هو ضروري للسعادة، واللااخلاق تُفسد احترام الذات. سنرى كيف ان احترام الذات مشروط بكيفية احترامنا للآخرين .

الاطروحة الرئيسية لهذا الكتاب هي محصلة لدمج التصور الاغريقي القديم للسعادة مع  المفهوم الحديث لإحترام الذات. نحن نصبح سعداء ونعيش افضل الحياة فقط عندما نكون فضلاء: اي حين نتصف بالشجاعة والعدالة والاعتدال والحكمة  قدر الإمكان. هذه هي فضائل السعادة. الكتاب الحالي يوضح لماذا من السوء ان نكون سيئين ومن الخير ان نكون خيرين، وماذا يحدث لقيم الناس عندما تتطور عقلانيتهم العملية.

نظرية الحياة الجيدة هو محاولة جديدة لمشروع قديم،اي، تبنّي استجابة معينة لتحدّي اللااخلاقية والأنوية،استجابة تبيّن لماذا العيش اللاخلاقي ليس فقط غير رشيد وانما  يمنع الفرد من العيش بسعادة حقيقية. يرى الكاتب ان الاخلاق الفاضلة ضرورية وكافية لكي يعيش الناس بسعادة قدر الامكان ،وهو هنا يختلف عن الرواقي الذي يرى ان الفضيلة ضرورية وكافية للسعادة،ذلك لأن الكاتب يعتقد ان المأساة تمنع الشخص الفاضل من العيش بسعادة حقيقية. مع ذلك،فان العيش بفضيلة سيجعل الفرد سعيدا قدر الامكان،بينما العيش بعدم اخلاقية في ظل السعي لتعظيم المصلحة الذاتية،هو بالنهاية محاولة فاشلة ومهزومة ذاتيا.

الفكرة المركزية في الكتاب هي ان السعادة الحقيقية تتطلب تقدير ملائم واحترام للقيمة المتأصلة في الاشياء الهامة في حياة الفرد،بما فيها قيمة الفرد والناس الآخرين. الانسان ذو الاخلاق الفاضلة وصاحب الحكمة العملية هو فقط منْ يستطيع القيام بذلك.

كتاب (بلومفيلد) يشكل اضافة نوعية للادب الحديث في مجال الفضيلة والسعادة والتي جرى فهمها  كحياة ثرية او جيدة.السعادة بهذا المعنى تشير الى الحياة التي من الخير للفرد ان يعيشها،كشكل متميز عن الحياة الممتلئة بالشعور بالسعادة،او الحياة التي تضفي الشعور بالقناعة. فالسعادة تتطلب خصيصا احترام الذات، وان احترام الذات يتطلب احترام الآخرين كغاية في ذاتهم.الكاتب طرح تفصيلا لهذه الادّعاءات.

 

محتويات الكتاب

الفصل الاول: الوعي بموقفنا الراهن

1- المشكلة 2- التشخيص 3- الحل 4- الخلفية الديالكتيكية العامة 5- الجدال من زاوية انطولوجية 6- الجدال من زاوية ايبستيمولوجية  7- معارضات واستنتاج.

الفصل الثاني :في ان تصبح خيرا

1- لغز السعادة 2- الشيء الأعظم اهمية في العالم 3- الاهتمام بنفسك 4- ما وراء لغز السعادة 5- تطوير عقلانية عملية 6- اللااخلاقية واللانضج.

الفصل الثالث: لماذا من الخير ان تكون خيرا

1- الطبيعة الانسانية والحياة الجيدة 2- المتعة،المزاج والاقتناع الذاتي 3- الفضيلة 4- الشجاعة:ادارة الخطر 5- العدالة والحكم بانصاف 6- الاعتدال 7- الفضيلة،الحظ والسعادة 8- فوائد الاخلاق 9- هل الحب هو المتحصل منه  10- الحكمة.

يجادل الكاتب باننا بدون فضيلة لا يمكن ان نكون سعداء،واننا مع الفضيلة تكون حياتنا اكثر سعادة مما لو بدونها. هذه الاطروحة جرى الدفاع عنها بثلاثة فصول مطولة.

الحجة الاولى للمؤلف هي حجة انطولوجية. هو يرى بان الاشكال اللااخلاقية كالقمع والخيانة والاستغلال هي مؤذية لمن يقوم بها لأنها غير منسجمة مع احترام الذات ومن ثم مع السعادة.وهو هنا يميز بين نوعين من الاحترام،احترام قائم على الانجاز الذي يقوم به الفرد،واحترام للفرد باعتباره انسان له قيمة ذاتية وغاية بذاته وليس كشيء.

اما الحجة الابستيمولوجية للمؤلف تقوم على ان احترام الذات يتطلب معرفة الذات،وان المعرفة الذاتية للكائن البشري تتطلب معرفة باناس اخرين.وكما يذكر"نحن لا يمكننا ان نكون من نحن كافراد لو لم نكن ككائنات انسانية". لذا اذا كان الانانيون عميان عن مكانة الاخرين كغايات ، فهم يجب ان يكونوا عميان تجاه انفسهم ايضا.وبالتالي سيفتقرون للاعتراف باحترام الذات.

يميز الكاتب بين الانانيين من جهة وبين "الاخلاقيين"من جهة اخرى. الفريق الاول يعتقدون ان سعادتهم الخاصة بهم (او سعادة الناس الذين يهتمون بهم) هي الشيء الأعظم قيمة في الحياة وان الاخلاق عموما تتعارض مع سعادتهم،بينما الفريق الاخير يعتقد ان السعادة شيء والاخلاق شيء اخر،وعندما يتصادمان فان الاخلاق يجب ان تربح. كل من الانانيين والاخلاقيين يتصورون الاخلاق كتضحية فطرية لأجل الاخرين ،والسعادة كانانية فطرية، وهذا هو الجزء الاكبر من المشكلة. حتى عندما يعترف الاخلاقي  كانط  بالاهمية الاخلاقية لمواقف الاعتبار الذاتي مثل احترام الذات ويشجب الرغبة المفرطة بخدمة الآخرين،هو انما يضع اهمية احترام الذات في ضوء الحاجة الى العقلانية،بدلا من الحاجة الى السعادة.الاخلاق تبين لنا كيف نعيش حياة جيدة عبر تنسيق اهتماماتنا وافعالنا مع اهتمامات وافعال الاخرين،وعبر التوفيق بين الاعتبارات الاخرى واعتبار الذات،وهذا هو مصدرالسلطة الاخلاقية.

في الفصل الثاني يواجه الكاتب لغز السعادة،وفكرة ان عمل اي شيء لأجل سعادة المرء الذاتية هي فكرة منهزمة لا تحقق النتيجة المرغوبة. هو يرى ان تلك الفكرة منهزمة ذاتيا لأن مثل هذا التركيز يصرفنا عن استثمار انفسنا في مشاريع وعلاقات تجعلنا حقا سعداء،وهو الاستثمار الضروري للسعادة.المشكلة هي في اعتبار سعادتنا الشيء الاكثر قيمة في العالم،ولاشيء آخر له قيمة مستقلة عن سعادتنا. السعادة تتطلب ان نعيش الحياة مع الاعتراف بحقيقة ان الناس الآخرين لهم قيمة بذاتهم،قيمة مستقلة عن سعادتنا. ما يجعلنا سعداء حقيقين هو السعي الصحيح والفاضل للاشياء ذات القيمة الفطرية،والعلاقات الفاضلة مع الناس الخيرين .هذا السعي وهذه العلاقات يصبحان جزءا مكونا لسعادتنا. الناس الانانيون يفشلون في ان يكونوا سعداء لانهم "جزء غير اخلاقي وغير ملائم "لانفسهم ولعوائلهم او لجماعتهم،ولديهم "ايمان زائف وتوقعات حول الكيفية التي يعيشون بها حياتهم بشكل جيد وبسعادة".

المؤلف يميز بين سعادتنا وبين الاشياء التي تجعلنا سعداء. هو يرى "لو نحن نستثمر انفسنا كليا بما يجعلنا سعداء،وقمنا باختيار الجيد في هذا المجال،عندئذ لا يوجد هناك سبب آخر يجعل حافزنا هو سعادتنا ذاتها .نحن نحتاج النظر بسعادتنا مرة ثانية فقط عندما نجد ان خيارنا الاول لم يجعلنا سعداء.

باختصار،نحن يجب ان لا يكون دافعنا هو السعادة لأن هذا غير منسجم مع حماسنا بالقيمة المتأصلة بالاشياء التي تجعلنا سعداء.هذا يثير سؤالين،الاول لماذا لانستطيع ان نكون متحفزين بالاشياء التي تجعلنا سعداء كغايات بذاتها وكوسائل؟لو كنت احب الفلسفة لكني اخترت ان اكون مدرس رياضيات لأن راتبها افضل وان المردود الافضل هو وسيلة لسعادتي،فانا ساختار تدريس الرياضيات جزئيا لاسباب نفعية ،واستمر في تدريسها جزئيا للاسباب ذاتها. ثانيا،لماذا لا يمكننا ان نتحفز باشياء كغاية في ذاتها وايضا كجزء من سعادتنا؟ هناك العديد من الفعاليات والمشاريع ذات القيمة المتأصلة يمكن الاختيار منها،لكن الحكمة العملية تملي علينا ان نختار تلك التي تشكل عنصرا جزئيا لسعادتنا،ونستمر في الانخراط بها طالما هي جزء من سعادتنا.الكاتب لا يعطي سببا للاعتقاد بعدم استطاعتنا القيام بذلك.

هو يذكر "عندما يتحتم علينا الاختيار بين الاثنين،اي،السعادة وما يجعلنا سعداء ،مثل اطفالنا،"نحن يجب اعتبار الاطفال اكثر اهمية من سعادتنا"،لأننا لو نستمر بالاعتقاد ان الاثنين متساويين في الاهمية،"فان بنائنا التحفيزي سوف يتمزق وسننتهي بافساد سعادتنا".

تبرير (بلومفيلد) لعدم اختيار سعادتنا على الاطفال،هو لو اننا قمنا بذلك سننتهي بتعكير سعادتنا.لكن هذا ايضا يحتاج الى دليل. لاننا اذا اخترنا الاطفال على السعادة فنحن ،حسب الافتراض،سنفسد سعادتنا ايضا.

في الفصل الثالث يطرح الكاتب ادعاءا قويا ضد اعتبار السعادة كهدف.هو يرى ان السعادة هي فقط نتيجة جانبية وغير مقصودة للعيش الفاضل."الشيء الاكثر اهمية عند عمل القرارات العملية هو ليس ان نكون سعداء، وانما ان نكون فضلاء". لكن النتائج اللامقصودة وربما اللامرغوبة هي تشبه الدخان المتصاعد من حرق الفحم. لذا اذا كانت السعادة جانبية، فمن الصعب اعتبارها ذات قيمة، واذا كانت لها قيمة، فمن الصعب معرفة سبب تركها خارج اهتماماتنا ودوافعنا. لأننا وفق هذا التحليل سنرى الحوافز النفعية واللانفعية تحصل في وقت واحد.

وحول حب الناس ينصح الكاتب بانه بالرغم من ان حب الناس الجيدين يعطي مردودا،لكننا  يجب ان لا نحبهم لأجل المكافأة بما في ذلك مكافأة الحب المتبادل. تبادل الحب هو ايضا نتيجة غير مقصودة للحب.لكن تبادل الحب هو اساس امتلاك علاقات ذات قيمة،وان الرغبة في ان تحب هي ضرورية لنمو الشعور  والمحافظة على استمرارية العلاقة.

يختتم الكاتب كتابه بعرض نقاشات اصلية عن فضائل السعادة والشجاعة والاعتدال والحكمة العملية،ودورها في الحياة الجيدة.هو يعترف بان الفضائل متصلة مع بعضها،لكنه يرفض مذهب وحدة الفضيلة الذي يقول هناك فقط فضيلة واحدة هي الحكمة العملية.هو ايضا يعرض نقاشا ممتازا ضد الرواقية.مشيرا الى ان السعادة اذا كانت مشابهة للفضيلة،عندئذ حينما يقتل زلزال جميع الناس عدى الفرد الفاضل،فهو من غير المعقول ان يبقى سعيدا.

 

كتاب فضائل السعادة: نظرية الحياة الجيدة للكاتب Paul Bloomfield صدر عن مطبوعات جامعة اكسفورد في عام 2014 بـ 253 صفحة.

 

jamil hamdaouiيتناول هذا الكتاب التدبير البيداغوجي والنجاح المدرسي.ومن ثم، فالكتاب موجه إلى طلبة الإدارة التربوية بصفة خاصة، والمكونين والأساتذة والطلبة المهتمين بقضايا التربية والتعليم بصفة عامة.ويعني هذا أن الكتاب تعريف إجمالي لمفهوم التدبير وآلياته وتقنياته ومرجعياته النظرية والتطبيقية. وبعد ذلك، يدرس هذا المفهوم الجديد في الحقل التربوي والديدكتيكي والإداري. بمعنى أن الكتاب ينقل مصطلح التدبير من الحقل الاقتصادي المتعلق بتسيير المقاولة وتدبيرها إلى الحقل البيداغوجي لتطبيقه في هذا المجال.

ويتعرض الكتاب أيضا إلى مجموعة من النظريات المتعلقة بالتعلم، كالتعلم الشرطي عند بافلوف، والتعلم عن طريق المحاولة والخطإ عند ثورندايك، والتعلم عن طريق التكرار عند واطسون، والتعلم عن طريق التماثل بين الذاتي والموضوعي عند جان بياجي، والتعلم القائم على ماهو اجتماعي وثقافي عند المدرسة البنائية المعرفية عند فيكوتسكي...

ويستعرض الكتاب كذلك تاريخ الإصلاح التربوي بالمغرب، بالتوقف عند ثنائية الأزمة والإصلاح بالدرس والتحليل والمناقشة.كما يستعرض الكتاب كذلك مختلف البيداغوجيات المعاصرة التي عرفها المغرب في العقود الأخيرة كالتدريس الهادف وبيداغوجيا الكفايات، والبيداغوجيات التي لم يعرفها ولم يطبقها بعد في الحقل التربوي والتعلمي، كالبيداغوجيا الإبداعية، وبيداغوجيا الملكات...

وعلى العموم، يهتم الكتاب بأسس مدرسة النجاح، ورصد سبل تحقيق الجودة المدرسية، وتقديم مختلف الآليات التي تسهم في تحقيق مدرسة النجاح الحقيقية. كما يتناول الكتاب مفهوم مدرسة التميز ، ومفهوم الحكامة الجيدة في تدبير شؤون المنظومة التربوية، والمهام التي يقوم بها المدرس أو مدبر الفصل الدراسي.

وفي الأخير، أتمنى من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، ويعود عليهم بالنفع والفائدة. و أدعو لنفسي بالمغفرة والتوبة من أي تقصير، أو افتخار، أو خيلاء، أو ادعاء، أو نسيان، أو خطإ، أو سهو.

 

د. جميل حمداوي

..................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

التدبير البيداغوجي والنجاح المدرسي / د. جميل حمداوي

 

946-anthologieصدرت في مدينة آخن الألمانية أنطولوجية لشعر الشاعر اللبناني د. شربل داغر، بعنوان: "جسدي الآخر"، عن "دار شاكير ميديا"، في 188 صفحة من القطع الكبير، وقام باختيار قصائدها وترجمتها الدكتوران  سرجون كرم وسيباستيان هاينه، وراجعتْ النصوص ودققتها كورنيليا تسيرات، وصمم الغلاف الفنان العراقي ضياء العزاوي. واشتملت الأنطولوجية، فضلاً عن التقديم، على قصائد مختارة من عدد من مجموعات داغر الشعرية العشرة : "فتات البياض"، و"حاطب ليل"، و"إعراباً لشكل"، و"لا تبحث عن معنى لعله يلقاك"، و"القصيدة لمن يشتهيها"، و"على طرف لساني"، و"دمى فاجرة". وهي الأنطولوجية الثانية بلغة أجنبية للشاعر، بعد "عتمات متربصة" (2005) بالفرنسية، التي أعدها وترجمها الدكتور نعوم أبي راشد، فضلاً عن صدور مختارات شعرية عديدة له بالعربية في مصر والجزائر وتونس وغيرها.

946-anthologieوقال الشاعر عن الأنطولوجية: "أعتز بصدور هذه الأنطولوجية، خصوصاً وأن من قام بها أستاذان مرموقان، ومترجمان متميزان لأعمال شعرية سابقة، فضلاً عن أن كرم بينهما شاعر بالعربية. ومما سرني في الترجمة، هو أنني خضعت من قبل هاينه، في لقاءات ببيروت، لمناقشات مدققة حول تجربتي الشعرية، وحول علاقاتها الجلية والمضمرة، باللحظة، واللغة، والفلسفة، وجمالية الفن؛ وهو ما لم يحصل لي مع مترجمين آخرين لشعري. ولا يضيرني في هذه الأنطولوجية أنني لا أعرف من الألمانية سوى ألفاظ قليلة، ما دام أنني تعاملت دوماً مع قصيدتي، بمجرد ما أن أنتهي منها، بوصفي غريباً عنها. ذلك أن الشعر، في ما أرى، اشتغال وبناء يتعديان الشاعر نفسه، بل هما كيان آخر، جسد آخر. فمنذ العام 1982 شغلتني علاقة القصيدة بالجسد، لا بوصفه موضوعاً ممكناً للشعر، بل بوصف القصيدة تشكلاً آخر للجسد. ففي تلك السنة البعيدة، في باريس، شرعتُ في تأليف كتاب حول هذه العلاقة، ولم ينجح الشاعر محمود درويش حينها في نشر أقسام منه في مجلة "الكرمل"، إذ إنني أتلفته من دون شفقة... ما كتبتُه وقتها هو ما كنتُ أهجس به، مثل وسواس يلاحقني ويتملكني، حيث إنني كنت أشعر في مفاصل جسدي كما في مقاطع قصيدتي بعلاقات من التنابذ والتنافذ... إلا أن عدتي، يومها، في الشعر أو في الفكر، لم تكن قادرة على استجلاء هذه العلاقات، بعد أن تبينت أن في القصيدة ما يتصل بي وينفصل عني، وأن القصيدة تشملني من حيث لا أقصد ولا أدري...".

 

 

jamil hamdaouiيعد علم اجتماع الأديان (Sociologie de la religion ) فرعا من فروع علم الاجتماع العام. ويهتم هذا التخصص بدراسة المعتقدات  والطقوس والممارسات والاحتفالات الدينية في ضوء المقاربة السوسيولوجية، باستخدام المنهجية الكمية من جهة، أو المنهجية الكيفية من جهة أخرى، أو هما معا. ويعني هذا أن الدين جزء من المجتمع، أو هو بمثابة مؤسسة مجتمعية كباقي المؤسسات الأخرى التي لها دور هام داخل النسق الاجتماعي الوظيفي. ومن ثم، فالدين له تأثير كبير في المجتمع.كما للمجتمع تأثيره الخاص في الدين.إذاً، هناك عملية تأثير وتأثر متبادلة. ومن ثم، فالدين هو نتاج الحياة المجتمعية القائمة على التلاحم، والتضامن، والتعاون، والتآزر، والتسامح، والتعايش... وبالتالي، يعبر الدين عما هو مجتمعي. علاوة على ذلك، يعكس الدين - حسب كارل ماركس-  الصراع الطبقي، والتفاوت الاجتماعي، ويعبر عن استلاب الإنسان واغترابه وضياعه في مجتمع البؤس والشقاء والاستغلال. بمعنى أن الدين أفيون الشعوب، وأداة لتخدير الناس وتكليسهم،  ووسيلة إيديولوجية لدفع الناس إلى القناعة والرضا والاقتناع بما قسم الله لهم، وحثهم على انتظار الآخرة حتى يظفروا بما أعد الله لهم من جزاء، يعوضهم عن مآسي الدنيا ومعاناتها.

ومن ثم، يهدف علم اجتماع الأديان إلى تصنيف المعتقدات والديانات حسب الأولوية والأهمية العددية والجغرافية، وتجميعها في وثائق أو نصوص أو جذاذات وجداول حسب عدد المنتمين إليها، ونسبة الانتماء ؛ ثم تبيان مكانة كل ديانة أو عقيدة على حدة؛ واستجلاء نموها وتطورها ومدى انتشارها؛ وتحديد مرتكزاتها النظرية، واستكشاف آليات ممارستها، واستعراض مختلف المواقف الرافضة أو المؤيدة أو المعارضة لتلك الديانات أو المعتقدات، دون أن ننسى دراسة الظروف الاجتماعية التي أفرزت تلك الديانات والعقائد، واستجلاء مختلف الصعوبات والعراقيل التي تواجهها كل ديانة أو عقيدة لإثبات نفسها في تربة جغرافية معية.

إذاً، ما مفهوم الدين ؟ وما صيرورته التاريخية؟ وما علم اجتماع الأديان ؟ وما موضوعه؟ وما أعلامه قديما وحديثا؟ وما تصوراته النظرية والمنهجية؟

هذا ماسوف نرصده في كتابنا هذا الذي عنوناه بـ(سوسيولوجيا الأديان)، على أساس أن علم اجتماع الأديان تخصص سوسيولوجي مهم لدراسة العقائد والأديان، في ضوء النظريات والمقاربات والمنظورات السوسيولوجية المختلفة، بغية فهم الأنساق الاجتماعية التي تتحكم في هذه العقائد والديانات وتفسيرها وتأويلها كما وكيفا.

ونرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في هذا الكتاب المتواضع، و يسدد خطانا، ويرشدنا إلى ما فيه صالحنا، ونستغفره عن هفواتنا وكبواتنا وأخطائنا وزلاتنا. كما نستسمح القراء الأفاضل عما في هذا الكتاب من نقص وتقصير ونسيان، فالكمال والتمام من صفات سبحانه وتعالى جل شأنه وعلا، وماتوفيقي إلا بالله.

د. جميل حمداوي

........................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

سوسيولوجيا الأديان / د. جميل حمداوي

 

jamil hamdaouiتتناول هذه الدراسة موقف الإسلام من الحداثة وما بعد الحداثة. ويعد هذا الموضوع إشكالية فكرية معاصرة صعبة ومعقدة، مازالت تثير كثيرا من النقاش العلمي والفكري إلى يومنا هذا، حتى الدراسات التي اهتمت بهذا الموضوع قليلة جدا في الحقل الثقافي العربي والإسلامي. وينطبق هذا الحكم أيضا على الدراسات التي تناولت الموضوع في الحقل الثقافي الغربي، خاصة تلك الأبحاث التي تناولت الإسلام وما بعد الحداثة.

 وعليه، إذا كان هناك من تناول قضية الإسلام والحداثة بشكل مسهب، فإن البحث في الإسلام وما بعد الحداثة مازال موضوعا بكرا، يحتاج إلى نقاش مستفيض، ودراسات عميقة ، تجمع بين ماهو فكري وفلسفي وأدبي ونقدي وديني وسياسي وتاريخي.

هذا، وقد عرفنا في كتابنا هذا بمفهومي الحداثة وما بعد الحداثة، وحددنا مقوماتهما النظرية والفكرية، واستعرضنا تاريخ الحداثة الإسلامية والغربية معا. كما استكشفنا سياق ما بعد الحداثة في حقلها الغربي، وبينا أوجه الاختلاف والتشابه بين الإسلام وما بعد الحداثة. لكن ما يهمنا في هذا الكتاب هو رصد مختلف المواقف حول إشكالية الإسلام بين الحداثة وما بعد الحداثة، من خلال التوقف عند آراء المفكرين الأجانب والعرب المسلمين على حد سواء، مع نقد آرائهم نقدا علميا موضوعيا.ومن ثم، قد أنهينا كتابنا هذا بمجموعة من الخلاصات التركيبية.

أما المنهج الذي تمثلناه في كتابنا هذا، فهو منهج نقدي فكري قائم على التأريخ والتحقيب والأرشفة الببليوغرافية، واستعراض المعلومات والمواقف، وتقويم الآراء في ضوء مجموعة من الأدلة والحجج والبراهين النصية والعقلية .

ونتمنى من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، ويعود عليهم بالنفع والفائدة، داعيا لنفسي بالمغفرة والتوبة من أي تقصير أو ادعاء أو نسيان أو خطإ أو سهو.

 

د. جميل حمداوي

..................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

الإسلام بين الحداثـة وما بعد الحداثة..  مواقف ومواقف مضادة / د. جميل حمداوي

 

jawad abdulkadomعن مؤسسة جائزة عبد العزيز البابطين للإبداع الشعري صدر حديثا كتاب (كاظمة في الشعر العربي)، وهو من إعداد الأديب والباحث أحمد زكي الأنباري، وقد تصدرته كلمة صاحب المؤسسة الأستاذ عبد العزيز سعود البابطين، وأشار فيها إلى أهمية (كاظمة) وشهرتها إذ كانت (منذ عصر ما قبل الإسلام موطنا لبعض القبائل العربية المعروفة كقبائل إياد، وبكر، وبني تميم، وذلك لتوفر المراعي وموارد المياه، والعرب تحب مثل هذه الأمكنة وتقيم فيها)، ونوه بقيمة الكتاب الذي أعده الباحث الأنباري وقد تضمن أكثر من مئة وخمسين شاعرا من مختلف العصور والأماكن ذكروا (كاظمة) في شعرهم .

وأوضح المؤلف في مقدمته اهتمام الشعراء بـ(كاظمة) فقال إنهم (لم يدعو أمرا من أمورها، ومعلما من معالمها إلا أتو على ذكره في شعرهم) فمنهم سحرته بنسيمات ريح هبت منهم، أو هام ببرق لمع من جهتها، أو خاطب أثلاتها بماض مرّ وتولى، فراح يبثها شوقه وما يجد من (جوى الحب وحرقة الفراق والنأي والهجران)، وبيّن أن عمله (جمع أكبر كمية من الشعر الذي ذكرت فيه "كاظمة")، وترتيبها وفق أسماء شعرائها، وصنع ترجمة قصيرة لكل واحد منهم بغية التعريف به، وآثر أن يضع تخريج الشعر مباشرة وليس في الهامش (دفعا لتشتيت ذهن القارئ).

    وزخر الكتاب بنصوص شعرية جميلة عن كاظمة لأربعة وخمسين ومئة شاعر، وكان ابن الأبار القضاعي البلنسي، وقد ذكر كاظمة في قصيدة له، فقال:

    وكم ليلي قطعناها بكاظمة   

                            نجوى وشكوى بما يلقاه مضناكِ

    وكيف أنسى عهودا بالحمى سلفت    

                            لا صبر لي عند ذكراها وذكراكِ

    وكم ليال قطعناها بكاظمة

                            نجوى وشكوى بما يلقاه مضناكِ

    كتمت مسراك فيها خوف عاذلة

                            وعاذل فأذاع المسك مسراكِ

 

 وانتهى الشعراء - وقد أدرجوا حسب الترتيب الألفبائي - بيوسف بن أبي الفتح الذي قال :

    يا من رأى البرق فوق كاظمة

                               يخضب من كف ليله العنمُ

    يبسم للأرض وهي عابسة

                              جذوة نار خلالها فحمُ

    قامت فتاة في الحي مقبسة

                            نارا من الربض ما لها ضرمُ

    ومنها ما قاله ابن نباتة :

     لم أنس موقفنا بكاظمة

                       والعيش مثل الدار مسودُ

    والدمع ينشد في مسائله

                       هل بالطلول لسائل ردُّ

    ومنها قول ابن هانئ الأندلسي :

    ألم يأتها أنّا كبرنا على الصبى

                                 وأنّا بلينا والزمان جديدُ

    فليت مشيبا لا يزال ولم أقل

                              بكاظمة : ليت الشباب يعودُ

    ولم أرى مثلي ما له من تجلد

                                ولا كجفوني ما لهن جمود

  

 ومن جميل الشعر في كاظمة قول مهيار الديلمي:

     يا نسيم الصبح من كاظمة

                            شد ما هجت الجوى والبرحا

    الصبا إن كان لا بد الصبا

                              إنها كانت لقلبي أروحا

    اذكرونا مثل ذكرانا لكم

                             رب ذكرى قربت من نزحا

    واذكروا صبا إذا غنى بكم

                             شرب الدمع وعاف القدحا

    وقول جعفر بن محمد الحسيني :

    يا أهيل الحيّ من كاظمة

                          قد لقينا من هواكم نصبا

    قلتمُ جُزْ لترانا بالحمى

                            وملأتم حيّكم بالرقبا

    ليس أخشى الموت في حبّكمُ

                        ليس قتلي في هواكم عجبا

  

945-ghalibiصدر عن دار بيت الكتاب السومري في شارع المتنبي ببغداد الإصدار الرابع للأستاذ عبد الرزاق عوده الغالبي: هواجس إلياس، وهو مجموعة شعرية تحاكي معناة الإنسان العربي ...

 بإخراج طباعي جميل عسى أن ينال رضاكم...

تلك الإصدارات متوفرة في بغداد  شارع المتنبي

 

945-ghalibiمقدمة الشاعر الشفاف

حسن عبد الغني الحمادي

الحياة.....والإنسان......والوطن

 

كثيراً ما يكون الحس الإنساني مكتظاً بالرهافة والحرقة والصمت والصراخ والصدى والانطلاق.....فالانطلاق المعبر بصيغ وأفكار يكون عادة صاحبها محمّلاً  بالوجع الإنساني المسوّر لذاته ، ومن ثم يشرع وبرغبة شديدة بإعلان ذلك الوجع شعراً وتعبيراً ونفساً إنسانياً محكماً بالشجن والرهافة ، وهنا تصارعت  تلك الخلجات منطلقة من أعماق الإنسان ذاته.....

وفي هواجس شعرية وتأملات تداخلت في خاصرة الزمن البعيد المعمد بالمواقف والانفعالات، والحاضر المطوق بالأحمر  حيث الموت والدمار والتأجيل والتهميش......فقد تتصاعد الأفكار والرؤى، ومن ثم ينبثق ضوء آخر يتأمل ذلك السفر البعيد والقادم الغير متجانس ، ففي مثل هذه الأجواء المفعمة بالحرقة والحرارة والشجن والألم والعشق والهوى والتأريخ والتأمل ‘انطلقت نصوص شعرية مهمومة بالحدث العارم والإنسان الذي مازال ضائعاً في خضم ظروف صعبة قاسية....

ربما تترجم تلك المشاعر و الأحاسيس في ألوان لوحة شعرية أو حلم ويقظة و حدث وألم...أو حسرة وأنين....،لا أخفيك- تلمست ذلك في نصوص شعرية متنوعة خطها المترجم عبد الرزاق عوده الغالبي وصاغها بنبض شعري وهاجس يعلن من خلاله صراخه وأوجاعه لبقايا وطن وبقايا إنسان أكلتهما الفتنة والأفكار السوداوية القادمة من بعيد.....،في نصوصه الشعرية محاكاة للحلم والحقيقة.....وتأملات للدفء والحب .....وصوت موسيقى تعزف عشق الماضيات ، لقد اتسمت هذه النصوص بتراكيب لغوية سلسة تسودها المباشرة في الصياغات الشعرية، فإنها بنيت بصياغة سهلة امتدت في فضاءات واسعة لصورة لا ترغب بالغموض ، ولكنها لبست وشاح (المباشرة السريعة) وإغناء المفردة أو المعنى الشعري نفسه. إنها نصوص لم تحتمل التأويلات أو الإبحار في قاع المعاني الصعبة . حرر شاعرنا قصائده بعصارة قلب ، وبصمها بوحشة وطن ممزق وإنسان أصابه التيه وضيعته الخيارات السياسية والتي ربما لم تنصفه أبداً...!!هي هواجس شعرية أعلنها صاحبها نشيداً وصوتاً إنسانياً للوطن والإنسان والحياة التي نحب ونعشق.

 

الشاعر حسن عبد الغني الحمادي

الناصرية/

 

 

944-salamصدر عن دار تموز للطباعة والنشر في سوريا، كتاب: (ق. م) كي لايعود دكتاتور ثانيةً .. سيرة سجين سياسي، لمؤلفه لؤي عمران موسى ...

والكتاب الجديد عبارة عن سلسلة من احداث مرت وعاشها المؤلف في فترة الاعتقالات والتعذيب التي مارسها النظام البعثي في العراق ويعتبر ايضا كوثيقة ادانة للنظام البائد ... اي بمعنى اخر هو سيرة سجين سياسي عراقي ..

 

سنتمترٍ واحد فقط في ضمير العالم ...

وقد كتب لمقدمته، الكاتب والناقد المعروف الاستاذ نعيم شريف، جاء فيها :

كيفَ لمُخيلة غضَّةٍ أن تفهم سؤال الحرية؟ و كيفَ لروحٍ خضراء أن تُفسِّرَ جفاف العالم؟ تلكَ معاناة من دونِ مُسوّغ، الحرية خارج أطر

التعريف النظري،سفرٌ في تلقائية مجرى الحياةِ، لا رادَّ لحتميتها ، هي حقٌ يُمارس من دونِ أن تكون لأي سلطةٍ، في هذا الكون، أحقيّةُ أن تسلبها، لكن الدكتاتوريات لها قوانينها ونواميسها التي تتيحُ لها أن تطأ الحياة وطُلاّبها

ابن التاسعة عشر، الفتى المُحتشد بالأحلام الثورية في تغيير العالم، المهموم بأن (الخبز للجميع) لم يكن يعبأ بخرقهِ لقوانين اللعبةُ، الأحلامُ الورديةُ عن عالم يعيشُ فيه الناس برغدٍ وسلام، تُظلَهم غيمة المساواة ويحفُ بهمُ العدلُ، كانت هاجس الفتى الحالم، فعندهُ لابد أن يكون الخبزُ مشاعاً والسكنى مشاعٌاً والعلمُ مشاعٌاً وتلك رصاصات تتجهُ إلى قلب الرأسمالية وأدواتها من طغاةٍ محليين . لا سبيل مُتاحاً لمثل هذه الأحلام، ليس، في الأقل، تحت نظر عَسس الديكتاتورية، ولذا كان اعتقال فتى الأحلام أمرٌ لامناص منه ..

في اللحظات الأولى للاعتقال، تخلعُ الأشياء أقنعتها، وتبدأ الملامح القبيحة للواقع المُر بالتَكَشُّف، للمُعْتَقَل، شيئاً فشيئاً، مع أولى الألفاظ

النابية تَتَهَشّم عند، بسام ، فكرة الكرامة المُصانة للمواطن، ومع الركلات والصفعات والتعذيب المنهجي، يكون حقُ المرء في الحياة، شكلاً من أشكال الخُرافة، فالحياة، عند الأنظمة الدكتاتورية هي : فسحةُ

الحياة التي يرغب رأس الهرم في السلطة أن يَهبها لك أو يَمنعها عنك، تحت ظل الدكتاتورية، يُراد لك أن تَعي أن الحياة والموت هما من اختصاص الرئيس، وتُدَرّب على فكرة أن الرئيس كينونة ثابتة ومُطلقة، لهُ الحقَ وحده، بسببٍ من تَفَرُّده، أن يرثَ الأرض وما عليها، وله الحقُ أن يُحي ويُميت، وهو لهذا مالكٌ لأرواح مواطنيه، الذين، عليهم أن يُبرهنوا انهم فداءٌ للقائد (الرئيس) وانّهم يمنحونهُ عن طيب خاطرٍ

صكَّ الحيازة لهم ولذريتهم، وموتهم ليس بحاجةٍ لتبرير، فهم مادةُ أحلام الرئيس الضامنة لرفاهية الأجيال التي تأتي ....

يَحارُ " بسام " في مقدار الفظاظة والقسوةِ التي يواجههُ بها رجال الأمن، يخجل من الألفاظ البذيئة ويُشفق من سماعها، ويتساءل : لماذا يتصرفون بهذه القسوة المُفرطة ؟!

ربما لم يكن ابن التاسعة عشر من العمر، ربيب الأسر المُحتشمة، تلميذُ وصايا الأب الصارمة في أن لا يُعاشر أهل السوء وان ينأى بنفسهِ عن فاحش القول، ليُدركَ أن رجال الأمن يتصرّفون،بقسوةٍ، لأنهُ، بنظرهم، أي بسام، كاسرُ قلب الرئيس،مُعيق الحلم الذي حَلِمَهُ الرئيس نيابةً عن شعبه، في نظرهم أمثال بسام هُم من يُعرقل مسيرة الوطن،يُخرّبُ خارطة الازدهار التي حلم الرئيس بها لشعبه،وقسوتهم مع العاصين هي لحماية الوطن من " عملاء ومخربين " كما وصفهم الرئيس .

 

ثقبٌ صغير لرؤية الأم

944-salamعندما يحجبُك بابٌ حديدي عن رؤية ينبوع الأمان، الملاذ الفسيح للطمأنينة، مُختلف الملائكة باحة السلام، عنيتُ الأم، عليك أن :

تبحث عن منفذ،ثقبٌ صغيرٌ في جسد الحديد، لابدَّ لَكَ من أن تثقبَ ضميرَ العالم ، ما دمت عاجزاً عن ان تُدرك ذلك في قلب الإنسان !، توسّعَهُ بأداةٍ ما، تلك مشكلتك، وها هوذا يتسع لمرور حبة عدس !!، أليس ذلك كافياً ؟ يا إلهي !، حسناً فلنُجرّب النظر بالعين اليمنى، آه،

إنّهُ العالم الأوسع خارج زنزانة الستة أمتار، باحةُ السجن، سجن الخنّاق، مَحتشدة  بالإسر المُحتجزة، ثمة سيّدة ناحلة الجسم تتقدمُ بوجلٍ من أحدهم،

إنّها أمي !، ربما للمرة الأولى يعرف بسام فيها أن مقولة القلب الإنساني يقفز من بين الأضلاع،ليست،أبداً، مقولةً مجازية، لعله هَجَسَ تحرّك أضلاعه فعلاً، ورآها تطلب من حارس أن يأخذ طعاماً أعدتهُ لابنها،وكان الابن في دخيلته يعتذر منها، يأسفُ لأنّه لم يُجنِّبها مذلة سؤال السُوقة، يُجنّبها منظر أن يُطوّح حارس السجن بقدر الطعام الذي أعدته لينثره على الأرض، يرى محتوياته، أكلة (الدولمة) التي يعشقها،، كانت السيّدةُ النحيلة تتراجع مخذولةً الى الوراء، خائفة وخَجِلَة، وكانت العين اليمنى ترصدُ كل ذلك الألم عاجزة، هذا ما توفره فتحة بحجم حبة العدس،ثقبٌ صغيرٌ في باب حديدية لزنزانة،خرمٌ لنرى العالم من دون ألوان، بالأسود والأبيض .

 

الذكرياتُ صدى السنين الحاكي

يمضي بسام في سرده لوقائع السجن، فترة الاعتقال في مديرية الأمن العامة وبعدها في سجن الخنّاق في المثنى، ثم الصعود إلى محكمة الثورة

سيئة الصيت، الأحكام الجائرة بعد محاكمة صورية اقرب إلى الملهاة السوداء، فتية يُعدمون وآخرون يُحكمون أحكاماً تصل إلى عشرين عاماً،كان كل شيء مشروع موت أو إخفاء، هذه الأرض لنظام البعث فقط .

الذكريات تترى علينا في التوقيف والسجن،وتتناول مفاصل من حياة مُختطفة يُراد لها ان تغيب غياباً كاملاً، لكن أصحاب الحياة الحقيقين لايستسلمون لإرادة جلاديهم، لم يكفوا عن الحلم بغدٍ افضل، بوطن يعيش فيه الناس بسلام وأمان .

في السجن كما في الحياة، هناك اللحظات المضحكة واللحظات المُحزنة، يسردها لنا الكاتب بأريحية .

يتذكر بسام تفاصل سجنه بروح غفورٍ سمحة، لكأنما علّمته السنون أن الحياة مفهوم واسعٌ وان حتى أولئك الجلادين كانوا بشكلٍ ما ضحايا، تروساً صغيرةً في آلة القهر والدكتاتورية .

 

سلام البهية السماوي- ملبورن

 

 

jamil hamdaouiتعني الترجمة (Translation/Traduction) نقل النص من ثقافة إلى أخرى، بمراعاة مجموعة من القواعد اللسانية.وغالبا، ما يكون النقل من النص المصدر، أو النص المنطلق (« langue source », ou « langue de départ »)، إلى النص الهدف، أو النص الوصول (« langue cible », ou « langue d'arrivée »)، عبر مجموعة من الوسائط الأساسية ، مثل: الوسيط اللساني، والوسيط الثقافي، والوسيط النسقي، والوسيط التقني الإلكتروني أو الرقمي، والوسيط السياقي التفاعلي، والوسيط المرجعي...والهدف من ذلك كله هو تحقيق التكامل الثقافي، أو تجسيد فعل المثاقفة ميدانيا وحضاريا ومجتمعيا، أو خلق علاقة بين لغتين، أو ثقافتين،  أو فترتين زمنيتين معينتين.

وتنبني الترجمة على المماثلة بين نصين متقابلين ، أو تقريب نص المصدر من قراء ثقافة الهدف. ومن الشروط الأساسية لهذه الترجمة أن تكون المماثلة بين النصين صادقة ووفية وأمينة. فقد قيل: إن الترجمة خيانة. ومن ثم، تستوجب الترجمة أن يكون المترجم عارفا بنحو لغة النص المصدر، ومنفتحا على سياقها الثقافي، وملما بأنساقها السوسيواجتماعية، والتاريخية، والاقتصادية، والدينية، والحضارية. وبالتالي، يكون ملما بمجمل نظريات الترجمة وتصوراتها الإجرائية، عارفا بتقنياتها وآلياتها التطبيقية المختلفة.ويعني هذا أن يكون مزودا بمجموعة من الكفايات الأساسية الضرورية التي تتمثل في الكفاية اللسانية، والكفاية المعرفية، والكفاية الثقافية، وكفاية الكتابة ، وكفاية الترجمة، والكفاية التداولية، وكفاية تحليل النصوص، والكفاية التقنية، والكفاية التفاعلية، والكفاية المهنية...

وإذا كانت الترجمة فعلا إنسانيا يمارسه الإنسان، فإن هناك - اليوم- الترجمة اليدوية أو الإعلامية التي يمارسها الحاسوب.ومن ثم، فهدف الترجمة هو التثاقف  الحي المفيد والمثمر، وتبادل الأفكار والمعارف والتقنيات والقيم، والتعرف إلى الثقافات الأجنبية الأخرى، والانفتاح على الحداثة وما بعد الحداثة، والاستفادة من تجارب الآخرين في الحياة، والاطلاع على المستجدات من الأفكار والتصورات والتقنيات والمخترعات والنظريات والاكتشافات...

وثمة مجموعة من نظريات الترجمة التي ينبغي للمترجم أو القارىء الاطلاع عليها لاستيعاب فعل الترجمة فهما وتفسيرا وتأويلا. وأهم هذه النظريات ما يسمى بالنظرية النسقية، والنظرية السيميوطيقية، والنظرية التواصلية أو التفاعلية، والنظرية الأدبية، والنظرية اللسانية، والنظرية السوسيولسانية، والنظرية الفلسفية والتأويلية...

إذاً، ما الترجمة؟ وما تاريخها؟ وما أهم نظرياتها؟ وما مراحلها؟ وما خصائصها؟ وما الترجمة النسقية؟ وما الترجمة السيميوطيقية؟

هذا ما سوف نركز عليه في كتابنا هذا الذي خصصناه لفعل الترجمة في ضوء التصورات النسقية والسيميوطيقية، متمنيا أن يلقى هذا الكتاب المتواضع بعض الرضا عند قرائنا الأعزاء. وأتمنى لنفسي النجاح والتوفيق بمشيئة الله، وهدايته الوجيهة، وعنايته الكريمة.

 

د. جميل حمداوي

........................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

سيميوطيقا الترجمة / د. جميل حمداوي

 

jamil hamdaouiمن المعروف أن نظرية العوالم الممكنة عبارة عن نظرية دلالية ومنطقية وسيميائية، يمكن تطبيقها، بشكل من الأشكال، على الأجناس الأدبية والفنية والتخييلية. وبالتالي، فهي تستحضر مجموعة من العوالم الاحتمالية الممكنة والمفترضة التي توجد بموازاة العالم الواقعي الحقيقي.ومن ثم، تهدف نظرية العوالم الممكنة إلى دراسة العلاقة بين العوالم التخييلية والعالم الواقعي الحالي، في ضوء قوانين الصدق والإحالة والحقيقة وما صدق، أو في ضوء معايير الصحة والخطإ، أو في ضوء منطق الجهات أو القضايا الموجهة (Logique Modale). ومن ثم، لن تتحقق نجاعة هذه النظرية إلا بربط كلمات العالم التخييلي بالعالم الإحالي أو المرجعي أو الواقعي أو الموضوعي.

ويعني هذا أن نظرية العوالم الممكنة تشتغل على لغة العوالم التخييلية في ارتباطها بالعالم الإحالي، أو بعوالمها الافتراضية الخاصة إن وجدت، أو دراسة العوالم التخييلية باعتبارها أنظمة شعرية (Poesis)، أو أنساقا علاماتية (Sémiosis)، أو جهات لسانية (Modalités linguistiques)، بغية رصد الدلالة أو المعنى، أو تحصيل منطق الإحالة.

ومن ثم، تستعين نظرية العوالم الممكنة بمجموعة من الحقول المعرفية، مثل: الفلسفة، وعلم المنطق، واللسانيات، والسيميوطيقا، وعلم الدلالة، والفيزياء العلمية (نظرية العوالم المتعددة، ونظرية الأوتار)، والأدب والنقد...

وتهدف نظرية العوالم الممكنة، في مجال الأدب والنقد، إلى استجلاء مختلف العوالم الممكنة التي تتضمنها  النصوص التخييلية إحالة ومحاكاة وانعكاسا وتماثلا وتوازيا، وتحديد مختلف المبادئ والقوانين التي تقوم عليها هذه العوالم التخييلية الممكنة والمفترضة. والهدف من ذلك كله هو فهم المكونات المنطقية الأساسية الثلاثة المولدة للخطابات القضوية والتخييلية، وهي: الحقيقة، والدلالة، والتعيين، ولاسيما أن نظرية العوالم الممكنة منطقية ودلالية وإحالية بامتياز.

أضف إلى ذلك أن دوليزيل (Doležel) الذي يتمثل المقاربة السيميوطيقية يعتبر العوالم الممكنة التخييلية  بمثابة مواضيع وأنشطة و فضاءات لخطابات سيميوطيقية، مادامت هذه الموضوعات قابلة للإدراك والتمثل بواسطة اللغة الرمزية. في حين، يتمثل المناطقة وفلاسفة اللغة المقاربة المنطقية في دراسة العوالم الممكنة، برصد مختلف التماثلات الإحالية بين الكلمات والعالم، وتعيين الجهات الدلالية والمنطقية.

إذاً، ما نظرية العوالم الممكنة؟ وكيف تبلورت هذه النظرية؟ وما أهم تصوراتها النظرية والتطبيقية؟ وكيف تعاملت النظرية الأدبية مع العوالم الممكنة في مجال التخييل السردي؟ وما أهم الإجراءات المنهجية لمقاربة العوالم التخييلية في ضوء المقاربة الكوسمولوجية؟ وما أهم المصطلحات النقدية التي تستعين بها نظرية العوالم الممكنة في مقاربتها لما هو سردي وتخييلي؟ وما أهم العوالم الممكنة التي تزخر بها قصة (الموناليزا) لأحمد المخلوفي؟ وما أهم المبادئ والقوانين التي تتحكم في عوالم هده القصة الحداثية الجديدة؟ هذا ما سوف نتوقف عنده في كتابنا المتواضع هذا.

وأرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، ويعود عليهم بالنفع والفائدة، داعيا لنفسي بالمغفرة والتوبة من أي تقصير، أو ادعاء، أو نسيان، أو خطإ، أو سهو.

 

د. جميل حمداوي

..............................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

العوالم الممكنة بين النظرية والتطبيق / د. جميل حمداوي

 

moamar habarمادفع القارىء المتتبع لكتابة هذه الأسطر، أنه قرأ هذه الأيام أن كتاب "العفن" لمالك بن نبي، غير صحيح ولم يرقى لدرجة الصحة . وصاحب الأسطر إذ يحترم هذا الرأي ويقدر أصحابه، يفضل أن يدلي برأيه المخالف طبقا لما وقف عليه وهو يقرأ الكتاب ويكتب للمرة الثانية عن "العفن"، باعتباره سبق أن كتب مقال بتاريخ  الإثنين: 03 ربيع الثاني 1435هجري، الموافق لـ 03 فيفري 2014 ، بعنوان " مالك بن نبي من خلال كتابه العفن "، حين تطرق للكتاب لأول مرة في حياته.

أقرأ بأنه جاء في كتاب "مذكرات شاهد القرن "، أن مالك بن نبي ألقى محاضرة بعنوان "هل نحن مسلمون؟ "، وجاء في كتاب "العفن " أنه ألقى محاضرة بعنوان  "هل نحن عرب "، مايدل على أن "العفن" غير صحيح ، وعليه أقول ..

كلمة واحدة لا تكفي لإلغاء الكتاب. ثم إن الفرق غير جوهري  مادام هناك محاضرة وهناك سؤال. ولنقل خطأ في الترجمة والنقل، أو سهرا صدر من الناشر أو المترجم دون قصد . ويبقى من حق القارىء المتتبع أن يواصل بحثه ونقده للكتابين ، ويقف على الجديد أو الغريب عن علم وبصيرة . وقد إشتكى بن نبي في حياته من سوء الترجمة، لذلك أشرف عليها فيما بعد بنفسه، واستغلال كتبه كما حدث مع كتابه "وجهة العالم الإسلامي "، الذي قدم بعنوان " مستقبل الإسلام "، وقدم على أنه كاتب فرنسي مهتم بالشؤون الاسلامية الشرقية.

أما فيما يخص تعرضه لمفدي زكرياء، نقول على إثرها.. تطرق مالك بن نبي في "العفن" لكل الشخصيات وليس مفدي زكريا فقط ، وقد سبب له هذا الموقف مشاكل عديدة مع العلماء، والساسة، والقادة من الداخل والخارج، ويبقى رأي يخضع للنقد. لكن لا يرفض الكتاب لأنه إنتقد فلان أو فلان.

وحين يدخل القارئ المتتبع عالم المقارنة،  يجد أن مذكرات كلا من "الطفل " و "الطالب"، تحدث عبرهما مالك بن نبي عن مرحلة الطفولة والشباب، وهذه لا تتطلب نقدا واسعا، إنما يكفيها الوصف بغض النظر عن طبيعته.

وفي "العفن"، تتطرق لمرحلة النضج ، والكاتب، والخيانات، والصراعات، ونقده لكافة الأطراف الوطنية منها والدولية. لذلك إتسم "العفن"، بالشراسة ، والقوة ، وذكر الأسماء والأماكن والمواقف، مما جعل هذه الأسماء أو الموالين لها يقابلونه بنفس القسوة وزيادة أحيانا.

ولهذا السبب كان "العفن " عنيفا جدا مقارنة بكتبه التي سبقتها أو التي تلتها، لأنه يتحدث عن مرحلة النضج من حياته، وكلها صراعات فكرية، بل وصلت إلى التهديد .

وبين يدي الآن "les Carnets de Malek BENNABI "، وهي تشبه كثيرا "العفن" في ذكر الأسماء، والأماكن، ووصف الصراع بالتفصيل، ورسم الخيانة ، ولم يقل أحد - فيما نعلم -، أن دفاتر بن نبي لا وجود لها، رغم أن الأسماء تم إستبدالها بالرموز. ولسنا ندري لحد الآن، هل مالك بن نبي هو الذي إستعمل الرموز عوض الأسماء؟ . أم الجزائري الذي قدمت له الدفاتر وتولى نشرها؟ ، وفي هذه الحالة يكون من غير اللائق التصرف في تراث بن نبي بهذا الشكل المشين.

والقارىء المتتبع يقرأ لكل الأطراف ولا يميل لأحد. وقبول الكتاب أو رفضه لا علاقة له بنقد جهة أو مدح شخص.

وقد قرأت كتاب "في صحبة مالك بن نبي" من جزأين وبالنسخة الورقية، للأستاذ المحامي عمر كامل مسقاوي، وعرضته لحد الآن في 20 حلقة منشورة، ولم يشكك في صحة "العفن ". وكان أمينا متواضعا، حين إعترف أنه لم تتح له الفرصة لقراءة الكتاب ، وتعامل معه كما تعامل مع الكتب التي أوصاه بها أستاذه مالك بن نبي الذي ظل وفيا له.

وسبق لصاحب الأسطر أن كتب في الحلقة الثانية بعنوان " مالك بن نبي – الطفل والطالب "، مايلي .. "

يتضح إخلاص وأمانة الأستاذ عمر كاممسقاوي في صفحتي 67 -68، حين يؤكد أنه لم يطلع على مذكرات شاهد القرن الخاصة بكتاب "العفن" إلا بعد أن نشرتها ابنته رحمة مالك بن نبي، ماتطلب منه إعادة النظر فيما كتب، بعدما قرأ "العفن" "..

وأخشى ما أخشاه أن الذين إنتقدهم مالك بن نبي في كتابه "العفن " وهم كثر، سواء من داخل الجزائر أو خارجها، ومن العلماء، والساسة، والقادة، والمفكرين، هم من وراء فكرة أن "العفن " غير صحيح  ولا يحق التعامل معه. وكم يتمنى صاحب الأسطر أن الأيام القادمة تكذبه في شأن ما ذهب إليه .

 

musadaq alhabibهذا هو الكتاب الثامن في سلسلة الكتب المترجمة ضمن نشاط ما بعد التقاعد الأكاديمي للصديق الدكتور محمد چياد الازرقي الأستاذ المتمرس في اللغة والادب في كلية ماونت هوليوك في ماسچوستس.  الكتاب من تأليف الزميل الدكتور ريچرد وولف أستاذ الاقتصاد المتمرس في جامعة ماسچوستس – آمهرست في الولايات المتحدة الامريكية. الطبعة الإنكليزية للكتاب نشرت من قبل Haymarket Books في نيويورك ، والطبعة العربية من منشورات الدار العربية للعلوم في بيروت.

في هذا الكتاب يعمد المؤلف على اتباع المنهج الماركسي في تحليل أزمات النظام الرأسمالي المتوارثة والمزمنة، ويكشف عجز هذا النظام في استثمار الديمقراطية الحقة وفشله في وقف الانتكاسات المتكررة ويعري معالجاته غير الفعالة وغير العادلة والمتسمة بالقسوة وعدم الاكتراث بالتبعات السلبية لتلك الازمات الدورية. فمن وجهة نظر المؤلف، لم يعد النظام الرأسمالي العالمي، خاصة في كنف المجتمعات الديمقراطية، قادرا على تلبية احتياجات غالبية المواطنين. كما لم تنجح النظم البديلة في بقاع أخرى من هذا العالم كأنظمة رأسمالية الدولة واشتراكية الدولة والشيوعية في تقديم البديل الأفضل للنظام الرأسمالي، الامر الذي جعل من الطبيعي ان يرغب الناس في حلول جديدة للازمات الاقتصادية ويأملون بعلاجات فعالة لانحسار العدالة الاجتماعية وانتشار الفساد والاخفاقات الاقتصادية والمشاكل الاجتماعية الأخرى. ومن هنا يطرح المؤلف وجهة نظره العلاجية والتي يصفها بانها مجرد صيغة جديدة ومعاصرة لفكرة قديمة لم تستثمر كاملا من قبل.

942-musadaqتتمحور فكرة العلاج الأساسية حول موضوعة إدارة الإنتاج الذاتية من قبل العمال او ما يطرحه المؤلف كمفهوم الـ  WSDE  اختصارًا لـ Workers’ Self-Directed Enterprise  باعتباره البديل الأفضل لتنظيم عملية الإنتاج. ويراهن المؤلف على ان هذا البديل ليس فقط هو الأفضل من الرأسمالية انما أفضل أيضا من بدائلها المجربة في بلدان أخرى.   يؤكد المؤلف بان اعدادا متزايدة من سكان البلدان المحكومة بالنظام الرأسمالي يدركون عقم النظام ويبحثون باستمرار عن أي حلول ناجعة قد تخرجهم من شرك المعضلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يلدها النظام. وهنا يقدم المؤلف رؤيته في العناصر الأساسية التي ينبغي ان يشتمل عليها النظام الذي تتطلبه المعالجة المقترحة، وهي:

1)      نظام قادر على إنهاء الازمات الرأسمالية الدورية المزمنة

2)      نظام مؤمن بعدالة توزيع الثروة ومتمكن من تحقيقها

3)      نظام يعتمد الديمقراطية في اعادة صياغة السلطة وتوزيعها

أما صلب المعالجة فيتلخص بما يلي:

-        استرجاع فائض القيمة الذي يستولي عليه غير المنتجين في النظام الرأسمالي واعادته الى من ينتجه، الامر الذي سينهي الرأسمالية كنظام للإنتاج في المدى الابعد، تماما مثلما انتهت الأنظمة الإنتاجية السابقة كالعبودية والاقطاع. يتم ذلك اذا ما تم تطبيق النظام التعاوني الذي يتولى فيه المنتجون انفسهم اتخاذ القرارات الأساسية في الإنتاج والإدارة والتوزيع بدلا من مجالس الإدارة الحالية المتكونة من حفنة من أصحاب الأسهم الكبيرة ومن يختارونهم. وهكذا فستختفي تدريجيا الشركات الكبيرة والاحتكارية لأنها ستتحول الى مؤسسات تعاونية تدار من قبل منتسبيها.

 

-        تأمين حصول شراكة تعاونية ديمقراطية، ليس فقط في المؤسسات الإنتاجية، انما بين  المؤسسات نفسها، وبينها وبين المجتمع التي تتواجد فيه. هذا ما سيؤدي الى تضامن الناس مع المؤسسات والمساهمة في قراراتها ويؤول بالتالي الى التحام الناس مع الشركات ويسهل خدمة الشركات للمجتمع الذي من حولها. فعلى سبيل المثال، من القرارات التي ينبغي ان تكون مشتركة تلك القرارات المتعلقة بالملكيات الفردية والجمعية والعامة، القرارات المتعلقة بدمج الأسواق واستحداث وسائل أخرى للتوزيع، وكذلك القرارات المتعلقة بجمع وجهات نظر ممثلي العمل وممثلي السكان الذي يحيط بمؤسسات العمل.

ولا شك فان الاعتماد على هذا النوع من المعالجة سيختلف تماما عن المعالجات التي انتهجتها الأنظمة البديلة للرأسمالية والتي خاضت تجارب تأميم وسائل الإنتاج وفرض التخطيط المركزي والتي اثبتت التجربة بانها لم تتمكن من انهاء الاستغلال بل نقلته من ايادي الرأسماليين الى ايادي موظفي الدولة وكوادر الأحزاب السياسية. أما دور الدولة في هذه المعالجة الجديدة فسينحصر في القيام بالخدمات العامة التي ستمول من حصة خاصة تحصل عليها الدولة من فائض انتاج المؤسسات التعاونية، وبموجب ما يراه الماركسيون سيؤدي ذلك بالتدريج الى اضمحلال دور الدولة ويأتي في آخر المطاف على انهاء دورها الذي تضطلع به اليوم.

يبين المؤلف انه من اجل ان تصبح مثل هذه المعالجات حقيقة واقعة لابد ان تجد لها تفهما ودعما واسعين من قبل المجتمع، الامر الذي يتطلب برنامجا من حملات التوعية بهذا الاتجاه تتلخص بحملات عديدة ومتواصلة كتلك التي تطبق مفهوم الإدارة الذاتية من قبل العمال لحل مشكلة البطالة في مكان ما والتي قد تساهم الدولة في النظام الحالي في دعمها وتمويلها. وكذلك حملات موازية للتعريف بالمنافع الاقتصادية والاجتماعية للنظام الجديد وإعطاء الفرصة الحقيقية للناس في ان يختاروا طواعية بين سبل الإنتاج الرأسمالية الحاضرة وسبل الإنتاج البديلة بموجب هذه المعالجة خاصة في مجالات الشركات الصغيرة وتلك التي تملكها الأقليات، وقد تساهم الدولة في دعم تلك الخيارات بالمساعدات والحوافز والمعرفة التقنية. كما لابد من القيام بحملات من اجل توافق مكانات مؤسسات العمل التعاونية مع مكانات سكن منتسبيها لكي يتم تسهيل توافق ديمقراطية الإنتاج مع ديمقراطية المجتمع.

يضم الكتاب مقدمتين، مقدمة المؤلف التي يعرض فيها موضوعه باختصار وبالطريقة المألوفة التي درج على اتباعها المؤلفون، ومقدمة المترجم الطويلة التي احتلت ستين صفحة وجاءت بشكل لم يدرج على اتباعه المترجمون العرب. لقد وجد المترجم نفسه مهتما ومعنيا بتقديم دراسة موسعة للقارئ العربي لا تشير فقط الى أهمية الكتاب على المستويين النظري والعملي، انما تضع الموضوع والمؤلف في سياق مفهوم الديمقراطية من زاوية نظر السياسة الخارجية الامريكية وما نتجت عنه هذه السياسة من عواقب وخيمة في المنطقة العربية عبر عقود طويلة وصولا الى نكبات الاحتلال والربيع العربي والحروب الاهلية. 

يعالج برفسور وولف موضوعه عبر ثلاثة أبواب مقسمة الى أحد عشر فصلا وخاتمة. يأتي الباب الأول تحت عنوان "الرأسمالية في ورطة عميقة" وهو مقسم الى ثلاثة فصول. يناقش الفصل الأول طبيعة الرأسمالية وأزماتها التقليدية مركزا على الفترة 1940- 1979 حيث نشوء ونمو وتضاؤل دولة الضمان الاجتماعي. كما يناقش الفصل حالة الرأسمالية عمليا بين الأعوام 1970 12007 وتأثيرها على عامة المواطنين وأولئك الذين يحتلون قمة الهرم الاجتماعي، ويوضح طبيعة اللوم ومن يتحمله. يتابع الفصل الثاني ردود فعل الحكومة ويشرح برنامج الإنقاذ  Bailout والعجز في الميزانية المركزية والديون السيادية ودور المؤسسات والسياسات المالية. ويستمر الفصل الثالث بتبيان الازمات الرأسمالية في النظم الرأسمالية التقليدية واختلافها عن الازمات في نظم رأسمالية الدولة.

يأتي الباب الثاني من الكتاب على شكل سؤال: مالذي يجب عمله ؟ فيما تتم الإجابة على السؤال في فصلين. يتناول الفصل الرابع المشاكل الرئيسية للرأسماليات الخاصة عبر توزيع الفائض فيما يختص الفصل الخامس بشرح ما ينبغي عمله تحت أنظمة رأسمالية الدولة والاشتراكية.  الباب الثالث والأخير يمثل صلب الموضوع ، الامر الذي جعل المؤلف ان يخصص له اكثر من نصف الكتاب او الفصول الستة الأخيرة والخاتمة. يبين المؤلف بالتفصيل العلاج المتمثل بمنهج قيادة العمال الذاتية لمؤسساتهم الإنتاجية. يبدأ الفصل السادس بتوضيح طبيعة وهوية وخصائص هذا العلاج. ويتناول الفصل السابع شرح الكيفية التي تعمل بها المؤسسات عندما تدار وتنظم من قبل منتسبيها. يعرج الفصل الثامن على موضوعات الملكية والسوق والتخطيط والكفاءة، فيما يبين الفصل التاسع علاقة الديمقراطية الاقتصادية بالديمقراطية السياسية. يقوم الفصل العاشر بشرح الكيفية التي يتم فيها ضمان نجاح مبدأ الإدارة الذاتية وتعايش المؤسسات المنضوية تحت ظل هذه الطريقة مع ما لايزال حاضرا وفعالا من مؤسسات رأسمالية تقليدية ومؤسسات حكومية. أما الفصل الأخير فهو مكرس لشرح نظم وبرامج دعم هذا العلاج والعمل من اجل زيادة تطبيقه والاستفادة العملية منه. من هذه البرامج يخص المؤلف البرامج الفيدرالية والحركات التعاونية واتحادات العمال والمفكرين المتنورين والأحزاب السياسية المستقلة النظيفة.

في ختام هذا العرض لابد من القول ان المؤلف الزميل الدكتور ريچرد وولف نجح في تقديم هذا العمل الذي لا يكتفي فيه بنقد النظام الرأسمالي فحسب كما فعل آلاف المؤلفين اليساريين والتقدميين والمستقلين في الولايات المتحدة وبقية البلدان، انما نجح نجاحا باهرا في تقديم البديل العملي الممكن تحقيقه. ولابد هنا أيضا من الإشادة بجهود الصديق الدكتور محمد الازرقي لتشخيصه الصائب للكتب ذات الأهمية الكبيرة في رفع وعي وثقافة القارئ العربي ولسعيه الحثيث من اجل انجاز الترجمة السليمة السلسة لهذه المواضيع الحيوية.

 

عرض: مصدق الحبيب

 

nadheer khazrajiخرجت من موطني العراق عام 1980م ولم أزر من مدن وادي الرافدين وأقضيته إلا القليل القليل، وعدت إليه عام 2003م وما بعده وزرت كل مدن العراق الثماني عشرة إلا الرمادي بفعل الوعكة الأمنية التي ألمّت بجسد العراق وازداد ثقلها على كتفه الغربي، ومن المدن التي كنت أتشوق الى زيارتها ورؤية أهلها وتنسم هوائها البحري والنهري هي ثغر العراق الباسم البصرة (ثغر الخير) التي حباها الله بالماء والخضراء والوجه الحسن، ومنها حبانا برفيقة درب جمّ المصاعب، وزاد من حسنها خليجها وشطها ونهرها وصيّرها عروسا تجلس على "كوشة" من ذهب أسود، وكنت أحبس أنفاسي لأرى نهرها الذي يشقها نصفين، وأحسب أني سأرى كما رأيت من قبل نهر السين في باريس أو نهر التايمز في لندن أو نهر التيبر في روما أو حتى نهر الكارون في خوزستان، ولكن الأنفاس استحالت الى زفرات وآهات حيث شاه البصر بما رأى من صور، مناظر موحشة دافعة لا جاذبة، حيث الأوساخ والأزبال ومخلفات المنازل والمحال تغطي النهر من جانبيه الى قاعه، وتباطأت حركة تياره بمصدات الأزبال وبخاصة تلك التي يرمي بها أصحاب المحلات والدكاكين المطلة على النهر الأسير.

وما عاد نهر العشار كما رأيته ودرسته من قبل في مادة الجغرافية سيالا بمائه زاهيا من طرفيه يزين المدينة العامرة .. فهل نلوم السلطة المحلية أم نلوم الناس أم نلوم الظروف وشعار الإسلام (النظافة من الإيمان) الذي جعل الغسل عبادة والنظافة عقيدة، وعلى مقربة من النهر رأيت أكوام الزبالة على طرف شارع فرعي، ثم تساءلت مع نفسي، هل من واجب السلطة أن تضع حارسا على باب كل دار تحسب عليه أكياس مخلفاته ونظافته وطهارته، كدت أتهم السلطة المحلية لأنها لم توفر حاويات لولا أن قريبا لي من أهل البصرة قرأ ما يدور في بالي وقال سأريك بما يسد نهمة سؤلك واستغرابك وغربتك، فدلني على بيت وقال انظر من خلال الباب المفتوح الى نهاية الدار، فسرقت نظرة خاطفة ورأيت حاوية البلدية وقد تسلقت عليها مجموعة من الأجهزة البيتية، فابتسم صاحبي وقال أرأيت؟ لقد استولى هذا الجيران المسلم المصلي على الحاوية الكبيرة التي وضعتها البلدية واستخدمها مخزنا له، وأردف قائلا: ولكنه ليس بدعًا عن غيره ففي كل زقاق هناك من استولى على حاوية وعلى المال العام مما يضطرنا الى رمي الزبالة في نهاية الفرع ونحن نعرف أنها موبيء للمكروبات ومنبع للأمراض.

وليس نهر العشار في البصرة هو الآخر بدعًا من الأنهر في العراق التي تحولت الى قنوات للمكبات والمخلفات ومراتع للأمراض، ومثله نهر الحسينية في كربلاء المقدسة من جانب منطقة البوبيات التي لا تبعد عن الحرم الحسيني الشريف سوى بضعة مئات من الأمتار، حيث تحول الى مكب للأغراض المنزلية من ثلاجات وطباخات ودواليب وكراسي ومخازن الملابس وأمثالها فشوّه منظر الماء الجاري الذي هو نعمة من نعم الله نكفر بها عندما نضع شعار (النظافة من الإيمان) جانبا ونرمي الأوساخ في ما يحرم الرمي فيه ثم نفتخر أننا من جيران سيد شباب أهل الجنة، وقد حولنا مدينته المقدسة الى مكب للأوساخ وخضارها الى يباب وأرصفتها الى مطابخ ومضافات ونفايات، وشوارعها الى مواطن للنجاسة عندما يتم نحر البعير أو ذبح الشاة أما أنظار السابلة والدماء تسيح على الأرض وهي نجسة منجسة تحت دعوى ثواب الإطعام، فنطعم الزائرين وننجس أبدانهم التي بها يريدون الدخول الى حرم سيد الشهداء (ع) وأخيه العباس (ع).

 

الوقاية طريق المناعة

الصور كثيرة وكلنا نستهجن النجاسة، ولكن من أين تأتي الزبالة والأوساخ في مدننا السياحية والدينية ناهيك عن المدن الأخرى؟

سؤال لا يحير المرء في الإجابة عليه، لأن النظافة مسألة فطرية، ولهذا جاء المأثور (من الإيمان) ولم يقل من (الإسلام)، لأن الإنسان السوي يدرك أن النظافة مسألة فطرية يومية وعقلائية، إن حثّ عليها الدين أو لم يحث، فهي لازمة دورية وممارسة دائمة دائبة لا منقطعة.

هذه الحقيقة شغّل مكنستها المحقق الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في كتيب (شريعة النظافة) الصادر في بيروت حديثا (2016م) عن بيت العلم للنابهين في 40 صفحة ضمت بين أسطرها (81) مسألة فقهية إلى جانب 8 تعليقات مع مقدمة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري، صدّره الفقيه الكرباسي بتمهيد أوضح معنى النظافة وفرقها عن الطهارة ودور الإسلام في التأكيد على النظافة بوصفها ممارسة عملية وتطبيقية لمفهوم الإيمان.

ولا يخفى أنّ النجاسة والطهارة تدخلان عاملا مهما ومائزا في إداء الفروض والنوافل وعموم العبادات والمناسك، فهي مرحلة متأخرة عن النظافة، فربما يكون البدن وسخا أو الملابس وسخة وهذا مما لا يحظر العبادة، وما يمنع هو حينما يصيب البدن او اللباس أو مكان العبادة النجاسة، فيحتاج عندها الى طهارة، من هنا قال الفقيه الكرباسي في التمهيد: (لقد اصطلحنا بإطلاق النظافة على سائر الأمور التي تشمل النقاوة مما لا يدخل تحت عنوان الطهارة التي اصطلح عليها الفقهاء والتي عرفت بالمطهرات في قبال النجاسات، فهذا المعنى هو المعنى اللغوي الدال على خلو الشي من الوسخ والدنس ليكون نقيًّا طيِّبًا، وما يفصله عن المطهرات أن الأول عام يشمل الثاني، ولكن الثاني خاص بالتجنّب من نجاسات معينة حدّدها الشرع حيثما وجدت، فإن تداولها يوجب الكثير من الضرر، ومن هنا أمر الشرع بإزالتها وتطهيرها مادية كانت أو معنوية، وأما النظافة فهي إزالة الوسخ)، فالنجاسات غير الأوساخ، فالأولى غير منجزة للعبادات والثانية منجزة، وفي ذلك يضرب الشيخ الكرباسي مثلا في لباس المصلي، فالطين كثر او قل الملتصق بالثوب لا تحيله نجسا وتصح فيه الصلاة، ولكن الدم والبول والغائط وأمثالها قليلها يحيل بين المرء والصلاة، ولأن الفطرة ترشد البشرية الى إتباع ما صحّ من أمور الحياة فإن الإسلام الموافق لناموس الحياة كما يضيف الفقيه الكرباسي: (هو بحد ذاته دين نقاوة وطهارة ونظافة، حثّ أتباعه بل وغيرهم على نقاوة الظاهر والباطن وعلى نظافة النفس والجسد، بل شمل كل شيء يمتلكه الإنسان أو يستخدمه، ووصل أمر هذه النقاوة إلى أن عدّها الإسلام من الإيمان، فمن لم يلتزم بالنظافة لم يكن مؤمنا بمفهوم ما روي عن الرسول(ص): النظافة من الإيمان) وما جاء في الأثر: (تنظّفوا فإن الإسلام نظيف).

 وظاهر المرء كاشف عن معتقده وإيمانه ونظافته وطهارته، وكما يفيد الفقيه الكرباسي: (الإسلام ليس عقيدة فحسب بل ممارسة وتطبيق، فالإتّباع هو المأمور به من حيث الشرع، والإتّباع لا يتحقق بالقول فقط بل به وبالعمل، وقد قال تعالى: قل صدَق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا. آل عمران: 95)، وحتى لو لم يدعُ الدين الى النظافة فإن واقع الحياة حاكٍ عن أهمية النظافة والطهارة في حياة الإنسان، لإن الوساخة باعثة على القذارة والقذارة مقدمة للنجاسة والنجاسة حاضنة للجراثيم والمكروبات الضارة والحاضنة مرتع الأمراض والأوبئة، ولما كانت القاعدة العقلائية (الوقاية خير من العلاج) والقاعدة الفطرية (الدفع أولى من الرفع)، فإن الوقاية من الحواضن الضارة خير من العلاج من آثارها المدمرة، ودفع السوء ومسبباته خير من رفع الضرر وتبعاته، وخلاصة الأمر في النظافة كما يذهب إليه الفقيه الكرباسي أن: (الإسلام يريد أن يكون المسلم صاحب مناعة يبتعد عن البيئة التي يمكن أن تنمو فيها الجراثيم وتساعده على نشر المرض والعدوى، والأجواء النقية والملابس الطاهرة هي خير طريقة للإحتراز عن ذلك ..).

 

النظافة معيار الفطرة السليمة

من الثابث أن النظافة يقابلها الوساخة والنجاسة هي الضد النوعي للطهارة، والوساخة بالامكان ازالتها بالمزيلات وكذلك النجاسة، ولكن مزيلات النجاسة في الدائرة الفقهية مختلفة كليا عن المزيلات في الحياة اليومية، وكما يضيف الفقيه الكرباسي في التمهيد: (ومما يمكن أن نميّز الطهارة عن النظافة حسب المصطلح الفقهي المتداول أن في الطاهرة لابد من الإلتزام بمواد مطهرة نص الشرع عليها وهي الماء والتراب والشمس والأرض، بينما في النظافة لا يخصص بشيء معين، بل كل مزيل للتلوث يتكفّل أمر التنظيف) حيث أن الطهارة في المناسك تتم عبر الوضوء والغسل والتيمم، من هنا فإن النظافة وهي مستحبة تصبح كما يرى الفقيه الكرباسي واجبة: (إذا كان خلافها مضرًا للإنسان ضررًا بالغًا)، ومن الوجوب: (غسل الجنابة والحيض والنفاس والاستحاضة وغسل الميت وغسل مس الميت)، وحتى يضفي الإسلام على الأغسال وهي عبادة صفة القداسة أفرد مجموعة من الأدعية تقرأ في كل موضع للنظافة أو الطهارة، أو عند أداء بعض الأعمال اليومية مثل عند (لبس الحذاء وخلعه)، أو عند (حف الشارب وتقليم الأظافر)، كما يكره في بعض الموارد ما اجتمعت عليه الأيادي حيث: (يكره مسح شخصين بمنديل واحد، بل يستحب أن يخصص لكل شخص منديل) والكراهية: (تشمل الوزرة بعد الإستحمام)، كما (يُكره أن يشارك الزوجان في منديل واحد لدى الجماع)، و(يكره إبقاء القمامة في البيت ليلًا) و(يكره التبول والتغوط في الماء وبالأخص الراكد منه)، وفي بعض الأحيان تتحول الكراهية الى حرمة اتساقًا مع الذوق البشري واحترامًا له ومنعًا للضرر العام مثل: (يحرم التغوط والتبول في الأماكن التي تسبب ضررًا للناس).

في الواقع أن كتيب (شريعة النظافة) الذي هو واحد من ألف كتيب في مسائل الشريعة طبع منها حتى اليوم 57 شريعة، يشكل إضافة فقهية حديثة تضارع متطلبات الحياة اليومية، وكما يؤكد الفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري في تعليقه: (فقد بذل المؤلف الخبير سماحة آية الله الكرباسي حفظه الله كسائر الفقهاء جهدًا علميا لبيان الأحكام الشرعية التي تختص بالنظافة مع ذكر سريع للطهارة المطلوبة من قبل الشارع الحكيم في العبادات)، وهو جهد فقهي قيّم، والعبرة في التطبيق والتحليق في فضاءات النظافة البدنية والطهارة الروحية، فما حوته الحاويات كاشفة عن كوامن الهويات.

 

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

jamil hamdaouiيتناول هذا الكتاب مفهوم الجهة (Aspect) في المنطق والدرس اللساني والنقد الأدبي. ويعني هذا أن الفلاسفة والمناطقة، منذ الفترة اليونانية، قد تعاملوا مع منطق القضايا وفق مقولة الجهات.وبالتالي، فقد تحدثوا عن مجموعة من العوالم الممكنة ، مثل: عالم الاستحالة، وعالم الضرورة، وعالم الإمكان، وعالم الجواز، وعالم الاحتمال... كما تعمق أرسطو كثيرا في دراسة جهات القضايا إلى جانب الميغاريين. وبعد ذلك، تناول الفلاسفة المسلمون والمناطقة المعاصرون الجهات بنوع من العمق والاستقصاء في البحث. وما يهمنا في هذا الدرس المنطقي للجهات أنه يزودنا بنظرية العوالم الممكنة التي تقر بوجود عوالم أخرى موازية لعالمنا الواقعي المادي الحسي. ويمكن الأخذ بهذه النظرية في تحليل النصوص والخطابات فهما وتفسيرا وتأويلا.

هذا عن مضامين الفصل الأول، أما فيما يتعلق بالفصل الثاني، فقد تناولنا فيه لسانيات الجهة في اللغة العربية، بتعريف الجهة، وتقديم تصور عام حول الجهة ، بتتبع تاريخها النظري في الحقلين الليسانيين الغربي والعربي. دون أن ننسى أنواع الجهة، والصيغ التعبيرية التي تستعملها الجهة، مع استعراض مختلف مواقف النحاة العرب القدماء والمستشرقين واللسانيين المحدثين والمعاصرين من الجهة نحوا ومعجما ودلالة. وقد بينا منهجية مقاربة الجهة نظرية وتطبيقا وتعميما. كما أثبتنا أن الجهة مفتاح إجرائي لتحليل النصوص والخطابات بشكل دقيق، في مختلف تجلياتها التركيبية، والمعجمية، والدلالية، والسيميائية، والمنطقية.

وعلى الرغم من ذلك، فما زال مفهوم الجهة مفهوما لسانيا عويصا في مجال الدراسات اللسانية والمنطقية على حد سواء؛ لما يطرحه هذا المفهوم من إشكاليات عويصة تحتاج إلى إيجاد حلول لها بشكل علمي واضح ودقيق ومبسط.

هذا ما سوف نركز عليه في كتابنا هذا الذي خصصناه للجهة في المنطق واللسانيات ، متمنيا أن يلقى هذا الكتاب المتواضع بعض الرضا عند قرائنا الأعزاء في الوطن العربي بصفة عامة، وقراء المغرب بصفة خاصة. وأتمنى لنفسي النجاح والتوفيق بمشيئة الله وهدايته وعنايته الكريمة.

 

د. جميل حمداوي

..................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

الجهة في المنطق واللسانيات والنقد الأدبي / د. جميل حمداوي

 

 

saleh altaeiهذه خلاصة موجزة للفكرة التي يطرحها كتابي الجديد الموسوم "مفاوضات كربلاء؛ الأصل والتحريف" الذي صدر مؤخرا عن منشورات معالم الفكر اللبنانية بواقع 114 صفحة من الحجم المتوسط.

في مرحلة اهتمامي بتحليل وحل النزاعات وبعد الإطلاع على نماذج من النزاعات العالمية وجدت ظاهرة ليست غريبة، ولكنها لم تحظى بالاهتمام التام، وهي أن جميع النزاعات الكبيرة، ولا أقصد بذلك النزاعات الشخصية والفردية، وإنما النزاعات بين المجاميع عادة، تمت إدارتها بغطاء ديني، أي أن المتنازعَين وظفا كلاهما الدين لدعم موقفيهما، سواء كان النزاع اقتصاديا أم سياسيا أم اجتماعيا أم أخلاقيا أم دينيا، حيث كان الدين هو القاسم المشترك بين جميع تلك النزاعات لا في العصر الراهن فحسب، وإنما عبر التاريخ الإنساني الطويل، وهذا يقودنا إلى ما جرى في الطور المكي من عصر البعثة، فالصراع في ذاك العصر لم يكن صراع دين ضد دين وإن تمظهر بهذه الصورة، وإنما كان صراع سياسة، وظفت الموروث الديني ضد دين.

في النزاعات الإسلامية اللاحقة، تجوهر معنى التوظيف الديني بشكل أوضح، وأدى أدوارا ما كان لها أن تتحقق لولا هذا الاستخدام الماهر والذكي، لكن مع كل هذه الضوضاء، تجد سكوتا مطبقا، لا أحد يشير إلى هذا البعد، أو يهتم به، وإن صدف ووجدت، فستجد الأصوات خافتة، هامسة، وكأنها تتحدث عن حرام، وهي مع خفوتها، تتحدث غالبا بالرمز لا بالصراحة، مما يخفى على كثير من الناس فهمه ومعناه.

أما على ارض الواقع فمنذ الساعات الأولى لوفاة النبي(ص) لعلع صوت السياسة في الجهر عاليا، ليتحول في زمن خلافة عثمان بن عفان (رض) إلى منهج حياتي له سياقاته وأسسه وقواعده، والغريب أن جميع المؤرخين الذين تحدثوا عن هذه حقبة خلافة عثمان بالذات، استخدموا مصطلح (العصبية) كبديل لمصطلح (السياسة)، مدعين أن ما حدث كان عصبية لا أكثر، وهذا غمط لحق السياسيين الكبار العرب الأوائل؛ الذين نجحوا في تغيير قوانين اللعبة، ونجحوا فيما بعد بتأسيس إمبراطورية عربية ملأ صيتها الآفاق بعد أن حكمت نصف الدنيا، وذلك بعد أن نجحوا في أدينة مشروعهم السياسي.

هذا الصراع السياسي الخفي الذي ألبس لباسا دينيا، وصل أعلى مراحل النضج بعد مبايعة الإمام علي بن أبي طالب(ع) خليفة للمسلمين، وظهرت خلاله قدرة السياسيين العرب الرائعة بأنصع صورها، وفي غاية دقة التخطيط والترتيب والإشراف والتنفيذ، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر أن الرجال الذين عينهم الخليفة الجديد حكاما للأقاليم، وجدوا على أطراف البادية وفي رأس كل طريق يؤدي إلى الإقليم الذي عينوا فيه من ينتظرهم ويمنعهم من مواصلة المسير، ويأمرهم بالعودة، وإلا الموت! وهذا العمل المرتب المنظم بعناية ودقة لا يمكن أن يأتي اعتباطيا عبثيا دون سابق تخطيط محكم، وفي ذلك دلالة كبيرة على وجود السياسة ودورها الفاعل.

ونهجت السياسة العربية المنهج نفسه مع خليفة المسلمين الحسن بن علي(ع)، حيث غلف الحراك السياسي بغطاء ديني، وكانت خططها في غاية الدقة والبراعة لدرجة أنها وضعت الخليفة الجديد أمام طريقين لا ثالث لهما: إما المجازفة بكل شيء، بالدين وبالأمة، وبحياته وحياة من معه، أو القبول بالصلح مكرها، والتنازل عن الحكم وفق شروط اتفقوا عليها، وهو قبل غيره، يوقن تماما أن أي شرط منها لن يتحقق، وأن السياسيين لا يمكن أن ينفذوها.

إن الجماهير العربية المسلمة كانت نوعا ما على اطلاع بسيط بما كان يدور، ولكنها لم تكن قادرة على التشخيص الدقيق، ولا الحكم، ولا معارضة ما يحدث، والقلة الواعية التي اعترضت، جازفت بكل شيء، وحمل روادها أرواحهم على كف العفاريت، بعد أن أعلنوا العصيان والتمرد والثورة ـ وقد اتبع هذا المنهج الخطر ثلاث فئات كبيرة ومهمة: الخوارج؛ الذين بدأوا حراكهم العلني في زمن أمير المؤمنين علي(ع)، واستمروا في الثورة أجيالا، والزبيريون بقيادة عبد الله بن الزبير(رض)، والحسين بن علي(ع)، هؤلاء، جازفوا بأرواحهم وأرواح من معهم وكان الهلاك مصيرهم!.

من بين هؤلاء جميعا، وبالرغم من كونهم بمجموعهم يمثلون تهديدا حقيقيا لنظام الحكم السياسي/ الديني، كان الحسين(ع) أكثر الثائرين خطرا لأسباب تكلم عنها المؤرخون كثيرا، حتى أن معاوية كان يرقب حراكه بدقة، ويهتم به كثيرا دونا عن باقي الثوار، ودونا عن كل من في نفسه جذوة تمرد على الحكم.

إن موقع الحسين(ع) الاستراتيجي من العقيدة والمجتمع كان سيفا ذو حدين، يمنحه من جهة أفضلية وترجيحا لا يملكه الآخرون، لأنه ابن علي وفاطمة (ع) وجده رسول الله(ص)، ويضعه من جهة أخرى أمام خيار واحد هو خيار الموت، لأن في موته تنتهي المعارضة الدينية الحقيقية، وتنتصر السياسة.

وبالرغم من كون الخيار الثاني كان هو المفضل والمعول عليه، وما وقع على أرض الواقع فعلا، إلا أن الفكر السياسي العربي أدرك يقينا أن خطر الحسين(ع) لا ينتهي بموته، وان خطر تأثير أفكاره لا يتوقف إلا إذا ما تولى الجهاز الإعلامي العربي قلب المفاهيم التي يتناقلها الناس عن ثورته، وحرف حقائق تلك الثورة الخالدة، والاستعاضة عنها برؤى وأفكار جديدة مغايرة، تسحب من الحسين هالة النور والثورية، وتحوله إلى مجرد سياسي اعترض على الحكم القائم بالسيف، فخرج بذلك على الخليفة الشرعي، وفرق الجماعة، فحق عليه القتل وفق القاعدة التي ينسبونها إلى جده النبي(ص)، ومن هنا جاءت مقولة: "إن الحسين قتل بسيف جده".

بغية تنفيذ هذه السياسة المضادة، اهتم الجهاز الإعلامي المدعوم بوعاظ السلاطين وكوادر الموظفين الحكوميين بجميع جزئيات الثورة الحسينية، ووضع قبالة كل جزئية منها تفنيدا تمت صياغته بدقة ودراية وعناية واحتراف ومهنية. ومن بين تلك الجزئيات على كثرتها، انصب الاهتمام على جزئية (المفاوضات) التي زعموا أنها دارت بين الحسين(ع) وقائد جيش الحكومة عمر بن سعد.

إن هذه الجزئية من الخطورة بمكان أنها قلبت مفهوم الثورة إلى خنوع واستسلام، وتمت صياغتها بعناية لدرجة أنها، فرضت نفسها على جميع المؤرخين المسلمين، لا في وقتها فحسب، بل ولغاية هذه الساعة، إذ لا تجد مؤرخا تحدث عن ثورة الحسين(ع) إلا وتحدث باهتمام كبير عن المفاوضات، ربما بما يفوق واقعة الطف نفسها، وكأن هناك اتفاقا على ترسيخها في العقول.

أنا من خلال متابعاتي الجادة للتاريخ الإسلامي، واهتمامي الكبير بدور السياسة العربية في الأحداث التي وقعت منذ عصر البعثة ولغاية سقوط الدولة العثمانية، وفي بحثي في كل ما يتعلق بالثورة الحسينية، وجدت هناك ترابطا وثيقا بين كل ما تقدم وبين الحديث عن موضوع المفاوضات، ولذا نقبت في بطون الكتب والمراجع، وبحثت في علم السياسة والاجتماع والنفس، وربطت بين الأحداث والنتائج، فخرجت بمحصلة ضمنتها كتابي هذا، تفيد بأن كل الحديث المنقول عن المفاوضات إنما هو مجرد حديث باطل، خفي أمر حقيقته على المؤرخين، واستخدمه مؤرخون آخرون عن قصد وتعمد؛ وهم الغالبية، لتوهين موقف الحسين(ع) لا أكثر، ولقد أثبتُ بالدليل القاطع ومن المصادر الموثوق بها أن هناك مفاوضة واحدة فقط تمت بين الحسين(ع) وعمر بن سعد، لم تستغرق وقتا طويلا، طلب فيها الحسين من عمر أن يترك جيش الحكومة ويلتحق به، لكن القائد الحكومي، خاف على نفسه ومركزه وممتلكاته، ودنياه، فرفض ذلك. هذه المفاوضة نقلها الكثير من المؤرخين بصورتها هذه منهم الطبري وابن كثير.

وهذه المفاوضة هي التي اتخذت أساسا لبناء تلك الواقعة الظنية في الحديث عن تكرار المفاوضات وتنوع الشروط بعد تحريفها تدليسا، والغريب أن جميع المؤرخين كبارهم وصغارهم، صاغوا واقعة المفاوضات المتكررة وما دار خلالها على الظن لا على اليقين، إذ لا يوجد أي راوية تحدث عن الشروط التي قالوا: إن الحسين تقدم بها لهم، وهي: إما أن يسمحوا له بالرجوع، أو أن يأخذوه إلى أمير المؤمنين يزيد بن معاوية، أو أن يرسلوه جنديا بسيطا إلى أحد الثغور ليرابط هناك!.

إن جميع الروايات التاريخية التي أوردوها، أكدت أن المفاوضات بالرغم من تكرارها حسب زعمهم ثلاث أو أربع مرات في ليال عديدة كما زعم ابن الأثير وبالرغم من كون كل واحدة منها استغرقت الليل بطوله كما أشار المؤرخون انفسهم، إلا أنه لم يعلم أحد ما دار من حديث بين المتحاورين، بل إن من نقل أخبار تلك اللقاءات أكد أن صوت المتحاورين لم يسمع أبدا، حيث تجدهم يكررون جملا مثل: "فانكشفنا عنهما بحيث لا نسمع أصواتهما ولا كلامهما" كما في رواية هانئ بن ثبيت التي أخرجها الطبري، ومثل: "ولم يرد أحد ما قالا" كما في الرواية التي أخرجها ابن كثير.

إن كل ما نقله المؤرخون عن تلك الشروط المزعومة، يلخصه قول الطبري: "وتحدث الناس فيما بينهم ظنا يظنونه، أن حسينا قال لعمر بن سعد: اخرج معي إلى يزيد بن معاوية وندع العسكرين... فتحدث الناس بذلك وشاع فيهم، من غير أن يكونوا سمعوا من ذلك شيئا"

وهو مطابق لما أورده ابن كثير في تاريخه. بمعنى أن جميع المؤرخين استندوا إلى رواية ظنية واهية لمجرد أن يثبتوا وقوع المفاوضات، والظن يوهن الرواية ويسقطها، ولا أدري لماذا أصروا عليها رغم هذا الوهن السيئ.

الشروط نفسها التي تحدثوا عنها فضلا عن كونها لا تستوجب الليل بطوله لطرحها، لا يمكن أن تصدر من الحسين الذي توسل به كبار الصحابة والتابعين لكي لا يخرج فيقتل، ولكنه رفض وأصر على الخروج وصمم على القتال.

إن مقابل كل ذلك الظن والتوقع والاحتمال غير المعقول، هنالك شاهد حقيقي أثبت المؤرخون اشتراكه بالثورة ومرافقته الحسين(ع) من المدينة إلى مكة إلى الكوفة ثم كربلاء إلى أن استشهد، وقد أسروه مع من بقي حيا، وحينما سأله ابن سعد عن سبب وجوده معهم، اخبره أنه مولى الرباب بنت امرئ القيس الكلبية زوج الحسين، فأطلق سراحه لهذا السبب كما جاء في الطبري وابن كثير. ولقد أخرج ابن كثير عن عقبة بن سمعان قوله عن مرافقته جيش الحسين: "ولم أفارقه حتى قتل، وسمعت جميع مخاطباته الناس". لقد اثبت هذا الشاهد كذب من تحدث عن الشروط بقوله الذي أخرجه الطبري وابن كثير وابن الأثير: "فوالله، ما أعطاهم ما يتذاكر به الناس من أن يضع يده في يد يزيد، ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين". وهذا بحد ذاته يثبت أن تأكيد المؤرخين على روايات التفاوض الركيكة والضعيفة فيه الكثير من القصدية، فضلا عن ذلك تشم منه رائحة السياسة القذرة بوضوح، وفي ذلك إساءة كبيرة للتاريخ الإسلامي!.

يتضح مما تقدم من حديث أن الإعلاميين والسياسيين، روجوا لقضية وهمية تتحدث عن حوار تفاوض قاس وطويل ومتكرر الجلسات، حدث بين الحسين(ع) من جهة، وقائد جيش الحكومة عمر بن سعد من جهة أخرى، تقدم فيه الحسين إليهم بثلاثة شروط مذلة للاستسلام، وتوسل بهم أن يقبلوها، ولكنهم رفضوها جميعها.

وهذا يؤكد أن الحديث عن المفوضات مجرد فذلكة إعلامية سياسية، جيء بها لتشويه وجه النهضة الحسينية، وتبييض صورة أعداء الحسين، وإسباغ الشرعية على جريمتهم النكراء.

ويتضح أن الشروط الثلاثة المزعومة المنسوبة إلى الإمام الحسين(ع) لم تكن كما أوردتها كتب التاريخ المغرضة والمسيسة، وإنما كانت عبارة عن مقترحين اقترحهما الحسين في مناسبتين مختلفتين ولغايتين مختلفتين:

الأول: اقترحه على عمر بن سعد قائد جيش الحكومة، طالبا منه أن يتخلى عن مهمته ويلتحق به، وقد رفضه عمر؛ الذي كان يسعى وراء مكاسب الدنيا، ولم يكن مهتما بأمور الآخرة.

الثاني: اقترحه الإمام الحسين(ع) عليهم لكي يبرئ نفسه أمام الله من الدماء التي سوف تسفك في المنازلة، والمصير الأسود المحتوم الذي ينتظر كل من سيشترك بقتله، حينما اقترح عليهم أن يسمحوا له بالعودة اختبارا لنواياهم، ولكي يلقي الحجة الأخيرة عليهم.

لكن هذين المقترحين تعرضا على يد الفصيل السياسي وجهازهم الإعلامي إلى تحريف كبير وتغيير اكبر، وتحولا إلى تلك الشروط المهينة التي تناولناها بالبحث وفندنا أصولها.

إن هذا التحريف بحد ذاته، يدل على أنه لابد من وجود جهاز منظم كبير وخطير أخذ على عاتقه القيام بهذه المهمة الخطيرة والكبيرة، وبث كل تلك الأباطيل والأكاذيب في التاريخ الإسلامي، مرة من خلال الإغراء بالمال والمكاسب رهانا على الطمع وحب الدنيا، ومرة أخرى من خلال التهديد والوعيد، وثالثة من خلال ضغوطات العصبية والطائفية، ورابعة محاباة للسلطان ومحاولة لنيل رضاه، وهذا الجهاز هو الجهاز الإعلامي السياسي الخفي؛ الذي أوقع كل الخلط والتحريف المعروف في تاريخنا، وأدخل تحريفه إلى منظومة الدين، فتحولت مبادئه إلى طقوس يتعبد بها البعض. ولذا يجب الانتباه الشديد في التعامل مع أي رواية دينية أو تاريخية، ولاسيما تلك التي تفوح منها رائحة السياسة، فما بين المسلمين اليوم من تناحر وتكاره وعداء وبغضاء وفرقة، يزداد استعارا بواسطة ما دسه السياسيون وجهازهم الإعلامي في بطون كتب تاريخنا، ولا يمكننا التوحد والتعايش والتفاهم مع وجود هذا الكم الكبير من الأكاذيب!.

ولم تكن غايتي وهدفي من تأليف هذا الكتاب إلا أن أنبه الأمة إلى أن السياسة حققت أهدافها وحولت المسلمين بمجموعهم إلى قطيع يحمل لها أحجار بناء هيكلها المعظم وأنها بعد عصر التنوير والتغيير، سقطت وانتهت ولم يعد لها من أثر، ولكن التخريب الذي أحدثه لا زال قائما متحكما بمصائر المسلمين، ولا يمكن للإسلام أن يتقدم إلا إذا ما تبرأ من تلك السياسة، وأقام العقل مقام العاطفة، وتخلى عن العصبية والطائفية،

فالمسلمون اليوم مستهدفون من جهات عدة ولا يمكن لأي فرقة من فرقنا أو مذهب من مذاهبنا أن يتصدى لوحده، لذا وحرصا على الدين يجب أن نتخلى عن كثير من التزاماتنا المذهبية والطائفية المختلقة، لنجتمع سوية في خط صد واحد دفاعا عن أنفسنا وعقيدتنا.

 

jamil hamdaouiتعد تونس من الدول المغاربية البارزة في مجال المسرح كتابة، وتأليفا، وتمثيلا، وتأثيثا، وإخراجا، ونقدا، وتنظيرا. ومن ثم، فقد عرف المسرح التونسي، طوال تاريخه، مجموعة من المراحل الفنية والجمالية والدرامية الأساسية التي يمكن حصرها في المراحل التالية:

1- مرحلة المسرح الأمازيغي إبان التواجد القرطاجني والروماني؛

2- مرحلة الفتوحات الإسلامية وركود المسرح التونسي؛

3- مرحلة التجارب الفطرية التراثية مع الأتراك العثمانيين؛

4- مرحلة تغريب المسرح التونسي إبان الاحتلال الفرنسي؛

5- مرحلة النشأة والتأسيس والتثبيت؛

6- مرحلة التجريب والتأصيل.

وقد عرفت تونس مرحلة تجريبية وتأصيلية متميزة بفضل مخرجيها المسرحيين المتميزين عربيا ودوليا، كعز الدين المدني، والمنصف السويسي، والفاضل الجعايبي، و الحبيب شبيل، والفاضل الجزيري، وجليلة بكار، ومحمد إدريس، والحبيب المسروقي، وتوفيق الجبالي...

ومن بين النظريات المسرحية المعروفة عربيا نظرية المسرح التراثي مع عز الدين المدني، ونظرية المسرح الجديد، ونظرية المسرح المثلث.. وقد استفادت هذه النظريات من التصور الاحتفالي من جهة أولى، والدعوة إلى توظيف التراث المحلي والشعبي الأصيل من جهة ثانية، والاستفادة من التقنيات المسرحية التي استعملتها الكتابة السردية الموروثة من جهة ثالثة، والانفتاح على التجارب المسرحية الغربية المعاصرة من جهة رابعة.  وإن كان  الطاهر قيقة من الدعاة الأوائل للشباب التونسي إلى توظيف التراث في المسرح، حيث كان ينصحهم بالالتفات" إلى التراث القصصي العربي، ويستنبطوا منه أشكالا فنية تخدم المسرح. عرض عليهم أن يفيدوا من شخصية الراوية في هذا التراث.هذا الذي كان يجلس على منصة عالية جدا، ومعه عصا طويلة يرد بها المتخاصمين والمتناحرين حول أبطال السير الشعبية، ويمنعهم أن يقتتلوا حول مصائر الأبطال، ويدافع بها أيضا عن نفسه حين تقضي وقائع السيرة أن ينتصر بطل على بطل، فيثور أنصار المهزوم، ويهمون بأن يضربوا لا خصومهم وحسب، بل والراوية أيضا".

وعلى العموم، يتناول كتابنا هذا مجمل التجارب المسرحية في تونس من لحظة النشأة والتأسيس والتثبيت إلى لحظة التجريب والتأصيل. مع العلم أن تلك التجارب المسرحية التونسية كانت تستفيد من التراث العربي الإسلامي (الأصالة) من ناحية ، ومن المسرح الغربي (المعاصرة) من ناحية أخرى.

إذاً، ما أهم المراحل التي عرفها المسرح التونسي طوال تاريخه الطويل؟ وما أهم القضايا التي تناولها هذا المسرح؟ وما أهم تجليات التجريب والتأصيل في هذا المسرح؟ وما خصوصياته الفنية والجمالية والتقنية والسينوغرافية والإخراجية؟

هذا ما سوف نركز عليه في كتابنا هذا الذي خصصناه للمسرح التونسي من لحظة النشأة والتأسيس والتثبيت إلى لحظة التجريب والتأصيل والبحث عن الجديد، متمنيا أن يلقى هذا الكتاب المتواضع بعض الرضا عند قرائنا الأعزاء في الوطن العربي بصفة عامة، وقراء تونس بصفة خاصة. وأتمنى لنفسي النجاح والتوفيق بمشيئة الله وهدايته وعنايته الكريمة.

 

د. جميل حمداوي

...................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

المسرح التونسي بين الـتأسيس والتجريب والتأصيل / د. جميل حمداوي

 

941-saadعن مؤسسة (فكرة) للنشر في القاهرة؛ صدر للشاعر سعد جاسم كتابه الشعري الجديد "غابة هايكو". يتضمن الكتاب مائة من نصوص الشاعر (الهايكوية) وشهادة له عن مدى علاقته وتجربته في هذا الفضاء الشعري الشاسع والصعب والساحر كما يصفه.وكذلك يحتوي الكتاب على مقدمة للناقد ناظم ناصر القريشي .

هنا مقطع من شهادة الشاعر التي تتصدر الكتاب:

" لقد حاولتُ ان أُكرّس فهمي وخبراتي لكتابة هايكو معني بالواقع والحياة العراقية بكل ابعادهما وتفاصيلهما وإشكالياتهما .. حيث ازمنة الدكتاتورية والحروب الفنتطازية والعبثية والحصارات الخانقة والانكسارات والخسارات التي تكبدّها شعبي العراقي المظلوم والمجروح تاريخياً وروحياً وحياتياً... وكذلك فقد كرّستُ اهتمامي بالاشتغال على نصوص تتناول الحياة والوجود والعالم ؛ وكنتُ قد بدأت الاشتغال في هذا الفضاء الشعري منذ بدايات تسعينيات القرن المنصرم ".

وفي المقدمة التي كتبها الناقد ناظم القريشي ورد مايلي:

941-saad"في ديوانهِ (غابة هايكو) فإن الشاعر سعد جاسم يرسم رؤيته الفلسفية التأملية المتمردة، ويحرر الزمن من ربقة الوقت ليسافر في المطلق معبرا عن ذاته من خلال الطبيعة الآسرة الخلابة، محولا تلك الظواهر وتلك الأشياء التي تدور حولنا إلى هايكوات حية مكثفة تعبر عن ذاتها من خلال بلاغتها اللغوية، وتجسد مدى شاعرية الشاعر ونقائها و أخلاصها لذاتها الأولى و تماهيها وامتزاجها مع روح الكون و الوجود ؛وتناغمها مع الطبيعة كموسيقى قيثارة تعزفها الرياح، و تنشد الخلاص، والانفلات من مدارات رتيبة الى عالم فسيح من الابداع، والشاعر سعد جاسم يمنحنا حالة من حرية التأمل والحوار مع الذات بعلاقتها مع الطبيعة ,ان هذه الهايكوات والومضات والقصائد تعبر عن نقاء روح الشاعر".

ومن اجواء الكتاب اخترنا هذه المجموعة من النصوص:

في ربيعِ انوثتِها

تفيضُ عطراً وندى

الفرسُ البرّية

******

أنفاسُها عطرٌ

وقمصانُها فراشات

سيدةُ الحقول

******

تتوهجُ تحتَ الشمسِ

كياسميناتٍ نديانة

النوارس السعيدة

******

دمٌ يركضُ حافياً

وجثثٌ تشهقُ طافيةً-

الفرات

******

استيقظَ من حلمهِ

فرآى البلادَ مقبرةً

طفلُ الخراب

 

يمكن الاشارة ان الشاعر سعد جاسم سبق له أن اصدر عدة كتب ومجاميع شعرية؛ منها:

فضاءات طفل الكلام - بغداد - 1990

موسيقى الكائن - بغداد - 1995

طواويس الخراب - عمان – 2001

قيامة البلاد –بابل-2007

ارميكِ كبذرة واهطل عليك - القاهرة - 2010

طائر بلا سماء - بغداد - 2013

انتِ تشبهينني تماماً - القاهرة – 2015

وكذلك صدرت له مجموعة من الكتب الخاصة بأدب الاطفال الذي هو واحد من اهتماماته الابداعية المتعددة .

 

 

jamil hamdaouiيعد موضوع الفن والإسلام من أهم المواضيع الصعبة والحساسة التي أثارت كثيرا من الحبر والنقاش والجدال والاختلاف قديما وحديثا.ومازال هذا الموضوع ، إلى يومنا هذا، يؤرق  العلماء والفقهاء والمفكرين والباحثين، ولاسيما موقف الإسلام من التصوير بصفة عامة، والفنون التشكيلية بصفة خاصة.

وعليه، فقد اختلف الفقهاء والباحثون حول ذلك أيما اختلاف. فهناك من ينظر إلى فن التشكيل نظرة سلبية شائنة،  قوامها المنع والنبذ والتحريم والكراهية. وهناك من ينظر إليه نظرة إيجابية على أساس الإباحة والجواز والترخيص. وهناك من يقيد تلك الإباحة بعدم مجانبة الصواب، أو التحلل من الأخلاق الإسلامية الفاضلة من جهة أولى، والابتعاد عن الإباحية والترف من جهة ثانية، وعدم التعارض مع العقيدة الإسلامية وثوابت الدين من جهة ثالثة.

إذاً، هناك مواقف فقهية متعددة ومختلفة ومتضاربة؛ إذ يمكن الحديث عن أصناف ثلاثة من الفقهاء:

1- صنف من الفقهاء المقلدين الذين وقفوا موقفا معاديا من الفنون التشكيلية، بمنع التصوير ونبذه وتحريمه، مستعملين في ذلك أسلوب الوعيد والترهيب، وتنبيه المصورين إلى ما ينتظرهم من عذاب أليم، اعتمادا على آيات قرآنية كريمة، وأحاديث نبوية مأثورة ؛

2- صنف من الفقهاء المجتهدين الذين وقفوا موقفا إيجابيا من فن التصوير، على أساس أن  مقصد التحريم لم يعد قائما مع إزالة مانع الشرك والكفر والمضاهاة. فالتصوير فن إبداعي بشري يراد به الزينة والمنفعة والمصلحة والجمال ليس إلا. وخير من يمثل هذا الرأي محمد عبده ومحمد عمارة- مثلا-؛

3- صنف من الفقهاء المجتهدين يدافعون عن الفنون التشكيلية والتصويرية، ويبيحون تعاطيها، ولكن بشروط ملزمة  تتمثل في قيد احترام ثوابت الشريعة الربانية، وعدم مضاهاة الخالق، والابتعاد عن التبذير . ومن ثم، لايكون ذلك للعبادة والتقديس والتبرك، وعدم مجانبة الصواب، وعدم مخالفة القيم الإسلامية السمحة، ولا يكون المشخص أو الممثل أو المشكل ذا نفس حية...وخير من يمثل هذا الاتجاه العلامة يوسف القرضاوي- مثلا- .

وثمة كتب تناولت العلاقة بين الإسلام والفن، مثل: كتاب (منهج الفن الإسلامي) لمحمد قطب، و(الإسلام والفنون الجميلة)  لمحمد عمارة، و(الفن الإسلامي التزام وابتداع)  لصالح أحمد الشامي، و(الفن الإسلامي،قراءة تأملية في فلسفته وخصائصه الجمالية)  لسمير الصايغ، و(الفن الإسلامي)   لأرنست كونل، و(الفن والإسلام)   و(الحلال والحرام في الإسلام) ليوسف القرضاوي، و(الإسلام والفن) لحسام الغمري، و(التصوير الفني في القرآن) للسيد قطب، و(حكم الإسلام في الصور والتصوير) لدندل جبر، و( التصوير الإسلامي) لثروت عكاشة، وغيرها كثير...

إذاً، ما المقصود بالتصوير والتشكيل والتماثيل ؟ وما موقف القرآن والسنة من التشكيل؟ وما موقف الفقهاء منه؟ وما موقف الفقه المعاصر من الصورة الفوتوغرافية؟ وما أهم معالم الحضارة العربية الإسلامية في مجال التشكيل والتصوير قديما وحديثا ؟

هذا ماسوف نرصده في كتابنا هذا الذي عنوناه بـ(موقف الإسلام من التشكيل: نحو رؤية معاصرة)، على أساس أن الإسلام لا يمنع الفن منعا مطلقا، بل هناك ما يدل على تساهله مع المصورين والتشكيليين المبدعين، مادام الغرض من ذلك الفن هو الإبداع والزينة والحاجة والمصلحة. وليس المقصد أو الغرض من ذلك هو الشرك بالله، أو تحديه في الخلق والتصوير والصنع، أو تقديس الأولياء والحكام، أو عبادة جبابرة الأرض ومتكبريها...

وأرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، وأشكر الله شكرا جزيلا على نعمه الكثيرة،  وأحمده على علمه وصحته وفضائله التي لاتعد ولا تحصى. وأستغفره عن أخطاء اجتهادي في هذا الكتاب. وقد صدق الله العظيم: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا".

 

د. جميل حمداوي

................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

موقف الإسلام من التشكيل: وفق رؤية معاصرة / د. جميل حمداوي

 

moamar habarقراءة تاريخ الجزائر تعتمد على جملة من المراجع والوثائق. ومراجع الفرنسيين الذين ساهموا في احتلال الجزائر، أو الفرنسيين الذين كتبوا عن احتلال فرنسا للجزائر، يعتبر من المراجع التي يعتمد عليها، بغض النظر عن محتوى مذكراتهم وكتبهم. والكتاب الذي بين يدي القارىء الآن واحد من هذه المراجع، التي تستحق القراءة والنقد..

PIERRE PEAN " MAIN BASSE SUR ALGER, ENQUETE SUR UN PILLAGE , ALGER 1830"  ,CHIHAB EDITION, Alger ,Algerie ,2005, 288 Pages.

الكاتب فرنسي يتحدث عن الأيام الأولى لاحتلال الجزائر، ويصف عملية غزو الجزائر كأنك تعيشها، لفرط الألم الذي رسمه، والحزن الذي وصفه، والخيانة التي تحدث عنها.

يعتمد الكتاب على فكرة جوهرية، ألا وهي .. من سرق خزينة الجزائر إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر؟.

وقد توصل إلى نتيجة مفادها، أن الجنرال بورمو، والجنرال كلوزال، بالتعاون مع الملك، ولجنتي التحقيق، والسفارة البريطانية بالجزائر، وربما أسماء لم تحضرني الآن ساهمت في سرقة خزينة الجزائر.

من خلال قراءة الكتاب يتضح جليا، أن فرنسا كانت تريد خزينة الجزائر، والتي كانت تحلم بها من قبل إحتلال الجزائر سنة 1830.

يرى الكاتب الفرنسي أن الداي كان محقا حين تعامل مع دوفال السفير الفرنسي بالجزائر بتلك المعاملة والتي عرفت بحادثة المروحة. ويذهب أبعد من ذلك حين يقول أن دوفال أساء الأدب مع الداي وتعمّد إستفزازه، ليحصل على ما يريد وهو احتلال فرنسا للجزائر، والسطو على الخزينة الضخمة جدا.

يرى الكاتب أن فرنسا كان لها هدف واحد، هو السطو على خزينة الجزائر لما تحتويه من مال، وذهب، وفضة، ولؤلؤ، وعتاد عسكري ومدني. أما الأسباب الأخرى التي قدمتها كالدفاع عن المسيحية والمسيحيين، فكانت لجلب التعاطف الشعبي، ولفت النظر عن السبب الحقيقي لاحتلال الجزائر.

الداي وعصابته سلّموا الجزائر على طبق من ذهب دون أدنى مقاومة تذكر. وراح يتودد لفرنسا عبر التذلل للسفير البريطاني بالجزائر، ليمنح فرصة الخروج مع عائلته ومرافقيه خارج الجزائر، وما يسمح له بحمله من مال وذهب وعتاد.

وزير خارجية الداي الخزناجي، كان سباقا لتقديم مفاتيح خزينة الجزائر للمحتل الفرنسي، وبمحض إرادته، وسعيا منه، لعل فرنسا تجعل منه الداي الجديد، والحاكم الجديد.

ويمكن القول إن فرنسا قبل أن تضع يديها الملطختين بالسرقة والدماء على الجزائر، وجدت أيدي كلا من وزير المالية الداي الخزناجي، والداي وعصابته تمتد لهم ذليلة صاغرة، تفتح لهم الخزينة طواعية، وترفع الراية البيضاء دون أدنى مقاومة، وتتسول أمام السفارة البريطانية بالجزائر، والحاكم الجديد للجزائر.

كشف إحتلال الجزائر على البذخ الذي كان يعيشه الداي، والترف الذي كانت تعيشه عصابته. ويكفي أن الفرنسيين إندهشوا حين إقتحموا قصور الداي، ورأوا الذهب، واللؤلؤ، والأغطية المطرزة بالذهب الخالص، والأشياء الثمينة جدا التي كانت تزين بيوتهم وبيوت حاشيتهم .

يمكن القول إذن أن إحتلال الجزائر لفرنسا، كانت نتيجة للانحلال الأخلاقي، والفساد المالي، والسياسي، والاجتماعي الذي كان يعيشه الداي وعصابته القابضين على المال والرقاب.

ذكر الكاتب وعبر صفحات الكتاب أرقاما بالفرنك، والدولار، واليورو التي نهبها الاحتلال الفرنسي من الخزينة الجزائرية، بالإضافة إلى اللؤلؤ، والذهب، والفضة، والجلد، والمدافع. ويمكن في الحلقات القادمة أن يخصص لها القارئ المتتبع جدول خاص عبر مقال خاص بإذنه تعالى.

بالنسبة للقارىء المتتبع للكتاب، فإن سرقة خزينة الجزائر والجزائر بشكل عام قائمة، سواء أكدها الفرنسي أو نفاها الفرنسي، وسواء هرّبها الفرنسي من الجزائر إلى فرنسا أو إستولى عليها الفرنسي المحتل للجزائر. وسواء إستولى عليها فلان أو فلان، أو جاء ذكره في التقرير نفيا أو تأكيدا. المهم لدى الجزائري أنها سرقة فرنسية معلومة مدروسة تمت في وضح النهار ، وبعلم الجنرالات الفرنسيين، والقادة، والجنود، والقضاة، والمختصين الماليين، ورجال الصحافة، والسفارات الأجنبية بالجزائر، وكذا الداي وعصابته.

الفرنسي قام بتحقيق حول الأموال الجزائرية المسروقة من طرف الاحتلال الفرنسي. ومن حق الجزائر الآن، أن تجري تحقيقا بشأن خيانة الداي وعصابته، وسرقة الداي لخيرات الجزائر، وتسليمه الجزائر دون أدنى مقاومة للمحتل الفرنسي المغتصب.

إنتظروا مقال آخر يتعلق بقراءة القارىء المتتبع للكتاب، فالكتاب مازال يحمل الجديد المثير.

 

jamil hamdaouiعرف المغرب، في مساره التطوري الثقافي والإبداعي، مابين القرن العشرين وسنوات الألفية الثالثة، تنوعا في التجارب الشعرية التي انطلقت بالتجربة الإحيائية الكلاسيكية التي كانت تحاكي التراث الشعري القديم، وتقلد النموذج الشرقي، مرورا بالتجربة الوجدانية التي تأثرت بالرومانسية الغربية والمشرقية، في مدارسها الثلاث: مدرسة الديوان،  ومدرسة أبولو، ومدرسة المهجر الشمالي (الرابطة القلمية) والجنوبي(العصبة الأندلسية) .

ولكن مع سنوات الستين من القرن العشرين، دخلت التجربة الشعرية المغربية غمار قصيدة التفعيلة، متأثرة في ذلك بالتجربة الشعرية المعاصرة في المشرق، ومحتذية تعاليم نازك الملائكة، وعز الدين إسماعيل، ومحمد النويهي، وأدونيس، وكمال أبوديب، وكمال خير بك، وشربل داغر ...

ومن جهة أخرى، فقد برزت،  في مغرب السبعينيات،  قصيدتان لافتتان للانتباه هما: القصيدة الإسلامية في جهة الشرق،  والقصيدة الكونكريتية في جهة الغرب.

وفي الثمانينيات، انتقلت التجربة الشعرية المغربية، مع محمد بنيس وأتباعه وأحفاده الشباب، إلى القصيدة النثرية التي تفرعت إلى اتجاهات متنوعة: القصيدة الصوفية، والقصيدة التشكيلية، والقصيدة التجريدية، والقصيدة التجريبية، والقصيدة الصامتة، والقصيدة الواقعية، والقصيدة الفلسفية، والقصيدة السردية، والقصيدة الدرامية، والقصيدة الذاتية، والقصيدة المقطعية، والقصيدة الومضة، والقصيدة الرقمية، والقصيدة الشذرية، والقصيدة المقطعية، والقصيدة الجملة، وقصيدة الهايكو، ....

وما يهمنا في هذه الدراسة هو التركيز على القصيدة الكونكريتية المغربية ، واستخلاص مكوناتها الدلالية والفنية والبصرية والمرجعية والنقدية ليس إلا.

 

د. جميل حمداوي

.....................

للاطلاع على الكتاب كاملا في صحيفة المثقف

القصيدة الكونكريتية في الشعر العربي المعاصر / د. جميل حمداوي

 

940-ahmadلا يمكن وصف أيّ عمل أدبي بالحالة الكاملة حتّى إذا ما وصل إلى أعلى تجلياته أو أبهى صوره، والشّعر وهنا نقصد النثر ، يصل إلى مرحلة التكامل البنيوي عندما يتوفّر في العمل الذّات الحقيقيّة ،"اَستعيدُ أَبي " هي مجموعة نثرية حديثة ،يوليو 2016صادرة عن دار : أوراق للنشر والتوزيع ،للشاعر "إبراهيم اليوسف " موزعة على 173 صفحة من القطع المتوسط ،منطوي على إحدى عشرة قصيدة متنوعة ..

يُطلُّ فيها "اليوسف " بلغته الإيحائيّة الممزوجة بين الفصاحة المحترفة والبساطة المحكيّة؛ بإيقاعٍ شعري، يتناغم بين فقرات النصوص بالتّماهي والاختزال الرياضيّ والتكثيف في الحبك الشعريّ، بتخيلات ممزوجة في حالات متداخلة ورؤى وقضايا مصيرية يُسقطها بأسلوبٍ سياسيٍّ أدبي، بعد أن يلبس نصوصه الضّمير الإنسانيّ، فهو هنا لا يطلب استرجاع حساب على التويتر أو الفايس بوك، ولا ينقل وجع العشق المعروف في النثر .

"اليوسف " ينقل لنا رائحة الدّم بكرياته الحمراء، وناقلات الجنود، والشّبيحة، والتّكفيريين بوجع صوت عصافير الدوريّ، وأسماء أطفال الحي، ينقل صور الحرب والعمالة بطريقتهِ المموّهة في بعض نصوصه كما هنا:

(واحداً واحداً سقطوا ..من أغصان شجرة القلب ..وكنت تداري مصائرهم ..بذؤبات الرَّجاء ..ترمقهم بعيونك في مزاد عارٍ ..في العراء ..أنت ربّيتهم ..على حكمتك الورديّة ..أنت ربَّيتهم على صور القصيدة).

940-ahmadالقارئ لديوان "اَستعيدُ أَبي" سيستمتع بالنصوص وصورها ذات الدلالة العميقة، وإن كانت ثقيلة نوعاً ما، وسيندهش في بعض الوقفات، ويطرح على نفسة أسئلةً غامضة لا يجد أجوبة لها حتى عند "اليوسف " نفسه، فهو لا يتحدّث عن أبيه، بل عن آباء أطفال السورييّن، عن أصابع ركام الوهم وهبوب الهزيمة والخديعة، واستحالة ندم الذئب الذي يأكل الفريسة، ويترك الأبناء ينظرون إلى ما تبقى من أشلاء آبائهم بمشاهد قاسية، بعضها على شكل أنقاض، وأخرى على شكل رائحة الـ "تي إن تي" ألواح نصوص "اليوسف" انزياحيّة تنتهك الحالة الإنسانيّة المنبثقة من ألم الشعب والذات المنبثق من طفل ينظر إلى ما تبقى من صورة أبيه.

يلعب "اليوسف " في بعض نصوصه على حالات الخيانة والهدنة التي قتل بها الشعب، المحارق ،المجازر ،الإبادة العرقية، وهدير الطائرات، وتارةً ينقلنا إلى الأسير في سجون العدو الغاشم، معتمداً على سياقه اللغوي وبراعته في تشكّل الفكرة بأقل كميةٍ من الكلمات وحرف الجر والجزم، وكأنّه يُقدّم لنا مادّة محرّرة مدقّقة بعناية فائقة دون الخروج عن خصائص اللغة  التي بات دارجاً في السوق الأدبي، الجمل هنا جزلة والعبارت معمولة عليها، والكلمات مختارة بعناية فائقة، عنوانات نصوص"اليوسف " هي أسماء مدن كرديّة، ولكن ينقل  لنا صورة الحرب والمأساة السوريّة والتخازل الدولي، وكأنّه يقدم أدلة دامغة لمنظمات حقوق الإنسان، واليونسيف، والأمم المتحدة، ويبصق في وجه جميع المتخاذلين بطريقةٍ محترمة ومحترفة.

"إبراهيم اليوسف " من مواليد مدينة القامشليّ، مقيم في ألمانيا مدينة "إيسن "،كرديّ الهويّة ،يحمل درجة البكلوريوس في اللغة العربيّة، وهو كاتب وناقد وصحفي عضومكتب تنفيذي في رابطة الكتاب السورييّن عضو مؤسّس في رابطة الصحفييّن السورييّن رئيس مجلس أمناء منظمة حقوق الإنسان في سوريا- حالياً عضو فيدرالية حقوق الإنسان- المسؤول الإعلامي عضو أمانة عامة في المجلس الوطني السوري حتى 2012" استقلت" دكتوراة فخرية من جامعة يريفان في مجال حقوق الإنسان كاتب في جريدة الزمان اللندنية كاتب زاوية من العام 2001-2005. نقد أدبي ومراجعات ومتابعات أدبية محررفي جريدة الخليج2009-2015 عضو هيئة تحريرفي مجلة"أوراق" رئيس تحريرها صادق جلال العظم عضوهيئة تحريرجريدة"القلم الجديد" بعض الإصدارات :

1- للعشق للقبرّات والمسافة 1986 (شعر) .

2- هكذا تصل القصيدة 1988 (شعر) .

3- عويل رسول الممالك1992 (شعر) .

4- الإدكارات 1995 (شعر) .

5- الرسيس 2000 (شعر) .اتحاد الكتاب العرب في سوريا

6- شجرة الكينا بخير 2004 (مجموعة قصصية) .

7-ساعة دمشق-نصوص-دارأوراق-القاهرة-2016 صدر

8- أستعيد أبي- شعر-دار أوراق- القاهرة-2016-صدر

9-مدائح البياض-2016- بيروت- صدر

10- مزامير السبع العجاف- شعر-مخطوط جاهز

-استعادة قابيل- صدر-القاهرة2016

و كتب سيرويّة ونقديّة متعدّدة  بالإضافة إلى العديد من االمخطوطات الأخرى القصصية- الروائية- الشعرية- النقدية.

 

كاتب صحفيّ وناقد سوريّ

مقيم في النرويج.

 

 

939-khadomعن مؤسسة دار الصادق الثقافية في الحلة صدر حديثا للأستاذة الدكتورة وفاء كاظم ماضي الكندي كتاب (تطور الحركة النسوية في العراق 1921- 1958)، وقد تصدرته كلمة الإهداء، وجاء فيها: (إليها وحدها دون غيرها ... المدرسة والمهندسة والطبيبة والأستاذة الجامعية والعاملة النقابية وربة البيت وغيرهن ممن شاطرن أخيهن الرجل طموحات كبيرة وآمال أكبر في مسيرة تشييد صرح هذا الوطن المعطاء ومستقبله الزاهر) .

تضمن الكتاب مقدمة وأربعة فصول وخاتمة، وعدّت المؤلفة في مقدمتها (الكتابة عن المرأة العربية عموما، والعراقية بشكل خاص من المواضيع التي تحمل صعوبات عديدة كون الكتابات الأكاديمية بمثل هذه المواضيع قليلة جدا، إن لم نقل نادرة، باستثناء بعض المقالات المتناثرة هنا وهناك) لأن المرأة في هذه الحقبة (كانت تعيش في معركة بين تقاليد المجتمع وإرادتها بالمشاركة في مفاصل الحياة).

تناول الفصل الأول - وهو بمثابة فصل تمهيدي - الوزن الديموغرافي والواقع الاقتصادي والاجتماعي للمرأة في العراق الحديث والمعاصر أي في السنوات التي سبقت العهد الملكي، وعلى وجه التحديد العهد العثماني، ولم يكن للمرأة فيه دور واضح يستحق الوقوف عنده ؛ بسبب الظروف القاسية المفروضة عليها آنذاك .

939-khadomأما الفصل الثاني وقد حمل عنوان (المرأة العراقية في سنوات الانتداب البريطاني 1920- 1932)، وقد تحدث عن واقع المرأة في مجال التعليم، ودورها في ثورة العشرين، وبداية مطالبتها بحقوقها السياسية ؛ فضلا عن استعراض مكانتها في مناهج الأحزاب ضمن الحقبة الزمنية للفصل، مع ذكر أهم الصحف النسوية والجمعيات والمؤتمرات التي ساهمت فيها، والتعريج على مكانتها الاجتماعية من خلال ذكر لـ(بعض الشخصيات الأدبية التي أخذت دورها في تعزيز هذه المكانة)، كما كانت هناك وقفة عند (معركة السفور والحجاب التي ميزت هذه الحقبة من تاريخ الحركة النسوية في العراق) .

وتطرق الفصل الثالث (للتقدم الذي أحرزته المرأة في الحقبة الزمنية الممتدة بين عامي 1932- 1945) من خلال النشاطات التي مارستها، وقد عززت بالجداول والأرقام كما هو الحال في الفصول الأخرى .

وتحدث الفصل الرابع عن التطور المهم الذي طرأ على حركة النهضة النسوية العراقية في الحقبة الممتدة بين عامي 1945- 1958، وأهمية هذه الحقبة في تاريخ العراق المعاصر لما رافقته من أحداث سياسية مهمة تركت بصماتها الواضحة على مفاصل الحياة كافة، ومنها المرأة ؛ إذ (شهدت زخما في نشاطاتها الاجتماعية من خلال عملها في الجمعيات النسوية وعدد من الصحف التي قامت بإصدارها، وغيرها من المحاور) ذات العلاقة بالنهضة النسوية .

اعتمدت المؤلفة على عدد غير قليل من المصادر والوثائق العراقية المحفوظة في دار الكتب والوثائق، وتمت الإشارة لها، وتدوينها جميعا في قائمة المصادر الملحقة في نهاية الكتاب .

ومن الجدير بالذكر والتنويه أن هذا الكتاب المميز هو بالأصل رسالة ماجستير تمت مناقشتها في جامعة بغداد كلية التربية (ابن رشد) سنة 2000م، وكانت بإشراف الأستاذ الدكتور عماد عبد السلام رؤوف .

 

 

937-abdulrazaqصدر للباحث والناقد المغربي عبدالرزاق المصباحي، بمناسبة الدخول الثقافي 2016/2017 كتابه الجديد (الأنساق السردية المخاتلة: شعرية السرد، تذويت الكتابة، مركزية الهامش) عن دار الرحاب الحديثة بلبنان. والكتاب هو دراسات نقدية عن عشرين عملا سرديا، بين القصة القصيرة، والقصة القصيرة جدا، والرواية، والنص الرحلي.  ومفهوم المخاتلة يفيد، في سياق الكتاب، استدماج النويات الإستيتيقية المائزة لأجناس غير سردية في الرواية والقصة أو السيرة، التي تنفرز عن التداخل بين السردي والشعري (شعرية السرد)، أو بين السيري والروائي، أو بين السردي والنقدي الأكاديمي أو الميتا- سرد...، كما تتحدد في التباس مفهوم الذات في المنجز السردي التجريبي، وتحولات الهوامش إلى مراكز حيث يبئر السرد على حكايات المهمشين في محاولتهم الانفلات، ولو عن طريق الخدعة والتمثيل الدرامي، من ربقة المركز والمؤسسة اللذين يتحكمان في حيواتهم ومصائرهم.

وتحاول القراءات المتضمنة في الكتاب الكشف عن تجليات المخاتلة في الأنساق السردية الحديثة في أضمومات: (عزف منفرد على إيقاع البتر) للقاص والروائي عبد الحميد الغرباوي، (اعتقال الغابة في زجاجة) للقاص أنيس الرافعي، (سيمفونية النوارس) للقاص محمد معتصم، (سرقات صغيرة) للروائي والقاص الكويتي طالب الرفاعي، و(لياليّ على الرصيف) للقاص والشاذر السعودي محمد آل فاضل.

937-abdulrazaqوفي الرواية حاولت الدراسات تقديم قراءة جديدة في رواية (كان وأخواتها) للباحث والروائي عبد القادر الشاوي، تتغيا الخروج بها من القراءة الأيديولوجية التي جعلتها، فقط، رواية مؤسسة لأدب السجون في المغرب. واستغوار حضور الذات وأشكال التداخل النصيّ في رواية (سوق النساء) لجمال بوطيب، فضلا عن تمظهرات التباس المتخيل في رواية (امرأة النسيان) لمحمد برادة، وبناء التخييل المركب من حبكات سابقة وحكايات أمازيغية في رواية (نوميديا) للروائي طارق بكاري. بالإضافة إلى مستويات حضور الهامش  ومنافحته المركز في روايات (زاوية العميان) لحسن رياض، (نيران شقيقة) لحسن الرموتي، (إصرار) لبوشعيب الساوري. مع محاولة الكشف عن البعد التمثيلي للواقع في روايات معاصرة، كإشكال الفحولة الاجتماعية والهوية وإعادة قراءة التاريخ وتجديد الأنساق السردية ومنافحة سلطة المؤسسة في روايات: (الملهمات) لفاتحة مرشيد، (ساق البامبو) لسعود السنعوسي، (تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية) لعبد الرحيم الحبيبي، (القوس والفراشة) لمحمد الأشعري، (في الهنا) لطالب الرفاعي، و(دوائر الساحل) لمحمد غرناط. وتنتهي المقاربات برصد التداخل بين التخييلي والمرجعي، وبين السردي والشعري في محكيّ السفر في نصين رحليين هما: (كتاب الأيام) للروائي والباحث شعيب حليفي و(عين وجناح) للشاعر والرحالة العماني محمد الحارثي.

وهي دراسات متضمنة في أربعة أقسام هي: 

- القسم الأول: تجديد البنيات والوعي في القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا

- القسم الثاني: المتخيل الملتبس ومخاتلات الهامش

- القسم الثالث: قضايا ثقافية في الروايات المعاصرة

- القسم الرابع: تجديد الأنساق الفنية في محكيّ السفر

وعبد الرزاق المصباحي، هو أستاذ مبرز/ مكون في المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين/المغرب. وصدر له في سنة 2014 كتاب (النقد الثقافي : من النسق الثقافي إلى الرؤيا الثقافية).

 

 

jamil hamdaouiيتناول كتابنا (قراءات في الأدب التونسي الحديث والمعاصر) دراسات أدبية نقدية معاصرة في مجالات نصية وأجناسية مختلفة: الشعر، والرواية، والقصة القصيرة جدا. أما المسرح التونسي، فقد خصصنا له كتابا مستقلا بعنوان (المسرح التونسي بين التأسيس والتجريب).

ومن ثم، فقد بدأنا كتابنا المتواضع هذا بدراسة لسانيات التلفظ في قصيدة (نشيد الجبار) لأبي القاسم الشابي، بالتركيز على فرضية أساسية ألا وهي أن أبا القاسم الشابي لم يكن شاعرا رومانسيا منعزلا عن واقعه، بل كان مرتبطا به إلى أخمص قدميه حتى في قصائده الذاتية والوجدانية بالخصوص، كما يبدو ذلك جليا عبر آليات التلفظ اللساني.  وهذا ما تؤكده أيضا مقومات السياق التداولي،  وتثبته كذلك سمات الإندماج السيميائي قولا وتلفظا وتعبيرا.

وبعد ذلك، انتقلنا إلى دراسة واقع القصة القصيرة جدا متنا ومنهجا ورؤية، من خلال التوقف عند كتاب عبد الدائم السلامي) شعرية الواقع في القصة القصيرة جدا) الذي يعد من أفضل المؤلفات النقدية العربية في مجال القصة القصيرة جدا عمقا وتحليلا ومنهجا ونقدا. وقد ناقشنا الكتاب شكلا ودلالة ومنهجية، مع اقتراح المقاربة الميكروسردية بديلا منهجيا لتحليل القصة القصيرة جدا، إن شكلا، وإن دلالة، وإن وظيفة.

وفي الأخير، انتقلنا إلى دراسة رواية إبراهيم درغوثي( مجرد لعبة حظ) في ضوء المقاربة البنيوية السردية . وقد أدرجناها - تجنيسا وتنميطا- ضمن الرواية التراثية التأصيلية. لذا، تتبعناها  وصفا وتحليلا ونقدا، برصد مختلف مكوناتها المناصية والحكائية والخطابية.

و نرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في هذا الكتاب المتواضع، ويسدد خطانا، ويرشدنا إلى ما فيه صالحنا، ونستغفره عن هفواتنا وكبواتنا وأخطائنا وزلاتنا. كما نستسمح القراء الأفاضل عما في هذا الكتاب من نقص، وتقصير، وسهو، ونسيان. فالكمال والتمام من صفات سبحانه وتعالى جل شأنه وعلا، وماتوفيقي إلا بالله.

 

د. جميل حمداوي

........................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

قراءات في الأدب التونسي الحديـث والمعاصـر / د.جميل حمداوي

 

eljya ayshالمحلل السياسي د. عبد الرحمان جعفر الكناني: هذه أسئلة العصر التي لم تجب عنها مؤسسة "أمريكانالوجيا"

كيف تتحول الهواجس إلى طاقة تتيح للإنسان الشعور بأنه ليس عبئا على أنظمته المتهالكة أو مستهدفا من قبلها؟ سؤال طرحه الدكتور عبد الرحمن جعفر الكناني  وهو يتحدث عن الجيل الحالي، قال عنه أنه جيل هرم، يتآكل، قبرته حركة الحضارة الجديدة، وجعلت من مثواه الأخير شاهدا لأثر قديم، يعتني به المؤرخون الذين يجدون فيه اكتشافا تاريخيا يستحق البحث والتنقيب، تتناقل خصائصه الأجيال الآتية إنسانا كان يحيا بـتوازن الروح والموضوع، الذات والعقل، المادي والمحسوس، إنسان يتحرك، يفكر، ينتج، يتصارع ويتعالى بقيمتي التضحية والإيثار

يرى  الدكتور عبد الرحمن جعفر الكناني  وهو كاتب ومحلل عراقي ورئيس تحرير جريدة "الأمم العالمية" في دراسة أجراها حول "واقع الإنسان كجسم سياسي" أن البحث عن موقع الإنسان المعاصر في ظل المتغيرات الدولية وانبعاث الفكر الأمريكي الحديث الذي أحدث انقلابا جذريا على مستوى الحياة البشرية في كوكب الأرض قاطبة، متخلية عن شروطها الأخلاقية الإنسانية ومتجردة عن المبادئ لصالح ثقافة الاستهلاك التي أضحت عنوان الوجود الإنساني الراهن، حيث يصف العصر الماضي  بعصر المبادئ والمؤسسة والأمة، ببلوغ عصر “الإمبراطورية الأمريكية” السائر بخطى النمط الاستهلاكي الموحد للأجناس البشرية الخاضعة لهيمنة القطب الواحد، يرتفع فوق أنقاضه إنسان الشبكة العنكبوتية مجردا من المبادئ، فقد شخص الدكتور الكناني واقع الإنسان ككائن سياسي  مجلاد من الروح، التي بها يضمن وشرائط بقائه، وأراد الدكتور عبد الرحمن جعفر الكناني القول أن السياسة جعلت من الإنسان  ممسوخ الهوية،  فاقدا للروح الإنسانية، وهو كجسم سياسي  آخذ بالانهيار، فتنهار معه أركان أمة لا يبقي مجالا للإنسان في التعبير عن قيم " الانتماء للأرض والذات وتطبيق القوانين"،  فهذه المفاهيم كما قال  بدأت تتراجع أمام تطورات المجتمع الحديث.

الأسباب طبعا تعود إلى امتداد  شبكة الاتصالات  (هكذا يراها صاحب  الدراسة) فتعرض علاقة الإنسان بجسمه السياسي للمزاحمة من قبل كمٍّ هائل من الاتصالات المنتشرة خارج هذا الجسم، بشكل تبدو معه الأفكار والسياسة والقيم بعيدة كل البعد عن أي مبدأ منظم لحياة المجتمع.. الذي يحتاج الآن لأدوات جديدة في التحكم في مسيرة الحياة، ويشير الكناني انه بفضل شبكة الاتصالات بدأ الإنسان  يتقدم  شيئا فشيئا نحو العصر الجديد، لكن يتقدم وهو مجرد من كل سلاح تقدمي، أو رؤية حضارية  تعبر عن خصائصه كإنسان، ومن خلالها يتمكن من إشغال ذلك العصر الذي لا يمنحه صفة الامتياز في خارطة الإنسانية الحديثة.. الإنسان أشبه بتلك الآلة التي اعتادت التسارع في حركتها دون توقف لا وقت لها للتفكير أو التأمل.. أضحت مدججة بآلات الاتصال الفضائية التي تختصر في جهازها العالم.. فمن لا يحمل هاتفا محمولا الآن؟!، ويربط الدكتور جعفر الكناني علاقة " تحت والآخر" بما يحدث في الخريطة السياسية، لم يعد فيها البحث عن أمور تخص "الأنا" لأن شبكة الاتصال خلقت عالما افتراضيا، لا يهم أن نعرف مع من تتحدث، بقدر معرفة  ما يدور من حديث  بين الطرف والطرف الآخر، ذلك هو السؤال المعاصر المتداول في ظل حركة البشر الهائلة، التي نصاب في زحمتها بصداع لا يرحم- يضيف الدكتور جعفر الكناني-،  لأن السياسة أو أفكارها لم تعد تشغلنا، والديمقراطية حلم تجاوزناه قبل أن نبلغه.

ويرى صاحب الدراسة أن الاستلاب الفعلي لحقوق الإنسان في العالم العربي، معضلة  غفلنا التصدي لها.. ونحن نسعى لبناء عصري، والإستلاب استمر منذ حقب استعمارية متوارثة، جردت الإنسانية من خصائصها الذاتية فما عاد له أي للإنسان ميزان ثابت للحق الإنساني أو تقليد اجتماعي لممارسته، فلا يمكن للإنسان الحديث أن ينهض في عملية البناء وهو مسلوب الإرادة وبطاقة هامشية معطلة، وعلى حد قوله هو فإن  روح العصر بقدر تأسيسها الجذري على قاعدة المعرفة والعلم تتشكل اليوم من نزوع متحرر يخرج المرء من عزلته ويتيح له تحويل هذا الهاجس المحصور في صدره إلى طاقة إبداع قوة لجوجة ينبغي أن تأخذ مداها في جميع القنوات والصيغ التي تتيح للإنسان أن يشعر أنه لم يعد عبئا على أنظمته المتهالكة أو مستهدفا من قبلها.. وأنه ليس طارئا.. انه لبنة في الأمن الإنساني، ولذا فهو يرى  أن  الصراع والحوار كنموذج لحضارة راهنة هما طرفا قانون المواجهة، كيف ذلك؟ يجيب بالقول أن  الصراع والحوار..الذي يحكم العلاقة بين النموذج الحضاري الغربي وبين وضعنا الراهن.. القائم على أنقاض حضارات إنسانية منهارة لم نرث غير مضامينها المعنوية التي لا يمكن إعادة صيغتها كفعل حضاري متجدد..، فالنموذج الغربي يصادر كل ما هو عام وإنساني، ويزينه باعتباره خصوصية تميزه، ولم ينقطع عن مصادرة القيم الحضارية والإنسانية ويفرغها من محتواها..، لكن الازدواجية في النموذج الغربي تفضح ذاتها لأنها تستغل الفارق الكبير في التطور الذي يفصل الغرب عن المجتمعات الأخرى وهو يروج لمضامينه كرمز أحادي لحضارة العصر.. ومرجع مطلق لها.

و قد اعتمد الدكتور جعفر الكناني في دراسته على نظرية المفكر الأوروبي جان ماري جوينو الذي بيّن كيف يمارس العالم الامبريالي العنف في مسافة بمزيج من ادعاء سذاجة الإنسان الطيب والوحشية الضارية، وباقترابنا من صور ما حدث نجد الموتى العراقيين الذين لم يعد يظهر عنهم سوى إحصاءات متلبسة، ونجد الحرب وكأنها لعبة من ألعاب الفيديو، فلم نكن حتى بحاجة لأن نبغضها، ونجد حكوماتنا المعنية مكرسة لتعبئة الرأي العام الغربي خلال كل فترة صراع، فنحن لم يكن لدينا استعداد للضحية ولا للكراهية وللمرة الأولى في تاريخ الحروب نجد القادة العسكريين الذين استوعبوا درس فيتنام يولون أهمية كبيرة لتنظيم الرأي العام الشعبي والمدركات الجماعية التي لديه عن المعارك،

النتيجة التي خرجت بها الدراسة هي أنها كشفت عيوب  النموذج الغربي الذي  ينطوي أساسا على شكل "كاذب" يحمل في مضامينه قسوة همجية تدفعه باتجاهين متناقضين: الأول يكمن في شفافية إنسانية ظاهرة شكلا، والثاني في  ممارسة البطش والسيطرة والاستبداد والاستغلال والاستعلاء، ذلك هو عمق الخلل الأخلاقي داخل التجربة الغربية التي جعلت من التقدم المادي وسيلة لنسف الخصائص الإنسانية وضرب القيم المعنوية والروحية في العلاقات البشرية،  وإن الاتجاه الغربي نحو استخدام التقدم التكنولوجي كورقة ضغط على العالم، يعبر عن انسجامه مع نموذجه الحضاري الذي يجعل من الإنسان مجرد آلة يتحكم هو بحركتها ودورانها تبعا لأهوائه ومصالحه واتجاهاته، إن الحقيقة تكمن في وجود مشروع أمريكي للهيمنة، دخل فعلا مراحل طور البناء تدعمه الصهيونية العالمية ويدعو إلى استنزاف العالم، وتفتيت الوطن العربي..

فالذي يجري هو إرهاب تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية ضد كل من يسعى إلى بلورة رؤية نقدية معارضة لمحاولات الهيمنة الأمريكية على العالم وسياسة عربدة القوة والقمع الأخلاق الأمريكية المزدوجة التي تشجع وتدعم الإرهاب الصهيوني وإرهاب الدول التي تدور في فلكها.. ثم تعتبر مواجهة الاحتلال وممارسات القوة الغاشمة إرهابا!!، ويستخدم هذا المشروع أحدث الوسائل المعاصرة في تنفيذه وترويجه، وهو ينطلق من أن منطق القوة هو الأساس في دفع العالم للخوف واليأس والاستسلام.. وهذا ما يجعل الوعي بحقيقة التوجهات الأمريكية يشكل نقطة البداية الصحيحة لرفع مستوى مواجهتها عبر التأكد على الإيمان بالقيم والثقة بالنفس ووضع الإمكانات المتاحة في طريقها الصحيح..، ولعل ذلك من شأنه إرباك السياسة الأمريكية وكشف تناقضاتها وإثبات فشلها..، وفي غياب حصانة المجتمعات ومناعتها..، يتحتم طرح الأسئلة الجوهرية حول الإنسان من جديد.. (الإنسان من هو؟ هل هو الحيوان الأكثر تطورا على وجه الأرض، أن هو  الحيوان الناطق،  المدرك؟  الحيوان الذي يدفن موتاه؟ أم هو المخلوق الوحيد القادر على إحداث تراكم متواصل من المعرفة التي يعتمدها في بناء حضارة ؟!، إنها أسئلة العصر التي لم تجب عنها مؤسسة "أمريكانالوجيا".

 

قراءة علجية عيش

 

 

diaa nafieصدر في مدينة قازان – عاصمة تتارستان في دولة روسيا الاتحادية كتاب بثلاث لغات، وهي - ( الروسية والتتارية والعربية) عن رحلة احمد بن فضلان الشهيرة  في القرن العاشرالميلادي . أصدرت الكتاب دار نشر (سلوفه) (الكلمة) عام 2013، و يقع هذا الكتاب في (511) صفحة من القطع الكبير، وقد صدر بطباعة جميلة وترفة جدا وبتصميم مهيب بكل ما تحمل هذه الكلمات من معنى . مؤلف الكتاب – باحث تتارستاني كبير ومشهور ومعاصر هو أنور خيري، واسمه الكامل بالروسية  - (أنور نازيبوفيتش خيرولين). هذا الباحث مجهول تماما للقارئ العربي مع الاسف الشديد، رغم انه يعد من أشهر العلماء والباحثين المتخصصين في تتارستان  في الوقت الحاضر - (أصدر  ثلاثة وثمانين كتابا، ونشر في الصحف والمجلات التتارستانية  والروسية  حوالي 800 مقالة وبحثا، وحاز على عدة مداليات واوسمة وجوائز تكريمية في جمهورية  تتارستان خصوصا،  وفي روسيا الاتحادية عموما، و منها على سبيل المثال وليس الحصر الميدالية الذهبية في تتارستان والشهادة الفخرية لحركة التراث الاسلامي الروسي وغيرها ... ).

لقد كتب انور خيري في بداية اصداره هذا عن ابن فضلان ثلاث كلمات قصيرة، اولها، انه يهدي كتابه هذا الى مدرسٌتة التي قامت بتدريسه اللغة العربية في جامعة قازان  والتي (أخذت بيدي وأوصلتني الى عالم الكتب العربية الساحر)، والكلمة الثانية هي تعبير عن شكره الى رئيس جمهورية تتارستان على تبنيه لهذا الكتاب وتمويل طبعه بهذا الشكل المتميز والجميل ( لاحظوا كم هو رائع هذا التسلسل -  الشكر للمعلم اولا ولرئيس الجمهورية ثانيا!)، والكلمة الثالثة هي مقطع من بحث كتبه غوميليوف، العالم المتخصص في تاريخ الشرق وحضارته، وهو ابن الشاعرة الروسية المعروفة آنٌا أخماتوفا من زوجها الاول الشاعر غوميليوف ( انظر مقالتنا بعنوان غوميليوف الشاعر الروسي المخضرم)، والتي يشير فيها الباحث الى خطورة تلك المفاهيم الخاطئة بشكل متعمد والمتراكمة عبر زمن طويل حول ثقافات الشعوب الشرقية بشكل عام، والتي جاء بها وثبتٌها ونشرها على نطاق واسع اعداء تلك الثقافات في اوربا الغربية بالاساس وعلى مدى سنوات عديدة.

يشير المؤلف في مقدمة هذا الكتاب الى ان رحلة ابن فضلان قد تم نشرها باللغة الروسية لاول مرة  في الاتحاد السوفيتي عام 1939 باشراف المستشرق الاكاديمي المشهور كراتشكوفسكي بعنوان – (رحلة ابن فضلان الى الفولغا)، ثم اعيد نشرها مرة اخرى عام 1956 بعنوان – (كتاب أحمد بن فضلان عن رحلته الى الفولغا في سنتي 921- 922 ). يؤكد انور خيري في مقدمته تلك الى ان كل الذين ساهموا بترجمة هذا الكتاب الى الروسية وبطبعتيه الاولى والثانية  قد حرٌفوا وشوٌهوا بعض فقراته وكتبوا هوامش توضيحية خاطئة او ناقصة او غير دقيقة للنص العربي، وذلك لانهم كانوا ينطلقون من مواقف ايديولوجية محددة، وبالتالي فانهم أخضعوا هذا المصدر التاريخي المهم لوجهات نظرهم تلك وعلى وفق تلك المنطلقات الايديولوجية، وقد انعكس ذلك حتى على عنوان الكتاب نفسه، والذي نشره  انور خيري في الصفحة الاولى لكتابه وكما يأتي – (سرد عن رحلة احمد بن فضلان الى دولة البلغار، والتي كتبها اثناء سفرته في عامي 921- 922)، ومن الواضح تماما الفرق بين العنوانين . لقد وصل الباحث الى استنتاج مهم جدا وهو ان كتاب ابن فضلان لم يتم ترجمته الى اللغة الروسية بشكل صحيح وعلى وفق المتطلبات العلمية الدقيقة للنص الاصلي، وهذا الاستنتاج يشمل ايضا الهوامش والتعليقات التي جاءت مرافقة لتلك الترجمات . وعلى هذا الاساس، فقد نشر خيري في كتابه المذكور نص المخطوطة الكامل التي وجدوها في مشهد عام 1924، وكذلك النص العربي الكامل مطبوعا  على الكمبيوتر، ثم الترجمات المختلفة باللغة الروسية، ثم ترجمة انور خيري نفسه الى الروسية، ثم الهوامش والتعليقات عليها، ثم قاموس بثلاث لغات هي التتارية والروسية والعربية لكافة التسميات والمصطلحات التي جاءت عند ابن فضلان بالنص العربي، ثم نص القسم الاول من كتاب (مستفاد الاخبار في احوال قزان وبلغار) للمرجاني باللغة التتارية، والذي أشار الى كتاب ابن فضلان، ثم ترجمة ذلك الفصل الى اللغة الروسية، ثم صورة لمخطوطة باللغة التتارية لترجمة كتاب ابن فضلان  قام بها رضا الدين فخر الدين، والمحفوظة في ارشيف معهد التاريخ واللغة والادب في مدينة (اوفا)، وهو معهد تابع لاكاديمية العلوم الروسية، ثم الترجمة الروسية  لتلك المخطوطة، ثم صور متنوعة تقع في 16 صفحة بالالوان وتضم لوحات رائعة لكتاب ابن فضلان والمدن والشخصيات التي وردت في الكتاب، وكذلك صورا متنوعة لغلاف هذا الكتاب بلغات متعددة ومنها طبعا غلاف الطبعة التي أصدرها المجمع العلمي العربي بدمشق، والتي حققها وعلق عليها وقدم لها الدكتور سامي الدهان – عضو المجمع العلمي العربي بدمشق والتي جاءت بعنوان -

 (رسالة ابن فضلان / احمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حمٌاد / في وصف الرحلة الى بلاد الترك والخزر والروس والصقالبة / سنة 309 ه – 921 م/ )، ثم تاتي قائمة المصادر التي اعتمدها الباحث في كتابه هذا وتقع في 8 صفحات  وتضم مجموعة هائلة من الكتب و المعاجم والموسوعات العالمية،  ويختتم انور خيري كتابه هذا بخلاصة مختصرة وجيزة باللغة الانكليزية تقع في 4 صفحات تتحدث عن مجمل ما جاء في هذا الكتاب.

يعجز القارئ لهذا الكتاب عن وصفه والحديث عن علميته وموضوعيته وشموليته  والجهود الهائلة التي بذلها هذا العالم الجليل لاخراجه وتقديمه للقراء ، وكم اتمنى ان ينتبه الى هذا الجهد الموسوعي علماء التاريخ العربي في عالمنا العربي الواسع، وكم اتمنى ايضا ان يأخذ المجمع العلمي العراقي (وبقية المجامع العلمية العربية) هذا الكتاب بنظر الاعتبار وان يتم الاتصال بالمؤلف وعقد الندوات المشتركة حول هذه المحاولة ذات الابعاد العلمية العميقة الغور في تراثنا، والتي تمتلك اهمية قصوى في حاضرنا الثقافي المعاصر ايضا .

تحية للعالم التتارستاني الجليل العلامة انور خيري، وشكرنا له، واعتزازنا بهذا الكتاب الموسوعي الكبير حول رحلة أحمد بن فضلان.

 

938-wahabصدرت للشاعر العراقي وهاب شريف مجموعته الشعرية الجديدة "تأويلات قميص فلسفة ربطة عنق" عن دار الكوثر للطباعة والنشر في النجف الأشرف تحتوي على تسعين قصيدة كتبها الشاعر خلال السنوات 2014 / 2015 / 2016 وتقع في 280 صفحة من القطع المتوسط .

938-wahabسبق للشاعر أن أصدر المجموعات الشعرية التالية خلال 33 سنة بين 1983إلى 2016 : إشراقات الحب الأول / الأمل العاشق / مرافيء للعشق بحر للكآبة / أوراق العشق / ليس لي / رسائل من دفتر القلب / كهرباء لرقة صديقتي / خسائر جميلة / الجمر يبتكر المسرّة / المرح المر / ماجدوى ما يقوله عرّاف آخر / قصائد من وهاب شريف / تفسير الأحزان /  شاعر بما يجري / سيم كارت رومانسي .

 

jamil hamdaouiيعد التراث من أهم المفاهيم والقضايا التي انشغل بها الفكر العربي الحديث والمعاصر منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وما يزال النقاش حول التراث مستمرا إلى يومنا هذا، بطرح مفاهيمه ومصطلحاته الإجرائية، ورصد قضاياه الفكرية والمنهجية، وإبراز إشكالياته العويصة رؤية وموضوعا ومنهجا. ويظهر ذلك ، بشكل واضح، في مختلف حقول العلوم الإنسانية، و مجالات المعرفة الأدبية والفنية والفكرية نظرا لأهمية التراث العربي الإسلامي في بناء الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة معرفيا وفكريا وتصوريا، ومدى دوره الكبير في الحفاظ على الهوية والذات والكينونة الوجودية. وكذلك نظرا لبعده الإستراتيجي في تحديد الانطلاقة الصحيحة من أجل تحقيق المشروع المستقبلي، بتشييد حداثة عقلانية متنورة، بترسيخ ثقافة عربية أصيلة ومعاصرة. ومن ثم، لن يتحقق ذلك إلا بالعودة إلى التراث العربي الإسلامي لغربلته من جديد، ونقد مواقفه فهما وتفسيرا بغية استكشاف المواقف الإيديولوجية الإيجابية لمواجهة الاستعمار من جهة، ومحاربة التخلف من جهة ثانية، وتقويض النزعة المركزية الأوروبية من جهة ثالثة.

هذا، ويمكن الحديث عن قراءات متعددة للتراث العربي الإسلامي منها: القراءة التراثية التقليدية كما عند العلماء السلفيين، وهم خريجو الجوامع الإسلامية (الأزهر- جامع القرويين-الزيتونة)؛ والقراءة الاستشراقية التي نجدها عند المستشرقين الغربيين من ناحية، والمفكرين العرب التابعين لهم توجها ورؤية ومنهجا من ناحية أخرى؛ والقراءة التاريخانية كما عند المفكر المغربي عبد الله العروي؛ والقراءة السيميائية كما عند محمد مفتاح وعبد الفتاح كليطو...؛ والقراءة التفكيكية كما عند عبد الله الغذامي وعبد الكبير الخطيبي...؛ والقراءة التأويلية كما عند نصر أبو زيد ومصطفى ناصف...؛ والقراءة البنيوية التكوينية كما عند محمد عابد الجابري؛ والقراءة التداولية كما عند طه عبد الرحمن...

وعلى الرغم من تعدد القراءات والمقاربات المنهجية في التعامل مع التراث العربي الإسلامي، فإنها قراءات نسبية، تحمل في طياتها نقطا إيجابية من ناحية، ونقطا سلبية من ناحية أخرى. وتحوي أيضا ، في منظومتها الفكرية والنظرية والتطبيقية، أبعادا إيديولوجية مختلفة، ومقاصد مرجعية متباينة. وبعد ذلك، تصل هذه القراءات أو المنهجيات، بشكل من الأشكال، إلى حقائق احتمالية ونتائج نسبية، تختلف من قارئ إلى آخر.إذاً، ما التراث لغة واصطلاحا؟ وما بدايات التفكير في التراث؟ وما نظرياته الكلاسيكية والمعاصرة تصورا ورؤية ومنهجا؟ وما خصوصيات هذه القراءات المتنوعة؟ وما مميزاتها المعرفية والمنهجية؟ وما أهم المآخذ التي يمكن الخروج بها أثناء غربلة هذه النظريات والتصورات الفكرية والفلسفية، من خلال التوقف عند أنموذجين هما محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن؟

هذا ماسوف نرصده في كتابنا هذا الذي عنوناه بـ(قراءات في التراث العربي- الإسلامي)، على أساس أن هناك نوعين من القراءة للتراث الإسلامي: قراءة كلاسيكية حديثة، أو ما يسمى بالفكر الإسلامي الحديث الذي ظهر مع عصر النهضة؛ وقراءة معاصرة حداثية  التي توسلت بمناهج نقدية وفكرية وفلسفية معاصرة في قراءة التراث وتقويمه.

وأرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، وأشكر الله شكرا جزيلا على نعمه الكثيرة،  وأحمده على علمه وصحته وفضائله التي لاتعد ولا تحصى.

 

د. جميل حمداوي

..................................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

قراءات في التراث العربي – الإسلامي / د. جميل حمداوي

 

moamar habarمازلت الآن بصدد قراءة كتاب..

 

Edouard LAPENE , "  VINGT – SIX MOIS A BOUGIE " , EDITIONS TALATIKIT, Bejaia , ALGERIE, 2014 , 237 Pages

ومنذ 4 أشهر، أنهيت قراءة الكتب التاريخية الفرنسية التالية، بالإضافة إلى كتب أخرى في نفس السياق لا يحضرني الآن إسمها، وهي..

  ARNOLD VAN GENEEP, « EN Algérie »  Paris, 220 pages، 1911 – 1912،

EUGENE PLANTET "  LES CONSULS DE FRANCE A ALGER , AVANT LA CONQUETE 1579-1830 " , ALEM EL AFKAR , ALGERIE, 88 pages.

وما يريد القارئ المتتبع أن يشير إليه من وما خلال هذه المقال، أن هؤلاء الفرنسيين عاشوا في الجزائر أياما معدودات..

الأول عاش عامين وشهرين. والثاني عاش 5 أشهر. والثالث حضر إحتفالات مرور مائة عام على إستدمار الجزائر. ورغم ذلك كتبوا عن تلك الأيام المعدودات التي قضوها في الجزائر.

وليس هذا مقام التحدث عن محتوى كتبهم التي تمجد الاستدمار الفرنسي، ويدعون إلى الاستدمار المطلق للجزائر، فقد تطرق صاحب الأسطر للكتابين الثاني والثالث عبر 3 مقالات بعنوان ..

" الجزائر.. كما يصفها فرنسي سنة 1911 " و "  قناصل فرنسا بالجزائر .. غزو واستدمار" و " قناصل فرنسا بالجزائر .. أسرى فرنسيين، وهدايا فرنسية، وحملات صليبية"، وهو الآن بصدد قراءة الكتاب الأول.

هؤلاء الفرنسيين وغيرهم أصبحوا مراجع في كتابة التاريخ الجزائري، ولا يمكن الاستغناء عنهم حين التطرق لتلك المراحل المختلف من تاريخ الجزائر، الذين عاشوه لأيام ودونوه حتى أصبحوا مراجع، بغض النظر عن محتوى أيامهم التي دونوها.

إن الذي يتكاسل عن الكتابة عن أيامه وتدوين الأحداث التي تحيط به في حينها، لايحق له بحال أن يطالب المستدمر المغتصب أن يكون رفيقا بتاريخه، وأمينا بإرثه، ومخلصا لزعمائه، وراعيا لعرضه وأرضه.

وللتدليل على خطورة عدم تدوين الأيام والرحلات، يكفي أن صاحب الأسطر يير إلى أنه خلال شهر رمضان لهذا العام 1437هـ، أنهى قراءة كتاب "رحلتي إلى الأقطار الإسلامية"، لسيّدنا إمام البيان محمد البشير الإبراهيمي، رحمة الله عليه ورضي الله عنه وأرضاه. يتحدث فيه وباختصار شديد لا يفي بالغرض، عن رحلة الإمام سنة 1371هـ - 1952، إلى..

القاهرة، وكراتشي، والبصرة، وبغداد، والموصل، وسرنسق بالعراق، وأربيل والمدن الشيعية، والمملكة العربية السعودية، وبيروت، وباكستان.

وجاء في الكتاب أن الإمام لم يكتب رحلاته رغم أنها كثيرة عديدة، وكان في كل مرة يؤجل كتابتها إلى أن لقي ربه دون أن يدونها. ويبقى القارئ المتتبع يتساءل..

لماذا سيّدنا البشير الإبراهيمي لم يكتب رحلاته، وهو آيت من آيات الله في الأدب واللغة وحسن البيان.

ولست على إستعداد أن أجد لسيّدي الإبراهيمي أيّ عذر من الأعذار لعدم كتابة رحلاته. وما كان له أن يمتنع عن كتابتها ويحرم الجزائر والأمة من سحر بيانه، وروعة حبره. وهذا العتاب أوجهه أيضا لكل..

علماء الجزائر، وفقهائها، وأساتذتها، وأئمتها، ومؤرخيها، وسفرائها، ودبلوماسييها، وساستها، وقادتها، وكتابها، وشعرائها، وفنانيها، الذين لم يدونوا رحلاتهم وحرموا الجزائر والأمة الإسلامية من وثيقة تاريخية ترسم الزمان، وتصف المكان ، وتكشف عن معادن الأشخاص والإنسان.

حب القارىء المتتبع لإمام البيان محمد البشير الإبراهيمي – كعينة ومثال - ومتابعة ما خط وكتب، لا يمنعه أبدا من توجيه اللوم له لعدم تدوين رحلاته، وهو الذي أوتي أسرار لغة الضاد.

المطلوب إذن من كل واحد قادر على الكتابة أن يدوّن أيامه بالقدر الذي تسمح به ظروفه، لأنها ستكون بعد مرور الأيام مرجعا للأبناء والأحفاد في معرفة تفاصيل الشخص، والمكان، والحادثة، والتواريخ، والأرقام، والعلاقات. وتلك عملية لا تحتاج لكثير من الجهد، وإن كانت تتطلب مثابرة ومداومة. وليس عيبا أن يستعين المرء الذي لايحسن الكتابة  بمن يحسن الكتابة وحسن التعبير في سبيل تدوين أيامه التي تعتبر نافذة للوقوف على فترة من الزمن الحاضر، والتي ستتحول إلى ماضي يدرس ويعود إليه الأبناء وأهل الإختصاص، كلما دعت الضرورة إلى ذلك.

 

jamil hamdaouiيعد البشير خريف (1917-1983م) من أهم الروائيين التونسيين الذين أرسوا دعائم الرواية التونسية إلى جانب مجموعة من الروائيين الآخرين، كمحمد العروسي المطوي، وعبد الحميد منيف، ومحمد رشاد الحمزاوي، وعلي الدوعاجي، وعبد العزيز السعداوي، ومحمد بيرم التونسي، وعبد الكريم الحناشي، وحمودة الشريف، ومصطفى الفارسي، وعبد المجيد العطية، وسالم السويسي، ومحمد سعيد القطاري، ومحمد صالح الجابري، وعبد الرحمن عمار، وعبد القادر بن الحاج نصر، ومحمد المختار جنات، ومحمد الصبحي الحاجي، وعبد القادر بن الشيخ، ومحي الدين بن خليفة، ومحسن بن ضياف، ومحمد الحبيب بن سالم، ومحمود المسعدي، ومحمد بن عاشور، وعبد الرحمن عبيد، ومحمد الهادي بن صالح، ومحمد العابد مزالي، ومحمد الحبيب إبراهيم، ويحيى محمد، وأحمد العش، وعمر بن سالم، وصالح عكاشة، وعلي سعد الله، ومصطفى المدائني، ومحمد الباردي، وعمر بن سالم، والبشير بن سلامة، وزكية عبد القادر، وأحمد الكسراوي، وعبد الصمد زايد، ومحفوظ الزعيبي، وجمال الدين بوريقة، وهشام القروي، وحسن نصر، وإسماعيل بوسروال، وصلاح الدين بوجاه، وعروسية النالوتي، وفرج الحوار، ومحمد كمون، والناصر التومي، ومحمد رضا الكافي، وأحمد الحباسي، ومحمد الناصر النفزاوي، ويوسف رزوقة، وحسنين بن عمو، والحبيب السالمي، وعبد الجبار الشريف، وخليفة لطيف، وعبد الرحمن قيمة، وزهرة الجلاصي، وخالد الشريقي، ومحمد رشاد الحمزاوي، ومحمد رضا الكافي، ويحي محمد، وحسن بن عثمان، وصالح الحاجة، ومحمد علي اليوسفي، وإبراهيم درغوثي، وزاغر حفناوي، وفضيلة الشابي، ومحمد طرشونة، ونتيلة التباينية، وآمال مختار، ومحمد حيزي، والأخضر التابعي، ورضوان الكوني، ومحمود بلعيد، وحياة بن الشيخ، ويوسف عبد العاطي، وحسونة المصباحي، وحافظ محفوظ، ومحسن بن ضياف، وحافظ الجديد، وعلي دب، والمختار المقداد، ونور الدين بنخود، وحسين القهواجي، ونور الدين العلوي، ومحمد علي اليوسفي، وعمر سويد، وعبد الواحد براهم، وعبد الكريم فيلالي، وأبو بكر مسعودة، وآسيا السخيري، وأحمد بوزيد، والصادق الوكيل، ومحمد علي الشحيمي، ومصطفى كيلاني، وحفيظة القاسمي، وصالح الدمس، وعماد سلطان، وعبد الوهاب الطريقي، والطاهر قيقة، وعمر الغدامسي، وعمر السعيدي، وتوفيق يوسف عواد، ومحمود عبد المولى، وعبد السلام المسدي، ومحمد خريف، وسمير العيادي...

ويتفرد البشير خريف عن هؤلاء الروائيين باستخدام لغة عامية خاصة هي اللغة الجريدية، أو لغة جنوب تونس. كما يتميز بكونه مؤرخا صادقا لبيئته الجريدية منذ دخول المستعمر الفرنسي إلى حين استقلال البلاد. 

وقد ترك البشير خريف مجموعة من الأعمال الإبداعية الأدبية الشاهدة على منحاه الفني والجمالي. ومن أهم رواياته(برق الليل)(1960م)، و( إفلاس أو حبك درباني )(1980م)، و(بلارة) (1992م)، ومجموعته القصصية( مشموم الفل)(1971م)  .

وعليه، فقد ظل البشير خريف من الروائيين المتميزين في تونس برؤيته الواقعية الاجتماعية. ومافتئ يعد من ألمع كتاب بلده  باهتمامه الخاص بكتابة رواية الفلاحين والعمال، وتوظيفه للغة الجريدية، وتشغيل الوصف الاستقصائي التفصيلي في كثير من الأحيان، والتأنق فيه سردا وتقويما وتعقيبا. وهذا كله من أجل التأريخ والتوثيق التسجيلي والواقعي، وتقديم رؤية إنسانية متكاملة شاهدة على تطور تونس الحديثة.

ومن باب الإضافة، يمكن تقسيم الرواية التونسية إلى ثلاثة اتجاهات فنية وجمالية كبرى:

1- الرواية الكلاسيكية بأبعادها الواقعية والاجتماعية والتاريخية والرومانسية؛

2- الرواية التجريبية ذات النمط الحداثي الانزياحي؛

3-  الرواية التأصيلية  ذات المنحى التراثي.

وسنقدم ، في هذه الدراسة الأدبية والنقدية، نظرة عامة إلى مكونات الوصف في رواية (الدقلة في عراجينها)، مع دراسة عناصره البنيوية والمورفولوجية، وتبيان طبيعته التركيبية، وتنميط أنواعه وأصنافه، وتوضيح معطياته الدلالية ، وتبيان مقاصده الوظيفية.

 

د. جميل حمداوي

.................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

بنية الوصف في الرواية التونسية / د. جميل حمداوي

 

jamil hamdaouiظل المسرح الجزائري، لمدة طويلة،  عالة على المسرح الغربي، ولاسيما الفرنسي منه، نظرية، واقتباسا، وترجمة، واستنباتا، وإعدادا، وتأليفا، وتأثيثا، وتشخيصا، وإخراجا، ورصدا. بعد أن تعرف هذا المسرح التليد- قبل ذلك- إلى المسرح الأمازيغي من جهة أولى، ومسرح الكاراكوز إبان الحكم العثماني من جهة ثانية. بيد أن هذا المسرح العربي الفطري الأصيل القائم على الكراكوز والراوي والمقلداتي والمداح والمهرج لم يستمر في تقديم عروضه بسبب منع المستعمر له منذ سنة 1843م، وتعويضه بالبناية الإيطالية المغلقة منذ الخمسينيات من القرن التاسع عشر الميلادي . وبالتالي، فقد قدم المسرح الوطني الجزائري، منذ نشأته وتأسيسه وتطوره، معظم ريبرتواره الدرامي المتنوع، من حيث القضايا والأشكال والتجارب، داخل البنايات المسرحية المغلقة التي أوجدها المستعمر الفرنسي. لذا، ولدت الفرجة المسرحية الجزائرية مخنوقة بفعل ضيق البناية الإيطالية بجدرانها الأربعة، وكواليسها الخلفية، وآفاقها الهندسية المحدودة، وما وضعته من فواصل وحواجز حقيقية أو وهمية  بين الممثل والجمهور. لذا، جاء التفكير ، إبان مرحلة التجريب والتأصيل، في ضرورة التحرر من هذه البناية المسرحية المغلقة، بالانتقال بالفرجة المسرحية إلى فضاءات شعبية عامة ، أو تجريب أشكال فضائية جديدة، كالفضاء الدائري الذي يتشخص في مسرح الحلقة على سبيل الخصوص.

وإذا تأملنا المسرح الجزائري كما وكيفا، فلابد أن يلاحظ الدارس تأرجح المسرح الجزائري بين التغريب والتأصيل، والمزاوجة بين الفصحى والعامية المحلية، مع الانفتاح على اللغات الأجنبية الأخرى. أضف إلى ذلك استفادة هذا المسرح من مختلف الاتجاهات والتيارات المسرحية العالمية المعروفة تأسيسا وتثبيتا وتجريبا. لكن ما يميز هذا المسرح ارتباطه بالمنهج البريختي على مستوى الإخراج، والانطلاق من الرؤية التراثية والاحتفالية، والاعتماد على تقنيات التدريب لدى ستانسلافسكي، والاستفادة من المسرح الفقير لدى غروتوفسكي، والميل نحو المسرح الجدلي الثوري والملحمي، والاشتغال على الذاكرة التاريخية، والتناصية، والثورية ، والنضالية، والتحررية...

ومن جهة أخرى، يلاحظ  هيمنة الاقتباس والإعداد والترجمة والاستنبات على حساب التأليف المسرحي. ناهيك عن قلة النصوص المسرحية المطبوعة في الجزائر مقارنة بالمغرب، وتونس، وليبيا. والدليل على ذلك أنه لم يطبع من النصوص في الجزائر سوى أربع عشرة مسرحية من سنة 1960 إلى سنة 2003م. في حين، بلغ عدد المسرحيات المغربية المطبوعة منذ سنة 1933 إلى نهاية 2003م مائة وإحدى وستين مسرحية. وفي تونس، وصل العدد إلى ثلاث وخمسين إلى غاية 2003م. وهو العدد نفسه المطبوع في ليبيا . ويعد عبد القادر علولة، ومراد سنوسي، وأحسن ثليلاني، وعز الدين ميهوبي أكثر المبدعين الجزائريين إنتاجا في مجال المسرح .

أما النقد المسرحي الجزائري، فمازال إنتاجه ضئيلا مقارنة بالمغرب وتونس. ومن أهم كتبه المنشورة (ملامح عن المسرح الجزائري) لمخلوف بوكروح (1982م)، و(شروق المسرح الجزائري) لعلالو (1982م)، و(المسرح الجزائري : نشأته وتطوره) لأحمد بيوض(1989م)، و(دراسات في المسرح الجزائري) للرشيد بوشعير(1994م)، و(المسرح من الكواليس) لأحمد حمروش(1996م)، و(هوادج التراث ) لعبيدو باشا (1999م)،و(النص المسرحي في الأدب الجزائري) لعز الدين جلاوجي (2000م)، و(المسرح تاريخا ونضالا- المسرح الجزائري في عهديه الاحتلالي والاستقلالي-) لمحمد الطاهر فضلاء (2000م)، و(أربعون عاما على خشبة مسرح الهواة في الجزائر) لحفناوي بعلي (2002م)، و(المسرح والجمهور) لمخلوف بوكروح (2002م)،  و(الظواهر المسرحية في الجزائر) لإدريس قرقورة (2005م)، و(من ذاكرة المسرح الجزائري) لحسين نذير(2005م)،و(مسرح الفرجة والنضال في الجزائر) لأحمد منور (2005م)، و(المسرح في الجزائر) لصالح لمباركية (2005م)،  و(المسار المسرحي الجزائري إلى سنة 2000م) لنور الدين عمرون (2006م)، و( النص المسرحي في الأدب الجزائري) لعز الدين جلاوجي(2007م)، و(المسرح الجزائري والثورة التحريرية) لأحسن ثليلاني(2007م)، و(التراث في المسرح الجزائري) لإدريس قرقورة(2009م)، و(بريخت والمسرح الجزائري) للشريف الأدرع(2010م)، و(ملامح المسرح الجزائري) لجروة علاوة وهبي(2014م)، و(المسرح الجزائري بين الماضي والحاضر) لبوعلام رمضاني (د.ت)، و(المسرح الجزائري) لهنري كربا(د.ت)...

إذاً، كيف تطور المسرح في الجزائر؟ وما بداياته الأولى؟ وما تاريخ المسرح الجزائري في العصر الحديث؟ وما أهم التجارب المسرحية المتميزة فنيا وجماليا ودراميا؟ هذا ما سوف نتناوله في الفصول التالية من كتابنا هذا.

 

د. جميل حمداوي

...........................

للاطلاع على الكتاب كاملا في صحيفة المثقف

المسرح الجزائري بين الأمس واليوم / د. جميل حمداوي

 

jamil hamdaouiيقدم هذا الكتاب مجموعة من الدراسات والمحاضرات والدروس والأبحاث حول حضارة الأمازيغيين وثقافتهم المتنوعة على جميع الأصعدة والمستويات. وقد تناولنا، في هذا الكتاب، مجموعة من المحاور التي تتعلق بالإنسان الأمازيغي أصلا ونشأة واستقرارا وتاريخا. كما استكشفنا أصوله الجينيالوجية والوراثية. واستجلينا مكونات حضارته ماديا ومعنويا، بالتوقف عند حياته السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والدينية، والعلمية، والأدبية، والفنية . بالإضافة إلى رصد عاداته، وتقاليده، ولغته، وكتابته، وعمرانه...

ومن ثم، يتبين لنا ، بكل صراحة وحقيقة ، أن الحضارة الأمازيغية غنية بالدوال المادية واللغوية والسيميائية، تحتاج إلى من يفككها استقراء واستقصاء واستكشافا، ويركبها بناء وفهما وتفسيرا وتأويلا. علاوة على ذلك، فكثير من الناس يجهلون هذه الحضارة جملة وتفصيلا، ويحكمون عليها عن عمى وجهل وتقصير. في حين، ساهمت  الحضارة الأمازيغية في إثراء الحضارة الإنسانية بالشيء الكثير محليا، وجهويا، ووطنيا،وكونيا.

وينضاف إلى هذا أن الإنسان الأمازيغي أول من كتب الرواية (الحمار الذهبي لأفولاي- مثلا-)، وألف السيرة الذاتية (كتاب (الاعترافات) لأوغستان- مثلا-). وكان أيضا سباقا إلى إبداع الكتابة الأبجدية (تيفيناغ)، واستعمال العربة والجمل في معاركه وحروبه وتنقلاته، وكتابة الموسوعات العلمية والمعرفية. وقد ساهم أيضا في بناء الأهرام المصرية (شيشنق)، وكان أكثر تشبثا بالدين والعقيدة تمثلا وتأويلا واعتناقا(أريوس، وأوغستان، وأرنوبي، وتارتولي...)

وقد كان هذا الإنسان - كذلك- أكثر اهتماما بالآداب والعلوم والفنون (المسرح، والعمارة، والتشكيل، والرقص، والغناء، والموسيقا، والشعر، والخطابة، والبلاغة...)، إلى جانب عنايته بالفلاحة، والصناعة، والتجارة، والملاحة البحرية، والعمل العسكري، والاستكشاف الطبيعي (يوبا الثاني مثلا)...

وفي الأخير، أسأل الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع استحسانا لدى المتلقي. وأشكر الله وأحمده على علمه ونعمه وفضائله الكثيرة التي لا تعد، ولا تحصى.

 

د. جميل حمداوي

........................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

معالم الحضارة الأمازيغية / د. جميل حمداوي

 

hatam hamidmohsinفي هذا الكتاب يقدم المؤلف نظرية هامة حول الصراع داخل المجتمعات وفيما بينها. ورغم ان الكتاب نُشر عام 2005، لكنه لا يزال من الكتب القيمة اليوم، في وقت تبدو فيه الولايات المتحدة تعاني من كلا النوعين من الصراع.

احدى العبارات الملفتة في الكتاب كُتبت بعد وقت قصير من الاطاحة بصدام حسين في العراق ولكن قبل عدة سنوات من ظهور ما يسمى الدولة الاسلامية في العراق والشام:

نظرية الحدود ما بعد الاثنية، تتنبأ بان حماقة الغرب ستخلق في النهاية استجابة مضادة، ربما على شكل خلافة ثيوقراطية جديدة، لأن هذه هي الطريقة التقليدية التي استجابت بها المجتمعات الاسلامية للتحديات من جانب الحضارات الاخرى.

الكاتب يوضح المصطلح الذي صاغه ما بعد الاثنية "metaethnic" بالقول: الناس عادة لديهم هويات اثنية متعددة تتداخل مع بعضها البعض .. التجمع الاوسع من الناس الذي يوحد العديد من الامم هو عادة يسمى الحضارات، لكننا نفضل تسمية هذه الهويات بجماعات ما بعد الاثنية وهي مشتقة من الكلمة اليونانية (ميتا) وتعني ما وراء و(ايثوس) "الجماعة الاثنية"او "امة"... من حيث الاساس نجد الاختلافات الثقافية تكون اكبر بين الشعوب التي تنتمي لجماعات ما بعد اثنية مختلفة، احيانا تكون هذه الفجوة  كبيرة جدا لدرجة ينكر فيها الناس انسانية اولئك الذين هم في الجانب الآخر من مسائل الاختلافات الما بعد اثنية.

رغم ان هذا الوصف ربما مفهوم بداهة، لكنه يفتقر للاقناع الكافي.  كيف يمكن للمرء التمييز بين جماعة ما بعد اثنية و جماعة انسانية اخرى ليست من هذا الصنف . مصطلح آخر يستخدمه الكاتب هو العصبية التي ينسبها الى ابن خلدون. يذكر الكاتب

عصبية الجماعة هي مقدرة اعضاءها للالتصاق ببعضهم ليتعاونوا، انها تسمح للجماعة بحماية نفسها من الاعداء وفرض رغبتها على الآخرين. الجماعة ذات العصبية العالية سوف تكون هي الرابح  عندما تشتبك مع جماعة اقل عصبية.

يرى المؤلف ان العصبية تبرز عندما تكون الجماعة تحت التهديد، وعندما يصبح التهديد واضحا على الحدود بين جماعتين ما بعد اثنية. حينما يجد المجتمع ذاته على هذا الخط من الاختلاف فهو سيطور عصبية كافية ليبقى حيا، هذا المستوى من التماسك الداخلي يمكّن المجتمع ليتطور الى امبراطورية.

"من المغول في القرن 13 الى ميسوكوفتش muscovites في القرنين 16 و 17 ومن ثم لدى الامريكيين ... فان جميع بناة الامبراطوريات.. امتلكوا قدرة عالية لتنسيق عمل جماعي .. نشأ من حدود الاختلاف الشديد والطويل".

بالنسبة لامريكا، على سبيل المثال، حدود الاختلاف كانت بين الناس المقيمين والمواطنين الاصليين.

احدى نتائج الحياة في حدود الاختلاف في امريكا الشمالية كانت ذلك الوعاء الشهير للانصهار. في الحقيقة، عندما تواجه  هؤلاء الغرباء كما صُوروا، متعطشو للدماء، هنود حمر، مستوطنين اوربيين، حتى لو جاءوا من دول مختلفة، فلن ينفع معهم الا الشعور بوحدة النسب... وبما ان خط الاختلاف عُرّف بعبارات عرقية، فان المهاجرين المنتمين الى اعراق غير بيضاء مثل السود او الصينيين، لم يُقبلوا كـ "امريكيين"(هذا النموذج بدأ يتغير في القرن العشرين).

الصحفي البريطاني انتول ليفين يرى ان امريكا اليوم تتصرف تجاه العرب بنفس الطريقة التي تصرف بها المستوطنون الامريكيون تجاه الامريكيين الاصليين. انه كما  لو ان هذا السلوك كُتب في الجينات الثقافية.

على طول الكتاب،  يطرح الكاتب امثلة عن التماسك الداخلي ضمن جماعة اجتماعية بالتزامن مع عداء خارجي نحو من هم خارج تلك الجماعة. فمثلا، (حسبما يذكر) هناك الآن هوية فلسطينية متميزة بينما لا توجد مثل هذه الهوية قبل الهجرة الواسعة لليهود الاوربيين الى فلسطين. عصبية الفلسطينيين ازدادت بشكل كبير.

الكاتب يقتبس من فرنسيس فوكاياما (صاحب كتاب نهاية التاريخ والانسان الاخير) الذي اشار الى ان الشركات الكبرى يمكن ان تتشكل فقط في المجتمعات ذات الثقة العالية، لأن في الشركة الكبيرة يجب ان يكون الناس مرتاحين للتعاون في بيئة حيث لا يعرفون كل شخص يعملون معه. يضيف الكاتب، من المفارقة انه رغم المنافسة الذابحة للشركات الخارجية في السوق الحر، لكن عملها الداخلي يثق ليس فقط في قوى السوق، وانما في تضامن الجماعة وهذه من افضل اسرار علم الاقتصاد.

انه من السهل جدا للمتساوين تحقيق وحدة الهدف وتطوير وسيلة مشتركة للفعل.مساواة التعاون.ذلك بسبب

ان قدرة الافراد على التضحية بالمصلحة الذاتية لأجل الصالح العام هي شرط ضروري للتعاون.

يرى الكاتب نماذج دورية متجسدة في المجتمعات الزراعية بشأن التماسك الاجتماعي.

... ان الاستقرار والسلام الداخلي الذي تفرضه الامبراطوريات القوية يحتوي في داخله على بذور الفوضى. الاستقرار والسلام الداخلي يجلبان الازدهار، والازدهار يخلق زيادة في السكان. النمو الديموغرافي يقود الى افراط سكاني، والافراط السكاني يقود الى اجور منخفضة وايجارات عالية للاراضي وهبوط  الدخل لكل فرد. اخيرا، الاجور القليلة والايجارات العالية يجلبان ثروة للطبقة العليا، لكن مع زيادة اعدادها وطمعها، هي ايضا تبدأ تعاني من هبوط الدخل. انخفاض مستويات الحياة يخلق الاستياء والتوتر. النخب تتجه نحو الدولة بحثا عن اعمال ودخول اضافية، وتزيد انفاقها في نفس الوقت الذي تهبط فيه العائدات بسب الحالة الفقيرة للسكان. عندما ينهار تمويل الدولة،  تخسر سيطرتها على الجيش والشرطة . وبعيدا عن جميع القيود، يتصاعد التذمر في اوساط الطبقة العليا الى حرب اهلية، والاستياء بين الطبقات الدنيا ينفجر على شكل ثورة شعبية.

الامبراطوريات تفقد تدريجيا عصبيتها عبر عدة دورات حلقية. ايضا، نجاح الامبراطورية يدفع التهديدات بعيدا عن مركز الامبراطورية.وبالتالي، يفقد المواطنون القريبون من المركز  معنى التضامن الذي يأتي من كونهم تحت التهديد.

يعترف الكاتب ان نظريته تنطبق على المجتمعات الزراعية التي يعيش معظم افرادها قريب من هامش مالتس.

عندما تصبح الارض نادرة .. سيبدأ من ليس لديهم ارض كافية لإطعام انفسهم  ببيع ما لديهم .وبالتالي هم يصبحون اكثر فقرا. بالمقابل، اولئك الذين لديهم الكثير من الاراضي لإطعام انفسهم سوف يكون لديهم فائض في الدخل يمكنهم استخدامه لاكتساب المزيد من الارض. وهكذا الغني يصبح اكثر غنى.

في اقتصادنا الحديث، هناك آليات اخرى تعمل  فتخلق تفاوتا اكبر ومن ثم تضعف العصبية. الكاتب يجادل بان مرحلة التشظي في اقتصادنا بدات في اواخر القرن الماضي.لكنه يلاحظ بانه

لا يمكن للمرء الافتراض ان القوى الاجتماعية والاقتصادية التي عملت في المجتمعات الزراعية لانتاج حلقات طويلة ستستمر في العمل بنفس الطريقة حاليا... نحن نعيش في عالم مختلف عن ذلك العالم الذي قطنه الرومان والنورمان .

... السبب الرئيسي لعدم وجود مجاعة في انجلترا او اي بلد متطور اليوم هو ان انتاجية الهكتار من الغلة هي الان اكثر بعشر مرات مقارنة بما كان سائدا في القرون الوسطى.

لايزال الكاتب يجد عددا من الميول المزعجة بما فيها زيادة متطلبات التعليم في سوق العمل. في اواخر القرن العشرين،  كان مجرد انهاء الكلية ليس كافيا للدخول الى سوق العمل الحاد المنافسة، بينما عدد الخريجين من حملة الدكتوراه بدا يتزايد.

هذه الميول هي علامات لأزمات مؤكدة تعكس المنافسة المتزايدة بين النخب...

في النهاية يذكر الكاتب هل نستطيع تصميم مجتمعات بطريقة لا تنحسر فيها العصبية باستمرار ؟ هل يحتاج الناس  دائما للتهديد من عدو خارجي لكي يتعاونوا بفعالية اكبر؟

بالنسبة للتحرريين، تُعتبر هذه الاسئلة مصيرية. لكي يعمل السوق جيدا،  يجب ان يكون مندمجا في ثقافات تكرس السلوك المعزز اجتماعيا وتفضي للثقة . اذا كان غياب الصراع الخارجي يُضعف الروابط المانعة للصراع الداخلي، عندئذ فان الهدف التحرري للتعاون السلمي في جميع المجالات سيكون وهما.

 

..........................

كتاب الحرب والسلام والحرب:صعود وسقوط الامبراطوريات للكاتب peter Turchin صدر في شهر شباط عام 2007

 

abdulwahid miftahيعتبر كتاب "التشكيل المغربي بين سؤال الحداثة والهوية" للناقد الجمالي شفيق الزكاري عملا بحثيا جادا ورصينا، يسائل منجز الممارسة التشكيلية المغربية، بقراءة تعمل على تكبير تفاصيل هذا المنجز، والرؤية داخله عبر مَطرحَين رئيسيين : الهوية والحداثة. وهو عمل نقدي/ إبداعي يمزج في لُحْمته وغاياته ونظرته بين أدوات البحث ومهاراته ولغة إبداعية آهلة بحمولة أدبية لا تُقلم بريقها. هي عصارة تجربة ما فتئت تتطور وتغتني بما اختزنه الناقد من ثقافة واسعة ودربة بحثية مختمرة. ولعل هذا ما يعطي للكتاب أرجحية ما يطالعنا به من إضاءة لجوانب غائرة وهامة في المشهد التشكيلي المغربي، وهو ينصت لمكامن الإطار الإبداعي له، هذا الإطار الذي يتخذه الكتاب نصب درسه وتحليله في مغايرة لا تنطلق – كما هو متداول – من التسليم بما هو جاهز وقبلي ومُتحصل في الأذهان، بقدر ما يعمل شفيق الزكاري داخله على مضاعفة تأملاته وتكثير صيغها، وهي تأملات ذات انزياح توليدي بالأساس.

يبرز الكتاب تفاعل مُتّقِد بين التشكيلي والنقدي، في اشتغال أصيل ممتد في الزمن وممهور بعمق. فالقضايا والأطروحات التي سعى إلى طرحها تبعث على التفكير وإعادة التفكير في مسلمات غفيرة ترسخت عن التشكيل المغربي. وما اشتغاله عن الهوية إلا اشتغال على مفهوم زئبقي ومزعج، يبتغي عُدة معرفية آهلة لمتابعته.. فهذا المفهوم الذي ينفلت باستمرار من آليات الضبط العلمي، نظرا لشساعة ما يختزنه من اجتماعي وسياسي وفلسفي، تتشابك والعامل النفسي المتحكِمة في قوى المجموع العام لوعي الفرد والمجتمع..-  هذا المفهوم الصلد- يبسطه، هنا، الكِتاب في ارتباطه بالحركة التشكيلية المغربية عبر التحليل والتشريح في قراءة مُركّزة تحاول استقصاء عناصر الوعي البصري والتعبيري في المشهد التشكيلي، بتفكيكية واعية بمقصدها الإجرائي والإبداعي .. وهنا أسجل ملاحظة لازمة أن شفيق الزكاري أحد النقاد القلائل الواقفين دافعا عن الهوية المغربية تنظيرا وممارسة. وهذا واضح عبر عديد كتاباته التي عمل من خلالها على التصدي لكل أشكال التغريب والتمييع والتبعية العمياء للأخر. وما مقاله حول التشكيل المغربي بين سؤال الهوية وسطوة التبعية (المهدي لحلو و منير فاطمي نموذجا) إلا دليل واضح حول ما ذهبتُ إليه من اشتغاله المستنير والماسك بزمام أدواته، ضد كل أساليب الاستلاب والتبعية التي يمتطيها بعض المُتَنطِحين، كسُلّم سريع نحو نجومية استهلاكية في الميدان الفني بمقياس - أن من لا تجيد الغناء أكيد أنها لن يصعب عليها إيجاد الرقص. وهذا مضحك ومفبرك بشكل فاضح.

فرهان الحداثة ووعي الذات بهويتها وغنى تراثها، هو الفضاء الأثير لهذا الكتاب الذي عمل في شق كبير منه على التعريف بإنتاجات التشكليين من المبدعين المغاربة، في مُصاحبة تَبتغِي رصد التجارب الحقيقية والفاعِلة عبر تسليط نور النقد على ما تطرحه من رؤى، وما يتعرّضُها من مفاهيم جديدة. كل هذا في إطار نسق نظري منفتح، يحمل رؤية فلسفية إدراكية للإطار العام للحركة التشكيلية في المغرب والعالم، وهي مصاحبة تُضْمِر تأريخا ضمنيا، وإن كانت لم تُكْتَب من أجله، وهو ما يعطي لهذا الكتاب غنى موضوعيا خاصة في ظل ندرة الكتابات التشكيلية الجادة والواعية بشرطها الإبداعي في المشهد الثقافي.

جاء الكتاب في أسلوب سلس، يسعى إلى تقريب النظريات العلمية إلى القارئ، بعيدا عن مُتعاليات المصطلحات المفاهيمية، التي عمل الناقد هنا على تفكيك رموزها وتبسيط دلالاتها، بلغة شاعرية تندلق في انسيابية بليغة. وهذا ما لا تجده في دراسات عديدة حيث يَرْكن الباحثون عادة إلى إغراق النص بمنظومة من النظريات مترجمة في غالب الأحيان بشكل رديء ومصطلحات متشابكة.

إن كتاب "التشكيل المغربي بين سؤال الحداثة و الهوية" ، إد يعرض لقضايا هامة وراهنية في الوعي البصري المغربي، يكون قد قدّم خدمة جليلة للمكتبة العربية، نظرا للنقص الحاد الذي تعرفه في هذا المجال. وهو ما يعطي انطباع مريح على حركية المشهد التشكيلي وحيوية النقد الصحي المرافقة له، وهو مجهود يستحق التأمل والمتابعة نظرا لما يطرحه من اجتهادات في مجال الرؤية إلى الحداثة البصرية، على اعتبارها من ألْغَز الأسئلة المطروحة اليوم، وهو سؤال مُركّب، اشتغل عليه "الكِتاب" بغير قليل من الجديّة والجرأة وروح المغامرة الخلاقة في تحكم بليغ بناصية الصيغة الأسلوبية، واجتهاد يتناوب على ادْراكيات متفاوتة للكشف عن مختلف البنيات التأويلية، التي تُمكّن من تأليف آليات توصيفية ومعرفية وإجرائية للنظر للحالة التشكيلية عندنا. يُمكِن بالبناء على مرابط التحليل التي تَوصلتْ إليه، أن نكون بصدد ميكانيزمات علمية، تَقِينا حالة الضبابية الشديدة التي نعانيها في الرؤية إيزاء هذا المنجز.

يقدم هذا الكتاب، كما أثرنا، صِنافة مفهومية إلى جانب دوره البالغ في التّعريف بإبداع تجارب مغربية، وهو بهذا عملٌ تشيِّيدي ينطلق من مفهوم مركزي وهو البحث العلمي الذي يمتطيه الناقد هنا، التزاما تجاه اشتغاله الفني. فشفيق الزكاري تشكيلي وناقد دون مفاضلة، سرده البحثي هو موازاة بليغة الشبه بعمله الصباغي. الذي ينُمّ عن نضج ابداعي يحفر فرادته، تماما مثل نقده المطرز بوعي هو ضامنه الأكيد للتفاعل الإيجابي. وهذا جانب أساس. فمما يُعاب على كثيرين من الفنانين المغاربة قلة اطلاعهم الثقافي والانغلاق في عوالم التقنية والحِرفية المحضة وهو أمر يُسيئ بشكل صميم للتشكيل المغربي، ويُقوّض أسسه الجمالية العالِمة. وهذا كان له ليُتَجَاوَز، لو أنه انعكس فقط في مجموعة من تجارب بعض الشباب الذين يمكن وصفهم ب"متسرعي الظهور"، وهذا كل شيء. فنحن نجد فنانين يوصفون بالكبار يجدون صعوبة في إخفاء قلة اطلاعهم وعدم مواكبتهم لكل جديد.. وهكذا تجدهم يتكئون على النمطي لا المعرفي، فيغدو السوقي هو المرجع.. صحيح أن الساحة الثقافية، إلى فترة غير بعيدة، كانت تفتقر إلى مراجع نقدية وعلمية حول الممارسة التشكيلية، وهذا كان حجة البعض، ربما. لكننا اليوم نشهد بروز أقلام جادة وقوية (فريد الزاهي، إبراهيم الحيسن، موليم العروسي، محمد اشويكة... وآخرين رائعين) إلى جانب شفيق الزكاري، الذي يكون بهذا الكتاب قد أنجز جزءا هاما من رهان مشروعه الجمالي، الذي يقف كثيرون اليوم للنظر إليه بانتباه كامل.

 

936-sanaصدر في العاصمة الأردنية عمان كتاب "ثقافة المقاومة القصة القصيرة في الأردن وفلسطين  أنموذجاً" للدكتور  شوكت علي درويش، وذلك عن دار غيداء للنشر والتوزيع بدعم من وزارة الثقافة الأردنية.والكتاب يقع في 215 صفحة من القطع المتوسط.

936-sanaوالكتاب يتكون من تمهيد حول القصة القصيرة وفلسطين فضلاً عن فصل بعنوان : لماذا ثقافة المقاومة، إلى جانب عشرة فصول كلّ منها معقود حول ثقافة المقاومة في إحدى القصص لقاصين وقاصات من الأردن وفلسطين. وهذه الفصول حملت العناوين التالية:"ثقافة المقاومة في قصة الأرض لخليل السواحري، وثقافة المقاومة في قصة" الرجل المومياء" لصبحي فحماوي، وثقافة المقاومة في قصة "في عصافير بلا أعشاش" لمخلد بركات، وثقافة المقاومة في قصة"حين يغدو النّهر مطيراً" لفايز محمود، وثقافة  المقاومة في قصة "الدينار الأخير" لأحمد العناني، وثقافة المقاومة في قصة "راحيل "لسامية عطعوط، وثقافة المقاومة في قصة "الوقوف في الصّف" لماجد ذيب غنما، وثقافة المقاومة في قصة "العصافير" لرشاد أبو شاور، وثقافة المقاومة في قصة" في القدس لا تشرق الشمس" للأديبة د.سناء الشعلان، وثقافة المقاومة في قصة "الفتى البطل" لمصطفى القرنة.

وقد قال د. شوكت علي درويش في مقدمة كتابه هذا: " القيم الثقافية ذاكرة الأمّة، وقيمة ثقافة المقاومة واحدة من القيم التي تشكّلت وتتشكّل نتيجة ظروف اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة... رأينا أنّ القصة واكبت الأحداق في فلسطين، وعمد القصّاص إلى إبراز الهدف من قصصهم التي يمكن أن نلخّصها بعبارة " كي لا أنسى، ولا تنسى"لجيلي وجيلك وجيل من سيأتي حتى يحقّق الله النّصر على الصّهاينة، وترجع فلسطين لأصحابها المشرّدين، ويطرد منها الصّهاينة المغتصبون".

 

 

tariq alkinaniلقد كان الباحث جريئا في طرحه وهو من الجيل المجدد الذي يُخضِعْ كل الوقائع التاريخية للمحاكمة مستخدما شتى العلوم منها علم التاريخ والجغرافية والميثروبولوجيا والفقه وعلوم التفسير وعلم الإجتماع وعلم اللغات موظفا هذه الحزمة الهائلة من العلوم للوصول إلى حقيقة تأريخية مجردة عن كل الشوائب التي أحيطت بالتاريخ القديم عند كتابته والحقيقة هؤلاء الباحثون ممن ينعقد عليهم الأمل في إستخلاص تأريخ حقيقي للإنسانية خالٍ من الأغراض التي تصب لصالح جهة معينة سواء كانت أغراض عرقية أو طائفية والتي تروم من خلال هذا التزوير تحقيق أغراض سياسية وإجتماعية ودينية على المدى البعيد من خلال فرض إيحاءات مجتمعية معينة تتخذ عبر أجيال من التداول حيزاً كبيراً في الفكر الجمعي للمجتمعات وتعتبر من المسلمات التأريخية لا تقبل النقاش وكما تدافع عنها الأجيال المتعاقبة بإعتبارها إرث حضاري راسخ وقديم ولا يمكن مناقشته، وهذا جيل قد عبر كل الخطوط الحمراء التي إختطتها المجتمعات القديمة بل وتجاوزها إلى أن قرع كل أبواب الكهوف التي كانت ملاذاً لهؤلاء المزورين وقرع على مسامعهم أبواب الحقيقة التي أرادوا أن يطمسوها وأذكر للتأريخ هنا أيضا صديقي الباحث الدكتور (علي عنبر السعدي) أستاذ علم الإجتماع، والمحقق (نجاح الطائي) ولهم مصنفات كثيرة في هذه التحقيقات التأريخية لا تقل شأناً عن الكتاب الذي بين أيدينا بل توازيه بالمضمون والإتجاه وغالباً ما يتعرض هؤلاء الباحثين للنقد الشديد وقد يتخذ طابع العنف كما كان يحدث للبروفسور الراحل (الدكتور علي الوردي) وبالرغم من أن بحوثه كانت إجتماعية صرفة إلا أنها كانت تمس الثوابت التأريخية والمسلمات الأكيدة لدى المجتمع ....

ويحسب للباحث أيضاً بالإضافة إلى هذا الجهد المضني دقة المعلومة التأريخية والرجوع إلى المخطوطات القديمة والخرائط ومتابعته الدقيقة لكل المفردات التي وردت في مصادر البحث بما فيها (القرآن الكريم) –للمرة الأولى يتم الاعتماد على القرآن كمصدر تأريخي- كما وأن اعتماده الكبير على القرآن كمصدر حقيقي في البحث أعطى بحثه جانباً كبيراً من المقبولية ولو أنه سيعرضه لهجوم البعض من المفسرين وطلبة العلم الذين درجوا على إعتبار كتب الأحاديث والسير والتفاسير هي خط موازي للقرآن، علماً بأنها كتبت في القرن الثالث الهجري وكلنا يعرف أن الأحاديث والسنة النبوية قد تم حرقها في زمن الخليفة الراشدي الأول أبو بكر الصديق (رض) ولا نعرف من أشار عليه بهذه الفكرة التي أضاعت الكثير من الإرث الحضاري للإسلام ولو كانت موجودة على حالها لأطلعنا على الكثير من الحقائق التي لا نجد اليوم لها أي تفسير وبقينا نخبط بها خبط عشواء ومن المرجح كانت هناك أقوام من اليهود دخلوا الإسلام لأغراض غير خافية على المتتبع اللبيب حيث بدأ هؤلاء بإدراج الكثير من الإسرائيليات في كتب الأحاديث وكان العرب حديثي عهد بالديانات السماوية فهم يسلمون بهذه الأمور -وكما درجوا- إلى اليهود دون قيد أو شرط فأشخاص مثل تميم الداري وإبن سلام وكعب الأحبار وغيرهم كان لهم القدح المعلى في وضع الأحاديث المستقاة من الإسرائيليات والتي لم ترد فيها تفاصيل في القرآن الكريم وأغلب الظن أن من فصيلة هؤلاء القوم هناك ممن أشار على الخليفة بحرق هذه الأحاديث وألصقت فيما بعد بـ (عمر بن الخطاب) (رض) كما قام الفاتحون بحرق مكتبة الإسكندرية ولا نعرف من أشار على الخليفة الراشدي الثاني (عمر بن الخطاب)(رض) بحرقها حيث كان الرجل لا يتصرف دون إستشارة الصحابة وله مواقف كثيرة في هذا الشأن ولا نعرف على وجه التحديد من كان المشير عليه في حرقها ولكنها أحرقت وضاع معها الكثير من العلم والتاريخ .....

ونحن هنا لسنا بصدد تقييم هذا الباحث الكبير فهو أكبر من رأينا فيه حتماً ولكننا نسجل احترامنا وتقديرنا لبحثه العلمي الدقيق الذي سيحدث فرقاً كبيراً على صعيد التنقيب والبحث في ظواهر تاريخية كثيرة سكتوا عنها المؤرخين أو أفتوا بما ليس لهم به علم وأذكر منها الرأي القائل (بأن آدم كان يزوج أبناءه من بناته وأن سبب اختلاف قابيل وهابيل وقتل الأول لأخيه كان بسبب جمال زوجته) والحقيقة كلما أقرأ هذه الرواية أستغرق بالضحك لحد الإغماء ، وأذكر أن هناك أستاذا كان يدرسنا مادة الثقافة القومية في المرحلة الجامعية وهو مازال حياً يرزق وهو الآن من أصدقائي ...كان هذا الأستاذ يسهب في ذكر التأريخ وغالبا ما كنت أناقشه في هذا الصدد وربما أختلف معه وهو يتقبل النقاش وكان على مستوى عالٍ من الخلق حتى جاء يوماً على ذكر هذه الواقعة فما كان مني إلا أن إستغرقت في الضحك وبشدة الأمر الذي جعله يبهت ويتوقف عن إكمال محاضرته فسألني عن هذا التصرف ولماذا فعلت هذا الشيء...

فأعتذرت منه وطلبت السماح حيث أني لم أتمالك نفسي من الضحك وقلت له لا أتصور إن هذه البشرية جمعاء هي من أولاد زنى فكيف يخرج الله أنبياءه ورسله من أصلاب غير طاهرة وأرحام غير طاهرة وأشرت له بأحاديث وآيات تخالف ما ذهب إليه هؤلاء القوم في تحديد طرق تكاثر النوع الإنساني وهل عجز الله أن يخلق لهم من أنفسهم أزواجا ليسكنوا إليها كما وإن هناك روايات كثيرة تشير إلى أن هناك خلق من البشر قبل أبونا آدم وفي رواية الإمام جعفر بن محمد(ع) يقول كان قبل آدمكم هذا ألف ألف ادم فقلت له كيف تسلم بهذا الأمر وأنت الباحث اللبيب ..... والحق يقال أن الرجل أعاد الكثير من حساباته بعدها ....

 

الكتاب:

في المقدمة : كانت هناك عدة تساؤلات للباحث طرحها على لسان عدة مفكرين عرب ويهود وغيرهم حول الإرث الثقافي للأمم الغابرة كالفرس والكلدان والآشوريين وغيرهم من الأقوام ولماذا وصل إلينا علم اليونان فقط ، وهل كان هذا بفعل فاعل أم محض صدفة ....وأنا أيضاً أتساءل على ماذا أعتمد علم اليونانيين هل كان علمهم هو البداية أم أعتمدوا على ألأمم التي سبقتهم وذكرناها .....

وكذلك يسوق الكاتب مقدمة جميلة ومقارنة لطيفة لا يخفى على القارئ أهميتها ويخلص إلى كمية الكذابة التي جاءت على حديث الرسول (ص) بعد أن أعياهم التحريف في كتاب الله وكذلك إستغلال النصوص القرآنية وتفسيرها حسب الأهواء....

كقارئ نهم للتاريخ فأنا أعترف بأن الكتاب اختطفني كما (أختطف الجغرافية) فتتبعت كل كلمة أوردها الباحث بشكل دقيق إبتداءً من المقدمة وحتى الصفحة (150) في اليوم الأول حيث عكفت عليه أدرسه ولست أقرأه فقط وقد حال إنهيار النظام في الكومبيوتر من إتمام عملية القراءة ولكن بالرغم من ذلك فقد أوقفنا الباحث على حقائق مذهلة سجلت له السبق في الكشف عن تزييف كبير في الجغرافية التأريخية وقد أعزى الباحث هذا التزوير الهائل الذي حدث في الجانب الجغرافي لعدة عوامل منها:

1. عوامل عقائدية :يراد من خلالها إثبات بعض الأكاذيب وترسيخها بالفكر الجمعي للمجتمعات المستهدفة وخصوصاً اليهود الذين كانوا وما يزالون لحد اللحظة يبتكرون الأشياء في سبيل تزوير التاريخ فهم يحاولون تدمير كل الآثار الحقيقية التي تفضح أكاذيبهم ونلاحظ الآن ما يجري بالعراق وسوريا من استهداف واضح لكل الكنوز الأثرية وتدميرها بغية طمس الحقائق وقطع الطريق أمام الباحثين لإستخلاصها من خلال الدراسة الموضوعية لهذه الآثار.

2. عوامل جغرافية: فهم من خلال هذا التزوير أثبتوا لهم حقوقاً جغرافية من خلال تأثيرهم بالفكر الجمعي العالمي وجعل رواياتهم من المسلمات التي لا يناقشها الباحثين مما أدى إلى خلق كيانات مصطنعة إستناداً لهذا الحق التاريخي المزعوم....

3. عوامل إجتماعية: وهي فرض بعض النظريات العنصرية التي تتيح لهم التسيد والتسلط من خلال هذه النظريات التأريخية .

4. عوامل إقتصادية :لا يخفى على المتتبع والباحث أن البنى التحتية للبلدان هي من مرتكزات البناء والنهوض وتسعى الدول الإستعمارية والدوائر الصهيونية من خلال فرض هذه النظريات للحصول على مكاسب إقتصادية كبيرة وذلك من خلال ترويج للسياحة الدينية واثبات حقوق تأريخية والإستحواذ على الموارد الطبيعية التي تختزنها تلك الأراضي ، ففي موضوع كتابنا هذا يتبين الدور اليهودي في تهويد مصر والعراق وسوريا وجعلها مركزاً رئيسياً لإنطلاق الديانة اليهودية في العالم مما يثبت لهم حق السيطرة على أماكن عديدة في هذه الرقعة الجغرافية وجاء ذلك نتيجة رسم خط سير مزيف للمسيرة اليهودية ونزوحهم من (مصر فرعون) وصولاً إلى أرض الميعاد كما يدعون ويرسمون خط سير الخليل إبراهيم من العراق نزولاً إلى الشام ....

5. إن الحقائق التي أفرزتها نتائج البحث جعلت الكثير من المسلمات التأريخية تتهاوى وتصبح غير ذات قيمة مما يتطلب من المؤرخين والباحثين إعادة النظر في الكثير من المسلمات التي تصافقوا عليها منذ البدء ولحد الآن.

6. إن تغيير خط السير كان متعمداً لإخفاء قيمة بعض البلدان التي وقعت فيها الأحداث وذلك لعدم أهميتها الإستراتيجية لهم فهم في المنظور البعيد لا تمثل لهم هذه البلدان عمقا إستراتيجياً من ناحية إقتصادية أولاً لإفتقارها للموارد التي يطمحون بالحصول عليها أو تكون ممرات إستراتيجية يمكنهم إستغلالها للسيطرة على حركة الملاحة الدولية وبالتالي التحكم بالتجارة الدولية .

أما أنا ما لدي من أسئلة حول ما ورد بالكتاب فأوردها كالآتي:-

1. أن مكة هي لاشك تعتبر من أقدس الأماكن لدى العرب في الجاهلية وإستمرت هذه الحالة في الإسلام وهذا نابع من خزين الفكر الجمعي للمجتمع العربي والأقوام المحيطة بهم من قدسية هذه المنطقة وكما أكد هذا الفكر الجمعي لدى هؤلاء القوم هو ما ورد على لسان الرهبان ورجال الكنيسة من اليهود والنصارى وتنبؤاتهم بمبعث أنبياء في هذه البقعة (الحجاز) سواء كانت بمكة أو بالمدينة وهناك روايات عديدة ترد بهذا الخصوص...وما أريد قوله إن إبراهيم كان قد خاطب ربه (ربي إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) كان هذا قبل بناء البيت بعقود من الزمن وهو يعرف قدسية هذا المكان ولكنه لم يكن يسكن فيه وإلا فما معنى خطابه السابق.

2. أن الاعتماد على ما ورد بالقرآن بقدر ما أفاد البحث وضعه أمام عدة تساؤلات فأنا لدي تساؤلات اعتمدت فيها على ما ورد في القرآن وعلى ما ورد في الأحاديث الصحيحة التي لا أشك بمتونها وإسنادها... لقد ورد في سورة الإسراء (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) .لم يذكر لنا الكاتب أين يقع هذا المسجد الذي بارك حوله الله .....هل هو بيت المقدس أم الذي موجود هو تيمناً بالمسجد الأصلي كما أخبرنا الكاتب...

3. أن عميلة الإغراق في قضية التيمن كانت تؤثر على مجريات البحث وتسقط الكثير من الحقائق الموجودة على الأرض فهناك أماكن عديدة مقدسة عند الله غير هذه البقعة وردت بها روايات عديدة مثل نينوى الأصل ونينوى التي سميت بها تيمناً والتي اتخذت منها الحضارات القديمة عاصمة وأعطيت نفس الاسم المقدس ل (نينوى) الأصل والتي كان يحج إليها الكثير من الأقوام وخصوصاً الأكاديون وكما أطلقت عليها العديد من الأسماء منها (كربائيلو) أي بيت الرب وهي ما يطلق عليها الآن (كربلاء) وكذلك وادي السلام حيث يعتقد بعض المؤرخين أنه هو الوادي المقدس طوى لا كما ذهب الباحث وبيت إدريس في منطقة السهلة (بالكوفة) مازال الناس يتخذونه مسجداً ولذلك نجد قبور الأنبياء مازالت شاخصة في هذه البقاع حيث هناك قبور (24) نبي ممن ورد ذكرهم بالقرآن الكريم وهناك أكثر من هذا العدد ممن لم يرد ذكرهم وكما ورد عن طريق الحديث عندما ذهب الرسول إلى الطائف ولقي ما لقي من أهلها ومن سوء إستقبال ولما جاءه غلام عتبة وشيبة وهو نصراني وإسمه عدّاس فقال له الرسول الأعظم قال من بلد الرجل الصالح يونس بن متى .

4. توجد بين أيدينا روايات عديدة بموضع دفن آدم عليه السلام ونوح عليه السلام في (النجف الأشرف) وهي روايات معتبرة السند والمتن عن علي بن أبي طالب (ع) في منطقة الغريّين وهي موضع دفنه عليه السلام وكما ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق في الزيارة المعتبرة (السلام عليك وعلى ضجيعيك آدم ونوح) والله اعلم.

5. يعتقد بعض المؤرخين أن ظاهر النجف والجبل الذي هو مطلٌّ الآن على بحر النجف هي منطقة التيه ومازال يطلقون عليه إسم الطور وهو موجود ضمن أحاديث معتبرة كيف غفل عنها الباحث وهناك الكثير من الروايات تقول أن المكان القصي الذي انتبذته مريم هو كربلاء وقد شهدت بنفسي جذوع لنخلات يطلق عليها العوام نخيلات (مريم) وبإسناد لا بأس به...

6. أن الأرض تغيّر طبوغرافيتها بإستمرار فمثلا هناك بحار قد جفت وهناك انهار قد غيرت مجراها عبر العصور عدة مرات فمثلاً (بحر النجف ) قد جف منذ فترة طويلة ولكن مازالت آثاره باقية إلى اليوم وكذلك الفرات قد غير مجراه مرات عديدة وهذا لا يعني عدم صحة الروايات التي تحدث عنها العلماء في تلك الفترات والباحث ذكر قسماً من هذه الروايات .

7. كما وأن هناك آثار مازالت إلى اليوم ماثلة في بابل يطلق عليها آثار النمرود وكذلك الموضع الذي ولد فيه إبراهيم . كل هذه الأمور لا يمكن تجاوزها وإنكارها .

8. أن كنانة من نسل إسماعيل عليه السلام ولا وجود له في حياة إبراهيم .(قد يكون إجابته بأن هناك كنانة قبل حفيد إسماعيل صحيحة) ولكنها غير مسندة بدليل مادي يمكن الركون إليه حيث لم يرد في كتب الأنساب ذكر لقبائل كنانة قبل إبراهيم ليت الكاتب أوقفنا على هذه المصادر.

9. أن اللغة السريانية التي يتحدث بها إبراهيم عليه السلام هي من ضمن اللغات الشرقية المتحدرة من اللغة العربية حيث يعتبر علماء اللغة في العالم أن (العربية ) هي اللغة رقم (1) أو اللغة الابتدائية وعنها أخذت اللاتينية وعن اللاتينية أخذت الانكليزية والفرنسية والألمانية (الباحث الدكتور رشيد بن عيسى في لقائي معه تم نشره في صحيفة الحقيقة في العراق) . فليس من المستغرب تداولها في المنطقة التي تحيط بجزيرة العرب .

10. وادي حوران وادي يبلغ طوله عشرات الكيلومترات يبدأ من مدينة الرمادي وينتهي بمدينة السماوة العراقية وهو يفصل العراق عن السعودية ويشطر مدينة (جديدة عرعر) إلى شطرين شطر عراقي وشطر سعودي وهو وادي كبير تتخذ منه السيول ممراً لها وتصب في بحيرة ساوه العراقية واندثر جزء كبير منه حيث بقي الاتصال ببحيرة ساوه عبر المياه الجوفية المتأتية من هذا الوادي والذي يزور هذه البحيرة الكبيرة لا يجد أي مصب للمياه فيها والحقيقة إن الينابيع هي التي تغذي هذه البحيرة الصحراوية ....أنا استغرب كيف لم يرد ذكر هذا الوادي في البحث؟

11. لو كان هناك أنهاراً كبيرة كما يذكر الباحث في الدرعية أو الرياض حالياً لماذا لا نرى سدوداً أو آثاراً لهذه السدود كما في اليمن المتاخمة لنجد أي بمعنى أن الإنسان الذي يسكن هذه الأرض ذو خبرة ودراية كافية في بناء السدود وله تجارب كبيرة بها؟ أنا اعتقد أن هذه الأخاديد التي تحدث عنها الباحث هي ممرات مائية للسيول التي تحدث في الصحراء وكما هو معروف عنها ففي صحراء كربلاء الممتدة إلى السعودية نجد مثل هذه الأخاديد الكثير في منطقة الصفاويات والشعيب وغيرها....

12. كشفت دائرة المستعمرات البريطانية قبل مدة قصيرة لا تتجاوز الأشهر عن خرائط العراق التي تعود للعهد العثماني حيث كشفت هذه الخرائط أن الكويت والمنطقة الشرقية الإحساء والقطيف وحفر الباطن والبحرين وعبادان والأهواز والمحمرة وغيرها من إقليم عربستان هي عراقية تم إقتطاعها في معاهدة سايكس بيكو وهذا يعني أن الأحداث التي ذكرها الباحث هي مازالت في العراق .....

13. لقد أجاب البحث عن كثير من تساؤلاتي حين قرأت التأريخ ففي تأريخ الطبري وابن الأثير وإبن كثير كنت أمر على أسماء عربية لملوك وفراعنة مثل سنان بن الأشل بن عبيد وقابوس وغيرهم ولا أجد هناك إرتباط بين ما يذكره المخزون التأريخي العالمي من أسماء لملوك القبط وهذه الأسماء.

14. إن عملية طي الأرض كانت خاصية لكثير من الأنبياء والأوصياء بل وإزدادت أكثر في ملك سليمان وكما ذكر الله عزوجل بالقرآن وكذلك علّموا حتى منطق بقية المخلوقات وكان تسخير الرياح له ولجيشه وتسخير الشياطين، هذا كان أيضاً لخاتم الأنبياء حيث أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ولحكمة إلهية فأن الله لايحرم أنبياءه من هذه الخواص بل هناك أناس عاديين وكما ورد بكتب الحديث كانت لهم هذه الكرامات فلا غرابة في سرعة التنقل والانتقال .

 يبقى البحث رائداً في مجال الاختصاص وينم عن جهد حقيقي تم بذله من قبل الباحث ويعتبر مرجعاً أثرى به المكتبة العربية ومنطلقاً لكل الباحثين في هذا المضمار ...علاوة على كونه بحث علمي شيق فيه من المفاجآت التأريخية المبنية على الكثير من الأسس العلمية .

 

935-salamعن دار الضياء للطباعة والنشر – العر اق - صدر حديثا وبجهد الاخوة الداعمين للحركة الفكرية وحركة الثقافة والنشر كتاب (الحركة الاسلامية وثلاث عقبات)

يتضمن الكتاب ثلاثة محاور رئيسية تناولها بالنقد ثلاثة من الكتاب في مدينة ملبورن الاسترالية. مؤلفوا الكتاب هم كل من الدكتور مهدي الحسني والاستاذ يشار كركوكي  (ناصر العاملي) واحمد راضي الشمري . 

935-salamيقدم الكتاب استعراضا نقديا لتاريخ الحركة الاسلامية في العراق منذ نشأتها ومرورا بمخاضاتاها وانتهاءا بتجربة استلام السلطة في العراق .

لايكتفي الكتّاب بنقد الحركة وتسليط الضوء على اخفاقاتها بل يقدمون في كل محور من محاوره مقترحات ومخارج للخروج من الازمة الخانقة او تخفيف اثارها

يستعرض الدكتور الحسني في العقبة الاولى مشكلة عقيمة قديمة في الحركة الاسلامية الا وهي العمل بالاولى والاكثر اهمية قبل المهم والاقل اهمية. فهو يقترح ترتيب الاولويات الكبرى من اجل جعل المسيرة اكثر سرعة واقل عرقلة واجدى نفعا للحركة وللامة .

 

اما الاستاذ يشار كركوكي فيسلط الضوء في محوره على البنية الداخلية للحركة فيستعرض مواطن ضعفها ومخاضاتها العسيرة وتضحياتها الجسيمة التي لم تكن لتحدث لو ان الحركة قد تبنت منهجا مختلفا يتسم بالحكمة والمناورة والتكتيك المتماشي مع حقائق الامر الواقع .

اما المحور الثالث فيتناول فيه الكاتب احمد راضي الشمري طريقة تعاطي الحركة الاسلامية الغير فعال سياسيا مع محيط العراق الاقليمي منذ ايام المعارضة. ويستعرض في محوره ايضا اثار هذا التعاطي الغير فعال على الحركة وعلى العراق بعد ٢٠٠٣

كما يتضمن الكتاب مواضيعا اخرى متنوعة تتناثر بين ثناياه وكلها ذات صلة بمحاور الكتاب الرئيسية .

لايقدم الكتاب حلولا سحرية بذاته، بل يعتبر حلقة واحدة في سلسلة طويلة.  الهدف من هذا الكتاب هو التكامل مع الطروحات الاخرى التي تهدف الى تصحيح مسارات الحركة الاسلامية وتخفيف الاحتقان الناتج من عدم تبني الحركة منهجا نقديا لافكارها وسلوكياتها وقيمها وادائها السياسي والدعوي .

 

سلام البهية السماوي – ملبورن

 

 

abduljabar alshaikdakil"إن بومة مينرفا لا تحلق إلاّ عند الغسق". هيغل

في حالة البؤس التي يمر بها عالمنا العربي وعالمنا الإسلامي، وفي ظل حالة الضياع والتشرذم، لابد أن يفكر المثقف بالأسباب التي أدت الى هذه الحالة. وإذا ما غاص في ما وراء الأسباب الظاهرية فإنه سيكتشف أن هنالك جملة من الأسباب القارة في عمق هذه الأزمة يشكل الموروث التقليدي الجامد للثقافة أو الفكر وجهها الأبرز. في ظل هذه الفوضى الثقافية والتشتت الفكري يلح على عقولنا اسم استطاع أن يضع بصمته الفكرية ذات المنحى التجديدي والتنويري المستند على إطار فلسفة الدين، ذلك هو الدكتور عبدالجبار الرفاعي.

لاشك أن كل مفكر في أي زمان ومكان لا ينتج أفكاره من تلقاء ذاته وإنما تكون أفكارُه تلك نتاجات لتأثره بأفكار من سبقوه أو حتى من عاصروه، لكن عظمة المفكر تأتي من صياغته أو حتى توظيفه لتك الأفكار في سبيل تغيير واقع راكد أو رجعي، وكذلك كان الرفاعي. فهو ابن البيئة الدينية والمتخصص في علوم الدين، تأثر بالنزعات الفلسفية الأخلاقية والايمانية الغربية، وكذلك النزعات التجديدية في التراث العربي والإسلامي، فضلا عن اتجاهات التنوير الديني لاسيما المعاصرة منها في إيران.

يتسع فضاء النقد كثيرا لأفكار الرفاعي طالما هي أفكار نقدية، وطالما هي تنطلق من فضاء فلسفة الدين التي تتسع بدورها لتشمل منهجيات التفكير الديني ومقارباته في اجتماعية الدين وتاريخيته والأيديولوجية التي تتبطن ذلك الاجتماع وذلك التاريخ.

وعلى قدر تخصصي في العلوم السياسية، وبالذات في حقل الاجتماع السياسي سوف أحاول أن أركز على محورين مهمين في أفكار الرفاعي هما: نظرته الى الأيديولوجيا، والثاني نظرته الى قضية التجديد في علم الكلام. وعلى الرغم من أن الأخير لا يبدو ضمن حقل اختصاصي العلمي إلا أنه يقع ضمن اهتمامات فضولي المعرفي من جانب، ومن جانب آخر، إن تاريخ علم الكلام وتفرعاته وسجالاته يشكل جانبا مهما لصورة الاجتماع السياسي الإسلامي، ومن جانب ثالث أرى إنه ينبغي على أستاذ العلوم السياسية الاستفادة من مخرجات فلسفة الدين وديناميكيتها، حتى يصبح منتجا لمعرفة عضوية وواقعية لا تكون بمعزل عن تلك المعطيات التاريخية والمعاصرة، والتي طالما أثرت وتأثرت بالسلطة السياسية على مر التاريخ الإسلامي ولا زالت حتى الوقت الراهن.

في موضوع الأيديولوجيا، يطرح الرفاعي فكرته الأثيرة في نقد الأيديولوجيا في أماكن متعددة من كتاباته. ورغم إن نقد الأيديولوجيا كمفهوم ابتدأ بتهكم نابليون من الأيديولوجيين، ومر بنقد ماركس وأنجلز ووصْفهم لها بأنها (وعي زائف)، ولم تنتهِ عند نقد المفكر الإيراني الحداثي داريوش شايغان، ولا حتى عند مفكري ما بعد الحداثة، إلا إن نقد الرفاعي لها جاء متميزا كونه يطرح هذا النقد، بل والقطيعة معها، ضمن إطار الفضاء الإسلامي، أو بالأحرى ضمن فضاء الإسلام السياسي وهو الذي انتمى إليه لسنوات طويلة عندما كان عضوا حركيا فيه وتلميذا وأستاذا في الحوزات العلمية، علاوة على إن فكرته تلك تأتي في إطار تجديد الفكر والتفكير الديني، فضلا عن انطلاقها للمرة الأولى ربما ضمن الفضاء الشيعي العربي. هو ينتقد الأيديولوجيا كونها تعطل العقل وتتنافى مع الحس الإنساني. ورغم إن نقده كان محددا لأسماء فكرية بعينها تبنت الأيديولوجيا كوسيلة خلاصية إلا إنه بالتأكيد كان يقصد بالتبعية كل التجارب الأيدلوجية في الدين، لم يشأ ذكرها لأسباب وجيهة ذكرها في عمله القيم (الدين والظمأ الأنطولوجي). ولعل أهم نقد وجهه الرفاعي بهذا الخصوص كان لعلي شريعتي ولحسن حنفي، حيث يرى ان (لاهوت التحرير عند حنفي وشريعتي، يختزل الدين في أيديولوجيا المقاومة والثورة، ويطمس الوظيفة المحورية للدين. الدين أرحب وأشمل وأوسع من الأيديولوجيا. الأيديولوجيا مظهر وتعبير اجتماعي للدين، تحويل الدين الى أيديولوجيا يعني: اختزال الإنسان في بعد واحد، والروح في القانون .. ).

والواقع أنني أؤيد تلك الفكرة استنادا الى أن الأيديولوجيا تعني ببساطة أنك تقول إن منظومتي الفكرية أو العقدية أو الثقافية أفضل من منظومتك، وعلى ذلك أرسلت للدكتور الرفاعي رسالة كتبت فيها :

 عندما قرأت (الدين والظمأ الأنطولوجي) استذكرت حواراً في فيلم (الرسالة) لمخرجه الراحل ( مصطفى العقاد ) في سبعينيات القرن الماضي يقول فيه (الحمزة بن عبدالمطلب) للنبي "ص": (ياابن أخي، عندما أجوب الصحراء في الليل أدرك بأن الله أكبر من أن يوضع بين أربعة جدران). أقول؛ نعم، الله أكبر من أن يوضع بين جدران حزب سياسي، وأوسع من أن يكون أساً في مصفوفة إيديولوجية!

من الطرافة أن يبدو لي أن فيورباخ أكثر (إسلاميةً) من بعض المؤدلجين الإسلاميين عندما يدعو إلى أن نتمثل الله في زهرة جميلة، أو في منظر جميل،  أو في كل عمل نبيل! فيما يبدو لي إن هؤلاء (الإسلامويين) كانوا قد وصلوا، أو سيوصلون الآخرين، إلى ذات العبارة التي انتقد بها فلاديمير لينين سلفه في المادية فيورباخ، عندما قال: (إننا نريد أن ننفي الله من السماء، فيما فيورباخ ينزله إلى الأرض. ليس هنالك مكان لله على الأرض)!! أخشى أن يصل الجيل الحالي أو القادم إلى مثل هذه القناعة، بعد الزلزال الذي سيتعرض له الإسلام السياسي والجهادي الذي لا أشك بوقوعه. تلك الأدلجة التي أخشى أنها ستؤدي  إلى أن يتحجم الإله أكثر في مسجد ما أو حسينية لا يذكره فيها إلا العجائز! .. لقد كفر ثوار الثورة الفرنسية بكل شيء بما في ذلك الرب، وبعد أن انتهوا من فورتهم كتبوا متهكمين لافتة عريضة أمام البانتيوم في باريس: (إلى من يهتم بأمر الرب، لقد تم إعادته الى كنيسة نوتردام)!!

مع كل ذلك النقد الذي يوجهه الرفاعي للاتجاه الأيديولوجي في الدين أوالأيديولوجيا بصورة عامة، وهو محق فيه الى حد كبير، لاسيما أننا نواجه أسوأ مخرجات تلك الأيديولوجية المتمثلة بالإسلام الجهادي المتجسد بالقاعدة وداعش والجماعات الجهادية الأخرى، إلا ان الرفاعي لم يطرح لنا بديلا عمليا عنها. فإذا كانت ايديولوجيا الإسلام الحركي منذ عشرينيات القرن الماضي على سبيل المثال قد جاءت كرد فعل على الحركة الاستعمارية الجديدة بعد الحرب العالمية الأولى وما أصاب الأمة الإسلامية جرائها، بصرف النظر عن اقترابها أو ابتعادها عن المعيارية الإسلامية، فإن هنالك ماهو أسوأ الآن، اسرائيل وقضية فلسطين، أمريكا وبريطانيا والغرب الذين يحتلون أو يقيمون قواعدهم في غير بلد اسلامي، والحملة ضد الإسلام كدين  حتى لو كان سببها سلوك الإسلاميين المنحرف. المهم نحن إزاء محيط عالمي معادي، وهذه المرة دينيا، سواء أكان على حق أم على باطل. أعلم أننا مولعون بخلق الذرائع وخلق الأعداء مثلما أعلم أن أيديولوجياتنا قومية ويسارية وإسلامية سفكت من دمائنا مالم يسفكه الآخر الاستعماري، ولكن هذا العداء أصبح واقعا، اليهودي الصهيوني في السلطة في اسرائيل وخارجها يقول كيف نقضي على العرب والمسلمين؟ ومن ثم هل تكفي النظرة الأخلاقية والاستغراق بالروحانية الصوفية العرفانية التي يبدو أن الرفاعي يضعها كبديل أساسي للرد على كل هذه التحديات؟ إن إفرازات التسلط الشمولي في انظمتنا السياسية يمكن التخلص منها عن طريق تربية دينية اجتماعية، تساهم فيها مقولات التصوف المعرفي (الذي يثري الروح، ويضيء القلب بجماليات الوجود)، وفي سياق ذلك يمكن التخلص من الأيديولوجيا، ولكن ماذا عن التسلط الشمولي الدولي؟ .. هل نكرر تجربة أثينا مع أسبارطة؟ هنا أخشى أن يُظن بأن عبدالجبار الرفاعي يتماهى مع موجة ما بعد الحداثة التي تشن هجوما حاسما على بقايا الأيدلوجيات بما تسميه (موت السرديات الكبرى) لكن معرفتي به وقراءاتي له تنزهه من أن يكون مؤمنا بالشق الآخر لما بعد الحداثة وهو (موت المرجعيات) التي تفرض أن لا مرجعية غير مرجعية الذات. إذن نحن بانتظار تقنية فكرية عملية تكون بديلا عن الأيديولوجية. وقد كتبت للرفاعي ذات مرة منوها بقدراته الإبداعية: (لعلِّي لا أبالغ إن قلت بأن عملكم الكبير "الدين والظمأ الأنطولوجي" يتمثل في كونه واحداً من أهم تمثلات الحكمة والعقل المعاصرين. إن لكل زمن تمثلاته الفذة، هذه القاعدة التي لا يريد البعض، لضعف أو لحسدٍ، أن يقبل بها، فالحكمة لم تنته عند ابن عربي أو ابن رشد أو ملا صدرا).

في الموضوع الآخر ، وهو (علم الكلام الجديد) ، يصوغ لنا الرفاعي بوادر نظرية أو منهجا جديدا لعلم كلام جديد، أستطيع أن أسميه بـ(المنهج الإنساني)، ليس بمعنى إنسانية عصر النهضة الأوربية التي كانت رد فعل سلبي على التفكير اللاهوتي وحصر التفكير بالإنسان وهمومه المعيشة مع استبعاد التفكير بالإله مما فتح الباب واسعا للحركات الإلحادية، فالرفاعي يسعى الى (تخليص النزعة الإنسانية في الدين) ضمن إطار الأيمان الحقيقي. والواقع ان هذا الاتجاه يمكن أن يشكل منهجا خامسا في سلسلة مناهج التجديد التي ابتدأت بمنهج الأفغاني الذي يقوم على العقل والعلم، والمنهج الثاني الذي  مثله محمد إقبال ومالك بن نبي والذي اهتم بالتأسيس الفلسفي للتجديد، والثالث الذي اهتم بالتأسيس المنهجي عند السيد محمد باقر الصدر، والرابع الذي ينسبه حسن حنفي لنفسه والذي يسميه بـ (التيار الاجتماعي -السياسي) .لقد وجه انتقادات محقة بحق ما درج عليه علم الكلام القديم، لعل أهمها ابتعاد هذا العلم عن هموم الإنسان (نسيان الإنسان في الكلام القديم)، والذي كان برأيي من أهم التوظيفات الحداثية التي استخدمها الرفاعي في نقد علم الكلام الكلاسيكي. ورغم ان قضية تجديد علم الكلام ليست بالجديدة وربما ترجع الى قرن من الزمن، وكذلك عند من عاصرهم الرفاعي في إيران أمثال عبدالكريم سروش ومحمد مجتهد شبستري ومصطفى ملكيان وغيرهم، وكذلك وجود أصداء لها في الوقت الراهن عند السيد كمال الحيدري زميل الرفاعي في حوزة قم، الا ان الرفاعي طرحها في إطار نقدي روحاني أخلاقي، وفي فضاء يبتعد نوعا ما عن الفضاء الفقهي.

والواقع ان الرفاعي في سياق طرحه لهذه القضية التي أشار لها في عدة كتب وبحوث كان آخرها كتابه (علم الكلام الجديد: مدخل لدراسة اللاهوت الجديد وجدل العلم والدين) يشير مرة أخرى الى تاريخ أدلجة الدين في الإسلام، تلك الأدلجة كانت الاتجاهات الكلامية أساسا لها والتي شكلت بدورها تخادما أو تنافرا واحدا من أهم مخرجات الاجتماع السياسي الإسلامي الذي سادته علاقات السلطة العمودية وتمظهرات بأشكاله البطرياركية الإسلامية (فالتربية على الخوف ترسخ أرضية عميقة لنشأة وتفشي الاستبداد) ، عامل الخوف الذي كان واحدا من المخرجات التي أنتجها علم الكلام القديم.

مع ذلك، وبرأيي المتواضع، تبقى أطروحة الرفاعي في تجديد علم الكلام أطروحة غير مكتملة طالما أنها تأتي في السياقات التحريرية لكتب وأبحاث لآخرين على حد علمي، حيث ينبغي على الرفاعي أن ينحو الى توسيع إسهامه في هذا المجال حتى تتبلور نظريته بشكل أوضح.

أخيرا، أقول  لعلني لا أبالغ إذا قلت إنني عندما أقرا للرفاعي أحس بأنني أقرأ لعلم فكري حي، لأننا تعودنا على أن لا نكتشف العبقرية إلا بعد رحيلها عن الدنيا، وذلك بسبب الأقفال التي على القلوب، فأنْ تعطي الدين بعده الحقيقي الأوسع فذلك انتصار للدين، وأن تروي ظمأ الآخرين فيه فذلك فتحٌ أوسع من فتوحات السيف.

الرفاعي لا يأبه كثيرا بالمدح، فأنا عرفته عن قرب، دمث الأخلاق، متواضع على غزارة علمه. أن يُمدح الدكتور عبد الجبار الرفاعي فذلك مما صدق به المادح، كون الرفاعي لا يملك سلطة يتملقه الآخرون عليها، لكنه يمتلك سلطة أقوى من السلطة المادية وهي سلطة العقل لمن يعي معناه. سلطة الروح الأخلاقية لمن يملك أساً أخلاقيا. جاء الرفاعي من بيئة فقهية نمطية لم ينقلب عليها بقدر ما اراد إصلاحها، ومن خلال مشروعه التنويري ضمن إطار الدين، لم ينظر للدين على انه مجرد مجموعة من المثل السامية، بقدر ما نظر الى الدين كمنظومة كلية غير قابلة للتجزئة فكان ذلك سر نجاحه .. ولعل اهم ما يتميز به مشروعه هو انه مشروع معرفي شامل يدعو الى منهجة جديدة وتناول جديد وروح جديدة .. عالم المعنى هو الاسلوب والهدف في آن واحد، ذلك الذي يبحث عنه ويدعو اليه .. التسامح هو الآخر عنده غاية ووسيلة .. كل ذلك هو صلب وجوهر الدين .. انه نموذج لانتصار الأخلاق الدينية على دوغمائية وإيديولوجية الفهم المغلق للنصوص.

لعل واحدة من (النتائج العرضية) لطروحات الرفاعي أنه بسط للقارئ العربي، العراقي بالذات، القراءة الفلسفية للدين تلك التي كانت غائبة أو بالأحرى مغيبة عن الذهن. لازلنا ننتظر منه دفقا أكثر لتستكمل نظريته الإنسانية في إطار فلسفة الدين في هذا الزمن الصعب.

 

أ.د. عبدالجبار عيسى الشيخ دخيل

 أستاذ الاجتماع السياسي في كلية العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية.  

 

jamil hamdaouiيتضمن هذا الكتاب مجموعة  من الدراسات والمحاضرات والدروس والأبحاث التي تندرج ضمن اللسانيات الأمازيغية بصفة عامة،واللسانيات الأمازيغية الريفية بصفة خاصة.

وقد تناولنا، في هذا الكتاب المتواضع، مجموعة من المحاورالمختلفة  التي تنتمي إلى الدرس اللغوي واللساني الأمازيغي، كالتعريف باللسانيات الاجتماعية التي تعنى بالتعددية أو الازدواجية اللغوية، وتقديم تصور عام حول اللغة الأمازيغية باعتبارها اللغة الأم؛ تلك اللغة الأصلية الجديرة بالاحترام والاهتمام والعناية بها. علاوة على عرض ببليوغرافيا الدراسات اللسانية والمعجمية التي أنجزت من قبل المستمزغين الأجانب والدارسين المغاربة من أواخر القرن التاسع عشر الميلادي إلى يومنا هذا.

وبعد ذلك، بحثنا في مواطن التشابه والاختلاف بين اللغتين: العربية والأمازيغية من مختلف النواحي اللسانية. ثم انتقلنا إلى تقديم فرش تاريخي ونظري عام حول الكتابة الأمازيغية وفصيلتها اللغوية، مع تبيان مختلف خصائصها اللسانية والدلالية والتداولية.

وفي الأخير، انتقلنا إلى تبيان طرائق تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس الابتدائية، والإعدادية، والثانوية، والجامعية، بالجمع بين المقاربتين الثقافية واللسانية في التدريس والتبليغ والتواصل الديدكتيكي والبيداغوجي.

  ومن ثم، يتبين لنا، بكل صراحة وحقيقة، أن الحضارة  الأمازيغية غنية بالدوال المادية واللغوية واللسنية والسيميائية، تحتاج إلى من يفككها استقراء واستقصاء واستكشافا، ويركبها بناء وفهما وتفسيرا وتأويلا. علاوة على ذلك، فكثير من الناس يجهلون هذه الحضارة جملة وتفصيلا، ويحكمون عليها عن عمى وجهل وتقصير. في حين، ساهمت  هذه الحضارة الأمازيغية، بالشيء الكثير،  في إثراء الحضارة الإنسانية محليا، وجهويا، ووطنيا،وكونيا.ومن ثم، لايمكن التحقق من ذلك عمليا إلا بتعلم اللغة الأمازيغية وتعليمها، والتعرف إلى منتجها الثقافي والعلمي والحضاري واللسني واللغوي.

أضف إلى ذلك أن الإنسان الأمازيغي كان سباقا إلى إبداع الكتابة الأبجدية (تيفيناغ)، واستعمالها، بشكل خاص، في الرسم والتشكيل، والكتابة المهنية والإبداعية، وتحرير العقود، وتدوين النصوص، وكتابة الرسائل، والنقش على الصخور والجدران والشواهد والآثار، وكتابة الموسوعات العلمية والمعرفية، وتزيين الأجساد بالوشوم المثيرة والجذابة...

وفي الأخير، أسأل الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع استحسانا لدى المتلقي. وأشكر الله على علمه الوفير، وأحمده على نعمه العديدة، وأشيد بفضائله الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى.

 

د. جميل حمداوي

.......................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

المدخل إلى اللسانيات الأمازيغية / د. جميل حمداوي