حوار مفتوح

majed algharbawi10طارق الكنانيخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الكاتب والأديب طارق الكناني.

 

شعار: الإسلام هو الحل

س96: طارق الكناني: مع كل معضلة تواجه الباحثين في العالم المعاصر يحاولون اكتشاف حلول لها وتخطيها بوسائل شتى. قد يفشل بعضها، لكن لا شك أنهم يجدون حلولا ناجحة فيما بعد. ولكن هناك عبارة يتم ترديدها من قبل الباحثين الإسلاميين عند مناقشة بعض المعضلات المعاصرة التي تواجه مجتمعاتهم حيث يقولون (الإسلام هو الحل).

96-1: ألا تعتقد معي أن هذا يعتبر تراجعا وعودة إلى الماضي الذي يصعب تكييفه مع الوضع الراهن؟

ج96: ماجد الغرباوي: "الإسلام هو الحل" شعار رفعه حزب "الأخوان المسلمين"، خلال تحالفهم الانتخابي مع حزب العمل والأحرار، في حقبة ثمانينات القرن المنصرم، لاستقطاب الشارع المصري، وضمان صوته الانتخابي، على خلفية دلالاته التي تحيل على المقدّس والدين في مقابل ما تطرحه المشاريع السياسية الوضعية، التي تركت انطباعا سلبيا بعد توالي إخفاقاتها وعجزها عن الوفاء بتعهداتها. ولم يعترض القضاء المصري آنذاك على رفع الشعائر، ولم يجد فيه مخالفة قانونية، لعدم تعارضه مع الدستور، الذي يؤكد في أحد مواده الرئيسية: "أن الإسلام دين الدولة الرسمي، والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع". فيأتي منسجما معه.

وكان للثورة الإسلامية في إيران دور محفّز، حيث أثار انتصارها دهشة الحركات الإسلامية، وكسر حاجز الخوف وشجع على الثورة ضد حكوماتهم. وهكذا تبنت جميعها بشكل مباشر أو غير مباشر، شعار "الإسلام هو الحل"، وسعت إلى تطبيقه، ولو بالقوة. فالثورة أوحت بإمكانية استنساخها، وإقامة دولة مماثلة تتبنى تطبيق الشريعة. وهنا ظهرت رثاثة الوعي عندما جُردت الثورة الإيرانية من شروطها، ولم تدرس ضمن سياقها التاريخي. وكانت نتيجته دوامة العنف وسفك الدماء، الذي انعكس سلبا على سمعة الدين، وعكس صورة قاتمة عن الإسلام، حتى بات مفهوم المسلم يعني الإرهابي.. معادلة تبناها الخطاب الغربي، والتطرف العنصري، أفضت إلى مقتل أعداد كبيرة، من مسلمين وغيرهم. وأما في العالم العربي والإسلامي، فيكفي حجم الخراب، وبشاعة المجازر، وما فعله المتطرفون في أكثر من بلد.

والإسلام هو الحل، شعار برّاق، مغرٍ، تتفاعل معه الروح الثورية وتفتتن به، في إطار رؤية عامة لعلاقة الدين بالحياة والسياسة. شعار قادر على تحريك مشاعر المسلمين، وحملهم على تبنيه.

وبشكل عام دخلت الحركات الإسلامية منعطفا كبيرا بعد انتصار الثورة في ايران سنة (1979م)، حيث تنامى الأمل في استنساخ التجربة في بلدان أخرى، فهبّت من سباتها تعد العدة لخوض معارك ومواجهات مع الأنظمة الحاكمة باعتبارها أنظمة لا دينية يجب استبدالها. فحدثت تحركات واسعة في مصر وتونس والمغرب والجزائر والعراق وسوريا. لكن السلطات الحاكمة استطاعت إخمادها وزج الدعاة في السجون والمعتقلات. ومنذ ذلك الحين دخلت الحركات الإسلامية في مرحلة جديدة، مرحلة المعارضة  المسلحة، وتكبّدت خسائر كبيرة على صعيد التنظيم والأفراد. مما دعا بعض قيادات التنظيم إلى مراجعة شاملة انطلقت من سجون مصر، لتنتشر وتؤثر في فرز حاد لأتباع الحركات الإسلامية بين مؤيد للعنف والقوة لتحقيق أهدافه، وبين منحاز للسلم والعمل السلمي (معارضة سلمية)، فصار ثمة فارق نوعي بين سلوك الطرفين، رغم وحدة الهدف في الوصول إلى السلطة وإقامة دولة إسلامية. فهناك القاعدة والتشكيلات التابعة لها ومن بعدها داعش والفصائل المماثلة لها، التي نحت منحى إرهابيا بعيدا عن الإسلام وقيم السماء. وهناك حركات تشبثت بالعمل السلمي من أجل الوصول للسلطة، وبالفعل مارس بعضها السياسة علنا من خلال أحزاب منظّمة، وصار قوة لها استراتيجيتها، ورقما فرض نفسه على المعادلة السياسية. (كتاب: الحركات الاسلامية).

الجذر التاريخي للشعار

ليس الشعار غريبا على الوعي الديني، بل أن من صميم العقيدة تطبيق الشريعة، والكفاح من أجل اعتبارها مصدرا وحيدا للتشريع في دساتير الدول الإسلامية. وإذا كان تنظيم "الأخوان المسلمين" أول من طرحه بهذه الصيغة (الإسلام هو الحل)، فهذا لا ينفي جذره التاريخي. بل يؤكد ما تبناه الفقه الإسلامي، أن "الإسلام دين شامل كامل للحياة"، و"ما من واقعة إلا ولله فيها حكم". ومعناهما أن الإسلام حلٌ لكل معضلة حياتية ودستورية، من هنا أفتوا بحرمة التشريعات الوضعية كما مرَّ بيانه مفصلا.

وعندما رفعت الحركات الإسلامية هذا الشعار، فثمة ما يعزز ثقتهم بإمكانية تطبيقه تاريخيا إضافة لما حصل في إيران، كتجربة الخلفاء، التي تعتبر نموذجا للدولة الدينية العادلة التي أقامت شريعة السماء. بل وتعتبر امتدادا لدولة النبي في المدينة المنورة، ومن ثم دولة الخلافة الراشدة. فلم ينطلقوا من فراغ حينما رفعوا الشعار. بل أن نجاح تلك التجارب يؤكد إمكانية استنساخ دولة الخلافة. وأما الإخفاقات فمردها خطأ في التطبيق، وليس خللا في النظرية، أو نقصا في الدين والتشريع، هكذا استقر في وعيهم، وتشهد لهم أدبياتهم.

الحركات الإسلامية هي جزء من مسار حركات سياسية تاريخية طالما رفعت شعارات سياسية من أجل الوصول للسلطة، كشعارات "يا لثارات الحسين"، وشعار العباسيين، "الرضا لآل محمد"، وغيرهما. وجميعها تحركات سياسية تتخفى وراء شعارات دينية، لكسب الرأي العام، وتأليبه ضد السلطات الحاكمة، باسم الدين والإسلام. وشعار "الإسلام هو الحل" يأتي في هذا السياق رغم إيحاءاته الدينية والإسلامية إلا أنه شعار سياسي بلا مواربة، يطمح للسلطة، وقد يتنازل عن مبادئه وشرط تطبيق الشريعة عندما تحاصره الظروف السياسية.

دلالات الشعار

يمكن رصد ثلاث دلالات منطقية لهذا الشعار:

1 – إن تبني شعار "الإسلام هو الحل"، يؤكد كمال الشريعة، وشمولها لجميع مناحي الحياة، قياسا على كمال الدين. غير أنه يخفي على المتلقي حدودها وهامشها، وحجم المساحات المتروكة، أو ما يعرف عندهم اصطلاحا بـ"الإباحة". فهو يمارس خداعنا، حينما يقيس كمال الشريعة، بمعنى شمولها لمطلق وقائع الحياة، بكمال الدين. بينما أحكام الشريعة محدودة، وما تبقى اجتهادات فقهية، تفتقر لمشروعيتها، سوى قواعد وأصول تم تأسيسها بعناية فائقة. فكمال الدين الذي تشير له آية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) يقصد به كماله، ضمن العدد المحدود من الأحكام الشرعية، ولم يشترط كماله بأحكام فقهية مستأنفة، لذا تفتقر لدليل يؤكد حجيتها.

2- يستبطن شعار (الإسلام هو الحل) إدانة غير مباشرة لمناوئيه، لعدم تطبيقهم الشريعة، ويعتبر عدم تبني الشعار سببا لجميع إخفاقاتهم وفشلهم، ونحن نعلم ثمة أسباب كثيرة وراء الفشل السياسي، وليست مقتصرة على عدم تطبيق الشريعة، بل لم يؤخذ تطبيقها شرطا في تقدم الدول، وتبقى قضية تخص بعض الشعوب المسلمة. وبالتالي، قد تبدو رسالة الشعار مشروعا سياسيا بديلا، يراهن في نجاحه على الإسلام، غير أن المتستر عليه أنه رسالة إدانة للأحزاب والحكومات الوضعية، وإدانة للشعوب التي منحتها ثقتها بعيدا عن الدين، ويحمّلها جميع الإخفاقات بسبب بعدها عن الإسلام. فالشعار يوحي بلازمه / الإدانة. ويكفي دليلا استجابة الناس له، مصحوبة - أي الاستجابة - بإدانة الأحزاب والحكومات الوضعية، ويسلبها مشروعيتها. وهذا ما يؤكد إيحاءاته.

3- يستجير الشعار بالمقدس الديني، حينما يستمد مشروعه من كمال الدين، ويتجاهل جهده البشري. أو يرتفع به فوق النقد والمراجعة، فيلغي الآخر، ويفرض الاعتراف بقدسيته، مهما كانت بشريته، شرطا لتفعيل ممكنات التشارك في السلطة. ثم أن الاعترا ف بقدسيته، شرعنة صريحة للاستبداد والتسلط، وهذا مكمن خطر الحركات الإسلامية في السلطة، حيث تغدو جميع تصرفات الحاكم مشروعة ومقدسة.

براءة الشعار

إن شعار "الإسلام هو الحل" كغيره من الشعارات، يتمتع بزخم عاطفي، وقدرة على تعبئة الناس، وتحريض الرأي العام. ويمارس مكره حينما يتستر على هدفه السياسي، ويحقق رسالته، عبر توظيف اللغة، وإيحاءات الخطاب. فلم  يكن شعارا بريئا، يروم تطبيق الشريعة لأجل الدين، بل يكمن خلفه مشروع سياسي، يطمح لإقامة دولة دينية، تخضع لفكر الإخوان المسلمين وإيديولوجياتهم واستراتيجيتهم. مشروع يختزل الدين بإقامة الدولة، بهذا يتضح الفارق النوعي بينه وبين التجارب التاريخية، التي كانت تسعى لتطبيق الشريعة، امتدادا لتطبيقها في زمن النبي. فهي لم ترفع الشعار لاقامة دولة، ولم تبرر وجود الدولة بتطبيق الشريعة. بينما تتخذ الحركات الإسلامية من الشعار مبررا لاقامة الدولة، التي هي بذاتها هدف أساس لها. فليس الهدف من وراء الدولة الدينية تطبيق الشريعة فقط، بل يتمادى منظّرهم سيد قطب حينما يقول: (نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية. تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم، وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم، حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجعة إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرا إسلاميا، هو كذلك من صنع هذه الجاهلية).  

بهذا يتضح أن الحركات الاسلامية لا تتعامل مع أفراد المجتمع على أساس إنسانيتهم، أو وفقا لاختصاصاتهم ومهاراتهم. ولا تضمن احترام وجهات نظرهم. ولا معنى لحرية الرأي والعقيدة عندهم. المقياس الوحيد مدى إيمان الشخص والتزامه بالشريعة الإسلامية المتضمنة لآراء فقهائهم، وما يصدر عن السلطة (أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من أوامر وقرارات. لذا فالفرد بنظرهم: إما مسلم أو كافر، وإما ملتزم دينيا (متدين أو خيّر) أو فاسق. والبلد إما دار إيمان أو دار كفر. وأما الإسلام وشهادة الشهادتين، فهي ليست مقياسا لكل شيء، ولا تعصم الإنسان إلا في حدود. وبالتالي لا معنى لوجود مجتمع مدني، وشِرعة حقوق الإنسان، والاعتراف بالآخر المغاير، وفقا لما يتبناه سيد قطب منظّر الأخوان المسلمين.

رهانات الشعار

يراهن شعار (الإسلام هو الحل) على خلفية تختزن صورة مشرقة، مبالغ فيها، عن دولة الخلافة. وهي صورة ساذجة، كتبت بأقلام السلطة، دون نقدها وفضح بشريتها وعدم مثاليتها، بل وعدم شرعية سلوكها، وتصرفات حكّامها في أحيان كثيرة، غير أن خطاب التبرير استطاع بحكم سذاجة الوعي، ترميم الأخطاء، وتبرير مطبات السلوك السياسي، وتقديم صورة نقية، مقدسة، تلهب مشاعر الناس، وتتمنى عودتها. إن دولة الخلافة تجربة بشرية مرتهنة لظروفها. لها نجاحاتها وأخطاؤها. وتقيمها بموضوعية يتطلب تبريرا معقولا لصراع السلطة، وحجم الدماء التي سفكت بسببها، ودواعي استحواذ قريش عليها. إضافة إلى بيان حدود الحرية الشخصية كمصداق لمثاليتها، ومدى الاعتراف بالآخر، وقدرة الفرد آنذاك على التجاهر بآرائه ومعتقداته، ولماذا شهداء الكلمة والمنبوذين والمهمشين وغيرها من قضايا، مازال الشك يعصف بشرعيتها.

كما أن خلفية المتلقي تحمل صورة عن الدين تستمد قدسيتها من قدسيته، ولا بأس، غير أن مسألة كمال الشريعة، وصلاحية الدين لكل زمان ومكان مطلقا، بحاجة إلى تأنٍ لاستعادة الحقائق ومحاكمتها وفقا للنصوص التأسيسية / آيات الكتاب، ومدى شمول التشريع لجميع مناحي الحياة. وهل حقا يقصدون خصوص آيات الأحكام، أم الأعم مما أضاف المسلمون من مصادر تشريعية؟. وحينئذٍ يفتحون الباب لجواز التشريع وملء الفراغ. فثمة تزوير للحقائق مازال يراهن على رثاثة الوعي، وبساطة المتلقي وطيبته.

أحسب أن هذه المقدمة أضاءت الأبعاد التاريخية والسياسية للشعار، والأهم بيان ما يضمر من أهداف سياسية. فهو شعار سياسي بامتياز يتخفى وراء الديني، ويسعى لتوظيفه، ليبرر مشروعية مواقفه وسلوكه، وشرعنة أفعاله وقراراته.

 

96-1: ألا تعتقد معي أن هذا يعتبر تراجعا وعودة إلى الماضي الذي يصعب تكييفه مع الوضع الراهن؟

ج: إن منطوق "الإسلام هو الحل"، يؤكد شمول الشريعة وقدرتها على الاستجابة لجميع متطلبات الحياة، في كل زمان ومكان. ويوحي بوجود حلول جاهزة، ما على الحكومات سوى الالتزام بها وتطبيقها. ولو سلّمنا جدلا بهذا الكلام، فإن الشريعة ناظرة للواقع، وعندما نزلت الأحكام الشرعية، كانت تقصد ذلك الواقع، وأما إطلاقها لكل زمان ومكان فيحتاج إلى دليل، خاصة وفق ما قررناه مرارا أن فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه. فنحتاج إلى دليل يؤكد ثبات موضوعات الأحكام. وهذه قضية مفصّلة يرجى مراجعة البحوث السابقة، ومعرفة المائز بين أحكام العبادات، وغيرها من الأحكام التي تخص شؤون الفرد والمجتمع.

فإذا كنت تقصد بكلامك قياس الحاضر على الماضي، كما يفعل الفقهاء والسلفيون وكثير من الحركات الإسلامية، فيصدق أنه عودة للماضي الذي يصعب تكييفه مع الحاضر، بعد تجريد الماضي من تاريخيته، والتمسك بإطلاقات الأحكام، بغض النظر عن فعلية موضوعاتها. خاصة التمسك بعمل السلف التي هي اجتهادات شخصية، تتأثر بقبليات الصحابي والإمام والفقيه. إذ هنا ثمة فارق جوهري بين أحكام الشريعة، المنصوص عليها قرآنية، وما تلاها من أحكام تمثل وجهات نظر فقهية، مهما كانت نسبتها للشريعة، باستثناء تطبيق كلياتها على مصاديقها.

 

96-2: ألا يعتبر هذا سببا رئيسيا لتخلف الأمة الإسلامية بشكل عام عن الركب الحضاري لأنها مازالت ترزح تحت أفكار السلف وتستحضرهم بكل مافعلوا وقرروا ليطبقوها في العصر الحالي.. الأحزاب والحركات الإسلامية إنموذجا؟

ج: فهم الدين ودور الإنسان في الحياة، يؤثر سلبا وإيجابا على تقدم أو تخلف الأمة. فهناك ما هو أعمق من تطبيق الشريعة، وأعمق من الشعارات التي ترفع باسمها. فثمة اختلاف جذري في فهم الدين ودور الإنسان في الحياة تكلمت عنهما خلال الحديث عن الفرق بين منطق العبودية ومنطق الخلافة. فعندما يريد الشعار فرض قيمه ومفاهيمه التي هي اجتهادات شخصية من وحي قبليات الجماعة الإسلامية، وهي قبليات سياسية، وطموحات سلطة، فلا شك بما تقول.

 

96-3: ألا يعتبر هذا نكوصا فكريا لدى هؤلاء الباحثين وعدم استجابتهم لمتطلبات التغيير والحداثة؟

ج: هؤلاء ليسوا مجرد باحثين، بل أصحاب مشاريع سياسية، والسياسي لا يفكر بالنكوص الفكري. همه الوحيد مصالحه ومصالح حزبه، وكسب الناخب، ضمن الممارسة الديمقراطية. وإقناعه بمشروعه خارجها. والثانية أخطر، حيث يفرض إرادته وسلطته باسم الدين والتشريع.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi9طارق الكنانيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الكاتب والأديب طارق الكناني.

 

عبء العقائد

ماجد الغرباوي: عندما ننتقل للعقائد الدينية، ونعيد السؤال وفقا لما تقدم: "هل تؤثر هذه العقائد على مستوى الإيمان الروحي بالخالق"؟ ومدى هذا التأثير؟.

لا مراء، ثمة تأثير متبادل. الإيمان يستدر العقيدة مشروعيته رغم تعدد مناشئه، ليضفي عليها معنى من خلال تجلياته. وبينما تقدّم العقيدة تصورات نظرية للكون والحياة وما بعد الموت، يمنح الإيمانُ العقيدةَ صدقية من خلال تجربته الروحية ومختلف تمظهراته، عبر ممارساته الطقوسية. أو تبقى معلقة ما لم يجسّدها الإيمان سلوكا ومشاعر تنتمي لها. ولا ريب في كل هذا، لكنَّ الكلام عن مستويات التأثير، ومدى توقف وجود أحدهما على وجود الآخر. وهل كلاهما مرتهن للثاني؟.

العقيدة لغة كما مرَّ، مأخوذة من الفعل "عَقَدَ"، وما عقد عليه القلب، وأذعن له وصدقه. ويقصد بها الاعتقاد دون العَمل، كعقيدة وجود اللهِ وبَعْثة الأنبياء. فهي تشير للبعد النظري، كمنظومة مفاهيم وتصورات، ينتسب لها الإيمان. وأما الإيمان فيأتي من الأمن والاطمئنان والانسجام النفسي. وهو تراكم لا شعوري لا تشكل الحقيقة (التي هي جوهر العقيدة حسب الفرض) سوى جزء موضوعه، ويستمد صدقيته من مناشئ وأبعاد أيديولوجية أخرى. لذا تعددت مناشئه، ولم تقتصر على وجود أدلة وبراهين. وقد لا تورث الأدلة العقلية والفلسفية الإيمان بسهولة ما لم يصاحبه طقوس وشعائر ومناسبات ومشاعر وتحديات وردود أفعال وعادات وتقاليد وعبادات، تحقق الحالة الروحية والنفسية المعبرة.

الإيمان يترسخ بالممارسات العبادية والتسليم، وتقوضه الشكوك المجردة من العاطفة. من هنا لعبت الطقوس والشعائر دورا كبيرا في ترسيخ ونشر العقائد الدينية رغم لا معقولية بعضها. ومن هنا أيضا أكد القرآن على العمل الصالح دليلا على صدق الانتماء العقدي، خاصة العقائد الغيبية، التي لا يمكن للفرد الإمساك بها، إلا من خلال ممارسات شعورية تُلهِم الإيمان والتصديق، بعيدا عن الأدلة والبراهين. ليغدو نفس العمل الصالح دليلا على صدقية العقيدة، وهذا دافع لا شعوري، يتأتى بديمومته وتبني طقوسه وشعائره: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). بهذا نفهم أن الإيمان بالغيب كعقيدة دينية راسخة لدى جميع الديانات، تستدعي إذعان النفس من خلال جميع الممارسات العبادية، كالعمل الصالح، والإتيان بالحسنات، والتسبيح، والذكر وإقامة الصلاة، والصوم والحج. وهي مشتركات إيمانية. فالإيمان شرط لرسوخ العقيدة، حينما يكرّس قدسيتها، ويضفي لها معنى، ويعيد تشكيلها لتفادي نوازع الشك والتمرد. أو أنه يعيد إنتاجها لتواكب ضروراتها، وما يملي عليها الخطاب الأيديولوجي. فالإيمان لا ينتقل من مرحلة التصور إلى مرحلة التصديق إلا من خلال تجربته الروحية، التي تغذيها مختلف الطقوس والشعائر والإيحاءات الرمزية.

وبالتالي، إن إيمان الناس بشيء أو بعقيدة مهما كانت، لا يعني مطابقتها للواقع، بل نكتشف من خلال الإيمان بنية العقل ومضمراته التي تفضي له. وأما صدقية العقيدة فتحتاج لأدلة. أي أن الانتقال من المرحلة التصورية إلى المرحلة التصديقية التي يذعن فيها القلب ويؤمن، يحتاج لأدلة عقلية ونقلية. فلا يمكن الاستدلال بإيمان الناس على صدق عقيدتهم، لتعدد مناشئه. رغم أن الإيمان بشكل عام تجرية روحية شخصية يعيشها الفرد بمشاعره وأحاسيسه، لا تحتاج إلى ما يؤكدها، بل يدرك الإنسان نور الإيمان بقلبه، ويعيش فيوضات التجربة بمشاعره.

خلاصة ما تقدم، تشكل العقيدة أحد روافد الإيمان، وقد تبقى مجرد تصورات، لا يذعن لها القلب ولا تحرّك مشاعر الفرد. كمن يزاول تدريس العقائد، ويقتنع بأدلتها وبراهينها، دون أن تستفز مشاعره أو تخلق لديه وازعا، يتجلى من خلال مشاعره وسلوكه. وقد يعمل الخير لا يقصد به التقرب إلى الله رغم إيمانه. بينما يحرص المؤمن على إتيان عمله بدواعي التقرّب لله تعالى، وهذا من وحي عقيدته، وتصوراته الإيمانية. فالعقيدة جوهر الإيمان، تتولى تقديم رؤية كونية تؤطر العمل الإيماني، وتمنحه مشروعية كاملة، من خلال ضوابطها ومقاييسها. رغم رهانها المستمر عليه، خاصة الغيبيات والحقائق الدينية التي لا يمكن الاستدلال عليها خارج النص، وتقنيات الإيمان. فهي جوهره، ومصدر مشروعيته. لا يستغني الخيال البشري المرتهن للغيب والدين، مهما كانت بساطة الإنسان، فهو يمتلك رؤية ولو ضبابية، لكنها موحية، تدفع باتجاه العمل، سلبا أو إيجابا، وهذا سرَّ خطورتها، وسّر تكريس الكتب السماوية مساحات واسعة لرسم ملامحها، وبيان أطرها، ومحدداتها، خوفا من الإنزلاق العقدي. ونؤكد هنا أن الايمان وضمان روافد سليمة لتغذيته مهمة دينية، تشهد لها جميع الكتب السماوية.

انضباط العقيدة

تشكل العقيدة خطرا حقيقيا على الدين وأهدافه، عندما تنحرف عن غاياته ومقاصده، كأن تبرر الشرك بدواعٍ مختلفة، بينما التوحيد جوهر الدين: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ). فالجزء الأول من الآية يفضح أساليب تسويف عقيدة التوحيد والدين الخالص لله. وعندما أقول أن العقيدة تمنح الإيمان مشروعيته، أقصد أنها تحدد اتجاهه، فتغدو بوصلته في حركة الواقع ضمن تجربته الروحية، بمختلف تمظهراتها شعوريا وسلوكيا. وبما أن الكلام عن العقيدة الدينية، فهي محددة قرآنيا، ولا قيمة لأية أضافة تفتقرلدليل صريح يدل عليها، خارج دائرة أتباعها ومعتنقيها ممن يتلقونها في إطار بيئتهم الثقافية والاجتماعية. وهي واضحة قرآنيا، تلخصها آية: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).

لذا أفضى علم الكلام الإسلامي القديم إلى نتائج سلبية، عندما وظّف نفسه لأهداف أيديولوجية ومذهبية وطائفية وسياسية، رضخ لضروراتها، وصارت مهمته الدفاع عن عقائد شابها الشرك، وشرعنة الظلم والجور، فشكلت تداعياته خطرا على فهم الدين، إذ أنه أسقط الإنسان من معادلة المتكلمين، وأهمل حاجاته وتطلعاته، فهجرته العقيدة وأخذ يشق طريقه بمعزل عنها، خلافا للمنهج القرآني الذي أراد أن تكون العقيدة موجها للإنسان في سلوكه وممارساته، ويعيش التوحيد بكل كيانه ومشاعره وأحاسيسه، ويتسق مع الوجود في حركته إلى الله تعالى . فلجأ الإنسان إلى نزعات باطنية، غنوصية، صوفية لملء الفراغ الروحي الذي خلّفته العقيدة بعد أن هجرت الحياة واستقرت في عقول المتكلمين، تهددها الشكوك والأوهام. وأخذ الإنسان يمارس لونا آخر من العقيدة، اقتصر فيها على طقوس وشعائر مجردة، فصيرته إنسانا مزدوجا، موزعا، فهو في ممارساته الدينية غيره في علاقاته الاجتماعية.

المشكلة أن الفكر الديني عموما يجترح أفكارا ومفاهيم وعقائد، تتحول بمرور الأيام إلى مرجعيات نهائية، وسلطة فوقيه توجه وعيهم وتفكيرهم وسلوكهم. ثم تندرج ضمن اللامفكر فيه، والممنوع، والمحرم، عندما تُضرب حولها أسيجة قدسية، ويتولى حمايتها حرّاس العقيدة وجندرمة الخطاب الرسمي. فما نسعى لها هو استعادة بشريتها لنقدها، ومعرفة ظروفها، وكيفية اشتغالها، وفرض حقيقتها، وما هي علاقتها بالنصوص والروايات. فهي قضايا بشرية واجتهادات شخصية، فكيف تحولت إلى جزميات دوغمائية تتحكم بمسيرتنا وبمستقبلنا؟. فالعقيدة اليوم قائمة على النص، وما لم نمارس النقد على نصوصها كمرجعيات نهائية لا يمكن الحد من تأثيرها وتمددها، رغم أنها وجهات نظر تاريخية. إن خطر العقيدة لا بحضورها بل بمرجعياتها الميثيولوجية، التي ترتكز للامعقول، وترفض العقل والعقلانية. فتعيش أوهام الحقيقة، والنجاة المطلق يوم المعاد.

التنوّع العقدي

ثم يأتي الشق الثاني من السؤال المتقدم: (وهل هذا التأثير سلبي أم إيجابي؟ أي بمعنى هل يساهم في ترسيخ العقيدة أم يكون عامل نفور منها؟).

لا شك إذاً أن كل عقيدة تؤثر في إيمان الفرد، مهما كان مستواه، ويكفي ارتهان مشروعيته بها. ومعنى هذا أن العقيدة بوصلة الإيمان، وربان شراعه، وفق ما تؤصله من مقولات تنتظم ضمن بنيتها. فعندما تؤصّل لوحدانية الله مثلا، يصبح التوحيد قبلة الإيمان، على نحو جامع مانع، يكرّس وحدانيته تعالى، ويمنع جميع الأغيار، مهما كانت شائبة الشرك. وعليه بما أن العقائد الموازية، تستظل بالعقيدة الأم، فإن إيجابيتها وسلبيتها مرتهن لأدائها التصوري، ومدى قربه وبُعده من جوهرها. وهنا سنكون أمام تنوّع عقدي، لكل واحد أحكامه، ويمكن في هذا الخصوص تحديد مصاديقها والموقف منه:

1- الدليل العقلي:

تارة يكون العقل دليلا على صدقية العقيدة، كما بالنسبة  لوجود الخالق (أصل وجوده)، الذي يمكن للعقل الاستدلال عليه من خلال بعض البديهيات كامتناع التسلسل، وقانون العلة والمعلول، وبطلان الدور، وهناك محاولات رياضية جادة، والاستعانة بالاستقراء. وهذا القدر من الاستدلال يطمئن له العقل حدَ اليقين والإذعان، ويكون إيمانه في بعده النظري إيمانا برهانيا. غير أنه يقتصر على من لهم قدرة على إعمال العقل، وإقامة الدليل. وعليه فالإيمان هنا مرتهن لمؤدى الدليل ومدى صموده أمام الإشكالات النقدية ليتناسب معه طرديا. ويبقى تأثيره في حدود الجانب النظري، ضمن رؤية فلسفية ونظرة كونية شاملة. فالعقيدة هنا قادرة على ربط الفرد بخالقه، وقادرةعلى إثراء التجارب الروحية، وتطويرها من خلال تأمل واعٍ لصفات الخالق التي تتجلى له عبر مخلوقاته، بل وتفتح له آفاقا أرحب ضمن تجربته الروحية. لكن أعود وأؤكد موضوعها وجود خالق لهذا الكون، وما عداه، يستدعي مصادر أخرى.

2- الدليل النقلي:

وتارة أخرى يكون النقل دليلا على العقيدة، وهو مصدر جميع تفصيلاتها، عدا إثبات أصل وجود الخالق، الذي يمكن للدليل العقلي إدراكه. وهنا ستكون العقيدة مرتهنة للنص وشروطه وارتهاناته، وهو بالذات سيكون مقياسا لإيجابية وسلبية التأثير، فيُقتصر على النصوص التأسيسية، التي هي موضوع للفهم والتفسير. وما يتلو النص التأسيسي، نصوص ثانية، شارحة ومبينة، تعكس قبليات مؤلفها، وتخضع لإملاءاتها، وضروراتها. النص الثاني يعيد انتاج النص الأول، حداً يحجبه ويحلّ محله، تحت ذريعة الصُحبة والقرب من عصر الوحي، وقد وصل الحال الإفتاء بحرمة مقاربة النصوص التأسيسية إلا من خلال نصوص الصحابة والتابعين، كما هي التفاسير التراثية (التفسير بالأثر) التي تهتدي بهدي من سبقهم، وهم الطبقة الأولى (من الصحابة والتابعين، كابن عباس وابن مسعود وابن عمر. أو كمجاهد وقتادة). فيرتهن فهم النص التأسيسي لقبلياتهم ومتبنياتهم الأيديولوجية، المرتهنة أساسا لأولوياتهم القَبلية، واتجهاتهم السياسية. وهنا قد تتضخم العقيدة أو تختزل وفقا لمتطلبات النصوص الثانية. لذا اشترط بالنص، كمصدر للعقيدة، أن يكون نصا تأسيسيا. وهو شرط عقلي، تم التنظير له والحديث عنه مرات عدة، مفاده لا يمكن رفع اليد عن الامتناع العقلي، كما في العقائد الممتنعة عقلا، إلا بدليل قرآني، باعتباره كاشفا تاما عن الحقيقة، فنرفع اليد عن الامتناع، لا بمعنى تخصصيه لأن أحكام العقل لا تخصص، بل بمعنى وجود أسباب خافية علينا. وخلاصة ما تقدم أن الإيجاب والسلب صفتان مرتهنتان بصدق العقيدة، وحدود تأثيرها، وليست ثمة عقيدة مفتوحة، لمخالفتها الأصل العقلي. فصدقها وقصور أدلتها، كلاهما يؤثر في الإيمان سلبا وإيجابا.

تجدر الإشارة، أن اشتراط القرآن مصدرا للعقيدة، يضمن انضباطها، وعدم السماح باستغلالها، وتوظيفها لأغراض سياسية ومذهبية وطائفية، وهنا أقصد أمرين: الأول: جميع ما وراء الطبيعة، من مقولات عقدية غيبية، كالجنة والنار والجن والشيطان، فإنها قضايا نسبية، ليس لها حقيقة خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي، فيلعب النص ومصدره دورا أساسا وراء حقيقته. فنقتصر على النصوص التأسيسية دليلا على ثبوتها أو نفيها، وماعدا ذلك يُعد تقوّلا على الله، ويكون تاثيره سلبا على الإيمان، كما بالنسبة لعذاب القبر، وما تسرده الروايات من أوصاف مهولة، لا تجد لها جذرا قرآنيا. والكلام هنا عن العقل الجمعي، والوعي الجماهيري المرتهن للغيب والتراث.

والثاني: الاصطفاء الذي تتحدث عنه النصوص الثانية، ولم تجد لها مصداقا في النص التأسيسي / القرآن، فأيضا تداعياته على الإيمان خطيرة جدا، وهو مصدر معاناة الوعي مع العقائد التي ظهرت بعد وفاة الرسول، وبذلت جهود تنظيرية هائلة لربطها بالدين، وبالنصوص التأسيسية الأولى. يمكن الاطلاع على كتاب: (مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني).

فتأثر الإيمان بالعقيدة مرتهن لصدقيتها، ومصدرها، ومدى قدرتها على مقاومة التحديات والإشكالات. إضافة لقوة رمزيتها، وما تكتنزه من دلالات، وتوحي به آفاق معرفية متجددة. وتبقى التجارب الروحية، والضبط السلوكي مقياسا للإيمان العملي، الذي يستفز الفرد، ويدفع باتجاه العمل الصالح، كتجل له.

 

س95: طارق الكناني: إذا لم يكن لها تأثير سلبي ولم تخلق فجوة بين الخالق والمخلوق، فما الضير في تبني هكذا أفكار، والإبقاء عليها كتراث شعبي. حتى لو أضيفت لها بعض القدسية حيث ستبقى علاقة المخلوق بالخالق وثيقة ويمارس الطقوس العبادية الأصيلة وفق ضوابط شرعية عالية الموثوقية؟.

ج95: ماجد الغرباوي: اتضحت آنفا مصادر العقيدة، أما تكون عقلية، ارتكازا لمبادئ عقلية وفلسفية. أو يكون مصدرها النص، فنقتصر عليه. وعندما نعود لهذه المصادر، نجد أن حدود الدليل العقلي والفلسفي إثبات خالق لهذا الكون، وما تبقى من مقولات عقدية مصدرها النص. وقد ذكر الكتاب ما يكفي لبيان عقائد الدين الإسلامي، وبيّن رأيه في جميع ما عداه من عقائد، كان الناس يدينون بها. فأسس لمائز عقدي، محوره التوحيد، واقتصار القداسة، بمعنى الارتفاع بالمقدس فوق النقد والمراجعة، على الخالق تعالى، باعتبار صفاته الذاتية التي تفرض قداسته.

الأهم من كل هذا أن العقيدة جزء مقوّم للدين، وتلعب دورا أساسا في تأسيس مقولاته، وربطها بهدفه الأساس، وليس ثمة فوضى، يُفتح بموجبها الباب للاستزادة من عقائد تستدعيها ضرورات أيديولوجية أو سياسية. خاصة العقائد التي تترتب عليها آثار دينية وعقدية، ولها إنعكاسات على الفرد وعلاقته الاجتماعية، إضافة إلى تأثيرها على مستقبل الجماعة ومعتنقي ذلك الدين، على جميع الأصعدة. فالعقائد التي تنظّر لقدسية شخصيات ورموز دينية أو تاريخية، وتفرض لهم صلاحيات وسلطات واسعة، ولم ينص الكتاب الكريم عليها، فإن تداعياتها لا تقف عند حدود العقيدة، وضوابطها القرآنية، بل تتعداها للشريعة، وأصول الدين وفروعه. ولكل استحقاقه والتزاماته، التي قد تكون باهظة جدا، وتعرّض جوهر الدين للتشويه والاحتكار، وتؤسس لقيم تجافي التسامح الديني، عندما ترفض الآخر، لمجرد عدم قناعته بمنطق الوصايا الجديد. فنحن أمام دين إلهي، له ضوابطه، وعندما تحدد الآية أصول العقيدة، وبيان مصاديق الاصطفاء، فإنها تؤسس لضابطة كلية، ينبغي الإلتزام بها دليلا على صدقية الإيمان، وأي تلاعب سيكون متهما قرآنيا، والاتهام يسلب العقيدة الموازية شرعيتها، فكيف يحتفظ بها تراثا، يرمز للدين والقيم الدينية؟.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi8طارق الكنانيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الكاتب والأديب طارق الكناني.

 

س94: طارق الكناني: في كل الديانات القديمة وبمرور الوقت تنشأ عقائد جديدة، نابعة من الأساطير التي يتخم بها الموروث الشعبي لهذه المجتمعات القديمة، وبحكم الفلسفات التي يتداولها معتنقو هذه الديانات.. وقد تكون هذه الأفكار والعقائد باعثا على التجديد وعدم الركون لفكر ثابت، وهذه الأفكار نابعة بالتأكيد من الأساطير التاريخية التي تتراكم بفعل الزمن لتصبح عقائد راسخة لدى معتنقي هذه الديانات وهناك الكثير من هذه العقائد إذا أحببت أن أورد لك نماذج على سبيل المثال لا الحصر.

السؤال هو: هل تؤثر هذه العقائد على مستوى الإيمان الروحي بالخالق؟ ومدى هذا التأثير؟ وهل هذا التأثير سلبي أم إيجابي؟ أي بمعنى هل يساهم في ترسيخ العقيدة أم يكون عامل نفور منها؟

ماجد الغرباوي: شكرا للأخ الأستاذ الكاتب والأديب القدير طارق الكناني، وشكرا لأسئلتك القيمة. جدير بالذكر أن الأخ الكناني، قد أجرى معي، قبل الشروع في هذا الحوار المفتوح، حوارين مفصّلين وطويلين، تمخضا عن صدور كتابين، الأول بعنوان: (رهانات السلطة في العراق.. حوار في أيديولوجيا التوظيف السياسي). الذي صدر سنة 2017م، عن مؤسسة المثقف في سدني – أستراليا، ودار أمل الجديدة في دمشق – سوريا. والثاني بعنوان: (مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني)، صدر مرتين عن مؤسسة المثقف ودار أمل الجديدة. الأولى سنة 2017م، والثانية عام 2018م. وقد سجل الأخير حضورا لافتا في معارض الكتاب التي شاركت فيها دار أمل الجديدة. وكلا الحوارين لم يُنشر على حلقات في صحيفة المثقف. فأهلا وسهلا به وهو يستأنف طرح أسئلته حول موضوع جديد.

تاريخية العقائد

إن تطور العقيدة بشكل عام، والعقيدة الدينية بشكل خاص، حقيقة تاريخية. وكذلك انشطارها وأفولها، بعد انهيار إرادة التحدي، وضعف مقوّمات الصمود أمام الإشكاليات المطروحة. ويكفي مراجعة كتب المِلل والنِحل وكتب العقائد والفِرق للتعرّف على تاريخ نشوء وتطور العقائد الحية، فضلا عن العقائد التي اندثرت أو بادت، لأسباب بعضها ذاتي يرتبط بذات العقيدة، وقدرتها على تقديم إجابات كافية للأسئلة الوجودية المتجددة. ومدى تدفقها الروحي بما يُطفئ ظمأ الروح، وربط معتنقيها بها. والسبب الآخر خارجي، كالعنف والقمع والتهميش ومنطق التكفير. أو أنها تندحر أمام زخم الوعي، وظهور مناهج عقلية وفلسفية مناوئة للميتافيزيقيا واللامعقول، خاصة اللامعقول الديني.

وأما العقائد الموازية، فتارة تترشح عن العقيدة الأم، حينما تتبنى أصولها، وتضيف ما يخدم هدفها وتطلعاتها، وهو دَيدَن ما ظهر بعد وفاة النبي من عقائد، تشمل أغلب الفِرق والمذاهب. أو أنها تستقل بجذر عقدي مغاير لا ينتمي للعقيدة الأم، كأن تنهل من عقائد ما قبل أو بعد ظهور الأديان، أو تعود لأساطير قديمة، فتقع خارج حدود العقيدة الأم، مهما كانت مساحات الإلتقاء، كما بين الإسلام وأهل الكتاب، فثمة أفق للتوافق العقدي، كالأصل الإلهي للأديان. وفي جميع الحالات ثمة أسباب ودوافع، تكشف عن أهدافها، ودوافع ظهورها أو تطورها. إذ لعبت عوامل شتى، خاصة السياسة وصراع السلطة دورا خطيرا في ظهور عقائد موازية. تبدأ بتأسيس أصول، تكتسب شرعيتها من العقيدة الأم، عبر مجموعة تأويلات ومقولات كلامية ونصوص منحولة، من أجل تحقيق أهدافها بعيدا عن الريبة والشك.

بشكل عام، العقيدة شأنها شأن أي كائن تبدأ صغيرة، بسيطة، وربما ساذجة ثم تتطور. بعضها يموت، وبعضها يقاوم، عندما تجدد العقيدة خطابها، وتصد تحدياتها. أو تتبناها سلطة دينية أو سياسية، تساهم في انتشارها، وتأصيلها، والذب عنها. ويمكن في هذا الصدد مراجعة عَملين مهمين، للاطلاع على تاريخ العقائد والأفكار، الأول: "تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية"، تأليف: "ميرسيا الياد"، (3) أجزاء، وهو كتاب مرجعي مهم ضمن اختصاصه. والثاني خاص بالعقيدة الشيعية، وهو كتاب: "د. مدرسي طباطبائي"، بعنوان: "تطور المباني الفكرية للتشيع في القرون الثلاثة الأولى". وكلا الكتابين مترجم إلى اللغة العربية، ومتوفر في المكتبات.

القلق المصيري

لكي تكتمل الصورة حول أسباب تطور وتفاقم العقائد، خاصة الموازية، استدعي نصاً من كتاب "النص وسؤال الحقيقة"، يقدم تفسيرا لبعض المظاهر والممارسات، خاصة الطقوس، باعتبارها تمظهرات للعقيدة، سواء كانت دينية أو غيرها:

(أجد في حرص الناس على ممارسة الطقوس بعدا أعمق، يتجاوز مسألة الإيمان وظمأ الروح وحاجتها لما يروي عطشها، ويفتت حيرتها، ويعيد لها استقرارها، وطمأنينتها، فثمة قلق مصيري يستبد بالإنسان يدفعه للتشبث بها، منشأه سؤال الحقيقة عن مآل المصير البشري، وكيفية النجاة. فالإنسان مفجوع بكوارث الطبيعة، ومفاجآت الحياة منذ القدم، ومصدوم بالموت، تلك الظاهرة التي حار العقل البشري في تفسيرها، والأكثر ما بعد الموت، حينما راحت أرواح الرموز العائلية والأبوية تطوف حول أبنائها، فاضطروا لعبادتها، وتقديم القرابين ضمن طقوس خاصة، لدفع شرورها، وكسب مرضاتها، ورعايتها، وعطفها. والتمهيد لما بعد الموت، بما يكفل نجاته. وبهذه الطريقة تشكل الإيمان. فقلق المصير البشري، والخوف من مآلات الآخرة، وهاجس النجاة، وراء ممارسة الطقس، وهو سبب دفين في أعماق النفس البشرية. وقد غذّى الخطاب الديني روح الخوف من الآخرة وعواقبها، ضمن منهجه التربوي القائم على الترغيب والترهيب. فالشعائر الدينية في نظره تعبير آخر عن حاجة الإنسان لدفع غضب الله تعالى عليه، وضمان نجاته في دار المعاد. وهي نظرة تراثية، شوّهت الرؤية القرآنية القائمة أساسا على العدل ومجازاة الإنسان على عمله وسلوكه. ومعاقبة المفسد، والظالم لحقوق الناس، ومن يسعى في الأرض فسادا هدفه إحقاق الحق بالعدل، وليس انتقاما. فالله غني عن العالمين، ولا يضره شيء، وحينما تعبّر الآية بالانتقام فتقصد الانتقام للعدل وليس انتقاما شخصيا، وهكذا بالنسبة لمضاعفة العقاب، وأحباط الأعمال، جميعها قائم وفق ميزان العدل وإحقاق الحق. كما أن بعض العقائد رسمت صورة قاتمة لله تعالى وعقاب الآخرة، وأضافت لها عذاب القبر وما قبل الموت، وحصرت النجاة بها دون غيرها. وقد أثّر هذا المنطق على فهم العلاقة بين الإنسان وربه، ودفعه للتشبث بكل ما هو خرافي لضمان نجاته. فالخوف أحد الأسباب، وربما أقواها، يتجلى ذلك بالقرابين البشرية التي تقدم للآلهة عبر طقوس دينية دفعا لغضبها وانتقامها، رغم عنف المنظر الدموي.

وهناك من يمارسها لتأكيد الذات والهوية والإنتماء، أو ينساق مع العقل الجمعي في إحيائها، ضمن شروطها. وبالتالي فتحت مشاعر التبجيل والفرح والحزن خلال ممارسة الطقوس ثمة بنية أعمق تدفع إلى أدائها بإيمان منقطع النظير. بنية قائمة على سؤال الحقيقة، وقلق المصير البشري ومآله. غير أنه متوارٍ، ضمن اللامفكر فيه، يتجلى بمواصلة التنقيب في أخاديد مضمراته. فطالما يتستر بعناوين أخرى، وينطلق من منصات مختلفة كالفرح والحزن، وجلب الخير، ودفع الضرر. لكن تبقى الحقيقة أنه ينتظر ما يبدد خوفه بفيض روحي، يبعث فيه الطمأنينة والإرتياح النفسي. لذا يشعر بعد أدائه الطقس أنه أنجز عملا لا يخضع للمقاييس المادية، فتجده مليئاً بالغبطة والسعادة والارتياح بما في ذلك طقوس الحزن. كأنه يقوم بمراجعة عميقة مع النفس، ليواجه خوفه الدفين بما يطمئنه. خاصة الشعوب التي لازمها القهر والظلم والحرمان، ويلاحقها الخطاب الوعظي باستمرار، يترصد كل حركاتها، ويحصي عليها أنفاسها، ويتوعدها بالويل والثبور على قضايا لم يرتكبها الإنسان، فهو مسكون بالخوف، مهدد بمفاجآت الحياة. بل حتى المجتمعات المستقرة يعاني فيها الفرد خوف المصير، وقلق سؤال الحقيقة، فيعالجه بمعاقرة الخمر وتعاطي المخدرات، والإسراف في ملذاتها، وكلما استفزه سؤال الحقيقة، عاودته هستريا تتلبسه لا شعوريا. من هنا تجد مجاميع كبيرة من الشعوب الأوربية تلجأ للمعابد ورياضة التأمل (اليوغا)، وتسافر هروبا من المادة وأجوائها إلى الهند والصين. فثمة فراغ، ولا جدوى طاغية على الحياة، وليس كالدين والطقوس الروحية، يمنح الإنسان المعنى ويضفي الجدوى على حياته. لكن للأسف عطلوا وظيفة الدين الحقيقية، ووظفوه لمصالحهم الشخصية والسياسية والطائفية)(كتاب: النص وسؤال الحقيقة.. نقد مرجعيات التفكير الديني).

أطر العلاقة

نعود للسؤال: (السؤال هو: هل تؤثر هذه العقائد على مستوى الإيمان الروحي بالخالق؟ ومدى هذا التأثير؟ وهل هذا التأثير سلبي أم إيجابي؟ أي بمعنى هل يساهم في ترسيخ العقيدة أم يكون عامل نفور منها؟).        

لا شك أن العقيدة إطار نظري للإيمان، بينهما تأثير متبادل، وفق علاقة جدلية. يساهم كلاهما بمقومات وجودهما. فتطور التجربة الإيمانية يتطلب استجابة عقدية، ترسم ملامح إطار نظري يبرر تجلياتها، مادامت ضربا من الهيام الروحي، بفعل خصوبة الخيال، وقدرة النفس على التحليق، في أجواء غيبية ومثيولوجية. وأيضا عندما تتطور العقيدة نظريا تستدعي تطور التجربة الإيمانية. والتطور المقصود في كليهما نسبي، مهما كانت تمظهراته وحدوده، فتارة تكون التجربة الروحية بسيطة جدا، ليس لها تجليات واضحة، غير أنها تؤكد ذاتها عند الصدمات النفسية.

ولا تقف تأثيرات العقيدة عند حدود التجربة الإيمانية والروحية، بل أن (العقيدة منظومة فكرية توجّه وعي الفرد. يتأتى الإيمان بها عبر تراكمات لا شعورية، نفسية – ثقافية، هي سر تفاوته من شخص إلى آخر. فتؤثر في تكوينه جميع المؤثرات النفسية والسلوكية والاجتماعية والسياسية والعلمية والثقافية والتربوية، ومنها ذات العقيدة وقوة رمزيتها وإيحاءاتها وحجم تأثّر العقل الجمعي بها. كما تساهم ممارسة الطقوس، والشعارات وإحياء المناسبات في ترسيخ الإيمان بها، فيلعب دورا فعّالا في تأسيس بنية معرفية يترشّح عنها منظومة أفكار وتصورات ومعتقدات تغذّي الخيال حداً يمكنه مقاومة الانهيارات المفاجئة لصدقية حقيقته، من خلال إعادة تشكيل وبناء العقيدة في ضوء قبليات الإنسان وحاجاته وضروراته وتطلعاته، خاصة في مجال العقائد الدينية والمواقف الأيديولوجية. فالعقيدة تنمو في أحضان الإيمان ودفئه، وقد تلتف على معطيات العلوم والاكتشافات المعرفية وتوظفها لترسيخ أسس الإيمان بها، وتحصين ذاتها بأسيجة تضمن بقاءها حية فاعلة، كقداسة وعصمة الرموز التاريخية. فثمة جدل متواصل بين الإيمان وبيئته لتجديد فاعليته على مستوى السلوك والأخلاق والوعي، بدوافع أيديولوجية، لتبقى العقيدة سلطة توجه وعي الفرد وتؤثر في فهم الواقع. فالصورة الذهنية للعقيدة وليدة إيمان الفرد وضروراته ومصادر معرفته. يتجسد ذلك في التقاطعات الحادة حول مفردات العقيدة. وعدم تأثر الإيمان بالكشوفات المعرفية. وطالما مارس الناس طقوسا رغم مخالفتها للعقل والذوق العام).(مدارات عقائدية ساخنة)

ما أريد قوله، أن جملة آثار موضوعية وروحية تلازم كل تطور عقدي، يشهد لذلك تطور الطقوس والشعارات تبعا لتطورها، حدَ التشوّه والانحراف أحيانا. لأنها شرط لقوام التجربة الدينية، ومن ثم تؤكدها الطقوس والممارسات الروحية. كما أن مفهوم الدين شامل للعقيدة والشريعة، وكل تشريع يترشح عن مفهوم عقدي جزئي، ينتظم ضمن النسق العقدي العام. فالإتيان بالصلاة مثلا، يترشح عن مفهوم الصلاة، وما يترتب عليها من آثار. وهذا هو المفهوم العقدي الجزئي، وعندما ترتبط الصلاة بالله، تنتظم ضمن وجوب طاعة الخالق، ومن ثم تندرج ضمن النسق العقدي العام، المتضمن لمفهوم الخالق، وقدرته وعظمته إلى غير ذلك من صفاته، إضافة إلى مفهوم الإنسان والحياة والآخرة والخير والشر.

إن مركزية الدين في حياة الناس، وقدرته على توجيه الوعي ضمن استراتيجيته، دفع باتجاه توظيفه سياسيا وطائفيا، باعتباره  سلطة مقدسة، تستحوذ على مشاعر الفرد، وتحول دون تمرّده، فكان هذا أحد أسباب تطور العقائد أو نشوء عقائد موازية. وأيضا اضطرت الأطراف المتصارعة على السلطة إلى توظيف الديني لصالح أهدافها السياسية، فقامت بتأصيل عقائد، تعتمد التأويل والروايات المنحولة والمقولات الكلامية، لتثبيت أسس المذهب السياسي – الديني. وطبيعة العقيدة، فيها مفاهيم عصية على التطويع، كالمفاهيم المطلقة التي يمكن الاستدلال عليها برهانيا، ويستحيل نفيها. وأخرى مفاهيم نسبية، لا وجود لها خارج النص والفضاء المعرفي للفرد، فيمكن تأويلها، وإعادة انتاجها بما يخدم الهدف الأساس من تأصيلها كلاميا. بل أن العقائد المبتدعة جاءت استجابة للوسط الثقافي والبيئة الاجتماعية، فهي إعادة انتاج وفق مصالح محددة. وبالتالي فإن الِنحل والمذاهب والفرق، وتعدد العقائد والأفكار، سمة ملازمة لتاريخ الأديان، الذي هو سلسلة تقلبات عقائدية، وانحرافات دينية، يشهد لذلك تعدد الأنبياء والرسل، وتأكيد اللاحق على انحراف الأمم السابقة، واستغلال الدين لصالح الملأ وأرباب السلطات القبلية، وهكذا فعلت الملوك في العصور الأولى. 

وحينئذٍ عندما ننتقل للعقائد الدينية، ونعيد السؤال:

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi7مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق33) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

ماجد الغرباوي: ثمة أسباب وراء تراكم الأحكام الشرعية واتساع سلطة الفقيه. منها سياسي، كالأحكام السلطانية، التي هي اجتهادات فقهية، ومسائل مستحدثة في شؤون السلطة والحكم، بعد قيام دولة الخلافة، واتساع رقعتها. والآخر يرتبط بفهم الدين ودور الإنسان في الحياة، في إطار مرجعيات عقدية، تضاعفت بفعل صراع السلطة واستلاب الوعي والفهم المبتسر للدين والإنسان، وفقا لنظرية العبودية. حتى غدت فتاوى الفقيه، بعد تنقيح قاعدة "ما من واقعة إلا ولله فيها حكم"، كالشريعة وضرورات الدين، مقياسا لشرعية سلوك الفرد والمجتمع، وأساسا لصدق مفهوم الانحراف والردة وربما الكفر. والقاعدة لم يصرّح بها الكتاب الكريم، غير أنها تملي قناعاتها من وحي الحاكمية الإلهية التي تقتضي شمول الدين لجميع مناحي الحياة، لذا رفعت الحركات الإسلامية الثورية شعار "الحل في الإسلام"، أو "الحل في القرآن". وهي شعارات مواربة ناقشتها تفصيلا في كتاب تحديات العنف. إذ تجلت الإرادة التشريعة في أحكام الشريعة، وتفصيلاتها النبوية، لاختصاص التشريع بالله، وعدم جعل ولاية تشريعية صراحة لغيره مطلقا، ليؤكد حرية الإنسان في منطقة الفراغ التشريعي، ارتكازا لأصل البراءة عند الشك بأي تكليف. والحرية هنا لا تعني فوضى التشريع، بل ترتهن لمصالح الفرد والمجتمع وفق ضوابط ومحددات. وهذه رؤية إسلامية – قرآنية متزنة، غير أن مبدأ الحاكمية الذي استغلته الحركات الإسلامية، وقبلها قاعدة ما من واقعة إلا ولله فيها حكم التي تأسست على ذات الفهم للحاكمية الإلهية وشمول التشريع، حصرت التشريع بالشريعة، وأفتت بعدم شرعية أي تشريع وضعي، مهما كان موضوعيا، ما لم يكن في إطار الشريعة. ولما كانت أحكامها محدودة، إرتهن التشريع لرأي الفقيه، باعتباره المجتهد القادر على استنباط الحكم الشرعي من مصادره.

ثم أن ضمان عدم انحراف الفرد دينيا وأخلاقيا، وإكراهات الحكم، التي تستدعي قمع المعارضة، وضبط سلوك الفرد، وضمان عدم تمرّده، كانت هي الأخرى وراء تراكم الأحكام، إذ ليس كالفتوى أداة قادرة على ضبط السلوك العام. وهذا أحد مبررات تأسيس قواعد أصولية، وقواعد عقلية كلية، تساهم في ملء الفراغ التشريعي، والإجابة على المسائل المستحدثة، فارتفع الفقه إلى مستوى الشريعة في قدسيتها، وصار الفقيه في الوعي الجمعي يماثل المشرّع / الله في صلاحياته وقدسيته وسلطته، يقتصر الموقف منه على الطاعة والانقياد وحرمة التمرّد والمعارضة. نفهم من هذا أن مبرر هيمنة الفقيه هو ارتفاع الفقه إلى مستوى الشريعة، لا فقط حراسة الدين وحمايته، رغم تفاوتهما، مما يسمح نسبته إلى الله، وبالتالي يحلّ الفقيه محل الله. فسلطة الفقيه إذاً مرتهنة لمقوماتها، علما أن الاجتهاد بمعنى الملكة والقدرة على استنباط الحكم الشرعي، تختلف عن سلطة الفقيه، التي تعني الولاية والقيمومة المباشرة، حينما يدعي ولايته، كما بالنسبة لنظرية ولاية الفقيه. أو غير مباشرة باعتباره مصدرا للإفتاء، والمسؤول عن تحديد الموقف الشرعي من القضايا المطروحة. وهنا تكمن سلطته وهيمنته، التي نطمح لتفكيكها، وإعادة تشكيل الوعي، بما يتناسب مع الاجتهاد، كعملية عقلية متاحة لكل من يملك شروطها، تهدف إلى استنباط الحكم الشرعي، بعيدا عن الهيمنة والقداسة. فهدفنا نقد الهيمنة باسم الدين والتشريع، وإتاحة الفرصة للوعي ليعيد اكتشاف نفسه، ويحدد مسؤولياته تجاه حياته ومستقبله. أما تلك المقومات فهي:

1- قدسية الاجتهاد:

الاجتهاد ملكة طارئة، يتوقف عليها صدق مفهومه. وهو صنعة ومنهج عقلي متاح، ضمن شروطه وأدواته. غير أن أسطرة المفهوم، وارتباطه بالفقه، وحاجة الناس للفقيه، سيما السلطة، أحاطت بالمجتهد هالة قدسية، سلبت عملية الاجتهاد بشريتها، ونَسَبَتها إلى الله وتوفيقاته، مما يشي باستحالة الاجتهاد بعيدا عن الإرادة أو الرعاية الإلهية. ليس قصدهم من "توفيق الله" ما يترتب عليه من إمكانية إستنباط الحكم، بل خصوصية الاصطفاء. فكأن المجتهد يؤكد اصطفاءه عندما يبرهن على اجتهاده. وهو مرادف للقداسة والتبجيل، الذي ترفعه فوق النقد والمراجعة، وتحرّم الرد عليه والتمرّد على فتاواه، بغض النظر عما تضمر من أهداف سياسية وأيديولوجية.

إن الاجتهاد، عملية ممكنة بحد ذاتها لمن يملك أدواته، ويتقن فهم النص، سواء ارتدى أو لم يرتدِ زي العلم الديني والكهنوتي. وهو صِنعة، وحِرفة ومِهنة، وقدرة على ممارسة الاستنباط، وفق شروطه، بأن يكون عارفا باللغة، والبلاغة، والإعجاز، وخبرة كافية بالتراث الحديثي ورجاله، وتاريخ الرواة، والمقارنة بين الآراء، وإمكانية فهم النص الديني. إضافة الى تمكنه أصوليا، شريطة أن يكون له رأي مستقل يمكّنه من توظيفه في عملية استنباط الحكم الشرعي. كأن يكون ذا رأي في خبر الآحاد، ومدى حجيته؟ وكيف يثبت حجية الظهور. وما هو الفرق بين الأدلة. وهل للشرط مفهوم أم لا؟ وما الأصل الأولي في حالات الشك: البراءة العقلية أم أصالة الاشتغال؟ وما هو المنهج في رفع التعارض بين الروايات. وهكذا في كل مفردة من مفردات الأصول. مما يؤكد حاجته للبحث والدراسة والتحصيل، كشرط لملكة الاجتهاد والقدرة على استنباط الأحكام، بعيدا عن أي سبب مثيولوجي. فالاجتهاد مَلكة كأية مَلكة مهنية يتوقف إكتسابها على وجود مهارة وتخصص في موضوعها. لا أنفي توفيق الله ورعايته فهما يحيطان بالمؤمنين، لكن الاجتهاد منهج علمي، يتوقف على ضبط أدواته. لكنه اكتسب قدسية موضوعه، أي فقه الشريعة، الذي يصفه جميع الفقهاء عبر التاريخ بأنه أشرف العلوم، وأقدسها!!. ولا يخفى إن الدفاع عن قدسية الفقه، دفاع عن مكانة الفقيه. فالفصل بيهنما يساعد على نقد الفقيه، وما عاد الفقه بعد تطور العلوم أشرف العلوم. الإنسان غاية الخلق، والشريعة جاءت لخدمته، لا لاستعباده. فلا قدسية للفقيه من هذه الجهة بالذات. كما لا معنى لقداسة الفقه، مادام وجهات نظر اجتهادية – شخصية، يشهد لذلك اختلاف الفقهاء في المسألة الواحدة. قداسة الفقيه صناعة أيديولوجية، ولعبة سياسية، تدفع باتجاه تضليل الوعي عبر مفاهيم دينية مرنة.

2- فهم النص الديني:

يوحي المجتهد باحتكاره الحقيقة التي تستلزم قداسته في الوعي الجمعي، عندما يدعي احتكار فهم النص بدعوى قدسية أدواته، أو تقمص الاصطفاء والانتساب للإلهام الإلهي والغيبي، ليقطع الطريق على من سواه: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). وهذا مقوّم ثانٍ قد يفوق الأول، حينما يرمي الآخر بالانحراف أو الردة وربما الكفر. ويتجلى بوضوح في تفسير الآيات المتصارع حول مصاديقها مذهبيا وطائفيا. وهو أوضح مصاديق احتكار فهم النص، وتوظيفه أيديولوجيا. وبالتالي أي محاولة لتقديم فهم مختلف بعيدا عن المذاهب والنظرة الضيقة للنص، يخلخل سلطة الفقيه وقدسيته.

لا يمكن للفقيه أو لغيره احتكار فهم النص، ويبقى متاحا للقراءة، والفهم، متأثرة - أي القراءة - بقبليات القارئ وثقافته. بل أجد أن قراءة الفقيه محكومة بخلفيته العقائدية، حدا يتعذر عليه التجرّد والموضوعية، إلا في إطارها. بمعنى أدق أن قراءته وفهمه للنص مرتهنان لسلطة قبلياته، مهما إدعى الموضوعية والتجرّد. فقراءته قراءة منغلقة على رؤية واحدة. وسواء احتكر فهم النص أو لم يحتكره، فإنها عقيمة غير منتجة، سوى ما تمليه قبلياته المذهبية والعقدية عليه. وربما قراءة غيره أكثر موضوعية وانفتاحا، خاصة عندما يوظّف مناهج العلوم الإنسانية في فهم النص، خلافا للفقيه الذي يتمسك بأدواته، ويستميت في تقديسها، كي تحق ما يصبو له طائفيا.

3- الثقافة:

إضافة للسببين السابقين، نضيف "الثقافة" سببا ثالثا وراء الخطاب المثيولوجي الملازم لمفهوم الفقه  والفقيه. إذ تتولى الثقافة دائما إعادة  تشكيل الوعي بالفقيه وسلطته، بفعل وعي، يختلط فيه الوهم بالحقيقة، والواقع بالخيال. ويلتبس المقدّس بغيره. فالعقل الجمعي، تحت دواعٍ شتى يدفع باتجاه أسطرة الفقيه، وربط مقامه وقدراته بالإرادة الإلهية: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)، من خلال مماثلة مقصودة بين رسالة الأنبياء ورسالة الفقهاء. وإسقاط الفارق النوعي بين الرسول والفقيه، بين الإلهي والبشري. كنوع من تزوير الوعي، يساعد على إعادة تشكيل مفهوم الفقيه وحدود سلطته. وعليه تفكيك الأنساق الثقافية للمجتمع ضرورة تزامنا مع نقد العقل الفقهي. فلا يكفي خلخلة قداسته، ما لم تتول الثقافة استبدال زاوية النظر، ويكتشف الفرد حدوده، بمعزل عن ولايته وهيمنته. وهذا يعني أولا نقد قدسية عقائده ومرجعياته ومنهجه وما يرتكز له من أدوات ومبانٍ. وهي أهم وأخطر مهمة على صعيد تحرير العقل، واستعادة وعيه وحريته كمقدمة لفهم مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة.

نقد العقل الفقهي

 من هنا ندرك  أن نقد العقل الفقيه، ونقد المباني التي يقوم عليها منهج استنباط الأحكام الشرعية يساعد في إعادة تشكيل العقل الديني المرتهن في حريته لا للفقيه فقط، بل لقداسته، ومنزلته التي يضفيها المخيال الديني. فنقد مثالية الفقيه، تحرير للوعي من سلطته، واستعادة الفرد لإرادته، ليكون بمستوى الخلافة الربانية، يتحمل مسؤوليته بنفسه. خاصة أن المنطق القرآني ضد تراكم الأحكام الشرعية، عندما أكتفى ببيان ما يراه مناسبا، وأناط بعضها بالواقع وضروراته، ولم يتجاهل إكراهات الزمان والمكان. وحذّر من التمادي بالسؤال، كي لا ترتهن إرادة الشخص لغيره، حتى وإن كانت أحكاما شرعية، وهي نقطة مهمة يغفل عنها كثيرون بفعل التراث وسطوته: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ). وفي رواية عن الرسول يقول: (دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم [كثرة] سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).

وبالتالي باستثناء الثابت من الأحكام الشرعية الواردة في كتاب الله، وما صدر عن الرسول من شرح وبيان وتفصيل لبعضها، يحتاج الباقي إلى دليل قطعي السند والدلالة، يبرر شرعية إلتزام الناس بفتاوى الفقيه. إذ الفرد لا يميز بين الحكم الوارد في القرآن وفتوى المجتهد، كلاهما بالنسبة له منجّز ومعذّر، تترتب عليهما ذات النتائج، إلتزاما وعصيانا. وهذه إحدى خيبات الوعي، عندما تولى الخطاب الديني تسويق صورة متعالية للفقه الإسلامي، استدعت تجريده من تاريخيته، وتقديمه امتدادا للشريعة، أو توسيعا لدائرتها، دون الإشارة للجهد البشري المبذول من قبل المجتهد، في عملية استنباط الأحكام الشرعية القائمة، في حالة عدم وجود دليل لفظي قطعي السند والدلالة، على قواعد وأصول عقلية واجتهادية ترتهن شرعيتها لدليلها، ومدى قدرته على مقاومة النقد العلمي، للتوفر على قواعد كلية شرطا لمنهج استنباط الأحكام الشرعية، القائم على وجود كبرى القياس المنطقي. من هنا يجب فرز الإلهي عن البشري، لتفادي التباس الشريعة بالفقه، والحد من تداخل المقدّس بالمدّنس، فثمة تزوير للحقائق، واستبعاد الوعي عن معاينة الواقع، عبر انتسابه للشريعة أو توحيدهما، فتجد مألوفا جدا وضع عنوان الشريعة على كتب الفقه، وفتاوى الفقهاء، مثل: مصباح الشريعة، فقه الشريعة. بشكل يوحي أنه يتلو أحكام الشريعة بواسطة الفقيه، وليس رؤيته الاجتهادية، وكأنه وسيط في نقل وبيان الحكم الشرعي وليس استنباطه والاستدلال عليه، الذي يمثل وجهة نظره. خاصة المسائل المستحدثة، التي لم تتطرق لها الشريعة، وليست من مصاديق أحكامها.

مقدمات الاجتهاد

قد يوحي مفهوم الاجتهاد بموضوعيته وحياديته، باعتباره منهجا عقليا، غير أن مقدماته ومرجعياته بل حتى منهجه، يتأثر لا شعوريا بجميع الظروف المحيطة بالفقيه، إضافة إلى قبلياته وعقيدته، وتوجّهاته السياسية وانتمائه. وهي قضية مرتبطة بنظام اللغة وطريقة التفكير. وقبليات الفرد سلطة موجهة، تجد هذا واضحا في الاستدلال على المسائل الخلافية بين المذاهب الإسلامية، خاصة السُنة والشيعة. إذ كلاهما يستدل من وحي قبلياته العقدية والمذهبية، ويسعى لتفنيد الرأي الآخر. أو أن يفنّد الرأي المقابل ليؤكد صحة رأيه، فيهدران موضوعية البحث، ويعتقدان أنهما على صواب، وغيرهما على خطأ، خاصة مع تقديسهما لمرجعياتهما العلمية. وربَّ ما يلي يغني الفكرة:

لما كان عمل الفقيه محصورا في دائرة النص، فإن سياق تطوره وتاريخيته هو النص وليس خارجه. ومقاربة النص بعيدا عنه ومعه يكشف فارق القراءة، ومدى شرعيتها. وهذا يتطلب الاقتراب نفسيا من الفقيه والواقع التاريخي الذي تشكلت فيه قبلياته. لتحديد دورها في استنطاق النصوص. فعندما نقارن بين النصوص الأولى والنصوص الثانوية، نجد أن النصوص الأولية لا تنطق بما ينطق به الفقيه، باستثناء الآيات المحكمة والروايات النبوية ذات الجذر القرآني: "الشارحة والمفصلة والمبيّنة". فكيف تسنى للفقيه استنطاقها؟ ما هي أدواته؟ كيف تمكن من توظيف اللغة والقواعد الأصولية؟ وقبل ذلك ما هي شرعية أدواته في عملية استباط الأحكام الشرعية؟ وكيف اختلفت الآراء حول بعض الآيات، كآية التطهير مثالا لا حصرا. أو آية الخمس، وخصوص أرباح المكاسب، وبعض آيات الإرث، إذا كانت أدواته عقلية، يقرها العقل النظري؟.

لا شك أن القارئ يشارك النص في فهمه، فتختلف مداليله من شخص إلى آخر تبعاً لقبلياته وثقافته ويقينياته ونهائياته. وهكذا عندما يستنبط الفقيه حكما شرعيا أو يفتى في قضية مستحدثة، يتأثر لا شعوريا بقبلياته، بدأ من فهمه لحيثيات الموضوع، وتاريخ المسألة حتى تداعيات أو تأثيرات الحكم أو الفتوى، مرورا بفهمه واستنطاقه للأدلة الشرعية التي ارتكز لها، إضافة لكيفية توظيف أدواته واختيار منهجه، مما يفقد البحث الفقهي موضوعيته، بل لا يمكن تصورها في بعض التشريعات الفقهية، في ظل اختلاف جذر في جملة قضايا عقدية ومذهبية مفصلية. فنقد العقل الفقهي، وتفكيك مكوناته يتيح تشخيص حقيقته. إذ أن آراء الفقيه الذي يؤمن أن الإمامة شورى تختلف عمن يؤمن آنها نص وتنصيب من قبل الخالق. وكل منهما يقدم فهما  للآيات والأحاديث المرتبطة بها وفقا ليقينياته. وبما أن مسألة الإمامة والخلافة مسألة تاريخية، تبلورت من خلال سياق أحداث السقيفة وما تلاها، فلايمكنها اكتساب شرعية تضاهي شرعية النص القرآني، فكيف تكون يقينية يرتّب عليها الفقيه أحكاما وفتاوى؟ هذا مجرد مثال بسيط، لمعرفة زيف التنظير الفقهي في بعض الموارد.

أو بالنسبة للأحكام الشرعية، فيما إذا استدل الفقيه على حرمة الغناء بآية (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) بمعزل عن الروايات، فإنه يعمم مفهوم اللغو على الغناء، فينطلق من قضية نفسية يعتبرها يقينية يفتى وفقها، فثمة من لا يعتبر الغناء لهوا بل غذاء للروح وترفيها عن متاعبها. ولا يوجد اتفاق نهائي حول مصاديق اللغو، وشمول الغناء به. كما أن اللغو قد يصدق على غير الغناء فهل يُحكم بحرمته؟. إن القبليات النفسية للفقيه هي التي أسست ليقينيات راحت تتحكم بوعيه وفهمه للنص. فالآية الكريمة لم تصرّح بالغناء مستقلا أو كمصداق للغو، ولا يمكن للغة وحدها أن تفعل ذلك، لكن تم استنطاق الآية وتقويلها ما لم تقل، وفقا لقبليات الفقيه ومرامي تحريماته.

ربما فتوى التحريم جاءت موقفا رافضا لسلوك الفسق والمجون وهتك الحرمات، وما فيها من إسراف ولهو وتبذير، فتكون رادعا دينيا لسلوكهم المشين، ومقوّما للإنحراف من منطلق أخلاقي، وهذا يجعل منها فتوى مشروعة. لولا إقحام الفقه في مازق فقدان الدليل الشرعي الصريح. وكان بإمكان الفقيه أن يتخذ موقفا أخلاقيا، ويكون ملزما أخلاقيا، من باب الشعور بالمسؤولية، دون الوقوع في مأزق شرعنة الأخلاق. والتمادي في الفتاوى. فالأخلاق أساس المجتمع حتى قبل بعثتة الأنبياء، وأحد مهام النبي (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، غير أن الحكم الشرعي شيء آخر. وربما كانت فتوى تحريم الغناء في حينها مؤقفا سياسيا، لفضح سلوك السلطة وهتك حرمتها، فتكون مرتهنة لظرفها، فلماذا تعمم رغم اختلاف الظروف الزمانية والمكانية؟.

وأخيرا، إن قدسية الفقيه تأتي من رمزيته وانتسابه، فارتفع به الخطاب الديني الموغل بالخرافة والتقديس، فوق النقد والمراجعة، واعتبرت سلطة نهائية، تستمد شرعيتها من العناية الإلهية، لا من مؤهلاته العلمية.  من هنا تتضح أهمية النقد، ومن هنا نفهم أيضا أن قدسية الفقيه وسلطته مرتهنة لمقوماتها،  ولا يخفى هشاشتها، وعدم قدرتها على الصمود أمام النقد الموضوعي. فهي قداسة مصطنعة، ساعدت على تركيزها، أسوار القداسة، ومساحة المحرمات والغموض التي يتولى خطاب سلطة الفقه تسويقها. 

جدير بالذكر أن المرجعيات الدينية العليا موضوع مختلف، في أسباب نشوئها، وعوامل تكوينها. إضافة إلى حدود قدسيتها وضروراتها الدينية والاجتماعية والسياسية، وقد تناولتها تفصيلا في كتاب: مدارات عقائدية ساخنة.

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi6مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق32) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

الحاجة إلى الفقيه

س93: مهدي الصافي: هل يمكن للمجتمعات الإسلامية الاستغناء عن الفقيه رسميا، ويبقى ضرورة روحية ومعنوية؟. لا أقصد بكلمة (رسميا) أن تكون  له صلة بالدولة، رغم أن بعضهم يحمل هذه الصفة. أقصد أن يحتفظ بقدرته على الافتاء والتأثير في المجتمع، وقد تقتضي الحاجة العودة إليه. لأن الفتوى أحيانا أقوى من سلطة الدولة.

والسبب أن العديد من الفتاوى التي يقال عنها بالمستجدات عندنا والتي هي أحد أهم الحجج المطروحة على أنها توجب وجود الفقيه والإمام في كل زمان ومكان أصبحت جزءا من منظومة القيم الغربية التي دخلت في عمل السلطات التنظيمية والتنفيذية مع أنهم ليسوا مسلمين،  كالعدالة الاجتماعية، الحقوق العامة، الالتزام بالقوانين الاجتماعية، حقوق النساء والايتام، والتشدد قضائيا مع جرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي والاعتداءات والايذاء الخ.

وهذه القيم جاءت بعد تجارب فكرية وفلسفية عميقة لم يكن للفقيه أو رجل الكنيسة دور فيه.. السؤال مرة أخرى هل يمكن أن يستغنى المجتمع الإسلامي عن المفتي أو الفقيه في ظل دولة مدنية؟.

ج: ماجد الغرباوي: ثمة فارق بين الديني والوضعي على صعيد التشريع، سواء تطابقت النتائج خارجا أم اختلفت. سببه اختلاف جوهري بين: المرجعيات، الملاكات، ومصادر الشرعية.

الثاني لا يعترف بوجود مرجعيات مقدّسة، سوى القوانين الأساسية والدستور. ويستمد شرعيته من ذات المرجعيات ومن شعبه، مباشرة أو بشكل غير مباشر عبر المجالس النيابية، باستثناء الأنظمة الشمولية والاستبدادية التي تشرّع وفقا لمصالحها الأيديولوجية والسلطوية. وتبقى المصلحة العليا تمام ملاك تشريعاته وقراراته مهما بَعُدت عن الدين، والأخلاق، كشرعنة زواج المثليين.

 بينما يرتكز الفقيه لمرجعيات دينية، يعتقد أنها مستوفية لملاكاتها، باعتبار قدسية مصادرها. منها يستمد أحكامه وشرعيته: (القرآن، السنة، العقل، الاجماع إضافة لمجموعة قواعد أصولية). لذا تبقى آية (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) بنظر الفقه التقليدي مطلقة، لا تتأثر بالواقع وضروراته.

 فالفارق إذاً بين الاتجاهين جوهري، هو ذات الفارق بين الإلهي والبشري، بين المقدس والمدنس، بين السماوي والأرضي. فلا شرعية بنظر الديني لأي معالجة وضعية كالمعاملات البنكية.وتسوية حقوق المرأة والإرث، وحقوق الإنسان وغيرها. إذ ليس المطلوب حلولا كيفما كانت، بل حلولا منبثقة عن الشريعة الإسلامية. وبالتالي، ما دامت هناك مسائل مستحدثة فهناك حاجة للفقيه. ومادام "الإسلام شامل كامل لجميع مناحي الحياة"، و"ما من واقعة إلا ولله فيها حكم" كما يقولون، لا تنقطع الحاجة للفقيه.

هذه هي النظرة السائدة، نظرة إجلال وتقديس مبالغ فيها. لذا حتى المذاهب السُنية التي أغلقت باب الاجتهاد تمارسه في القضايا المستحدثة. الفقيه بالنسبة للمجتمع المسلم ضرورة دينية، لا يقتصر وجوده على الإفتاء. خاصة الشيعة التي يمارس فيها الفقيه / المرجع دور القيادة والنيابة عن الإمام المعصوم. فهناك مهمة قيادية إضافة إلى مهمته الفقهية. بغض النظر عن المسار التاريخي لتكوين الفقيه.

وهذا النوع من الوعي ينتمي لنظرية العبودية، حيث تصبح الفتوى ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها في مجتمع مستلب، كما مرَّ تفصيله. والتحرر من هذه الرؤية يتطلب مراجعة نقدية صارمة، ثم تبني نظرية الخلافة التي طالما نوهّنا بها، وتم تبنيها في هذه البحوث، التي هي نظرية قرآنية وإنسانية، تضع الفرد دائما أمام مسؤولياته مباشرة، بعيدا عن أية ولاية لفقيه أو سياسي. بل وتحريره من كل سلطة فوقية، كي يتاح له ممارسة حريته. والارتكاز إلى ملاكات الأحكام في فهم فعلية وعدم فعليتها، ليعرف حدود الشريعة، وما هو مناط بالفرد ومصلحته العليا فعلا، بشكل يدور الحكم مدارها. وقد لا يكون الحكم فعليا ما لم يكن موضوعه فعليا، وقد مرَّ تفصيلها.

ونخلص لا يمكن الاستغناء عن الفقيه وفقا لنظرية العبودية، لكن وجوده وفقا لنظرية الخلافة مرتهن لوظيفته، التي هي مرتهنة بدورها لوجود فراغ تشريعي يناط به ملؤه. من هنا نجد من المناسب العودة إلى الوراء لفحص الأدلة، ومدى سعة الشريعة، وحدودها، كي نحدد بالضبط ما هي وظيفة الفقيه، ومتى يكون ضرورة، ومتى يمكن الاستغناء عنه؟.

الفقيه والفتوى

بوفاة الرسول انتهى عصر التشريع، إلا على مبنى العقيدة الشيعية التي امتد عندهم عصره حتى نهاية الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر، ولهم أدلتهم. لكن التشريع قرآنيا قد انتهى واكتمل الدين بموجب قوله تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). ثم غدا كتاب الله وسيرة نبيه مرجعية لمعرفة الأحكام الشرعية، تخللتها بشكل تدريجي بعض الآراء الاجتهادية. ومع تجدد الحاجة للفتوى بناء على مرونة الشريعة وقدرتها على تلبية الحاجات الفعلية للفرد والمجتمع، وفق "ما من واقعة إلا ولله فيها حكم"، بدأت مرحلة الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية. ففتاوى الفقهاء وجهات نظر اجتهادية، ليست ملزمة باستثناء مَن ألزم نفسه بها (المقلّد). وهي تعبير آخر عن فهمه للدليل اللفظي وفقا لقبلياته وأدواته ومهاراته الاجتهادية. أو إرتكازا لقواعد اجتهادية،  تتعرف إصطلاحا بالأصول العملية، يوظّفها الفقيه لتحديد الموقف العملي من الأحكام المشكوكة.

إن مقتضى مقدمات الحكمة أن ما شرّعه الله تعالى من أحكام قد تضمّنها الكتاب الكريم، وهو القدر المتيقن من الأحكام الشرعية الملزمة. ولا يمكنه من باب العدل الإلهي أن يحاسب الناس على أحكام لم يشرّعها (قبح العقاب بلا بيان). ولم يجعل لأحد صراحة ولاية تشريعية، بل وأكد كمال الدين الشامل للعقيدة والشريعة. فمن أين جاءت ما من واقعة إلا لله فيها حكم؟ قد يكون واقعا في علمه تعالى هكذا، لكنه لم يشرّع سوى ما تضمّنه الكتاب الكريم. وهذا القدر حجة، لشموله بقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). فنبقى بانتظار فقيه يقدّم لنا قراءة جديدة للدين وآيات الأحكام، تَفقَه ُالكتاب والسيرة النبوية ضمن شرطهما التاريخي. قراءة شجاعة تأخذ بنظر الاعتبار فلسفة التشريع وتاريخ الأحكام، كي نلحق بركب الحضارة وننفض عنا غبار التخلف، كل ذلك في إطار مقاصد الشريعة وغاياتها، بعد تأسيس منهج جديد لتوثيق الروايات، ووضع قواعد أصولية تحقق أكبر قدر من اليسر والانفتاح.

الفقيه وفقا لما تقدم، سوف لن يبقى بلا دور، فعمله الأساس هو تبليغ رسالات السماء، وبيان الأحكام للناس، وتعليمهم من الحكمة ما لا يعلمون. وأما في مجال التشريع، فالواقع متجدد، ومتغيّر، وملاكات الأحكام واضحة بينة، ومقاصد الشريعة يمكن إدراكها. فلا تنقطع مهمته الفقهية تماما وثمة ما يمكنه فعله، كمايلي:

- تطبيق الأحكام الكلية على مصاديقها مراعاة للزمان والمكان.

- تطبيق القواعد الفقهية التي تم الاستدلال عليها قرآنيا أو بموجب ملاكات الأحكام الشرعية والعقلية. كقاعدتي: "لا ضرر"، :ونفي الحرج".

- تشخيص موضوعات الأحكام. لا يلزم من خبرته اختصاصه فيها، مع وجود الأكثر خبرة وتشخيصا، كالموضوعات التي تحتاج لخبرات علمية واختصاصات فنية. وأيضا لا موجب لاحتكاره حق التصرّف في الحقوق المالية الشرعية، بناء على خبرته، مع وجود من هو أكفأ منه.

- الافتاء بما دل الدليل عليه وفقا للأصول العملية كالبراءة العقلية والشرعية الموافقة للأصل، والاستصحاب باعتباره يقينا سابقا وشكا لاحقا. وأما باقي الأصول العملية فلا يمكن الركون لها باطمئنان كاف، كحجية خبر الآحاد وحجية الظهور وغيرهما. وهكذا الحال بالنسبة للقياس والاستحسان والمصالح المرسلة. لكن نؤكد: لا يشترط أن يكون للفقيه رأي في كل مسألة حياتية، ويمكن الاستغناء عنه بأحكام الشريعة الثابتة قرآنيا، وتفصيلاته في السنة النبوية، كي لا تُصادر حرية الإنسان لصالح تشريعاته وفتاواه. بعبارة أدق، إن أحكام الشريعة هي القدر المتيقن في التشريع، ومازاد عليها كما هو الحال الآن، فإما أن يكون بيانا وتفصيلا من النبي، أو فتاوى فقهية مرتهنة لدليلها، لذا تختلف من فقيه إلى آخر، ولو جزئيا. فمثلا، يختلف الإفتاء وفقا لمبدأ أو مسلك (حق الطاعة) عن مبدأ (قبح العقاب بلا بيان)، كأصل عقلي أولي. الأول يرى وجوب مراعاة حق الطاعة للمولى الحقيقي حتى في التكاليف المحتملة، فضلا عن التكاليف المشكوكة والمظنونة. فيجب عليك إتيانها أو اجتنابها، ما لم تُرفع عنه اليد بدليل شرعي أو عقلي حجة، كالبراءتين العقلية والشرعية. بينما لا يرى المبدأ الثاني ذلك ما لم يتم البيان عليه بدليل شرعي، فالأصل عنده هو البراءة، وليس الاشتغال. وأيضا باقي الأصول الأخرى ومساحة اشتغالها، كالاستصحاب بأنواعه. وكل هذا يؤثر في نتيجة الاستنباط.

المسلك الأول يجعل من الفقيه ضرورة، يحتكر التشريع في منطقة الفراغ التشريعي، ومرجعية شرعية لضبط سلوك الفرد، وضمان تطابقه مع مراد الشريعة، التي تخضع لفهمه واجتهاده. فيغدو سلطة قاهرة، ربما تتعالى على الوقع، وتتأثر بعقيدته وأيديولوجيته واتجاهه السياسي. وهذا التفكير ينسجم مع البنية البطركية للمجتمعات المسلمة، فتسّلم له وتنقاد لإرادته، حداً تكون الجماهير رصيدا حقيقا له، وهو  خلاصة فهم أيديولوجي تراكمي.

إن أزمة الوعي في عجزه عن اكتشاف الدوافع الطائفية والمذهبية والأيديولوجية والسياسية المتخفّية وراء الديني والشرعي. أي خلف الإلهي، فيكتسب رأي الفقيه قدسية، تلغي تاريخيته وبشريته، وتسقط خصائصه الشخصية والنفسية وانتمائه العقائدي والاجتماعي والسياسي والطائفي. رغم أن الاختلاف بين المذاهب الإسلامية واضح، وهو أدل دليل على نفي قدسية الفتوى، خاصة بين المذهبين الشيعي والمذاهب الإسلامية. وتكفي مقولة (الرشد في خلافهم) التي تنسب للإمام الصادق، وهي مقولة متحيّزة، رغم تاريخيتها، غير أنها غدت مطلقة، مما يفقد الفقهاء مصداقيتهم.

لا شك أن الاجتهاد منهج في استنباط الأحكام الشرعية، فيوحي بالموضوعية والتجرّد، غير أن نقد أدواته ومرجعياته تفضح انحيازه لعقيدة الفقيه. فالرشد في خلافهم مبدأ عندما تتعارض الروايات: (فخذ ما خالف العامة، فإن الرشد في خلافهم). وهذا شاهد على الانحياز الأيديولوجي، فهو لم ينظر للرواية بما هي رواية، بل يسقطها عن المعارضة مادامت واردة عن العامة / السُنة. والغريب أن الرأي الشيعي يوافق إلا ما ندر من خصوصياته أحد المذاهب الأخرى، مما يؤكد أن مراد الصادق خصوص المذهب الحاكم. وإلا فالتطابق بين المذاهب الإسلامية أكثر من تسعين بالمئة، فكيف يكون الرشد في خلافهم. فهو إذاً لا يريد الإطلاق كما فهم ذلك جملة من فقهاء الشيعة. وأيضا على الضفة الأخرى، تسقط رواية الشيعي / الرافضي، بغض النظر عن مضمونها، ومدى انسجامها مع الكتاب والسنة. فالفقيه مطلق الفقيه، مرتهن لانتمائه الطائفي والعقدي، ويتأثر بتوجهاته السياسية، وهذا أحد أسباب تعارض الروايات.  

تداعيات تفاقم الفتوى

لقد دفعت مقولة: (ما من واقعة إلا ولله فيها حكم)، وعدم كفاية الأحكام المنصوصة لوقائع الحياة، دفعت الفقيه للبحث عن مصادر جديدة لتشريع الأحكام. وكانت البداية مع توسعة دائرة الشريعة لتشمل مطلق سُنة النبي، ثم سُنة الصحابة (السنة) والأئمة (الشيعة)، من أجل التوفّر على (مثال) يفتي الفقيه على طبقه. كما أن مدرسة الرأي اعتمدت الاجتهاد أو رأي الفقيه دليلا على الحكم، في حالة فقدانه. ثم قالوا بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة.

وقد أنكرت المدرسة الشيعية تلك الأدلة، واكتفت بالكتاب والسنة، الشاملة لسنة الأئمة، دليلا على الحكم الشرعي. وأسست لقواعد أصولية لتحديد الموقف العملي من الحكم المشكوك. وبالتالي فإما أن يتوفر الفقيه على بيان شرعي، آية أو رواية، فيفتي طبقه، أو يحدد الوظيفة العملية من خلال الأصول العملية.

وبهذا الشكل تفاقمت الفتوى، وصار الفقيه يلاحق الفرد، يرسم خطواته وفق رؤيته الفقهية، من وجوب أو حرمة أو إباحة، وما بينهما من استحباب وكراهة، وراح الفرد ينتظر الفقيه يسأله عن كل شؤون حياته.

ويمكن الإشارة لبعض تلك التداعيات التي مرّ ذكرها:

- تطويع العقيدة الإسلامية، من أجل تأصيل حجية مطلق سيرة النبي، والأئمة على الرأي الشيعي، أو باضافة عدالة الصحابة، التي هي معادل موضوعي لمفهوم العصمة عملا على الرأي السني. فالعصمة ليست سوى حجية مطلق سيرة أئمة أهل البيت، وهكذا ينظر السُنة للصحابة من خلال مفهوم عدالتهم. فسلب تطويع العقيدة بشريتهم، ورفعهم فوق الخطأ، وخلق منهم كائنات يتداخل فيها اللاهوت بالناسوت، والمقدّس بالمدنس، وراحت روايات الغلو تتفاقم، حتى ارتفعت بهم لمصاف الخالقية. خاصة بالنسبة لغلاة الشيعة، ممن تمادوا في تقديس الأئمة. وبالتالي فالفقيه حريص جدا على حماية خصوص مرجعياته غير الكتاب الكريم وما له جذر قرآني من السنة النبوية.

- تأصيل الفقه السلطاني، بناء على شمول الشريعة لجميع مناحي الحياة، بما فيها الشأن السياسي، وحماية سلطة الخليفة، من خلال فتاوى راحت تنظّر لوجوب طاعة السلطان مطلقا، وحرمة الخروج عليه ولو كان فاسقا، والروايات في هذا الخصوص ليست بعزيزة، وقد مرت الإشارة إلى جملة منها. فكانت فتاوى الفقهاء سيفا يقطع وتين المعارضة السياسية، وكانت سببا في إراقة دماء غزيرة.

- تقييد العقل بالفتوى، باعتبارها سلطة فوقية، لا يجوز مخالفتها، رغم أنها رأي للفقيه وليست رأيا للشريعة، لذا يختلفون أحيانا حول قضية واحدة، تصل حد التقاطع بين الوجوب والحرمة. كمسألة الخروج على السلطان الظالم مثالا. وبالتالي فالفتوى تقيّد حرية العقل، وتقمع الابداع، خارج حدودها، ويبقى الباحث يراوح بين التأويل والتبرير، فيكون شأنها شأن أي ثابت ديني، لا يمكن تجاوزه. خاصة أن التنظير الفقهي طال جميع شؤون الحياة، ولم يسمح الفقيه باتخاذ أي موقف خارج دائرة الأحكام الشرعية الخمسة. بشكل لا يمكن للفرد حينئذٍ اتخاذ موقف مستقل عن الفقيه، فتنمو في داخله روح التبعية والانقياد اللاشعوري، بشكل لا يمكنه وعي الذات خارج دائرة الفقيه، وطاعة الفقيه.

- التنظير الفقهي لولاية الفقيه، التي حدت من حركة الفرد حينما نصّبت له وليا يتولى تدبير شؤونه، بشكل يقتصر فيه موقفه على الطاعة والانقياد، وهي استبداد ديني، لا دليل عليه شرعا، ولم يدعه أحد من قبل، ولم يجعله الله تعالى صريحا للفقيه. وهذا أخطر تداعيات الاجتهاد، ومن يراجع أدلة القائلين بولاية الفقيه المطلقة سيتأكد بنفسه من قصورها. وعدم قدرتها على النهوض إلا بتأويلات ومؤيدات لا ترقى لجبر تلك الأدلة. ولاية الفقيه مبدأ استبدادي صارم، يؤصل للتفرد بالسلطة وقمع المعارضة، وتفرض قرارات لا تخضع للشورى والتراجع.

- إن جمود الفقيه على حرفية النص، وعدم مراعاة الظروف الزمانية والمكانية ومناسبات الحكم والموضوع، اضطرته إلى فتاوى يتحايل بها على بعض المحرمات، تسمى بالحيل الشرعية، مما عكس نظرة سلبية عن التشريع، حتى أفتى بعض الفقهاء بحرمتها.

- أفضت بعض المباني العقدية، كمبنى اختصاص السلطة بالإمام، على الرأي الشيعي، إلى استباحة ممتلكات الدولة خارج ولاية الإمام / الفقيه، رغم أن الدولة شخصية اعتبارية، تمثل حق الشعب في هذه الثروات، فهي ليست مجهولة المالك أساسا، بل أن مالكها هو الشعب على شكل مشاع، وما الدولة سوى جهاز إداري لتنظيمها وإدارة شؤونها باسم الشعب. وعنوان مجهول المالك يبيح تملك المال، شريطة دفع خمسه للفقيه، وبهذا الشكل تمادى الإسلاميون في استنزاف ثروات البلد، تحت هذا العنوان، وأثروا ثراء فاحشا. بل أن بعض الفقهاء استباح المال العام وثروات النفط المسروقة باعتباره نائبا عن الإمام فهو حق بالتصرف به دون الدولة. (راجع أيضا كتاب: النص وسؤال الحقيقة)

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi5مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق31) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

ماجد الغرباوي: ليست العبودية مجرد ثقافة أو جهاز مفاهيمي ومنظومة أخلاقية، بل تستبطن رؤية لفهم الواقع والكون والحياة. وفلسفة تقوم على ثنائية السيد / العبد .. الشيخ / الفرد .. الأب / الولد، هي جوهر النظام العبودي، وركيزة وجوده. بشكل ينقلب الظلم والجور والاستبداد في إطار التفاوت الطبقي إلى شرط لوجود الكيان وديمومته الاجتماعية. فالمركز يبقى مركزا، وتبقى الأطراف تستمد منه وجودها وانتماءها وتحققها. وقد أدمنت البيئة القَبلية العبودية، حداً لا يمكنها تصوّر أي بديل يردم الهوّة الطبقية، بين المركز والأطراف. ومَن يطمح لسيادة قبيلته، لا يفكر بانقلاب  مفاهيمي، أو تغيير جذري للنظام الاجتماعي القائم على الاستبداد والجور، بل يقتصر طموحه على تبادل المناصب والصلاحيات، دون المساس بجوهر النظام وعاداته وتقاليده، باعتبارها سلطة عليا، ومرجعية نهائية، يضمن بها ولاء العشيرة، وضمان سلطته، وحقوقه الواسعة. وبالتالي انعكست ثنائية العبودية على فهمه للعلاقة بينه وبين ربه. والناس وفقا لقبلياته، عبيد لله وليسوا عبادا له. فالعلاقة علاقة رب بعبده، لا علاقة خالق بمخلوقه. رب بكل ما تعنى الكلمة من جبروت وتسلط. وهذا يستدعي القيمومة والوصايا المستمرة في إطار العلاقات الدينية، قياسا على ذات العلاقة في النظام العبودي والقَبلي التي تسلب الفرد إرادته، من خلال تبعيته الوجودية، كما في النظام العبودي. أو ضرورة الانتماء، كما في النظام القَبلي. والحديث هنا ليس عن الاستنكاف، كما قد يتبادر لبعضهم، لأن العبودية الواعية والخالصة لله تنسجم مع روح الإيمان والأديان. فهي عبودية طوعية عن فهم وتدّبر: (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا). والكلام في هذا المفصل عن تداعيات الفهم العبودي الموروث المجرّد من الوعي والفهم السليم لطبيعة العلاقة بين الرب وعبده. حينما يستمرئ الفرد عبوديته واستلابه وتبعيته وانقياده باعتبارها قدرا مقدّرا، في مقابل السيد / الشيخ / الأب، الذي قدره السلطة والقوة والاستئثار بالمال والثروات. فالعبد لا يحاسب مولاه على صلاحياته وسلطاته، لأنها حق طبيعي، مشروع لسيده، بفعل الاصطفاء العنصري أو الإلهي. وتقتصر وظيفته على الطاعة والاستجابة والقناعة، فيغدو الرفض بنظره جريمة لا حقا، يستدعي التضحيات. وأما حالات التمرّد فمحدودة، وتقمع فورا، حينما يضيق العبد ذرعا بظروفه القاهرة وطغيان سيده. وأما ما حصل من ثورات خلال التاريخ، فهي وليدة ظروف ووعي مختلف، يطمح للسلطة دون الإنقلاب على قيم المجتمع.

لقد انعكس الفهم العبودي للعلاقة بين الإنسان وربه على التفكير الفقهي، يتضح هذا من خلال فتاوى الفقهاء وما شرّعوه من أحكام سمحت بضبط سلوك الفرد وترويض وعيه لتكريس سلطة الاستبداد. كما انعكست على جملة تشريعات، فتجد النزعة الذكورية، التي هي سمة بارزة في النظام القبلي، تتجلى في أحكام الأسرة والعلاقات الزوجية، حيث كرّس الفقه التقليدي سلطة الرجل وقيمومته، وفرض عليها الطاعة والخنوع والجور المجتمعي. وهذا لم يقتصر على السلطة، بل المعارضة كانت أدهى في توظيفه، وتأصيله دينيا. وكان الدافع لكليهما أيديولوجيا، سياسيا، يرقى بهرم السلطة إلى القداسة، فوق النقد والمراجعة والمحاسبة.

رهانات الاستبداد

كان خمول الوعي صفة مائزة للشعوب تاريخيا، بفعل خطاب سلطوي أو أيديولوجي، يرتكز لمفاهيم مرنة يمكن توظيفها بعيدا عن مقاصدها، تفضي إلى خموله، وانتكاسته عند الأزمات. أو ذاتية ترتبط بمختلف الظروف النفسية والتربوية والثقافية والاجتماعية والسياسية، فتكون العبودية حينئذٍ شعورا داخليا، نفسيا، متأصلا، يشترط وجود الآخر في وعي الذات. حدَ "التشيؤ" وفقدان الذات بعيدا عنه. فهي عبودية استملاكية تخاصم الحرية، تعادي التحرر، وتراوح بين التمرّد النسبي والانسحاق. مرتبكة، خائفة. ثم بعد الانتقال للمجتمع القبلي، لم تحصل قطيعة تامة مع الماضي وثقافته، وواصلت قيم العبودة حضورها بذات القوة. وواصل الاستبداد ومنطق الوصايا يسود القيم القَبليىة. وحل الانتماء بمعنى التحقق الخارجي، شرطا لوجود الفرد، بدلا من وجود الآخر. ولم يتحرر حدَ الاستقلال في مواقفه وانتمائه.

إن قيم الاستبداد، قيم أصيلة، راسخة، لازمت الوعي لا شعوريا، رغم الانقلاب النوعي في منظومة القيم، ورغم ما أضفى الدين الجديد على الشخصية العربية من صفات الإيمان والتضحية والإخلاص والإيثار، غير أن صراع السلطة كشف أصالتها، وفضح هشاشة الوعي، لا بسبب رواية أبي بكر عن النبي فقط، بل لوجود أرضية شجعت على ذلك، مما يؤكد أن الفرد لم ينتفض على ماضيه تماما، وبقت قيم معياريه حاكمة، تمثل مرجعية نهائية، تفرضها روابط القربى والدم والثقافة. وهذا واضح تم الحديث عنه في بحوث سابقة، ونضيف هنا: أن القيم القَبلية تسللت ضمن القيم الدينية، بعد أن تخلت عن الشرك وعبادة الأصنام والأوثان، واستبدلت مجموعة عادات وتقاليد همجية، كوأد البنات، والاستنكاف من الأنثى، واحتقار المرأة والعبد. وبعد أن قوّمت منظومتها الأخلاقية في ضوء كتاب الله وسَنة نبيه. ولم تختبر غيرها من القيم، كـ"الاستبداد ومنطق الوصايا والشعور بالفوقية والتفوق العنصري"، إلا بحدود التفاضل، وفي حالات نادرة، حيث كان بعض القريشيين يترفع عن الجلوس بقرب العبد المسلم، حتى قال رسول الله عن الصاحبي سلمان الفارسي، الذي كان يُغمز بنسبه، "سلمان منا أهل البيت". في إجراء أخلاقي لحمايته، ضد التعصب القَبلي، الذي  يصادر إنسانيته، ويتعامل معه وفق معايير عنصرية ظالمة. وقد تصدى القرآن بالفعل لهذه الظاهرة، مصححا بعض المفاهيم، كقوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، (وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ). وقد مرَّت الآيات التي تحدثت عن الموقف العقائدي من العشيرة حينما تنصب العداء لله ولرسوله.

اختبار القيم

كان الصراع حول السلطة أول اختبار للقيم القَبلية، وقد اتضح أنها رهان رابح، كسبت المعركة، خاصة بعد اكتسابها غطاء شرعيا من خلال بعض الروايات، كقول الرسول: "الخلافة أو الإمامة في قريش". وقوله: يأتي من بعدي إثنا عشر خليفة كلهم من قريش أو من أهل البيت على اختلاف نسخ الحديث المتصارع حوله. وهذه الأحاديث تشرعن الاستبداد لا فقط تدافع عن القيم القَبلية. وقد ناقشت هذه الروايات وبينت نقاط ضعفها، ودحرت صحة صدورها، لتبقى محتملة الصدور وفقا لمنهجي في تصنيف الروايات. لكن الثابت أن الاستبداد استمد منها شرعيته، وتقبلها المجتمع العربي المسلم، وتفاعل معها. وهي قيم خطيرة، تتحايل على المفاهيم الدينية والإنسانية لاشباع رغباتها وفرض سلطتها، وهذا ما تجلى بوضوح من خلال فتوحات المسلمين، التي اتسمت بالعنف واستباحة الأراضي المفتوحة، وفرض الإسلام بالقوة.

إن منطق الاستبداد لا يفهم: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا)، ولا يتمسك بأكثر من ستين آية من آيات التسامح، بل يتشبث بالنسخ، وبآية السيف (اقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) لتبرير سفك الدماء. وقد ذكرت في كتاب تحديات العنف، أن دوافع فتوحات المسلمين لم تكن دينية خالصة، وكانت لدى الخلفاء، خاصة الأمويين والعباسيين ومن جاء بعدهم من السلاطين، طموحات سياسية وتوسّعية واضحة، باسم الهداية، والتبشير الديني والجهاد في سبيل الله ونشر الدعوة المحمدية. والحقيقة أنها شهوة السلطة، والبحث عن موارد مالية جديدة، والأهم إشغال الجند بحروب بعيدا عن مركز الخلافة، وضمان أمن الخليفة وسلطته. وكانت شعار الفتح "أسلم تسلم"، لا خيار آخر أمامه سوى الاستسلام أو مقاومة المحتل، دفاعا عن وطنه أو مقدساته، فليس من السهل أن يتنازل الفرد عن عقائده وديانته لمجرد أن يدعوه آخر لذلك. فمجرد الدعوة لا تخلق قناعة، تستدعي التخلي عن موروثاته الدينية والثقافية. هذا أشبه بالمستحيل، لذا قالت الآية "ادع إلى سبيل ربك  بالحكمة والموعظة"، كي تتيح لهم فرصة للتفكير والمراجعة، غير أن سياسة الفاتحين اضطرتهم لإشهار السيف دفاعا عن عقائدهم وثرواتهم، فصدق عليهم أنهم محاربون، يجب قتلهم، وسبي نسائهم، ونهب ثرواتهم. وهذا ما حصل عبر تاريخ الفتوحات، التي يندى لها جبين الإيمان والإنسانية أحيانا كثيرة.

لماذا تلغى جميع هذه الآيات لتبقى آيات السيف والقتال ومطاردة الآخر المختلف دينيا مطلقة وفعلية على مر السنين والأيام؟ أليس النسخ بهذه الكثافة كان أسلوبا استبداديا أريد به تبرير حروب الخلفاء والملوك والسلاطين؟ أو شرعنة قتال الشعوب غير المسلمة وإن كانت مسالمة؟ أو كمبرر لحث المسلمين على القتال وتوسيع رقعة الحرب من أجل ملء الفراغ، واشغال الجند، وتحصيل الثروات، وتكريس المكاسب والفتوحات لمصالح شخصية، ثم تحول الى حقيقة معرفية وأحكاما شرعية يتناقلها الرواة والفقهاء؟

تراجع الوعي

كان المتوقع حصول انقلاب في منظومة القيم القبلية بعد اعتناق الدين الجديد، والانتقال من العبودية بكافة أشكالها وقيمها، ومن الاستبداد وطبائعه، كما يعبّر الكواكبي، إلى رحاب التحرر الكامل، وإعادة تشكيل منظومة القيم على أساس حرية الفرد ومسؤوليته المباشرة عن أعماله وسلوكه ومواقفه، أسوة بمسؤوليته الشخصية عن أعماله يوم المعاد. والتحوّل من الولاء القَبلي إلى الولاء الديني أو الإيماني، حيث قول الرسول: " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، "لا فضل لعربي عن أعجمي إلا بالتقوى". وقبلهما قوله تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم". لكن الأحداث كشفت عجز القيم الجديدة عن ملامسة أعماق البنية الأخلاقية، إلا النفر القليل من المؤمنين. أو لم تستطع زعزعتها بالكامل، وبقيت تحت تأثير سلطة القيم القَبلية، مادامت بعيدة عن الشرك ومحاربة الله ورسوله والمؤمنين. وقد مر الاستشهاد بمجموعة آيات تحذّر من الردة والإنكفاء والعودة لقيم الجاهلية، حسب التعبير القرآني. بل وهناك آيات تحذّر الرسول من التعاطف الخفي، استجابة لأعراف وتقاليد المجتمع المكي: (وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا). كما استشهدنا برواية ترصد سلوك القريشين داخل المجتمع المدني، وفي أوساط المؤمنين، وكيف كانوا يخططون لحماية سلطتهم، حتى اتهموا بتحريف كلام الرسول. فقريش، لا سيما طبقة السادة في زمن الملأ، لم يتخلوا عن اطماعهم في السلطة والسيادة، وكانوا يتحينون الفرص، للعودة إلى واجهة الحكم. ولا ننسى أن من تصدى للخلافة، وأحداث السقيفة كبار الصحابة من قريش ممن تبنوا القريشية مبدأ في السلطة، فكيف بحال غيره. يكاد الباحث يجزم أن رهانهم على الوعي الجمعي، كان محسوبا بدقة، لذا ضربوا على الوتر القبلي وبالفعل كسبوا الجولة، مهما كان حجم الأحداث التي رافقت البيعة، بل وبقيت القريشية تتحكم بشرعية السلطة، ولم يخرج الخلاف حولها عن بيوتات قريش، بين من يرى شرط مطلق القريشي / السنة، ومن يعتقد جازما بأنها نص وتعيين من قبل الله تعالى بواسطة النبي الكريم / الشيعة.

إن نجاح الرهان على الوعي القبلي، جعل من تزويره استراتيجية يتوقف عليها ضمان شرعية أي تحرك سياسي أو أيديولوجي، سواء السلطة أو المعارضة بمختلف توجهاتهما. حتى في حالات التمرد والثورة، تحرص القيادة على مستوى من الوعي تضمن به انقياد الثوّار والمتمرّدين، فتبالغ بالشعارات والخطب العاطفية، والنأي عن الخطابات الفكرية والعقيدية، التي تستدعي يقظة الوعي والإدراك. ويمكن أن نرصد بهذا الاتجاه تعهّد القيم القبلية من قبل الجميع، بعد شرعنتها شكليا، كالمحافظة على مسافة كافية بين "السيد أو الشيخ"، وقواعدهما الشعبية، الذي ينطبق فيما بعد على الخليفة والسلطان، مع منحهم امتيازات خاصة، ضمن الأعراف القبلية. بل أن الركون للمبدأ القَبلي في حسم أول نزاع على السلطة، هو تجلٍ واضح للثقافة القبلية وديمومتها في اللاشعور، والعقل الجمعي.

ثم تطوّرت قيم الاستبداد، بفعل التنظيرات الكلامية، وتعضيد الروايات التاريخية والدينية المنحولة، فغدا خلافة شرعية، وسلطة إلهية، ومنّة ربانية، وراحت روايات الفضائل والكرامات تترى، حد الإفراط بالقداسة، وتبرير السلوكات الخاطئة، وتأويل كل ما من شأنه المساس بحيثية الخلفاء. فأنتج لنا هذا السلوك ثقافة بائسة، تمجّد الاستبداد والتبعية والانقياد، وتنهر الوعي واليقظة، وتحارب التمرد والثورة، وتقصي الآخر، وتفتي بكفره واستباحة دمه. إنها رثاثة الوعي، التي ورثها الفرد من نظامه القبلي، ثم قام بشرعنتها عندما منحها مفاهيم جديدة، كالطاعة الشرعية، والتسليم لله من خلال التسليم لخليفته.

اتضح مما تقدم: لم يكن الاستبداد يوما طارئا على الوسط العربي، وبقي الوعي مرتهنا لجملة من القيم القَبلية رغم اعتناق الدين الجديد، ثم استدعى التنافس المحموم على السلطة، لتأكيده وشرعنته.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi4مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الثانية والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق30) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

ماجد الغرباوي: تقدّم ثمة شكوك حول قدرة الدين على انتزاع الفرد من واقعه، وتحرير قبلياته من أسر مرجعيات ظلت وفية لنظامها المعرفي القائم على ثنائية تكرّس التبعية والانقياد، وتبرر استلاب الوعي. سواء من آمن في زمن البعثة أو بعدها. من داخل الجزيرة العربية أو من خارجها. يشهد لذلك تمسّك المهاجرين بمبدأ القريشية لحسم نزاع السلطة بعد وفاة الرسول، حتى أصبحت شرطا في شرعية الخلافة الإسلامية!!. والتمسك بمبدأ قبلي منحى استبدادي، مادام يكرّس السلطة بيد قريش، مهما كان مستوى الكفاءات المنافسة لها، لذا بقي الصراع منحصرا في بيوتاتها، باعتبارها شأنا خاصا بهم، لا فرق بين السلطة والمعارضة. إضافة لدلالاته العنصرية المنافية لقيّم السماء: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). وبالفعال استبدت قريش، وهيمنت على القرار السياسي، طوال ثلاثة عصور. واستمرت السلطة تعاني قبضة نظام وراثي، أباح ولاية الفاسق والجائر والظالم، مستفيدا من الفقه السلطاني، وما قدّمه من تبريرات لممارسة السلطة من وحي شرط القريشية. فثمة ظواهر في المدوّنات الفقهية تلحّ على نقدها، وتحري مرجعياتها. وهناك فقه يكرّس الاستبداد، كالفقه السلطاني عند السُنة، وولاية الفقيه عند الشيعة، التي تمنح الفقيه سلطة مطلقة، يستمدها من نيابته للإمام المهدي، الذي له مطلق السلطة والصلاحيات والعلم والمعرفة وفقا للعقيدة الشيعية.        

إن موقف نخبة الصحابة لا يكف عن طرح الأسئلة، ومدى نجاح الدين في قلب موازين القيم السائدة. باعتباره منظومة قيمية، وتصوّرا شاملا للوجود والإنسان، وقد طرح بدائل عن الولاء القَبَلي، رغم عدم اعتراضه على التواصل مع غير المحاربين، وعدم مساسه بها ككيان اجتماعي، إنساني. وقد مرَّ الكلام مفصّلا. فكيف تفوّق مبدأ ينتسب لقيم الجاهلية حسب التصنيف القرآني، على مبدأ ديني سماوي، وواصل حضوره عبر المدوّنات الكلامية والفقهية والسلوك العام للخلفاء المسلمين، وما زال يفرض محدداته على العقل المسلم والتفكير الحركي؟.

هذا هو الإشكال الذي دفعني لتحري أسباب العنف وجذوره وكوامنه في الفكر والفقه والعقيدة الإسلامية. وقد تكلّمت في معرض بيان وجهة نظري مفصلا عن القيم القَبلية ودور المقولات الكلامية في ترسيخ الاستبداد، وملخصّ كل ما تقدّم أن لهذه الظاهرة أسبابها. وقبل الإشارة لها، نشير أن مصطلح المستبد "Despot" مشتق عن الكلمة اليونانية ديسبوتيس "despotes"، وتعني رب الأسرة، أو رب المنزل، أو السيد على عبيده. ثم خرجت الكلمة إلى عالم السياسة لكي تطلق على أحد انماط الحكم، بعد أن طور المصطلح أكثر من مرة على يدي رجال الفكر السياسي، كان آخرهم مونتسيكو 1689م-1755م. والاستبداد بعبارة مكثفة: "التفرّد بالسلطة أو الرأي مع قمع المعارضة". فهو إذاً "تفرّد باتخاذ القرار وعدم الخضوع للقانون". ولازمه نرجسية المستبد والتعسف بالسلطة وعدم احترام الشعب وحريته ومقدراته. فالنظام الاستبدادي يفرض قيمه وثنائيته حاكم / محكوم. (كتاب: إشكاليات التجديد).

أما الأسباب فهي:

أولاً- أصالة القيم القبلية: تقّدم الحديث عن الجذر القبلي لثقافة الصحابة، المنحدرين أساسا من بيئة قبلية تفخر بقيمها وعصبيتها، تكرّس سلطة الشيخ والعنف والاستبداد. فهو لم ينسلخ بعد إسلامه عن ثقافته وقيمه تماما، رغم تحييده المستمر، فكانت الثقافة القبلية فاعلة في أعماقه، تطفو حينما لا يعترضها نص ديني، وقد تلتف عليه من خلال تأويله، لقوة حضورها. وقد يصدق أنه كيّف بعض القيم الوافدة مع الموروث الثقافي، لأصالته ورسوخه، وبرمجة العقل وفق مقاساته وبوصلته، رغم التماهي مع بعضها الآخر. مما يؤكد وجود مشتركات ثقافية واجتماعية، تتضمن نظاما أبويا يتقوّم بالطاعة والانصياع، تعززه مقولات تراثية واجتماعية، تكرّس طاعة الأب كقيمة تستمد شرعيتها من مقام الأبوة، لها استحقاقها الذي تحفظ به وحدة العائلة. الوحدة الأساس بالنسبة للقبيلة / المجتمع. فهناك نسقان يتحكمان بوعي الفرد والمجتمع، النسق القَبلي القائم على ثنائية السيد / العبد، والنسق الأبوي المرتكز لثنائية الأب / الإبن. فثمة نزعة استبدادية متأصّلة في بنية القيم القبلية، وحواضنها الاجتماعية، تشكل جزءا من وعي الذات، المتقوّمة بالانتماء القبلي. وقد تنقلب إلى ضرورة تلازم السلطة، عندما يتجاهلون جورها وتداعياتها، لذا طفت ولعبت دورا خطيرا في الأحداث السياسية، وظلت فاعلة مادامت هناك سلطة دينية. والدليل، قوة الولاء القبلي، وتقديمه على الكفاءة دائما، حتى غدا مبدأ متسالماً عليه، وهذا أحد معوقات النهوض الحضاري. وهكذا بقيت قريش تواصل دور السيادة والقيمومة والأبوة، بفعل ثقافة منظومة قيم العبودية التي تمثل ثنائية السيد / العبد حقيقتها، مهما اختلفت عناوينها. والعبودية لا تعني الرق بالضرورة، فربما رقيق يحملون في أعماقهم روح السيادة، فدأبهم التمرد على نظام القيم، وتحيّن الفرص لتأكيد الذات. وهذا يعني أن قابلية الشعوب للاستعباد شرط في فعلية الاستبداد، خاصة ثقافة العبودية المتأصلة في الشخصية القَبلية باعتبارها شرطا لتحقق الذات خارجا. ولا يستطيع وعي ذاته بعيدا عن أنساق القيم الاجتماعية ما لم يكن متمردا. والتمرّد لا يحقق أية استقلالية للفرد، بفعل قوة الحاضن الاجتماعي / العرف القَبلي، الذي تتقوم به تلك القيم، كما أنها تمده بعناصر يجدد من قناعته وتمسكه بها، ما يشبه علاقة جدلية.

وما يعزز الحاجة للولاء أن السلطة في المفهوم القبلي "غنيمة"، وليست مسؤولية وطنية، ويستمد الحاكم شرعيته من تمسكه بها، وحجم صلاحياتها. فيصبح الاستبداد مبررا لإِحكام قبضة الحكم، لذا يختفي في المجتمعات المتخلفة حضاريا، مفهوم ثقافة الاستقالة، وتحمّل المسؤولية القانونية، والاعتراف بالخطأ، وعدم نجاح أية ممارسة ديمقراطية نجاحا حقيقيا يضع الكفاءة فوق الولاء. وحتى لو تحقق، فإن الحاكم الأعلى يلتف على القوانين والأنظمة، ويحيط نفسه بأسيجة سلطوية يضمن بها استبداده. وهذا يكشف عن مدى أصالة القيم القبلية ومفهوم الغنيمة في التعامل مع السلطة والحكم. ومازالت هذه القيم فاعلة رغم التطور الحضاري في المنطقة، ومازال وعي السلطة وعيا قَبليا لم يرق لمستوى الوطنية والمواطنة والاعتراف بالآخر، وحقه في المشاركة السياسية، مهما بلغت محاولات أسلمتها، وتأطيرها بأطر دينية، بل أن التنظير الديني للسلطة تنظير للاستبداد بلباس شرعي.

ثانيا- التنظير الكلامي       

لقد دشّن الحكم الأموي عصرا سياسيا مختلفا، اضطر الرواة لاختلاق الأحاديث والتركيز على سُنة الصحابة وقداستهم والارتفاع بهم فوق النقد والمراجعة. ومعاوية من الصحابة فهو بحاجة ماسة لوعي يتناسى أخطاءه ويغفر ذنوبه ويضمن طاعته، مما دفع فقهاء السلطة وعلماء الكلام إلى تأصيل مفاهيم لشرعنة استبدادها، واحتكارها ضمن نظام وراثي. كما ردت المعارضة بدراسات نقدية وتنظيرات كلامية تسعى سلب السلطة الحاكمة شرعيتها، واحتكار تلك المفاهيم القرآنية دونها. فثنائية السلطة / المعارضة قادت حركة التنظير، والتنافس حول مداليل الآيات وروايات الفضائل. وقد استعرضنا مجموعة مقولات خلال تفكيك العقل الفقهي، كلها يكرّس الاستبداد حينما يتمادى الفكر الكلامي في تزوير الوعي، والركون للمغالطات والظنيات في مقدمات القياس. فـ(الاصطفاء والولاء والولاية وسلطة أولي الأمر والعصمة والقداسة)، جميعها شأن إلهي، يتوقف ثبوتها على وجود آية صريحة، يُرفع بها اليد عن الأصل العقلي. غير أن الفكر الكلامي التف على هذا الشرط من خلال أدلة كلامية، كان الدافع وراءها ضرورات أيديولوجية، سواء السلطة والمعارضة. فكل منهما تشبث بها لديمومة وجوده، وشرعنة بقائه. فمثلا: سلطة ولاية الأمر، سلطة مشروطة، خاصة في القضايا الإجرائية والتنفيذية، هذا وفقا للفهم القرآني، غير أن الفكر الكلامي جعل منها سلطة مطلقة، تتقوم باستبداد الخليفة / الإمام / السلطان / الولي الفقيه. فالتنظير الكلامي نظّر للاستبدادين الديني والسياسي، بأجلى صورهما. العصمة تمنح المعصوم سلطة مطلقة، تسري للولي الفقيه وفقا لنظرية ولاية الفقيه، فيصدق أن سلطته سلطة استبدادية، بيده القرار الأخير، خاصة من يختزل دور الشورى بالاستئناس، ويمنح الحاكم الأعلى حق التفرّد بالقرار النهائي. وقد امتد الحديث حول هذه المفاهيم عشرات الصفحات لتحري التوظيفات السياسية، ومدى جدارة الأدلة على شمولها لغير الاصطفاء الإلهي المذكور قرآنيا.

الفكر الكلامي لعب دورا خطيرا في التنظير للاستبداد دينيا، عندما تبنى الفقيه تلك المقولات، واعتمدها ضمن مرجعياته في استنباط الأحكام الشرعية، فهي ليست مقولات مجرّدة، بل تترتب عليها مختلف الأحكام والإلتزامات، التي تصادر حرية الفرد والمجتمع وتكرّس سلطة أولياء الأمور. وبهذا نفهم قوة تجذر الاستبداد في الفكر والفقه الإسلاميين. خاصة حينما يتحوّل إلى قيمة دينية يدافع عنها المسلمون. ولم يتمكن التنظير الكلامي من تحقيق أهدافه، وتأصيل الاستبداد وفق أسس دينية، لولا وجود ثقافة قَبلية تستمرئه، وتفتخر به، وتعتبره ميزة قيادية، وضرورة لحماية الكيان السياسي. ثقافة تقمع الشكوك والأستفزازات من خلال رسم صور مشرقة لرموزها، تصل حد الكمال المطلق بالنسبة للرموز الدينية، فتغدو الطاعة عبادة لا فقط واجبا وطنيا وأخلاقيا. بل وتنصّب نفسها مدافعا عتيدا عن قيم التبجيل والكمال التي صنعتها بنفسها!!.

لا شك أن نقد نسق المقولات الكلامية المتقدمة مغامرة، تثير حفيظة المسلمين، غير أنها مراجعة تفرضها ضرورة التحرر من ربقة الاستبداد الديني، الذي هو أخطر من الاستبداد السياسي كما صرّح بذلك الكواكبي في كتابه: طبائع الاستبداد، والنائيني في كتابه: تنبيه الأمة وتنزيه الملة. وكان هذان العلمان البارزان ينظران إلى تداعيات الاستبداد بما هو ممارسة وسلوك سياسي، وما يترتب عليه من ظلم وتعسف، غير أني أرى الاستبداد الفكري والعقيدي أخطر على الوعي. إذ يمكن معالجة الوضع السياسي، وتحييد الاستبداد عملا، لكنه يبقى يمارس دورا لا شعوريا، يستبد بالوعي الجمعي، وهذا أخطر من الآثار الوضعية. يمكن تحري حقيقته عندما نحلل بنية المفهوم، وندرس مدى علاقة مفرداتها بالاستبداد وأفق دلالات المصطلح في الوعي الجمعي.

ثالثا: النصوص المقدّسة

لقد استوفينا الكلام حول السببين المتقدمين ضمن بحوث سابقة، وأما التالي مازال بحاجة لمراجعة أوسع تسمح بتكوين رؤية عن علاقة النص بالاستبداد. فهل توحي بعض النصوص المقدّسة بشرعنة الاستبداد؟ وما هو موقفها من قيم العبودية والعشيرة والنظام الأبوي؟

لم يستهدف القرآن الكريم العشيرة ككيان اجتماعي، وإطار إنساني يتحالف فيه أفراد العشيرة على البر والتقوى وعدم الظلم والعدوان، وإنما كافح قيما يتبناها الوسط القَبلي بحكم منظومته الأخلاقية، فهو عندما يحرّم وأد البنات (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ .بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ)، يحارب بذلك سلوكا مألوفا، لا يؤاخذ عليه القاتل، فكان منهج الكتاب المجيد إعادة تشكيل العقل المسلم الشامل للعقل القَبلي، بل لم يكن آنذاك سواه داخل وخارج الجزيرة العربية. وعندما يقول: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)، فهو رهان على كسب الولاء القبلي لصالح الدعوة الجديدة، مما يؤكد قوة هذا الولاء وفاعليته، خاصة والرسالة في أول ظهورها. وقد مرَّ سرد مجموعة آيات حددت ضابطة العلاقة بين المسلمين وقبائلهم، وهو: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). فهذه الآية لا تهدر الولاء القَبلي للفرد، ما لم يتعارض مع المفاهيم القرآنية. لذا تواصل حضورها لا شعوريا، وقد تكلمت عن هذا الموضوع طويلا.

وهنا استعيد معالجة قرآنية مرَّ استعراضها، لنستأنف البحث حولها من زاوية أخرى:

(لم يتحرش القرآن بقيم المودة والاحترام بين الأب والإبن، لكنه ضبط العلاقة وفق مبادئ إنسانية. بدءا من إشراك الأم مع الأب بالاحترام، والتعريف المستمر بمعاناتها ومكابداتها خلال الحمل. فالاحترام قرآنيا قائم على أساس الشكر ورد الجميل للأبوين: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)، وبهذا انتزع الخطاب القرآني المنطق الذكوري من العلاقات العائلية. كما انتزع المنطق الاستبدادي وأبقى على علاقات الاحترام والشكر، دون التحكّم بمصير الأبناء، حينما قال: (وإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا). فالقرآن أقام العلاقات العائلية على مبادئ إنسانية وعقلية، بعيدا عن منطق التسلّط والاستبداد. وأكد قيم الأبوة الإنسانية بدلا من قيم الأبوة القبلية الملازمة لشِرعة الذكر، واحتقار الأنثى (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ). فالمنطق القبلي منطق استعلائي، يستعلي فيه الذكر بذكوريته، بينما يؤسس القرآن لعلاقة مختلفة، لا فرق في ذلك بين الأب والأم، ولا ميزة لهما تقتضي تسلطهما واستبدادهما، إنما هي علاقات إنسانية، وقد يكون الأبن أجدر من أبيه في قراراته، لذا يكون مسؤولا عن مصيره مباشرة، بينما يخول النظام الأبوي الأب مصير العائلة برمته. قال تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا). فالإسلام قد حافظ على كيان العائلة وتماسكها، وأصّل لعلاقة أبوية على أسس أخلاقية وإنسانية، بعد تجريدها من سطوة الأب وقيم العبودية. فالمبالغة بالاحترام حد تحريم التأفف وإظهار الضجر من مداراتهم، تعويض نفسي للأبوين، وشكر لجهودهم ومعاناتهم وتضحياتهم، وضمان أخلاقي حينما يتراجع بهم العمر. ومن يراجع آيات الكتاب الكريم يجد اهتمامه بالعائلة كمؤسسة اجتماعية اهتماما ملحوظا. غير أن قيم العبودية وقيم النظام الأبوي استطاعت رغم كثافة الخطاب القرآني، التكيف مع القيم الدينية، واكتسبت شرعيتها من خلال وعي بقى وفيا لجذوره، ويمكن الاستشهاد بمجموعة عقائد ومفاهيم تؤطر العقل الجمعي).

رغم وضوح دلالات الآية غير أنها شرعنة وجوب طاعة الأب، عندما نهت عن التأفف فضلا عن التململ والاعتراض والتمرد. ولازمه انقياد لا شعوري لقناعاته مهما كانت سلطوية مادامت بعيدة عن الشرك. والطاعة ممارسة سلوكية، يتأثر بها الإنسان، خاصة عندما يوصيه الخالق بأبيه، فيتمثل أخلاقه، ويتبنى آراءه، وينحاز له فيما عدا الشرك. فالأب هنا يمثل سلطة ضمن النظام الأبوي، ويقتصر دور الإبن على الطاعة وفاء لأبويه. خاصة مع وجود حاضنة اجتماعية ووسط أخلاقي هو الآخر يؤكد على طاعة الأب، ويعتبر الانحياز المضاد خيانة كبرى. فالآية منحت النظام الأبوي شرعية من باب الشكر لله تعالى، غير أن الوعي القَبلي، ساعد على تعميمها، حتى غدت سلطة، يمكن استغلالها وتوظيفها لأغراض أيديولوجية وسياسية ومذهبية. وذلك لأن موجبات طاعة الأب تكمن في جلوسه على قمة هرم الأسرة، وله وفقا للعرف سلطات واسعة، وقد عززتها الآية وجعلت منها أمرا شرعيا. وهذا لا يناقض تفسير الآية، فهو فهم بلحاظ قيم المجتمع والثقافة السائدة.

وأما الروايات فلم تحارب العشيرة بما هي إطار اجتماعي، وهناك روايات تؤكد على قريش وأهميتها وتقدمها على غيرها من القبائل العربية، استعرضنا عددا منها سابقا. رغم وجود مبالغات في تقديس قريش. ويكفي أن رواية الخلفاء أو الأئمة من قريش قد تحكّمت بمسار الأحداث السياسية برمتها، ومازال الرهان عليها خاصة المعارضة الشيعية؟

وبالتالي، إذا كان الدافع للاستبداد هو السلطة، فلا توجد نصوص ترفض القَبلية مبدأ في السلطة صراحة، لكن ثمة آيات وروايات تؤكد على تفاضل التقوى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). أو رواية "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى". أو التفاضل على أساس الكفاءة، كمبدا تفرضه التجربة الاجتماعية، ومفهوم هذه النصوص عدم اعتماد القَبلية مبدأ في السلطة، واشتراطها بالتقوى والعدل وعدم الظلم.

تأسيسا على ما تقدم، نحتاج لتفكيك المنظومة القيمية والعقيدة للعقل المسلم عامة والعربي خاصة، وإعادة تشكيله وفق قيم إنسانية وأخلاقية، واستبعاد كل مفهوم يكرّس الاستبداد والطاعة المطلقة. والثقافة الدينية هي المسؤول الأول، باعتبار قوة حضورها، وتاثر الفرد والمجتمع بها.

 يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

ماجد الغرباوي2مهدي الصافي

خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق29) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

ماجد الغرباوي: المقدّس مقوّم أساس للعقائد. لا تخلو منه عقيدة، إلهية كانت أم بشرية. ويعني لغة: التنزيه والتطهير والسمو. وقداسة المكان، أي طهارته وجلالته. وصار قديساً، طَهُرَ. بفعل عصمته من الذنوب والمعاصي. والعصمة تمهّد للقداسة التي هي إفراز للاصطفاء. كما أن القداسة توحي بها. فينتفي احتمال صدور الخطأ فضلا عن الذنب من الشخص المعصوم / المصطفى / المقدّس، ويعكس صورة مثالية، تستمد حقيقتها من وجود عناية إلهية خاصة، مما يعطي للقداسة بعدا غيبيا، يثير التكهنات حول المقدس ذاته، فيفرض مهابته وسلطته على الوعي. لذا فموضوع القداسة موضوع حساس جدا، والسؤال عنها سؤال عن مدى شرعية كثير من القداسات التي قد يكون بعضها مزيفاً يتستر بستار الدين، أو يستغل سذاجة الوعي الجمعي. لكن السؤال أين نجد مبررات التقديس؟. فهل هو حاجة موضوعية ترتبط بالدين وضرورات العقيدة أم حاجة نفسية، ترتبط بالتجربة الروحية للفرد؟. فهناك عِلقَة بين المقدّس والفرد تستدعي تحري بواعثها.

القداسة، صفة ذاتية لله تعالى (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ)، ويتصف بها غيره مجازا، ما لم ينص الكتاب الكريم عليه، كقوله: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمقدّس طُوًى)، فتكون فيضا إلهيا حينئذٍ. فقداسة غير الله، إما فيض إلهي، أو إسقاط وفقا لمقاييس وتصورات بشرية، يتفاوت منسوبها تبعا لإيمان الشخص واستعداده ووعيه ومستوى ذكائه وثقافته. فمنشأها صورة ذهنية، تبدأ بسيطة بفعل الإيحاء والتلقي المثيولوجي، ثم تتطور عندما تتفاعل معها النفس البشرية في إطار بيئتها وثقافتها ومستوى الوعي وسعة الخيال. وقد تكتسب دلالات غير مفهومه، تبعث على الخشوع والإذعان والرهبة. أو الراحة والطمأنينة، حداً يعتقد المؤمنون ثمة آثار تكوينية تترتب على الإيمان وعدم الإيمان بالمقدّس. فيصدق أن القداسة تنبثق في أجواء التجارب الروحية والممارسات الطقوسية لتضفي لها معنى يبرر إذعانهم وانقيادهم. فالآثار التكوينية تغدو مصداقا لها، عندما تغمر الفرد بركة ويعمه خير وتُقضى حوائجه فينسب كل ذلك للمقدّس، دون البحث عن أسبابه الحقيقية، مما يعمّق إيمانه به، بغض النظر عن مدى صدقية قداسته، فقد يؤمن بعض الناس بقداسة شخص أو حجارة أو حيوان، ويكفي شاهدا ما لدى شعوب العالم من مقدسات. وهذا لا يقتصر على المقدّس الديني، ويشمل جميع العقائد والأديان، وقد لازم حياة الإنسان، وأصبح جزءا من عقائده وثقافته وهويته، يدافع عنها دفاعا مستمية أحيانا، وقد تفضي إهانة المقدّسات إلى أزمة سياسية أو اجتماعية، أو تكون سببا لنشوب الحروب والمعارك. كما أن تعهّد المقدّسات والمبالغة في احترامها توظف سياسيا لتحشيد القواعد الشعبية، وضمان أصواتهم في الانتخابات.

الاصطفاء والقداسة

المقدّس في وعي الناس يتضمن الاصطفاء والعصمة، فلا يرقى أحد لمستوى القداسة ما لم يكن مصطفى، لوجود خصائص ذاتية فيه. فما أن يسمع الفرد بالاصطفاء تتبادر إلى ذهنه العصمة ومن ثم القداسة، والعناية الإلهية، فيتحول المقدّس إلى هالة، يختلط فيها الإلهي بالبشري، تترك آثارا نفسية لا شعورية، تبعث على  الخشية والانبهار والخشوع، ويبقى الشخص متعلقا بالمقدّس طمعا في شفاعته، وفيض بركاته، ويشذ الخيال في الحديث عن معاجزه وقدراته.

وطالما سرت القداسة من الرموز المقدّسة، كالأنبياء مثلا، لتشمل أسرهم ومقربيهم وأصحابهم وأماكنهم وسيرتهم. ومن يدرس تاريخ الأديان ومراحل تطور العقائد يجد هذا واضحا، فأهل بيت النبي وأصحابه مقدّسون، على اختلاف ولاءات المسلمين. بل اعتبر بعضهم ذات الصحبة موجبا لعدالة الصحابي. وهي معادل موضوعي للعصمة، فتترتب جميع آثارها حدَ الاصطفاء والقداسة. بل أفضى سريان القداسة إلى عبادة أصحاب الأنبياء، في ظاهرة غلو مبالغ فيها (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّه). وأيضا ذات التقديس عند غلاة الشيعة ممن ارتفعوا بالإمام إلى مصاف الخالقية، وبعض الفرق قد صرّحت بذلك، وما التفويض والحلول إلا تمظهرات لمعنى الخالقية.

وتتجلى القداسة أكثر بعد وفاة الأنبياء والرسول، فإما أن تحافظ على توازنها، أو يغالي الناس بها. فالقداسة توحي بدلالات غيبية تخشع لها النفس المؤمنة، وتفتح آفاقا للمتخيل الديني والمثيولوجي. وهي ملازمة للمفهوم، وتتجلى في مصاديقها، من خلال الوعي الجمعي، وخطابات التنزيه. فتمهّد للتسليم الذي هو مقوّم أساس للإيمان الديني القائم على الإيمان بالغيب والشهادة. والأول شرط لتحقق الهداية (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ). فالقداسة تتولى تعميق الإيمان بالغيب، من خلال اللامعقول الرمزي فيه. فالقداسة إذاً حاجة دينية – نفسية.

إن الاصطفاء أساس قداسة الفرد المصطفى وعصمته، بغض النظر عن مصدره ومدى شرعيته، وكلاهما بحاجة لدليل قرآني. حيث مرَّ بنا أن الاصطفاء شأن إلهي يتوقف ثبوته على وجود آية صريحة. غير أن مصدر شرعيته في الوعي الجمعي خطابات تنزيهية وأخرى مثيولوجية ترقى بالفرد إلى مستوى القداسة، حينما يتوفر على صفات ملائمة، كالانتساب للأنبياء، لأهمية النسب في المجتمعات القبلية. وهو شرف تحدد بموجبه القيمة الاجتماعية للفرد وقبيلته. لذا يفتخر القريشيون بنسبهم، لأن قريش زعماء العرب، وكانوا يتمتعون بسلطة سياسية ودينية. فلا غرابة أن يؤكد التراث على النسب في خطابه التنزيهي ودعوى احتكار الحقيقة وفقا لحديث الفرقة الناجية، لأن النجاة يستدعي مبرارته، وليس كالاصطفاء ولو بالنسب مبررا أهم.

ويمكن توضيح الفكرة من خلال استدعاء نصوص قرآنية وتراثية، تؤكد على النسب سببا أساسا للاصطفاء المتضمّن للعصمة ومن ثم القداسة، لاحتكار الحقيقة، والتفرّد بالنجاة يوم المعاد. أو ما يصطلح عليه تراثيا بالفرقة الناجية. خلافا للمنطق القرآني الذي يقيم العلاقات على أساس إيماني (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)، رغم أنه ابنه (وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِ). كما تؤكد الآية التالية أن أولياء النبي هم المتقون (وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ). فكلا الآيتين تلغي النسب سببا للاصطفاء ومن ثم القداسة. وحينما تشمل الآية أهل بيته الكرام تشملهم باعتبارهم متقين. وإلا فأول من حاربه هم أعمامه وعشيرته. وقد مرَّ الكلام مفصلا عن آية (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)، أنه اصطفاء لغايات تتعلق بالنبوة والرسالة (قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِ).

إن حديث الفرقة الناجية ليس مجرد رواية، بل خطاب تعبوي يلغي مساحات الالتقاء، ويؤلب ضد الآخر، من أهل النار. فالصراع حول الفرقة الناجية صراع يفرضه منطق النجاة واحتكار الحقيقة. وأصداء هذا الحديث تجدها في الديانتين اليهودية والمسيحية أيضا، تقول الآية: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّه)، (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، لكن القرآن فنّد حجتهم بقوله: (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ).

وأيضا على صعيد المسلمين تجد ذات المنطق يتحكم بوعيهم لمفهوم القداسة، وشمولها لأصحاب وأهل بيت الأنبياء. فقد تمسك الاتجاه السني بالصُحبة سببا لقداسة الصحابة التي تتجلى عبر طيف واسع من الروايات، كحديث العشرة المبشرين بالجنة، وحديث (أصحابي كالنجوم بأيهم اهتديتم اقتديتم)، الذي يجعل من الصُحبة سببا كافيا لاحتكار النجاة، والارتفاع بهم فوق النقد والمساءلة. ومجموعة روايات الفضائل، التي لا تنجو من الوضع والضعف والكذب على الله ورسوله.

كما تمسّك الاتجاه الشيعي بالنَسب، وقد أكدت رواياتهم على اختلاف طينة الخلق، وأنهم أنوار قبل خلق السماوات والأرض، على الضد من الكتاب الكريم الذي يؤكد: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ). ويمكن الإشارة لبعض الشواهد: جاء في كتاب الكافي، مرسلا عن الصادق: (قال: إن الله خلقنا من عليين وخلق أرواحنا من فوق ذلك وخلق أرواح شيعتنا من عليين وخلق أجسادهم من دون ذلك، فمن أجل ذلك القرابة بيننا وبينهم وقلوبهم تحن إلينا). وفي نفس المصدر، برواية محمد بن مروان، قال: سمعته يقول "أي الصادق": (إن الله خلقنا من نور عظمته، ثم صوّر خلقنا من طينة مخزونة مكنونة من تحت العرش، فأسكن ذلك النور فيه، فكنا نحن خلقا وبشرا نورانيين لم يجعل لأحد في مثل الذي خلقنا منه نصيبا، وخلق أرواح شيعتنا من طينتنا وأبدانهم من طينة مخزونة مكنونة أسفل من ذلك الطينة ولم يجعل الله لأحد في مثل الذي خلقهم منه نصيبا إلا للأنبياء، ولذلك صرنا نحن وهم: الناس، وصار سائر الناس همج، للنار وإلى النار).

وبالتالي تسريب القداسة من الأنبياء لغيرهم يكرّس منطق الفرقة الناجية، في ظل صراع بين الأديان والمذاهب عامة.

توظيف الاصطفاء

حاولت كل من السلطة والمعارضة توظيف الاصطفاء بطريقتها الخاصة، لتعزيز شرعيتها، من خلال الانتساب للإلهي دون البشري، فكانت نظرية الجبر التي تمسك بها خطاب الاستبداد المتمثل آنذاك بالحكم الأموي بدءا من معاوية ومدرسة علم الكلام القديم، قد ارتكزت للاصطفاء بشكل غير مباشر، حينما احتج معاوية: لولم يكن الله راضيا عليه لاستبدله، في مغالطة مفضوحة، تحيل على الاصطفاء. فكأنه يستدل بسكوت الخالق على اصطفائه، وهذا خطأ، لأن ثبوت الاصطفاء يستدعي آية صريحة، كآية اصطفاء مريم. وكما أن القدرة شرط في التكليف، فأيضا حرية الفرد شرط، فكيف يسلبه حريته، ويحاسبه على أفعاله؟. وأما المعارضة السياسية فقد تشبثت بمختلف الأساليب، وقد تمسك الشيعة بالاصطفاء ليكون ظهيرا لمبدأ الوصية والنص، وبهذا نجحوا في ترقية مقام الإمامة من إمامة سياسية إلى إمامة دينية ثم إمامة بمعنى الولاية التكوينية وقد مرَّ تفصيل الكلام.

الاصطفاء مفهوم قديم، لجأت له الحكومات لتبرير سلطاتها، وممارساتها التعسفية ضد شعوبها، ارتكازا إلى وعي الفرد وما يرتبط بالمفهوم من دلالات، غيبية وإلهية. فيكتسب الملوك والحكّام بدعوى الاصطفاء وإذعان الوعي الجمعي، سلطات مطلقة تصل حد التأليه. لتضمّنه معنى العصمة، وامتلاك الحقيقة، فيكون رمزا للعدل، يدور الحق مداره. فطاعة المصطفى / الملك / الحاكم، طاعة للجهة التي أفاضت عليه الاصطفاء، وخصته بالسلطة والحكم. وتجد هذا واضحا من خلال النظريات الثيوقراطية التي سادت العالم قديما، وهي:

1- الطبيعة الإلهية للحكّام: حيث تستمد السلطة شرعيتها وفقا لهذه النظرية من طبيعتهم الإلهية، التي تفرض عليهم أيضا وجوب طاعتهم وعبادتهم وحرمة التمرد عليهم. فشرعية السلطة ذاتية بالنسبة للملك / الإله. وله حق التصرّف برعيته وعبيده، كيفما يشاء. وهنا تكون القداسة ذاتية للحاكم / الإله.

2- الحق الإلهي المباشر: التي ترى أن الله قد فوّض وخص هؤلاء الحكام بالسلطة، بشكل تقتصر فيه مسؤولية الشعب على طاعتهم وعدم التمرّد على سلطتهم. وليس لأحد محاسبتهم سواه. فالتفويض يقوم بناء على الاصطفاء، لأي مبرر كان، عنصريا أو غيره.

3- الحق الإلهي غير المباشر: الذي يعني إن هداية الله وراء اختيار الشعب لحاكمه. فيكون مسيّرا لا مخيّرا في سلوكه وتصرفاته، ولا يجوز محاسبته على فعل خارج إرادته مهما جانب الحق، وتمادى في ظلمه وطغيانه وجبروته. وهنا يتجلى الاصطفاء بأوضح صوره.

وهذه النظريات ضاربة بالقدم، وتجد لها أصداء في النظريات السياسية للمسلمين، كبعض الآراء السنية التي تحرّم الخروج على السلطان مهما تمادى. وتوجب طاعة أولياء الأمر مطلقا، فتمنحه حكما ثيوقراطيا. وأيضا السلطة والإمامة بالنسبة للشيعة نص وتعيين من قبل الله تعالى، وتعني قيمومة الإمام وولايته الكاملة، قياسا على: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، التي تنتقل كافة صلاحياتها بحسب ذات النظرية إلى الإمام، ولهم أدلتهم. ثم تأتي ولاية الفقيه بصلاحيات كاملة من الإمام، وتكتسب نفس قيمومته وولايته المطلقة. فيصدق أن نظرية الإمامة والولاية المطلقة نظرية ثيوقراطية مفهوماً ومصداقاً. وعلى كلا الاتجاهين يكون الاصطفاء ركيزة أساس لترتيب جميع الآثار.

تفكيك العقل الفقهي

إن هدف تفكيك العقل الفقهي في هذه البحوث، هو تعرية يقينياته، ونقد مرجعياته، ونزع قدسية مقولاته، لتحري مدى صدقيتها، ومطابقتها للواقع، ومدى صدقية إنتمائها للإلهي دون البشري، فالفقيه يتخذ من يقينياته مرجعيات عقدية وأصولية وفقهية. فعندما يؤمن بالقريشية شرطا في السلطة، يفتي بعدم شرعية كل دولة لا تلزم بهذا الشرط، وربما يرميها بالكفر والانحراف عن شرع الله. فلم يكن ترفا مناقشتنا لمفاهيم: (الاصطفاء، الولاء، الولاية، أولي الأمر، العصمة)، حيث اتضح أنها شأن إلهي، تتطلب دليلا قرآنيا صريحا لشرعنة مصاديقها، فنقد هذه المصفوفة من المقولات يندرج ضمن مشروع نقد العقل الفقهي، لفرز الإلهي عن البشري، والمقدّس عن غيره، ومن ثم بيان مدى صدقية فتاواه، وما يترتب عليها من أحكام. فالفتوى ستتغير بين من يؤمن بعدالة الصحابة أو عصمة الإئمة ومن لا يؤمن بهما، تبعاً لتغيّر قواعد الجرح والتعديل، فالرواية الصحيحة بناء على عدالة الصحابة أو عصمة الأئمة، قد تنقلب إلى رواية ضعيفة، مع عدم الإيمان بهما. وهكذا جميع المقولات التي تمت مناقشتها، وبيان دلالات مفاهيمها، وحدود مصاديقها.

إن نقد العقل الفقهي بات ضرورة في ظل تخلّف مرير، تقع المسؤولية في بعض جوانبه على الفقيه، والحقيقة نحن لا نعيش أزمة إيمان، ولا تنقصنا طقوس وعبادات، نحن نعيش أزمة وعي وأخلاق. ونحن شعوب تتناسل فيها المقدسات بفعل رثاثة الوعي،  والتباس المقدّس بالمدنّس، والإلهي بالبشري، ونفتقر دائما لبوصلة الحقيقة التي تنتشلنا من براثن الاستغلال الديني والسياسي. فيكون النقد ضرورة ملحة، والمراجعة مسؤولية تاريخية، وبالتالي: نحن بحاجة لوعي، نتدارك به ركام التقليد والتبعية اللاشعورية في مجالي: العقيدة والفكر.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com


 


 

ماجد الغرباوي1مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة العشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق28) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

ماجد الغرباوي: تقدم ثمة تفاوت دلالي بين من يقول بالعصمة السلوكية، التي هي فعل إرادي، لا يسلب قدرة الفرد على إرتكاب المعاصي، وتستوجب تسديد الخالق ورعايته وفقا لسننه القرآنية. وبين من يذهب للعصمة الذاتية أو المجعولة أو التكوينية، التي تستدعي ولاية تكوينية، تفويضا أو حلولا. أو لا هذا ولا ذاك بل، لوقوع الأئمة ضمن سلسلة علل الوجود، أو واسطة في الفيض. الثاني غلو صريح، يستدعي سلب الإرادة، مرفوض حتى من قبل الأئمة، كما هو ظاهر مجموعة من رواياتهم، فضلا عن طيف واسع العلماء والمتكلمين. وقد وضع الشيخ المفيد (413هـ) في كتاب "تصحيح الاعتقاد" حدا للغلو، ملخصه: "الارتفاع بالمعصوم لمستوى الخالقية". بمعنى ثمة صفات يختص بها الله تعالى كالخلق والتدبير وعلم الغيب والقدرة المطلقة والولايتان التكوينية والتشريعية، وغيرها. فيظهر من كلمات أغلب العلماء الميل للعصمة السلوكية، حينما يتحدثون عنها خصوصاً، وقد يضيفون لها التسديد واللطف والعناية والهداية الإلهية. لكن الرأي النهائي لهم، والذي يعتمدونه عملا، أوسع من العصمة السلوكية، ويكفي مراجعة آرائهم في أبواب أخرى، كعلم الإمام بالغيب، ومعرفته المطلقة، ومعاجزه. فهم لا يتنازلون عن علمه بالغيب، وصدور المعجزات عنه، وأفضليته على الأنبياء باستثناء الرسول محمد، وبعضهم أضاف له أولي العزم من الرسل. وعدم انقطاع الوحي عنه، والعلم "اللدني"، ومتى شاء علِم، في أي موضوع كان، وانكشاف الحقائق متى شاء. غاية الأمر يقولون: كل ذلك بإذنه تعالى. ولهم أدلتهم، بعضها اجتهادات شخصية وأخرى روايات تتعارض مع كتاب الله، يساعد المخيال الشعبي والطقوس والتحديات والإيمان النفسي على قبولها والتمسك بمضامينها. وأما من يحث المبدأ لا يوجد أي دليل قرآني، فضلا عن تعارضها مع القاعدة العقلية. ولم أقرأ سوى أقوال خجولة تكتفي بالعصمة السلوكية للأئمة، وما عدا ذلك فالقدر المتفق عليه عندهم، الارتفاع بالمعصوم فوق النقد والمراجعة، وأنه ذات طبيعة مفارقة للبشرية، لا يصدر منه خطأ ولا اشتباه ولا نسيان. فيه من الناسوت بقدر ما فيها من اللاهوت، فيتصف بصفات إنسانية داخل مجتمعه، ويتصف بصفات خالقية في قدراته ومكانته، وإن لم يصرّحوا علنا.

العصمة والضرورة

تقدمت الإشارة إلى دور العصمة في إنقاذ مصداقية الإمامة وهي تتعرض لأزمتين، الأولى: في نهاية حياة الصادق الذي رفض الثورة والتمرد رغم الظروف السياسية المواتية آنذاك. والثانية، فراغ  منصب الإمامة بعد وفاته، حيث اهتزت بوصلة الوعي الشيعي وثقة الشيعة وهم منقسمون حول الإمام الذي يلي الصادق. فالقول بالعصمة جاء لقمع المعارضة وتعضيد مكانة الإمام، حيث بات فوق النقد والمراجعة، باعتباره إنسانا كاملا، ومثلا أعلى، يمثّل الحقيقة المطلقة، ويدور الحق مداره، وهو مصدر العلم والمعرفة، وظل الله في أرضه. فالعصمة أسيجة مقدّسة تقمع النقد والمراجعة، وتكرّس التبعية والانقياد. وقد غدت بمرور الأيام عقيدة راسخة، تم توظيفها لأغراض أخطر وأهم من كونها مجرد عقيدة نظرية، حتى باتت إحدى مقومات المذهب الشيعي إضافة للإمامة، والمهدي المنتظر. ويمكن الإشارة إلى أهم آثارها على الصعيدين السياسي والفقهي.

الصعيد السياسي: فعلى الصعيد السياسي أضافت العصمة رصيدا كبيرا للرأسمال الرمزي، الذي أخذ يتضخم بفعل الصورة المثيولوجية للمعصوم. فقد ذكرت في بحوث سابقة، أكثر من مرة، أن الصراع المرير على السلطة، مع عدم وجود مرجعية نصية (آية أو رواية) لحسم النزاع حولها، قد ألجأ الأطراف المتنازعة لمراكمة شواهد، لتعزيز رصيدها الرمزي، كدليل على أحقية الخلافة، وقد بدأت بتأويل الآيات، ثم روايات الفضائل التي بلغت حد الوضع والكذب على الله ورسوله، والمغالاة في تنزيه الرموز الدينية والسياسية، ثم الارتفاع بهم حد القول بالتفويض أو الحلول. غير أن العصمة كانت انعطافة على هذا الصعيد، ونقطة القوة تبنيها من قبل جملة من أصحاب الأئمة ومن جاء بعدهم من المحدّثين والفقهاء، رغم دلالتها المثيولوجية التي تجعل من المعصوم شخصا مفارقا لطبيعته البشرية. ورغم عدم تأثيرها على الأوساط العامة، لكنها أطفأت بمرور الأيام منابع الشك لدى المؤمنين بها. ولم تمر العصمة كمفهوم عقائدي بلا تداعيات، بل أنها فرضت سلطتها، ومحدداتها، وقمعت النقد والمراجعة، واكتفى المتلقي بشرح وبيان وتأويل وتبرير الروايات الواردة عن الأئمة، حتى تحوّلت سيرتهم إلى منصة لانطلاق مختلف الروايات، واختلط الصحيح بالضعيف. وبات الجميع حجة في نظر الإخباريين من الشيعة، ومحنة في تصحيح جملة منها بالنسبة لغيرهم. فالعصمة أعلى تجليات القداسة، خاصة حينما يبالغ خطاب الغلو في ردم الهوة بين الخالق والمخلوق، حد التوحّد (لا فرق بينهما إلا أنه خالق وهم مخلوقون)، فيمنحونهم كافة صفات الخالقية، باستثناء الخلق، وهو أيضا ممكن بإذنه، أو وفقا للحلول. فلا سلطة معرفية كسلطة العصمة، ولا قدرة على مصادرة العقل كقدرتها، حداً تجد المتلقي خاشعا وهو يستعيد صورة المعصوم وصفاته الربانية.

الصعيد الفقهي: لقد تولى الخطاب التنزيهي الشيعي في أول ظهور عقدي له، مهمة تشكيل العقل، وفقا لمتبنياته، كما استطاع ضبط إيقاع الوعي الديني، من خلال جملة مقولات كلامية، غدت ضرورة مذهبية. فبات البعد المثيولوجي مقوّما أساسا للوعي، مهما تطرف في غلوه، ومهما حاول الأئمة النأي بأنفسهم عنه. وكان في مراحله الأولى ردود فعل في ظل جدل كلامي مرير حول الخلافة وشروط الخليفة، بين الشورى والنص، الإمامة والخلافة. وبمرور الأيام ظهرت أزمة الأحاديث الشيعية التي ينتهي سندها لأحد الأئمة، حيث تعتبر مرسلة وفقا لموازين الجرح والتعديل، التي تشترط في صحة الرواية اتصال سندها بالنبي، دون انقطاع أو إرسال. وهذه المشكلة إذا لم تكن جدية في حياتهم فإنها تحوّلت إلى إشكالية بعد وفاتهم. لقد كان عدد أصحاب الأئمة محدودا، ثم اتسع في زمن الصادق ومدرسته الفقهية المشهود لها تاريخيا، بفعل مرونة الظروف السياسية، وشخصيته الفكرية والعلمية الفذة. فكان من يدور حول الأئمة خُلّص أصحابهم ومريديهم، وكانوا مستويات مختلفة في وعيهم لمعنى الإمامة، ومكانة الإمام، ومرجعياته العلمية، ومصادره الحديثية. ويمكن ملاحظات ثلاثة اتجاهات واضحة:

الاتجاه الأول: يعتبر الأئمة محدثين ورواة عدول صادقين، وأحاديثهم صحيحة السند، لا تعاني أي إرسال أو انقطاع، سواء ذكر الإمام طريقه للرواية أو لم يذكر، فإنها متصلة السند إلى رسول الله بطرقهم الخاصة عن آبائهم، أو عن طريق كتاب علي في القضاء أو الصحيفة الجامعة وغيرهما من تراث الأئمة السابقين. يقول الإمام الصادق: (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين عليه السلام وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وحديث رسول الله قول الله عز وجل)، وهي رواية معروفة رغم ضعف سندها. وبالتالي فكما توجد طرق لرواية الحديث بواسطة الصحابة والتابعين، كان هناك طريق موازٍ يتعهده أئمة أهل البيت. وقناعة هذا الصنف من أصحاب الأئمة قناعة شخصية، لا يمكن التعويل عليه وفقا لضوابط الجرح والتعديل التي تشترط معرفة رواة الحديث، وطبقاتهم، ومدى عدلهم أو وثاقتهم، كل حسب مبانيه في علوم الدراية والحديث والرجال. فوجود طرق خاصة للإمام أو مدونات خاصة بآل البيت، لا يعالج مسألة الإرسال.

الاتجاه الثاني: وهم كبار أصحاب الأئمة كزرارة بن أعين من أصحاب الإمامين الباقر والصادق، فإنهم يتعاملون مع الأئمة كعلماء ومجتهدين أبرار، لهم اجتهاداتهم الشخصية وطرقهم الخاصة في الرواية، وليس أكثر من هذا، لذا تجد زرارة يناقش الإمامين عن أدلتهم في الاستدلال على بعض المسائل الفقهية، كما في روايات الاستصحاب مثالا، ولو كان يعتقد أنه علمه وحي كيف يسأله عن أدلته؟. وكان الإمام يبين أدلته العقلية في المقام، ويرد على إشكالاتهم واعتراضاتهم. أو عندما يسأل زرارة الإمام الباقر عن دليله على مسح الرأس في الوضوء دون الغسل، فأجابه كما جاء في كتاب الكافي: (لأنّ الله عزّ وجلّ يقول: "وأغسلوا وجوهكم"، فعرفت أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يُغسل، ثمّ قال تعالى: "وأيديكم إلى المرافق"، ثمّ فصّل بين الكلام فقال: "وأمسحوا برؤسكم"، فعرفت حيث قال: "برؤسكم" إن المسح بعض الرأس لمكان الباء، ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال: "وأرجلكم إلى الكعبين"، فعرفت حين وصلها بالرأس إن المسح ببعضها). وهو استدلال علمي مستوفيا لشروطه. وغير ذلك من الروايات. بل يكفي اعتراض أصحابهم الفقهاء كزرارة ومحمد بن مسلم، ممن يتعاملون معهم كعلماء أبرار، وفقهاء ملهمون، تجري الحكمة على ألسنتهم، لجلالتهم وعظمتهم، وهم بالنسبة لهم مجتهدون، لهم آراؤهم التي يتميّزون بها عن المدارس الفقهية آنذاك.

ليس الشيعة أحرص على التشيع من الباقر والصادق، وليسا غافلين عن أهمية السند بالنسبة للروايات، في أجواء التحدي الفقهي المحتدم آنذاك، حيث تعددت المذاهب الفقهية، لكنهما كانا يجتهدان، ويفهمان النص وفقا لقبلياتهم وضرورات الواقع، وما في الكتاب الكريم من قواعد فقهية، أو ما ورد عن النبي من روايات متداولة. لذا يقع التعارض بين رواياتهم، ويمكن مراجعة الأصول الأربعة للحديث الشيعي أو كتاب وسائل الشيعة الخاص بروايات الأحكام الشرعية. وهذا الاتجاه كاد يؤصل لاجتهاد الأئمة، وحينئذٍ سيحقق التشيع فتحا معرفيا عبر التاريخ، لولا الاتجاه الثالث، الذي أوقع علماء الشيعة فيما بعد في أزمة سندية معقدة، لا يمكن تداركها إلا بالعصمة، فاضطروا لتأصيلها والذب عنها وترسيخها فكريا وعقديا. إنه اتجاه خائف يخشى السلطة والأجواء العامة، ويلوذ بالمثيولوجية لتعضيد أرائه ومتبنياته. إنه مأزوم، يخشى العقل، والنقد، ويلجأ للخرافة يعتقد أنها أدلة دامغة، بينما تجد أبا حنيفة يمارس اجتهاده، ولا يعتمد من الروايات سوى عدد قليل. وكان بامكان الاتجاه الشيعي أن يتفاخر برأي الإمام وقدرته على الاستنباط وتأسيس القواعد الأصولية والفقهية.

الاتجاه الثالث: ليس هذا الاتجاه وليد ساعته، بل تراكم تاريخي لثقافة الغلو التي توجت بالعصمة على يد هشام بن الحكم بعد سنة 150 هـ ومن جاء من بعده. وهذا الاتجاه يسقط الفوارق النوعية بين الإمام والرسول، ويمنح ما للثاني للأول من صلاحيات تلخصها الولايتان التكوينية والتشريعية، فبات الإمام في وعيهم مفارقا لطبيعته البشرية، وما التشريع سوى إحدى صلاحياته، التي هي أعم من التشريع والتكوين. فنسبوا للأئمة الإلهام، وأنه عالم لا يعلم، منذ ولادته، وله علم لدني، متى شاء علم. وهذه الروايات رغم أنها تنتظم ضمن الخطاب التنزيهي، لكنها تهدف لغايات أعمق، وتعبر عن وجود إشكالية عميقة، تحتاج لهذا اللون من الخطاب، خاصة حينما نعلم أن كثيرا منها صدر بعد القرون الأربعة الأولى. فهناك قلق حول المشكلة السندية في الروايات، إضافة إلى ما يعرف بـ"العنعنة"، وهي مشكلة أعقد، ليست غائبة عن خبراء التراث الشيعي. فالخطاب التنزيهي أخفى مهمات أخرى يسعى لأدائها، من خلال تعزيز مفهوم العصمة، والإنسان الكامل المفارقة لطبيعته البشرية.

فالعصمة مقوم أساس للمذهب الشيعي، يتوقف عليها أولا وقبل كل شيء تدارك الضعف السندي في رواياتهم المرسلة. ومفاد الإشكالية أن الروايات الشيعية في الكتب الأربعة ينتهي سندها إلى أحد الأئمة، ويفترض بالرواية الصحيحة الحجة أن ينتهي سندها بطريق صحيح أو موثوق كحد أدنى إلى النبي. فليس أمام الشيعة أمام هذه المشكلة سوى القول بعصمة الأئمة، ومنحهم ذات ما للرسول من عصمة، فتكون سيرتهم (قولا وفعلا وتقريرا) حجة. فسواء انتهى سند الرواية إلى النبي أو إلى الإمام فهي حجة إذا استوفت شروط الحجية الأخرى. لذا امتد عندهم عصر التشريع إلى نهاية الغيبة الصغرى للمهدي المنتظر 329 هـ. فكانت تداعيات هذا الاتجاه أصبح الدين مشروعا شخصيا، غايته التعريف بالأسرة المقدسة (محمد، علي، فاطمة، الحسن، الحسين)، وقد روت كتب الحديث الشيعة روايات كثيرة تؤكد هذا المعنى، كما في رواية الكافي: (يا محمد لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا عليّ لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما)، وعندما يختزل الدين بمعرفة الأسرة المقدسة تتهاوى جميع القيم الدينية والإنسانية أمام معرفتهم والتمسك بولايتهم، وقد أفضى هذا الاتجاه إلى مركزية الإمام ضمن نظرية العبودية التراثية التي مرَّ الكلام عنها مفصلا في مقابل نظرية خلافة الإنسان القرآنية.

مركزية الإمام

لقد عمد خط الغلو بشكل تدريجي إلى بناء منظومة معرفية متكاملة، تقوم على مركزية الإمام، باعتباره المثل الأعلى في الأرض. فلا يتحقق العدل إلا به، ولا دولة إلا دولته التي سيقيمها المهدي المنتظر، حيث يجسد جميع قيم الدين. ويقيم العدالة المفقودة. وربطوا بين رضا الله ورضا الإمام. وهو نوع من التعويض النفسي عن الإحباط. خاصة وهم في حرب مستعرة حول شرعية الإمامة أو الخلافة، وكيفية مراكمة شواهد تدل على شرعية الإمامة في مقابل غصبية الخلافة. وقد أسس خطابا تقوم بنيته على تزوير الوعي، واستلهام الخرافات، واختراع نصوص مكذوبة، راحوا ينسبونها للرسول والأئمة باعتبارهم امتدادا تشريعيا له. فهو خطاب دوغمائي، محبط راح يُداري إنكساره بأوهام خارج منطق العقل والاستدلال المنطقي، فقدم تصورا غرائبيا للأئمة، حتى ارتفع بهم إلى مصاف الخالقية. وقد أعاد خطاب الغلو تشكيل المخيال الشيعي مثيولوجيا، من خلال مصفوفة غرائبيات، بعيدا عن النص القرآني والتراث النبوي. تنحصر مصادره بروايات موضوعة، وكرامات متناقلة، ومنامات، ودعوات لا يمكن الجزم بها. تعبيرا عن معاناتهم النفسية اللاشعورية. وهذا يحصل في أجواء الجدل، وإفحام الخصم كلاميا، من خلال أدلة، لا يمكنه إثباتها ولا رفضها، ويكفي أنك تشعر بالارتياح عند اندحاره. فخطاب الغلو استعاض الواقع بخيال أثرى منظومته. وبنيته بنية خرافية، سحرية، لتعميق إيمان الشيعة بخط الإمامة، وفتح أُفقٍ أوسع للأمل الشيعي. وضمان مستقبل أخروي، رهانه ولاء الفرد ومشاعره، من خلال مجموعة طقوس دينية، كزيارة الأضرحة، ولعن الخصوم السياسيين، والأدعية الخاصة، وتسبيحات وأوردة وصلوات وغير ذلك. والأكثر حينما تتدارك الإنكسارات السياسية برؤية نظرية، مفادها أن الأئمة لهم أدوار مرسومة في هذه الحياة، فهم خُلقوا قبل خلق السماوات والأرض، وكانوا نورا يطوفون من حول العرش، كما تقول رواياتهم "كنا كنزا من نور قبل أن يخلق الله السماوات والأرض". ولما هبطوا للحياة الدنيا عليهم أداء دورهم المرسوم لهم من قبل السماء. فعلي بن أبي طالب كان بإمكانه استرداد السلطة بسيفه، لكن دوره اقتضى السكوت. وأيضا يجب على الحسن الصلح مع معاوية، وشاء الله أن يرى الحسين قتيلا، ويرى عياله سبايا. فشهادته مخطط لها في السماء، وكان بإمكانه كسب المعركة عسكريا لكنه استسلم للقدر المرسوم، لتوقف أكثر من قضية مصيرية على شهادته، منها الشفاعة الكبرى للشيعة، والتمهيد للأئمة من بعده. فدمه كان فداء لخطاياهم. فالحسين كان يعلم بكل تفصيلات مسيره، ومقتله هو وأصحابه. (شاء الله أن يراك قتيلا) نقلا عن جده المصطفى. وما ينسب له: "كأني بأوصالي هذي تقطعها عسلان الفلوات ما بين النواويس وكربلاء فيملأن منّي أكراشاً جوفاً، وأجربة سغباً". ويعلم جغرافية المعركة، وموقع نزوله ومبارزاته ومقتله. فيجب عليه أداء دوره المأساوي، وفق خارطة معدة سلفا، وأن يقتل وقت الظهيرة في جو قائظ، صائما، لم يذق طعم الماء أياماً عدة!!. وأن تسبى عياله. لا شك في الوقائع التاريخية، فهي ثابتة، لكن الكلام حول تفسيرها، فالحسين ومسيره مضى وفقا للمنطق السياسي في جميع خطواته. وقد اضطر لمنازلتهم بعد محاصرته وعدم السماح له بالعودة. وكان ذهابه إلى أهل الكوفة وفقا للبيعة، بل ومزيدا في الاحتياط بعث سفيره مسلم بن عقيل ليتأكد من وفاء القوم، وبعث له من هناك رسولاً معه كتاب يشدد على مجيئه، وحرص الناس على بيعته. وهكذا الأمر بالنسبة لظهور المهدي، فهو مرتبط بمشيئة الله، وفقا لما هو مخطط له. فلا معنى للشكوك والأسئلة. فهو حيّ يرزق، وينتظر أمر السماء كي يباشر في مهمته.

فالحياة في ضوء التفسير المغالي للتاريخ، سيناريو معد مسبقاً من قبل الخالق، أبطاله أئمة أهل البيت. بهذا التصوير الميثيولوجي أسكتوا جميع الشكوك حول مصداقية الأئمة، وتفسير سبب عدم تمكنهم من الوصول للسلطة. لا شك أن هذه المواقف بنظر الإنسان العادي إنكسارات سياسية، وهي فعلا كذلك، وفقا للمنطق البراغماتي، وحسابات الربح والخسارة في المعارك العسكرية والسياسية. غير أن عقيدة الغلو، والخطاب المغالي اليوم لهما رأي آخر، فقد قام الأئمة بأداء أدوارهم أحسن قيام، وعادوا من حيث نزلوا أنوارا محيطة بالعرش. فلا يوجد انكسار سياسي، كي تحبط المعنويات الشيعية. وليس هناك دولة شرعية تقيم دولة العدل الإلهي وتعيد للشيعة مجدهم قبل ظهور المهدي، لخصوصية في ذات أهل البيت بشكل عام، والمهدي بشكل خاص، فهي أدوار مرسوم يجب أداؤها من قبلهم، وتكون حجة على خصومهم، كي يعذّبوا أكثر في جهنم، جزاء عدوانيتهم ومواقفهم السلبية من أهل، عندما نافسوهم حقهم في السلطة والحكم. لذا بعض الاتجاهات الفقهية الشيعية تحرّم الخروج من أجل السلطة قبل ظهور المهدي، وتعتبر، كما في الرواية: "كل راية ترفع قبل ظهور الحجة فهي راية ضلال". فالحياة تسير وفق مخطط جبري، بعيدا عن إرادة الإنسان. والشيعي شيعي قبل ولادته. "شيعتنا خُلق من خالص طينتنا، يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا". ولا يخفى تناقض هذا الكلام مع الآية الكريمة: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَ). غير أن الكتاب الكريم لا يؤثر، بل يعزز آراءهم عندما يُفسّر في ضوء رواياتهم، التي تؤول كل آية بأهل البيت، خاصة الأسرة المقدسة (محمد وعلي والزهراء والحسن والحسين). فلا يعتنون بتفسيرات المفسرين. فالباري تعالى قد أودع في فاطمة الزهراء سراً، فتراهم يرددون في أدعيتهم حينما يقسمون على الله تعالى بالزهراء يضيفون عبارة "والسر المستودع فيها". وعندما يتحدث الخطيب عن سر الزهراء، يبقى يلف ويدور في كلامه لا تفهم منه شيئا!!. لكن يبقى سراً، منفتحاً على جميع الاحتمالات والتأويلات، وهذه هي قوة الخطاب، حينما يزخر بتأويلاته، ويفرض سلطته، وينجح في تعميق روح الانتماء، وشدّ صفوف الموالين لأهل البيت. وبالفعل نجحت جميع هذه التفسيرات، وحققت أهدافها في إقناع أتباعهم.

وبالتالي فإن خطاب الغلو الشيعي خطاب إقصائي، يقوم على مركزية الإمام وإقصاء ما عداه. ولا يخفى الفارق الجوهري بين مركزيته ومركزية الإنسان، حيث ينقلب وفقا لمركزية الإمام إلى هامش يدور حول مركزه، يستمد منه وجوده وحقيقته. ويأخذ عنه معارفه وعلومه. ويتماهى مع توجهاته ومواقفه: "إني سلم لمن سالمتم، وعدو لمن عاداكم". فهذا الخطاب أحق بالتفكيك ونقد أنساقه وبنيته، لتحرير الإنسان من هيمنة الفكر الدوغمائي، الذي يسلب الفرد حريته وإنسانيته، ويكف عن الاعتراف بعبوديته حينما يخاطب الإمام في ضريحه: "عبدك وابن عبدك وابن أَمَتك"، في مخالفة صريحة لآيات لا تقبل التأويل: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)، (إنْ الحكم إلا لله أمر ألا تعبدو إلا إياه). بل حتى مع إرادة الخدمة من مفهوم العبودية فأيضا يسلب المرء كرامته وحيثيته عندما يتحوّل إلى مجرد عبد وخادم مطيع بإرادته. فهذا الخطاب يعمق روح العبودية، ونخسر الإنسان الحر الواثق من نفسه ومن مواقفه. فخطاب الغلو يعمق روح الاستسلام والانقياد لأوهام عقيدية. ويقتل روح النقد والإبداع، فيصبح اللامعقول مصدرا للمعرفة، وهو إنكفاء مرير للماضي والجهل والأمية. ويكفي في خطأ هذا الفكر المغالي أنه لا يرتكز إلى مبدأ علمي في تفسيره للأحداث والظواهر التي دأب على ربطها بالإمام، بما في ذلك تفسيره لجملة من المحرمات والمكروهات. فتفكيك خطاب اللاعقل خطوة أولى على طريق المعرفة الصحيحة، فالكون قد انتظم بقوانين صارمة في نظامها، ولا يمكن لأي أحد، إمام أو غيره التحكم بها، أو التصرف بظواهرها، بل حتى الخالق تعالى يحترم قوانينه وسننه، ولا يتدخل في مسارها الحركي والتنظيمي. لكن المشكلة في رثاثة الوعي حينما يستكين العقل، ويصغي الإنسان لهرطقات اللامعقول فيهجر التفسير العلمي ويثق بها، كنهائيات وجزميات غير قابل للنقد والمراجعة. (كتاب: النص وسؤال الحقيقة).

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi14مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق27) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

العصمة والتطهير

ماجد الغرباوي: ثمة اختلاف من زاوية أخرى بين العصمة السلوكية الإرادية، التي يسعى لها المؤمن بنفسه، فيخضع سلوكه وتصرفاته ونواياه للمراقبة والمحاسبة كي يعصم نفسه من المعاصي والموبقات، من وحي إيمانه ويقينه، فتنفتح عليه السماء، وترعاه وتسدده وفقا للسنن القرآنية التي مرَّ ذكرها. وبين عصمة إلهية، يفيض أو يتلطف بها الله على أحد من الناس. الأولى مبادرة شخصية، مرتهنة للتقوى، يشهد لها توازن الفرد سلوكيا. وأما الثانية فشرطها وجود آية صريحة بخصوصه، لأنها مبادرة إلهية، وهكذا بالنسبة للاصطفاء. كما بالنسبة لمريم: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ). التي قد يستفاد منها عصمتها من الذنب، ولو تقديرا من قبل الله. غير أن المهم بالنسبة للبحث أن الآية نص صريح في اصطفائها وتطهيرها بل واصطفائها على نساء العالمين، فالتطهير والاصطفاء قد تحققا فعلا وواقعا. وليس لهذا الاصطفاء شبيه. وهذا القدر لا ينفي العصمة السلوكية لمريم التي أهلتها للاصطفاء والتطهير (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ). وبالتالي ينبغي الاستدلال بآية صريحة لكل من يدعي عصمة الأئمة. وقد مرَّ بنا امتناع العصمة ذاتا، واستشهدنا بجملة آية على عدم ثبوتها للأنبياء، فضلا عن غيرهم. وأما حكم العقل لو كان له حكم فموضوعه الوحي وتبليغ رسالة السماء، فتكون من مختصات الأنبياء المرسلين، وهي قضية سالبة بانتفاء موضوعها بالنسبة لغير المرسلين.

بل حتى آية (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) مشروطة بالاستقامة، حيث جاءت ضمن مصفوفة آيات، تتحدث عن أزواج النبي، فسبقتها وتلتها آيات تملي عليهن أحكاما خاصة بهن، وهي أحكام شديدة، تصادر حرية المرأة، خاصة المكوث في البيوت، لذا جاءت لتخفف وطأة الأحكام وبيان مقاصد التشريع، وهي أن الغاية: "التطهير من الرجس". وبالتالي فالطهارة من الرجس مشروط بالاستقامة والالتزام الفعلي بالتشريعات القرآنية. فالآية على وزان قوله: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ويتم نعمته عليكم)، التي جاءت لبيان مقاصد التشريع. فإذا كان التطهير مساوقا للعصمة فتشمل كل من تمحّض للإيمان قلبا وسلوكا. ولا خصوصية لأحد إلا على أساس (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). وإذا كانت خاصة، فتستدعي قرينة صارفة من سياق الآيات.

ثمة ملاحظة، إن مفهوم أهل البيت عرفا مفهوم شامل، لزوجات النبي وللأبن والبنت والأحفاد. حتى ذهب بعضهم إلى التوسع في مصداق الآية إلى أهل بيت الحرام وهم المتقون، مستدلا بقوله: (ان أولياؤه الا المتقون). وثالث يعتقد أنها شاملة لكل من يصدق عليهم عرفا أهل بيته من أزواجه وأقربائه وهم آل عباس وآل عقيل وآل جعفر وآل على أو النبي وأزواجه. ويؤيده قول الإمام علي في نهج البلاغة (9): (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) إذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ، وَأَحْجَمَ النَّاسُ، قَدَّمَ أَهْلَ بَيْتِهِ فَوَقَى بِهِمْ أَصَحَابَهُ حَرَّ السُّيُوفِ وَالاْسِنَّةِ، فَقُتِلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ يَوْمَ بَدْر، وَقُتِلَ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُد، وَقُتِلَ جعفر يَوْمَ مُؤْتَةَ، وَأَرَادَ مَنْ لَوْ شِئْتُ ذَكَرْتُ اسْمَهُ مِثْلَ الَّذِي أَرَادُوا مِنَ الشَّهَادَةِ، وَلكِنَّ آجَالَهُمْ عُجِّلَتْ،مَنِيَّتَهُ أُجِّلَتْ). وبالتالي حتى مع إطلاق مفهوم أهل البيت. فلا يمكن استثناء زوجات النبي. فهل هناك من يغامر ويقول أن خديجة بنت خويلد لو كانت طيبة لا تشملها آية التطهير؟ ثم أليس نساء النبي أمهات المؤمنين، (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، فهل هي شاملة باطلاقها لجميع المؤمنين بما فيهم علي وفاطمة والحسن والحسين أم لا؟. ثم كيف يوجه خطابه في هذه الآية لغير زوجاته وهو في صدد بيان مقاصد التشريع لهن خاصة، حيث بدأت مصفوفة الآيات: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ)، ثم يردف في الآيتين التاليتين: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ)، وهي شاملة بإطلاقها لهنّ، ثم يشرع أحكاما خاصة بهن، ويأتي بآية التطهير لبيان مقاصد التشريع، ثم يلحقها بأحكام أخرى. وبالتالي فمقتضى سياق الآيات والفهم اللغوي أن كل من يشملها مفهوم نساء النبي تشملها آية التطهير. ولنا شاهد قرآني يؤكد شمول المفهوم للزوجة: (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ)، هذا ما قالته زوجة إبراهيم النبي، عندما بشرتها الملائكة بمولد جديد، فكان ردّ الملائكة: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ). فهل يعقل أن نصرف مفهوم أهل البيت هنا عن زوجة إبراهيم وهي المخاطب في رد الملائكة؟. ثم هل نقتصر على بعض المؤمنين في آية (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ويتم نعمته عليكم) التي تبدأ بخطاب عام لهم جميعا؟ أم تبقى على إطلاقها فتشمل زوجات النبي؟. ما لم يتجرد الفرد من قبلياته التراثية والطائفية والأيديولوجية، لا يمكنه إدراك الحقائق القرآنية. ولعل في قوله تعالى قول الفصل بدخول الزوجة ضمن الحلقة الخاصة من آل البيت: (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ، قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ، إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا ۙ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ). أو من أهل البيت: (وَإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ)، فالزوجة داخلة في مفهوم الأهل والآل عرفا لذا جاء بالاستثناء. ولو كانت غير داخله عرفا لما احتاج للاستثناء، لأن الفهم العرفي سيكون قرينة على استثنائها. وهل عندما قال يوسف لاخوته: (ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ)، كان يستثني زوجاتهم؟ وهل يصدر هذا من نبي كيوسف؟ ثم هل يهتم الزوج بعياله دون زوجته حينما يسمع قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).

المهم بالنسبة لآية التطهير أنه ليس فعليا، وأنها لا تجزم بتطهير أهل البيت بل جعلته مشروطا بالتمسك بمجموعة التشريعات الخاصة بهم. على خلاف ما جاء في تطهير مريم، الذي هو تطهير منجز، قد تحقق خارجا، والفرق كبير بين القوة والفعل، فما كان بالقوة يبقى مرتهنا لشرطه. بدأت مصفوفة الآيات بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ)، فالخطاب موجه لزوجات النبي خاصة (فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا)، فالأجر مشروط بالحسنى والعمل الصالح. (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ)، أيضا مشروطة، (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا)، والشرط واضح، فليس هناك تشريف. (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ)، فالتميز بالتقوى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). ثم تقول مصفوفة الآيات: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُوله)، وهي أحكام ثقيلة على النفس البشرية، فتحتاج لبيان مقاصدها وغاياتها، فجاءت آية التطهير: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، فجاءت لبيان الهدف والغاية الحقيقية. ثم تلتها مباشرة آية (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ). وهكذا الحديث من بدايته إلى نهايتة مع أزواج النبي. فاقصاؤهن من مصاديق الآية، فيه بعد طائفي، لا يطاق مع هذا البيان المستفيض. كما أن التطهير لا يلزم منه العصمة بل أن الآية تقول من يستقم يطهّره الله من الذنوب ومن الرجس، تماما كما في قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ). فالاستقامة تترتب عليها آثار، من باب إن الحسنات يذهبن السيئات. (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)، (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ).

تقدم أن الاصطفاء شأن إلهي لغايات محددة، (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)، فهو ليس تشريفا بل تكليفا لغايات ربانية، كالنبوة والرسالة وما يتعلق بهما، فتكون المهمة السماوية كاشفة عن الاصطفاء: (قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ). بما في ذلك اصطفاء مريم حيث تقول الآية: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ)، فاصطفاها الخالق رحماً طاهراً لينفخ فيه من روحه، فيكون عيسى بن مريم، الذي تنتظره مسؤوليات نبوية ورسالية عظيمة. لذا لا دليل لنا على الاصطفاء سوى كتاب الله. ثم قد يلازم الاصطفاء التطهير أو التفضيل أو العصمة، لكن كل هذا ضمن ضابطته القرآنية، لذا عندما تقول الآية: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، فالاصطفاء هنا ليس تشريفا، كي يُخلع على كل من انتسب لهم، بل تكليفا بالنبوة وبالرسالة، فلا يلزم منه أية صفة أخرى كعلم الغيب، وعدم الخطأ والنسيان وغير ذلك من صفات مفارقة للطبيعة البشرية.

والاصطفاء أيضا يصدق على الإمامة القرآنية، فيشترط في صدقيتها وجود آية صريحة بينة لا لبس فيها، تدل عليها كإمامة إبراهيم، التي لم يرفدها الكتاب العزيز بتفصيلات كافية سوى قوله: (إِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). فالإمامة تأتي بعد مرحلة من الاختبار الرباني المباشر، "إذا ابتلى الله ابراهيم بكلمات". لا نعرف ما هي الكلمات التي أتمها، لكنها تبدو على درجة رفيعة من الأهمية اقتضت تنصيبه إماما. ورغم أن ذرية إبراهيم أنبياء، لكن الآية أجابت بشكل عائم: "قال لا ينال عهدي الظالمين". وبالتالي هذا النوع من الإمامة يحتاج لتصريح رباني، فنسبت الظلم للناس لا يمكن رصده من خلال سلوك الإنسان، فقد يجهل من حوله أنه ظالم لنفسه: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)، فظاهر هؤلاء الصلاح، وربما تعلوهم سيماء الإيمان، لكنهم في علم الله "منافقون". من هنا أشترط نصا قرآنيا لثبوت الاصطفاء، لانه يورث الجزم  واليقين، مادام حتى النبي لا يمكنهم الجزم بتزكية أي شخص. لذا تحتاج الإمامة إلى آية صريحة لكل إمام إمام. وهذا مفقود لغير إبراهيم النبي الكريم. وهذه الآية بالذات تؤكد أن الإمامة شأن إلهي، وليس شأنا نبويا أو رسوليا. ولو كان إبراهيم يعلم أن الإمامة شأن نبوي، فلماذا يسأل الباري تعالى: "ومن ذريتي؟"، وهل هناك مثل إبراهيم يشيد القرآن بحكمته ومقامه الرباني (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ). إن دلالات هذه الآيات واضحة (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)؟. وبالتالي وهذه هي النتيجة المهمة، أن أي رواية تتحدث عن الإمامة ينبغي تأويلها في ضوء إمامة إبراهيم، التي تقتضي الانصراف عن الإمامة الإلهية إلى الإمامة السياسية. أو بمعنى التقدم الرتبي. بهذه الطريقة يمكن ضبط المصطلحات، والكف عن توزيع المناصب الإلهية بلا دليل قرآني، لأن كل منصب إلهي، هو ممتنع بذاته، ما دام مفارقا للطبيعة البشرية، فيبقى حتى القاعدة العقلية، ولا يمكن رفع اليد عنها إلا بآية صريحة، لا لبس فيها، تورث العلم واليقين، فحينئذٍ، لا نخصص القاعدة العقلية، لأنها لا تخصص، بل نعيد النظر في فهمنا لتلك الظاهرة التي نحسب أنها مخالفة للطبيعة البشرية، وعندما نعيد النظر فيها سنكتشف مدى صدقيتها وحقيقتها ومدى مطابقتها للواقع.

العصمة في سيرة الأئمة

إن احتمال صدور بعض روايات تراث الغلو عن الإمام المعصوم احتمال ممكن، حيث دأب خطاب التنزية المعتدل، على رمي الغلو باختلاق رواياته، ونفيها عن الأئمة، رغم صحة جملة من أسانيدها. والسبب في نفيها رفض العقل والمنطق لمضامينها، وتنزيها لرموزهم الدينية. فالإمام معصوم، والمعصوم وفقا لخط الاعتدال لا يصدر عنه ما يخالف العقل والقرآن، عكسا لخط الغلو الذي يتخذ من العصمة علة لصدور ما يروى من خوارق وغرائب وكرامات. وهناك جملة من أصحاب الأئمة مصنفون على خط الغلو، وقد ذكرت في مناسبة مناظرة رجل الغلو المعروف المعلى بن خنيس مع عبد الله بن يعفور رجل الاعتدال في حضرة الإمام الصادق حول منزلة الإمام، وهل هو أفضل من الأنبياء؟ وكان الصادق يصغي لهما، لولا انحيازه في نهاية المطاف إلى عبد الله بن يعفور، وقد سجلت ملاحظات عدة في حينها. كيف يتخذ الصادق المعلى من أصحابه؟ ولماذا يسمح بهكذا مناظرات مغالية؟. وغير ذلك. وبالتالي فاحتمال صدور روايات تبالغ في تنزيه الأئمة حد الغلو أمر ممكن بذاته. لكن روايات كثيرة نقلت لنا مواقف صارمة من الغلو، خاصة من قبل الإمام الصادق، منها: (لعن اللّه المغيرة بن سعيد… إنّه كذب على أبي (ع) فسلبه الله الإيمان، وأن قوماً كذبوا عليّ، ما لهم؟! أذاقهم الله حرّ الحديد، فو الله ما نحن إلّا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضرّ ولا نفع وإن رحمنا فبرحمته، وإن عذّبنا فبذنوبنا، والله ما لنا على الله من حجّة، ولا معنا من الله براءة، وإنّا لميتون، ومقبورون، ومنشّرون، ومبعوثون، وموقوفون، ومسؤولون، ويلهم ما لهم لعنهم الله؛ فلقد آذوا الله وآذوا رسوله (ص) في قبره وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي (صلوات الله عليهم)”. (كتاب: اختيار معرفة).

وقبل الإمام الصادق كان الإمام علي يطالب أصحابه: (فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَال بِحَقّ، أَوْ مَشُورَة بِعَدْل، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِىءَ، وَلاَ آمَنُ ذلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلاَّ أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي، فَإنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُو كُونَ لِرَبٍّ لاَ رَبَّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لاَ نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا،) (خطبة: 216).

وأما الروايات التاريخية التي تنفي أي صفة فوق بشرية لهم فكثيرة، يمكن مراجعتها في مظانها، وقبل هذا وذاك فإن هذا النوع من العصمة منتفٍ عن الأنبياء فكيف بغيرهم، إضافة للامتناع الذاتي لها، كما مرَّ تفصيلا.

الأئمة كغيرهم من البشر مروا بأطوار حياتية مختلفة، وواجهتهم ظروف تتباين في مستوى تحدياتها. وكانوا بشرا يتعامل معهم الصحابة باحترام وتقدير، فكانوا يجالسونهم ويختلفون معهم، ولم يصفوهم بصفة (إمام). وكان الناس يعتبرونهم شيوخ آل محمد، أو علماء آل محمد، وعلماء أبرارا. وترى الشخصية العلمية الكبيرة، زرارة بن أعين مثلا يقول سألت جعفرا وتكلمت مع جعفر. ويقصد الإمام جعفر الصادق، وعندما مات الأخير لم يعرف من هو الإمام التالي وبعث ولده لتقصي الحقائق، لكنه مات قبل عودته. وموقف زرارة الأخير اربك موقف الإمام الرضا، وراح يوجهه بالتقية. أما الآن فالأمر تغير. العقيدة الشيعية كغيرها من العقائد، تطورت تطورا كبيرا، وما يتمسك به الشيعة اليوم نتاج جهود جبارة لمئات السنين، ولم يكن لها أثر في عهد النبي، باستثناء أحاديث الفضائل. فهي تراكم جهود المتكلمين والفقهاء وردود أفعال متلاحقة، وتحديات مستمرة، ونزاعات متواصلة، حتى رست على صيغتها الأخيرة في ظل حراسة عقائدية مشددة، وحصانة منحت مصادرها قدسية رفيعة، ودعم شعبي جارف من خلال طقوس تتناسل وتتسع في ظل تحديات وجودية. فلا يمكن فهم العصمة إلا ضمن سياقاتها التاريخية والسياسية، وحجم التحديات التي واجهت الشيعة، خلال الدولتين الأموية والعباسية، بل ومن جاء بعدهما. فدراسة المدونات التاريخية والكلامية وتاريخ الفِرق والمذاهب شرط لمعرفة طبيعة الأجواء والظروف التي انبثقت في ظلها جملة مفاهيم لم تكن معروفة سابقا كمفهوم العصمة الذي نظّر له هشام بن الحكم حيث كان الظرف السياسي من الصعوبة كاد ينعكس على شخصية الإمام الصادق بسبب رفضه للتحرك المسلح، واستلام السلطة، ثم جاءت مشكلة تحديد الإمام بعد وفاته، فعاش الشيعة ظرفا قلقا جدا، كاد يطيح بمشروع الإمامة برمته، سيما مع عدم ظهور المهدي، الحلم الذي ينتظرونه لإقامة دولة شيعية تعيد لهم الاعتبار، فأنقذت العصمة التي نظّر لها هشام بن الحكم الموقف، وتدارك تداعيات الفجوة التاريخية بين وفاة الصادق والكاظم، الذي من المؤكد قد سمع بها، فسكت عنها، على فرض أنها عصمة سلوكية ليست أكثر، حيث وجد فيها ملجأ للإمساك بما تبقى من الشيعة. بينما العصمة هجرت تاريخيتها، وراحت تخط لها مسارا جديدا، وأصبح لها لوازم عقيدية متعددة.

كان أحمد بن محمد بن عيسى (القمي) وهو فقيه كبير عاصر الإمام الجواد كان يضرب من لا يقول بسهو النبي في الصلاة. فهل ثمة من يتجرأ الآن على أقل من هذا الكلام ولا يُرمى بالانحراف والمروق؟. بل لا يمكن التجرؤ على مقامات وأضرحة وشخصيات مبتدعة فضلا عن مقامات حقيقية أكبر. والأنكى لا يمكنك نقد طقوس وممارسات مبتدعة، لا علاقة لها بالدين وأهل البيت. حتى أصبحت القداسة ما يقدّسه الناس، وليس ما هو مقدّس بذاته. بهذا الشكل تطورت العقيدة الشيعية. ومن يقرأ التاريخ قراءة نقدية موضوعية سيكتشف حجم المعاناة، وسيفهم كيف تم بناء منظومة عقائدية شيعية، وحينئذٍ لكف الناس عن هذا القدر من التقديس الذي ارتفع بأهل البيت إلى مصاف الخالقية، فراح أعداء الشيعة يرمونهم بالشرك ويستبيحون دماءهم. سيما أن أهل البيت يتبرأون ليل نهار من الغلاة وعقائدهم المريبة. الشيعة اليوم مطالبون بالتعامل مع الأئمة برؤية مختلفة، كي يستفيدوا من تجربة تاريخية غنية.

العصمة نتاج أصحاب الأئمة منذ هشام بن الحكم من أصحاب الصادق والكاظم. وقد نقل صاحب البحار في (ج25 ص207): قال حسين ابن سعيد الأهوازي من أصحاب الرضا والجواد عليهم أفضل الصلاة والسلام لا خلاف بين علمائنا في أنهم عليهم السلام معصومون عن كل قبيح مطلقا). فالقائلون بعصمة الأئمة تاريخيا هم بعض أصحاب الأئمة. بينما في روايات الأئمة ما يخالفه، وقد جاء في بعض الروايات: (نحن نذنب ونتوب الى الله). وقد أكد الشيخ محمد آصف المحسني في كتابه مشرعة بحار الأنوار بقوله: (ثم جاء الصدوق والمرتضى والطوسي فذكروا براهين فنية على عصمة الإمام قبله لا يوجد عندنا أي دليل). فالاستدلال والتنظير للمقولات الكلامية الشيعية يمكن نسبته إلى القرنين الرابع والخامس الهجري.

ياتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi13مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق26) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

عصمة الأئمة

ماجد الغرباوي: تقدم أن العصمة السلوكية متاحة لكل فرد وفقا للسنن القرآنية، وهي تعبير آخر عن التقوى، فلا ملازمة بينها وبين الفقاهة والعلم والحكمة والدراية وعلم الغيب. ولا يلزم منها مطلق التزكية، سوى الظاهر من سلوكه، (اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً)، (وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). ويبقى كل فرد مرهوناً بعمله: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)، (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ)، (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ). وهذا شامل باطلاقه حتى الأنبياء (قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا).

 وأما العصمة في التبليغ فهي مقتضى العقل الديني كما هو مقرر عندهم في ضوء فهمهم الخاص لمعنى النبوة والوحي، وقد مرَّ الحديث عنها. لكن الصحيح لا ملازمة عقلية بين التبليغ وعصمة المبلغ مطلقا، بل يبقى الخطأ والنسيان والاشتباه محتمل في سلوكه. التبليغ لا يستوجب عصمة المبلغ، وإذا ثبتت فتثبت من خلال سيرته وسلوكه العام، قبل الوحي، حيث عُرف النبي بصدق الحديث، ثم تأكد لهم ذلك من خلال سيرته وسلوكه وصدق لهجته. فثمة قرائن حالية ومقامية تدل على الأمانة والصدق، وهو معنى العصمة هنا. ولا مانع من وجود لطف يحول دون نسيان الأنبياء واشتباههم بتبليغ الوحي. فحكم العقل الديني بالعصمة يرتكز لقبلياته، وهي صورة مثالية، عززها إيمان تقليدي وعوامل نفسية، خلقت أجواء روحية عالية، بما تمتعت به شخصية الرسول من صفات حميدة وكارزمية (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ). حداً كأن الصحابة يصغون لجبرائيل حينما كان النبي يتلو عليهم آيات الكتاب. فالحكم بعصمة النبي بالتبليغ حكم نفسي، معزز بالقرائن، وليس عقليا، لذا تجد الأمر مختلفا بالنسبة للمنافقين، والذين في قلوبهم مرض، كما يصفهم الكتاب الكريم: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ). ومن باب أولى لا يحكم العقل بعصمة أحدٍ خارج دائرة التبليغ، لو سلّمنا ثمة حكم للعقل بخصوصها.

المهم، أن هدف العصمة، إذا اقتضاها العقل، فلضمان أمانة وإخلاص وصدق النبي في التبليغ. أو بعبارة أدق: أن موضوع العصمة هو تبليغ الوحي. ولم ينعقد اجماع خارج دائرة تبليغ الوحي. فالوحي هو المبرر الوحيد لعصمة الأنبياء، وبانتفائه تنتفي العصمة.

مبررات عصمة الأئمة

تأسيسا على ما تقدم: إن عصمة غير الأنبياء، قضية سالبة بانتفاء الموضوع، فلا موضوع يقتضي عصمة أحد من الناس، لعدم المقتضي، لا لوجود مانع. ومقتضي عصمة الرسل هو الوحي، وفقا لعقيدتهم بالنبوة، وقد انقطع بوفاة الرسول. فالكلام عن عصمة الأئمة وفقا للعقيدة الشيعية استطرادا.

لا مانع من تلبّس الإمام بالعصمة السلوكية فهي مرهونة للتقوى ومتاحة لكل فرد، وفقا لسنن الكتاب المجيد، وقد نقل لنا التاريخ صورة ناصعة عن شخصيات ربانية في سلوكها وحكمتها وأخلاقها ومبدئيتها وعلمها وتقواها، وهم أئمة أهل البيت. لكن الكلام حول دليل عصمتهم غير السلوكية، التي اتخذت بعدا ميثيولوجيا، قوامه اللامعقول والخرافة والخروج على العقيدة وقيم الدين والكتاب الكريم.

المبررات الكلامية

طرح علماء الكلام الشيعي مبررات لعصمة الأئمة، يمكن الإشارة إلى ما جاء في كتاب عقائد الإمامية للشيخ محمد رضا المظفر، حيث قال: (ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل ما ظهر منها وما بطن كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان لأن الأئمة حفظة الشرع والقوامون عليه حالهم في ذلك حال النبي). دون أن يذكر دليلا على المساواة بين النبي والإمام، رغم أنها مسلّمة في العقيدة الشيعية، وفقا لأدلتهم الروائية. وأما وفقا للمنطق القرآني فنحتاج إلى آية صريحة تدل على المطلوب نرفع بها اليد عن القاعدة العقلية الحاكمة في المقام، كما تقدم في مبحث الاصطفاء، باعتباره شأناً إلهياً، (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ). فاعطاء الإمام ما للرسول يفتقر للدليل القرآني الصريح، وهو منتفٍ بالضرورة.

وأما التعليل الوارد: (لأن الأئمة حفظة الشرع والقوامون عليه حالهم في ذلك حال النبي)، فيلاحظ عليه، أولاً: تقدم أن مبرر عصمة النبي هو تبليغ الوحي والرسالة السماوية، وقد انقطع بوفاته، فلا موضوع لها. ثانيا: أن القوامة على الدين لم ترد ضمن مبررات العصمة للنبي، كما أنها ستشمل غير الإمام كالفقيه، ولا أحد يقول بعصمته.

ثم ما المقصود بحفظة الشرع؟ وما المقصود بالقوامين عليه؟، هنا توجد احتمالات:

- المحافظة على الشرع من خلال بيان الأحكام الشرعية. وهذا لا يستدعي العصمة، لأن فقه الأحكام يتأثر بالواقع وبقبليات الفقيه، فيؤثر بها الزمان والمكان، فهي متجددة بطبيعتها، ولا مناص من الاختلاف، لذا عقد الفقهاء بابا لرفع التعارض بين روايات أهل البيت، بعنوان: التعارض والتراجيح. كما أن ألتأسي بهم واتخاذهم قدوة لا يقتضي عصمتهم، بل قوة شخصية الفرد المؤمن أن يعصم نفسه عن ارتكاب المعاصي مع قدرته عليها.

- المقصود بالقوامة على الشرع استمرار التشريع، بعد كتاب الله وسنة نبيه، حداً تكون سيرتهم (قولهم، وفعلهم وتقريرهم)، كسيرة النبي في الحجية، وتكون رواياتهم، مخصصة أومقيدة لآيات الكتاب. وهو متفق عليه، لذا استمر عصر التشريع عندهم حتى نهاية الغيبة الصغرى (329 هـ). لكن تقدم أكثر من مرة أن التشريع منحصر بالله تعالى، وقد أعلن الكتاب الكريم تمامية الدين، بمعنى العقيدة والشريعة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). وإذا أضفنا لها الآيات التي حصرت وظيفة النبي بالتبليغ والتفصيل والبيان، فلا حجية للسيرة النبوية باستثناء ما له جذر قرآني، كتفصيلات الصلاة، ما لم يتطور مفهومها. كما أن الأئمة لم يدعوا التشريع، وكانوا يمارسون دورهم الديني في شرح وبيان واستنباط الأحكام الشرعية، وكانوا يردون على إشكالات صحابتهم ويجيبون على أسئلتهم. ولم يتبادر لأحد منهم وجوب الانصات لهم باعتبارهم مشرعين، وأن ما يقولونه يعتبر نصا شرعيا من  الله تعالى؟. بل جاء في الروايات أن الإمام الباقر اختلف مع والده الإمام السجاد، واختلف الإمام الصادق مع والده الباقر في بعض المسائل الفقهية. والإمام الحسن العسكري أحال الناس على الفقهاء.

العصمة وقدامى العلماء

إن مبررات الشيخ المظفر لوجوب عصمة الأئمة جاءت بعد 12 قرناُ أو يزيد، حيث توفي عام 1964 م. بعد أن تولى علماء الكلام التنظير لها طيلة تلك الفترة، ورفدوها بأدلة عقلية ونقلية وضرورات مذهبية وطائفية وفقهية. فهي خلاصة وعي متأخر عن عصر الأئمة بل وعن عصر أول ظهور لمفهومها على يد المتكلم الشيعي هشام بن الحكم بعد وفاة الإمام الصادق (148 هـ) وبداية حياة الإمام الكاظم. فتحولت إلى قضية عقائدية، وراح أصحاب الأئمة، ينظّرون لها بدوافع أيديولوجية ومذهبية وطائفية، وراحت تمارس سلطتها وتفرض محدداتها. وانتقلت مسؤولية الباحثين من مدارات النقد إلى التأويل، وفقد البحث موضوعيته وتجرده وأفضى إلى فكر كلامي مهمته الدفاع عن العقيدة وترسيخها وليس نقدها وتمحيصها، فتراكمت النصوص عن مختلف المصادر.

بدأ نقرأ أدلة منظّر مفهوم العصمة المتكلم الشيعي هشام بن الحكم، فعندما سأله محمد بن أبي عمير عنها، وهو مجايله، من أصحاب الإمام الكاظم ومشهود له بصحة روايته، أجاب:

(إنّ جميع الّذنوب لها أربعة أوجه لا خامس لها الحرص والحسد والغضب والشّهوة، فهذه منفيّة عنه:

- لا يجوز أن يكون حريصاً على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه؛ لأنّه خازن المسلمين فعلى ماذا يحرص؟

- ولا يجوز أن يكون حسوداً؛ لأنّ الإنسان إنّما يحسد من فوقه وليس فوقه أحد، فكيف يحسد من هو دونه؟

- ولا يجوز أن يغضب لشي‏ءٍ من أمور الدنيا إلّا بأن يكون غضبه لله تعالى؛ فإنّ الله عزّ وجلّ قد فرض عليه إقامة الحدود، وأن لا تأخذه في الله لومة لائم ولا رأفة في دينه حتّى يقيم حدود اللّه عزّ وجلّ؛

- ولا يجوز أن يتّبع الشهوات ويؤثر الدنيا على الآخرة؛ لأنّ الله عزّ وجلّ حبّب إليه الآخرة كما حبّب إليه الدنيا، فهو ينظر إلى الآخرة كما ينظر إلى الدنيا؛ فهل رأيت أحداً يؤخّر وجهاً حسناً لوجه قبيح، وطعاماً طيّباً لطعام مرّ، وثوباً ليّناً لثوبٍ خشن، ونعمة دائمة باقية لدنيا زائلة فانية؟)

وهذا الاستدلال قائم كما هو واضح على مقدمات مثيولوجية، نتاج عقلية تبجيلية، لا دليل عليها. فلم يستنتج العصمة من خلال الأدلة، بل أقام أدلته للدفاع عنها، فكان منهجه كلاميا وليس عقليا. وكل قضية من قضايا الاستدلال تحتاج إلى دليل مستقل، ولم يذكر شيئا. فمثلا يقول: "لا يجوز أن يكون حريصاً على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه"من أين أتى أنها تحت خاتمه لولا وجود صورة مسبقة مركوزة في ذهنه تصوّر الإمام أن الدنيا تحت خاتمه. ثم يقول: "لأنّه خازن المسلمين فعلى ماذا يحرص؟". وهذه قضية مطلقة، فهل كل من كان خازنا للمسلمين لا يكون حريصا، ومن ثم يكون معصوما بالضرورة؟. وهكذا باقي الفقرات. وبالتالي لم يقدّم هشام بن الحكم دليلا مقنعا على وجوب عصمة الإمام من خلال هذه الأدلة. لكن الفكرة التي بدأ ينظّر لها تطورت علي يد علماء الشيعة.

وله دليل آخر لإثبات عصمة الأئمة، حيث قال كما نقل عن الشهرستاني: (النبي يوحى إليه فينبهه على وجه الخطأ فيتوب منه، والإمام لا يوحى إليه فتجب عصمته). وهو كما ترى، يقيم دليله فوق مقدمات لا دليل عليها، سوى قناعته الشخصية، فهو مطالب أولا بدليل  قرآني صريح يثبت وجود دور إلهي للإمام، وهو مفقود بالضرورة. الإمامة شأن إلهي ولا يمكن لأحد الإدعاء بها بلا دليل قرآني صريح. ثم عليه إبراز أدلة قرآنية صريحة على كل واحد من الأئمة، وهو مفقود أيضا. وتقدم في بحث الاصطفاء والاستيزار ما يكفي من أدلة تؤكد أن المناصب الإلهية شأن إلهي، لا طريق لإثباتها سوى الكتاب الكريم، لأنه يورث الجزم واليقين لنرفع به اليد عن القاعدة العقلية التي تؤكد عدم وقوع الممتنع عقلا خارجا.

وهشام بن الحكم متكلم معروف في زمانه، وكان يقول بالتجسيم، وقد اعتنق المذهب الشيعي فيما بعد، فكرّس جهوده الكلامية لأسطرة الإمام. وقد حاولوا تبرير مواقفه الكلامية من التجسيم، لكنهم فشلوا حتى اعترف الشيخ المفيد ( 413هـ) بذلك، وروى الكشي في رجاله روايات تؤكد مبانيه الكلامية في التجسيد، رغم روايته ما يعارضها من روايات. وقد نقل الشهرستاني في الملل والنحل مناظراته مع أبي الهذيل وغيره، وأكد تبنيه لفكرة التجسيم. وتنظيره للفكر العقدي الشيعي.

تطور مفهوم العصمة

لقد استأثرت العصمة باهتمام علماء الشيعة، خاصة فقهاء ومتكلمي ما بعد الغيبة، حيث ألفت كتب عديدة، وتناولها الجميع خلال بحوثهم الكلامية والروائية. وكنموذج لتطور مفهوم العصمة لدى الشيعة: أولاً: قال الشيخ الصدوق (وفاته 390 هـ) في كتاب الاعتقاد: (اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة صلوات الله عليهم أنهم معصومون مطهّرون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون ذنبا، لا صغيرا ولا كبيرا، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم). فيبدو من كلامه أنه يتبنى العصمة الجبرية أو التكوينية أو الذاتية، ومؤداها واحد، أن العصمة قدر الإمام، لا خيار له في ذلك. فيصدق عليها استلاب الإرادة كما مرَّ بيانه.

إن أغرب ما في قول الصدوق أنه ساوى بين الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة. علما أن الملائكة عصمتهم ذاتية لتجردهم عن الإرادة (لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ). كما أن الأنبياء والرسل منصوص على اصطفائهم من قبل الله تعالى، ومهامهم الرسالية تقتضي عصمتهم في التبليغ وفقا لمفهوم المتداول لمعنى الوحي والنبوة. بينما لا يوجد نص يؤكد ثبوت الإمامة الشيعية بأشخاصها، سوى روايات، وهي لا ترث سوى الظن: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا). وأقصد بالإمامة مفهومها الذي وضع الصدوق بموجبه الإمام بمستوى الأنبياء والملائكة. بشكل تكون له وظيفة إلهية ضمن منظومة العقيدة الدينية القرآنية. لا شك أن الروايات تفيد التنزيه وشهادة بنزاهتهم، وهذا لا يصلح أن يكون دليلا علميا نرفع به اليد عن القاعدة العقلية المتقدمة. فالمقصود هنا ليس العصمة السلوكية، بل العصمة الإلهية الربانية التي ترتفع بالإمام إلى مستوى الرسل.

إن منهج الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن بابويه القمي، في عقيدته منهج روائي، يعتمد فيه على الأخبار، وما ورد فيها من آراء مغالية بالأئمة وخصائصهم الذاتية. التي ترى وجوب العلم "اللدني" للإمام، ومتى شاء يعلم يعلم، وبأي حقل من حقول المعرفة. وعلم الغيب، ومعرفة جميع اللغات، إلى آخر الصفات التي خلعتها عقيدة الغلو على الإئمة، وهي وليدة مخيال مثيولوجي، يسقط على موضوعه ما يحب ويرغب.

ثانياً: في مقابل الشيخ الصدوق ومنهجه الروائي نقرأ رأيا للمتكلم والفقيه الشيخ المعروف الشيخ المفيد (وفاته 413هـ) في كتابه تصحيح الاعتقاد ردا على الشيخ الصدوق، حيث يقول:

(العصمة من الله تعالى لحججه هي التوفيق واللطف والاعتصام من الحجج بها عن الذنوب والغلط في دين الله تعالى. والعصمة تفضّل من الله تعالى على من علم أنه يتمسك بعصمته. والاعتصام فعل المعتصم، وليست العصمة مانعة من القدرة على القبيح، ولا مضطرة للمعصوم إلى الحسن، ولا ملجئة له إليه، بل هي الشيء الذي يعلم الله تعالى أنه إذا فعله بعبد من عبيده لم يؤثر معه معصيته له ...).

وهنا تقرأ استدلالا مغايرا، ينتمي في روحه للكتاب الكريم، ملخصه أن العصمة توفيق وتسديد من الله تعالى، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا)، (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ). فثمة أرضية قوامها الاستقامة والتقوى تؤهل الفرد لمستوى العصمة بمعنى عدم ارتكاب المعاصي. وأما عدم الغلط في دين الله، فالمقصود به العلم والفقاهة، ولا أجد في كلام الشيخ المفيد ارتفاعا أو غلوا بالمعصوم خارج السنن الإلهية، فالعصمة السلوكية، والفقاهة، ممكنة، كما أن الحكمة التي هي مقوم أساس للشخصية المثالية والإنسان الكامل، ممكنة هي الأخرى، بدليل قوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). وبهذا نفهم أن مراد المفيد في هذا النص بالذات هي العصمة السلوكية إضافة إلى التسديد والحكمة الإلهية، ولم يغالِ في شخص المعصوم بل يؤكد استعداده للمعصية بطبيعته: (والاعتصام فعل المعتصم، وليست العصمة مانعة من القدرة على القبيح، ولا مضطرة للمعصوم إلى الحسن، ولا ملجئة له إليه، ...).

فالعصمة عند الشيخ المفيد عصمة اختيارية، يسعى لها الفرد بإرادته، وتتحقق له وفقا للسنن الإلهية. والحقيقة أن من يطمح للاستقامة والعصمة من الذنوب، يعش تجربة روحية عالية، تخلق لديه علاقة جدلية بينه وبين سلوكه الخارجي، فكلما تمسك باستقامته كلما انعكس ذلك على وعيه للأنا بشكل تكرس حالة الالتزام حداً تصبح لديه ملكة وعصمة ذاتية، بفعل المراقبة والعزيمة والتفكير، بالذنب وما يترتب عليه من آثار تنعكس سلبا على علاقته بخالقه، فيعيش حالة توتر، لذا يدرأ تداعيات الندم واللوم بالتقوى والورع عن محارم الله. وبالنتيجة هذه العصمة اختيارية، يسعى لها الإنسان بكامل إرادته، وليس مجبورا عليها، كما يذهب لذلك القائلون بالعصمة التكوينية، التي تعني أن العصمة قدر المعصوم. فهي ليست فعلا إراديا، بل فعل رباني، سببه وجود خصائص ذاتية لدى المعصوم، ودور وجودي وتشريع يتوقف على عصمته. ولا دليل على العصمة الجبرية. بينما الأيات تشهد للعصمة الاختيارية كقوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، (وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ)، وهذه الآية صريحة في دلالتها على الاختيار، حيث تخاطب النبي "فإن فعلت"، فهو قادر على الفعل، ويمتنع عن المعصية بإرادته. وأيضا: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ)، وهي واضحة في دلالتها على الاختيار، وأكدت إمكانية النبي للتقول لكنه عصم نفسه ولم يتقول.

وقد تابع الشيخ المفيد جمع من علماء الشيعة، كالسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، وغيرهما. في مقابل من قال بالعصمة الجبرية أو التكوينية أو الذاتية، وكلها تعني أن المعصوم مجبر على العصمة.                                                                                                                                          

ثالثا: ذهب صاحب تفسير الميزان أن سبب العصمة حصول علم يقيني رادع عن المعصية. ويقصد بالعلم هنا، هو العلم الحضوري، في مقابل العلم الحصولي الكسبي، والفرق بينهما واضح في كتب المنطق. فالعلم الحضوري حضور ذات المعلوم، بينما العلم الحصولي حضور صورة الشيء في الذهن. وقد يكون من الصعب بيان الفوارق، غير أن الشعور بالحب والبغض والخوف، تعتبر من العلم الحضوري. لذا قال في تفسير الميزان: (الأمر الذي تحقق به العصمة نوع من العلم يمنع صاحبه من التلبس بالمعصية والخطأ، وبعبارة أخرى، علم مانع من الضلال). وهذا النوع من العلم لا يتنافى مع الاختيار. واستشهد لهذا العلم بقوله تعالى: (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ). فثمة علم يجعلك ترى الحقيقة ماثلة أمام عينيك.

وهذا الكلام بعمومه صحيح لكن الأمر لا يتوقف على العلم مجردا عن الإرادة، فثمة من يقتحم الموت بإرادته رغم يقينه أنه سيموت، لا فرق بين المؤمن وغيره، فالاستشهاد من أجل القضايا الوطنية مثلا ليست حكرا على المؤمنين بالله واليوم الآخر.

والخلاصة، لا يختلف القول الثالث عن العصمة الإرادية. فالاتجاه العام للفكر الكلامي الشيعي المعتدل هو عصمة الأئمة عصمة سلوكية إرادية، وما الغلو سوى اتجاه مغير في رؤيته للإمام ومركزيته  ودوره، كما سيأتي بيانه.

لكن ما هو راي الإمام بالعصمة؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi12 (1)مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق25) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

قدسية الصحابة

ماجد الغرباوي: مرَّ أن العصمة بدأت مفهوما بسيطا، أن الرسول مسددٌ أو معصومٌ في تبليغ الوحي، عصمة مفادها: الأمانة والضبط والصدق وعدم الكذب أو الخطأ في تبليغ الوحي، وفق دليل عقلي مرّ ذكره. فالمفهوم كان ناظرا لخصوص الوحي دون ما عداه إلا من باب المقدمة، لتعزيز الثقة به. فتكون العصمة قيمة أخلاقية، تمثّل ذروة الاتزان السلوكي عند تبليغ الوحي، دون سلب قدرته على الخطأ والنسيان بل حتى ارتكاب المعصية: (وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ). والسيئة عمل غير صالح، كما هو واضح في آيات أخرى. وماعدا الوحي، كان الصحابة يسألون النبي حينما يُخطئ في قرار إجرائي: "أهو الوحي أم الرأي والمشورة؟". مثله اعتراض سعد بن معاذ عندما أراد الرسول أن يعقد اتفاقا مع "غطفان" في معركة الأحزاب. فوافقه على رأيه. فكانت الشورى مبدأ في سياسته، باستثناء الوحي. غير أن مفهوم العصمة راح يتطوربعد وفاة الرسول، ليرقى إلى معنى القداسة، والارتفاع بالمعصوم / الخليفة فوق النقد والمساءلة، بفعل حاجات سياسية، اضطرت لها السلطة والمعارضة بعناوين مختلفة كعصمة مطلق سيرة النبي (قوله وفعله وتقريره)، وعدالة الصحابة لدى السنة، كقول عثمان: (لا أخلعُ قميصا ألبسنيه الله) وعصمة الأئمة عند الشيعة. وبالفعل ساهمت هذه العناوين في تحصين الخلفاء، وكان أول توظيف للدين سياسيا. فخرج المفهوم عن المعنى الموضوع له والمستعمل فيه. وهذا مبرر لتحري المعنى الجديد ومراجعته، لوقوعه ضمن النسق العقدي الذي نروم نقده، خلال تفكيك العقل الفقهي. سيما أن كلا الطرفين ارتكز لأدلة عقلية ونقلية في خطابهم التنزيهي. ولا يخفى حجم ما يترتب عليه من آثار شرعية وغيرها.

إذاً سنتحرى صدقية مفهوم العصمة / عدالة الصحابة بمعنى القداسة، قبل أن يتطور على يد غلاة الشيعة إلى مفهوم مفارق للطبيعة البشرية. وهو تطور متوقع ضمن أنظمة أنتاج المعنى، التي تسعى لإضفاء معنى، يكرّس الرصيد الرمزي من خلال تراكم مثيولوجي، داخل مجتمعات مسكونة بالغيب والسحر والخرافة. فنتناول أولا مفهوم عدالة الصحابة، الذي هو معادل موضوعي لعصمة الأئمة. وفي مرتبة سابقة عليها. وينبغي التنبيه أن الانقياد لطاعة الرسول مفترضة قرآنيا، بينما طاعة أولي الأمر مشروطة، كما مرَّ بيانه.

عدالة الصحابة

تعني عدالة الصحابة عصمتهم عن الخطأ، وتكون سُنتهُم حجة شرعية، ملزمة مع فقدان الدليل. وهذا اعتراف غير مباشر بعصمتهم، وإن لم يصرّحوا. وما العصمة سوى امتناع الخطأ فضلا عن ارتكاب المعصية. فلماذا يدان الآخر بقوله بالعصمة ولا يدان من يقول بعدالة الصحابة وهما على درجة واحدة من التقديس؟. فلازم عصمة أئمة أهل البيت هو الإلتزام بأوامرهم ونواهيهم. وهذا هو المهم في فهم العصمة عند تأسيسه من قبل أصحاب الأئمة. وما زاد عليه الغلو لا ينفي القدر المتيقن من حقيقتها. من هنا يتضح مكر المفهوم عندما يتستر على دوره في فرض حقيقته، ويوحي باختلاف دلالتيهما. بينما يفهم كل من المتلقي السني والشيعي من المصطلحين ذات الدلالة. ويتمسك بذات الإلزام. فكلاهما معصوم بمفهومين وتنظيرين مختلفين، حتى وإن كان مستوى الإلزام بينهما مشككا وليس متواطئا. فلا شك في صدق القدر المتيقن. فالحقيقة لا تتغير، ويبقى مفهوم العصمة واحدا، بأي لفظ جاءت. وهذا غلو صريح، لا يمكن للسني التنصل عنه، خاصة إلتزامه بسيرة وسنة الشيخين، مع فقدان الدليل، فهو مصداق واضح في المقام. وقد اشترطت الشورى التي اختارها عمر لانتخاب الخليفة الثالث على الإمام علي التزام بسيرة الشيخين ورفض، بينما وافق عثمان ففاز بها. وهل الشرط سوى عصمتهما والتمسك بسيرتهما مهما كانت أخطاؤهما؟.

ليس النقاش حول المثال والمصداق، فهي كثيرة. بل الكلام حول المفهوم ودلالاته الخارجية، وفهم تزويراته وخداعه ومكره ومراوغاته عندما يفرض حقيقته، ويتستر على دوره في وجودها، وكيفية تكوّن سلطتها. فما زال التراشق بين المذهبين قائما حول العصمة ودلالاتها، ومتى انطباق مفهوم الغلو عليها. وكلاهما يسكت عن مفهوم عدالة الصحابة التي تعني تماما عصمتهم بالفهم المتقدم. فأهل السنة وإن لم يصرحوا بعصمة الصحابة لكنهم عملا يعصمونهم من كل خطأ وزلل. ويبررون سلوكهم مهما كان دمويا، ويَحملون إرتكابهم الخطأ واقترافهم الذنب مهما كان كبيرا، على ترك الأولى والأفضل، وعدم التعمد في معصية الخالق، وغير ذلك من مبررات لا تمت للحقيقة بصلة. ويتمسكون بسيرتهم ويستشهدون بأحاديثهم في كل مناسبة، ويشيدون بفضائلهم بخطاب تنزيهي لا يختلف كثيرا عن الخطاب التنزيهي الشيعي. فهم في أعلى درجات القداسة عملا، مثلهم مثل الأئمة، لكنهم يخدعون المتلقي بالألفاظ. خاصة حينما يتشبثون بأقوال متطرفة حول مفهوم العصمة، لإبعاد الشبهات حول مصداقية مفهوم عدالة الصحابة، بما يشبه الإسقاط. بينما المفهوم الأول للعصمة عند التأسيس لا يعدو كونها عصمة سلوكية إرادية، تعني التسديد والمَنَعَة التي هي لطف إلهي حينما يلتزم المؤمن ويستقيم في سلوكه، وهو ما يتبناه الخط الشيعي المعتدل. فالعصمة السلوكية سنة إلهية – قرآنية، لكل من يستقيم، ولا تختص بشخص دون آخر. (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ). والجهاد لا يعني القتال هنا، بل مطلق المجاهدة، بقرينة لنهدينهم سبلنا، وهي آية تنطوي على فلسفة عميقة سنتوقف عندها في مناسبة قادمة. (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا). فهي سنن إلهية. وبهذا نفهم أن جميع روايات الفضائل، المختلقة والموضوعة، تقصد عصمة الصحابة، والحيلولة دون نقدهم، ومحاسبتهم. وكل هذا غلو لا يمكن تبريره بأي شكل كان. وإلا هل يمكن لأي سني اليوم أن ينتقد الصحابة ويحاكمهم على سلوكهم ولا يدان من قبل سلطات القضاء والمراجع الدينية السنية؟. فلماذا لا يُسمح لأحد بالنقد لولا الإرتكاز المفهومي لمعنى عدالة الصحابة، فهي تعني عندهم العصمة السلوكية، التي تعني في بعض أبعادها مطلق القداسة، والمنعة الذاتية. وهذا هو القدر المتيقن. (كتاب النص وسؤال الحقيقة)

إن ما نطمح له من خلال البحث تدارك ما يترتب على القول بوجود حقائق دينية مطلقة من تداعيات، قد لا تكون واضحة في القضايا الغيبية التي تكفّل الكتاب الكريم ببيانها. لكنها تتجلى في قضايا دينية أخرى، يشكل القول بإطلاقها خطرا على الدين ومفاهيمه القويمه. ويمكن الاستشهاد بالحديث المشهور: (أصحابي كالنجـــوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، و(إنما أصحابي مثل النجوم فبأيهم أخذتم بقوله اهتديتم). الذي يؤسس لمرجعية مطلق الصحابة في الهداية، فيلتبس الحق بالباطل، وتضيع حقوق الناس في ظل قدسية أسست لها هذه الروايات فأصبحت حقائق نهائية، يؤمن بها العقل التراثي، ويلتزم بمؤداها عملا وسلوكا. رغم أن الصحابي إنسان، يصيب ويخطئ، فكيف يكون هاديا على كل حال وهو بهذه الصفات التي لا استثناء فيها لأحد.

لا يوجد ما يؤكد صحة صدور هذا الحديث بشكل قاطع، ويبقى محتمل الصدور إن لم يكن موضوعا. أي لا يوجد دليل يؤكد صدوره الفعلي عن النبي، لكنه لعب دورا مؤثرا في حينه، وما يزال ضمن أسيجة قداسة الصحابة. ومنطوق الحديث يؤسس لتزكية مطلق الصحابة، وضمان هداية من يتابعهم أو يقتدي بهم في معارفه وسلوكه. وهذا الحديث لا يستثني أحدا. ويشكّل مرجعية لفهم معنى الصُحبة، كقيمة دينية وأخلاقية مستقلة. فيُصنف ضمن الأحاديث السياسية التي انتجتها ماكنة الوضع في زمن بني أمية. لإضفاء شرعية دينية لمن تبقى من الصحابة ومنهم معاوية، المتهم بخروجه على سلطة الخلافة الشرعية. فهو مدان لهذا السبب وفقا لأحاديث الخروج والتمرد على جماعة المؤمنين: (من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه).

ما يهمنا في حديث أصحابي كالنجوم مقدار ما تستر عليه النص، حينما ألغى باطلاقه خصوصية الصحابي وبشريته، لتكون الصحبة حصانة ذاتية، لا تضر معها أية تهمة، بل ويجب عدم إدانة سلوكهم مهما كان مخالفا للكتاب الكريم. وهو منطق غريب على الدين: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)، (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) غير أن النص الروائي حجب الضابطة القرآنية، عندما وظف تقنياته في بيان حقيقته.

وهذه الرواية من النصوص التأسيسية، التي رسّخت قدسية الصحابة وعصمتهم في ذهن المتلقي. وغدت نهائية ومرجعية يحتكم لها المسلمون. لا يساورهم شك في قدسيتها، فيتغاضون عن الإشكالات، ويتجاوزونها بمزيد من التقديس، حتى يصبح التبرير أداة وحيدة للتخلص من ضغط الحقائق التاريخية، وتشظيات الخصوصية، الملازمة للفرد وهويته، فلا يمكن تجريده من تاريخيته ومن خصوصياته. غير أن النص فرض سلطته ومرجعياته ومحدداته. فأصبحت الرواية أداة لفهم الحقائق التاريخية، تضطره للبحث عن أي مبرر، مهما كانت ضألة احتماله لتبرير سلوك جميع الصحابة. وتجاهل الأحداث الكبيرة وما تركته من تداعيات خطيرة. كما سيحكم بصحة كل حديث ينتهي إلى صحابي بطريق صحيح، دون البحث عن صحة صدوره عن النبي، فكان هذا إيذاناً بتفاقم الوضع ونسبته لرسول الله كذبا وزورا. فهذه الرواية مهّدت لقبول الأحاديث الموضوعة، حيث حل الصحابي محل المقدّس (الله ورسوله). وتحقق هدف السلطة من توظيف النص الديني، والشطب على أخطائها أو تبريرها أخلاقيا. فالحديث تمكن من فرض مرجعيات جديدة للنص المقدّس، وتجاهل شرط صدوره عن الله أو رسوله. أي أنه قام باستبدال مرجعيات شرعية النص. وبات ليس ضروريا التمييز بين ما يرويه الرعيل الأول الملاصق للرسول، والبدوي الذي التقى النبي ساعة واحدة في حياته. وهذه أخطر تداعيات هذا الحديث حينما يراد تصحيحه واعتماده.

والأمر الثاني، أسدل الحديث الستار على ما اقترفه الصحابة، ومنحهم قدسية ذاتية تحول دون إدانتهم أو تجريدهم من نجوميتهم، كهداة ربانيين. فخلاف السقيفة وما ترتب عليها لا يؤثر!، وقتال ما وصفوا بالمرتدين والدماء التي سفكت مع إمكانية التسوية السلمية، لا تضر بعدالتهم!!. والفتوحات التي عبثت بمصداقية الإسلام، فتوحات مباركة، مسددة!!. ودماء الصحابة والتابعين التي سالت على مذبح السلطة في عهد الإمام علي، طهّرتها توبتهم بعد معارك دامية!!. وكل ما صدر من معاوية يُرجأ أمره لله، ولا يجوز مساءلته!. بهذا الشكل فرض الحديث نفسه حقيقة، مررت كل ما يراد تمريره. وهذه هي خطورة الاعتقاد بوجود حقائق دينية مطلقة، لا فرق في ذلك بين الحقائق القرآنية وغيرها. (أنظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة)

وقد استمد هذا الخبر وجوده من الآيات التي أثنت على الصحابة. لكن لا يمكن التمسك بإطلاقها، مع عدم تشخيص قوله تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ). ولو ثبت الإطلاق فستدور تزكية الصحابي مدار استقامته، نفيا وإثباتا. فمن مات مستقيما في سلوكه، شملته الآيات كقوله تعالى (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ). ومن انحرف عنها بعد وفاة النبي لا تشمله. ولا يوجد ما يدعو لتبرير سلوك الصحابة مطلقا، والاستماتة في تزكيتهم، ويبقى مصيرهم، كأي إنسان مرهونا بعملهم واستقامتهم. فالاستقامة هي ملاك الثناء والتزكية القرآنية، وليست الصحبة وشخص الصحابي. والأهم أن الثناء لا يعني كفاءة الصحابة سياسيا، ولا يعني أولويتهم في السلطة والحكم، لكن خداع السياسة، مرر هذا الفهم من أجل إمضاء سلوك بعض الخلفاء والحكام. وليس هناك ملازمة بين التقوى والعدالة والكفاءة السياسية، رغم دورهما في تسديد السياسي.

فجميع الآيات التي شهدت للصحابة بالإيمان والعمل الصالح، شهدت على أساس استقامتهم آنذاك، ولا تدل على أكثر من ذلك. ولا يمكن الاستدلال بها على عصمة الصحابي ونفي صدور الخطأ بل وحتى المعصية عنهم، بما في ذلك الخلفاء، فلا ميزة لأحدهم على غيره، من خلال الكتاب الكريم، وقد جاءت الآيات المتقدمة مطلقة.

ثمة ملاحظة أن الأصل وفقا للكتاب الكريم، وما ورد فيه من آيات بشأن الصحابة خاصة الآيات المطلقة هو عدالة الصحابة، فليست العدالة سوى التقوى والإيمان والاستقامة. ولا يمكن الخروج عن الأصل إلا بدليل، كشهادة العدول على ارتكاب المعاصي، أو صدور ما يبعث على الريبة والشك، خاصة في قضايا المال والدماء والأعراض. ثم ينبغي التفريق بين الصحابة، تبعا للكتاب الكريم: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). كما نؤكد ثانية أن مصير الصحابي كغيره من البشر مرتهن لاستقامته، فالآية شاملة للصحابي ما دام على الاستقامة، ولا يفهم من الآية تزكية مطلقة، بحكم آيات أخرى مطلقة ترهن الإنسان إلى عمله: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ). فالآية المتقدمة لا تمنح عصمة، بل ترتب أثرى على تقواهم واستقامته، فيكون هو الملاك في تقييم الصحابي بعد وفاة الرسول. والاستقامة مبدأ قرآني شامل للبني وغيره، قال تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

فضائل الصحابة

لا يمكن نفي مطلق ما ورد عن الرسول من روايات الفضائل، فهي استحقاق لكثير من الصحابة، الذين أثنى عليهم الكتاب الكريم (الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .. و الذين رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ). لكن أيضا لا يمكن الموافقة على جميعها، فقد ساهمت ماكنة الإعلام الأموي في نشر روايات موضوعة، كرّست تنزيه الصحابة، وتبرير سلوكهم، ورفعهم فوق النقد والتقويم، فساهمت في خلق وعي تنزيهي، يتغاضى عن الخطأ، وينأى بنفسه عن محاكمة فترة الصحابة وما تخللها من أخطاء في السلطة والحكم، خاصة خلافة الثالث التي أودت إلى قتله بفعل سياسية الولاء، والتفريط بالمال العام من خلال ولاة تنقصهم الكفاءة والتقوى. حتى بات مسلّما لدى الناس أن الصُحبة تدرأ كل ما صدر ويصدر عن الصحابة، بل يصدق أن الصحابي مجتهد، فله حسنتان إن أصاب، وحسنة إذا أخطأ، تقديرا لاجتهاده، وغدا منطق التبرير سيد الموقف في تناول حقبة الخلفاء الراشدين. وبما أن معاوية صحابي فيصدق عليه ما يصدق عليهم، وهو المطلوب لتكريس سلطته، وسيادته بعيدا عن النقد والمحاسبة.

وأما علاقة الصحابة فيما بينهم فكانت لا تخلو من المحاسبة والمراجعة والوقوف بوجه الخليفة حينما يخطئ، وقد عزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد عن قيادة الجيش، بعد توليه الخلافة، بينما كان مقربا عند الخليفة الأول. وقد تمرّدوا على أوامر الخليفة الثاني عندما أمرهم بالجهاد وقالوا له (لا سمعاً ولا طاعة)، لأنه ارتدى حلة يمانية تستر بدنه بينما كانت حصة كل فرد من المسلمين أقل من ذلك.

 

...........................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com


 

majed algharbawi11مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق24) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

حول عصمة الأنبياء

ماجد الغرباوي: ثمة سؤال مشروع. لماذا لم يتطرق القرآن الكريم لعصمة الأنبياء فضلا عن غيرهم صراحة، اذا كانت العصمة بهذه الدرجة من الأهمية دينيا، ويتوقف عليها حفظ الشريعة؟ حتى بالنسبة لعصمة التبليغ وقفت عنده الآية ولم تتعد الى سلوك النبي الكريم وفعله، فقالت: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ). والآية جاءت ردا على من يشكك بالنبوة وينسب القرآن إلى محمد الإنسان. فأكدت الآية أنه وحي. فهي ليست بصدد بيان عصمة النبي أساسا لكنهم استدلوا بها على عصمته. ولا نسبة جميع أقواله وأفعاله للوحي.

العصمة مفهوم ظهر متأخرا لتحصين سيرة النبي وتجريدها من بشريتها، واتخاذها مصدرا للتشريع. وعند الشيعة جاءت لشرعنة سيرة الأئمة، وتدارك ضعف وإرسال رواياتهم، وتأمين مصدر تشريعي، امتد لأربعة قرون، ليساعد الفقيه على استنباط الأحكام الشرعية، فغدت السيرة مرجعية لكثير من الأحاديث الضعيفة، وأصبحت منصة للروايات الموضوعة والمختلقة. ولا يخفى دور الأخبار في ترسيخ قيم العبودية والاستبداد والانقياد للسلطان الظالم، على حساب قيم الدين ومبادئه وأخلاقه. إضافة لتفصيلات تشريعية لم ترد في الكتاب الكريم. من هنا يجد نقد مفهوم العصمة مبرره، للحد من قدسية النص وهو يمارس سلطته، ويفرض محدداته، وبات مرجعية مطلقة، ومقياسا للحق والحقيقة، بل تم تحجيم العقل واختزاله بالتقليد والانقياد، حتى تعطّل الوعي، وأصبحنا أمة مهووسة بالتراث والماضي، نهمل حاضرنا ونتجاهل مستقبلنا، ونحسب أننا على حق مطلق والآخر على باطل مطلق.

 تحدث القرآن عن الأنبياء ومسيرتهم الطويلة الشاقة. ذكر معاناتهم، وأخلاقهم، وصفاتهم، وما يتمتعون به من مقامات حميدة عند الله لكن لم يذكر العصمة صراحة. فلماذا يتركها لأحاديث الرواة، رغم خطورتها وأهميتها وغرائبيتها وخروجها على المألوف من سنن الكون والحياة؟. إنه سؤال جدير يعود بنا الى القرآن الكريم الذي هو: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ)، وهو بيان لكل ما يخصه من قضايا الدين والعقيدة، وعلى رأسها تأتي عصمة نفر من الناس على مر العصور، فلماذا سكت عنها، ولم يتطرق لها؟ السكوت عودة الى قواعد العقل المطلقة، والتي كما تقدم تنفي وقوع الخارق والمخالف لسنن الكون والحياة، ومن هنا العصمة.

وآية: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)، ليس فيها ما يدل على العصمة بهذا المفهوم، ولو صدقت فهي تخص موردها، ولا يجوز تعميمها، كما مرَّ.

وخلافا للقائلين بعصمة الأنبياء مطلقا، فإن القرآن الكريم ذكر أخطاء الأنبياء صراحة بدون مواربة.. صراحة لا ينفع معها أي تأويل مهما كانت حجته، لتقدم حجية القرآن الكريم على غيره، ولا أجد أحدا يخالف في ذلك من المسلمين، وإنما يؤولون الآيات رغم صراحتها لدوافع عقدية أيديولوجية، كما في قوله تعالى بالنسبة الى آدم:

- (وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ).

- (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا). فكيف لا ينسى المعصوم والآية صريحة في نسيان آدم!.

- وفي قصة يوسف (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ).  

 - وخطأ داود في الحكم (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، فَغَفَرْنَا لَهُ).

- وكذلك في قصة النبي سليمان، حيث يظهر عدم علمه بمكان الهدهد، ومقتضى العلم "اللدني، الحضوري" للمعصوم أنه يعلم مكانه، ولا يسأل: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ). ثم لماذا (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ). ولم يثبت عليه شئ؟.

- وأيضا قوله تعالى عنه: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ، إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ، رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ).

- وأيضا ما بدا من إبراهيم (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِ). وموسى (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ) من أجل الإطمئنان، وكان المفروض أنهما معصومان، علمهما "لدني، حضوري وليس كسبي، متى شاءؤا علموا".

- كل ما تقدم من ملاحظات حول عصمة الأنبياء ربما يمكن تأويله، لكن كيف يؤولون ما فعله موسى بهارون وهو يعلم أنه نبي معصوم (وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا)، لا يصدر منه خطأ واشتباه ونسيان، كما يقولون. فكيف يحاسبه ويوبخه بطريقة مفجعة، وهو يستغيث يا ابن أم...! وموسى ماسك برأسه ولحيته. أم أن موسى لا يعتقد بعصمة الأنبياء، حينما اشتد غضبه: (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا، أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي،  قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي). أليس موسى كليم الله، ويفترض أنه على درجة عالية من العصمة والكمال فكيف يتصرف بهذه الطريقة، لولا أنه بشر، وقد شعر بالاحباط وفشل مشروعه الدعوي، فكان من حقه كبشر أن يغضب ويتأسف (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي). إن قصة موسى وهارون تعارض أدلة إثبات عصمة الأنبياء مطلقا، فيقتصر على القدر المتيقن، وهو العصمة وعدم وقوع الخطأ في التبليغ، بناء على فهمهم لمعنى الوحي والنبوة، القائم على المرآتية، وأن النبي مجرد واسطة في تبليغ الوحي. أما إذا قدمنا فهما مغايرا لمعنى الوحي، يعطي للنبي دورا أكبر من الوساطة في النقل، وتكون لقبلياته دور في فهم الوحي، حينئذ لا معنى لاشتراط العصمة. فالبحث هنا استطرادا مع الفهم السائد لمعنى الوحي والنبوة ودور الأنبياء فيهما.

- (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا)، وهنا يصرّح القرآن بأن موسى قد نسى. بل في آية أخرى: (قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا)، لكنه عاد وسأل العبد الصالح مرتين، وفي كل مرة ينسى تعهده. فكيف لا يمكن للمعصوم أن ينسى؟ وغير هذه من الآيات الدالة على أن الأنبياء بشر، يعتريهم ما يعتري غيرهم من الناس، قد يصدر عنهم الخطأ والنسيان.

وأيضا بالنسبة إلى موسى قوله: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ)، فكيف يكون المعصوم معصوما منذ ولادته حتى مماته؟

النبي محمد والعصمة

من المشاهد القرآنية الواضحة رصد الكتاب الكريم لشخصية النبي محمد،  وهو يمارس فعل النبوة، فنقلت لنا ما كان يعتريه من ردود أفعال، وخلجات نفسية، وما يحدث له من جراء الموقف المعادي للرسالة، ومن ملأ قريش خاصة. فكانت بعض المقاطع تنقل لنا معاناة حقيقية، وهو أمر طبيعي. ولم يترك الوحي الرسول فردا بل كان يسدد وينبّه، ويسدي نصائحه، وتركه بشرا يخوض تجربة النبوة والدعوة لرسالته، بكامل خصائصه البشرية، وكلما أثقلوا عليه بمطالبهم التعجيزية، كان يؤكد لهم: (... سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا)؟!!. ولم تتحدث الآيات عن عصمته وعن خوارقه الذاتية، بل وضعته بذات الصورة البشرية، وأكدت عليه كما في الآية (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا). فالأمر في بداية الآية يؤكد بشريته، بكل ما للمفهوم من دلالة، لكنه افترق عن غيره بالاصطفاء: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). فيحظى بالتسديد الذي هو مفهوم مغاير للعصمة التي تريد أسطرة الفرد، ليفارق طبيعته البشرية. التسديد واضح في آيات الكتاب، كقوله: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا)، وغيرها. وهذا دال على بشرية الرسول وخضوعه لقوانينها. وبالتالي القول بأسطورية عصمة الرسول لا دليل عليها، بل ثمة ما يؤكد صدور الخطأ، ولو بمعنى الاشتباه أو تقديم الأولى، فيصدق أنه خطأ بالمفهوم العام. وهناك من الآيات ما يؤكد عدم علمه (وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ)، (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ). إضافة إلى مجموعة آيات تجسد البعد البشري في شخصية النبي، وربما أقوى الآيات دلالة، قوله تعالى مخاطبا النبي:

- (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ). الآية تؤكد أن النبي كان صاحب إرادة وقرار ورؤية، وكان بإمكانه عدم الخطأ واتخاذ القرار الصائب غير أنه أخطأ. ليس المهم حجم الخطأ لكنه أخطأ حتى اقتضى تنبيهه علناً.

- (وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا). وهذه الآية تؤكد وجود استعداد للفتنة والافتراء، بينما تنفي العصمة هذا الاستعداد، فهو معصوم منذ ولادته، خاصة مفهوم العصمة لدى الشيعة. والآية واضحة لا مواربة فيها: (وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا).

- (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ)، والآية واضحة في دلالتها على إمكانية إرتكاب الخطأ والتقوّل على الله عزوجل، لكنه عصم نفسه، لا لأنه معصوم ذاتيا، وإنما عصمها بإرادته وتقواه. عصمها بإيمانه وورعه. ولو كان معصوما ذاتا أو بالجعل، فلا معنى لأن تقول الآية: (لو تقوّل علينا بعض الأقاويل)، لأن التقوّل سيكون ممتنعا مع افتراض عصمته. وهذه إحدى الآيات التي تنفي العصمة بشكل واضح. فمجرد احتمال التقوّل ينفي العصمة، التي تعني عدم صدور أي خطأ بشكل تلقائي، بل شدة الخطاب تشي بإمكانيته بقوة، وهذا منافٍ للعصمة بداهة.

- (عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَن جَاءهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى) فيها ما يؤكد أن النبي بشر يخطأ ويصيب، أو يختار غير الأولى، وقد أدار وجهه عن رجل جاء ليؤمن.

- (وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، والاية تؤكد نسيانه وقعوده معهم (إِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ).

- وأوضح الآيات دلالة آية: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا)، التي تؤكد وقوع الذنب وإمكانية وقوعه، وليس المهم حجمه، سواء كان صغيرا أم كبيرا، المهم وقوعه بما يخالف العصمة الذاتية أو المجعولة. والآية لا تشي بالعصمة السلوكية مستقبلا، وربما تقصد ما ارتكبه قبل البعثة وبعدها الى حين نزول الآية. أو أنك ستكون بمأمن من ارتكاب الذنوب بما تختزن من تقوى، وورع، فعصمتك منها ستكون في سياق القوانين الإلهية، وليس خارجا عنها. لا أن نجعل منك ملاكا نسلبك حرية الاختيار، أو نسلبك قدرة ارتكاب المعاصي، فهذا غير ممكن باعتباره لازما لبشريته. والتقوى لا تقتصر على الأنبياء، بل تشمل مطلق الإنسان: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا)، (ومن يتق الله وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)، فالتقوى تفتح لك آفاقا واسعة، وتجعل لك نورا، لكن ضمن قوانينها، كما شاء الله لها ذلك، لا بمعنى سلب الإرادة والاختيار، بحيث يصدر منه الفعل تلقائيا، كما تصوره مقولات العقيدة عند بعض فرق المسلمين. ويؤكد ذلك أيضا قوله تعالى: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)، فالإيمان كان مقدمة لمضاعفة الهداية ضمن الاسباب الطبيعية.

- (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ)، فالضلال يتنافى مع العصمة، باعتبارها موجّه ذاتي للصواب والخير دون إرادته، والآية تنفي ذلك.

- بل ويؤكد القرآن إنه بشر يوحى إليه، وإنه لا يعلم الغيب (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).

- (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

- (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ). وفي هاتين الآيتين تتجلى صورة بشر يتفاعل مع محيطه، بفعل دوافع فطرية، ونوازع وحاجات نفسية. ويخفي أشياء ينبغي له عدم إخفائها.

- (كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ). وهذه صفات بشرية، غير مفارقة لطبيعتها، والمعصوم كما تصوره الخطابات العقدية، كائن مفارق لطبيعته البشرية.

- (وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ).

- ولو كان النبي معصوما ذاتا، فما حاجته لان يثبّت الله قلبه، أليس المعصوم كما هو المفترض ثابت الجنان، قوي الإيمان، لا يتخلف عن الأمر الإلهي، فضلا عن ارتكاب المعاصي، بينما نجد القرآن يتعامل مع الرسول كبشر، يحتاج الى تثبيت فؤاده، وتقوية إيمانه، كما في رحلتي الإسراء والمعراج، وغيرهما، بما يعمق يقينه، ويعصم نفسه من الخطأ. فهي تهدي وتوجه سلوكه، وهذا لا يصدق على المعصوم الذي هو مهتدٍ بطبيعته. فلماذا يواصل القرآن رعايته، ولا يصرّح بعصمته؟ ربما سيأتي من يقول إن الرعاية المتواصلة هي معنى العصمة، ونقول: إن الرعاية تؤكد أنه ليس معصوما، بل بشرا بحاجة الى رعاية ربانية متواصلة تتناسب مع مهمته كرسول ونبي، يقوم بأخطر مهمة تاريخية.

- وفي غزوة بدر عندما نزل منزل سأله الخباب بن المنذر: (أهذا منزل أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمشورة والمكيدة؟ قال: هو الرأي والحرب، قال هذا ليس لك بمنزل)

- بل واخطأ في قضية تأبير النخيل في المدينة.

- عندما أضل الطريق مع رائده عندما هاجر من مكة الى المدينة. وأساسا لماذا يتخذ رائدا في مسيرته لو كان يعلم الغيب؟ وهذا دليل دامغ على عدم العصمة.

- وهناك من الروايات ما يؤكد سهوه في الصلاة، حتى كان بعض العلماء يعاقب من يقول إن النبي لا يسهو في الصلاة . وهنا استشهد بروايات من التراث الشيعي، لخصوصية العقيدة الشيعية المرتبطة ارتباطا عضويا بالعصمة.

- جاء في بحار الأنوار ج25 ص350 حيث قيل للإمام الرضا وهو الإمام الثامن من الأئمة المعصومين عند الشيعة (إن في الكوفة قوماً يزعمون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقع عليه السهو في صلاته، فقال: كذبوا – لعنهم الله – إن الذي لا يسهو هو الله الذي لا إله إلا هو)

- وقال الشيخ الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه ج1ص234: " إن الغلاة والمفوضة – لعنهم الله – ينكرون سهو النبي  يقولون: لو جاز أن يسهو في الصلاة لجاز أن يسهو في التبليغ لأن الصلاة فريضة كما أن التبليغ فريضة.. وليس سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم كسهونا لأن سهوه من الله عز وجل وإنما أسهاه ليعلم أنه بشر مخلوق فلا يتخذ رباً معبوداً دونه، وليعلم الناس بسهوه حكم السهو . وكان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد يقول: أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

- وجاء في قضاء الرسول، وهو يخاطب المتخاصمين: (إنّما أنا بشر، وإنّكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئاً، فإنَّما أقطع له قطعة من النار) (أخرجه أبو داود). فلماذا لا يحكم بعلمه للغيب، أو لماذا لا يوظّف علمه اللدني، الحضوري؟ ولماذا يؤكد لهما أنه بشر، أي لا يعلم الغيب؟.

فنخلص إلى نتيجة مهمة أن العصمة بمفهومها الأولى تختص بتبليغ الوحي، وفقا للفهم السائد له، وما عدا آيات الكتاب يبقى الرسول بشرا، يمارس حياته، قد يصيب وقد يخطئ، ولا شك بوجود تسديد ورعاية إلهية، لكن الفرق، وهذا هو المهم، عدم حجية سنته باستثناء ماله جذر قرآني كما مر تفصيلا أكثر من مرة حيث تم تقسيم سيرته على خمسة أقسام، ما له جذر قرآني، وما كان حكما ولائيا اقتضته الظروف الموضوعية، فيكون حجة في حياته، وتنتهي فعليته بوفاته، وأما الروايات الأخلاقية فتكون طاعتها من باب التأسي (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ). وبالتالي لا حجية لما يصدر عنه كبشر له حاجاته ورغباته، ولا حجة لآرائه في الشأن العام والسياسة، فهو يتعامل معها وفقا لاجتهاده ومعطيات الواقع، والاجتهاد يصيب ويخطئ، إلا من باب الاستفادة من تجربته، وقد اشرت أعلاه لبعض الأخطاء أو ترك الأولى.

فثمة ثمرة كبيرة في نقد مفهوم العصمة، تمنع دون التشبث بمطلق السنة كأحكام شرعية. خاصة مع كثرة ما نسب للرسول بهتانا وزورا. والخطأ والنسيان ممكن، بل حتى صدور السيئة فهي ممكنة بدليل قوله تعالى: (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا). فأنت يا محمد رسول، وأما سلوكك فأنت مسؤول عنه.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbaw10مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق23) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

العصمة الأسطورية

ماجد الغرباوي: مَن قال بعصمة الأنبياء مطلقا، أو الأنبياء والأئمة على الرأي الشيعي، ذكر أدلة عقلية وتشبث بأخرى نقلية، لاثبات عصمتهم، سواء من قال بالعصمة الذاتية، وأن المعصوم خُلق معصوما لا يصدر منه ذنب ولا خطأ ولا سهو ولا نسيان. أو من اعتبرها منّة وجعلا من قبل الله تعالى.

 ونحن بدلا من مناقشة أدلة جدلية وتأويلات طويلة عريضة، سنناقش أولا إمكانية العصمة بذاتها، فهل العصمة بذاتها ممكنة للإنسان أم لا؟ فإذا ثبت عدم إمكانها وعدم وجود جعل شرعي صريح من الله عزوجل فيها، فلا جدوى من التطرق لأدلتهم لوجود طولية بين القضيتين. فمصداقية العصمة مشروطة بإمكانيتها ذاتيا، فتنتفي بانتفاء الشرط، وستنهار تلقائيا، ما لم يتداركها دليل قرآني صريح في جعلها.

ونؤكد لسنا بصدد مناقشة العصمة في التبليغ، لأنها مرتهنة لمعنى الوحي، كما تقدم، ولسنا بصدد الاستدلال على بطلان العصمة السلوكية، لأنها مرتبطة بالتقوى، فهي ممكنة بحد ذاتها، ومتاحة لكل مؤمن يجاهد نفسه طمعا في السمو والقرب من الله تعالى، فيتصف بالورع والتقوى. بل نريد مقاربة المفهوم بمعناه الأسطوري الذي يتمسك به الشيعة بالنسبة لأئمتهم. حيث حصل انزياح في معناها، وصارت تشير لإنسان مفارق للطبيعة البشرية. فهي صورة مضخّمة، هجرت أو تكاد المعنى الموضوع لها، والمستخدمة فيه، أي خصوص العصمة في تبليغ الوحي، وباتت تشير لدلالات أسطورية، غير واقعية. فهل هي صيغة ممكنة أم لا؟

كما لا يخفى أن العقل حينما يحكم بضرورة العصمة في التبليغ، لا تشمل غير النبي، لاختصاصه بالوحي، غير أن العقل الشيعي اقتضى عصمتهم مثلهم مثل الرسولَ (لاَنّ الاَئمة حفظة الشرع، والقوّامون عليه، حالهم في ذلك حال النبي، والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلافرق)، كما ذكر الشيخ المظفر أحد علمائهم. والسؤال هل حِفظ الشرع والقيمومة عليه تقتضي عصمتهم؟ وهل يحكم العقل بضرورة ذلك؟ وهل يشمل كل من يقوم مقامهم كالفقهاء مثلا؟.

إن اتساع رقعة العصمة مفهوما ومصداقا حتى شملت الصحابة وأئمة أهل البيت تسببت في تفاقم الكذب على الله ورسوله، حيث غدت الرموز الدينية منصة لشرعنة كل رواية تنسب لهم. مما شكل خطرا على مصداقية الدين. فالروايات الموضوعة تتستر بنسبتها للمعصوم، وتضع الفقيه في أسر القداسة، والانقياد للنص ودلالالته. وعندما نعيد النظر في مفهوم العصمة وضروراتها سنقطع الطريق أمام جميع الروايات الموضوعة. ونسمح للفقيه بنقدها ومحاكمتها، كأي نص، قد يتفق أو يختلف معه. بينما يختزل الإيمان بالعصمة دوره في دائرة الاستنباط، ويكرّس التبعية والانقياد، فيكون أسيرا لسلطة النص ومحدداته، مهما جانب الحقيقة.

وفيما يلي أدلة نفي العصمة الأسطورية، التي تجرّد المعصوم خصائصه البشرية، وتضعه في تناقض مع نص آية: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ). حيث مرَّ أن العصمة في حدها الأدني تعني التقوى والورع والاستقامة، وفي حدها الأقصي مفهوم أسطورة، يجسد كل معاني الغلو.

أدلة نفي العصمة الأسطورية

أولا: الامتناع الذاتي

بدءا نقرر قاعدة عقلية عامة، نرتكز لها في تحديد الموقف العقلي من القضايا المخالفة لسنن الكون والطبيعة البشرية، ومنها العصمة، ومفردات الغلو عامة، التي ترتفع بالفرد بمصاف الخالقية، باعتبارها أمرا يخالف طبيعة الإنسان الذي جُبل على الخطأ والنسيان، بل والمعصية، حتى قال عنه تعالى: (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ)، وسيأتي تفصيل ذلك:

(الممتنع عقلا، لا يُحتمل وقوعه خارجا، سواء كان الامتناع ذاتيا، كشريك الباري. أو لعدم تحقق شرطه كاقتراب النار من الورقة شرط لاحتراقها. أو لطبيعة الشيء وتكوينه، كامتناع صدور المعجزات والخوارق الكونية على يد الإنسان حسب طبعه وتكوينه. وما أكد القرآن وقوعه، يُقتصر فيه على مورده). وهذا تعبير آخر عن قاعدة: (ممتنع الوجود ذاتا لا يمكن وجوده خارجا)، حتى مع امكانية تصوره في الذهن، فليس كل ما يمكن تصوره في الذهن يمكن وقوعه خارجا، لتوقف الوجود الخارجي على شروطه الموضوعية. 

 فكل خارق للعادة، مخالف لسنن الكون والطبيعة البشرية (كالعصمة مثالا)، يمتنع وقوعه خارجا، امتناعا ذاتيا. وهذا حكم عقلي عام لا يقبل الاستثناء. وما أكد القرآن وقوعه رغم امتناعه ذاتا، كمعاجز الأنبياء، ليس بالضرورة استثناء من حكم العقل، لأن أحكامه لا تقبل الاستثناء، فتأكيد وقوعها قرآنيا يكشف عن وجود قوانين وأسباب أخرى مجهولة لنا، لذا لا يجوز تعميمها واتخاذها قاعدة يُستدل بها أو يقاس عليها. وأيضا لا يمكن تصديقها في غير موردها إطلاقا ما دامت مجهولة الأسباب إلا بنص قرآني صريح بخصوصها أيضا، لأنها إحدى شؤونه، باعتباره تبيانا لكل شي، لكن رغم ذلك لا تورث إخباراته العلم واليقين ما لم تكن نصاً في موردها. ولا يكفي الظهور، ما لم تكن صريحة تامة الدلالة، غير مجملة. وما عدا الآيات (كخبر الواحد والشهرة) يبقى ظنا، والظن لا يغني من الحق شيئا. وتصديق الخوارق، كالعصمة ومعاجز الأنبياء يحتاج الى علم وجزم نرفع به اليد عن القاعدة العقلية في موردها، لأسباب نجهلها، لا لأنها استثناء منها. كما أنها قضايا خارقة لا يمكن تصديقها لولا إخبار القرآن بها. كجزء من شؤونه، وما يريده قاله في كتابه ولا مصدر آخر له، (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ)، أي تبيان لك ما يخصه من موضوعات، وعصمة الأنبياء إحدى موضوعاته بلا ريب لكنه لم يتحدث عنها صراحة. وأما المعاجز كانقلاب العصا حية فهو مستحيل بذاته، وما أكد وقوعه نقتصر فيه على مورده، عصا النبي موسى، ولا نتعدى لغيرها إلا بنص صريح بخصوصه، لشموله باطلاقات أحكام العقل كما تقدم. وكلامنا ليس عن الإمكان الفلسفي (أي ما يقابل الوجوب والامتناع)، وإنما عن الإمكان الوقوعي، وهكذا باقي معاجز الأنبياء.

ولا يخفى أن المعجزة تكون حجة على معاصري الأنبياء والرسل، وليس علينا، ونحن نصدقها ما أخبر به القرآن، أما ذاتا فهي غير قابلة للتصديق عقلا، لأنها مخالفة لسنن الكون وطبيعة الإنسان، لذا جاء في تعريف المعجزة عند علماء الكلام بأنها (أمر خارق للعادة، مطابق للدلالة، يتعذر على الإنسان الإتيان بها).

ينبغي التنبيه، أن الرؤية المتقدمة مشروطة بواقعية القصص القرآني، وأنها ناظرة للتاريخ وتفصيلاته. أما إذا قدمنا تفسيرا يرتبط بالعِظة، كما صرّح الكتاب الكريم، فحينئذٍ، يقدم التفسير الرمزي، وفق ما يرتبط بالدعوة الدينية. فالقرآن يقصد بأحسن القصص ارتباطها بالهدف الكلي، أي العِظة والعِبرة، كما هو صريح الآية: (لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَابِ ..)، (وَكلاُّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ في هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى‏ لِلْمُؤْمِنِين). بينما يختلف التعبير عندما يقصد الواقع: (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)، (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)، (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ).  وعليه فأدلة النفي الآتية، ستكون في هذا السياق. أي بناء على واقعية القصص القرآني، كما هو السائد لدى الناس وفي التراث الإسلامي.

ثانيا: التنافي بين العصمة والحقيقة البشرية

العصمة أمر خارق لا ينسجم مع طبيعة الإنسان وسنن تكوينه، لأنها تعني: "سلب الإرادة"، لا تسديد الاختيار عندما تكون تكوينية بل وحتى بمعنى المنّة والتفضل من قبل الله. لإن التسديد لا ينفي مطلق عدم الوقوع في الخطأ. وسلب الإرادة يتنافى مع حرية الإنسان، التي هي أمر وجودي. واختياره، الذي هو أساس مسؤوليته: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، وعلى أساسها يحاسب المرء في الآخرة. وعلى أساسها بعث الله الأنبياء، مبشرين ومنذرين، وأوجب على نفسه الثواب والعقاب، كي يكون الإنسان مسؤولا عن عمله بإرادته (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)، (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ). فالعصمة بحاجة الى نص قرآني صريح، ما دامت تعني (سلب الإرادة)، يؤكد جعلها لهذا الشخص أو ذاك، وإلا سيبقى حكم العقل ثابتا في عدم تصديق وقوعها لمخالفتها سنن الكون والحياة، خاصة مفهومها في لغة الغلو، التي ترتفع بالمعصوم إلى مصاف الخالقية، وتمنحه جميع صفاته.

 والأمر سيكون أوضح وفق آخر صياغة مفهومية للمصطلح، كما في البحوث الكلامية المتأخرة، حيث افترضت للمعصوم علما "لَدّنيا"، ذاتيا ليس مكتسبا بالطرق المتعارفة. فثمة ملازمة بين العصمة والعلم "اللدني". بشكل يمكن للإمام أن يعلم ما يريد، متى شاء، وأنى شاء، دون أي جهد معرفي. (أنظر: صاحب الميزان وكتاب العصمة للحيدري). وهذا فهم غريب عن الطبيعة البشرية، مخالف لسننها وقوانينها، فلا يمكن تصديقه إطلاقا إلا بنص قرآني صريح في خصوصه، كي نرفع يدنا عن إطلاقات أحكام العقل في هذا المورد بالخصوص، وحينئذٍ ينفتح باب التأويل لتدارك غرائبيته.

ولا دلالة على العلم "اللدني" في قوله تعالى: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا)، بقرينة من "لدنا" التي تعني من عندنا، وأيضا كلمة "وعلمناه"، التي تستلزم الكسب.

وهذا لا يتنافى مع القدرة المطلقة (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، لأنها مقيدة بآيات محكمات، لا تلغي الأسباب. (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ).

وما يؤكد مخالفته للسنن البشرية قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ)، (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا). وهذا رسول الله وسيد الخلق، والآية بلا شك تنفيه  (تصورا وتصديقا)، أي تنفي كل علم. وكذلك آية المنافقين: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ)، وهذا نفي صريح لعدم علم النبي بهؤلاء المنافقين.  فالعصمة سواء كانت ذاتية أو مجعولة تبقى خاضعة لإطلاقات أحكام العقل المتقدمة، ما لم يدل دليل قرآني صريح عليها.

يمكن تصور إنسان على درجة عالية من التقوى والفقاهة والاعتدال والحكمة، لكن كل هذا لا يخرجه عن طبيعته البشرية، ولا يؤهله لما يسمى بـ"العلم اللدني". بل لا يوجد شيء اسمه (علم لدني)، لأن المعرفة تراكمية، والتفكير عملية عقلية تفاعلية.

ثانيا: انتفاء العصمة بقاعدة الاستصحاب

لا ريب إن الأصل عدم عصمة الإنسان، وعندما نشك بعصمة أحد الناس نستصحب حالته السابقة، ولا نرفع اليد عنها إلا بيقين مثلها .. يقين يورث العلم كي ينقض اليقين السابق، لذا لا يمكن للإمارة (كخبر الواحد) أن تقوم مقامه، لأنها مجرد ظن، والظن لا يغني عن الحق شيئا، رغم أنها تقوم مقام القطع في الأحكام الشرعية، تعبدا لا حقيقة، فتختص بموردها. والعقائد ليست أحكاما شرعيا، وإنما قضايا عقلية. وكل ما موجود من روايات حول عصمة الأنبياء والأئمة هي ظنون لا تغني عن الحق شيئا، فيبقى اليقين السابق وهو عدم عصمة أحد من البشر على حاله. والاستصحاب من القواعد الأصولية المعتمدة لدى الفقهاء الأصوليين، وقد وردت فيه روايات تؤكده. فيكون من باب ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم. وأركان الاستصحاب تامة هنا (يقين سابق وشك لاحق، وحدة القضية، والأثر المترتب عليه)، لا يمكن رفع اليد عن اليقين إلا بيقين مثله، وهو منحصر بوجود دليل قرآني. وأما عقل الإنسان فلا يحكم بوجوب عصمة أحد إلا إذا كان عقلا دينيا، فلا يصدق كونه حكما عقليا حينئذٍ، لأن أحكام العقل مطلقة، كاستحالة اجتماع النقيضين.

ثالثا: العصمة تصادر مفهوم الاقتداء

اقتضت حكمة الله أن يكون الأنبياء بشرا، يمارسون حياتهم الطبيعية، ليكونوا حجة على الناس وقدوة لهم في سلوكهم وفهمهم للدين. وعندما طالب العرب النبي أن يبعث الله لهم ملكا، قال تعالى (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ)، فالرسول يجب أن يكون من سنخ المرسل إليهم، كشرط للاقتداء. وبما أننا بشر اقتضى أن يكون الرسول بشرا مثلنا، في طبيعته وتكوينه، ويبقى الفارق سلوكيا، في درجة التقوى والورع والإخلاص والخشوع لله تعالى. ولو كنا ملائكة لبعث الله لنا ملكا من سنخنا، كي تتم حجته علينا: (قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا). فالكائن المعصوم كما تصوره كتب العقائد لجميع المذاهب الإسلامية، كائن أسطوري، خارج البيئة البشرية، لا يصلح أن يكون قدوة، يتمثل الفرد سلوكه وأخلاقه، (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ).

للأسف الشديد لقد خلق مفهوم العصمة من الأنبياء والصالحين كائنات غريبة، يتحد فيها اللاهوت والناسوت، لا هم آلهة، ولا هم بشر .. فيهم كثير من صفات الخالق، وقليل من صفات الإنسان، كائنات معلقة في الهواء، فخسرناهم قدوة حسنة في سلوكنا، ورحنا نصفهم حيث ما نشتهي، ونخلع عليهم كل ما نأمل فيهم، ونسقط عليهم أمنياتنا، خاصة في خضم صراع طائفي امتد بامتداد التاريخ الاسلامي. المعصوم وليد لمخيال خرافي.

رابعا: تنافي العصمة مع هدف الخلق

العصمة بما هي مفهوم أسطوري، خارق في صفاته المفارقة للصفات البشرية، تتنافي مع هدف الخلق، فالقرآن يقول مخاطبا الإنسان: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ)، والكدح يتطلب سعيا ومثابرة، قد يصيب فيه الإنسان أو يخطئ، وعلى هذا الأساس كتب الله على نفسه الرحمة، والعفو والمغفرة، وفتح أبواب التوبة، لأن الإنسان خطاء بطبيعته. ولا استثناء لأحد، مادامت الآيات القرآنية مطلقة، فكيف يستثنى المعصوم من سنن الخلق؟

خامسا: تنافي العصمة مع المنطق القرآني

مقتضى عصمة غير الرسول من الصحابة عند السنة ولو بمعنى العدالة. والأئمة عند الشيعة، حرمة الرد والتمرد والاعتراض والنقد، مع وجوب الطاعة مطلقا والانقياد التام، بينما أقر الكتاب الكريم بالتنازع، ووضع ضابطة لتسوية الخلافات، بين أولي الأمر، وغيرهم، فقالت الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ).

سادسا: التناقض بين أقوال المعصومين

إن أحد لوازم العصمة أن المعصوم يعلم الأحكام الواقعية، وبالتالي فيصدق أنه يملك الحقيقة المطلقة، وما يقوله مطابقا للواقع ونفس الأمر، غير أن التعارض بين أقوالهم مثّل مشكلة حقيقية على طول التاريخ، حتى وضع الأصوليون قواعد لرفعها، سمي باب (التعارض والتراجيح)، إضافة إلى تعدد الآراء في المسألة الواحدة، خاصة في تفسير الآيات القرآنية. وهذا يناقض حقيقة العصمة، وشروطها، خاصة الرأي الشيعي، الذي يتعامل مع أقوالهم بنفس المستوى من العصمة، وقد ابتلى بهذه الضابطة العقدية.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi10مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق22) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي. 

العصمة.. المفهوم والدلالة

س92: مهدي الصافي: هل هناك نوع من العصمة لآل البيت، أم هم مجرد عباد صالحين؟. وهل يتفق السيد الغرباوي مع اراء السيد محمد حسين فضل الله حول العصمة؟

ج92: ماجد الغرباوي: لا يخفى حجم ما يترتب على العصمة كمبدأ عقدي، نفياً وإثباتاً. خاصة المجتهد وهو يستنبط أحكاما وفتاوى شرعية. فمن يؤمن بها، تقتصر مهمته على تفسير وتأويل وتوجيه أقوال المعصوم دون نقدها أو التشكيك بها، باعتبارها نصوصاً مقدّسة، واجبة الطاعة، وما يقوله وحي: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ)، فتستمد حقيقتها من عصمته. لذا قالوا بحجية مطلق سيرته. بينما يتمادى بالنقد من ينفي العصمة، حداً تسقط عنده قداسة وحجية سيرة الأنبياء. بهذا يتضح "أن القداسة / العصمة سلطة معرفية موجّهة، تحدّ من حرية المجتهد / الباحث / المفكر الديني، وتسلبه خيار القراءة المفتوحة للنص، عندما يفرض محدداته، ومديات الانفتاح والتنقيب. فقد يعتقد الباحث أنه حيادي ويمارس كامل حريته في نقد وتفكيك النصوص المقدّسة، لكن الحقيقة أن إيمانه بعصمة النبي / الإمام / الصحابي، تفرض عليه التحيّز، بشكل تقف قراءته عند حدود التأويل والشرح والبيان، دون النقد، فيخضع لا شعوريا لسلطة النص وقدسيته، باعتباره مطلقا. فمهمة الفقيه مثلا استنباط الأحكام من ذات النص كمرجعية معرفية نهائية لا يطالها النقد، ويُرجع الخطأ إذا وقع للتطبيق أو قصور الفهم، لأن النص الديني لا يتنازل عن عليائه، عصي على النقد والمراجعة، ينتظر من يستنطقه ويكشف مدلولاته دون المساس بقداسته. فتكون قراءته منحازة بالضرورة، يقتصر فيها على اقتناص مداليل تجدد رؤيته وفهمه. والبحث عن مبررات كافية لمواجهة التحديات. من هنا يصدق أن وعي الباحث الديني / الفقيه / المفكر وعي مغلق، دائري، يستفزه نقد المقدّس. ويرابط داخل مدارات النص، مهما كانت قصية، إلا أنه لا يخرج عليه، ولا يشك بصدقيته. فالمعرفة الدينية محدودة الخيارات، لا تخضع للتجربة ومحاكمات العقل. وهذه هي قوة المقدّس وقوة سلطته المعرفية. فالعصمة مجموعة تابوهات، تحد من حرية القراءة". (النص وسؤال الحقيقة).

قبل البدء بتعريف العصمة وحدودها ومصاديقها، نستعين بمثل من التراث الشيعي، لتوضيح فكرة العصمة ودورها في فهم الظواهر والنصوص. ومدى تأثّر الفرد بها نفيا وإثباتا، حيث تختلف زاوية النظر. وكمثال عملي لبيان أثر مفهوم العصمة في تفسير الروايات نضرب مثلا برواية مشهورة عن الإمام الرضا تاسع أئمة أهل البيت، يرددها خطباء المجالس الحسينية في كل مناسبة. والرضا إمام معصوم وفقا للعقيدة الشيعية. وقد عاصر المأمون العباسي، وقَبِل ولاية عهده. جاء فيها، بناء على صحتها:

دخل الشاعر دعبل الخزاعي على الرضا فأنشده قصيدته الخالدة:

مدارسُ آيات خلت من تلاوة  *** ومنزلُ وحيٍ مقفرُ العرصات

تقول الرواية فانهار الإمام من البكاء، هو وعياله الذين ضرب لهم سترا كي يصغوا لإنشاد دعبل. وقبل خروج الشاعر كما ذكرت: (أنفذ إليه الإمام "عليه السلام" جُبَّةَ خزٍّ مع الصرَّة "صرة فيها 100 دينار"، فأخذ دعبل الصرَّة والجُبَّة وانصرف).

وهنا سيختلف تفسير المتلقي وفقا لإيمانه بالعصمة وعدمها. فمن يؤمن بعصمة الإمام يعتبر الرواية دليلا شرعيا على جواز إن لم يكن استحباب، إقامة مجالس العزاء للإمام الحسين، وربما يستفيد منها بعض الفقهاء أحكاما أخرى، لحجية قول الإمام وسيرته. وأيضا يمكن الاستفادة من الرواية جواز الإسراف في نفقات المجالس الحسينية، فما دفعه الرضا لدعبل يعتبر هائلا آنذاك. مع أن الرجل لم يقم بأي عمل سوى أنه أنشد شعرا. بل تذهب بعض التكهنات إلى وجود فلسفة عميقة، وراء تصرف الإمام، وليس هناك إسراف كما يعتقد الناس. والضرورات تبيح المحظورات، كما هو معروف عندهم. وبالتالي فمن يؤمن بالعصمة يعتبر سيرة الإمام (قوله وفعله وتقريره) حجة شرعية، لذا امتد عصر النص لدى الشيعة حتى نهاية الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر، المهدي 329هـ.

وأما من ينفي عصمة الإمام فله تفسير آخر في ضوء الواقع ومعطياته، والأحداث التي رافقت إمامة الرضا. وربما يجرد الحدث من بعده الديني والشرعي. فيعتقد أن الإمام الرضا رجل سياسة، بدليل قبوله ولاية العهد من المأمون العباسي، وكان يحضر مجلسه بلباس يتناسب مع مقامه، أي أنه تلبّسَ بالفعل السياسي والخلافة وأتكيتاتها حقيقة، وليس تقية كما يعتقدون. وكان اختيار المأمون محسوبا سياسيا، فالرجل رمز كبير، وله قاعدة شعبية، وينتمي لبيت معارض سياسيا، طالما أقلق الخلفاء الأمويين والعباسيين. والرضا يعلم بجميع هذه الحيثيات السياسية، فهو بحاجة ماسة لتماسك قاعدته الشعبية التي هي رهان مكانته الدينية والسياسية. وليس كقضية عاشوراء ورمزية الإمام الحسين شيء قادر على رص صفوف الشيعة، ممن اتسمت مواقفهم مع الأئمة بالتذبذب والانشقاق. فيأتي تكريمه لدعبل بهذا الاتجاه، وأيضا شدة بكائه وانهياره. والشاعر أيضا عرف كيف يداعب مشاعره، عندما تحدث عن مظلوميتهم أكثر من فضائلهم. لأنه يعلم جيدا أن هذا ما يريح الإمام، وهو رجل يتكسب بشعره، وكما للسلطة شعراؤها، فكذلك المعارضة. فيصدق عنده أن الإمام لجأ للشعائر لتعويض شرعيته، خاصة الدينية التي مرت بأزمة حقيقية، وموقف صعب مع وقوف الواقفة على أبيه موسى بن جعفر، وعدم الإيمان بإمامته. والواقفة شخصيات فقهية شيعية كبيرة فيها الحسن بن فضّال وعلي بن الحسن بن فضّال، وغيرهما، ولم يستطع الإمام رغم مكانته أن يقلل من قيمتهم العلمية، فحينما سُئل ماذا نفعل بكتب بني فضّال، وبيوتنا ملآى منها،  قال الرضا: "خذوا ما رووا، وذروا ما رأوا".

وبالتالي فثمة فارق تأويلي هائل بين التفسيرين سببه الاعتقاد وعدمه بعصمة الأئمة. فهي سلطة موجهة ومحددة يخضع لها العقل الإيماني، بل ويعيد تشكيل صورة الرمز المعصوم بما يتناسب مع حاجاته النفسية، لتبرير طاعته المطلقة. الغلو يتناسب طرديا مع روح الانقياد والتبعية. كلّما تعمقت روح الانقياد، كلّما تصاعدت وتيرة الغلو. وهذا مكمن الخطر حينما تصبح الخرافة مقياسا للتفاضل، بينما ميزان التفاضل قرآنيا: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). (فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً). وعندما امتدح الرسول الكريم قال: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ).

العصمة ليست مفهوما عاديا، بل تؤثر في فهم الواقع، وفقاً لزاوية النظر، ومستوى الإيمان وعدم الإيمان بها، حد التقاطع وربما التابين التام. فالاختلاف أمر عادي، وهي كغيرها من المفاهيم المراوغة لا تصد الأسئلة والاستفهامات، ويبقى الباحث يلاحق الحقيقة أينما كانت. لا يقتنع بالأجوبة التبريرية، وينأى عن منطق التبجيل من أجل فهم الواقع وملابساته. الحقيقة تتطلب نقدا وتحليلا لجميع الظواهر، خاصة الأحداث المهمشة، والمستبعدة، كظاهرة الواقفة التي كانت منعطفا تاريخيا، لولا براعة الخطاب الرسمي، وقدرته على مواراة الحدث بتهمة شيوخ الواقفة بسرقة أموال الإمام الكاظم، وعدم تسليمها،  للإمام الرضا، الإمام الشرعي، كما يفهمه ذات الخطاب.

المفهوم والحقيقة

إن صدقية العقائد التي ظهرت بعد وفاة الرسول، تتطلب معرفة ظروف نشأتها، ومسارها التاريخي، وفلسفتها والأجواء الثقافية والسياسية والدينية والفكرية المحيطة بها. فالعقائد والمفاهيم لم تأت من فراغ، بل مهّدت لها ضرورات مذهبية وسياسية. وقد بينت سابقا أسباب ظهور مصطلح (خليفة رسول الله) و(الخلفاء الراشدين). لكن الأمر لا يقتصر عليهما. فمن المفاهيم التي لها ذات الصفات هو مفهوم العصمة عند الشيعة، وهو كما تقدم: معادل موضوعي لمفهومي عدالة الصحابة ورشد الخلفاء، في تقديسه للرموز الدينية والارتفاع بهم فوق النقد والمساءلة. فعندما تسمع بمفهوم العصمة تسأل فورا عن مبرراتها، ودوافع الإيمان بها. فهي أقدر مفهوم على التقديس، ونفي مطلق الخطأ بشكل غرائبي، لا ينتمي للطبيعة البشرية. فينتابك قلق حينما تشك بموقف ما، وليس أمامك سوى التبرير بسبب عصمته. فعندما يؤمن المسلم بعصمة النبي في التبليغ، يجد مبرراتها في خطورة الرسالة وأهمية الحفاظ عليها، كي تصل مباشرة للناس بأمان. فعصمة التبليغ تبغي إلقاء مسؤولية فهم القرآن على المسلمين أنفسهم. لكن حينما تسمع بعصمة أئمة أهل البيت وفقا للمذهب الشيعي، ينتابك الشك مع انقطاع الوحي، فيكون السؤال مبررا جدا.

قد يقال أن العصمة ضرورة لمعالجة الخلل السندي في رواياتهم. باعتبارها روايات مرسلة عن أئمتهم فلا قيمة توثيقية لها بدونها، كما سيأتي. لكنه ليس بإشكال وجيه، لأن الخلل السندي لا يعالج بالعصمة، بمعنى حق التشريع أو استمراره. ومن يصر على عصمتهم لهذا السبب بالذات يعترف بضعف أسانيد روايتهم حدا لا يمكن معالجته إلا بالعصمة، وهذه سلبية خطيرة، تضع المذهب الشيعي في دائرة الشك والارتياب حول مصادره التشريعية. فتنقلب أسانيد الروايات إلى إشكالية معقدة. لذا ثمة طريق أسهل لمعالجتها، أعرضه في محله. فالعصمة فهم قوامه اللامعقول الديني. صحيح أنت تتلقى من إنسان وتتعامل مع بشر كغيره من الناس، لكنك تحتفظ له بحقيقة مغايرة، حقيقة مؤسطرة بفعل خطابات القداسة والتنزيه التي أدمنتها في مرحلة التلقي الأولى.

تعريف العصمة

العصمة لغة: تعني الحفظ والامتناع، كما في قوله تعالى (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ). ويقصد بها أيضا: رِباطُ الزَّوجِيَّة، يحلُّه الزوجُ متى شَاءَ. "وعِصْمة: مصدر إِعتَصَمَ".

وتعني اصطلاحا: مَلكَة أو قوة تعصم الإنسان عن ارتكاب المعاصي. أو كما في المعجم الوسيط (العِصْمَةُ): "مَلَكةٌ إِلهيةٌ تمنَعُ من فعل المعصية والميل إِليها مع القُدْرةِ عليه".

حدود العصمة

اختلف المسلمون في حدود العصمة، بعد اتفاقهم على عصمة النبي في تلقي الوحي وتبليغه، وفقا لقوله تعالى (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). فهل المعصوم معصوم عن ارتكاب كبائر الذنوب أم صغائرها أيضا؟ وهل هو عصمته منذ ولادته حتى مماته أم بعد نبوته إن كان نبياً؟. وذهب بعضهم: بعدم صدور مطلق الذنب صغيرا كان أم كبيرا، بل حتى النسيان والسهو ممتنع عليه. 

واختلفوا حول مصدر العصمة، هل هي مجعولة من قبل الله تعالى، أم هي ذاتية له، فيكون مجبولا عليها؟. بينما توسّع آخرون بمفهومها، وراح بعضهم يفترض لها لوازم، كوجوب الولاية التشريعية للمعصوم، بل وحتى التكوينية. وأضاف آخرون أمورا خارقة لا يمكن للبشر الاتصاف بها، كوجوب العلم اللدني (في مقابل المكتسب أو الكسبي) للإمام المعصوم، ومعرفته كافة اللغات، ومنطق الطير والجن إلى آخر القائمة التي تتشعب باستمرار. وكل هذا خارج الموضوع، وما يهمنا معرفة حقيقة العصمة. نكتفي بمفهومها عند الشيعة بقول الشيخ المظفر في كتابه عقائد الامامية، وهو تعريف معتدل جاء فيه: (ونعتقد ان الاِمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش، ما ظهر منها وما بطن، من سنّ الطفولة إلى الموت، عمداً وسهواً). وتعليل هذا (لاَنّ الاَئمة حفظة الشرع، والقوّامون عليه، حالهم في ذلك حال النبي، والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلافرق). وهناك تعريفات لغيره من علماء الكلام الشيعة. وأما باقي المذاهب الإسلامية فغير معنيين بالإمة وشؤونها.

تنبيهات أولية

1- إن مفهوم العصمة، كما في علم الكلام القديم، وفي كُتب الملل والنحل، يرتكز إلى صورة نمطية للوحي، تختزل النبي بالمرآة العاكسة. أو مجر مراسل، مهمته إيصال رسالته للعالمين. وهذا واضح في استدلالاتهم العقلية على وجوب عصمة الرسول، كقولهم: (إنّه لو جاز عليه السهو والخطأ، لجاز ذلك في جميع أقواله وأفعاله، فلم يبق وثوق باخباراته عن الله تعالى، ولا بالشرائع والاديان، لجواز ان يزيد فيها وينقص سهواً، فتنتفي فائدة البعثة). لكنها قد تفقد قيمتها العقدية حينما نقدم تفسيرا آخر لظاهرة الوحي، تأخذ بنظر الاعتبار قبليات النبي وثقافته في فهم الوحي، فيكون منتجا ثقافيا. فلا يبقى دور للعصمة حينئذٍ، ويكون التفاعل حقيقيا بين الوحي وخلفية النبي، وما يختزن من تصورات وأفكار. وبالتالي فالعقل لا يحكم بعصمة الرسل والأنبياء إلا بناء على التفسير النمطي لمعنى الوحي. والهرمنيوطيقا اليوم تقدم فهما مغايرا لهذه الظاهرة، فهي عندهم تجربة دينية خاصة، والوحي ما يعيه النبي ويفهمه وفق مبادئ أولية كالتوحيد. وهذا لا يقدح بأصل الرسالة، وما تقدمه من مفاهيم وأفكار حول الخالق والكون والإنسان. والكلام في محله.

2- ثمة تفسير عقلائي لمفهوم العصمة، حينما تتقوم بالتقوى والورع والخوف من الله، فتكون ممكنة جدا. بمعنى أن النبي أو الإمام قد نزّه نفسه عن المعاصي، والذنوب كبيرها وصغيرها، فكان معصوما منها، وهذا مصداق للتقوى التي تحدثت عنه آيات كثيرة، ووصفت أصحابها بالمتقين. وهذا الفهم يقول به جملة من العلماء خاصة الشيعة. وهو أمر ممكن بل هدف أساس للإنسان المؤمن. وتسمى بعصمة سلوكية أو تنزيهية. متاحة لكل إنسان، مادامت جهادا داخلية. وحينما تناط بالمؤمن المتقي مسؤوليات دينية، تناط به حينما يتسامى أخلاقيا، وتصبح لديه مَلَكَة تحول دون ارتكاب المعاصي والذنوب. بل أن المجاهدة الداخلية تفتح آفاقا معرفية للمؤمن، بفعل نقاء القلب والسريرة: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ). لكن لا يلزم من العصمة السلوكية الأعلمية والفقاهة. فإن لكل واحدة منها أسبابها الطبيعية، ومن باب أولى ليس للعصمة بهذا الفهم حق التشريع. ولا يلزم منها علم الغيب ولا علم "لدني"، (أي علم حضوري، وليس علما حصوليا وكسبيا). ولو ثبت شيء منها للمعصوم بهذه العصمة فبدليل آخر، غير الملازمة. ولا يلزم أن يكون معصوما منذ ولادته، بل معنى لهذا كما سيأتي توضيحه. ويمكن صورة مسبطة لمعنى العصمة، (أن يكون المعصوم أمينا صادقا في نقل الوحي، لا يتعمد الكذب). 

3- ماعدا العصمة السلوكية مفاهيم تطورت بمرور الأيام بفعل حاجات طائفية ونفسية وسياسية، في ظل ثنائية السلطة والمعارضة. بعضها يدخل ضمن اللامعقول الديني، بل وحتى الخرافة. وقد تأثرت أيضا بالتحديات والتنافس الحاد لتعضيد الرأسمال الرمزي للمذاهب والفِرق الدينية.

4- يؤكد الكتاب الكريم أن النبوة لا تخرج النبي عن كونه بشرا، له ما للبشر من خصائص، التي منها وجود استعداد فطري للخطأ والنسيان والسهو، وستأتي الأمثلة. بل أكد الحديث النبوي المعروف "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، باعتبارها قضايا فطرية، تحصل لكل إنسان. فمن الآيات الدالة على هذا قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ)، وقوله: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا). في رده على من طلبوا منه معجزات خارقات، فكيف تنسب الخوارق مجانا لغير الله؟وبالتالي حصل انزياح في معنى العصمة، وصارت تشير للإنسان الكامل. أو الإنسان المفارق للطبيعة البشرية، فهي صورة مضخّمة، هجرت أو تكاد المعنى الموضوع لها، والمستخدمة فيه، أي خصوص العصمة في تلقي الوحي وتبليغه، وباتت تشير لدلالات أسطورية، غير واقعية.

5- يتفق السيد محمد حسين فضل الله معهم حول ضرورة العصمة في الوحي والتبليغ، باعتبارها ضرورة عقلية، لكن يختلف معهم حول حكم العقل بعدم سهو المعصوم، فهو لا يرجى ضرورة عقلية لعدم سهوهه. وليس رأيه بل صرح أنه رأي الشيخ الصدوق في القرن الرابع الهجري،  وابوه وأستاذه محمد بن الوليد. ويؤكد (إن أول الغلو نفي السهو عن النبي). وأرى أن رأي السيد فضل الله مع الاتجاه الهرمنيوطيقي في فهم الوحي، غير أنه لم يصرّح تماما، لكنه راح يبين الأدوار المختلفة للرسول، ليخرجه عن كونه مجرد مبلغ للوحي.

ويبقى الأهم معرفة مدى إمكانية العصمة بمفهومها المتداول في علم الكلام القديم، وكتب الملل والنِحل؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi9خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق21) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

أولي الأمر

ماجد الغرباوي: رغم أن طاعة أولي الأمر واجبة في الشريعة الإسلامية إلا أنها طاعة مقيّدة، كما في آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا). مما يستدعي معرفة طبيعة القضايا المناطة بهم، لتفادي أي إطلاق، يجعل من الآية دليلا شرعيا، لتكرّيس الانقياد، وتغدو فتاواه ذريعة بيد السلطة لقمع المعارضة، ومصادرة حرية الشعب باسم الطاعة الشرعية للولي. بينما يظهر من الآية أن ولاية أولي الأمر تختص في قضايا تحتمل بطبيعتها الاختلاف والتنازع، وتحتاج دائما لمرجعية أعلى لتسويتها. إلا أنهم فسّروها بالشريعة والسُنة النبوية. مما يعني إطلاق يد السلطة مادام ولي الأمر ملتزما ولو ظاهرا بهما، وهذا خلاف ظاهر الأمر اضطرهم الفراغ التشريعي للتمسك به.

إن الآية أعلاه من آيات التشريع، وتشكّل إحدى مرجعيات العقل الفقهي، وما لم نعد النظر في فهمها والكشف عن دلالاتها الحقيقية، وبيان سلطة أولي الأمر، ومرجعيات تسوية النزاعات، تبقى دليلا لشرعنة السلطة، وتزوير الوعي باسم التشريع. من هنا تكتسب أهمية خاصة في نقد العقل الفقهي. ومن يدقق في الآية يجد ثمة ملازمة بين سلطة أولي الأمر والرد إلى الله ورسوله. فهل تتوقف شرعية سلطتهم على وجود الرسول أم يكفي كتاب الله وسنته؟ وهل المقصود خصوص التشريع أم شخص النبي كقائد أعلى؟.   

يقصدون بأولي الأمر، كل من تصدى لشأن من شؤون الأمة. وفي اللغة: (أَوْلَى فلانًا الأَمرَ: جعله واليًا عليه). وأما اصطلاحا كما هو متسالم عندهم، فيقصد به أولياء أمور المسلمين، سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية. ويمكن اختزاله إلى: "كل من يتحمّل مسؤولية إدارية"، وبعضهم أضاف لها "أو دينية". وأولي الأمر عند الشيعة خصوص الأئمة الإثني عشر، ومن له نيابة خاصة كالسفراء الأربعة في زمن الغيبة الصغرى. أو من تشمله النيابة العامة، وهم الفقهاء.

والأهم من ولاية أولي الأمر صلاحياتها، في ضوء شرط الآية. ومعرفة القدر الذي يجب على المسلم طاعتهم فيه؟. ذهب الشيعة إلى اختصاص الولاية بالأئمة، ولهم ما للرسول من صلاحيات مطلقة. بينما لا فرق عند السنة بين مؤمن وآخر في الولاية متى تصدى لشأن من شؤون المسلمين، استنادا لإطلاق آية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). شريطة أن تكون طاعته بعدم مخالفة الشريعة، (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا). وحدود عدم مخالف الشريعة عدم ارتكاب الفحشاء والمنكر والبغي والظلم: (إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

وكلا الاتجاهين أو التفسيرين كرّس مطلق الطاعة لأولي الأمر، واقتصر الاختلاف على مصاديقها، بين الأئمة ومطلق أولي الأمر، لكن الصلاحيات وشروطها التي تهمنا جدا، تكاد تكون مشتركات تشريعية بين المذاهب. وقد تمادى الفقه السلطاني في شرعنة سلطة أولي الأمر، متجاوزا بذلك القدر المتفق عليه بعدم مخالفة الشريعة، فكانت الفتاوى تحث على الطاعة والانقياد وحرمة التمرّد والعصيان. بل والأكثر أن التراث قد أسس لرؤية ثابتة، راح اللاحقون يقتدون بها، باعتبارها صيغة شرعية، تؤيدها الروايات، وهي أخبار مشكوكة، تتناقض مع أبسط مقومات الشخصية المؤمنة. حتى سوّغ بعضهم ولاية الفاسق، وقالوا بوجوب الصبر على أوامر السلطان الظالم والفاسق، وعدم جواز الخروج عليه، لقمع المعارضة وتبرير سلطة الخليفة. فابن كثير، مثلاً، أكد أن يزيد بن معاوية (إمام فاسق) لكنه يقول مع ذلك: إن (الإمام إذا فسق لا يُعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل ولا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة، ووقوع الهرج، وسفك الدماء الحرام، ونهب الأموال، وفعل الفواحش مع النساء وغيرهن، وغير ذلك مما كل واحدة فيها من الفساد أضعاف فسقه كما جرى مما تقدم إلى يومنا هذا...).

الصحابة وأولي الأمر

إن منصب الخلافة / أولي الأمر كان أهم منصب بعد وفاة النبي، اجتمعت فيه وحدة السلطتين الدينية والزمنية، وتم استغلاله وتوظيفه بعد انقضاء عصر الراشدين. والمعروف تاريخيا أن الصحابة اختلفوا بادئ الأمر حول صفة الخليفة، فهل هو خليفة الله أم خليفة رسول الله؟، فاتفقوا على الثاني، ولقبوا الخلفاء بلقب "خليفة رسول الله"، وعضدوه بآية وجوب طاعة أولي الأمر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ)، فراح يتبادر من المفهوم وحدة الصلاحيات، وأن وليّ الأمر / الخليفة كرسول الله في ولايته المنصوص عليها قرآنيا، والملزمة شرعا، فتكون مطلقة. فمصطلح "خليفة رسول الله" مرر حزمة مفاهيم كرّست قداستهم وعصمتهم، وإن لم يصرحوا بذلك. لكن مواقف المسلمين ومشاعرهم تؤكد هذا المعنى. وهو تزوير واضح مع عدم وجود دليل صريح، بل الآيات فصّلت بين سلطة وولاية الرسول، التي هي مطلقة، ملزمة، شاملة، وبين سلطة وولاية أولي الأمر، التي هي محدودة، ومقيدة. لا إطلاق لطاعة أولي الأمر في كل ما يفعلون ويقولون ويقررون، بل هم ملزمون بتعاليم الإسلام. وآراؤهم آراء اجتهادية، تفرضها قبلياتهم، وظرفهم، وتنتهي سلطتهم وولايتهم عند أول نزاع حول الصلاحيات التنفيذية. كما ليس هناك دليل على إطلاق هذه الولاية والسلطة بعد وفاة الرسول. رغم وجوب طاعة أولي الأمر، ما دامت وفقا للقانون ولمصلحة البلاد والشعب. لكن الكلام حول وجود دليل شرعي وعدمه، لنكتشف حجم التزوير، سواء كان مقصودا أم لا، غير أنه أثّر، وما زال يؤثر في الوعي السياسي للمسلمين، ويحرّم أية مقاربة نقدية لعهد الراشدين رغم إكتظاظ الأسئلة والاستفهامات والشكوك التي تنتظر إجابات صريحة، حتى وإن انهارت قداسة تلك الفترة التاريخية. بل بقيت بعض القضايا مهمة تئن تحت وطأة الأسئلة والاستفهامات، لا يمكن مقاربتها، خوفا من الطعن بقدسية الصحابة. والدليل أن الآية الكريمة تقصدت استخدام كلمة "تنازعتم"، في تحديد موضوع سلطة وولاية أولي الأمر، كي لا يتبادر لذهن القارئ إطلاق ولايتهم وسلطتهم خارج موضوعها، الذي هو مجموعة صلاحيات إجرائية، يكون النزاع فيها متوقعا عادة. فالآية بصدد ضابطة لحسم النزاعات مع احتمال وقوعها. فطالبتهم بالعودة للنبي الذي منحهم تلك الصلاحيات، فهو أعرف بتسويتها. وأما لفظ الجلالة في الآية فقد جاء لتأكيد سلطة الرسول ووجوب طاعته في هذا الخصوص. ولو كان موضوع الطاعة والسلطة والولاية غير ذلك لأحالت الآية على الكتاب الكريم، باعتباره تبيانا لكل شيء. لذا قلت لا يوجد إطلاق للآية لما بعد وفاة الرسول، أي الجهة المخولة بحسم النزاع. ولا يوجد في الآية ما يستدل به على شرعية أية سلطة أخرى. فنص الآية استخدم تقنيات تعبيرية، حدت من التكهنات حول سلطة وولاية أولي الأمر خارج صلاحياتهم التنفيذية، بل وخارج سلطة الرسول. أي أنهم أولو أمر بإشرافه وتوجيهه، فتنتهي بوفاته. وتبقى لهم ولاية بمعنى الإدارة وتدبير الأمور بتخويل دستوري محدود، لايمنحه حق مصادرة حرية الفرد والجماعة. فالآية رغم سكوتها، قالت كل شيء، وعندما نفكك النص، نكتشف موقف القرآن من أولي الأمر، فليست هناك ثقة مطلقة في الحكم والصلاحيات لأي شخص، مهما كان عدد روايات الفضائل وصحة صدورها. القرآن هو الأصل والأساس، والكل يخضع لمنطق الآية وما تضمره من دلالات وأنساق معرفية وتشريعية.

الآية في أعماقها تتحفظ على السلطة والولاية، لا أنها تشرّع، كما هو المتبادر والمتعارف في تفسيرها. بل تتوجس من تخويل الناس سلطة باسم الدين والتشريع. فلاحظ دقة تعبير الآية في نهايتها: (إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، أي أن الآية وضعت في حساباتها إحتمال تمردهم!! والاستبداد بسلطتهم، فحثتهم على الرجوع للرسول لحسم الأمور وعدم التمادي بالسلطة واستغلالها، فـ (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا). ولو كانت الآية بصدد تخويل أولي الأمر سلطة ذاتية مطلقة، فلا داعٍ لخاتمتها. فنهاية الآية قرينة على تشخيص المعنى.

وإذا قيل أن المقصود بالتنازع، خصوص النزاع بين الناس وأولي الأمر، وليس بين أولي الأمر أنفسهم. فولايتهم وسلطتهم لا تنخرم بالنزاع، بل تسوّى من خلال الكتاب الكريم وروايات النبي. وهذا الاستدلال ليس ظاهرا، لأن القضايا التي يمكن تسويتها من خلال الآيات والروايات هي القضايا التي يختلف في مفهومها وجعلها، فلا يعبر عنها بالنزاع بل بالاختلاف، وسوء الفهم والتشابه وغيرها من ألفاظ. لكن الآية عبرت بدقة عندما استخدمت مفردة "نزاع". أي نزاع حول شيء يملك أو يخضع لإرادتك، وهي الصلاحيات، سواء وقع النزاع بين أولي الأمر أنفسهم أو بينهم وبين الناس. كما أن طاعة الرسول في الآيات الكريمة طاعة تنفيذية وفي القرارات القيادية، حيث فرضت عليه الظروف وضعا يتطلب طاعة مطلقة، فجعل طاعته امتدادا لطاعته. وفرضت الآية طاعة مشروطة لأولي الأمر الذين يتلقون أوامرهم من النبي القائد، لذات السبب. فالآية ناظرة للقضايا التنفيذية والإجرائية، خاصة أن سياقها العام يتحدث عن المرافعات القضية يكون النزاع فيها متوقعا، ولا يمكن الاستدلال بها على حجية سنّته، بل ولا يوجد ما يدل على ذلك بآية صريحة، والتفصيل في محله. وبالتالي، فسلطة أولي الأمر محدودة وتختص بعهد النبي. فالقراءة النقدية للنص ستضعنا أمام اكتشافات معرفية مهمة، تجعلنا نتوقف في كل رواية تخص السلطة والولاية. فلا ولاية بموجب هذه الآية الكريمة. ويبقى كل حاكم مسؤولا عن سلوكه ومواقفه وقراراته والدماء التي سفكت في عهده، والثروات التي تبددت، والإنسانية التي استباح كرامتها وحيثيتها، وما لحق الدين من تصدع في مفاهيمه وقدسيته. فالآية حتى وإن كانت صريحة لا تعفي الخلفاء عن مسؤولياتهم، فكيف وهي لم تثبت لهم سلطة ولا ولاية. وهذا لا ينفي كما قلت وجوب طاعة أولي الأمر في السلطة باعتبارها ضرورة لضبط الأمن، وسيادة النظام والاستقرار. وكشاهد على ما تقدم، اقرأ الآيات الخاصة بها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا). فطاعة الله ذاتية، وله حق الطاعة مطلقا على عباده، وقد جعلها لرسوله في عدد من الآيات، لضرورات اقتضتها الرسالة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)، وهي طاعة مطلقة، بينما طاعة أولي الأمر مقيدة رغم صرامة النصوص المفترضة بالولي: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).

من هنا بات واضحا أن مفهوم الخليفة، كرّس الاستبدادين الديني والسياسي من خلال مكره ورمزية مراوغاته، عندما وحّد السلطتين الدينية والسياسية في شخص الخليفة، ومنحه سلطات واسعة، هي ذات سلطات الرسول باعتباره خليفته. فيجب طاعته وعدم الخروج عليه.

النظام الديني للمسلمين مهما اختلفت صيغه هو حكم ثيوقراطي، يكرّس سلطة الحاكم الأعلى ويحرّم الخروج عليه، ويمنحه سلطات واسعة. وهو نظام ينسجم مع القيم القبلية، ويتناغم مع وعي الفرد في نظرته وتقديسه لشيخ العشيرة. بل، كما تقدم، تم قراءة النصوص بوعي قَبَلي، منحاز، كرّس سلطة الاستبداد. وأخضع الشورى التي أكدت عليها الآيات لذات الفهم، فهي غير ملزمة للخليفة بنظرهم، ويبقى الخيار له في اتخاذ القرار النهائي. بينما آيات الشورى واضحة، تلزم النبي بالعزم واتخاذ القرار بعد التشاور، فيكون قرار الشورى ملزما ولو بشكل غير مباشر. لكن جوهر القرار يمثل رأي الشورى، الذي في ضوئه اتخذ النبي قراره. والشورى محصورة في القضايا الإجرائية والتنفيذية التي تتطلب تنوع الخبرات، فتكون ملزمة لحيثية الخبرة والاختصاص وتراكم التجربة، لا مجاملة أو اعتبارا لذات الأشخاص. والفرق كبير وواضح. فتارة نشاور بعض الشخصيات مجاملة لتمرير القرار وعدم الاعتراض عليه من قبل الشخصيات المؤثرة في المجتمع. وتارة نشاور أهل الخبرة ونستفيد من خبراتهم وتجاربهم في اتخاذ القرار. والثاني هو المراد من الآية. غير أن قرارات الخلفاء كانت تطاع باعتبارها تمثل الشرعية، وسلطة الرسول، وما الخليفة سوى خليفة رسول الله في صلاحياته. والحقيقة أن النبي لم يخلف أحدا بنص صريح، واضح لا لبس فيه، ولم يخوّل شخصا بأية سلطة وصلاحيات دينية وغير دينية، بل كان التكليف مقتصرا كما تبين من الآية على حياته حينما كان المرجع المختص شرعا بفض النزاعات، التي قد تحدث بسبب الإجراءات التنفيذية وصلاحياتها المحدودة. فنقل هذه الصلاحيات كاملة لما بعد وفاته، تحتاج لدليل، وهو مفقود، فينبغي وعي مفهوم أولي الأمر بشكل لا يسمح بتمدد الخليفة، بما يوحي وحدة الصلاحيات بينه وبين الصلاحيات النبوية.

وبالفعل طالما أكدت الآيات: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، وقد صدق دعواه بالوحي وما نزل عليه من القرآن، (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). فسلطته سلطة إلهية حقيقية (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا)، ولم يجعلها لأحد من بعده: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). وبوفاته أنتهت سلطته الدينية، وما لازمها من سلطات سياسية واجتماعية. ولا طاعة مطلقة لأولي الأمر. وهذا هو الواقع، وهذا ما نحتاجه للتمييز بين الإلهي والبشري في شرعية السلطة في ظل تزوير مقصود لحقيقتها.

ثم جاء فقهاء السلطان رسّخوا قدسية الحاكم وسلطته في أذهان الناس فأصبح الخليفة خليفة الله في أرضه، والسلطان حاكم باسم الله. واستماتوا في الذب عن شرعية سلطته، عندما حرّموا الخروج عليه، وفرضوا وجوب طاعته مطلقا عند بعضهم. فأصبح سيف الشرع مسلطاً على كل معارض يتهمهم بالفساد أو الجهل، وقد استخدموا (وأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم) على نحو يتضارب مع أبعادها المنهجية. وقد ساعد على ذلك فساد رجل الدين ورخص بعض الرواة، فرجل السلطة متهم في تقواه، وورعه، يمكن للحاكم شراء مواقفه.

وبالتالي فولاية أولي الأمر، مرنة تحتمل النزاع والخلاف، وتختص في القضايا الإدارية والتنظيمية، فهي صلاحيات للمحافظة على النظام العام وإدارة شؤون الدولة والمجتمع. ولا تستبطن (أولي الأمر) شرط الفقاهة إطلاقا كي تتعدى للفقيه، ويستمد منها سلطته ويفرض علينا طاعته والانقياد له. فهناك اختلاف جوهري بين ولاية أولي الأمر وولاية الفقيه. ولاية الفقيه قيمومة وتدبير، تسلبك إرادتك، وتفرض عليك طاعة مطلقة للفقيه، غير مشروطة كأولي الأمر. فاحتمال التنازع مع الفقيه غير وارد إطلاقا، بينما القرآن يمنح مساحة للاختلاف رغم أنهم أولو الأمر، وطاعتهم ضرورية لضبط النظام وإدارة شؤون المسلمين، خاصة أمراء الحرب زمن الرسول.

فإذا كانت هناك مسؤولية دينية على رجل الدين فتنحصر بتبليغ الرسالة وإرشاد الناس، وتعليمهم مبادئ وأحكام الإسلام. لكن الأمر خرج عن السيطرة، وتعددت صلاحيات رجل الدين، وأصبحت مرجعيته جزءا لا يتجزأ من كينونة المسلمين. وصار المسؤول الأول عنهم وعن أموالهم ومستقبلهم، بل هو أولى بها منهم قياسا على ولاية الرسول (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم). بينما حتى طاعة الرسول تنسب إلى الله وليس له طاعة من دونه: (وما أرسلنا من رسول الا ليطاع بإذن الله).

  

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi8خاص بالمثقف: الحلقة الثانية عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق20) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

ماجد الغرباوي: لا يمكن فهم ولاية الفقيه وتطوراتها بمعزل عن مسار التاريخ الشيعي، الذي بدأ موقفا من السلطة، في أول نزاع حولها بين الصحابة، ثم واكبته العقيدة في ظل جدل كلامي بين الفِرق والمذاهب الإسلامية، حول شرعيتها، والمقولات المرتبطة بها، كمفهوم الكافر، الجبر والتفويض، فاعل الكبيرة، الإمامة. ورغم وحدة المعارضة العلوية عامة والشيعية خاصة، لكنها لم تتوحد تماما في رؤيتها العقدية، واتصفت بتوالي انشطاراتها، حول شروط الإمامة ومصاديقها، مع اتفاقهم على بعضها، ذكر ذلك الشهرستاني في الملل والنحل. وأبرزها: الكيسانية والزيدية والإمامية والغلاة والاسماعيلية. غير أن كل فِرقة قد تشظت لاحقا، ولم تحافظ أي منها على تماسكها. وربما يقصد الشهرستاني بالاتفاق خصوص الفِرق الرئيسية في بداية ظهورها، أو ربما بخصوص إمامة الإمام علي. ومن يراجع كتب الملل والنحل يقف على مختلف التفصيلات والاتجاهات العقدية. بعضها تمادى في غلوه، وآخر كان متهاودا، لكن ليس دون مفهوم الإنسان الكامل، حيث يكاد يكون مشتركا بالنسبة للإمام الأول كحد أدنى.

الموقف من السلطة

لم يتخذ الإمام علي موقفا سلبيا من السلطة، وانسجم مع جماعة المسلمين بعد قطيعة دامت ستة أشهر، فيصدق أنه كان حدثا عابرا، غض الطرف عنه رغم شعوره بالغَبن وربما المرارة، فهو الأكفأ، تشهد له مواقفه، وحزمة روايات نبوية تُشيد بفضله، منها قول الرسول: (أقضاكم علي). غير أن المبدأ عنده فوق السلطة والولاية، فلم يشذ عن جماعة المسملين. وكان مستشارا بارزا لدولة الخلافة، وصحابيا جليل القدر والعلم والحكمة، وقد بايعه المسلمون خليفة رابعا لهم بعد مقتل الخليفة الثالث. وهو الوحيد الذي استأثر بالرأي العام، وبايعه الصحابة والتابعون علنا.

ثم عاد النزاع الأول بين الصحابة إلى واجهة الجدل الكلامي في العصر الأموي، لمحاكمة مواقف الصحابة، وأحداث السقيفة، وفق مرجعية جديدة تم التنظير لها في خضم جدل مرير حول شرعية السلطة. فخضعت المقولات والمفاهيم التي تبلورت آنذاك لإكراهات ثنائية السلطة والمعارضة، وتنافس محموم لإثبات شرعية أي الفريقين المتنازعين على الخلافة، فأنتج الجدل مفاهيم جديدة، كمفهوم الإمامة السياسية ثم الإمامة الدينية، وفق شرط النص والتعيين، لسلب الخلافة الرسمية شرعيتها، والاشعار بمظلومية أهل البيت. حتى أصبحت شعارا ضمن نظرية الإمامة، تقوم عليه شرعية الحزب العلوي، الأعم من الشيعة، في مقابل الحزب الأموي. وكان وراء هذه التنظيرات وغيرها متكلمو العلويين قاطبة، بما فيهم أصحاب الأئمة كمؤمن الطاق وهشام بن الحكم وغيرهما. يشهد لذلك اعتبار التولي لأهل البيت والتبري من أعدائهم، فرعا من فروع الدين، بل ذهب بعضهم إلى أنه أصل من أصول الدين، ولا يخفى حجم شحنة الكراهية والتعبئة النفسية التي يتضمنها هذا الشعار، الذي يقصي الآخر، ويصرّ على احتكار الحقيقة، فكأن المشروع السياسي العلوي مشروع طائفي، وليس مشروعا للأمة المسلمة.

أما الموقف العملي للأئمة فكان حياديا تجاه الخلفاء، ولو ظاهرا، وقد نأوا بأنفسهم عن السياسة، بعد استشهاد الإمام الحسين، ومقتل أهل بيته وأصحابه، باستثناء ولاية العهد التي أسندها المأمون للإمام الرضا. وقد تجنبوا العمل الثوري، وركزوا على الجانب العلمي والفقهي، حيث برع الإمامان الباقر والصادق في هذا المجال، وكانت مدرسة الثاني مشهودة بعمقها وسعتها وكثرة علمائها. وبدلا من السعي للحكم، انشغل الأئمة بالتنظير لدولة العدل الإلهي، التي سيقودها المهدي، والتي ستحقق جميع الأهداف الشيعية، حتى اضطروا لرسم صورة مثالية لدولته المرتقبة، تعويضا عن اخفاقاتهم في الوصول إلى السلطة. أي أن الخطاب الإمامي رحّل موضوع السلطة إلى نهاية التاريخ. بهذا الشكل أقنعوا شيعتهم بالتخلي عن فكرة الدولة الشيعية. فمنهم من رابط معهم، ومنهم من تمرّد والتحق بحركات ثورية أخرى، كما حصل مع بعض أصحاب الإمام الصادق. فأصبح هدف أصحاب الأئمة الأساس هو إدانة الخلفاء، وتأكيد غصبية السلطة، ومظلومية أهل البيت، فخاضوا نضالا فكريا وعقديا، وكان من نتائجه التنظير للولاية الدينية، إضافة للولاية السياسية، من أجل إحياء دورها، وعدم ربطها بالسياسة خاصة، فتسقط بسقوطها، بل وصل الأمر للولاية التكوينية. وقد مرَّ تفصيل كل هذا. وأما الاتجاهات الثورية من العلويين فقد استمرت تحركاتهم ضد الدولتين الأموية والعباسية، دون الوصول للخلافة.

إن الموقف الحيادي لأئمة أهل البيت، والتعويل على المهدي في إقامة دولة العدل الإلهي، أو الدولة الشيعية المثالية، قد ساعد على تماسك القواعد الشيعية، التي هي أعداد محدودة آنئذٍ بفعل الاضطهاد والملاحقة. واستمرار خط الإمامة. لكنه من جانب آخر قتل الإرادة السياسية، وأسس لوعي سلبي من السلطة والحكم، ووضعت الشيعة في موقف محرج، بعد تمسك الفقهاء بغصبية السلطة، وعدم شرعيتها خارج ولاية الإمام المعصوم، وتشبثوا بحديث: "كل راية قبل ظهور المهدي فهي راية ضلال". فقطعوا الطريق أمام أي محاولة شيعية للوصول إلى السلطة، وكان مبررهم أن ظهور الإمام مسألة وقت، ثم يباشر مشروع السلطة وحكومة العدل الإلهي بنفسها، أما وقد امتدت الغيبة لعشرات القرون، ومازال الأمل بعيدا، فقد تحولت مسألة السلطة إلى عقدة لدى الاتجهات الثورية، وأصحاب المشاريع السياسية، على العكس من عموم الفقهاء ممن رأوا في هذه المقولات مبررا للتقاعس السياسي. ورغم الرخاء الأمني والسياسي الذي مرَّ به جملة من فقهاء الشيعة في الدولتين البويهية والصفوية، لكنهم لم يشاركوا في السلطة مشاركة فعلية، واكتفوا باستغلال الظرف السياسي لنشر التشيع، وبيان مظلومية أهل البيت، وفضح جرائم الدولتين الأموية والعباسية، والتبشير بدولة المهدي. والاكتفاء بالطقوس والشعائر الحسينية وسيلة لتأكيد الهوية الشيعية.

تجدر الاشارة أن غصبية السلطة إدانة صريحة للخليفة أو السلطان، لكن عندما تقرأ مقدمات الكتب المهداة لهم من  قبل بعض علماء الشيعة تصاب بالحيرة، فالمجلسي صاحب موسوعة البحار مثلا، يرتفع بالسلطان الصفوي منزلة المعصوم، عندما أهدى له كتابه "زاد المعاد"!!!. فهل الأحكام الشرعية مقاسات وفق المصالح الشخصية، أم أن صفة الظلم تتغير عندما يهادن الفقيه السلطان؟. يبدو من سلوكهم أن لديهم رغبة بالسلطة، لولا إكراهات علم الكلام القديم الذي خصها بالإمام المعصوم دون البشر. والغريب الاقتناع بها من قبل علماء الطائفة، دون تفكير في الجانب العملي، فهل يقصدون بغصبية السلطة شمول كل سلطة، بما في ذلك جميع دول العالم؟ والأغرب منهم العلماء المعاصرون. فولاية الفقيه جاءت حلا لمعضلة السلطة وشرعيتها، غير أن ركاكة المباني التي قامت عليها، لا تجعل منها نظرية متماسكة على المدى البعيد، كما أنها كرّست الاستبداد والتبعية باسم الدين، في ظل موجة حقوق الإنسان، والمطالبة بالديمقراطية. إن فكرة غصبية السلطة، موقف من سلطة الخلفاء الأمويين والعباسيين، وليس لها أية أساس شرعي، وقد تقدم مرارا أن السلطة ضرورة اجتماعية وليست دينية، كي تكتسب شرعيتها من الإمام المعصوم. فمادام ضرورة اجتماعية فهي تخضع لضرورات الواقع، وكيفية اتفاق الناس حول صيغة الحكم وشروطه، فيكون بمنزلة عقد اجتماعي حول السلطة وصلاحياتها، فهي تخصهم بالذات، وهم مصدر شرعيتها، لكن الفكر الإسلامي مازال مرتهنا إما لفكرة الخلافة أو لفكرة الإمامة.

ولم يمر الموقف العقدي الشيعي من شرعية السلطة، وربطها بالإمام، وترحيل دولة العدل الإلهي لآخر الزمان، حيث ظهور المهدي المنتظر، بلا تداعيات، بل أفرزت عقيدة الانتظار من جهة، وحمى التنافس على الرصيد الرمزي للمذاهب والفِرق المتنازعة، ثقافة الغلو، وأسطرة الرموز الدينية، والتشبث بالخرافات، وبقي اللامعقول يمثل جوهر الفكرة الشيعية، خاصة هوية الإمام، ومكانته، وعصمته ودوره ومركزيته. وقد تطور الموقف المغالي الى القول بالولاية التكوينية ومنافسة الخالق في خلقه، كل ذلك لتعزيز الرصيد الرمزي للأئمة، وطرحهم مخلوقات مغايرة للطبيعة البشرية رغم  تأكيد الكتاب الكريم على بشرية الرسول (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ)، وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا).

لقد أثقل الغلو بمختلف مستوياته الوعي الشيعي، وغدا لا همَّ له سوى الدفاع عن معتقدات، أفرزتها بيئة صراع سياسي محموم، وثنائية السلطة / المعارضة. وبدلا من القطيعة مع الماضي وتراث الفِرق والمذاهب، كرّس الشيعة جهودهم لتعضيد عقيدتهم من خلال مزيد من الطقوس، والاعتناء المبالغ فيه بالأضرحة، والحث على تقديسها، والانفاق السنوي لإحياء التراث، ومراكمة ما تنتجه دور التحقيق، أو ما يضيفه القلم الشيعي، وجميعها لا يخرج عن المقولات الأساسية، باعتبارها حقائق مطلقة، تقتصر مهمته على تعزيز أدلتها، وتفنيد شبهات المعارضة. مع اتخاذ موقف صارم من كل تحرك داخلي مريب يشكك بالعقيدة الشيعية، باعتبارها قراءة ناجزة، ومعطى نهائي غير قابل للنقد والمراجعة. وقد طال التشهير بجميع الرموز الفكرية التي تحدث الخطاب العقدي، وإعادة صياغة بعض مفردات العقيدة بشكل ينسجم مع روح القرآن، ويبتعد عن التطرف والغلو.

نؤكد لا أمل في الاصلاح للوضع الإسلامي عامة، والوضع الشيعي خاصة سوى إعادة النظر في النسق العقدي المألوف والمتداول، وبناء مبادئ عقدية تنسجم مع فهم متجدد للدين، وتأخذ بنظر الاعتبار مركزية الإنسان، ودوره الاستراتيجي في الحياة الدنيا.

الإمام علي ومبادئ الحكم

كان بإمكان الشيعة الركون للإمام علي في تحديد مبادئ السلطة، ونظام الحكم، وشروط الخلافة أو الإمامة، غير أنهم رابطوا في خندق المعارضة التي فرضت عليهم تبني مقولات كلامية، تعزز قدسية أو أسطرة الأئمة، من أجل سلب السلطة الحاكمة شرعيتها، بشكل أصبحت القداسة هدفا مركزيا، وغدت جزءا من البنية العقدية للعقل الشيعي.

لقد أثرت أحداث التاريخ في الذاكرة الشيعية، وباتت جزءا من وعي الذات المسكونة بالمظلومية، وعجزها عن السلطة بسبب قناعات افرزتها ضرورة تاريخية، لا تكف الخطابات الطائفية، عن استعادتها، حتى باتت من ضرورات الرؤية السياسية الشيعية، فكانت ولاية الفقيه أفضل معبّر عن قلق شرعية الحكم. لكن هذا لا يعني أنها صيغة مقدّسة أو صيغة حضارية، فإن مفهوم السلطة وكيفية الترشيح والانتخاب باتت تجري بآليات تتناسب مع الوعي الراهن، وترتكز لمقولات نمت وترعرعت في ظل أجواء سياسية وثقافية مختلفة، يكون الإنسان هو مركز الحياة، وأن حريته مبدأ أساس لا يحق للسلطة السياسية مصادرتها إلا بقدر ما تقتضيه المصلحة العامة، فيعود ما سلب منها عليه بمنفعة أعظم، كالإلتزام بالأنظمة والقوانين المرعية داخل بلده.

إن تأصيل السلطة وفقا للمبادئ التي أرساها الإمام علي من خلال تجربته في السلطة، كانت أفضل صيغة، يمكن أن تكون أساسا لنظام سياسي يحترم القيم السامية، ويؤمن بالشورى والمواطنة، وحقوق الإنسان، بعيدا عن الاستبدادين، الديني والسياسي. لكن الشيعة خسروا عليا الإنسان، واحتاروا بصورة رسمتها ريشة الغلو، فبات يناوب الله في تدبير كونه، ويتولى بدلا عنه رعاياه، على الضد من قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ). فأرهقهم الوعي المغالي، وبات شغلهم الشاغل الرد على مناوئيهم، والانشغال بالعقيدة وترميم ثوابتها، وتعضيدها بالطقوس والشعارات. فالصورة النمطية للإمام علي والأئمة من بعده صورة أفرزتها ثقافة الغلو، وصراع مرير على السلطة، ودعوى احتكار الحقيقة، ومراكمة رصيد رمزي، تمثّل القداسة جوهره، وأسطرة الرموز وقود استمرارها.

يمكن تلخيص مبادئ الإمام علي في السلطة والحكم، من خلال أقواله وتوصياته وسلوكه في السلطة، فهو صاحب تجربة غنية، وقد خاض ثلاثة حروب داخلية. وعندما يحدد مبادئ إنسانية للحكم يحددها عن وعي وحكمة ودراية، وهذه المبادئ، يمكن ايجازها بما يلي:

أولا- مبدأ المواطنة:

حيث يقول: (فَإِنَّهُمْ [الناس] صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإمّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ). نهج البلاغة، 53، عهده للأشتر النخعي. والثانية أعم فتكون ركيزة المواطنة عنده على أساس إنساني (نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ)، ولا يقصد بالمناظرة تشابه الخلق، بل كان في صدد بيان حقوق الرعية، في عهده لمالك الأشتر عامله على مصر، فيكون لغير المسلم ما للمسلم من حقوق، خاصة مصر، موطن الأقباط. وهذا ما تؤكد مقدمة خطابه، حيث جاء فيها: (وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْـمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلاَ تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإمّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ). فلا خصوصية للدين، مادامت القضية ترتبط بالمواطنة، التي من الطبيعي فيها تعدد الأديان والمذاهب. وهي حقوق مضمونة دينيا. فالإمام إذاً يفرّق بين الحقوق المدنية، وما يترتب على العقيدة والدين من مؤاخذات. فالثانية مجالها اليوم الآخر، وهي موكولة لله تعالى، وكيفية تعامله معهم: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). فما حصل بعد عصر الخلفاء من ممارسات تعسفية ضد أهل الكتاب، صدرت عن فهم ديني إقصائي، لا ينتمي للقيم الإنسانية. عقل مستكين، يجمد على ظواهر النصوص، لا يتحرى مناسبات الحكم والموضوع، ولا يفرق بين القضايا الخارجية والقضايا الحقيقية في مجال الأحكام الشرعية، فيصدق أن مقتل العقل التراثي في منهجه، فهو مُرتهن للروايات الدينية والتاريخية. وبدلاً من نقدها، يتخلى عن عقله ويستميت في الدفاع عنها.

ثانيا- مبدأ المحاسبة:

حيث يقول: (فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَال بِحَقّ، أَوْ مَشُورَة بِعَدْل، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِىءَ، وَلاَ آمَنُ ذلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلاَّ أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي). نهج البلاغة، الخطبة 216، ق: حق الوالي وحق الرعية. وهو مبدأ عظيم، اعتمدته الأنظمة الحديثة فساهم في الحد من الظلم والجور والفساد المالي والإداري، إذ كان السلطان / الملك شخصا مقدسا، فوق النقد والمحاسبة، وفوق القانون، بل السلطة تستمد شرعيتها منه. وهي أنظمة بوليسية، شمولية، استبدادية، ليس لها مصداقية حتى مع وجود مجالس نيابية.

ثالثا- مبدأ الشورى:

حيث أكد في كلمة له: (وَإنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالاْنْصَارِ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُل وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذلِكَ لله رِضىً).. نهج البلاغة الكتاب رقم (6). وبالمفهوم الحديث أنه أناط مهمة تعيين الخليفة الأصلح بالنخبة، دون عامة الناس، وتأتي البيعة لتؤكد شرعيته. ولم يربط الإمامة بنص أو وراثة، بل هي مهمة المسلمين أنفسهم، مما يؤكد أن السلطة ضرورة اجتماعية وليست دينية في فهم الإمام علي، حيث يقول: (لاَبُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِير بَرّ أَوْ فَاجِر). الخطبة 40، نهج البلاغة.

رابعا- مبدأ العدل وعدم الظلم:

وهو مبدأ أساس في السلطة، وعليه تتوقف سلامة وأمن المجتمع والبلاد، (وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلاَةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلاَدِ) الخطبة 53، نهج البلاغة. ويقرر (فَإِنَّ في العَدْلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ العَدْلُ، فَالجَوْرُ عَلَيْهِ أَضيَقُ!)، نهج البلاغة 15. فوضع الجور مقابل العدل، حينما يعجز الحاكم عن إقامة العدل، فإنه سيلجأ للجور والظلم. بل ويعتقد أن للعدل تجليات، وليس مجرد كلام أو إدعاء، فالحكم العادل كما يقول: (قال: وَيْحَكَ، إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ، بِضَعَفَةِ النَّاسِ، كَيْلاَ يَتَبَيَّغَ، بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ!). نهج البلاغة، الخطبة: 209.

بهذا يتضح أننا أمام مبادئ إنسانية قائمة على العدل والمواطنة والشورى وعدم التفرّد بالحكم مع وجوب المحاسبة، والمساواة بين الحاكم والمواطن العادي. فيمكن للمسلمين، خاصة الشيعة تشييد نظام سياسي وفقها. غير أنهم سجنوا أنفسهم داخل العصر الأول، ضمن مقولات جاءت نتاج وضع استنثائي وإكراهات فرضتها ثنائية السلطة / المعارضة. ولا يمكنهم التحرر منها ما لم يعيدوا النظر في منظومة العقيدة برمتها، وهذا ما نعمل لأجله، من أجل العودة للحياة، والانسجام مع الأنظمة الحديثة، التي سجلت نجاحا فائقا وعلى جميع الأصعدة.

السلطة في وعي الصحابة

إن حيرة الصحابة في تسمية الخليفة، هل هو خليفة الله أو خليفة رسول الله، يؤكد عدم وجود تصوّر عن السلطة في وعي الدائرة الخاصة من الصحابة فضلا عن عامتهم. بل أن الإمام علي تعامل معها على أنها ملك محمد، يجب أن ينتقل لأهل بيته: (وقال: يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم وتدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأننا أهل بيته)، والسلطان هنا بمعنى الملك، لذا يصح انتقاله من بيت لآخر، وهو السائد آنذاك. فالمحاكمات الكلامية فيما بعد تمت وفق مرجعيات تعي معنى السلطة ومؤسساتها، من خلال تجربة الدولتين الأموية والعباسية، لذا اشتد الجدل بين الأطراف الكلامية المتنازعة. بل أن وعي الإمام علي عن السلطة بعد خلافته يختلف عنه بعد وفاة الرسول. فتجربة الصحابة كانت تجربة بدائية، راحت تتطور مع تطور الفتوحات واتساع النشاط التجاري والعسكري. فالنزاع لم يكن حول زعامة دولة، بل حول مشيخة قبلية، لذا ارتكزوا للمبدأ القبلي في حسمها.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi7خاص بالمثقف: الحلقة الحادية عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق19) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

شرعية السلطة

ماجد الغرباوي: ولاية الفقيه مبنى فقهي، يستمد شرعيته من نظرية الإمامة، التي تعتبر الدولة ضرورة دينية، وأن الأمة بحاجة إلى ولي، يرعى تطبيق الشريعة، ويقيم العدل والقسط، ويتولى شؤون المسلمين، وأن الإمامة نص وتعيين من الله، فتكون السلطة مغتصبة، ما لم تكن بإذن الإمام أو من نصّبه وهو الفقيه الجامع للشرائط. ومن واجب الأخير التصدى للسلطة بحكم وظيفته وأولويته، في زمن غيبة الإمام المهدي، ويكون له ما للمعصوم من سلطة وصلاحيات. وهي نظرية فقهية مستحدثة، تم التنظير لها بقوة بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني أحد منظّري ولاية الفقيه سنة 1979م. فيصدق أنها رؤية اجتهادية للتغلّب على مأزق شرعيتها. ومن ثم شرعنة الأنظمة والقوانين التي تقع خارج أحكام الشريعة. أو كل حكم تقتضيه المصلحة العامة أو منصب الولاية ولم يرد فيه نص شرعي. وهو باب واسع يشمل ما يصدر عن الدولة من قوانين إدارية وسياسية، إضافة للتصرف العام بثروات الشعب والبلاد.

ثم توالت البحوث الفقهية استجابة لحاجة النظام الجديد القائم على مبدأ ولاية الفقيه، وكان للشيخ المنتظري خليفة الخميني قبل عزله، قدمُ السبق حيث أصدر كتاب: "دراسات في ولاية الفقيه.. فقه الدولة الإسلامية" بأربعة أجزاء كبيرة. وهو فقه استدلالي. ثم تلته بحوث الفقهاء، وصدرت مجموعة كتب تدور حول ذات الموضوع. ولعل أبرز من كتب في هذا الخصوص باستثناء الإمام الخميني والشيخ المنتظري، هو كاظم الحائري، علي الخامنئي، آزري قمي، محسن الأراكي، جوادي آملي، محمد علي التسخيري، وآخرون، وجميعهم من عيار آية الله، وآية الله العظمى، في إشارة إلى مستوى الفقاهة والعلم الذي يتمتع به المؤلف. وقد حاولوا الاستدلال على ثبوت ولاية الفقيه في جميع ما يرتبط بشؤون الأمة، وفق ما كان لأئمتهم من خلال أدلة عقلية ونقلية، لا تقاوم النقد الموضوعي.

الأدلة.. رؤية نقدية

بدءا، لا يوجد نص قرآني صريح يمنح الفقيه ولاية، فضلا عن ولاية مطلقة، وكل ما هناك تأويلات قابلة للنقض. كما أن الروايات لا تنهض حتى بمجموعها كدليل معتبر على ثبوت الولاية المطلقة للفقيه، وفقا لمباني الفقهاء والأصوليين الشيعة. والرواية المعتمدة عندهم في هذا المجال ليست صحيحة بمصطلح علوم الحديث بل هي مقبولة. ومعنى الرواية المقبولة أنها رواية فيها ضعف، إما سنداً أو متناً أو كلاهما، لكن الفقهاء اتفقوا على قبولها. وكيف لا يقبلونها وهي تكرّس سلطتهم وتمنحهم صلاحيات واسعة؟؟!!!. لذا سعوا لتوثيقها، وتوظيفها دليلا على نصب الفقيه حاكما من قبل الإمام المهدي. تقول "مقبولة" عمر بن حنظلة عن الإمام الصادق: (ينظر "الشيعيان المتخاصمان" من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما أستخف بحكم الله وعلينا ردَّ، والراد علينا، كالراد على الله وهو على حد الشرّك بالله..).

والرواية على فرض صحتها وقبولها لا تدل على ثبوت أي ولاية للفقيه سوى إحالة المتخاصمين للقضاء، ووجوب الإلتزام بما يحكم به الحاكم الشرعي، ما دام يتصف بالصفات المذكورة في الرواية. لذا جاء التأكيد من أجل احترام القضاء والإلتزام بأحكامه، وتسوية النزاعات بعيدا عن السلطات الظالمة. فمن يؤمن بولاية الفقيه مضطر لا فقط لقبول هذه الروايات، بل الاستدلال على صحتها، لأنه بحاجة ماسة لتحشيد أدلة وشواهد ووقائع لتعضيد رأيه الفقهي.

وقد اضطر بعضهم للتشبث بدليل عقلي لإثبات ولاية الفقيه بعد أن قطع الأمل في وجود دليل لفظي صريح في المقام، (آية أو رواية). فاستدل عقلا على ثبوت الولاية للفقيه كلازم لوجوب تصديه للسلطة والحكم، فيكون التصدي لها واجبا وبكامل صلاحياتها كي يمارس الفقيه سلطته الشرعية. أو لأنه الأولى إذا توفّرت الشروط اللازمة. لكن من قال إن السلطة والحكم ضرورة دينية؟؟ فهذا أول الكلام وبحاجة إلى دليل صريح وهو منتفٍ. فعلى من يدعي ذلك أن يثبت أولا ضرورة السلطة دينيا ثم يستدل بعد ذلك على أولوية تصدي الفقيه لها؟. أليس عدم الاتفاق دليلا على عدم وجود دليل معتبر يوحّد موقفهم الفقهي والشرعي تجاه هذه المسألة؟ ولو كانت الدولة ضرورة دينية فكيف يسمح الإمام الصادق بنصب المحاكم الشرعية الخاصة بمعزل عن السلطة؟ فقد استدل بعضهم على وجوب قيام دولة إسلامية بوجوب تطبيق الاحكام القضائية وفقا للشريعة الإسلامية، وفي هذه المقبولة ما يؤكد إمكانية التقاضي وتسوية الخلافات بعيدا عن الدوائر الحكومية. بل كانوا يقتصون ويعاقبون دون اعتماد على أنفسهم.

العقل يرفض مطلق الولاية والقيمومة لغير القُصّر كالأطفال والأيتام والمجانين والسفهاء، فكيف يحكم بولاية مطلقة للفقيه؟ إن ولاية الفقيه شأن ديني متى ما دل دليل قطعي على ثبوتها وثبوت صلاحياتها. فمن أين يأتون بدليل والقرآن أهمل عصبيّ الحياة: السياسة والاقتصاد، ولم يذكر سوى مبادئ أخلاقية ومفردات محدودة. كما لم يصرّح الرسول لأحد من بعده سوى روايات وأحاديث تفيد التفضيل. بل أن الأطراف المتنازعة على السلطة يوم السقيفة لم يستدلوا على أفضليتهم وأحقيتهم بآية أو رواية صريحة عن الرسول، بما فيهم الإمام علي، الذي احتج عليهم بنفس المبدأ الذي احتج به المهاجرون على الأنصار، أي مبدأ القرابة من الرسول، وقبل ذلك وهو الأهم أن الجميع يشهد أن الرسول لم يستطع كتابة كتاب لهم بسبب لغط الصحابة واختلافهم. إذاً لا يوجد أي دليل صريح على ولاية الفقيه، وبهذا تتضح هشاشة أدلة القائلين بثبوت الولاية المطلقة للفقيه، بل وحتى الولاية غير المطلقة خارج حدود القّصر، وأمور الحسبة، لعدم وجود دليل لفظي صريح.

كما يرفض العقل والمنطق مفهوم الولاية بمعنى القيمومة وحق التصرف بشؤون الناس، لأنه تجاوز صريح على كرامة الإنسان ومصادرة واضحة لحيثيته. ومع عدم وجود دليل شرعي وعقلي فدون إثبات ولاية الفقيه كما يقول صاحب المكاسب: "خَرط القتاد"!، للدلالة على استحالتها. وتبقى ولاية الفقيه مشروعا لاحتكار السلطة، وشرعنة الاستبداد السياسي، وهذا ترفضه قيم السماء والأرض. فيبقى الأصل، عند الشك في الحكم، عدم ثبوت الولاية لأي شخص، إلا ما دل عليه دليل قطعي السند والدلالة، بل ينبغي أن يكون دليلا قرآنيا صريحيا، لأن الولايتين التكوينية والتشريعية أصالة وبالذات لله تعالى. فتبقى ولاية الأمة على نفسها ثابتة، وقد أقرها الصحابة بعد وفاة الرسول، بما فيهم الإمام علي بن أبي طالب. وهو المبدأ المعتمد راهنا من قبل الدول المتحضرة. وبإمكان أصحاب المشاريع السياسية خوض الانتخابات، دون الحاجة إلى توظيف الدين وتزوير الوعي، وارتهان إرادة الأمة لرأي الفقيه.

إن الرأي الفقهي يخوّل الولي حق التصرّف، والحد من حرية الفرد، وفقا لمبانيه عن الحلال والحرام، ومعنى الطاعة والولاية، فهي صيغ تكرّس الاستبداد بعناوين دينية، لا تصمد أمام النقد الموضوعي، والمرجعيات القرآنية، التي تحمّل الفرد وزر عمله: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ)، (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)، فلا تكون طاعته للفقيه وفقا لهذه الآية، منجزة ومعذرة. فهو عندما يفرض عليك طاعة الولي، لايتعهد بتحمل مسؤوليته عنك، بل تبقى مسؤولا عن نفسك، (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

ثم كيف نفسّر عدم وجود نصوص عن أئمة أهل البيت تشرّع الولاية للفقيه، فضلا عن عدم وجود آيات أو روايات عن النبي الكريم؟ هل أهملوا موضوعها وهي بهذه الدرجة من الخطورة؟ وهذا غير ممكن لا أقل بالنسبة للرسول والأئمة من بعده، وفقا للعقيدة الشيعية، وشعورهم بالمسؤولية تجاه الأحكام الشرعية. أو أن المسألة غير مطروحة أساسا فتكون منتفية بانتفاء موضوعها. وبالتالي فهي مسألة مستحدثة، يُنظّر لها وفقا لحاجات الفقيه وتطلعاته السياسية. لهذا لا يتناولها الفقهاء في أبحاثهم الفقهية إلا بشكل محدود كما تقدم. وبالتالي فالدين الحنيف لم يشرّع أية ولاية للفقيه، وإلا لكانت النصوص تترى نظرا لخطورة هذا المنصب.

الولاية ودليل السلطة

قد يعتبر بعضهم ممارسة السلطة من قبل الرسول دليلا كافيا على شرعية الولاية المطلقة للفقيه، وهذه مغالطة، فلا مقايسة بينهما. سلطة الرسول سلطة إلهية، نص القرآن على وجوب طاعته، وهناك آيات يستدلون بها على صحة ولايته مطلقا، رغم تحفظنا على بعض الآراء في هذا الخصوص. ولا دليل على شرعية ولاية الفقيه مطلقا. هذه السعة من الصلاحيات المزعومة تحتاج لدليل صريح واضح وبيّن على شرعيتها. لا ولاية لشخص على آخر سوى الخالق لأصالة ولايته، وقد جعلها للرسول لضرورة النبوة ونشر الرسالة التي اضطرت في زمن النبي محمد إلى خوض معارك مع المشركين والكفار، فنقف عند حدودها، ولا يجوز جعلها لغيره إلا بدليل صريح بخصوصه. وتبقى ولاية الأمة على نفسها ثابتة. وإثبات الولاية بمعنى حق التصرّف لا يوجد ما يدل عليه صراحة إلا بعض التأويلات، وقد مرَّ بيانها، والموقف العلمي منها.

وإذا قيل: إن ملاك جعل الولاية المطلقة للرسول هي السلطة وليس النبوة، فتكون مجعولة للفقيه عند ممارسته لها تلقائيا عندما يكون كفوءا، وقد توفرت فيه الشروط اللازمة. نقول: لا نستطيع الجزم بأن السلطة كانت وراء جعل الولاية، بمعنى حق التصرّف بالأموال والأنفس للرسول، فربما هناك إضافة لممارسة السلطة خصائص ذاتية أو ضرورات آنية هي الملاك الحقيقي لجعلها، وإلا لو كانت السلطة تمام الملاك في جعلها مطلقة للرسول، لجعلها قاعدة، ولم يقيّد ولاية المؤمنين، كما جاء في الآية الكريمة، ولم يطالبهم بالعودة لله وللرسول عند التنازع، كي يستفيد الفقيه من إطلاقها لاثبات ولايته المطلقة. ومادام هذا الاحتمال قائما لا نرفع اليد عن الأصل وهو عدم وجود ولاية لأي شخص على الآخرين ما لم يدل الدليل القطعي سندا ودلالة. أي دليل قرآني بخصوصه، لأن الولاية بهذه الصلاحيات جعل إلهي، ومصدر معرفة أحكام الله هو القرآن الكريم، الذي فيه تبيان كل شيء. أو رواية صحيحة متنا وسندا تورث العلم واليقين، تريد بيان حكم شرعي بخصوصها. وكلاهما مفقود، والمسألة مستحدثة لا يدل عليها أي دليل سوى رغبة في شرعنة السلطة، كي يمارس الفقيه باسم الدين أوسع السلطات، ويقمع بشرعية ولايته كل معارض لسياسته (الراد عليهم كالراد على الله)!!!!. بل أجد في الآية ما ينفي إطلاق الولاية للفقيه، فهي حينما جعلتها للمؤمنين فرضت قيودا، ودلالة القيد واضحة في عدم إطلاقها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ  ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا). إلا إذا قصدوا بالولاية غير التصرّف بالأموال والأنفس، لكنني سمعت رد الإمام الخميني على رئيس الجمهورية وإمام جمعة طهران آنذاك، السيد علي خامنئي الذي كان يعتقد بأن الولاية: تنسيق بين السلطات الثلاثة، كما نص عليه الدستور الإيراني في طبعته الأولى قبل تعديله بعد وفاة الإمام، وكان يتحدث حول الموضوع في صلاة الجمعة، وفي عصر ذلك اليوم رد الخميني عبر وسائل الإعلام بأن "للولي الفقيه ما للإمام والرسول من ولاية وسلطة"، فتكون مطلقة ومقدّسة لأنها مجعولة من قبل الله تعالى، يقتصر فيها موقف المؤمنين على الطاعة والانقياد، مع حرمة التمرّد والاعتراض. كما سمعت آية الله الشيخ جوادي آملي خطيبا، وهو من كبار علماء إيران، يقول "ولاية الفقيه هي قيمومة، كقيمومة الأب على أبنائه، بما في ذلك القرار السياسي، وما على الشعب سوى الطاعة والانقياد". كما قرأت لافتة لآية الله علي أكبر مشكيني، وهو شخصية لها مقامها العلمي: "ان السلطات والحقوق التي يمتلكها المرشد (خامنئي) هي ذاتها التي كانت للنبي. فبإمكانه أن يفعل ما يشاء بثروة الأمة، بل والثروات التي يمتلكها الأفراد أيضا". وهؤلاء فقهاء الثورة الإيرانية. فنفهم من تصريحاتهم أن القيمومة على الأموال والأنفس، والصلاحيات الواسعة، هي حقيقة الولاية التي هي من لوازم السلطة، سواء كان الولي نبياً أم إماماً أم فقيهاً. وليست الولاية مجرد تدبير أمور المسلمين وإدارة شؤونهم بما تقتضيه مصالحهم، بل هي أوسع وأكبر. والفارق في الحالة الأولى بإمكان الشعب الاعتراض على قرار الولي إذا لم يكن مطابقا للمصلحة العامة، أما في الحالة الثانية فيحرم الاعتراض والتمرّد، لأن الولاية جعل إلهي فتكون مقدسة، يقتصر دور الشعب والأمة على الانقياد. وهو ذات الفارق بين الحكومة الثيوقراطية التي تستمد شرعيتها من الآلهة، والحكومة الديمقراطية التي تستمد شرعيتها من الشعب والانتخابات. لذا لا شرعية للانتخابات في ايران، ما لم تمض من قبل الولي الفقيه، وبإمكانه دستوريا رفض نتائجها، وتعطيل بعض الواجبات الشرعية، كما عطل الإمام الخميني الحج 3 سنوات، بحكم ولايته. وهو فوق القانون والدستور. بعد تعديله، حيث أصبحت ولاية الفقيه "المطلقة"، بعد أن كانت مجردة في طبعته الأولى، ولم يكن بإمكانه ذلك.

الولاية رؤية أخرى

إن امتناع الولاية بمعنى التصرّف بالأموال والأنفس، مبررة عقلا إضافة لامتناعها قرآنا، كما مرَّ تفصيلا. ولو ثبتت للرسول، لا تسري لغيره، فتكون ولاية مرحلية مسددة بالوحي، تنتهي بوفاته بعد انقطاعه. فيصدق أنها ولاية إلهية أكثر منها بشرية. وقد تطرقنا لها استطرادا، باعتبارها واقعا سياسيا في إيران، تسعى الحركات الإسلامية الثورية لاستنساخ تجربتها. ومادامت واقعاً، فمن الطبيعي يدور الجدل حول شرعيتها، سيما مع ندرة القائلين بولاية الفقيه من الفقهاء الشيعة. أما الغالبية المطلقة، فمع غصبية السلطة السياسية في زمن غياب الإمام المهدي، وأن (كل راية قبل المهدي فهي راية ضلال). وتقدم أن ثبوت ولاية الفقيه تتوقف على مقدمات، لايمكن ثبوتها.

وأما المبرر العقلي، فإن ثبوت الولاية للفقيه جدلا لا تخرجه عن كونه بشرا، يتأثر بقبلياته، ويسقط فهمه للدين ورؤيته الكونية ونوازعه الأيديولوجية على قرارات الدولة. ويتخذ موقفا من الآخر المختلف طبقا لما تملي عليه عقيدته، فيندثر التسامح الحقيقي، وتتلاشى المواطنة كمبدأ أساس للعدالة الاجتماعية، ومع انتفائها يقع الظلم والعدوان على أبناء الوطن الواحد، بمختلف الدواعي الدينية وغيرها. وبهذا يتضح أن اتصاف الولي الفقيه بالفقاهة والعدالة والتقوى، التي هي شروط الولاية المجمع عليها، لا تحرر عقل الولي من قبلياته، لأنها تنتمي لبنيته المعرفية، التي ترتكز لمقولات، شديدة التأثير، ترسّبت لا شعوريا في مرحلة التلقي الأولى، ولها أسبقيتها في تأثيث فضائه المعرفي، حداً تخرج عن دائرة الوعي، وتبقى تواصل سلطتها، وفرض محدداتها بفعل الخطابات الأيديولوجية وطقسنة الشعائر. وعندما ترتهن الحقيقة لقناعاته وقبلياته، تنعكس على الواقع، والعلاقات العامة للدولة. ويخسر القرار السياسي والتشريعي حريته، ويصدق أنها دكتاتورية الولي الفقيه. والأخطر سلب الشعب حريته التي هي رهان وجوده، وأساس استقلاليته، على أساسها يتحمل مسؤولياته، وحينما يستلب، يصدق عنه الحساب باعتباره مسيرا لإرادة دينية وليس مختارا، مسؤولا عن خياراته، كما هو المفترض. غير أن المشكلة في أسلمة العبودية، وجعل الطاعة والانقياد ميزانا لقبول الأعمال، في الآخرة. وهذا أشد وطأة وقسوة من الاستبداد، مادام باسم الدين، ويكتسب قدسيته من تأويلات خضعت لموجهات طائفية وأيديولوجية. بل وتلاعب مفضوح بنظام القيم، وسقف الحريات البشرية. بهذا يتضح نحن أمام مفهوم خطير. الشعوب ليست قاصرة كي ينفرد الفقيه بالولاية مهما بلغ من العلم والتقوى، والأمة ليست جاهلة كم يتصور رجل الدين، والأوطان زاخرة بالكفاءات العلمية والإنسانية، ورقي الدولة لم يتوقف يوما على وجود ولي فقيه أو رجل دين. بل أن إقحام الدين يساهم في تزوير الوعي، وضياع الحقوق، وهدر الكرامة الإنسانية.

ليس لنظام ولاية الفقيه مثالا تاريخيا لكن يمكن الارتكاز لمبادئ السياسة والحكم التي أسس لها الإمام علي، ويتجاهلها الفقهاء عمدا.

يأتي الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi6خاص بالمثقف: الحلقة العاشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق18) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

شرعية السلطة

ماجد الغرباوي: مثّلت شرعية السلطة في الفقه الشيعي إشكالية، ترتبط بنظرية الإمامة، التي تقوم على النص والتعيين، في مقابل نظرية الخلافة، التي تعتبر البيعة أساسا لشرعية السلطة. وبشكل أوضح، أن مرشح السلطة وفقا لنظرية الإمامة، منصوص عليه بالاسم، من قبل الله تعالى بواسطة النبي، وهو الإمام علي، والأئمة من ولده، ثم تأتي البيعة لتؤكد طاعته لا شرعيته. فالإمام إمام سواء بايعه الناس أم لا. في السلطة أم خارجها. وهنا ثلاثة آراء، بعضهم يرى الإمامة دينية فقط، وآخر قال أنها سياسية فقط، وثالث جمع بينهما. بينما الخليفة وفقا لنظرية الخلافة إفراز للشورى أو إجماع أهل الحل والعقد، على تفصيل في شروطهما، لكن شرعية سلطته وممارسته للحكم تتوقف على بيعة الأمة. ففقهاء الشيعة يرون عدم شرعية سلطة الخلفاء الثلاثة (أبوبكر وعمر وعثمان ومن تلاهم من اعتلى الحكم في كل زمان ومكان). ويحكمون بغصبيتها خارج ولاية الإمام المنصوص. ولا يجدون في سلوك الإمام علي الإيجابي من الخلفاء والخلافة دليلا على شرعيتها، ويفسّرون سلوكه بالتقية، حفاظا على وحدة المسلمين. وهي تأويلات لا يقرها سلوكه في السلطة، حتى وهو يرفع صوته عاليا (إِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْر وَعُمَرَ وَعُثْمانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ، وَلاَ لِلغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ، وَإنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالاْنْصَارِ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُل وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذلِكَ لله رِضىً).. نهج البلاغة الكتاب رقم (6).

لا اصلاح إلا باقصاء المقولات الطارئة على الدين. فمازال فقهاء الشيعة يحكمون بغصبية وعدم شرعية السلطة، وعدم جواز استلام رواتبها، باعتبارها أموالاً مجهولة المالك، تستدعي إذنا شرعيا من الفقيه كنائبٍ عن الإمام المهدي صاحب السلطة الشرعية، ليتمكّن الموظف من التصرّف بها. لذا أجاز كبير فقهاء الشيعة في العراق السيد علي السيستاني استلام الراتب نيابة عن فقير، كما جاء في فتواه على موقعه الرسمي!!!: (قد أذنّا لإخواننا المؤمنين "وفقهم الله تعالى لمراضيه" فيما يستلمونه من المؤسّسات الحكوميّة أو المشتركة بالطرق القانونيّة أن يقبضوه من قبل موكلينا من الفقراء بنيّة التّصدّق عليهم ثمّ يتملّكوه لأنفسهم). فثروات البلد ليست ملكاً للشعب، ولا يحق للدولة التصرّف بها، ولا تحلّ لأحد ولو كانت بدلا عن عمله وكده وتعبه وعرق جبينه، إلا بإذن من الإمام أو من ينوب عنه. هكذا تلقي العقيدة بظلالها على الفقه، حداً يفقد وظيفته الإنسانية، ويكرّس روح التبعية والانقياد والعبودية. وعندما يكون الإمام غائبا، والفقيه المرجع بعيدا عن المسائل الإجرائية، فلك أن تقدّر حجم الفساد المالي في المؤسسات الدينية، والأحزاب السياسية المرتهنة في إرادتها وقراراتها وميزانيتها لها!!!.

إن خطورة هذه الآراء، أنها تكرّس سلطة المرجع في مقابل الدستور والقانون، وتفاقم الولاء الديني على الولاء الوطني. وتسمح بالتحايل على أموال الدولة مجهولة المالك بأية فتوى دينية. الفقيه محكوم بقبليات عقدية لا يمكنه التحرر منها، فيفتى وفقها. وهذا لا ينفي شعوره بالمسؤولية تجاه وطنه، لكنه أسير آرائه الاجتهادية التي ينسى أنها صناعة بشرية. وبهذا نفهم أن الديمقراطية بالنسبة لبعض الفقهاء أفضل الخيارات، رغم غصبية السلطة، كما يرى الشيخ النائيني منظّر الحركة الدستورية.

مصدر السلطة

يعتقد فقهاء المسلمين أن مصدر السلطة / الولاية هو الله تعالى، وهي ثابتة للرسول، وللمؤمنين على تفصيل في مصاديقها وحدودها. إذ ترى النظرية الشيعية أن للإمام علي ما للرسول من سلطات سياسية ودينية باستثناء الوحي، فامتد عصر التشريع عندهم حتى نهاية الغيبة الصغرى (260 - 329 هـ) ويقصد بها غيبة الإمام الثاني عشر، المهدي المنتظر. ومن باب أولى تكون له ولاية مطلقة، أسوة بولاية النبي. ثم تسرى في جميع الأئمة.

وقد وقع الخلاف بينهم: هل للفقيه باعتباره نائبا للإمام ولاية؟ وما هي حدودها؟ وما نسبتها لولاية النبي والأئمة؟ بعد اتفاقهم على ثبوت ولايته على القُصّر ومن لا وليّ له من صغار السن، والأمور الحسبية. غير أن الجدل الفقهي إحتدم بعد ظهور نظرية ولاية الفقيه، بمعنى السلطة واتخاذ القرارات التي تتضمن أوامر ونواهٍ أوسع من القيادة والتخطيط والرعاية للبحث عن شرعيتها، ومدى صدق عنوان الحكم الشرعي عليها، وهل تستوجب الطاعة واستحقاق الثواب والعقاب؟

بعض قال للولي الفقيه ما للإمام والرسول من ولاية، ومنهم من خوّله ما تقتضيه الإدارة والحكم. فتقتصر ولايته على القرار السياسي، وتدبير شؤون الدولة، دون الولاية بمعنى حق التصرّف بالأنفس وأموال الناس. أو بمعنى أدق: تخويله ولاية شرعية تسمح بـ"شرعنة السلطة".

بهذا يتضح أن ثبوت الولاية للفقيه يتوقف على ثبوتها للأئمة، فتدور مدارها ثبوتا وعدما. لذا قال الشيخ الأنصاري،  من كبار علماء الشيعة (1214 هـ - 1281 هـ)، في كتابه "المكاسب" (أن دون ولاية الفقيه "خرط القَتَاد"..) تعبيرا عن استحالتها فقهيا، لعدم وجود دليل يدل عليها، سوى وجهات نظر واستحسانات وآراء اجتهادية تختلف من شخص إلى آخر. وتبقى ولايته محدودة بتدبير شؤون من لا وليَّ له من السفهاء والقصّر. وحتى هذا لا دليل عليه، وربما هناك من هو أكفأ منه في إدارة شؤونهم، وشؤون الناس، وحينئذٍ لا خصوصية للفقيه، سوى فتاواه، وليست قيمومته.

التنظير الفقهي

تاريخيا، أعاد بعضهم جذور ولاية الفقيه إلى بداية الغيبة الصغرى، غير أن أول ممارسة عملية لها بدأت مع المحقق الكركي 1435م، وهو فقيه شيعي، استدعاه الشاه طهماسب ابن الشاه إسماعيل الصفوي من لبنان، للمشاركة معه في الحكم بعد أن أمر بوجوب طاعته، باعتباره الفقيه الأصلح الواجب طاعته شرعا وفقا لروايات التراث الشيعي. وكان الشاه حينها يعاني أزمة سياسية بفعل هشاشة الموقف الداخلي، وعدم تماسك قواعده الشعبية، وليس كرجل الدين قادر على قمع المعارضة، فاستجار بالفقيه وفرض طاعته، وقام الفقيه بشرعنة سلطته، وتخويله صلاحيات مطلقة لإدارة الدولة. وكانت الغاية الأساسية والهدف النهائي لكليهما السلطة. فالشاه عيّن الكركي فيها ولياً شرعيا، باعتباره الولي الشرعي المأذون بالتصرّف شرعا، وقام الفقيه بشرعنة سلطة الشاه!!!. فاعترف طهماسب بشرعية سلطة الكركي، على أمل أن يستمد منه شرعيته. وبالفعل أجاز الفقيه السلطان، بعد أن أغدق عليه عطاياه، ونصّبه حاكما شرعيا لمملكته. وبالتالي، وهذا ما يهمنا هنا، أن الفقيه مارس ولايته بقدر "شرعنة" السلطة الصفوية، دون ممارسته لها، باستثناء ولايته على الشأن الديني. وتعني شرعنة السلطة، انقلابا مفهوميا حقيقيا، يجعل من السلطة مشروعة بعد أن كانت مغتصبة، وتترتب عليها آثار عملية منها:

1- ارتفاع غصبية الدولة: حيث يحكم الفقه الشيعي بغصبية كل سلطة خارج ولاية أو إذن الإمام المعصوم، باعتباره صاحب الحق الوحيد في السلطة. ثم بإذن عام منه، كما تقول روايتهم، نصّب الإمام الفقيه للولاية / السلطة (فإني قد جعلته عليكم حاكماً). وهذا ما فعله الشاه طهماسب، الذي اعترف بولاية وشرعية سلطة الفقيه خاصة، فاكتسبت السلطنة شرعية، وبات الحكم مشروعا بعد أن كان مغتصبا. ولما أجازه الفقيه حق ممارسة السلطة، استمد شرعيته منه، فصار يحكم باسم الفقيه، وبهذا ارتفعت مغصوبية السلطة. وارتفعت حرمة ممارستها.

2- شرعية ممارسة السلطة: وإمضاء ممارسات وسلوك السلطان. مهما كان ظالما، خاصة قمع المعارضة باسم الدفاع عن مذهب الفقيه، فتهدر كرامتها، وحصانتها، ويصبح قتل النفس المحترمة واجبا. هكذا يزوّر الفقيه الوعي باسم الدين وحفاظا على شريعة سيد المرسلين!!!. والحقيقة أراد الفقيه تحقيق مصالح طائفية ومذهبية والاستئثار بالسلطة.

3- حصانة الدولة: منح الولي الفقيه حصانة ضد الدولة العثمانية التي استمدت هي الأخرى شرعيتها من مشيخة الإسلام المعادل للولي الفقيه. إذ لم تجد الدولة الصفوية مذهبا قادرا على مقاومة المذهب السني / الدولة العثمانية أجدر من المذهب الشيعي، فتبنته رسميا لقربه من منحى التصوّف الذي اتسمت به الدولة الصفوية منذ تأسيسها على يد صفي الدين الصفوي. وراحت تدعمه من خلال إحياء رموزه، وتقديسهم والاهتمام بالطقوس والمناسبات على حساب قيمه ومبادئه، قبل اختراقه من قبل الغلاة. وبعد ولاية الكركي، أصبح الدفاع عن الدولة الصفوية واجبا شرعيا مقدّسا. مما يؤكد أن الصفويين وظّفوا الفقيه الشيعي لتحقيق مآربهم السياسية، بينما لم يجنِ المذهب الشيعي من انتشاره الذي ساعدت عليه الدولة إلا مزيدا من الطقوس والخرافات وإحياء تراث ميت، كان الشيخ المفيد (وفاته 313هـ)، قد أحرقه وأتلفه. والاهتمام بقدسية الرموز. فواجه سلوك الكركي رفضا من قبل بعض علماء الشيعة كالمحقق الأردبيلي في العراق، والشيخ القطيفي في المدينة، ووجدوا في شرعنة السلطة الصفوية، شرعنة للباطل.

بهذا يكون موقف الكركي من السلطة الوضعية، قد مهّد لظهور نظرية فقهية جديدة، تسمح بممارستها بإذن الفقيه باعتباره منصوبا للولاية من قبل الإمام المعصوم (فإني قد جعلته عليكم حاكماً). وهي خطوة كبيرة، حررت الرأي الشيعي ولو جزئيا من مفهوم غصبية الدولة.

ثم نظّر لها الشيخ أحمد النراقي، مؤلف كتاب "عوائد الأيام" في أصول الفقه والمتوفى عام 1829م، وطبقها الإمام الخميني لأول مرة في إيران عام م1979. والحقيقة أن النراقي قد طوّر النظرية، بعد أن اقتصرت على شرعنة السلطة الوضعية لدى الكركي. ومنح الفقيه ما للنبي صلى الله عليه وسلم والأئمة من صلاحيات السلطة والولاية؛ إلا ما دل الدليل الشرعي على خروجه. فالفارق بين الأول والثاني أن الولاية في فهم الكركي تعني إجازة الملك أو السلطان حق إدارة الحكم، باعتبار حرمة ممارستها بدون إذن الفقيه. بينما الولاية لدى النراقي تعني تصدي الفقيه للحكم بنفسه، والتخلي عن "الانتظار". حيث أن السلطة وفقا للنظرية الشيعية مختصة بالإمام، ولا شرعية لأية سلطة قبل ظهوره. الانتظار يعني سلب شرعية السلطة الوضعية، فأحدثت ولاية الفقيه قفزة عقدية، حينما تجاوزت الانتظار ومنحت الفقيه كل ما للرسول والإمام من صلاحيات الولاية على أن يتصدى لها بنفسه، وتكون أوامره ونواهيه مشروعة.

بهذا يتضح أن ولاية الفقيه كمبنى فقهي تتوقف على مقدمات عقدية:

- ثبوت الولاية بمعنى حق التصرّف للرسول.

- ثبوت الولاية للأئمة

- ثبوت أن ولاية الإمام كولاية الرسول.

- ثبوت ولاية الفقيه، بنص قرآني، لأنها أصالة وبالذات لله.

- ثبوت إطلاق ولاية الفقيه.

وجميع هذه المقدمات، تتطلب أدلة قرآنية صريحة، ولا يكفي الاستحسان العقلي لإثباتها. فالاصطفاء كما مرَّ شأن إلهي، يستدعي دليلا قرآنيا صريحا. وثبوت ولاية الإمام فرع ثبوت ولاية الرسول. ولا يكفي كون الإمام علي هو نفس رسول الله، كما ترى العقيدة الشيعية، لعدم ثبوت دلالة آية المباهلة: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ)، ولو تمت جدلا، فلا دليل على وحدة الصلاحيات والمناصب الدينية، لأنها اصفطاء إلهي، تستدعي نصاً قرآنيا صريحا، وهو منتفٍ بالضرورة.

أزمة التشريع

إن إدارة الدولة معنى آخر لممارسة السلطة على الناس، من قبل أي شخص يتصدى للمسؤولية. والإدارة لا تنفك عن وجود أوامر ونواهٍ إدارية ليست ثابتة في أصل التشريع. وقد اختلفوا حول مصدر شرعيتها، هل هو إلهي أم بشري؟. وإذا كان إلهياً، فما هي حدوده وامتدادته؟.

وأما ما كان ثابتا في الشريعة فهو خارج عن الكلام، باعتباره تكليفا شرعيا، يجب امتثاله، يقتصر دور السلطة فيه على تنفيذ الحكم الشرعي. أو تارة يصدر الأمر والنهي من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا ما يقوله الفقه الإسلامي، وعليه هناك اتجاهان، حول مصدر شرعية السلطة، لنعرف ما هو دور الولي الفقيه فيها:

الاتجاه الوضعي:

يعتقد أن الشعب مصدر شرعية السلطة مباشرة، كما في الاستفتاءات، أو بواسطة المجالس النيابية، المخوّلة شعبيا بالتشريع. وهذا الاتجاه لا يعيش أزمة شرعية الأنظمة والقوانين، ولا يعاني شرعية الأوامر والنواهي الإدارية وغيرها. وقد ينكر الدين جملة وتفصيلا، أو يؤمن به علاقة شخصية بين الفرد وربه. وبالتعبير الفقهي هذا الاتجاه يرى ولاية الأمة على نفسها. أو ولاية الشعب على نفسه، وهو مصدر شرعية ما يصدر من أنظمة وقوانين، سواء وافقت أو خالفت الشرائع الدينية. فعندما يشرّع للحرية لا يأخذ بنظر الاعتبار ما هو محرّم شرعا، كشرب الخمر، بل يعتبره شأنا شخصيا، ضمن حرية الفرد. وقد يمنع شربه إذا كان الشعب مع إرادة النهي عنه. فالأوامر والنواهي تأخذ بنظر الاعتبار المصلحة العامة للشعب، رغم ما فيها مصادرتها لحرية الفرد ولو جزئيا، لكنها مصادرة لأجل مصلحة أكبر، كما بالنسبة للأوامر والنواهي المتعلقة بالأمن، فتمنع حيازة السلاح رغم أنه أمر شخصي. لكن ثمة مصلحة تقيّد مصلحة الفرد. وعليه فالشعب هو مصدر شرعية السلطة، من خلال توافقه على مفهومي الخير والشرّ. فالخير ما وافق مصالحه وحقق سعادته، والشرّ ما كان سببا لتعاسته وفرّط في مصالحه. فتكون النظرة براغماتية. وهذا يتفق مع مقولة الحسن والقبح عقليان. 

الاتجاه الديني:

يعتقد هذا الاتجاه، كما تقدّم تفصيلا، أن الولايتين التكوينية والتشريعية، ثابتة لله تعالى، عقلا ونقلا. وهذا أصل أولي متفق عليه، ولا ولاية لأحد على غيره، ما لم يدلّ الدليل القرآني. وعليه لا مشروعية لأي سلطة على البشر من قبل أي شخص. وليس من حق أية جهة مصادرة حرية الفرد وتقييد إرادته. لكن أضافوا: ثبت بالدليل جعل الولاية للرسول والذين آمنوا، الذين حصرهم الشيعة بالإمام علي والأئمة من ولده. بينما تمسّك باقي المذاهب الإسلامية باطلاق الآية، فيكون الإمام علي مصداقا له، وليس مصداقها الوحيد. فهم متفقون على أصل ولاية المؤمنين، ويختلفون في مصاديقها.

ثم وقع الاختلاف حول مصادر الحكم الشرعي لملء الفراغ التشريعي، بعد اتفاقهم على القرآن والسنة. إذ مع تعدد الحوادث واتساع الحياة، تتصاعد الحاجة للحكم الشرعي، وليس في القرآن سوى ما يقارب 500 آية من آيات الأحكام، تزيد أو تنقص قليلا حسب المباني الفقهية. كما أن السُنة النبوية محدودة، أمام المسائل الفقهية المستحدثة.  فاعتبروا الاجماع مصدرا من مصادر الحكم الشرعي، على تفصيل في شروطه، ثم دخل العقل، وقالوا ما حكم به العقل حكم به الشرع. فوقف أهل الحديث على السُنة، ورفضوا غيرها. ثم قالوا بالقياس والمصالح المرسلة. وقد مرَّ تفصيله.

وأما الشيعة فقد امتد عندهم عصر النص حتى نهاية الغيبة الصغرى. وبعدها بدأت مرحلة الاجتهاد. وقد برع المسلمون في علمي الفقه والاصول، الذي هو بمثابة منطق الفقه، لمعرفة  القوانين التي تضبط عملية استنباط الحكم الشرعي. وثم وضعوا قواعد أو ما يعرف عندهم بالأصول العملية لتحديد الموقف العملي من الحكم المشكوك.

كل هذا نحن مازلنا في أجواء النص، وما يرتبط به من قوانين وقواعد أصولية. لكن ماذا عن الأوامر الإدراية في الدولة أو ما يعرف بمنطقة الفراغ التشريعي؟ فأناط السيد محمد باقر الصدر، في كتابه اقتصادنا، منقطة الفراغ بالفقيه، واعتبره الوحيد المعني بملئها، من خلال ما يستنبطه من أحكام وفقا للأدلة النقلية والقواعد الأصولية. وهذا الاتجاه لا يشترط تصدي الفقيه، ويكفي إذنه واعتماد آرائه. في مقابل اتجاه ولاية الفقيه، التي تكتسب فيها القوانين شرعيتها من ولاية الفقيه المتصدى للسلطة.

تجدر الإشارة أن كل ما تقدم يرتبط بنظرية العبودية. وهي ترى "ما من واقعة إلا ولله فيها حكم"، ومهمة الفقيه الكشف عنه، وليس للإنسان سوى الطاعة والانقياد. وبالتالي فالتشريع الإلهي يستغرق الحياة كاملة. وهذا لا دليل عليه كما سبق بيانه. كما أن لازم هذه النظرية أن يبقى الفرد مرتهنا للفقيه وفتاواه. حتى وهو يصادر حريته، وحقه الوجودي في ولايته على نفسه.

بينما نظرية الخلافة التي أسعى جادا لتأصيلها فتقوم على أساس العقل ومركزية الإنسان في الحياة، ومسؤليته الشخصية عن مصيره ومستقبله. وأن الخلق خُلق لبيان عظمة الخالق من خلال الإنسان، عندما اعترضت الملائكة على خلقه، فكان الجواب إني أعلم ما لا تعلمون. (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). لأنهم لا يعلمون عن قدراته وإبداعاته وقوة عقله ووعيه، فكان المعوّل عليه في خلافة الأرض،  (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ). لذا أحكام الشريعة محدودة في الكتاب الكريم، وحجية السنة تقتصر على ما له جذر قرآني، وختم النبوة تعني مسؤولية الفرد والرهان على عقله. ولا ولاية لأحد على غيره.

وما يعزز هذه النظرية ومركزية الإنسان أن هدف النبوات، أن يقوم الناس بالقسط (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، بشكل يتحوّل إلى سلوك عام، أو مَلكة حقيقية لدى الناس كما في المصطلح المنطقي. دون الارتهان إلى أي شخص. بل أن في ختم النبوة دلالة أكيدة على ما نقول.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi5خاص بالمثقف: الحلقة التاسعة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق17) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

ماجد الغرباوي: اتضح أن الآية المتقدمة لا تدل على الولاية صراحة، وقد دلت قرائن السياق على إرادة خصوص النصرة، ما لم تُقتطع عن سياقها. وربما دلالة الآية التالية أوضح، وهي خاصة بالنبي، لا تسري لغيره، إلا بدليل قرآني لأنها شأن إلهي وليست شأنا نبويا، وهو مفقود بالضرورة.

وقد اختلفوا حول معنى الولاية، هل المراد بها خصوص الولاية التشريعية؟ أم أن المراد بها حق التصرّف بشكل يملك منهم ما لا يملكون من أنفسهم. فيكون من حق الولي التصرّف بمعزل عن رضاهم وإرادتهم، وكأنه يتصرّف في ملكه؟. والثاني هو الذي يهمنا لتدارك الاستبداد باسم الدين، خاصة أن هذا المعنى ليس له ظهور صريح، وتنفيه بعض الروايات عن سيرة النبي وسلوكه مع أصحابه، فينبغي التماس معنى ينسجم مع الإطار العام للقيم الدينية، وعدم مصادرة الفرد حريته واستقلاله، فهي قيم وجودية، تتوقف عليها مسؤولية الفرد ومصيره. والمسألة لا تقف عند حدود حق التصرّف إنما الأخطر وجوب الطاعة والانقياد وعدم التمرّد، والأمر يمكن تفهمه بالنسبة للرسول، لكن ماذا عن ولاية الفقيه، وهو إنسان يتأثر بقبلياته ويسقط رؤيته الكونية وعقيدته على فهم الدين، فتصبح الفتوى أو الحكم الولائي مرتهناً لإرادة بشرية تتحكم بها أيديولوجية الفقيه، ومصالحه الطائفية والمذهبية. بل حتى من يقف بالولاية عند حدود إدارة شؤون الدولة، وتدبير شؤون المسلمين، ثمة محذور احتكار القرار، والتمرّد على القانون، مهما كانت شرعيته حينما يتعارض مع إرادة الولي الفقيه. ولا تكفي كفاءته وعدله واستقامته وإيمانه وعلمه، رغم أنها شرط صحة الولاية، إلا أن الأمر مرتبط بقبلياته، وتحيزاته التي يسقطها على قراراتها، وهذا مكمن الخطر الذي يمنع من جعلها. الولاية أعم من القضاء والحكم، وأشمل من المواقف والقرارات. فنحن نلاحق دليل الولاية بمعنى القيمومة والتفرّد بالسلطة وحق التصرّف. للتأكد من مدى صدقيته، ومشروعيته كي نتفادى تزوير القيم الدينية، وفضح ألاعيب الفقيه، الذي يصرَّ على حقه في الولاية ويكفي أن ولايته في طول ولاية النبي والإمام بالنسبة للشيعة، فيتوقف ثبوتها وعدمها على ثبوتها لهما أولا، ثم شرعية سريانها لغيره بأدلة قطعية الدلالة والسند، وهي منتفية بالضرورة.

نعود إلى أدلة الولاية:

ثانياً: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ).

وهي ثاني آية استدلوا بها على ولاية الرسول، وحقه بالتصرّف في نفوس وأموال وأعرض المؤمنين، بشكل "يملك منهم ما لا يملكونه من أنفسهم". وحق التصرّف هو معنى الولاية موضوع البحث، فتكون قيمومة مطلقة، تتضمن صلاحيات مفتوحة، تستوجب طاعة الولي والانقياد له، مع حرمة معارضته والتمرّد على أوامره. وقد تبدو الآية صريحة في موردها. لكن هناك من ينفي دلالتها على الولاية مباشرة، ويرى أن كلمة "أَوْلى" ضمن سياق الآية تعطى معنى الأولوية والتقدّم والرجحان، لا معنى التصرّف والتحكّم. وتعني أن المؤمن يفتدي النبي بنفسه، ويقدّمه عليها في كل شيء، فهو نبي الله وخاتم المرسلين وعلى خُلق عظيم، ويشاهدون إخلاصه وتفانيه، ويعايشون بعض لحظات الوحي وهو يهبط عليه، فيتفاعلوا مع الأجواء الروحي، حد اليقين والصدق باصطفائه، وسموه ورفعته، وهذا سبب وجيه لتقديمه على أنفسهم. (فمعنى كون النبي أولى بهم من أنفسهم أنه أولى بهم منهم: ومعنى الأولوية هو رجحان الجانب إذا دار الامر بينه وبين ما هو أولى منه. فالمحصل أن ما يراه المؤمن لنفسه من الحفظ والكلاءة والمحبة والكرامة واستجابة الدعوة وانفاذ الإرادة فالنبي أولى بذلك من نفسه. ولو دار الامر بين النبي وبين نفسه في شئ من ذلك كان جانب النبي أرجح من جانب نفسه)، كما ذهب لذلك العلامة الطباطبائي صاحب الميزان، مثالا لا حصرا. غير أنه استظهر منها معنى الولاية التشريعية، ووجوب طاعة أوامر النبي، حينما تتعارض مع رغبات المؤمنين. وهذا هو الأقرب لروح القرآن ومقتضى الأصل، وعدم سريان الولاية ما لم يدل الدليل الصريح، فالآية لا تصلح دليلا على إرادة خصوص حق التصرّف، بينما الثاني يؤكده السياق والقرائن المتصلة والمنفصلة. فتقتصر الدلالة عليه، ولا تكون بنفسها دليلا قرآنيا على الولاية بمعنى السلطة وحق التصرّف بأموال وأنفس المؤمنين.

ثم إن تخصيص المؤمنين في الآية يؤكد إرادة معنى التقدّم والأولوية، التي تستدعي شخصا مطيعا، مُضحيّا، يتقبل أوامر النبي برحابة صدر وإيمان صادق، وهي صفات المؤمنين: (يُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ). فالتضحية والتنازل عن الحقوق لصالح النبي تعبير عن الحب والإخلاص. (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ). وهذا يعزز أن الإيمان يُعيد تشكيل وعي الفرد ومشاعره، ويخلق دافعا للعمل وفقا للمبادئ التي آمن بها. بل المؤمن في توجّس يبادر لعمل الخير، وكل ما يؤكد صدق إيمانه. وأصدق مصاديق الإيمان طاعة الله ورسوله، والامتثال لأوامره، ورغباته السامية، التي يقصد بها دائما رضا الله. وهذه الصورة تكفي للإيثار وتفضيله على أنفسهم. ومن باب أولى يقبلون أحكامه ولو كان فيها خصاصة أو حيف.

معنى الولاية

هنا احتمالات عدة لمعنى الولاية، ترجيح أحدهما على الآخر مرتهن للقرائن وسياق الآيات، والارتكاز إلى فهم للدين يأخذ بنظر الاعتبار مركزية الإنسان ومصالحه، ويلتزم بقيم الدين ومبادئه:

1 – الولاية التشريعية:

أي أن الآية بصدد جعل ولاية تشريعية للنبي، فتكون تشريعاته نافذة مهما تعارضت مع إرادة المؤمنين، وهذا معنى أولويته وتقدّمه، وقد ذهب لهذا المعنى عدد من المفسّرين والفقهاء. لكن سبق تفصيلا وبالأدلة الكافية، أن التشريع منحصر بالله تعالى، وله كلا الولايتين، التكوينية والتشريعية، (مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)، وليس هناك دليل صريح على جعلهما للنبي، وتبقى وظيفته وفقا لآيات الكتاب بيان وتفصيل ما له جذر قرآني. وهذا لا يسمى تشريعا بالمعنى الاصطلاحي، لأنه بيان وتفصيل اجتهادي وفقا لمقتضيات الحكمة، فتكون أحكاما تاريخية تراعي مصلحة الفرد في إطار الواقع وتطوراته. فالقرآن قد شرّع الصلاة، وترك تفصيلاتها لرؤية النبي واجتهاده. رغم شرعيتها ووجوب الإلتزام بها ما لم يتغير مفهومها، فحينئذِ تتطلب ما يناسبها من تفصيلات. بل بدأت الصلاة بركعتين ثم تطورت.وهذا ربما رؤية جديدة، فتبقى وجهة نظر خاصة. وحينئذٍ فاحتمال التشريع من الولاية منتفٍ بالنسبة لنا. وليس هناك ولاية تشريعية لأحد، وتبقى أحكام الشريعة محدودة، وماعداها اجتهادات وتفصيلات. فيسقط هذا الاحتمال.

وبالتالي لا ريب أن التشريع مختص بالله أصالة، وتتوقف فعلية أي حكم شرعي على نزول الوحي "قل الله يفتيكم"، "قل لا أجد فيما أوحي إليَّ"، (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ)، (فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ)، فيصدق أن "الحكم الشرعي في القرآن يعدُّ شرطاً لحجية سيرة النبي: قولا وفعلا وتقريرا. فتقتصر مهام الرسول على البلاغ والبيان والتفصيل. وهي خطابات ملزمة شرعا، شريطة فعلية موضوعاتها. وهذا هو القدر المتيقن الملزم من السنة في جميع الحقول. وما عدا ذلك يرتهن لدليله القطعي سندا ودلالة، ما دامت لا توجد آية صريحة بجعل الولاية التشريعية لأحد، سوى تأويلات تمت مناقشتها سلفا. وبهذا نخلص إلى نتيجة حول علاقة السُنّة النبوية بالكتاب الكريم: قولا وفعلا وتقريرا، مفادها، توقف الروايات التشريعية على وجود جذر قرآني، كي تكون الرواية مبيّنة أو شارحة أو مفصلة وفقا لاختصاص النبي قرآنيا. لذا فالسنة، كخطابات نبوية، لا تنحصر بالتشريع، ولا يمكن أن تكون جميعها حجة علينا، فهناك عدة مستويات تختلف في درجة إلزامها. وبهذا يتضح، لا دليل على حمل الولاية في آية الرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم، بل ويتعارض مع اختصاص التشريع بالله تعالى، وعدم جعله للولاية التشريعية لأحد غيره.

 2- الولاية بمعنى حق التصرّف:

وهنا المعنى يتوقف على (أن يكون النبي أولى بكل مؤمن من نفسه على نفسه)، وهذا ليس ظاهرا، فربما مراد الآية أن (النبي أولى بالمؤمنين من بعضهم ببعض) فتدل على وجوب الطاعة (فليس لمؤمن على مؤمن حق التصرّف). وتؤكده سيرة النبي فلم يرو أنه تدخّل في تصرّف في شؤون المسلمين باعتباره وليا عليهم وله حق التصرّف، وفي رواية، أن بعض الصحابة طلبوا منه مرارا أن يسعّر الطعام في المدينة، فرفض، رغم نهيه عن الاحتكار.

3- الولاية بمعنى الطاعة:

أي إذا أراد النبي شيئا، وأمر به، وكان مخالفا لإرادة المؤمن، فأمر النبي مقدّم ومطاع. لا باعتباره وليا كما ذهبوا لذلك، بل لأن أوامره في الإجرائيات واجبة الطاعة باعتباره وليا لأمر المسلمين، ومديرا لشؤونهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ). فهنا لا يوجد أمر تشريعي، بل أمر ولائي باعتباره وليا لا باعتباره قيما وله حق التصرّف. ويتأكد المعنى ضمن سياقها، حيث تقول: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، فيكون له مقام الأبوة كما لأزواجه مقام الأمومة التي تقتضي حرمة الزواج منهن بعد وفاته، دون غيرها كالميراث، وجواز النظر لهنَّ، وعدم وجوب الستر عليهنَّ. فكذلك بالنسبة لولاية النبي على المؤمنين له حق الطاعة عليهم، دون حق التصرّف.

3- الولاية بمعنى المسؤولية:

وهذا الرأي هو الأرجح والأكثر ظهورا في الآية، فيكون معنى الرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ذا مستويين:

المستوى الأول: مسوؤلية المؤمنين تجاه النبي وما يتطلبه الموقف، من تضحية وإيثار ومؤازرة، فهو بالنسبة لهم أولى من أنفسهم، ومصالحه وأوامره تقدم على رغبات النفس وتطلعاته.

المستوى الثاني: أن الرسول أولى بمؤازرة المؤمنين وتحمل المسؤولية عنهم، والأجدار في تفادي ما يقع عليهم من حقوق وواجبات. يشهد لذلك نهاية الآية: (وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ في كتاب اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنينَ والمُهاجِرِينَ) حيث قدمت الآية الأنساب على الهجرة في توارث المؤمنين، خصوصا المهاجرين كما في الروايات. فالآية وسياقها يدور حول مستويات الولاية بمعنى المسؤولية تجاه الآخرين، وما يتفرع عليها من استحقاقات عينية وغير عينية للورثة. فيكون النبي أولى من المؤمنين بميراث من لاوارث له، ثم الأنساب. ففي رواية عن قتادة، مشهورة في كتب الحديث لدى الجميع، قال في بعض القراءة (النَّبِيُّ أوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ وَهُوَ أبٌ لَهُمْ)، فالأولوية هي مقتضى الأبوة، ثم رووا ما يؤكد هذا أكثر: وذُكر لنا أنه قال: "أيُّمَا رَجُلٍ تَرَكَ ضياعا فَأنا أوْلَى بِهِ، وَإنْ تَرَكَ مالا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ". وهذه دلالة بليغة على إرادة معنى المسؤولية الأبوية، ولا علاقة لها بالولاية بمعنى حق التصرّف. وهنا ينبغي التنبيه لا نقصد من الرواية تأييد التحريف بل أن جملة (وَهُوَ أبٌ لَهُمْ) تكون تفسيرا وبيانا لمعنى الأولوية في الآية.

فيبقى الأصل عدم ولاية أحد من الناس على غيره سوى من حددتهم الآيات البينات، وهم السفيه واليتيم، وحدودها البلوغ والرشد، والقدرة على تحمل المسؤولية بأنفسهم. وهي قضية عرفية أكثر منها دينية، فجميع المحاكم بالعالم تصدر حكما بتعيين قيّم وولي لهم، ثم  ترتفع ولايته ببلوغه مرحلة الرشد، ذكرا كان أم أنثى.

أما لماذا لا نستفيد منها الولاية بمعنى السلطة، فلأنها تتعارض مع آية الشورى، فتخصصها وفقا لقواعد الجمع العرفي المتعارفة في أصول الفقه. فتختص بقضايا المؤمنين الحقوقية. كما أن الولاية بمعنى السلطة تتطلب رعاية سماوية، وهذه الآية مطلقة، مما يؤكد تخصيصها. والأهم من ذلك عدم وجود دليل صريح على المطلوب.

ثالثا: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)

هذه هي الآية الثالثة التي قد يُفهم منه جعل الولاية للنبي، إذا حُمل القضاء وسلب حرية الاختيار على معنى حق التصرّف. غير أن  الفارق واضح بينه هذه الآية وآية الرسول أولى بالمؤمنين من أنفسه، فلا يمكن حملها على هذا المعنى، إذ هنا يجب الانصياع لقضاء الرسول، لا باعتباره ولياً، بل لمطابقة حكمه للواقع، واشتماله للمصلحة المطلوبة وفق ملاكات قد لا نعرفها. وليس المقصود بالقضاء هنا خصوص المرافعات القضائية والفصل بين المتخاصمين، لأن تسوية هذا النوع من الخلافات تجري، كما مرَّت الإشارة، وفقا للأدلة والشهود والبينات، ومثالها حكم الزنا في القرآن الذي يتوقف ثبوته على صدق الشهود. وقد ورد عن الرسول الكريم: (إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة).

فالمقصود بالقضاء في الآية أعلاه قرار نبوي، يجب طاعته والالتزام به، رغم تعارضه مع رغبات أطراف القضية. وهي طاعة مفترضة له بموجب آية أطيعوا الله والرسول، وليس ثابتة له بموجب ولاية تستمد شرعيتها من هذه الآية.

ثم إن أسباب النزول تشخّص لنا الموضوع، فتقييد إطلاق الآية، وتجعل منها قضية خارجية محددة، وهذا ما تدل عليه مصفوفة الآيات وما اشتهر عندهم، بأن النبي خطب زينب بنت جحش لربيبه زيد بن حارثة، فرفضت، ثم نزلت الآية فوافقت: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا). ولما طلقها زيد، كان النبي له رغبة فيها وقد اعجبته من قبل، غير أنه كان يقول له: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ). لذا أمرته الآية باعلان خطبته ولا حرج عليه في ذلك شرعا: (فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ۖ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا (38)..). وسبب الحرج كانوا يعتقدون حرمة نكاح زوجات من تبنوا. فهي ليست زوجة ابنه، (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ)، ومحمد ليس أبا لأحد من الناس: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). فالغاية من سرد القصة بيان أن الآية نزلت في قضية محدودة، ورغم أن المورد لا يخصص الوارد، إلا أنه يبين خصائص وشروط الموضوع، الذي تتوقف عليه فعلية الحكم. وليس لأحد حق غير النبي أن يتصرّف بهذه الطريقة، حيث يفرض على المرأة الزواج من شخص لا ترغب به.

وبالتالي لا دلالة للآية على الولاية بمعنى حق التصرّف، ويبقى الأصل عدم ولاية أحد على الآخر، وتبقى الولايتان التكوينية والتشريعية لله، ولم يدل الدليل على جعل أيا منهما لأحد الأنبياء.

الولاية والسياسة

ثمة ملاحظة مهمة، إن عدم ثبوت ولاية للمؤمنين، بمعنى السلطة وحق التصرّف، ومحدودية طاعة أولي الأمر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)، دليل على:

-  أن ولاية الرسول، (إن ثبتت) فهي ولاية مرحلية مسددة بالوحي، تنتهي بوفاته بعد انقطاعه. فيصدق أنها ولاية إلهية أكثر منها بشرية، يمكن تنبيهه متى ما أخل بشروطها: كقوله (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ)، حيث استخدم النبي صلاحياته عندما إذن لهم، فنبهته الآية فورا، وهذا دليل على خطورة الصلاحيات المفتوحة، مهما كانت منزلة الولي. لذا لا تسري لغيره تحت أية ذريعة. فنخلص أن الولاية الحقيقة إما أنها لله أو مسددة بالوحي، وليست ثمة ولاية خارج هذه الدائرة. بل المنطق القرآني مع الشورى، وعدم الاستبداد: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ)، (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه)، والتوكل هنا كناية عن اتخاذ القرار بعد التشاور، فيظهر من الآية أن الشورى ملزمة حينما رتّبت القرار عليها. ثم أليس عدم الإلتزام بالشورى والاقتناع بآرائها استخفاف بالمؤمنين؟ وهذا لا يفعله نبي. خاصة أن الشورى ليست في الأحكام  الشرعية المتوقفة على نزول الوحي، بل في القضايا الإجرائية والتنفيذية، فمن باب أولى تكون الاستشارة من أجل قرار صائب. لكن المفسّر يُسقط نزعته العبودية على فهم النص، ويميل لا شعوريا للتفرّد والاستبداد بحجة أن النبي معصوم مسدد من السماء. وهذا صحيح لكن بحدود، ويبقى الرسول بشرا (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ)، يحتاج للاستشارة، فأمرته الآية بها.

- إن عدم ثبوت ولاية أولي الأمر بمعنى السلطة والقيمومة لا بمعنى الإدارة والتدبير، دليل على أن الدولة ضرورة اجتماعية وليست دينية، إذ مقتضى كونها ضرورة دينية ثبوت ولاية الولي، وبيان حدودها، وشروطها، وشرعنة سلطته.

- الولاية تتعارض مع منطق الخلافة الذي مرَّ الكلام حوله، والذي نتبناه في مقابل منطق العبودية. فنظرية الخلافة تقتضي مركزية الإنسان، وحريته، واستقلاليته، وعدم خضوعه لمنطق الولاية، كي يمكنه استخلاف الأرض، ويكون مسؤولا عن سلوكه وتصرفاته.

 

وبالتالي يكون البحث في ولاية الفقيه وفقا للنظرية الشيعية، استطرادا،  لعدم ثبوت الولاية للنبي، فمن باب أولى لا تثبت لغيره.

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com