حوار مفتوح

majed algharbawi12 (1)احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

مفاهيم الخلق

ماجد الغرباوي: إلحاقا بما تقدم في الحلقة السابقة حول مداخل التأويل، نضيف:

خامساً: جميع آيات خلق الإنسان من طين جاءت مجملة، خالية من وقائع الخلق وتفصيلاته كما مرَّ في الأساطير، واكتفى الكتاب بإشارة مبهمة، يتبادر منها، أنه خلق هيكلا طينيا، بمعنى أبدعه، كما مرَّ بيانه، ثم قال له كن، فكان إنسانا سويا. فهل نحته، وسوّاه وعدّله كما يسوي النحات تماثيلهم، ثم نفخ فيه فصار إنسانا بأمر تكويني؟. أم أراد بهذا مثلا لتقريب فكرة الخلق، بناء على  رمزيتها؟.

سادساً: ثمة مناشئ أخرى لخلق الإنسان، أشار لها القرآن: (سلسلة من طين، طين لازب، صَلْصَالٍ، حَمَإٍ مَّسْنُونٍ، ماء، تراب، علق، نطفة). مما يؤكد وجود مشترك مفهومي، يمكن للعقل انتزاعه، ويكون هو المقصود دلالة. فيأتي التنوّع لتمويه الواقع وتمرير ثيمة القصص، مادام الحق معها عندما تكون رمزية، ومع تطابق الواقع عندما تكون واقعية.

سابعا: جميع الآيات باستثناء آية: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، تحدثت عن خلق الإنسان بما هو إنسان، فيكون آدم في الآية مجرد مصداق لمفهومه. أو يشار به لنوعه، وطبيعته. ولازمه عدم التمسك بظاهر الكلام. إذ تحدثت الأساطير عن كيفية خلق الإنسان الأول، وليس نوع الإنسان. والتوراة تحدثت عن خلق آدم وحواء. بينما القرآن تحدث عن خلق الإنسان، وتحدث عن آدم قبل هبوطه الأرض. بمعنى أدق لا مبرر لحمل آيات خلق الإنسان على خلق آدم الشخص، المشار له في آية: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)، بل الآخير سيكون مصداقا وفردا للإنسان النوع، كما هو واضح من الخطاب في آية (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ). فهل خلق كل فرد من طين، أم الحديث عن نوع الإنسان وآدم أحد مصاديقه؟.

إذاً، بناء على:

- رمزية قصة الخلق،

- وأن القرآن كتاب ديني، بعيدا عن العلم ونظرياته،

- وأن السرد القصصي سرد أدبي، وليس وثائقيا أو تقريريا

- وأن المراد بالخلق تارة الإبداع وتارة الإيجاد من عدم،

- وأن جميع آيات خلق الإنسان جاءت مجملة،

- وأن القرآن قد أشار إلى غير الطين مصدرا لخلق الإنسان،

- وأن خطاب الخلق موجه للإنسان، مطلق الإنسان.

يمكن وفقا لهذه المقدمات إدراك ثيمة القصص في إطار مشاغل الدين وهمومه الرسالية، التي منها أسئلة الوجود، وتقديم إجابات حول أصل الإنسان ومصيره، وما يحط به من ظواهر مؤرّقة كالموت وما بعد الموت، وإضفاء معنى لحياته ووجوده. وأي تأويل خارج إطار مشاغل الدين يضع الباحث في دوامة تكهنات بعيدة عن روح القرآن، كأسلمة العلوم، والتوفيق بين الدين والعلم. أوتقويل الآيات خرافيا، أو تكريسها لمصالح أيديولوجية. وهذا لا يمنع استلهام قيم القرآن، والتأسيس عليها. أو بناء منظومة أخلاقية وقيمية. الكلام عن التأويلات التعسفية القسرية التي تضر بمصداقية الكتاب، والتي نعتها بالتأويلات السلبية، في مقابل التأويلات الإيجابية لتحديد رمزية الآيات. إن التفسير في إطار دور الدين يضع الآية في سياقها الديني، ويسمح بتأويلات لا ترهق النص، سوى الانتقال من حقل دلالي إلى حقل دلالي تأويلي يكشف مكامن العبرة والموعظة، التي هي هدف أساس للسرد القصصي، ولو على حساب ظاهر اللفظ، مادامت صدقية الحق مع هدف السرد لا وقائعيته وأحداثه التاريخية. ولا ريب أن قوة القرآن تكمن في انفتاحه على الممكنات، وقابليته للتأويل في كل زمان، بعيدا عن مدونات التفسير الرسمية، التي ارتبطت بفضاء ثقافي، استمد وجوده من أوضاع سياسية وعقدية وفكرية مختلفة، لذا لايمكن الخروج من سجن التراث وتحييده بدون تفكيك أسيجته القدسية، كي ننفتح على دلالات يحول التراث دون إدراكها حينما يفرض محدداته، ويحاصر الباحث بقدسيته.

لا أقصد التبرير والبحث عن مخرج لدفع شبهة التداخل بين الأسطوري والديني. ولا أجد في تصديق ما بين يديه من الكتاب، مداهنةً على حساب الحق والحقيقة. بل أن مقتضى الموضوعية التأكد من دلالات الألفاظ، ومرادها الاستعمالي. ومجرد تشابه الفكرة لا يكفي، ما لم نجزم بتطابق دلالات الألفاظ ضمن سياقات النصوص، وما يحفّه من قرائن لفظية وسياقية. ولا أبغي الدفاع عن عقلانية الكتاب عبر تفسير مجازي لمفاهيمه، بل لأن المعنى المجازي يتلاءم مع ثيمة القصص، سيما عندما تكون مدعومة بتعدد مناشئ خلق الإنسان، وعدم وجود تفصيلات مشابهة في نصوص أساطير الأولين. وهذا يكفي لتحري دلالات تنسجم مع مشاغل الدين والكتاب وعدم الوقوف على المعنى الظاهري للفظ. وقد مرَّ الكلام، أن القصص القرآني لا يعتني بالوقائع والأحداث، ما لم تقتضٍ الضرورة، لذا نوّع مناشئ الخلق، الطين، التراب، الماء، الصلصال، لتشتيت فكر المتلقي وصرفه عن الوقائع إلى ثيمة النص. فهي مجهولة، غير مقصودة، وسرّ من أسرار خلقه التي لا يطلع عليها أحد: (مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ). وتركت للآيات المحكمات مهمة ترشيد وعي القارئ، لمعرفة فلسفة الخلق وليس وقائعه. فلسفة الخلق كفيلة بالإجابة على الأسئلة الوجودية الكبرى، بعيدا عن الوقائع والأحداث، فإنها لا تجيب على أسئلة الوجود، ولا تعزز أمان الإنسان واطمئنانه ولا تعني بمصيره، ولا تقدم له رؤية كونية، ولا تضيف لحياته معنى، وكل هذه مقاصد دينية. بينما الحديث عن خلافة الإنسان يؤسس لوعي إنساني، في ضوئه يحدد دوره في الحياة، ومسؤوليته تجاه نفسه والآخر، وحدود العلاقة بينه وبين الطبيعة. وبالتالي تكفي الإشارات المجملة، ويبقى خلق الإنسان في إطار سنن وقوانين الكون، يمكن للعلوم الحديثة التوصل لها. وليس مهمة القرآن تقديم كشوفات علمية عن خلقه. مهمته توجيه الإنسان لمسؤولياته الحياتية، وتحديد مصيره وطبيعة علاقته بخالقه، وما يجب عليه من التزامات دينية وأخلاقية واجتماعية، فيراعي قوة تأثير اللفظ وسحر بيانه ومستوى إيقاعه على مسامع المتلقي. فتارة يصف إنقلاب عصا موسى بـ"الجان" وفي آية أخرى يصفها بـ"حية تسعى"، حسب سياق القصص، فترى العقل التراثي  يحار في فهم دلالات الاختلاف بينما القراءة الأدبية للنص القصصي يدرك ماذا أراد الله بهذا مثلا. وهكذا هنا مرة يقول خلقه من طين، من تراب، من ماء، من علق، من حمأ، من صلصال، كل ضمن سياق السرد بما يحقق الأثر المطلوب على مسامع المتلقي!!. فالهدف وثيمة السرد هي التي تحدد المستوى البلاغي للمفردة. ولا شك أن خلق الإنسان بما هو خلق له منشأ واحد ثابت في علم الله تعالى. فالتعدد يغدو دالا على إرادة المعنى المجازي. وهذا ما نقصده. وفي هذا السياق فإن حمل الطين على المعنى الحقيقي لا يخدم هدف الدين سوى تصديق ظاهري لما بين يده من التوراة والإنجيل، كرهان لإثبات نبوة محمد بن عبد الله، حينما جعل اليهود وقائع قصص الأنبياء مقياسا لصدق نبوته. ولازمه التضحية بصدقية الكتاب عندما يرسّخ انطباع المجتمع المكي بقولهم: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا). فوظّف المفهوم مجازا بما يخدم هدف الدين، وارتهن الوعي الديني لسياق القصص والآيات المحكمة، بعيدا عن التراث وتفسيراته التي انهمكت في تصور وقائع الخلق وتفصيلات أحداثه، على حساب ثيمة القصص وغاياته، فغدت مادة للتسلية وليست للعظة والعبرة: (قَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي). فيصدق أن بعض التراث يسلب الفرد عقله ووعيه، ويعيد تشكيله بما يخدم هدفه، مهما كان خرافيا يتعارض مع الدين وحكمته.

رمزية الآيات

سؤال البحث: ما هي دلالة الطين بعد أن دلّت الشواهد على مجازية قصة الخلق؟. وهنا توجد دلالات غير نهائية، تتحكم القرائن اللفظية والعقلية بقوة احتمالها، فتبقى دلالتها مفتوحة، تكتسب من النص ثراءها وقابلياتها التأويلية. وهي قابلية تتطور بتطور البيئة الثقافية والكشوفات المعرفية وجدارة المناهج العلمية، مادام المتلقي شريكا في المعنى المجازي. فيصدق أنها وجهة نظر تأويلية مرتهنة لأدلتها. وهنا أستعين بآيات الكتابة في مقاربة تأويلية لسياقات "عملية خلق الإنسان"، بعد استبعاد إرادة المعنى الحقيقي من لفظ الطين. وهي قد تتطور عبر دراسة جديدة مستقبلا:

1- ربما تأكيد الآيات على الطين ومثيلاته جاء مثالاً يتتناسب مع وعي مجتمعي بسيط، يحتضن ثقافة أهل الكتاب، ويألف صناعة الأصنام، فيأتي الخلق من طين بمعنى الإبداع، كما في مثال عيسى المتقدم. والأمثال أسلوب قرآني استراتيجي، يعتمد منهج المقارنة في بعدها البلاغي، فيكون أقوى تأثيرا : (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)، (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). فالمثل يتضمن فكرة عميقة تستدعي قدرا من التأمل الفكري، يدركها العلماء والمتفكرون. ويكفي الفارق النوعي بين الإنسان والطين لحمل اللفظ على المعنى المجازي، كما في القصص الرمزي، الذي يضمر أكثر مما يظهر، ويخفي ويتستر لتمرير ثيمته. يتشبث بظاهر اللفظ ويراهن على رمزيته ومضمراته وقدرة الناقد على تحري المعانى المجازية، مهما كانت بعيدة، شريطة انسجامها مع ثيمة القصص. والطين كما له معنى حقيقي له دلالات رمزية، يمكن توظيفها لتحقيق هدف السرد.

2 - كما أشار الكتاب للطين أشار للماء والتراب مستقلا. لا بصفتهما مكوناته. فتعددت مناشئ الخلق، لتكون دليلا على الانصراف للمعنى المجازي دون الحقيقي. وهي مفردات تستدعي البحث عن دلالتها ضمن سياق القصص، بحثا عن دلالات استقلاليتها، هل هي منشأ آخر للخلق أم ثمة  اشتراك ولو مفهومي بينها؟: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا)، (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ):

- يعني التراب لغة، كما في معجم المعاني الجامع، وقاموس المعجم الوسيط): (التُّراب: ما نَعُمَ من أَديم الأَرض.. بسعر التُّراب: رخيص جدًّا) وفي غريب القرآن: (والتراب: الأرض نفسها.. وترِبَ افتقر، كأنه لصق بالتراب. قال: "أو مسكينا ذا متربة". أي ذا لصوق بالتراب لفقره). فمعنى التراب = الأرض. ويضرب به مثلا  لرخص قيمة الشيء، لرداءته وتفاهته. فيكون السياق قرينة على إرادة معنى مجازي، استدعته أغراض بلاغية، لتحديد فارق القيمة الكبير بين شيئين حسياُ، كما في مثال: "التراب والتبر". أو "أين الثرى من الثريا". فيدخل التراب طرفا أدنى في المفاضلة بين أمرين أو قيمتين. التدني في مقابل العلو والسمو. يظهر هذا واضحا في قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ، قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ). فالتراب لا يرقى للنار في سموها. هي شعلة ضوء متألقا مفهوما، بينما التراب، ابتذال في نظر إبليس، فكيف يسجد لمخلوق ترابي؟. فالآيات التي تركز على المفاضلة يكرّس فيها مفهوم التراب التفاهة والرداءة. فكأن الآية تقول خلق الإنسان، نوع الإنسان، من تراب، من شيء بسيط، مبتذل، تافه بنظركم، لكنه ينطوي على قيمة عظيمة في خلافته للأرض وإنسانيته وعقله ووعيه. والأمر لا يقتصر على التراب، بل أن وصف الوضاعة مصرّح به في آية: (أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ)؟. وهل يصدّق الإنسان أنه خُلق من ماء مهين؟ لكنها الحقيقة، فجاء الماء المهين طرفا في المفاضلة. فالمقارنة تنسجم مع غايات الدين ومقاصده، بينما المعلومات العلمية لا تخدم الغرض. لا يريد القرآن أن يكون بديلا عن عقل الإنسان وقدراته الخارقة في البحث عن الحقائق العلمية. وبالتالي فهو كتاب ديني، تأتي آياته منسجمة مع هدفه. وهذه الآيات ترسم صورة بلاغية للمفاضلة بين الأدنى والأسمي، تذعن لها النفس، وتغدو دليل على عظمة الخلق، وهذا ما يريده الخطاب القرآني. إن بنية العقل العربي بنية خيالية، شاعرية، تتأثر بالصور الشعرية والبلاغية وكل خطاب يحرك مشاعرها، ويثير مكامن النفس البشرية. والشخص العربي يحركه النص، سواء كان شعرا أو نثرا أو قولا مأثورا، وتحركه الصورة البلاغية فيه، وقد كسب القرآن رهانه على البعد العاطفي والخطاب الأدبي البلاغي.

- وأيضا في آية: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ). تتجلى صيغة المبالغة من خلال عبارة: "أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا"، فقد خلكم من طين لازب، شيء بسيط لا يخطر ببالكم، وانظروا لفارق الخلق. أو من طين لازب كما تعتقدون لكن أنظروا لفارق الخلق والإبداع. فيكون الطين كالتراب يُضرب به مثلا لفقر قيمة الشيء. وهذه زاوية أخرى ينظر بها للطين.

- وأيضا في آية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا)، يفسرها قوله: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ). فالآية استشهدت بقصة الخلق لتؤكد قدرة الله على بعث الإنسان يوم الحساب، وليس لبيان وتفصيل خلقه، في حديث موجه لمنكري يوم البعث والحساب، بحجة عدم قدرة الله على إحياء الموتى.

3- لا يقتصر وجه الشبه بين عيسى وآدم في آية: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، على ولادتهما من غير أب. وثمة فسحة لتأمل النص بحثا عن قرائن دالة على أحد المعنيين: الحقيقي أو المجازي. أما بالنسبة لعيسى فقد أفاضت الآيات في شرح أحواله: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا، قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا، قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا،  قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا، فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا، فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا، فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا ...). وفي آية أخرى:  (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ). فعيسى مرَّ بجميع مراحل حمل الجنين من انعقاد النطفة حتى ولادته إنسانا كاملا، بما فيها تخصيب البويضة. بمعنى أدق أن ولادته إنسانا كاملا دليل على مرور الجنين بجميع مراحل الحمل بدءا من انعقاد النطفة، غاية الأمر أن انعقادها مجهول لدينا، وشاء الله أن يكون مجهولا لغاية ما. وبالتالي وهذا ما نريده، فإن مقتضى التشبيه بين عيسى وآدم، أن الأخير قد مرّ بجميع مراحل الحمل، من انعقاد النطفة حتى ولادته، وما الطين سوى كناية عن قوله، الذي تكرر في عيسى وآدم: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، فـ"كن"، هي سرّ الخلق، هي إرادة الله المتمثلة في قوانينه الكونية، وما الطين سوى إبداع ومثال لتقريب الفكرة. وكذلك بالنسبة إلى عيسى: (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، فكلاهما تكونت نطفتهما الأولى بـ"كن"، و"كن"، رغم أنها أمر تكويني لا يتخلف موضوعها، غير أنها لا تنفي الأسباب الطبيعية، ولا تلغي تسلسل العلل. فيمكن أن يكون بـ"كن"، ضمن قوانين الكون والطبيعة البشرية. وبالتالي ليس المهم ما نوعية المادة التي خُلق منها الإنسان، وليست هي بحد ذاتها غرضا رساليا، كي يشغل العقل المؤمن بها. الخلق الحقيقي، أن يقول للشيء كن فيكون ضمن قوانين وأنظمة الطبيعة.

4- وربما التراب والطين كناية عن الأرض التي احتضنت النواة الأولى للبشرية، ثم تطورت (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا)، فالآية كما تصدق على أطوار الجنين في بطن أمه تصدق على أطوار النواة الأولى التي عبر عنها في آية أخرى بسلالة من طين: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، وثمة إشارة في قوله: (والله أنبتكم من الارض نباتا)، مشجعة على تأويل التراب والطين بهذا المعنى، غير أن دلالتهما على بساطة وتفاهة الشيء أقوى في سياق جملة من آيات الخلق. والتدبّر منهج قرآني وعقلائي يفتح آفاقا واسعة للتأويل للكشف عما ترمز له الألفاظ المستخدمة هنا.

يأتي في الحلقة القادمة


.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi11احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

ترميز القصص

اكتفى القرآن بإشارة مجملة لذات عناصر أسطورة الخلق: (الطين "ماء وتراب"، وعلة الخلق / الله) تصديقا لما جاء في التوراة، بناء على استراتيجيته في تصديق ما بين يديه من الكتب السماوية، دون أن يذكر شيئا مما جاء في أسطورة الخلق، التي صوّرت عملية خلق الإنسان: "ذبح أحد الآلهة وعجنه بالطين". وكيف جمع جبرائيل التراب من الجهات الأربعة، كما في التوراة. ولا ريب في تفاوت الدلالة بين الإجمال والتصريح. الثاني عكس الأول، يصدق دليلا على إرادة المعنى الحقيقي، أو ما يصطلح عليه بالنص مقابل المجمل والظاهر، من دلالات الألفاظ. ليس للنص، في مباحث الألفاظ، سوى معنى واحد يكون دالاً عليه. ويشكّل تبادر أحد المعاني قرينة على إرادته في الظاهر. بينما لا توجد قرينة على إرادة معنى دون غيره في المجمل، فيُهمل عندهم. هذا على مستوى الألفاظ. والآمر يختلف بالنسبة للنصوص المجملة، حينما تتضمن إحالات غير ظاهرة، تدل عليها سياقات الكلام بالتدّبر والتأمل الطويل أو قرائن منتزعة. كما في آيات خلق الإنسان من طين، فهو نص مجمل، يطرح أسئلة عن طبيعة العلاقة بين الطين والإنسان، وما ضرورته إذا تعلق الأمر بقدرة الله وإرادته "كن فيكون"؟. كل ما يمكن خلقه من الطين تمثالا، قد يغدو صَلْصَالٍ "مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ".العقل لا يكف عن السؤال، والاستفهام قدر الوعي. ولا خيار لمعرفة الحقيقة سوى التأمل في ذات الآيات. ما مدخلية الطين في حقيقة الإنسان، و" مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً". بناء على رمزية قصة الخلق؟.

في أسطورة الخلق نقرأ مشهدا متحركا لعملية الخلق، يظهر فيه الطين (أو الماء والتراب) مكوّناً أساساً فيها. والمشهد في الأساطير والتوراة هو مشهد الطين نواة خلق الإنسان. بينما يختفي هذا المشهد في الكتاب، سوى إشارة مجملة للطين، الماء، التراب، العلق، المني أو الماء الدافق،.وبدلا من مشهد الطين يحل مشهد الإنسان في مكانته ورفعته خاصة حينما يكون رهانا للخالق أمام الملائكة. ومادامت الإشارة للطين مجملة فهذا يستدعي تحري أبعاد القصة في ضوء المنهج القرآني القائم على ردّ المتشابه للمحكم، سواء كان المحكم من ضمن مصفوفة الآيات التي تناولت موضوع خلق الإنسان أو من خارجها. المبدأ في فهم النص ضبط حركته في إطار الكتاب الذي يفسّر بعضه بعضا وهو مهيمن على غيره من الكتب، دون الوقوف عند حدود التفسير، واعتماد التأويل لإدراك ثيمة القصص الرمزية، ومنها قصة الخلق. أقصد ينبغي معرفة كيف يقدّم القرآن قصة الخلق، وكيف يوظف لفظ الطين والماء والتراب، وعلى هذا الأساس نفهم دلالات الآيات. وهنا مهمتان:

- ما علاقة قصة الخلق بالأساطير القديمة؟.

- وماذا نفهم من قصة خلق الإنسان بالقرآن؟.

الأول نتحرى به علاقة القصص بالأساطير. والثاني نفهم نسبة المعرفة الدينية إلى المعرفة العلمية. ومدى التعارض والتوافق بينهما. اعتمادا على التدبّر والتأويل والاستعانة باللغة لتحديد معاني الألفاط، وجميعها مناهج قرآنية. وبالتالي ننشد فهم القرآن لا تفسيره أو الجمود على ظاهر آلفاظه، لنخرج بنتيجة عبر مخاض تأويلي يحي القيم الإنسانية، ويحافظ على منطق العقل.

آيات الخلق

تناولت آيات الكتاب خلق الإنسان من زوايا عدة، تنصف كالآتي:

1- خلق الإنسان من طين: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ)

 (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ)

(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ).

(فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ)

2- خلق الإنسان من سلالة من طين: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ). وسلالة من طين، أي مُستلة، ومُنتزعة من طين.

3- خلق الإنسان من مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ). والصلصال: الطين اليابس يُسمع له صلصَلة. حمإ مسنون: تغير وأنتن. وفي هذه الآية انتقل من الإنسان إلى البشر.

(خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ)

4- خلق الإنسان من تراب: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا)

(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ).

(قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا)

(َمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ)

5- خلق الإنسان من ماء: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا)

6- (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ)

7- (خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ)

(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)

(وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)

(مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ)

8- (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى)

 (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ)

(أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ)

وهنا نسجل ملاحظات، تمهّد لفهمٍ ينتقل بنا إلى رؤية تنأى عن مرويات التراث وغرائبية قصصه حول خلق الإنسان.

مداخل التأويل

أولاً: خلصنا من خلال الأدلة المتقدمة إلى رمزية قصة الخلق، فتكون وجهتنا التأويلة، ثيمتها لا وقائعها وأحداثها. وتقدم أن رمزية القصص لا تتعارض مع صدقية الحق / القرآن، مادام هدفها العظة والعبرة، التي كما تتحقق بالقصص الواقعية تتحقق بالقصص الرمزية، خاصة القضايا التجريدية والمفارقة. فالحق ما يترتب عليها من آثار تتوخاها رمزية القصة، وقد مرّ تفصيل الكلام. يقول الرازي صاحب التفسير في قصة إبراهيم وذبح الطيور، أنها كانت مثالاً تقريبيا لتوضيح فكرة إحياء الموتى: (أجمع أهل التفسير أن المراد بالآية "قطعهن" وأن إبراهيم قطع أعضاءها ولحومها، وريشها ودماءها، وخلط بعها على بعض، غير أبي مسلم فإنه أنكر ذلك، وقال: إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الميت من الله تعالى أراه الله تعالى "مثالاً" قرّب به الأمر عليه). (أنظر: الرازي ج7. روح المعاني ج3). وهكذا ذهب صاحب تفسير الميزان حول قصة الخلق وإسكان آدم وزوجه الجنة. يقول الطباطبائي: (والقصة وإن سيقت مساق القصص الاجتماعية المألوفة بيننا، وتضمنت أمراً وامتثالاً وتمرداً واحتجاجاً وطرداً ورجماً وغير ذلك من الأمور التشريعية والمولوية، غير أن البيان السابق على استفادته من الآيات يهدينا إلى كونها "تمثيلاً للتكوين"...). (أنظر تفسير الميزان، ج8، ص24، الأعلمي للمطبوعات). وهو معنى رمزية القصة في كلا المثالين، قصة إبراهيم وآدم. تقول الآية: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ). فالذين آمنوا يدركون رمزية المثل، ويعلمون أنه حق من ربهم رغم مجازيته. وهذا الفهم يمهّد لمقاربة قصة الخلق من زاوية مختلفة.

ثانيا: ليس القرآن كتابا علميا، كي يقدّم نظرية علمية عن أصل الإنسان، أو يقدّم استعراضا بايولوجيا لجسمه وكيفية خلقه. وجميع آياته الكونية جاءت ضمن الإطار التوحيدي للفكرة الدينية المتعالية، طابقت أو لم تطابق الواقع. وقصة الخلق جزء من الكتاب، فينبغي فهمها ومقاربتها في سياق قصديته القائمة على ثنائية حق / باطل. ورفد الإيمان بالله ووحدانيته وملائكته واليوم الآخر وأنبيائه ورسله بأدلة وبراهين تؤكد قدرته وقوة حضوره وعلمه وإحاطته بكل شيء، في بيئة يتقاسمها أهل الكتاب والمشركون والكفار، تستوطنها عقائد شتى. فتجد الغالبية المطلقة من الآيات تعالج قضايا عقدية، تؤكد أو تنفي أو تفنّد. تستعرض آراءهم، وترد عليها: (وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)، (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)، (وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ،أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ). أو تستفزهم بأسئلة تُظهر ضعفهم أو تشن هجوما نفسيا، أو تبشّر وتنذر، فهو كتاب مهمته الأساسية: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ). وعندما يشير الكتاب لموضوع خلق الإنسان يشير له من زاوية توحيدية، تربط الوجود والخلق بالله. وتجيب على أسئلة الوجود ضمن الإطار العام له، كما في قوله: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ). محاججة، جاءت بـ"خلق الإنسان" شاهدا على عظمة خلق الله، لا تخدمها بلاغيا إرادة ظاهر معنى الطين، مما يستدعي معنى مغايرا يخدم المقارنة، كما سيأتي.

ثالثاً: تختلف دلالات السرد القصصي بين الدراسة الوثائقية للأحداث والدراسة الأدبية لنص بليغ يريد التعبير عن ثيمته. الأولى تربك القارئ، وتفتح بابا لاختلاق أحداث يُسقط عليها رغباته، وما تجود به مخيلته المسكونة بالخرافة. لذا عمد القرآن إلى تجاهل أو إبهام الوقائع التاريخية والاهتمام بثيمة القصص وإبراز معانيها الإنسانية والدينية والأخلاقية، كما في قصة أصحاب الكهف حيث تجاهل عددهم وكم لبثوا في كهفهم، فراحت تحاك حولهم حكايات لا أساس لها من الصحة، سوى ما يقوله الحكواتي. ثم يستغلها الخطاب الأيديولوجي لتحقيق مآربه. فالمهم ثيمة القصص، وأبعادها الأخلاقية والدينية والاجتماعية والنفسية، فهو كتاب هداية تنشد قصصه العظة والعبرة، لذا يوظّف السرد تقنيات لغوية تخدم هدفه: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ). تربط القارئ بالمطلق وتشهدّه روحيا ونفسيا وشعوريا لعالم الغيب، وهو هدف أساس بالنسبة لهدف الكتاب. وليس الأمر مقتصرا على القصص بل أسلوب القرآن أسلوب أدبي بليغ، يتميّز بلغته، وتقنيته اللغوية. يوظف ألفاظا تخدم هدفه، حداً تجد النص القرآني مشهدا متحركا، تعيش تفاصيله وتتفاعل معه، تبعا لمقاصده في الترغيب والترهيب والوصف والتسفيه. أو عندما يتحدث عن قضايا اجتماعية وأخلاقية وتربوية ونفسية. فحينما يصوّر الخوف يتناول تفاوت حالته من خلال توظيف صور أدبية بليغة، كصورة الحشر آنئذٍ يتلاشى الكلام، ليحلّ الهمس تعبيرا عن مشاعر الخوف والتوتر النفسي والرهبة المهيمنة على المشهد: (وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا). القرآن يستهدف إقناع الناس بمقولاته العقدية، لخلق وازع التقوى والخوف من الله. وهو أمر صعب، يستدعي التأثير على مشاعر الناس إضافة للأدلة العقلية. قد يقنع الإنسان بأدلة العقل دليلا على وجود الله، لكنها لا تولّد قناعة كافية بالمعاد ووجود الجنة والنار والملائكة. فتكون الأجواء النفسية رهانا ناجحا، وهذا سرّ مخاطبة المشاعر، وإثارة مكامن الفطرة. وعلى هذا الأساس ينبغي مقاربة قصة الخلق، باعتبارها نصا أدبيا، نتوخى ثيمته، والتأمل في سرديته، وما يريده ويستبعده النص القصصي.

رابعاً: للخلق معنيان، الإبداع، والإيجاد من العدم. يعرف ذلك من سياق النص. فالمتبادر من وصف الله بأحسن الخالقين هو الإبداع، إذ لا شريط له بالثاني. بينما الإبداع ميزة إنسانية تتجلى في أعمال الفنانين والرسامين والمهندسين والمصممين والأدباء الى غير ذلك. وهذا ما توحي به الآيات: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإنسان مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ). فهي تشير لمراحل خلق الإنسان بمعنى الإبداع، وتبيّن لنا كيف يبدع الله في خلقه، كل مرحلة هي آية وابداع وخلق، وهو أحسن الخالقين. أي أحسن المبدعين حد الإدهاش. وهذا رأي معقول تؤيده آيات أخرى كما بالنسبة للنبي عيسى وخلق الطير، فإن المقصود بالخلق هنا هو الإبداع في تصميم الطير: (أنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أنّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ)، (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي). الخلق بالنسبة الى عيسى إبداع وليس إيجادا من عدم. أمعن النظر بالآية: "أنّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْر"، فالخلق هنا يعنى الإبداع حد الإدهاش. أو نحت ما يشبه الطير من الطين بشكل أدهش المشاهدين. أخلق لكم من الطين كهيئة الطير. فاقتصرت مهمة عيسى على إبداع أو نحت الطير من الطين، أي تصميمه كهيئة الطير، فعبّر القرآن عن الإبداع بالخلق، لأنها إحدى معانيه، كما نعبّر في لغتنا رجل خلاق أي كثير الإبداع والإدهاش في أعماله. فانتهت مهمة عيسى بإبداع الطير بعد نحته من الطين. ثم تأتي مرحلة نفخ الحياة فيه ليكون طيرا حقيقيا. تقول الآية: "فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ"، فيكون الطين طيرا باذن الله، أي بأمره عندما يقول له كن فيكون. عيسى نحت الطير من الطين ونفخ فيه، أما كيف يكون طيرا حقيقيا؟ فهذا بإذن الله وأمره. فلم يخلق الطير بمعنى إيجاده أو صيرورته، كما بالنسبة للخالق الحقيقي أي الله. (أنظر: مدارات عقائدية ساخنة) وهذا فارق مهم، يساعد على إدراك مفهوم الخلق في قصة خلق الإنسان.

خامسا:

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbaw10احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

تشابه السرد

ماجد الغرباوي: لا ريب، تكرر وحدات السرد الأساسية بين الأسطورة وقصة الخلق يثير أسئلة، تشكّل خطرا على مصداقية المقدس الديني، الذي تشكّل المغايرة بين الإلهي والبشري مقوما أساسا في حقيقته، كالخلق والغيب: (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)، بينما تتكرر وحدات سرد الأساطير في آيات الخلق!، وهي أوهام بشرية حول عملية خلق الإنسان، لا تمت للحقيقة بصلة، ولا دليل عليها سوى المخيال البشري، ووردها في الكتاب تصديق لها، فماذا يعني كل هذا. هذه هي الإشكالية التي تستدعي تحري الحقيقة بدءا من عملية الخلق، كفعل إرادي قصدي يصدر عن الآلهة / الإله، لرصد عناصرها المشتركة، ومديات التشابه شكلا ومضمونا. لا تكف علامات الاستفهام، إلا بفهمٍ مغاير لآيات الخلق الواردة في القرآن سيما مع وجود نظريات علمية تتحدى المعرفة الدينية حول خلق الإنسان، فنعود لنسخ الأساطير نقارنها بما جاء في الكتب السماوية حول عملية الخلق.

وقد بدأنا أولاً بوحدة الهدف في سياق أسئلة الوجود لتحري أوجه التشابه والافتراق، وقد مرَّ الكلام حولها مفصلا ونركّز هنا على ذات عملية خلق الإنسان، كخطوات متتالية ينتج عنها فعلا أو كيانا خارجيا، هو الإنسان. أو خطوات الخلق من العدم إلى الوجود. من مجرد فكرة إلى حقيقة متعيّنة خارجا. وكيف يكون هذا المخلوق العظيم أصله طين، تخيلته الأساطير وأمضته الكتب السماوية؟، وذلك من خلال منهج مقارن كالآتي:

الخلق رؤية مقارنة

ثانيا: اتفقت الأساطير والكتب السماوية على الماء والتراب (الطين) عنصرين أساسين لخميرة خلق الإنسان. وكانت المثيولوجيا السومرية في نص أدبي قد عالجت مسألة الخلق، في حكاية ملخّصها: عندما تعبت الآلهة من عبء العمل في الأرض، ذهبت لإله الحكمة "إنكي"، ليجد لهم حلا، وبعد رفضه استجاب لوساطة أمه، وأعطى أوامره لصنع الإنسان. وجرى صنعه على شكل الآلهة، (القصص القرآني ومتوازياته التوراتية، مصدر سابق). ثم روت المثيلوجيا البابلية قصة مشابهة، تقول: "أحرقت الآلهة أدوات عملهم وذهبوا إلى الإله "إنليل" لإنصافهم، فأمر بخلق الإنسان، حيث "يُقتل أحد الآلهة ويُعجن لحمه ودمه بالطين، الذي يصنع منه جسد الإنسان، وبذلك يتحد الإله والإنسان في جسد واحد" (المصدر نفسه). بهذا يتضح أن أسطورة خلق الإنسان مجرد وهم كان متداولا قبل ألفين وخمسمئة سنة قبل الميلاد. يمثّل مرحلة بدائية من وعيه. ورغم سذاجتها هي خلاصة مكابدة فكرية، تعكس المستوى الثقافي والمعرفي للبيئة الاجتماعية. ورحلة شاقة لمعرفة الحقيقة. وأحسب أن تصوّر خلق الإنسان من طين هي الصيغة الوحيدة الممكنة في إطارها المثيولوجي القائم على تعدد الآلهة، وقصة وجودهم على الأرض، قبل ظهور الإنسان على مسرح الحياة. وقبل تقديمه القرابين والنذور لها. حيث قُسّم تاريخ الأرض إلى مرحلتين: مرحلة الآلهة، ومرحلة الإنسان. الأولى مفترضة، انتقل فيها العقل من المعلول إلى العلة، وأرجع الظواهر التي عجز عن تفسيرها إلى قوة ميتافيزيقية متخيلة، تتوقف عليها فلسفة الخلق. بدأت فكرة بسيطة ثم تطوّرت بفعل حيرة الإنسان التي دفعته لتخيّل كائن متفوق، كائن أسمى، يواكب مخيلته، فكانت الآلهة صورة مثالية للإنسان، أسقط عليها رغباته الخارقة وقدراته السحرية التي يمنّي نفسه بها. وبالتالي ليس الكائن الأسمى سوى الإنسان نفسه، بمواصفات يطمح لها، وإن تجلى بأشكال مختلفة. وقد تعددت الآلهة لعجزه عن تصور كلي القدرة، أو المطلق / الإله الأوحد، رغم وجود إله مميز كإله الحكمة، في مثيولوجيا الحضارات القديمة لكنه اهتدى لذلك فيما بعد، وتوحّدت الآلهة بالإله مردوخ، قبل ظهور الديانات التوحيدية. ويبدو أن الوعي الوجودي للذات يتوقف على وجود علة مغايرة وكائن أسمى متمم لوجوده. كائن مثيولوجي متعالٍ يشعر معه بالأمان، وينسب له ما يعجز عن تفسيره من ظواهر الحياة. فمتمم الوجود هو المقدّس، الذي يفتقده وينقاد له لا شعوريا.

وبشكل أدق، إن قانون العلية كان محفّزا لافتراض آلهة مبهمة، تتجلى معالمها من خلال أسئلته ورغباته. مع كل سؤال يكتسب مَعلَما جديدا. وكل رغبة تثري ماهيته وتجلي وجوده، حتى يتلاشى الإنسان كفاعل حقيقي وراء الصورة الخيالية، بل ويتأثر بها عندما تغدو حقيقية، مادامت قد تشكّلت عبر أسئلته، ولديه ما يبرر سحريتها وقدراتها الخارقة، وبإمكانه الاستدلال على صحة تصوراته من خلال الطبيعة وما يحيط بها من ظواهر مرعبة، تستدعي وجود قوة أعظم تتحكم بها، لذا توجّه من هذا المنطلق للآلهة يعبدها ويتوسل لها ويقدّم لها القرابين. وبالتالي ثمة صورة إجمالية يخطئ في تفصيلاه الإنسان، رغم قدرته على الاستدلال على أصل وجودها. فضرورة وجود قوة وراء الكون وظواهره، أمر فرضه قانون العلية. وأما صفاته وخصائصه وماهيته، فبعضها يأتي قياسا على الطبيعة. وأخرى وليد مخيلته، عندما يعجز عن فهم الظاهرة، وينسبها للإله للتخلص من أعباء التأمل والتفكير. ويبدو أن بعض الناس يؤثر الصورة الأسطورية على معرفة الحقيقة. ويقدّم المبهم والمجهول على الواضح، فكأن الصريح يبطل سحر الساحر، وهو بحاجة ماسة لقضايا سحرية وغيبيه تبقيه في دائرة الخرافة والوهم، ولتبقى صورة الآلهة مهيمنة تبرر وازع الخوف والعجز. فالأساطير تمثّل في بعض أبعادها المعرفية رؤية كونية، هي خلاصة تأملات في عالمي الغيب والشهادة. وخلاصة تجربة فكرية عميقه خاضها الإنسان البدائي بمفرده، مما يؤكد قوة العقل البشري، وقدرته على التحليق في عالم الخيال. جدير بالذكر أن مفهوم الإله منذ ظهوره يحمل صورة أسطورية لكائن غيبي متعالٍ، يتمتع بقدرات فوق بشرية. كائن يتعالى على الأسباب الطبيعية، بإمكانياته السحرية، وهو ما يحتاجه لتفسير بعض الظواهر، وتبرير غيرها والتقوّم به نفسيا وروحيا، كمثل أعلى. وهو مفهوم فرضه قانون العلية في أصل وجوده، وحاجة الإنسان في تفصيلاته، ولما ظهرت الرسالات أول عمل قامت به هو ترشيد وعي الإنسان، وتصحيح مسار تفكيره. قانون العلية قانون تدركه الفطرة البشرية قياسا على ما حولها من أسباب ومسببات. بل كل سؤال يوجهه الإنسان، وكل استفسار حول الظواهر هو تأكيد لقانون العلية وإن لم يدرك هذه الحقيقة. وهو دليل الرسالات السماوية لاثبات وجود الخالق. واختلفت مع الأساطير والديانات القديمة حول نفي الشرك، وتوحيد الخالق. وبالتالي فالكائن الأسمي ضرورة وجودية، وحاجة نفسية لوجود مثل أعلى، حقيقي أو متصور، تسمو معه الروح وتستمد منه مثاليته للعروج في مراتب الكمال، عبر علاقة جدلية يؤثر أحدهما في الآخر، أو يعيد الإنسان خلقه، عندما يستعيده مع كل حالة تأملية جديدة، فيرقى وترقى معه النفس العطشى للكمال. نؤكد أن الأساطير في مفهوم العلوم الإنسانية الحديثة تقابل المدونات الكبرى أو النصوص التأسيسة. وهذا ما يؤهلها للمقارنة بتراث الأديان، والكتب السماوية. وهي نصوص متعالية قبل ظهور الأديان التوحيدية، يستلهم منها الإنسان معنى لوجوده. وهذا المفهوم يغاير ما جاء في القرآن، حيث يعتبر الأسطورة خرافة، كما جاء في احتجاج قريش على النبي مرات عدة، وهي تقصد الخرافة، وكلام لا دليل عليه. أو مجرّد هذيات وأوهام، يتخليها العقل البشري.

لا ريب أن تصوّر خلق الإنسان من طين هو الممكن الوحيد المتاح آنذاك، لقدرته على تجسيمه، قياسا على منحوتاته وتماثيله الطينية. واكتسب الحياة بشبهه للآلهة التي امتزج دمها بطين خلقته. وقد استبد هذا التصور بوعي العصور التالية ورددته الكتب السماوية، كما لو أنه حقيقة مطلقة، فتجد التوراة تستعيد ذات القصة وفقا لمبدأ التوحيد. الماء والتراب عناصر مشتركة، يتكرر وجودها في التوراة. كما تتكرر فيها صيرورة الطين إنسانا. بمشابهة الآلهة لدى الحضارة السومرية: (وجرى صنعه على شكل الآلهة). وفي الحضارة البابلية: (يتحد الإله والإنسان في جسد واحد). اتحاد اللاهوت بالناسوت. تلك الفكرة التي تم التنظير لها لاحقا في اللاهوت الديني المسحيي، ومازالت تمثّل قوام الإيمان الدين. ونجد لها شبها في العقيدة الشيعية المغالية، وإن لم تصرّح، غير أنها تخلع على الإمام صفات الخالق، وتنسب لهم الولاية التكوينية أو الحلول أو التفويض وجميعا، نسخ مختلفة لفكرة اتحاد اللاهوت بالناسوت، وهي فكرة تنتمي لأساطير الأولين، تداولها الفكري الديني فيما بعد، وراح يؤسس عليها. 

ولم تختلف التوراة مع الأدب الرافديني حول صيرورة الطين إنسانا، حيث أكدت على الشبه بالله، والنفخ في المنخر. فنخلص أن الخلق يتوقف على شرطه، ولا يكفي وجود الماء والتراب / الطين، وشرطه وجود قوة غيبية (الآلهة / الإله) تهب الطين الحياة على طريقة (كن فيكن). إذاً فالكائن الأسمى عنصر مشترك ثالث بين الأساطير والكتب السماوية حول قصة خلق الإنسان = ماء + تراب + كائن أسمى (الآلهة / الإله).

ولم تبتعد سردية التوراة عن أسطورة الخلق في الحضارتين السومرية والبابلية، حيث طلب الخالق من جبرائيل ان يأتيه بأربعة قبضات من تراب الأرض، من الجهات الأربعة، ومزجها بالماء، ثم بنسمة إلهية صار إنسانا، بعدها خلق زوجه من ضلعه كي لا يبقى وحيدا، وأسكنهما الجنة في بداية خلقهما. وكان الهدف من خلق الإنسان ليسكن الأرض ويطرد وحشتها، ويتمتع بسلطة ألهية عليها وعلى البحار والطيور. جاء في القصة الأولى في سفر التكوين: "وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا". والقصة الثانية في سفر التكوين: "وجبَل الإله آدم ترابا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة". (المصدر نفسه). فالوحدات الأساسية في قصة الخلق الرافدينية تكررت في التوراة، فآدم أصله من طين (ماء وتراب)، وقد صار إنسانا لشبهه بالآلهة أو الإله في القصة الأولى طبقا لما جاء في الرواية السومرية. ونفخ في أنفه نسمة في القصة الثانية، التي ستشابهها القصة القرآنية. والهدف في كلتا الأسطورتين وجودي، حيث يتوقف على وجود الإنسان إحياء الأرض وحراستها والتصرّف بها، بدلا عن الآلهة / الإله. ونقطة الافتراق بين التوراة والأساطير، أن المخلوق في الثانية مطلق الإنسان، وفي التوراة حددت بداية الخلق في آدم وزوجه، وهذا ما أكده القرآن لاحقا. فالتوراة حددت معالم المخلوق الأول، ولم يعد مجرد طين صار إنسانا، بل اكتسب قيمة واعتبارا عندما أسكنه الله الجنة. وهو ما أكده القرآن لاحقا، حيث ذكر ذات العناصر الأساسية في خلق الإنسان: الماء والتراب وقد عبر عنهما بالطين: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ). وكذلك: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ). وأما صيرورته إنسانا: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ)، فهي تماثل ما ورد في القصة الثانية من سفر التكوين. بل اشتملت نسخة من التوراة غير رسمية معروفة بـ"الهاجادة"، تفصيلات لم تذكر في نسخ التوراة، هي أقرب إلى ما جاء في القرآن (أنظر: المصدر السابق)، كـ(استطلاع الله رأي الملائكة، تحدي الله للملائكة كي يخبروه باسماء الحيوانات، الله يعلم آدم أسماء الحيوانات، مع خلق آدم يخلق جميع أوراح البشر)، (المصدر نفسه). لا ريب أن تكرر الوحدات السردية في الأساطير والكتب السماوية، يرسم هو الآخر، علامات استفهام حول حقيقة الوحي والنبوة، خاصة بالنسبة للقرآن، الذي هو محور حديثنا. وتقدم، لا يمكن لمفهوم الوحي بالمعنى الأول، التخلّص من الإشكال، وهو يعتقد بـ"وحيانية" الكتاب، نسبة للوحي. ويتبنى قصة خلق الإنسان من طين، تبعا لما جاء في القرآن، رغم جذرها الأسطوري!!. ويتعذر تبريرها بـ"وحيانية الأساطير القديمة"، لأنها قائمة على تعدد الآلهة، وهذا يتنافى مع مبدأ التوحيد. فالأساطير القديمة منجز بشري، عبّر من خلالها الإنسان عن رؤيته الكونية، وهي في تفصيلاتها وما يخص قصة الخلق افتراضات وأوهام، لا دليل عليها، خاصة أنها في تمثلات ميتافيزيقية غارقة في غيبها، نتاج عقل بسيط ساذج، كان سائدا إلى ما قبل نظرية التطوّر التي توجت سلسلة شكوك علمية حول أصل وجود الإنسان، متحدية بذلك مصادر المعرفة الدينية واحتكار الكنيسة لها.

وردت قصة الخلق في القرآن بصيغ عدة، استعادت من خلالها أسطورة الخلق في التوراة، وأثرتها بمفاهيم وتفصيلات يتعذر إدراكها في سياق التفسير، مادامت قضايا ميتافيزيقية، لا يمكن تمثّلها خارج النص والفضاء المعرفي للإنسان. ويبقى التأويل أجدر في فقه النص، للوقوف على مضمراته، وإدراك ثيمته. باعتبارها هدفا أساسا للقصص القرآني: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ). يؤكده نهي القرآن للرسول عن إطالة الجدل حول قصة أصحاب الكهف: (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا). فالوقائع غير مقصودة بالذات، مهما أكد عليها أهل الكتاب، وليس القرآن كتاب قصص وحكايات لينشغل بها دون ثيمتها: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ). والهداية تستدعي تقويم البنية العقدية والأخلاقية، فتكون القصة في صميمها، لاشتمالها على العبرة والموعظة. وهذا يكفي مبررا للتخلي عن ظاهر اللفظ لصالح التأويل. فنستعين لفقه النص بآيات لها علاقة بموضوع الخلق، تكون مرتكزات أو محكمات وفقا للمنطلق القرآني، من خلالها نفهم ثيمة القصص. وقد تقدم بيان السبب وراء تكرر وحدات السرد بين الأساطير والكتب السماوي، من خلال مبدأ التصديق الذي يعتمده القرآن في تعاطيه معها. والهدف إما تصديق للمفاهيم الدينية المشتركة، لوحدة الروح الدينية بينها، أو تصديقها كرهان لثبوت نبوة محمد، عندما يرتهن تصديقها بمعرفة أخبار السابقين، فيؤكد ما يقولون وفق مبدأ التوحيد، وترشيد الوعي، لكسب الرهان، ثم إثراؤها بمفاهيم جديدة، تخرج بها عن واقعيتها إلى ما هو أعمق. يصدقها ظاهرا، وينسفها عبر نسق مفاهيمي، يحيي ثيمة القصص دون وقائعها. وهو تطور في أسلوب السرد وحبكته. فينبغي تفادي أي انزلاق تأويلي عند مقاربة قصص القرآن، والانطلاق من ذات النص، بعيدا عن العقل التراثي، المرتهن للخرافة والسذاجة، والتواطؤ مع الأهداف الأيديولوجية والطائفية. ما في الكتاب من آيات تكفي لفهم المقاربة التأويلية، ومعرفة حدود العلاقة بين الأسطوري وثيمة القصص.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi10احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي

 

مقاربة الآيات

ماجد الغرباوي: إن حبكة القصص القرآني لا تسمح باختراق واقعيتها وإدراك ثيمتها بسهولة. والأصعب تحديد مرادها الذاتي، وهو غيب مطلق، لولا أنها جزء من كتاب يمكن تحري ركائزه، وفهم غاياته ومقاصده: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ). فثمة إطار عام، يؤسس لرؤية تضفي معنى لوجود الإنسان ودوره في الحياة، وهذا يكفي بوصلة لتفادي متاهات التأويل وتداعيات الاستغراق بالتكهّنات والاحتمالات، ويمهّد لمقاربة قصة الخلق، وعلاقتها بأسئلة الوجود، عبر منهج مقارن، بدءا من فلسفة الخلق، في وعي الإنسان (الأساطير) أو كما تُصورها الكتب السماوية، وصولا إلى ثيمتها، بعد تقصي جميع ممكنات التأويل، وما تدل عليه رمزية النصوص.

المنهج المقارن يضيء فضاء القصص معرفيا، ويسلّط الضوء على جذرها التاريخي، ومراحل تطورها فلسفيا، مادام الكتاب الذي هو موضوع البحث جاء مصدّقا لما بين يديه، وهو ثقافة المجتمع ذات الجذر الديني، الأشمل من الأساطير والكتب السماوية. فثمة آيات يتوقف فهمها على خلفيتها التاريخية وأسباب نزولها، ونحن نطمح لمعرفة دوافع استعراض قصة الخلق بمختلف مراحلها، دون الإشارة إلى النبي أو المؤمنين أو أهل الكتاب أو الناس، كما هو دأب الخطابات القرآنية، بل مثّلت مجالا معرفيا مستقلا، شغل حيزا من المدونة الأساسية للعقيدة الدينية. وأيضا لم يصفها بالقصص كما في قصة يوسف وأصحاب الكهف. فالبحث التاريخي يساعد على فهم دلالاتها الرمزية، لتدارك أي انزلاق تأويلي، يؤثر سلبا في فهم ثيمتها. وهذا لا يضر بقدسية الكتاب وتعاليه، التي يتشبث بها المؤمنون، مادام الوحي معني بالإنسان أساسا، وهو غير منقطع عن ثقافته التي تشكلت داخل بيئته، وكانت أساطير الأولين وكتب أهل الكتب إحدى روافدها، كما هو واضح من آيات كثيرة. وعندما نستعيد الجذر التاريخي لأي قضية دينية، نسعى للتعرّف على ظروف نشأتها، وقد عاشت البشرية ردحا طويلا بعيدا عن الأديان سوى فطرتها الإنسانية، وكانت تفكر وتكابد لتطوير رموزها وثقافتها، كمقومات شخصية لوجود الإنسان: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ). من هذا المنطلق اعتمدنا في مقاربة قصة الخلق مجموعة مناهج تساعد على إدراك ثيمتها، فانتهينا إلى مقدمات، هي:

أولاً - الأسطورة حكاية تتحدث عن الآلهة. تروي أحداثها وخوارقها وبطولاتها. وتتضمن وصفا لأفعالهم. وبعض يرى أنها تعبير رمزي ومجازي عن الحقيقة. فهي تقدّم تفسيرا يعكس وعي الذات للآخر / الآلهة، وما يحيطها من مظاهر الوجود، وفق رؤية فلسفية مهما كانت بسيطة أو ساذجة، فتكتسب مرونة التأويل عبر الأزمنة، بفعل جدلية العلاقة بينها وبين المتلقي، فكما تملي عليه محدداتها، يثري دلالتها من وحي ثقافته وقبلياته. كما في أسطورة الخلق وتطورها تاريخيا، وما تشي به من دلالات مضمرة. حيث اشتكت الآلهة كما جاء في الأساطير (أنظر كتاب: القصص القرآني ومتوازيات التوراة) من عبء الأعمال وندرة الطعام في الأرض، وخلقت إنسانا يكفيها مشقة الحياة ومتاعبها، فاكتسب قدسيتها بإنابته عنها. بهذا الشكل قدمت أساطير الأولين أسطورة الخلق، لتضفي معنى على وجود الإنسان. وتجيب على أسئلته المصيرية التي هي أسئلة وجودية. وتمنحه الأمان والاطمئنان.

القلق الوجودي ملازم للإنسان مهما اختلفت أساليب التعبير عنه. هو سؤال مباشر عن الحقيقة لدى الفلاسفة والمفكرين، المنهمكين في التأمل والبحث. أو غير مباشر، يدل عليه تمسك الناس بالدين، حينما يجد فيه المرء أمانه واستقراره. وحينما تقدم له الأسطورة تفسيرا عن الخلق يؤمن بدافع الحاجة للهروب من قلقه المصيري، الذي لا ينتفي بتفاوت الوعي، سوى استبدال الإجابات. فقصة الخلق في الأساطير جاءت للإجابة على أسئلة الوجود. وهذا ما يهمنا، كمقدمة لفهم القصة في الكتب السماوية، وهي تنتقل من الأسطوري إلى الوعي الديني، فهل تداخل الأسطوري بالديني في هذه القصة بالذات؟. هذا ما نريد اكتشافه أيضا، في سياق المنهج المقارن.

أما الأسطورة في التوراة فقد عبّرت عن ذات القلق المصيري، وسعت لإضفاء معنى على وجود الإنسان، عندما جعلت من طرد وحشة الأرض مبررا لخلقه، فلم يعد خلقه عبثا يبعث على القلق والحيرة، وبهذا الشكل استعرضت فلسفة الخلق في سياق أسئلة الوجود التي لازمت الإنسان لا شعوريا. فأسطورة الخلق في التوراة مثلت وعيا أكثر تطورا، حينما حررت الإنسان من عبودية الآلهة إلى عبادة إله واحد. من التشرذم العبودي إلى وحدة المعبود، ومنحته استقلالية التحكم بالأرض والسيطرة عليها، لكنها ليست استقلالية منقطعة عن الخالق، باعتباره واهب الحياة، وهو مبرر شرعية عبوديته لله، فتختلف عن عبوديته للملك / السيد / زعيم القبيلة. وهذا لا ينفي صدقية الاستبداد بالمفهوم الحديث على كليهما، غير أن مبرر عبودية الله حاكميته التي هي ذاتية له وفقا للفكر الديني، فليس فيها إذلال وتسلط. والدين يختلف عن شرعة الفقهاء، والفقه السلطاني. فالبحث عن معنى لوجود الإنسان في التوراة والكتب السماوية يقع ضمن أسئلة الوجود، حول الحياة والموت وما بعد الموت، ليستعيد توازنه عندما يتوفر على رؤية كونية، تجيب على أسئلته، وتمنحه الأمان والاستقرار النفسي، خاصة الرؤية الكونية الشمولية التي تجيب على الأسئلة وتقدّم تفسيرا لظواهر الوجود كالموت وما بعده، وهو من خصائص الأديان وقدرتها على شد الإنسان لعالم الغيب وتعلقه بالمطلق. وبالتالي فإن رواية التوراة احتفظت بأصل الحكاية الأسطورية حول خلق الإنسان، والفارق الدلالي في التفصيلات. بمعنى آخر لم تأت التوراة برواية جديدة، بل أعادت بناءها وفق مبدأ توحيدي: الآلهة = الإله. خدمة الآلهة = حراسة ممتلكات الله. وإذا كان التوراة يمثل وعيا للذات في إطارها التاريخي، فهو وعي متطور للأنا، وما ينبغي أن تكون عليه. فرواية التوراة لم تكرّس وجود الإنسان لخدمة الآلهة، ومنحته استقلالية أكبر، بل لا تقاس بسابقتها. ثم أن وجود أسطورة الخلق التوراتية ضمن أساطير السومريين والبابليين، ليس فيه تعميم على جميع نسخ التوراة، وهناك أكثر من نسخه. بعضها قريبة من القرآن، ككتاب: "الهاجدة"، وهي نسخه غير رسمية للتوراة، وقد اشتملت على تفصيلات أثرى. (أنظر: المصدر نفسه).

وأما قصة الخلق في القرآن فجاءت لتضفي معنى جديدا للإنسان، وتقدم تفسيرا وجوديا لعلاقته بالغيب وبالخالق تحديدا، لتبدد قلقه الوجودي، وترسم خارطة طريق لخلاصه، بعد أن حددت منذ البدء مهمته بالخلافة. التي هي مفهوم يكرّس إنسانيته. فالقصة جاءت في سياق أسئلة الوجود، التي هي أسئلة أصيلة، لازمته منذ أول ظاهرة استفزت قلقه، لعلها ظاهرة الموت وما بعده. فاستعراض قصة الخلق في القرآن يمثّل سؤالا دينيا جوهريا، يوجّه مسار التأويل، ليبقى في حدود الإنسان وأسئلته المرتبطة بخلاصه، وهي – أي سُبل خلاصه – لم تعد مرتهنة لخدمة الآلهة / الملوك / السادة، كما في أساطير الأولين. ومعنى وجوده لا يرتبط بعبوديته لها، بل يستمده من كونه خليفة في الأرض، يتمتع بالحرية والإرادة والاستقلالية، باعتبارها لوازم وجودية. وارتهان خلاصه لعمله لا لعبوديته، وهو ما أكدته الآيات، عندما حمّلت الفرد مسؤولية عمله، وارتهان مصيره له: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ). (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ). وهو فارق جوهري استطاع من خلاله الدين الجديد إعادة تشكيل وعي الفرد المسلم، ونقله من مشاعر العبودية إلى مستوى التحرر الذاتي والشعور باستقلالية الأنا، حينما أضفت معنى جديدا منح الإنسان الأمان إلى جانب مسؤوليته الفردية.

ويمكن رصد قلق الوجود على لسان الملائكة، التي اعترضت على خصائص الخليفة، دون الخلافة: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَاوَيَسْفِكُ الدِّمَاء). فكأنها متوقعة، وتطمح لنيلها: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ). وقلق الوجود ليس صريحا، يستدل عليه تأويليا من خلال أجواء الحوار، إذ لا موجود غيرها قبل خلق الإنسان، فهي عنصر متحرك ذات أدوار متعددة، وهنا مثّلت رأيا آخر، عكست من خلاله أسئلة الوجود وقلق المصير، الذي هو قلق مشترك. ومن خلالها اكتشفنا أن التسبيح والحمد والتقديس ليس ملاكا للخلافة، ولا حاجة لوجود مخلوق والملائكة صفا صفا عاكفين في محراب التسبيح والتقديس. وثمة ما هو أهم وهو العقل كما سيتضح، لكن الملائكة لم تدرك مراده. لأنها لم تعاصره، ولا تعي حقيقته وجوهره، لذا لم يتبادر سوى سفك الدماء. مما يؤكد بساطة وعيهم لمفهوم الإنسان. فهو وعي إجمالي لا تفصيلي، قياسا على ما هم عليه من خصائص وصفات مطبوعة على الطاعة. ولا معنى للتمرد عندهم سوى الفساد وسفك الدماء. فالجذر التاريخي لقصة الخلق مهّد لفهم دلالاتها قرآنيا، فهي جاءت في سياق أسئلة الوجود والبحث عن معنى لحياة الإنسان. وتفسير يبعث الأمان ويبرر دوره الوجودي، فينبغي أن يأتي النص منسجما مع غاياته، فيكون التأويل أقدر على فهم ثيمة النص.

الخلافة لا تضفي معنى القداسة على وجود الإنسان فقط، كما فعلت أساطير الأولين التي منحته القداسة من خلال عبوديته للآلهة. بل أن مفهوم الخلافة يضفي قدسية، بفضل قدراته العقلية، وقدرته على اتخاذ الموقف المناسب بحريته وإرادته، حتى في علاقته مع خالقه، فهو مخير في أصل الإرادة والاختيار، وعليه تحمّل مسؤولية قراره.

ونخلص أن قصة الخلق في القرآن، ذاتها التي وردت في الأساطير والتوراة، لكن بمضامين مختلفة، وتفصيلات شاركت فيها عناصر جديدة، بدءا من الخالق إلى هبوط الإنسان للأرض، مرورا بالملائكة وآدم وإبليس والجنة والخطيئة. وهي تفصيلات تحيل على مفهوم الوحي، بين البشري والإلهي، عند مقارنتها بالأساطير. فهل قصة الخلق تنتمي للوحي الإلهي، أم تطوّر لحكاية الخلق في الأساطير، مرورا بالتوراة؟. وكيف حصلت قفزة معرفية بين التوراة والقرآن، فثمة تفاصيل قرآنية تسترعي اهتمام الباحث والمفسّر، لأنها لا تنتمي لعصرها. وكانت ثقافة قريش ومن حولها، مقتصرة على قصص أهل الكتاب وما بأيديهم من خرافات وحكايات شعبية. فإذا لم تكن وحيا فهل هي عبقرية لشخص اسمه محمد بن عبد الله؟ إذا كانت كذلك فأيضا تستحق الدراسة والتأمل الطويل، لفهم روافد وعيه وعبقريته ومصادر معرفته. لا ننفي دور الثقافة في تمثّل القضايا المجردة والمفارقة والغيبية، لكن لا يشترط وجودها التفصيلي، ويكفي إمكانية ربط طرفي القضية، تمهيدا لوعيها وتمثّلها وإدارك معاني مفرداتها، وهذا القدر كان موجودا، والجديد ما ذكره القرآن من تفصيلات وتوجيهات عقدية، ينبغي تقديم ما يبررها كظاهر لم تتكرر منذ 1450 عام تقريبا. على خلاف من يؤمن بـ"وحيانية" الكتاب، فهو لا يرتاب بحقيقته، ومطمئن لصدقيته.

ثمة إشكال آخر: إن احتفاظ التوراة ومن ثم القرآن بذات الحكاية الأسطورية ولو إجمالا، يثير استفهامات، تستدعي تفسيرا يتناسب مع "وحيانية" الكتاب. أي انتمائه القطعي للوحي كما تؤكد الآيات، وتجادل من يدعي بشريتها: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا). تقول الآية: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا، وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا، رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا). والأساطير ليست وحيا، ولا يمكن نسبتها للأنبياء، مادامت تؤمن بتعدد الآلهة خلافا للأديان التوحيدية. وهذا لا يعني مسؤولية الأسطورة عن تعدد الآلهة، لأنها تحكي عن واقع موجود أو متخيّل، ورؤية متداولة ولو إجمالا، ثم تأتي الأسطورة تلخّصه رمزيا لتفادي سجون التاريخ واللغة. فقصة  الخلق تعود تاريخيا لمثيولوجيا أساطير الأولين، وتنتمي لرؤية كونية تقوم على تعدد الآلهة، وهذا لا خلاف حوله. ووجودها في التوراة، يعني تسرّبها أو تبنيها، وإعادة بنائها على أسس توحيدية، وكلا الاحتمالين يثير إشكالا عاصفة حول صدقية التوراة. وقام القرآن بتصديقها وفقا لمنهجه في تصديق ما بين يدي الرسول أو ما بين يدي الكتاب من كتب سماوية، مع ترشيدها عقائديا، وتقويمها تشريعيا.فجاء القرآن ليؤسس قصة الخلق وفقا لرؤية كونية توحيدية ومضامين إنسانية، تستمد شرعيتها من حقائق وجودية، ترتبط بالإنسان باعتباره سيد الأرض، وهو أحد مداليل الآية الأولى في قصة الخلق: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً). وهذا القدر لا ينهي المشكلة، ويبقى الإشكال عن حقيقة العلاقة بين الأساطير والكتب السماوية. ونعود ثانية لمفهوم الوحي، أو نقدم تفسيرا مقنعا وفقا لمسار أحداث الكتاب وسياق آياته. أما المفهوم الأولي للوحي فهو غير معني بأي علامة استفهام، والكتاب عنده وحي مطلق في جميع تفصيلاته. والثالث ينفي وجود الوحي، وهو اتجاه يعود لعصر النزول: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا). فهما اتجاهان متوازيان. وأما المفهوم الثاني للوحي، فالثقافة القبلية شرط للتعبير عن المعنى الموحى به، لكن الاطلاع لا يعني تبني أساطير الأولين. ويبقى المفهوم الرابع للوحي يؤمن بتطور الخبرة البشرية بإزاء التجربة الروحية، وهي سلم صاعد من الأدنى إلى الأعلى، وهذا قد يفهم الأسطورة فهما مغايرا، والتفصيل في محله.

لكن ثمة رؤية جديدة لمقاربتها: في قصة أصحاب الكهف التي وصفها القرآن بالحق، كسب النبي الجولة مع قريش، وأثبت نبوته، عندما أخبرهم بجميع أقوال أهل الكتاب حول عدد أصحاب الكهف ومدة مكوثهم، فكانت الآيات تردد، يقولون.. ويقولون..، غير أن القرآن لم يصرّح بعددهم ولا مدة مكوثهم، وأحال علمهم لله، مما يؤكد رمزيتها وعدم واقعيتها، إذ لا يمكن لله المحيط بكل شيء حسب فرض القرآن، يخطئ في عددهم، ولا يعلم مدة مكوثهم. وبدلا من الانشغال بوقائع القصة، أكد على بعدها الإيماني: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى، وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا، هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا....). ورغم استقلالية قصة الخلق في موضوعها، وعدم إشارتها لأهل الكتاب، فإنها حاضرة في التراث العربي، من خلال حضور أهل الكتاب، ولم تكن غريبة عليهم. فالقرآن بين أمرين إما أن يكسب ثقتهم من خلال تصديق ما عندهم كما في قصة أهل الكهف، ومن  ثم يوظف أحداث القصة لثيمة الخلق، التي هي ثيمة الإنسان في الأرض. أو يأتي بجديد لا ينتمي إلى ثقافتهم فيحكمون بإسطوريته، ويخسرهم. خاصة أن غاية القصص هي العظة والعبرة: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ)، فهي تتحق بالقصص الرمزي كما تتحقق بالقصص الواقعي. وكان القرآن ملتفتا للإشكال لذا تضيف الآية: (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى). فلم تكن القصص أحاديث مفتريات أو مجرد أساطير، عندما صدّقت ما بين أيديهم، لكن الضرورة اقتضت استثمارها لتحقق أكثر من مكسب، مع مراعاة الهدف العام للكتاب والدعوة الجديدة: (وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ). ومن ثم، كي يتحقق الهدف: (وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ). لذا امتاز الكتاب بتفصيلاته الزاخرة بدلالات رمزية، تتوقف على إدراكها هداية المؤمن: (وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). وبالتالي فالتشابه في حكاية الخلق، إشكالية حقيقية، لا يمكن تجاهلها أو القفز عليها، بل تتطلب فهما يقارب تفصيلاتها. بهذا يتضح أن تصديق أهل الكتاب استراتيجية ضمن رسالة النبي محمد: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).

نخلص، أن المنهج المقارن قد ساعد على فهم قضية أساسية من خلالها يمكن تحري الفارق الدلالي بين الأسطورة والكتب السماوية، وهي أن قصة الخلق جاءت في سياق أسئلة الوجود، مما يؤكد تشابهها، الذي أثار الإشكال أعلاه. وبما أنها جاءت كذلك فيمكن فهم دلالاتها، في سياق فهم الإنسان ودوره في الحياة الدنيا.

ثانيا: الاشتراك في ......

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi9احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثانية والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي

 

استفهامات الحقيقة

ماجد الغرباوي: الأصل في قصص القرآن واقعيتها، ما لم تدل الشواهد على رمزيتها، التي تعني توظيف الخيال لتشييد نص أدبي يحاكي القصص الواقعية في حبكتها، وثيمتها، لتمرير حزمة معانٍ ومفاهيم، يكون السرد القصص الرمزي أقدر على تمثّلها، وردم الهوّة بين النص والمتلقي، بعيدا عن حقيقتها كوقائع وأحداث، مادامت تؤدي مقاصد النص وغاياته الفلسفية والأخلاقية والدينية، بشكل يكون الرمز دالا عليها. وقصة الخلق في القرآن مكتملة العناصر، توحي بواقعيتها من خلال حبكتها وحركة شخوصها، لولا علامات استفهام وتوالي أسئلة، تكاد تجزم برمزيتها. فنحن أمام نص يصعب تحييده، يتناوب عليه مسار تفسيري يلاحق وقائعه وأحداثه، ومسار تأويلي، مغرم بتقصي مداراته، يتطلب أدوات معرفية وتأويليه للوقوف على مضمراته، والكشف عن مقاصده وغاياته. فالتأويل يتحرى ثيمة القصة، لتحديد معالمها، وكيفية توظيفها، عبر الفضاء المعرفي للمتلقي، سيما الأفق الخلّاق، والخيال المبدع، الذي يواصل تشكيل دلالات النص مع كل قراءة. وبالتالي لا حقيقة للقضايا التجريدية والغيبة خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي، فتختلف دلالاتها، وتجدد مع كل قراءة، وثراء ثقافي على مستوى وعي الذات، وحدودها ومعالمها.

وقبل استنطاق النص بحثا عن شواهد تعزز رمزيته، نذكّر بأن القرآن جاء مصدّقا لما بين يديه من التوراة والأنجيل، وقصة الخلق جزء من أسطورة الخلق التوراتية، حيث تخصص يوما لخلق آدم وحواء وإسكانهما الجنة. مجرد حدث تاريخي لا يشي بمعان رمزية أو قيم إنسانية وأخلاقية. والأسطورة تاريخيا سابقة عليها، تحكي سؤال الوجود الملازم لشغف الإنسان بالخلود، لمعرفة أصل وجوده ومصيره. يبحث دائما عن إجابات لظواهر الحياة والموت وما بعد الموت، وهي أسئلة وجودية، تعبّر عن قلق عميق يستبد بالإنسان لا شعوريا. فقصة خلق آدم جزء من قصة الخلق. وهي قصة أسطورية في جذرها التاريخي، وردت في الألواح السومرية والبابلية. قصة خاوية، تؤرخ لبداية حياة الإنسان، وغاية وجوده. خلاصتها أن الآلهة قد طلبت من كبيرها أن يخلق من يقوم مقامها في الأرض بعد أن تعبت، وأرهقها السعي وراء تحصيل أرزاقها، فخُلق الإنسان من دمها وعلى شاكلتها. وهو أقصى ما بلغته المخيلة البشرية آنذاك. وفي التوراة حصلت قفزة نوعية في قصة خلق الإنسان، ابتداء من توحيد الآلهة، وانتهاء بدوره في الأرض، مرورا بالجنة وكيف أغرته الحية، فارتكب خطيئته، عندما أكل من الشجرة المحرّمة. فثمة تشابه، بين التوراة وأساطير الأولين. فهل القصة وحي إلهي أم فكرة بشرية، ضمن جهود الإنسان لفهم حقيقته، وفك أسرار وجوده؟. وليس هذا مهما مادامت ثيمة القصة واحدة، تؤكد خلق آدم. الآلهة في الحضارات القديمة، والله في الأديان التوحيدية.

وقصة الخلق بنسختها الأسطورية لا تتعارض مع الفهم الرابع للوحي، لأنه من الأدنى إلى الأعلى، فيكون قد تمثّلها أثناء عروجه في مراتب الكمال الإنساني، وتكون المرحلة التالية ترشيدا للوعي. بل أيضا لا تتعارض مع الفهم الثاني للوحي، الذي يقول باقتصاره على المعنى دون اللفظ. إذ يتعذر حينئذٍ على النبي إدراكه، الذي يتطلب – أي الإدراك – وجود قبليات تمهّد له على مستوى الفرد، ووسطا ثقافيا على مستوى المجتمع. فالمفاهيم السابقة، بما فيها القضايا الميثولوجية حاضرة في عملية إدراك المعنى، وفي ضوئها يمكنه مقاربة المعنى، وما يطرأ عليه من دلالات، تفرضها قبليات المتلقي / النبي. ولعل عدم وجود ممهدات ثقافية كانت وراء غموض جملة مفاهيم وآيات تناولت قضايا غيبية. وليس سببها عدم وضوح الصورة التي يراها النبي في أحلامه، كما يذهب لذلك عبد الكريم سروش. بل السبب عدم وجود قبليات أولية تساعد على تمثلها فتبقى غامضة أو ملتبسة، كاللوح والذكر والعرش والكرسي. وبالتالي فالاطلاع على الموروث واللاهوت الديني يمهّد لفهم المعاني الدينية، ولو بشكل مقارب، فيصح أنه رهان وضوحها وبيانها، عندما يساهم في تشكيل وعيها وإدراك دلالاتها الأولية. فالملائكة والجن مفاهيم شائعة، يمكن من خلالها إدراك الفوارق الدلالية بين المفهومين المتوارث والجديد. عكسا للمفاهيم الغريبة، تبقىى غامضة، ملتبسة، لعدم وجود قبليات تمهّد لفهمها وإداركها.

مشاهد الخلق

لقد واصل القرآن حديثه عن قصة آدم باعتباره مصدّقا للتوراة والإنجيل. يؤكد ما كان حقا، ويزهق الباطل، والآيات متعددة، منها:

(نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ).

(وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ).

(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ).

والآية الأخيرة تؤسس لهيمنة القرآن، ليبقى حقيقة دينية مطلقة ومرجعية نهائية، لا تعلو عليه كتب السابقين. وقصة آدم وردت في التوراة وهو يصدّقها إجمالا، ويقدمها بشكل مختلف، عندما يمنحها أبعادا أخلاقة وإنسانية، وفق نظريته حول الإنسان باعتباره محور الحياة، ورهان الله مع ملائكته. وهذا هو المغري الذي يدعو لتأملها واستنطاق نصوصها وآياتها، فهي تحكي غرائبيات رغم أنها تبدو قصة من حيث حبكتها وتقنية سردها، وتسلسل أحداثها وحركة شخوصها.

وردت قصة الخلق في سور: البقرة، الأعراف، الكهف، وطه. كل سورة استعرضت بعدا من أبعادها، مع وحدة ثيمتها ورموزها، وموضوعها الذي هو خلق آدم. وما علينا سوى طرح الأسئلة واستنطاق الآيات لمعرفة مدى واقعية القصة، ومن ثم  تقصي ثيمتها، وكيف يمكن توظيفها لخدمة الإنسان ومبادئه في إطار قيم الدين والإنسانية. سيما العقل كقيمة عليا. وقد تقدم استعراض الآيات، وسنكتفي بالإشارة لبعضه.

أما عناصر القصة، فهي:

- الرموز الأساسية: الخالق، الملائكة، آدم، إبليس، الشيطان.

- الأمكنة مجهولة باستثناء: الجنة، الأرض.

- الرموز الاعتبارية: خليفة، الأسماء كلها، السجود، شجرة الخُلد، الخطيئة.

عندما نستعيد فصول القصة ستبرز أسئلة تصلح شاهدا على رمزيتها، وتكرّس لفهم دلالات أعمق (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ). والأسئلة تبدأ من بداية الإعلان عن خلافة الإنسان:

- بدءا، نحن لا نعرف عن الخالق سوى ما حدّثنا به القرآن. هو غيب مطلق، حارت العقول في كنهه وتحديد ماهيته ومعرفة حقيقته. غاية ما يصل إليه التأمل الفلسفي: ثمة قوة خالقة لهذا الكون والنظام. وأما مشخصاته فقد ذكر الكتاب الكريم: (ليس كمثله شيء)، لا يقارن بمخلوقاته، ولا يقاس بها: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ). فلا يمكننا تصور حديث الله مع ملائكة أو مع أي من مخلوقاته، مهما حاولنا ذلك، لأنه ممتنع في ذاته. وهذا يكفي شاهدا على رمزية القصة.

- من هذا المنطلق نتوقف عند قوله: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً). لا شك أن المتبادر من المخاطبة المباشرة في القصة واقعيتها، ما لم تدل الشواهد على ضدها، لكن هل يمكن للخالق أن يخاطب الملائكة مباشرة؟، وكيف كان يخاطبهم؟ بأي لسان وأية لغة؟ وهل الملائكة مؤهلة لمخاطبة الخالق بعظمته؟.

- لا نعرف شيئا عن الملائكة، هل هي كائنات محايثة أم نورانية أم كائنات رمزية؟ كل هذا غير واضح، سوى أنها وسائط بين الخالق وخلقه: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ).وأيضا (جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)، فهم رُسل بهيئة مختلفة، عبر عن قدراتهم الخارقة في التنقل بأنهم ذو أجنحة، تتفاوت سرعتهم تبعا لعدد الأجنحة، فهو تعبير رمزي، عن معنى أعمق. وهم ليسوا أناثا: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ). لقد كان مفهوم الملائكة متداولا في الثقافة العربية، وكانت الآيات تصحح تصوراتهم عنها. فكيف كان يخاطبهم، وكيف كانوا يردون؟، كل هذا وغيره يدفع باتجاه رمزية القصة.

- ما هو الدافع وراء إخبار الملائكة، وهو يعلم أنهم لا يسبقونه بالقول؟ كما أن القرآن يؤكد: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)؟. لماذا يستطلع رأي الملائكة وهو يعلم مسبقا ماذا سيقولون؟. (وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا). ألا يدل هذا على وجود غايات أخرى وراء القصة بعيدا عن واقعيتها؟.

- وهل يعترض الملائكة على أوامره، وهم مطبوعون على الطاعة والانقياد: (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)؟.

- ما معنى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ). يعود الإشكال، لماذا يسألهم عن الأسماء وهو يعلم أنهم لا يعرفونها؟ أم أن دلالات الآية بعيدا عن ظاهرها، وما تتداوله كتب التراث والتفسيرات؟  

- ثم (قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ). أن الملائكة تعلم أنه يعلم غيب السماوت، فلماذا يؤكده هنا؟.

- سبق أن ذكرت ما معنى السجود في الآية، غير أننا الآن أمام استدعاء شواهد تؤكد الانتقال من واقعية قصة الخلق إلى رمزيتها: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ). فهل سجود الملائكة كسجود الإنسان أم شيء آخر. فكيف سجدت جميع الملائكة، وفي أي مكان؟ وهل تعلم كم عدد الملائكة كي يحدهم مكان بعينه؟. يصف القرآن في إحدى آياته عدد الملائكة لمشهد واحد فيقول: (وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا). فالسجود بمعناه الشرعي وليس اللغوي يتعذر تعقله بهذا العدد المهول. ثم تشتد الغرابة في الآية مع موقف إبليس: (فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ). كيف نتصور سجود جميع الملائكة إلا إبليس؟ في أي مكان سجد هذا العدد الهائل من الكائنات السماوية، ومتى وأين؟. أم الآية تشير لمعنى آخر للسجود والتمرّد.

نكتفي بهذا القدر من الشواهد والإثارات فهي تكفي لتأكيد رمزية قصة الخلق في القرآن، وانها تهدف على بيان حقيقة الإنسان وبيان مكانته وخصائصه، وكيفية تعقله للأشياء، وما هي قدراته.

تأملات في قصة الخلق

تقوم فلسفة خلق الإنسان في الأساطير القديمة، السومرية والبابلية، على اختزال الإنسان، وتكريس عبوديته للآلهة، التي خلقته مطبوعا على الطاعة والانقياد، تستعين به لتأمين قوتها وغذائها، بعد متاعب الأرض التي أنهكتها، فتكون العبودية جوهره وحقيقته، وليست عارضة أو طارئة عليه. فهو كائن مستلب الإرادة والحرية، متقوّم بغيره. وهو ذات المنطق العبودي الذي ينفي استقلالية الإنسان، ويكرّس تبعيته الوجودية، حداُ يبيح هدر إنسانيته. والأمر لا يختلف مع الأسطورة التوراتية، فالإنسان سيكون حارسا على الأرض ومسيطرا على الأسماك والبحار. أو ليُذهب وحشة الأرض كما في بعض نسخ التوراة. فلم يكن مخلوقا لذاته، مستقلا بإرادته. بينما يعطي القرآن الإنسان قيمة مغايرة حينما جعله خليفة، على الأرض، ومنحه العقل والإرداة والحرية. ليتحمّل مسؤولياته ويؤدي وظيفته الوجودية، وليس عبدا وخادما للآلهة، ولا متسلطا على الأسماك والطيور. بهذا نفهم أن الله أراد أن يخلق إنسانا تتجلى إنسانيته من خلال مشاعره وأحاسيسه وسلوكه. فالقرآن صدّق فكرة الخلق وأعاد تشكيلها وفقا لمفاهيم إنسانية، ليضع فاصلا بين مرحلتي الأساطير والوحي الإلهي، في ضوء الإطار العام للكتاب القائم على وحدانية الخالق. فيتفق مع التوارة في الوحدانية، ويختلف معها حول هدف الإنسان في الحياة، كما استعاد إنسانية الناس، التي سلبتها أساطير الأولين، باعتبارها نتاج مجتمع، يكرّس عبودية الفرد دينيا، ويسلب إرادته وحريته.

ولو نظرنا لفلسفة خلق الإنسان بعيدا عن قدسية الكتاب. فثمة تطور في وعي الإنسان لذاته والآخر، عبرت عنه الأساطير من خلال قصة الخلق، وما تضمنته من حكايات حول كيفية خلقه، وتحديد مهامه، تعكس مستوى الوعي الثقافي لبيئة الأساطير. وأقصد بالثقافة الأعم من الدين والفن والرموز. فالأساطير واكبت حركة الوعي المجتمعي، فهي دالة عليه. لذا كان من الطبيعي أن تؤصل أساطير الأولين لسلطة الآلهة وعبودية الفرد، في الحضارتين السومرية والبابلية. ثم بعد توحّد الآلهة بالإله مردوخ، بدأت ثقافة المجتمع تتأثر بالمنحى الجديد، كما هو واضح في التوراة، التي تحدثت عن الإله الذي خلق آدم على صورته، ليكون حارسا للأرض أو ليبدد وحشتها، وقد خوّله بعضا من سلطاته على الماء. فاختلفت عن أساطير الأولين حول الإلوهية، وحقيقة الفرد من خلال مسؤولياته، فلم يعد عبدا للآلهة، بل مخلوقا لإله واحد، هو الذي خلقه على شكله. ثم جاء القرآن ليسجل نقلة نوعية، لم تكن مسبوقة، حينما راحت قصة الخلق تستعرض حقيقة الإنسان عبر مشاهد القصة، التي اختلفت في تفصيلاتها.

وهنا يأتي السؤال، هل ثمة ما يؤكد تطور وعي المجتمع المكي، وتخليه عن قيمه القَبلية، التي هي قيم عبودية بامتياز؟. وهل الوعي القرآني هو نتاج بيئة ثقافية قائمة على التوحيد وإدراك الأبعاد الإنسانية؟

لا اعتقد ذلك، مما يقوّي فكرة الوحي، حتى مع القول بعبقرية محمد، فإنها عبقرية استثنائية، استمدت وعيها من أفاق نفسية وأخرى غيبية. وبالتالي حتى لو نسبنا تطور الوعي إلى الصراع الطبقي، فإنه لا يصدق على زمن الرسالة، لا أقل من جانب النبي محمد، لعدم وجود شواهد وأدلة كافية، فلم ينفاسهم أحدٌ إقتصاديا وكان الصراع بينهما صراعا بين الإيمان والشرك. لا أنفي أرتباط الديني بالاقتصادي بالنسبة لقريش، إذ كان توظّف سدنتها لمكة المقدسة عند العرب لتكريس مصالحها التجارية والاقتصادية، ولا ريب في ذلك، غير أن هذا القدر لم يحقق تطورا في وعي المجتمع، وبقي الشرك والقيم القبلية حاكمة.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi8احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي

 

مفهوم الحق

ماجد الغرباوي: الحق لغة: نقيض الباطل، وفي معاجم اللغة: (الحَقُّ: من أسماء اللهِ تعالى، أو من صِفاتِهِ، والقُرْآنُ، وضِدُّ الباطِلِ، والأمر المَقْضِيُّ، والعَدْلُ، والإِسْلامُ، والمالُ، والمِلْكُ، والمَوجود الثابِتُ، والصِدْقُ، والموتُ، والحَزْمُ، وواحدُ الحُقوقِ). ويأتي بمعنى (المطابقة والموافقة والصواب والصحيح، والحقيقة). وكل معنى ورد في كتاب الله منسجما مع سياقه. ويمكن تعريفه مكثفاً: "ما طابق الواقع عند الشك وارتياب". فالله هو الحق باعتباره "حقيقة مطلقة"، وإخباراته حق لأنها مطابقة للواقع، حينما تقصده بالذات. ومطابقة لمقاصده وغاياته عندما يقصدها. والقرآن حق لأنه وحي من الله. لكن الأهم أن القرآن وظّف مفهوم الحق مرجعية نهائية لمعرفة الحقيقة وتحديد الموقف الديني من القضايا العقدية، ومنطلقا لانتزاع سلطة المقدّس، فجاء مرادفا: لـ(الخالق، القرآن، الحقيقة، الواقع، الخلاص، الإسلام). يتضح جليا من خلال الآيات، وكيفية توظيف المفهوم عبر سياق النص. والمتبادر من لفظ الحق بعده الحقوقي، وينصرف للمرافعات القضائية، وحسم الخلافات القانونية، لكنه مفهوم زاخر بدلالته.

و(الحق) كان وما يزال منذ نزول الوحي نقطة خلاف بين المسلمين وغيرهم، سيما في زمن الرسالة، ومجاورة أهل الكتاب، حتى استدعى كثافة حضوره، لتفادي مراوغاته، وبيان دلالاته، عبر (283) مورد، شملت جلّ مواطن الشك والتردد والخوف والريبة، حداً يصدق أن الحق كان رهان القرآن في تحديه لأهل الكتاب ومناوئيه. وقد سادت ثنائية (حق / باطل) جميع مشاهد القرآن وهو يستعرض صور الصراع المحتدم حول "الحقيقة"، ومعنى الخلاص. فالحق قرآنيا يحتكر الحقيقة، وليست الحقيقة سوى الحق. والخلاص بالحق ولا خلاص بدونه. فالحق مفهوم خطير، لا يمكن تجاوزه، خاصة وأنت تقرأ قوة إيحائه من خلال سياق الآيات، وكيف يبعث الهمم في نفوس المؤمنين، لمقارعة الباطل وفق المفهوم القرآني. وبهذا الشكل راح مفهوم الحق يضفي معنى الحقيقة المطلقة على القضايا الدينية والمصيرية، في مقابل الباطل، وهو ما خلا الحق.

هذه المقدمة تمهّد لفهم إشكالية القصص القرآني، عندما يُحمل على الرمزية، التي يفهم منها القارئ أسطوريتها وعدم مطابقتها للواقع، فكيف تكون القصة حقا وفي نفس الوقت غير واقعية، فترمى بالباطل والأسطورية؟: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ)، (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ). والأسطورية ذريعة أهل مكة لعدم إيمانهم بنبوة محمد: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا). وتمثّل خلاصة الجدل الدائر حول جملة قضايا، اتسمت بغرائبيتها أو عدم تطابقها مع موروثهم الثقافي. فالأسطورية ليست مجرد تهمة بل موقف من الدعوة الجديدة، سببها كما أشارت الآيات:

أولاً: أن الأسطورة في مفهوم قريش سمة كل نص تاريخي وقصصي ديني، لا يتطابق مع موروثهم الثقافي، الذي يتغذى على حكايات القصّاصين وقصص أهل الكتاب. وجميعها يركّز على وقائع القصة وما تضمنت من أحداث وتفصيلات، مهما كانت خرافية، بعيدا عن مقاصدها وغاياتها وحكمتها. فتكون الأسطورة، التي تعني الافتراء والكذب، مبررا لعدم إيمانهم. بينما يركز القصص القرآني على العبرة والموعظة، لا على وقائع النص وأحداثه التاريخية. وعليه فالموروث وليس العقل كان مرجعية قريش لتحديد الموقف من قصص وأخبار الكتاب، والمائز بين الحق والباطل. الأول ما وافق موروثهم، وما عداه باطل وأسطورة. (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ). وهي نتيجة طبيعية للانغلاق المعرفي والثقافي، الذي يكرّس الجهل والأمية الثقافية والتخلف الحضاري والتشبث بالتراث والخرافات، وكان يفترض التأني والاستفهام وعدم إطلاق الأحكام جزافا، فتتحول إلى قضية مزاجية، وهروب مقصود من المسؤولية: (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ).

ثانياً: عدم إدراك قصدية الآيات وما وراء النص. وعدم إداركهم للعظة والعبرة، فيسارعون لتكذيبها ورميها بالأسطورية. وكان ينبغي لهم التأني، وتأويل النص، أو ينتظرون تأويله لاحقا: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ). مما يؤكد أهمية التأويل كمنهج لفهم النص الديني، بل لا يمكن إدراك العظة والعبرة بعيدا عنه، فهو منهج قرآني، ومنهج العلوم الإنسانية الحديثة، وهو مقوّم أساس لفهم لغة الدين، وتفكيك ألغازها وشفراتها ورمزيتها. وهذا ما أكدته الآية أعلاه. فالقصص الرمزية أو الأسطورية ليست باطلا عندما تحقق غاياتها: العظة والعبرة. (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ). وعلى المتلقي تدبّر القصص القرآني دون التسرّع في رفضها  ورميها بالأسطورية التي تعني الخرافة والكَذب وعدم مطابقة الواقع.

القصص الحق

لا ريب، أن ثراء النص وراء مرونته وخلوده، التي تعني قابليته للتأويل باعتباره حقلا دلاليا، تتعدد مدارته وطبقاته. ومع توغل النقد تنفتح فضاءات معرفية، لا تدرك بالتفسير وحمل اللفظ على معناه المعجمي، دون التأويل. وهذا سرّ التأكيد عليه كإمكانية لتقصي ما وراء اللفظ. النص القرآني نص أدبي بليغ، يوظف تقنيات لغوية تضمن تحدي الآخر بنبرة عالية. وليس كالنقد الثقافي منهجا قادرا على تحري مضمراته وأنساقه المعرفية، وما يخفي ويظهر. وما يقوله ويستبعده ضمن هدفه الكلي. فهو لا يكتفي بكشف الصور البلاغية، بل يتوغل تصاعديا مع ثراء النص واستجابته للتأويل. ويمكن الحد من التفكيك من خلال ذات المنطق القرآني الذي جعل العبرة والموعظة هدفا لقصصه. وهذا لا يعني الحد من قدرة الناقد أو قمعه. والكلام حول التأويل المنتج، الذي نطمح له ضمن سياقات الهدف الكلي للكتاب. وهدف القصة هو الذي يبرر صدقها ومطابقتها للحق، وليس الواقع وأحداثه ووقائعه فقط.

وبالتالي، فالأسطورة لا تقابل الواقع. أسطورة / واقع. بل تقع في مقابل الحق، وما عداه باطل وإن طابق الواقع. حق / باطل / أسطورة بمعنى الخراقة والكذب. وهي ذات الثنائية التي تحكم آيات الكتاب والموقف من المشركين والكفار (حق / باطل).

فالقرآن طرح مفهوما جديدا للعلاقة بين الأسطورة والواقع، استهدفت وعي المتلقي، وأعادت تشكيله وفق رؤية جديدة، لم يألفها ضمن بيئته الثقافية والاجتماعية، فهي بالنسبة له افتراء وأسطورة. إذ ثمة علاقة غير مرئية بين النص والمتلقي، يرتهن لها ثأثيره عليه، هي خلاصة تراكم لا شعوري راسخ، من الصعب زعزعته. وبهذا نخلص أن العبرة والعظة هي الحق بالنسبة للقصص القرآني، وليس الواقع ووقائعه وأحداثه، فما حقق أهداف القرآن فهو حق، سواء كانت القصة واقعية، أم كانت رمزية أو أسطورية بالمعنى لأدبي للأسطورة. هذا ما أكدته الآيتان المتقدمتان، فليس التأويل الوارد فيهما سوى دلالات لا يصرّح بها، تستدعي تأويله. أو بالتعبير القرآني أن ما بيدكم من علم لا يكفي لإدراك دلالات القصة: (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ)، وكان ينبغي لكم التأني: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ). بهذه المقدمات يمكننا مقاربة القصص القرآني عامة، وقصة الخلق خاصة.

لا يخفى أن العبرة والعظة لا تختص بالقصص القرآني، بل هي غاية القصص الوعظية والإرشادية. وكثير من القصص على لسان الطير والحيوان (كليلة ودمنة مثالاً)، يقصد بها العبرة والموعظة. أو الترغيب والترهيب. وأيضا يختلفون حولها، فهناك من يلاحق وقائع القصة ويغفل غاياتها ومقاصدها، فيتلاشى تأثيرها باكتشاف حقيقتها، بينما تبقى القصة خالدة بخلود مقاصدها. ولعل مثلا معروفا يكفي لتوضيح الفكرة: كثيرا ما يلجأ الأب أو المعلم والمربى إلى اختراع حكاية لزجر أبنه أو تلامذته. فيحكي لهم عن حيوان غرائبي يفترس كل طفل يقترب من النهر. ويختار أسلوبا حكائيا يصدّقه الأطفال، وتتحقق غايته بالردع. ولو اكتشفوا أسطورية الحكاية تفقد تأثيرها، ويرمون المعلم بالافتراء والكَذب. فمن ينظر لواقع الحكاية يصفها باطلا، ومن ينظر لهدفها فهي حق، يراد بها إجراء استباقيا لتفادي غرق الأطفال.

شاهد قرآني

إذاً المتبادر من مفهوم الحق في القصص القرآني المطابقة التامة بين المضمون والواقع. وعلى هذا الأساس انشغل الخطاب التراثي بقصص الكتاب، يتأمل وقائعها وأحداثها ويتأولها وفقا لرغباته، ويسقط عليها قبلياته، حتى تضخمت تحت ركام تراث روائي راح يحكي تفصيلات لا دليل عليها من الكتاب، ويرفضها العقل، وهي تتحدث عن خرافات وافتراءات، بناء على روايات تاريخية لا تصمد أمام النقد العلمي  وفق ضوابط علوم الدراية والرجال والحديث. لكنها تستهوي السامع في غرائبياتها حول جسم الإنسان ومواصفاته وقدراته الخارقة. وتفسير ظواهر القصص القرآني بعيدا عن العقل، أكثرها تسربت عن طريق أساطير التوراة وحكايات التلمود. 

ولا ريب، أن الحق بمعنى مطابقة الواقع،  يستمد صدقيته من آيات تنفي عن القرآن الافتراء والكذب والباطل، الذي يصدق على التأويل لدى العقل التراثي أو بعضه: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)، (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى). ثم: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا)، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا)، فكيف يقنع برمزية بعض القصص؟ وهو إشكال  بات بسيطا مع تأكيد القرآن على التأويل في فهم مقاصد القصة، خاصة ما كان رمزيا منها، غير أن المشكلة أن اكتشاف العبرة غير متاح إلا لأولي الألباب (لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَابِ). وأولي الألباب مفهوم يستبطن الوعي والإدراك والتأمل والعقل والتدّبر، فمن كان  من أولي الألباب فهو بالضرورة يتصف بهذا المواصفات مهما تفاوتت نسبتها، فتنحسر مصاديقه في دائرة النخب العلمية والطبقة الواعية من علماء ومفكرين.

ينبغي التأكيد أن القول برمزية القصص القرآني لا ينفي واقعيتها مطلقا، فهناك قصص تتحدث عن واقع معين، يتحدى معرفة أهل الكتاب، ودليل على صدقية محمد ونبوته.

(وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ).

(تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ).

(ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ).

(وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ).

هذه المصفوفة من الآيات تتحدث عن تفصيلات حياة الرسل والأنبياء. وتوجه خطابا غير مباشر لأهل الكتاب مفاده: أن ما لدى محمد من تفصيلات تاريخية حول الرسل ومسيرتهم الرسالية هي وحي من عند الله، لم يسبق له معرفتها، ولم يشهد أحداثها، وحي يوحى له، مما يؤكد نبوته.

أجد من المناسب ونحن نتحرى مفهوم الحق في القصص القرآني التأمل في مقاطع من قصة أصحاب الكهف، وهو مشهد يستدعي التأمل في معنى الحق، بعد التدقيق والمقارنة لنمسك بدلالاتها:

- تقدم، ينبغي مقاربة قصة الخلق في سياق ما ورد في التوراة، وهنا أضيف جميع القصص القرآني التي تأتي: تارة تصديقا لما بين يديه، أي كتب أهل الكتاب، وأخرى تكذيبا وثالثا لتصديق نبوة النبي محمد، وتصديق ما جاء في الكتاب الكريم: (لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَبِ مَا كاَنَ حَدِيثًا يُفْترَى‏ وَلَاكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَينْ‏َ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلّ‏ِ شىَ‏ْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون)، فهناك أربعة أهداف وراء سرد القصة القرآنية. وليست هناك قصة لأجل القصة، أو الأدب لأجل الأدب، وإنما أدب ملتزم، وغايات ومقاصد رسالية، تعزز موقع القرآن، وهو يخوض جدلا محموما مع التوراة والإنجيل على مستويات عدة، منها انتزع سلطة المقدس واحتكار الحق، وما يترتب عليه من نتائج يتوخاها النص القرآني. فالحق يعادل احتكار الحقيقة المطلقة، وسُبل الخلاص. فلا ريب بقوة حضوره، وتأكيد الآيات المتواصل عليه.

- تصدّرت قصة أصحاب الكهف آية: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ)، فنحن إذا أمام أنباء، بقرينة الحق، أنها أنباء مختلف حولها، بعضها حق، وهو النبأ القرآني، وبعضها باطل، نبأ أهل الكتاب.

- إذا حملنا مفهوم الحق على مطابقة الواقع فقط، كما هو منطق التراث والخطاب الديني السائد، فستواجهنا آيات تسترعي التأمل في هذه الحقيقة. كيف يمكن تسويتها؟.

- لكي نقارب القصة بشكل صحيح، ينبغي استدعاء ما ذكر حول أسباب النزول، والذي تؤكده ذات الآيات، ومفاصل السرد القصصي. بمعنى آخر، لا نعتمد أسباب النزول ما لم نجد شاهدا يؤكده. وفي أسباب النزول أن قريشا بعثت من يسأل أهل الكتاب، عن كيفية اختبار نبوة محمد باعتبارهم أهل كتاب، ولديهم أخبارهم الخاصة عن الماضين. فكان من جملة ما أخبروهم: هناك فتية في غابر الزمان، إن عرف قصتهم فهو نبي وإلا فمفترٍ. وقصوا عليهم قصتهم. ولما عادوا عرّجوا على المدينة، وسألوا النبي عنهم. فكيف يجيبهم وقد عرف أنهم اختبار صعب؟. هل يخبرهم بواقع أصحاب الكهف الذي لا يعرفه إلا الله، وهو شيء مختلف عما في التوراة؟ وحينئذٍ لا محال سيكذّبونه: (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ)، ويخسر جولته معهم، ويسجل موقفا ضده. أم يجيبهم وفقا لما قاله أهل الكتاب، وهو باطل، كما يفهمه العقل التراثي؟. وبالتالي فإن جواب النبي سيكون حاسما لفهم معنى الحق، فهو لا يقتصر على مطابقة الواقع فقط، بل يختلف الحكم باختلاف موضوعه ومناسباته، ويبقى الهدف الأساس هو مقياس الحق. فكان جواب القرآن، أنه ذكر جميع الاحتمالات التي قال بها أهل الكتاب وجاءت بها قريش تختبر النبي، فكسب الجولة، وأرغمهم على تصديق نبوته، سواء أعلنوا إيمانهم أم استكبروا: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا). فحققت الآية جميع أهدافها، أكدت ما جاءوا به من أخبار، ونفت صدقيتها. وبقي الحق مختصا بالله. فالحق ليس مطابقة الواقع دائما، كما في رد النبي. كي نحتج على رمزية القصص القرآني. ثم تكمل الآيات: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). فالنص ينقل المتداول عند أهل الكتاب، ولا يمضي الواقع، ورغم ذلك يصف إخباره هو الحق. فالحق ليس في تفاصيل قصة أهل الكهف كما ترويها أسطورة التوراة، بل بما حققه السرد القرآني على لسان النبي. ونخلص أن رمزية القصة القرآنية لا تتنافى مع الحق، بل يتأكد مع غاياتها ومقاصدها. وإلا لا معنى للتردد في بيان عددهم وعدد السنين التي لبثوا في كهفهم، وهو محيط بكل كل شيء، وعالم بكل شيء. التردد يتنافي مع وصف الحق الذي يعني الجزم واليقين، غير أنه لا يقصد الواقع عندما وصف نبأهم بالحق، بل يقصد معنى غيره. لذا تختتم القصة في القرآن: (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا). لأن الوقائع غير مقصودة بالذات.

لكن يبقى السؤال: ما هو الدليل على رمزية القصة؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi7احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

ضرورات المنهج  

ماجد الغرباوي:ثمة دلالات تستدعي فهماً تأملياً يمكّنه التقاط جملة إشارات هاربة، والتماعات تتوارى بفعل تقنية لغة النص وطريقة تعبيره، ليؤسس فوقها رؤية مغايرة، في ضوء الواقع، وجدلية العلاقة بين المفردة والسياق، والتأثير المتبادل بينهما. وتزداد الحاجة لمناهج نقد النص الحديثة طرديا مع ثراء النص وقوة إيحاءاته وإحالاته، لتجاوز محنة التقاطع بين النص المقدّس ومعطيات الواقع، وكيفية فهم اللامعقول الديني مع عدم القدرة على إثباته علميا وتجريبيا سوى إيمان الفرد وقناعته الشخصية، فيكون التجرد شرطا في فقهه وفهم مداليله. أعني التخلي عن أهوائه ومواقفه وإسقاطاته، وعدم الكف عن البحث والتنقيب ومساءلة النص، للكشف عما يريده وما يستبعده، والتأمل في أسلوب الخطاب، وكيف يعيد النص تشكيل الواقع لتمرير رسالته، كما في الروايات الدينية والتاريخية التبجيلية – مثالاً - التي تنشد تعزيز قناعة المتلقي بقدسية بطل الرواية، اعتمادا على خلفيته، فيخلق النص علاقة بينه وبين قبليات المتلقي، ويعيد تشكيلها لترسيخ حقائقه، عندما يتعمد الراوي إخفاء تفصيلات وقرائن لو ذكرها يخسر النص رهانه، هذا إذا أحسنا الظن به ولم يزوّر الوقائع التاريخية، كما في الروايات الموضوعة والروايات التبجيلية. وهنا سينجح في تمرير رسالته ما لم يمارس المتلقي النقد، يواصل الحفر والتنقيب، لفضح  تقنياته وطريقة اشتغاله في تمرير رسالته. المتلقي قد يغفل دور النص لا شعوريا عندما يتعامل مع الحقيقة، بفعل غواية الخطاب وقدرته على تمرير رسالته بعيدا عن دور النص. فنقد النص وتعرية حقيقته يزعزع صدقيته كمرجعية مطلقة، متعالية.

أو يترك النص هامشا للتأويل، لتحري دلالاته ومضمراته، كما في قصة الخلق التي نحن بصددها، عندما يتسلّح الباحث بعدة معرفية ووعي يقلّب به أوجه النص، في حركة تأويلية دؤوبة بين مداراته ومختلف علائقه. النص عالم مدهش في أساليبه التعبيريه، وطريقته في الإظهار والإخفاء، وقدرته على توظيف قبليات المتلقي في سياق هدفه حداً يعيد تشكيل الوعي. فالنص، أي نص، ليس بريئا، بل يراوغ ويخفي أكثر مما يظهر، ويضمر أكثر مما يقول، وكلما زادت مراوغات النص كلما تراكمت دلالاته. فثراء النص يعرف بمقاومة التأويل وقدرته على المراوغة، واستجابته المخادعة لأداة النقد، فكلما عوّل الناقد على إحدى دلالات النص، تبدد يقينه مع مواصلته التحليل والتفكيك. فالنص القوي لا يعطي نفسه بسهولة، ولا يبوح بأسراره وشبكة دلالاته، حتى أجد النص أكثر خيانة عندما يمارس غوايته ويتستر على الممنوع والمحرّم والمسكوت عنه. وفي كل هذا يجب عدم إغفال قبليات الناقد وتأثيرها على تأويل النص. وقبلياته ثقافته التي يستمدها من بيئته ومعاناته الفكرية والعقدية، ومجموع ما يؤمن به من عقائد ومسلمات وثوابت. فنقد ثوابت المتلقي تؤثر هي الأخرى في فهمْ النص. يظهر هذا جليا في الانحياز الأيديولوجي، حينما يسقط الباحث قناعاته على النص، ويستنتج ما يعضد عقيدته. أو حينما تسلبه قداسة النص حرية النقد، وهو سرّ تفاوت فهم ذات النص بين الباحثين. لا أستهين بدور النص حينما يفرض محدداته، ولا أشطب مؤلفه، عندما يتعلق الأمر بسلطته. كما لا أحد يشترط على الباحث حضور المؤلف، وبامكانه فهم النص بمعزل عنه، وهذا يشمل جميع النصوص الأدبية وغيرها. لكن هل يمكن تجريد النص الديني من قداسته؟.

بلا شك لا يمكن تجريد النص الديني من قداسته، خاصة بالنسبة للباحث الديني، فتجده محاصرا، لأن معنى القداسة في أحد أبعادها، تعني لديه الجمود على حرفية النصوص، وعدم زحزحة دلالاتها خوفا من المساس بقداستها. فالباحث يتهيب المغامرة التأويلية، خاصة مع صرامة خطابات الترهيب. فيجد نفسه أمام خيارين، إما التمسك بظاهر النص وإملاءات التراث وفاء لإيمانه ولقداسة النص، أو التضحية بثوابته الإيمانية، التي تعني التشكيك بمصداقية الخالق وبالتالي الكفر به، ما لم ينتقل كليا من خندق الإيمان إلى خندق اللا إيمان بعالم الغيب. فيقتصر بحث الباحث الديني على التفسير والتوجيه والتبرير والتوضيح وإعادة تشكيل الوعي بذات السقف العقدي، وبذات المقولات الكلامية والإيمانية. والحقيقة أن الباحث الديني هو الذي جنى على نفسه عندما حاصرها بفهم واحد لمفهوم القداسة. وقد مرّ مكررا أن للقداسة فهماً آخر، وأن قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرّد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. ويزداد التأويل ضرورة لتفكيك رمزية النص كلما كان متعاليا ومقدسا. ثراء النص لا ينفد بنقده، بل تتطور دلالالته.

ولا مراء أن الأسلوب القصصي الأقدر بين الأساليب الأخرى على تمثّل المفاهيم المجردة والقضايا المفارقة، عندما تحولها إلى مشهد متحرك، يمكن معايشته عبر شخوص القصة وتقنية السرد، فتتجلى القيم والمفاهيم من خلال الحدث، ومسرحة الوقائع. وربما مثل أو حاكية  أو وسيلة إيضاح أو رمز أقدر على إيصال الفكرة للمتلقي من مقال أو دراسة مفصّلة. وربما الجميع يتذكر ثلاثية نجيب محفوظ التي جسدت مفهوم الاستبداد وسلطة الأب ضمن النظام الأبوي، من خلال سلوك "السي سيد"، رغم تعدد ثيماتها، ولو أنك تقرأ كتابا عن البطريريكية لما تجلى مفهومها كما في السرد القصصي، وأوضح عندما يتحول النص إلى مشهد تمثيلي أو درامة متلفزة. خاصة عندما تكون المفاهيم عصية، أو تكون القضايا المفارقة حداً يصعب  تمثّلها. وبالتالي فنحن أمام نص أدبي، يحمل ثيمة معينة، ما إن نضع اليد عليها، نتمكن من فهم فصولها ومشاهدها، وفق منهج التدبّر "ألا يتدبرون القرآن"، الذي يعني التأمل العقلي والفلسفي في النصوص العميقة التي تنطوي عليها القصة.

الوحي ثانية

ينبغي التأكيد ثانية على مفهوم الوحي ودوره في تمثّل المفهوم. فقصة الخلق بالنسبة للأول قصة واقعية (نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ)، وفقا لفهمه معنى الوحي. واعتبار القرآن وحيا من الله معنى ولفظا، فينحصر دوره بالتلقي والبيان والشرح. يكتفي بحمل اللفظ على معناه، لا يقارب النص تأويلا إلا قليلا، ويبقى محاصرا بالتراث.

والثاني يقصر الوحي على المعنى دون اللفظ، ليمثّل القرآن فهمَ النبي للوحي. وهو فهمٌ بشري، يرتكز لقبلياته وثقافته وبيئته، وحينما نكتشف ثيمة النص يمكننا تأويله وفقا لمقتضيات عصرنا وفهمنا للواقع وضروراته، ولا تعارض في البين، لأن في كل الحالتين هو فهمٌ بشري، لا فرق في ذلك سوى الواقع وضروراته، وهذا لا يسلب الرسول قدسيته، ونتكلم هنا عن الفهم الثاني لمعنى الوعي. وبالتالي  فالنبي بشر بصريح الكتاب، واجه مفاهيم مجردة وقضايا مفارقة وراح يتمثلها من خلال الآيات، حدوده قداسة النص وسلطته. وفهم النص يتغير بتغير شرطه الثقافي والتاريخي، وثمة كشوفات معرفية هائلة تنعكس لا شعوريا في فهم الباحث.

والثالث: يتعامل مع النصوص على أساس بشريتها، ويمارس نقده على النص من هذا المنطلق بعيدا عن سلطة القداسة. وبحرية مطلقة، لا تحده حدود، وقد ينتهي لنتائج مغايره تماما. فهو يفهم النص نتاجا بشريا ويأخذ كل متطلباته في صياغة النص. ويقرأه وفقا لحاجاته البشرية، بمعزل تام عن قداسته. بمعنى أدق أنه يقارب النص بمعزل عن مؤلفه، ويمارس نقده في ضوء معطيات العلوم وما يؤمن به من فرضيات ونظريات معرفية. يتوغل في بنيته المثيولوجية ويسعى الاستنطاق رمزيته بحثا عن دلالات تتستر باللغة وتقنياتها. فهو لا يكف عن فضح بشرية النص وتقنياته في التخفي واستغفال المتلقي.

والرابع قد يضفي على مخيلته شيئا من القداسة، ويفرض سلطتها عليه. وهو يختلف عن الأقسام السابقة، لأن الوحي في فهمه تجربة بشرية تنفتح على آفاق الغيب والمطلق، والفارق بات دقيقا بينه وبين القسمين الثاني والثالث، فهو من جهة يشابه الثالث في بشريته، ويشابه الثاني في تجربته الروحية، لكن يتنزل عليه الوحي، وهنا إنفتاح على آفاق روحية واسعة، يستلهم من تجربته معارف دينية وعقدية وروحية.

وبالتالي إما أن يقرأ المتلقي قصة الخلق من داخل النص، فيكون منحازا لقداسته لا شعوريا. أو يقرأ قصة الخلق من خارجها عبر نسق فلسفي تأملي، والاستعانة بمناهج العلوم الحديثة، بعيدا عن مؤلف النص وسلطته، فيقدم فهما وفقا لمعطياتها، ليواكب الحاضر ومتطلبات الواقع، بعيدا عن الأوهام والأحلام الطوباوية. عقل الإنسان ووعيه في تطور مستمر بتطور العلوم والآفاق المعرفية الحديثة، وما لم يواكبه عبر قراءة منفتحة، سيضحي بالدين، رغم ما فيه من زخم روحي وأخلاقي، يعضد مسيرة الفرد والمجتمع، لاستباب الأمن والاستقرار.

والحقيقة لا مانع من توظيف المناهج الحديثة، ليبقى الباحث ينقب في أعماق قصة الخلق بحثا عن ثيمتها الأساسية، التي ستكون منطلقا لفهم كثير من القضايا الدينية المرتبطة بها. بل أجد أن معطيات العلوم الحديثة باتت أمرا واجبا حيث تزودنا بمعارف تساعد على فهم النص الديني وخلفياته وشروطه. فالأنثربولوجي حينما يقدم كشفا اجتماعيا، يساعد على فهم بعض الظواهر المجتمعية آنذاك، وحدود الدين في وعي المجتمع المكي. ويعلل لنا مثلاً، لماذا لم يتقبل أهل مكة فكرة التوحيد؟ ولماذا التمسك بالشرك من ناحية اجتماعية، وما هي انعكاساته؟ ما هي الدوافع الاجتماعية والاقتصادية وراء رفض الدين الجديد. وأشياء كثيرة. وأيضا بالنسبة لعلم النفس الذي يساهم من خلال آخر الاكتشافات على فهم طبيعة الفرد والمجتمع من ناحية نفسية. ومدى تفاعله مع القضايا الغيبية والخرافية والأسطورية؟ وماذا يعني إيمانه بالجن والقوى الخارقة والسحر؟ وكيف نفهم الروح القبلية ودورها في الإيمان والشرك؟ وما هي الأسباب الحقيقية وراء الانقياد المطلق لسلطة الشيخ. وهكذا منهج التفكيك والأركيولوجيا والهرمنيوطيقا. كل واحد منها يضع تحت تصرف الناقد أداة لتحري طبقات النص وفهم طريقة اشتغالها لتحقيق ثيمة النص ضمن بنيته المثيولوجية.  بهذا الشكل نوظف قصة الخلق لفهم ديني مستنير، نستعيد به إنسانية الإنسان، ونخرجه من كونه مذنبا مطرودا من الجنة، تلاحقه الخطيئة في نسله، ويتحمّل مسؤولية خطيئة الإنسان دائما، إلى كونه خليفة في الأرض، سيدا عليها. مع هبوطه بدأت مهمته الإلهية، والخلافة الربانية. وأما النتائج الخطيرة التي يحذر منها الداعية الإسلامي عند توظيف مناهج النقد الحديثة، فلا تؤثر، لأن خوفه يعود لتشبعه بالتراث، حد الهيمنة المعرفية، التي ترفض كل معرفة دونها.

من هنا نبغي مقاربة قصة الخلق بعيدا عن الفهم التراثي المتداول للقداسة. ونريد استنطاق النص بذاته. وستتكفل المقدمات التي بينتها سلفا بحفظ تعالي القرآن وقداسته بالمعنى المتقدم أيضا، حيث اشترطت في تناول النص الديني خصوصيته، وهي أن بنية النص الديني تربط بين عالمي الغيب والشهادة. أمنت أو لم تؤمن به. نحن لسنا أمام قضية إيمانية، بل أمام قضية مقدّرة، ويكفي فهم النص بمعزل عن مؤلفة، ولا داعي لأنسنة النص وسلبه قدسيته. بإمكان المتلقي رمي النص بالخرافة والهرطقة، وأما من يرد مقاربة النص الديني فهذه بنيته. ثمة مساحة مثيولوجية واسعة إلى جوار عالم الشهادة. وعلى الدارس ملاحقة مختلف تأثيراته التي منها فهم النص. وقصة الخلق نص ديني، مهمته ربط الإنسان بخالقه، وترسيخ الإيمان بالغيب، يرسم خارطة طريق لبداية الإنسان ومصيره، إذ قلنا أن قصة الخلق جاءت في سياق سؤال الوجود، والقلق المصير الذي هو قلق وجودي، يلازم الإنسان الذي يرهبه المجهول، وما بعد الموت، ولديه نزوع فطري للبقاء والخلود. وبالتالي نحن أمام نص ديني، نتأمل دلالاته، بمعزل عن العلم وموضوعاته. الفهم الصحيح للغة الدين فصل بين مسارات العلم والدين، وشخص موضوعاتهما، وما عادت هناك ثنائية صلبة بين العلم والدين، كما يريد الفهم السلفي والتطرف الوضعي ذلك.

البيئة الثقافية

جاءت قصة الخلق ردا على أسطورة الخلق في سفر التكوين من التوراة، وهي على قسمين، الأول سرد لقصة الخلق في سبعة أيام، والثانية حول خلق آدم وزوجته. فأكدت أسطورة الخلق على الوقائع التاريخية، بينما كانت قصة الخلق تدور مدار الهدف الأساس من خلق الإنسان، ودوره الوجودي باعتباره محور الحياة (خليفة)، فتكتفي من وقائع الحدث بما يخدم ثيمة القصة، وهو منهج القصص القرآني، الذي يهتم بالعظة والعبرة، بشكل يدور التأويل مدار الهدف الكلي: "لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَابِ". وهذا غير متاح إلا لأولي الألباب، ما يؤكد دور العقل وأدواته التأويلية. والهدف الكلي من النص الديني بشكل عام كما تقدم: "تكريس وجود الخالق ووحدانيته، وربط الإنسان ووجوده ومصيره بخالقه، وتفسير ظواهر الوجود والحياة على أساسه".

غير أني لا أقف عند هذه الحدود، وأجد أن هذا المعنى يكرّس نظرية العبودية، التي تختزل الإنسان بالطاعة والانقياد المطلق، وتسلبه حريته وإرادته التي هي لوازم وجودية، فيعيش حالة اغتراب، ويغدو مشروعا للتبعية، ينساق مع كل تفسير. وطالما ناقشت اتجاه العبودية وتداعياته، وطرحت في مقابله اتجاه أو نظرية الخلافة / الإنسان، التي تؤكد على مركزية الإنسان، ودوره في استخلاف الأرض. فتأتي علاقته مع الله منسجمة مع فهم مختلف للدين والحياة، بشكل يشعر الإنسان باستقلالية تمكنه من وعي الذات. وهذا ليس استكبارا (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا)، بل وعيا مستنيرا بالإيمان. فعلاقة الفرد بربه علاقة العابد بالله، لا علاقة العبيد بسيدهم. فترى القرآن يؤكد عليها وينسب المتلبسين بفعل العبادة لنفسه: (وعباد الرحمن). فعبادتهم عبادة إرادية واعية. وأما عبودية العبد فهي عبودية مطلقة، بلا تمرّد أو رفض. لذا في قصة الخلق إكتفى الخالق بسؤال إبليس عن سبب عدم سجوده، ولم يجبره عليه. لأن العبادة الواعية فعل إرادي. وذكرت في بحث سابقا: أن الغاية من تشريع الأحكام وفقا لهذا الاتجاه، ليس اختبارا لدرجة طاعة الإنسان ومستوى عبوديته كي يواكب الحكم كل تطورات حياته، في ظل قيمومة الفقيه ومن سبقه. بل أن تشريعها جاء لتحقيق ملاكات تتوقف عليها مصلحة الاجتماع البشري. فتكون رهن فعليتها وفعلية موضوعاتها. ما دام الحكم ناظرا لمصلحة الإنسان وفقا لشرطه التاريخي. فما كان فعليا في زمن الرسالة قد لا يكون كذلك في زمن آخر. لا بسبب نسخ الحكم كما يعتقدون بل بسبب عدم فعليته. وهذه وجهة نظر تحترم قدسية التشريع وتناقش في فعليته، بينما النسخ يرمي المشرّع بالجهل، وعدم قدرته على تشخيص تمام الموضوع وشروطه. بعبارة أخرى أن ما جاء في القرآن من تشريعات تكفي حاجة الإنسان ليواصل حياته اعتمادا على عقله وقيمه ومبادئه الإنسانية، التي تحفظ له كرامته ودوره، وتحقق شروطه الحياتية بعيدا عن الظلم والتعسف. وهو فهمٌ مختلف لا يسمح بتضخم الأحكام الشرعية. لكن الفقهاء لم يلتزموا به، لأنه لا يحقق سلطتهم ومركزيتهم، ويسمح بتمرّد الإنسان والاحتجاج بعقله في مقابل فتاواهم وأحكامهم. فتحرره من سلطة الفتوى ليس تمردا بل وعيا حقيقيا لفلسفة التشريع. وكل هذا يؤكد ثيمة القصة.

وبالتالي ثمة فرق بين أن تقرأ القصة من الأعلى إلى الأسفل، فيغدو الإنسان متلقيا، مسلوب الإراداة، تملى عليه الأشياء، وافقت أم خالفت رغباته، وهو اتجاه عبودي، يضحّي بالإنسان لصالح رؤية موروثة عن المجتمع العبودي لسطوة الخالق، تشبيها له بالطغاة والجبابرة، حيث يختزل الفرد إلى مجرد تابع ومفردة بسيطة ضمن ملكية مطلقة، مشاعة، للسلطان، باعتبارها حقوقا سيادية. وبين أن ننطلق من الإنسان ومن الواقع لفهم قصة الخلق، فيكون الإنسان محورها، ومصلحته غاياته، فنحمل دلالاتها بهذا الاتجاه. وبما أن قيمة الإنسان بعقله، فقصة الخلق خطاب العقل ودوره وأهميته، كما سأشير في دلالاتها.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi6احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

محددات القراءة

ماجد الغرباوي: إن تعهد المقدمات الأنفة يوفر فهماً ينسجم مع البنية المثيولوجية لقصة الخلق، مادام النص يتأثر بمفهوم الوحي. وأيضا يتأثر بقراءته ضمن سؤال الوجود وفي الإطار الكلي للقرآن، الذي عاصر نزوله تراثا لاهوتيا زاخرا بنصوصه الدينية، وقد طرح التوراة ومن قبله الحضارات القديمة قصة الخلق بشكل مغاير. وبالتالي فإن المقدمات الأربعة تمهّد لفهمٍ يسمح بمقارنتها بالنظرية الوضعية عن أصل الإنسان. وهذا يعني أن المنهج سيلعب دورا حاسما، لاكتشاف الترابط بين عالمي الغيب والشهادة، الذي هو استراتيجية الخطاب الديني بعامة، والقرآن بخاصة. والكشف عن علاقة النص الديني بالمكان والزمان، ومدى تأثره بالواقع، وقبليات المتلقي. خاصة القضايا النسبية التي تشكل مساحة واسعة من الكتب السماوية، وهي رهان الدين في ترسيخ الإيمان بعالم الغيب. فنحن لا نحتاج للتفسير بقدر حاجتنا لفهم النص وترابطاته. والفهمُ جهد نقدي وتأويلي، وتوظيف أدوات وآليات تقصى مدارات النص لتشرق روح النص، وعدم الوقوف عند حدود اللفظ وحمل اللفظ على معناه المعجمي. والجمود على حرفية النصوص.

ويجدر التنبيه، عندما يفرض  النص محدداته على فعل القراءة، يريد التنبيه إلى خصوصيته، التي تستدعي منهجا معرفيا لتقصي مداراته الواقعية والمثيولوجية، دون إقصاء المتلقي مادام موضوعيا في قراءته وتأويله، فهي محددات من داخل النص، تقتضيها طبيعته، لا من خارجه أو مفروض عليه. مثله مثل العلوم التي تستخدم أرقاما ورموزا في معادلاتها ومسائلها، فهي ضرورة تقتضيها طبيعة النص وموضوع العلم. ويبقى النص مفتوحا لاستنطاقه حيث مرَّ بنا: أن النص بطبيعته مستغرق في صمته، يخفي دلالاته، وأسراره ورمزيته، لا تستنطقه سوى القراءة الموغلة في نقدها، وتفكيكها لتراكم طبقاته المتوارية، بحثاً عن ركائز سلطته وطريقة أدائها ضمن نسيجه اللغوي، وهي خصائص تستدعي فرض محددداته التي تنوّه به وبطبيعته. ولا أقصد بالمحددات غلق مدارات البحث، وهدر قبليات المتلقي، وقمع الباحث وراء قضبان القداسة، كما يفعل العقل التراثي، الذي يضعك بين  التماهي والاقصاء، ويفرض عليك سلفا جملة قناعات عقدية وأيديولوجية تعمل محددات قبلية، بينما تشترط القراءة التأويلية حرية الباحث ما لم يفرض النص ضروراته، فيقوم بمسح عام للنص وعلاقاته وترابطاته والهدف الكلي، وأشياء لها علاقة بفهمه، ويتوقف عليها تحري دلالاته. وبالتالي ثمة مهام تستدعي تقنيات لغوية تتواءم مع مشاغل النص الديني، وفي ضوئها سنفهم جملة من دلالات قصة الخلق، ووجه الاختلاف بين نظريتي الخلق والتطور.

لا فيتو على نتائج البحث، بأي منهج من مناهج نقد النص. والحق، الذي يتحدث عنه القرآن، حينما يعتبر نفسه حقا، يمكن للناقد مقاربته بنسق عقلي، لتحري صدقيته، بعد تحديد مرجعيات الحق، رغم أن القرآن يعتبر الخالق حقا مطلقا وما يصدر عنه حق مثله، لكن لا يمنع من مقاربته. بمعنى آخر، أن القداسة لا تحول دون النقد، بل تنبّه لتعالي النص، مما يستدعي تأملا طويلا في ثناياه دون التسرع في الحكم عليه. بل أن فلسفة الدين تقتضي أن تكون مادتها من الدين، ومن ثم محاكمتها وفق نسق فلسفي وعقلي ليشكل إطارا نظريا لها. وعندما تعلو سلطة العقل، قد يتفق أو يختلف مع ثوابت الكتاب، شريطة الارتكاز للدليل. القرآن يحتكر الحقيقة ويقدم نفسه حقاً مطلقا، ويبقى للباحث هامش كبير للمارسة النقد وتحري صدقية مفاهيمي. ودائما يبقى الرهان على نقد النص من خارجه، بما فيها النص المقدس، وهذا لا يضر بقدسيته، وفقا لمفهومنا المتقدم. خاصة أن القرآن يتحدى، ومن يتحدى يقبل رهانات التحدي، ولا شك أنه يقصد الرهان العقلي، لأنه الوحيد القادر على طرح ما يقابل النص، مهما كانت مرجعياته. وبالفعل أمارس هذا اللون من النقد خلال بحوثي.

وهنا نؤكد على حرية المتلقي في رفض قداسة النص الديني، ورفض جميع القضايا الميتافيزيقية لعدم ثبوتها بالتجربة أو بالدليل العقلي. ومن حقه عدم الإيمان بالوحي، وقدسية القرآن. فيتعامل معه كنص بشري خاضع للنقد والمراجعة، ورفض ما يرفضه العقل والتجربة. لكن عندما يروم نقد النص الديني باعتباره نصا متعاليا مقدسا فإن القضايا الغيبية التي هي قضايا مثيولوجية تعتبر جزءا أساسا من بنيته، رغم نسبيتها خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي القائم على الإيمان والإذعان للخطاب الديني. وعندما أتناوله ضمن تخصصي أتناوله على هذا الأساس، أفترض أنه نص مقدس متعال، وفق فهمي لمعنى قداسة النص وتعاليه الذي نوهت عنه مرات عدة. وأروم فهمه ضمن محدداته، فيكون البحث مقدّرا. أي على تقدير قدسيته وتعاليه، فكيف نفهمه ضمن نسيجه اللغوي ورمزيته شريطة الحفاظ على تاريخيته بعد التحرر من سطوة التراث والعقل التراثي؟. وكيف يمكن توظيفه لتعزيز القيم الإنسانية والروحية خاصة التقوى التي هي إحدى رهانات الدين في إعادة تشكيل العقل "المتدين"، من أجل تحقيق سعادة الفرد والمجتمع، وإرساء قيم العدل والحق والتسامح؟. والسبب أن مجتمعاتنا مسكونة بالدين والغيب، ويمثل الدين جوهر الهوية العرب - إسلامية، ولا يمكن عزله عن الوعي الفردي والعقل الجمعي، فينبغي تحرير دلالاته بما يخدم فكرة الحق. وفكرة الكائن الأسمى ليست منبوذة رغم الاختلاف حول مصاديقها ومشخصاتها سواء كان الله أو الفكرة المتعالية أو المطلق أو القوى المهيمنة، وبالتالي فحضور الدين قوي لدى الإنسان، تتعدد تجلياته بتعدد الأفراد والثقافات، ولا يمكن التضحية به بفعل سلوكيات بعيدة عن روح الإيمان والمهام الروحية للدين.

المدونة الأساسية للدين

بدءا لنرى كيف يقدم القرآن نفسه؟ ماذا يريد وما هو هدفه، باعتباره المدونة الأساسية للدين، والمرجعية النهائية لفهمه، وقصة الخلق شطرا من نصوصه؟.

يقدّم القرآن نفسه:

- خطاباً إلهياً للناس كافة وللمؤمنين خاصة، لتعريف الإنسان بخالقه، وتحديد دوره الوجودي (هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ).

- وبياناً لمعالم الدين، وتفسير ظواهر الوجود، والإجابة على أسئلته.

- ونصاً متعالياً في نسقه الكلي وبنيته ومعارفه ونسيجه الداخلي، وقدرته على شد الناس للغيب والمطلق المتعالي، وتشريعاته التي هدفها سعادة الإنسان، وضمان نجاته وخلاصه الأخروي، متى آمن به، والتزم بمبادئه وقيمه، وتعهد مقاصده وأخلاقه، باعتباره الحقيقة المطلقة (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ).

- وكتابا مقدّسا مصدره الوحي، وطريقه النبوة. وظّف لتحقيق أهدافه تقنيات لغوية استدعتها طبيعة موضوعاته المثيولوجية ومساحة اللامعقول، وغاياته القصوى المرتبطة بوحدانية الخالق.

- ومدونة دينية لترشيد الإنسان روحيا وأخلاقيا وسلوكيا، وشده إلى عالم الغيب، يستمد منه معنوياته ويقينه ويهتدي بهديه (فِيهِ هُدًى وَنُورٌ).

- ورسالة هداية قوامها الإيمان بالغيب والمعاد: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا، وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).

- وصحيفة تكرّس قيم الحق والعدل والإحسان ورفض الظلم والجور والفساد (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ).

 - وهناك جانب آخر يبدو فيه الكتاب عنيفا دمويا وإقصائيا، ولا ريب. غير أنه يبرر ذلك وفق قيم العدل والحق، حينما يتمادى الآخر في عدوانيته، مع محدودية تلك الأحكام وارتباطها بوقائع خارجية، لا يمكن أن تكون مطلقة، شاملة، محكومة للآيات المحكمات.

فأحد مشاغل القرآن بناء على تعاليه وقدسيته، هو الإيمان بالله وعدم الشرك به، وتأكيد وحدانيته وتفرّده بالخلق ومصير الإنسان والوجود عامة. فهو كتاب محوره وجود الله ووحدانيته، وجميع ما جاء فيه يقع ضمن سياقه التوحيدي، سواء كان إثباتا لظواهر الإيمان، أو نفيا لما عداها. وفي ذات السياق تأتي تفسيراته لظواهر الحياة والوجود، وعلى أساس محوره التوحيدي يجادل ما يصفهم بالمشركين والكفار. ومن ذات الزاوية يقرأ الوجود وظواهره في الآفاق والأنفس: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ). فكل ما في الكتاب يتحرك ضمن نسق واحد، محوره إثبات ربوبيته وتوحيده والإيمان بالغيب، وتفرّده بالخلاص وضمان نجاة الإنسان في الآخرة. وهنا ملاحظات جديرة بالذكر:

- ليس القرآن كتابا علميا مهمته بيان قوانين الطبيعة، كي يأتي من يجهد نفسه ويتكلّف في تأويل آياته ليكتب لنا تفسيرا علميا كدليل على إعجازه وسبقه لعلماء الطبيعة في معرفة قوانينها. بل أن هؤلاء يرتكبون خطأ عقديا جسيما، حيث يسعون للاستدلال على صحة المعارف العلمية في القرآن بواسطة الاكتشافات الحديثة، إذ لو صح أن القرآن بصدد بيان القوانين الكونية فلا شك ستكون معارفه العلمية صادقة، باعتباره محيطا بكل شيء، وسببا لكل شيء، وعلة لكل معلول، خبير بكل شيء، ولا حاجة لأي تفسير بشري علمي، بل يسمي الأشياء بأسمائها، ويتحدث عن حقيقتها، لكن القوانين العلمية خارج اهتمامات الكتاب المقدس، فينبغي للمفسّر أن يفهم استراتيجية النص القرآني أولا، وهدفه الأساس، كي يأتي التفسير منسجما مع مشاغله. وما استشهدت به النصوص التأسيسية من آيات كونية جاءت ضمن السياق التوحيدي للفكرة الدينية المتعالية. وعندما تقول الآية: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)، لا تريد بيان القانون الطبيعي لحركة الشمس والقمر، والاستشهاد به دليلا على صدقيته، بل القرآن بصدد الرد على المشركين من عبدة الكواكب، يقول لهم: إن ما تعبدونه / الكواكب ما هي الا أجرام سماوية، محكومة بنظام كوني صارم، فهي مخلوقة لا خالقة، ومعلولة لا علة، وهي كما تشاهدونها كل يوم في ذات النطاق الكوني. وسواء ظهر صحة جريانها لمستقر لها أم لم يصح، لايؤثر شيئا وفقا لمنطق القرآن ومحوره وهدفه. وتكون المناقشة العلمية حول علميته سالبة بانتفاء موضوعها، مادامت غير مقصودة اساسا. فالخلاف حول زاوية النظر، بين من يصّر على أن الآيات الكونية آيات علمية ومن يقرأها ضمن السياق الكلي للكتاب. وبالتالي لا معنى للتفاخر بأن القرآن سبق العلم في بيان القوانين الكونية التي تحكم حركة الشمس والقمر. بل وفقا للمفهوم الثاني للوحي سيكون الوصف تعبيرا نبويا لهذه الظاهرة، وهي مشاهداته اليومية، وأفق ثقافته ومعارفه، ولو أن النبي عاش في زمن الاكتشافات العلمية لجاء وصفه أكثر دقة، بشكل لا تتقاطع مع الرؤى العلمية القطعية. لذا طالما أكدت على معرفة الإطار الكلي للكتاب قبل مقاربته، كي لا يخطئ الباحث ويتخبط في تفسيرات بعيدة عن جوهر الكتاب المقدس، وتقويله ما لم يقل، وتحميله مسؤولية شيء لا يدعيه. وهكذا في جميع الآيات العلمية، ترى القرآن ناظرا لها من زاوية توحيدية، وسلبا لربوبيتها لمن يعتقد بها، كالكواكب والنجوم، أو شاهدا لتعزيز قضية ما. ولا دليل على كل ما يُذكر عن معاجز الكتاب سوى الإعجاز اللغوي في زمن الوحي وما جاوره. وبالتالي، ثمة قضايا مؤثرة في فهم آيات الكتاب. وقد مرّ الحديث عن لغة الدين وضروراتها وموجباتها، وهذا لا يكفي ما لم نتقص مهام النص الديني بشكل عام، لنحدد موقع قصة الخلق ضمن مشاغله، وما هي دلالاتها حينئذٍ. وهذا ما يهمنا، هل القرآن كان بصدد بيان القانون الكوني في قصة الخلق كي يتقاطع معرفيا مع النظريات الوضعية التي تسعى إلى تفسير الظواهر الكونية تفسيرا علميا من خلال الفرضيات والنظريات والقوانين العلمية أم هدفه شيء مغاير؟.

إن الكتاب في قصة الخلق بصدد تفسير جملة ظواهر غيبية والإجابة على أسئلة الوجود، ضمن استراتيجيته القائمة على ربط كل شيء بخالقه، ووحدة عالمي الغيب والشهادة، ووصل الدنيا بالآخرة. وقصة الخلق كما تقدم مطروحة من قبل التوراة وقبلها في ملحمة الخلق السومرية، فيأتي الكتاب كما هو ديدنه فيصحح زاوية النظر في تفسير وفهم أصل الإنسان وقصة الخلق، ويربطها بالهدف الأساس، وهو وحدانية الله، وتفرّده، وصيرورة الكون والإنسان جزءا منه، في ذات  الإطار العام أو الهدف العام. فلا يوجد تعارض بينهما. إنما يصح التعارض في وحدة الموضوع زمانا ومكانا واتجاها. وهنا الموضوع مختلف، رغم وحدة الاسم / قصة الوجود أو أصل الإنسان. القرآن يتحدث عن قيم دينية لها علاقة بوجوده ودوره في الحياة، والنظريات الوضعية تسعى لاكتشاف القوانين الكونية وراء وجوده، وتحديد أصله ضمن فرضياته. الموضوع بينهما مختلف، وينبغي فهم قصة الخلق في ضمن سياقاتها القرآنية. أو طرحها لمن لا يؤمن بقدسية الكتاب.

- وليس القرآن مرجعا للعلوم الإنسانية الحديثة، لنقوم بأسلمتها على أساسه، ولا مصدرا لأي نظام سياسي أو اقتصادي، سوى مبادئ وقيم تضبط أداء سلوك الفرد والمجتمع، لضمان مجتمع الفضيلة على أساس العدل والحق وعدم الظلم والجور. بعبارة أدق تقديم ما يحقق شرط خلاص الإنسان في الآخرة، على مستويين، خلق وازع التقوى من خلال الالتزام بمجموعة عبادات وشعائر، وتنمية التجارب الدينية، من خلال الحالات الخاصة والمناسبات العامة. وتقديم ما يكفي من معارف وتشريعات، كي لا تبقى للإنسان حجة على الله  يوم القيامة: (مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً).

- وليس القرآن مجموعة طلاسم ورموز وأرقام لتحصين وساوس الإنسان فيهبطون بتعاليه ليغدو تمائم تبعث الطمأنينة والاستقرار النفسي، فتجدهم يتلون آياته للشفاء ومعالجة الأمراض المستعصية وجلب الرزق، ودفع البلاء. أو التفنن بتلاوته، والاهتمام برسم حروفه وتذهيبه.

- بل وليس القرآن مخصصا للتشريع فقط، رغم اهتمامه بشطر لا بأس به منها، و لا يريد تعطيل عقل الإنسان بقدر ترشيده ضمن هدفه الكلي، ودوره في الحياة الدنيا. وحينما يجيب الكتاب على أسئلة الوجود فهو جزء من مهامه، بل أن معجزة الدين كما يعيها الناس قدرته على تفسير ما لا يمكن تفسيره. أو ما يعجز العقل والعلم عن تفسيره. إضافة إلى لغته التي تستهدف العقل والمشاعر لتشد المتلقي  إلى عالمه وغرائبيته. فتجد الخطاب القرآني يقوّض ويبني، يقوّض تراكمات الثقافات الدينية السابقة ويعيد تشكيل العقل المسلم في إطار وحدانية الله، وعدم الشرك به. يحتكر ولاءه، ويضمن انحيازه المطلق، حد التفاني لتأمين خلاصه الأخروي، رغم أنه عالم مفارق لا يمكن الاستدلال عليه، غير أن لغة الكتاب رسخت الإيمان به، وبات يعيشه حقيقة مطلقة، يخشاها المؤمن، المتقي، لذا حصر الهداية بهم: (الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ).

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi5احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

سياقات التأويل

ماجد الغرباوي: إن موضوعية الباحث شرط أساس في تفسير وفهم النص، وشروطها في الحقل الديني، هي:

أولاً: النأي عن إملاءات التراث والروايات التي تُسقط رغباتها على تفسير النص، وتقوّل القرآن ما لم يقله، وتسعى جاهدة لعصمة مصادرها، لتكتسب قدسية تحول دون مساءلتها. وأما حقيقتها فمراكمة شواهد قرآنية لإثراء الرصيد الرمزي في الصراع المحتدم بين الخصوم السياسيين وامتداداتهم حول أحقية الخلافة، فيفقد التأويل بعده الإيجابي المتمثل بموضوعيته. فاستبعاد التأويل السلبي بهذا المعنى شرط في فهم قصة وفلسفة الخلق، كالتصورات التي تختزل مفهوم "خلافة الإنسان" بالإنسان الكامل، المتعين ببضعة أفراد، وفقا لسياقات عقدية، تخضع الناس لرغباتها. بينما النص مطلق، لا قرينة على تخصيصه أو اختزاله بهذا أو ذاك. والكلام يدور في قصة الخلق عن خلافة النوع الإنساني، وما آدم سوى مصدق له.

ثانياً: عدم تبعيض النص تفاديا لأي انتقائية أو تحيّز أيديولوجي لا شعوري، يخرج المتلقي عن موضوعيته. فثمة سياق يحكم مشاهد قصة الخلق، وعلى الباحث استيعابه، في ضوء الهدف الكلي لوجود الإنسان ومحوريته.

ثالثاً: تقديم العقل والفهم العقلاني من خلال دراسة جميع العوامل المؤثرة فيه، رغم صعوبة الانسلاخ عن قدسية النص. ولازمه طرح جميع الروايات الدينية والتراثية التي تقدّم تفسيرات مسكونة بالخرافة واللامعقول والتأويلات الغرائبية. بل حتى التفسيرات المعتدلة والمعقولة يجب عدم  تعاليها، مادامت تعكس وعي المفسّر وقبلياته ومرجعياته، فتبقى نصوصا تنتمي لبيئتها وإكراهات العقل الجمعي. لذا ينبغي توظيف كافة المناهج الحديثة الممكنة لتدبّر القرآن وتأويله لتفادي أي تعارض بينه وبين العلم، وعدم انجراره للخرافة ومجافاة العقل والقيم الإنسانية الرفيعة. أو استغلاله لتكريس الاستبداد ومصادرة الحريات، وسلب الفرد إنسانيته وحيثيته. فينبغي بقاء النص مفتوحا لتأتي القراءة زاخرة بالتأويل، حينما تنقّب في أعماقه، وتكتشف طبقاته المتوارية في طياته. فما من نص إلا ويخفي عدداً كبيراً من النصوص والأنساق المضمرة. إن سلطة العقل لا تتجاوز سلطة النص بقدر ما تقدم فهما مغايرا له، وقراءة جديدة في ظل معطيات العلوم والمعارف الحديثة، فلماذا الحساسية المفرطة لدى الاتجاه التراثي من العقل واكتشافاته المعرفية؟.

رابعاً: ينبغي التمييز بين هدر القداسة وتعاليها. الأول يقطع النص عن سياقاته، ويهمّش سلطته. فقصة الخلق تبدو خرافة أو مجرد نص أدبي يمكن تأويله. أما تعالي النص أو قداسته فتعني كما مرَّ: "صدور النص عن مصدر متعالٍ محيط وعالم وعارف بكل شيء، فيشرّع ويهدي وفقا لملاكات ومصالح، يمكن للإنسان إدراكها لتحديد مدى فعلية النص المقدس". وأضيف ترابط النص وانسجامه مع فلسفة الخلق ودور الإنسان في الحياة. ولازمه أن  قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرّد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. وقد تقدم أن القداسة سلطة معرفية موجّهة، تحد من حرية الباحث الديني، تسلبه خيار القراءة المفتوحة للنص، ويخضع لا شعوريا لسلطته وقدسيته، باعتباره مطلقا. بل تارة رهاب القداسة يحول دون التعرف على تاريخ النص وفلسفته وشروط فعليته، مخافة المساس بقدسيته، فتغدو القداسة حجابا يحول دون رؤية المتواري والمضمر في متاهات النص، حينما ينحاز للتبرير دون النقد والتفكيك. ويعود ثراء النص إلى ثراء دلالته، وإمكانيات تأويله، فيما يضمره ويستبعده، من خلال تقنيات اللغة وقدرتها على توظيف المجاز والتورية. كما تلعب قداسته دورا كبيرا في توجيه فهم النص، بحكم سلطتها وهيمنتها، حداّ يستبعد المتلقي كل ما يتقاطع معها، ويغفل عن كثير من الدلالات التي يمكن استدعاؤها لولا قداسة النص. ولعل في النصوص الغرائبية مثالا واضحا للفرق بين القراءتين، حيث يبالغ الباحث الديني في قداسة النص ومصدره، هروبا من جحيم أسئلة العقل واستفهاماته. بينما ينتزع الباحث المتحرر قدسية النص، ويرفض غرائبيته المستهجنة عقلاً ومنطقاً، ويتجاهل القضايا التي يتعذر اختبارها تجريبيا. فالعقل لا يتخلى عن دوره أمام المقدّس، ولا يكف عن أسئلته واستفهاماته. ويطالب بأدلة مقنعة يستدل بها على غرائبية النص. وبالتالي فالنص المقدّس يفرض حقيقته على الباحث الإسلامي، ويرغمه على الإيمان بها. بينما يرتهن الإيمان بقبول النص بالنسبة للباحث المتحرر على أدلته ومدى صدقيته ومطابقته للواقع ونفس الأمر.

شروط المنهج

هناك شرطان منهجيان لفهم دلالات النص الديني:

الشرط الأول: فهم النص ضمن الإطار العام للقرآن ولغته ورمزيته وتعاليه وقصديته، لا خارجه. وهذا لا يحد من حرية الباحث بل يمهّد لقراءة منتجة في ضوء منطقه الداخلي، فعندما يأمر القرآن برد المتشابه إلى المحكم من الآيات فهو يعترف ضمناً بعجز اللغة الدينية عن استيعاب المعاني المفارقة، فتأتي النصوص متشابهة، وليس أمام الباحث سوى الآيات المحكمة لاستنطاقها، تفاديا لأي تعارض بحكم التعارض القائم بين ظواهر الآيات، كما بالنسبة للآيات التي تجسّم الخالق مثلا، فتعكس صورة لجبار متغطرس، تشبيها بجبابرة الأرض، بينما الآية المحكمة تقول ليس كمثله شيء!، وحينما نرتكز لها نفهم أننا أمام آيات متشابهة فرضتها ضرورة اللغة الدينية لتقريب معنى مجرد لذهن بشري مادي، لا يدرك معاني الأشياء بعيدا عن مصاديقها المادية أو تمثّلاتها بينما يعجز عن إدراك القضايا الماورائية. فاشتراط التقيّد بالمنطق القرآني ينير الفضاء المعرفي للباحث الموضوعي، لتكون قراءته منتجة، لا تتراجع أمام استفاهامات القرآن نفسه. فكل تعارض ظاهري بين آيات الكتاب هو علامة استفهام أمام الباحث، وتحدٍ لمنهجه في تفسير الكتاب. وليس من حق الباحث أن يقوّل النص القرآني ما لم يقُل، لذا نحن لسنا مع شرطية حضور الروايات الدينية والتاريخية إلا بقدر ما يساعد على فهم أجواء الآية، ويبقى الباحث واجتهاده في فهمها وتفسيرها وتقصي الممكن من  آياته عقليا. فيكون العقل فوق النص، قادرا على مقاربته وفق شروطه. لكن هل العقل معيار لكل شيء؟ ومن ثم نقع في إشكالية ماهية العقل وأحكامه ومرجعياته ومدياته؟.

والجواب بما أن القرآن نص مفتوح للقراءة، ومن حق الباحث استنطاق آياته، شريطة أن يكون متمكنا من أدواته، خبيرا بلغة الدين، يؤمن بوجود قضايا نسبية ماورائية لا حقيقة لها خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي. يكون الإيمان بها متفرعا على الإيمان بصدقية النص ومصدره لا بدليل خارجي. فهي قضايا مفارقة غير خاضعة لأحكام العقل كي يبت في حقيقتها، وبالتالي من حق الباحث الحرث والتنقيب في الممكن من النص، دون المتعذّر لوجود امتناع ذاتي، كماهية الخالق وحقيقة الملائكة أو الجن. فهو عالم محجوب عنا، وعالم مفارق، ويبقى الإنسان حرا (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ). ومن يرد مقاربة النص الديني يلتزم بشروط فهمه، مادام يتحدث عن قضايا غيبية مجردة ومفارقة، لا يمكن التحقق منها بأي دليل، سوى تكهنات وتمثلات. وقد أضاع اللاهوت الديني قرونا في مسائل دينية عصية على الفهم، لأنها قضايا مفارقة، الموقف منها هوالتسليم المطلق بالنسبة للمؤمن أو الرفض لغيره.

الشرط الثاني: القراءة التأويلية، المحكومة بذات المنطق الداخلي، لعجز اللغة المتداولة والعرفية عن استيعاب القضايا المفارقة والماورائية، وفهم الدلالات الرمزية للنص الديني. وهذا اللون من القراءة يتطلب التعرّف على طبيعة النص المقدس، هدفه، روحه الكلية، سياقاته التاريخية، علاقته بالواقع، كل هذا يبدو شرطا لفهم الدلالات التأويلية. التأويل لا يعني فقط إطلاق اللفظ وإرادة معنى مغاير لظاهره، بل يقصد به التوغل في أعمق النص لاكتشاف دلالات جديدة، تتناسب طرديا مع حجم ثرائه الدلالي، من خلال سياقاته وتحديد تقنياته اللغوية واكتشاف أسلوبه في تمرير رسالته. والغاية الأساسية هي الكشف عن مداليل النص، بما ينسجم مع إطاره الكلي وترابط آياته، خاصة النصوص القصصية كقصة الخلق، التي تنطوي على معان عميقة ترتبط بإنسانية الإنسان، ويخطئ من يحط من إنسانيته وعقله خلال تفسيره لها، إذ ثمة آيات محكمة وصريحة تعتبر محددات لفهم القصة كقوله وكرمنا بني آدم. وما تصرّح به ذات قصة الخلق بأن الغاية الأساس من خلق الإنسان هي خلافة الأرض، وهي منزلة عظيمة أن يواجه الإنسان بعقله وإرادته واستقلاليته تحديات الظروف، ويواصل تقدمه الحضاري.

تنبيهات ومقدمات

النص أي نص ليس منقطعا عن سياقاته التاريخية، ولا يتعالى على تاريخيته، لكن ثمة نظرة خاطئة، واضحة في المنهج الفقهي حينما يتعامل مع النصوص منفصلة عن سياقها القرآني والتاريخي، فلا يخرج عن التقليد دون الاجتهاد، لأن الثاني لا يقف على حدود المعنى اللغوية الذي يعني بذل الجهد لمعرفة دلالة الدليل الشرعي، بل يعني بذل الجهد لفقه النص ضمن سياقه التاريخي وظرف نزوله. النص جاء ليقدم رؤيته عن الواقع الموضوعي، فهو استجابة لسؤال واقعي أو مقدّر، لذا لا يمكن فهم قصة الخلق وتحريرها من سجون اللفظ إلا بهدر الفهم التراثي والسلفي، وتوظيف المناهج الحديثة لفهمه، فينبغي مراعاة ما يلي لمعرفة سياقات قصة الخلق وهدفها وغاياتها وقصديتها، فثمة قضايا مهمة، تصلح منطلقات أو مقدمات، تتوقف عليها القراءة التأويلية المنتجة، هي:

أولاً- تختلف نتائج أي مقاربة تأويلية لنصوص القرآن باختلاف مفهوم الوحي:

- بين من يرى القرآن وحياً من الله لفظاً ومعنى، وما الرسول سوى واسطة في النقل والتبليغ والبيان والتفصيل. وبعض يتسامح فيمنح النبي دورا محدودا كتعليم الكتاب. لكنه خارج مفهوم الوحي.

- وبين من يقصر الوحي على المعنى دون اللفظ. وما يوحى للنبي معاني الآيات دون ألفاظها. وهو ما يؤكده القرآن، أن ما يتلقاه الأنبياء وحي. وللوحي دلالاته بعيدا عن المباشرة والأصوات المسموعة، لوجود امتناع ذاتي بين الموحي والمتلقي / الأنبياء. (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ). وكان النبي يتلو فهمه للوحي، لا نقلا حرفيا لألفاظه ومعانيه. وفهم الرسول حينئذٍ فهمّ بشري يتأثر بقبلياته وثقافته وبيئتة. وهذا لا يخدش قدسية الوحي، ويسمح بهامش كبير لتقصي دلالات النص وعلاقته بالواقع. وبالتالي فأية قراءة لذات النص / القرآن تتأثر بقبليات القارئ وثقافته وبيئته وحجم التطور الحضاري، خاصة أن النبي كان يرتكز لثقافة المجتمع في تلاوته للكتاب، ولم يعمد لتفسيره إلا القليل من آياته. فالمرونة العالية صفة النص المقدس، مما يؤهل المتلقي لفهمه وفقا لثقافته وقبلياته، لكن لا يعني إسقاط رغباته على فهم النص. وبالتالي، لا جمودا على حرفية النص ولا خضوعا مطلقا للعقل التراثي، وسيكون الملتقي شريكا في فهم النص ودلالالته. وسبقت الإشارة: "يمكن تناول النص بمعزل عن مؤلفه، لاكتشاف إيحاءاته ومضمراته، وما يبدي ويخفي من دلالات، وإحالات مرجعية، مهما تعالى. لكن لا يمكن تجاهله عندما يتعلق الأمر بتحديد سلطة النص، لتوقف حقيقتها وفعليتها على معرفة مصدره. وهذا يختلف تبعا لزاوية النظر، ومضمون النص، وما يريد أن يقوله ويؤسس له... لا دلالة للنص وسلطته خارج الفضاء المفاهيمي للمتلقي. فينبغي للنقد، كي يكون نقدا معرفيا منتجا، أن لا يكتفي بتفكيك النص، وتحليل ثوابته، ومقوماته، ومعرفة طبيعة علاقته بالمتلقي، بل يجب عليه التوغّل أيضا في أعماق المتلقي، وتقصي مداراته المعرفية، وكشف تقنياته وأدواته في وعي النص، والأسباب المؤثرة فيه. فخلفية المتلقي لا تنفك عن النص وتقنياته في وعي حقيقته وسلطته.

- وثالث يعتقد ببشرية الوحي، وفي أفضل الأحوال عبقرية النبي أفضلأفشضأأ. يتعامل مع النصوص على أساس بشريتها، فتخرج لغة النص من كونها لغة دينية رمزية تتحدث عن قضايا مفارقة إلى لغة عرفية يحاكم على أساسها النص، فتبدو القضايا الغرائبية هلوسات، لا معنى لها، خارج التجربة والدليل العلمي، لا فرق بالنسبة له بين القضايا الممكنة والممتنعة ذاتا. وحينما يكون منصفا يقبل ما وافق عقله، دون الغيب وعوالمه. وتقدم أن الإيمان بعالم الغيب مرتهن بإيمان الشخص: (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)، فالتقوى مأخوذة شرطا في هدايته. ولا قناعة خارج الهاجس الديني والخشية من اليوم الآخر، فتجد الكتب المقدسة تؤكد على الجانب الشعوري لترويض تمرد النفس البشرية، وتهيئتها للإيمان بعوالم الغيب.

- ورابع يعتقد أن النبوة تجربة روحية، والوحي اشراقات تفتح للنبي آفاقا معرفية، وما يتلوه من آيات تجل لتلك الإشراقات. وهذا يختلف عن سابقه. الثالث، يعتقد ببشرية النبوة جملة وتفصيلا (وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلً)، وهو إشكال قديم عاصر نزول الوحي. وهنا الأمر يختلف فالقرآن ليس مدونة بشرية، وليست وحيا من الله للنبي، وإنما اشراقة روحية تطل على عوالم الغيب وتنهل من معارفها، كعالم الذر عند بعضهم، والعقل الفعّال عند غيرهم. وبالتالي فنتائج البحث تختلف باختلاف مفهوم  الوحي لدى الباحث.

ثانياً: أن قصة الخلق جاءت في سياق سؤال الوجود، الذي أرق الإنسان، وتركه في حيرة عبرت عن نفسها بقلق وجودي وسؤال الحقيقة الذي لازمه طوال حياته، للبحث عن نجاته وخلاصه، وفهم ما يحيطه وما وراء الطبيعة، فهو بحاجة ماسة لخطاب متعالٍ يرسم له طريق الخلاص. وعندما نمعن في قراءة قصة الخلق تلوح الأسئلة الوجودية، عندما يزيح الملتقي غشاوة ظواهر الألفاظ، ويتوغل بعيدا في أعماقها. فثمة عالم تتحدث عنه قصة الخلق، هي قصة الإنسان ووجوده على الأرض، وما هي المهمة التي تنتظره. وما لم تقرأ قصة الخلق في سياق الأسئلة الوجودية التي تناولتها، يجفو النص ويتمرد ويترك المتلقي نهما لتفسيرات تراثية، تجافي الحقيقة.

ثالثاً: ينبغي فهم قصة الخلق في ضوء الإطار الكلي للقرآن، والهدف الأساس من بعثة الأنبياء، وإمكانيات التأويل التي تستفيد من مرونة النص وثراء دلالاته، ليدور التأويل مدار هدفه. وعندما نتدبر مشاغل الكتاب الكريم نجدها تركز على: وجود الله، وحدانيته، واليوم الآخر، وهي خلاصة العقيدة الدينية التي استعرضتها آية: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ)، فيكون الإنسان محورها، وهذا تحصيل حاصل لا يحتاج إلى دليل، لأنه المقصود بالخطاب أساسا. فقصة الخلق نزلت في ظل مجتمع (كافر، وثني، مشرك، لا ديني، حنفي، ..) وكان النبي منذ أن صدح بدعوته دعا إلى الإيمان بالله ووحدانيته واليوم الآخر، الذي قد يبدو غير مهم لغيرهم غير أنه رهان وازع التقوى الذي هو هدف أساس للأديان، ضمن مجموعة أهداف. فالواقع يفرض نفسه، وهو ما يفسّر المساحة التي تحدثت عن وجود الله ووحدانيته واليوم الآخر. فلا يحق للباحث الابتعاد عن مشاغل القرآن في فهم النص، لأنك ستقوّله ما لم يقله وما لم يصرّح به، وهذا ما تفعله التفسيرات التراثية والطائفية التي راحت تركز على قضايا هامشية أو لا علاقة لها بقصة الخلق، كخلق حواء من ضلع آدم، والحية التي أغرته، والأسماء التي علمها الله تعالى لآدم، وطبيعة الجنة.

ثمة ملاحظة جديرة أيضا أن الآيات تعكس صراعا مريرا بين العقائد والأديان، وصعوبة إيمان قريش ومن حولها بوحدانية الخالق ويوم المعاد. أما الأول فلأن أغلبهم وثنيون، لا يجدون مبررا للتخلي عن أصنامهم وأوثانهم التي فيها عزتهم وتميزهم وشرفهم، والتوحيد يسلبهم إحدى خصائص التفاضل القبلي، الذي هو رصيد رمزي يصعب التخلي عنه، فهو قيمة اجتماعية فضلا عن قيمته الدينية والرمزية، لذا استماتوا في الدفاع عنها. وأما العدد الكبير من الآيات التي تحدثت عن اليوم الآخر فسببها عدم وجود أرضية وثقافة قبلية تؤهل للإيمان به. والفرد إبن بيئته ووليد ثقافته، وعندما يتقبل شيئا جديدا يتقبله بقدر ما يحمل حوله من ثقافة. واليوم الآخر كما يبدو لم يكن مطروحا ضمن المنظومة الدينية. الأصنام وجودات محسوسة يلجأ لها في حاجاته، يقدسها ويقدم لها قرابينه ونذوره، ويمارس في حضرتها طقوسه، فتنعكس آثارها الروحية والنفسيه عليه مباشرة، لا يوجد شيء مؤجل مه الثواب والعقاب، لأنها ترافقه دائما. بينما تحيل آيات المعاد على واقع غيبي، يتطلب استعدادا ثقافيا لقبلوله، لا بمعنى التصديق به فقط، بل الجزم والاعتقاد الذي يضبط الأداء السلوكي للفرد والمجتمع.

رابعاُ: ثمة تراث لاهوتي زاخر بنصوصه الدينية سبق نزول القرآن، لها رؤيتها الكونية وتفسيراتها الماورائية، وهي بجملتها تتقاطع مع دعوة النبي التوحيدية. بينهما عموم وخصوص مطلق، كما يعبّر أهل المنطق، فثمة نقاط التقاء، وهناك نقاط اختلاف. وكان الصراع على أشده حول احتكار الحقيقة وسبل الخلاص، ومن الطبيعي أن يثير الطرف الآخر أسئلة واستفهامات لاختبار مدى صدقية نبوة محمد، وأيضا من الطبيعي أن تكون له رؤيته الكونية لمظاهر الطبيعة وماوراء الطبيعة. فتأتي الآيات لتكذيب بعض ما يدعون وتصحيح بعضها الآخر، مع الإبقاء على المشتركات، كأرضية للتفاهم (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ). فقصة الخلق القرآنية تأتي في مقابل قصة الخلق التوراتية، لتصحيح مفهوم فلسفة الخلق. إذ المعلوم أن قصة الخلق في التوراة متهمة في انتسابها للوحي ولموسى النبي، لوجود تطابق بينها وبين قصة الخلق في الألواح السومرية، وقالوا إنها نسخة مترجمة من قصة الخلق البابلية. فالقرآن طرح رؤية تتضمن فلسفة وراء خلق الإنسان، وبيان مكانته ومحوريته ودوره الذي عبرت عنه القصة بالخلافة.

وبالتالي عندما نراعي ما تقدم سنتوفر على رؤية مغايرة لقصة الخلق.

يأتي في الحلقة القادمة.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi4احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

نموذج قرآني

هناك ثلاثة مستويات لتحري دلالات الدليل الشرعي لدى الأصوليين:

الأول: أن يكون اللفظ نصا صريحا في معناه، عندما يقتصر على معنى واحد لا يصدق على غيره ف لغة. فيُحمل اللفظ على معناه، ويكون الدليل نصا صريحا فيه.

والثاني: عندما تتكافأ معاني اللفظ، حداً يتعذر تحديد خصوص المعنى المراد منه، فيسمى مجملا، كما في المشترك اللفظي مع عدم وجود قرينة صارفة لإحدى معانيه.

والثالث: أن يكون للفظ أكثر من معنى، وأحدهما أقرب لدى السامع، فيكون حجة لحجية الظهور، التي تعني تبادر هذا المعنى دون غيره، فيكون هو المتعيّن في كلام المتكلم. لكن يبقى السياق والقرائن حاسمة في تحديد دلالته، لتعدد معانيه. سواء كانت القرائن متصلة أو منفصلة. وهذا معنى القاعدة الأصولية التي تقول: (إن ظهور القرينة مقدّم على ظهور ذي القرينة، سواء كانت القرينة متصلة أو منفصلة). وتسقط حجيته عندما يختلف تبادره من ثقافة وبيئة إلى ثقافة وبيئة غيرهما، باستثناء بيئة المتكلم. بل حتى هذا الشرط قد ينخرم، فتجد المذاهب والفِرق تختلف حول دلالات بعض الألفاظ، رغم انتمائهم لذات البيئة اللغوية والثقافية، وبالتالي ففهم النص يتأثر بقبليات المتلقي وقصديته من تفسيره وفهمه، ويختلف من شخص لآخر، لكن لا يعني الفوضى وأسقاط جميع قواعد الفهم العرفي.

ثم رغم صحة المستويات الثلاثة منهجيا لكنها لا تسمح بزعزعة المعنى القاموسي لصالح التأويل الذي يمثّل منهجا في فهم النص. فيصدق أنها إرهاب لغوي أو رمزي، وأنها سجون لغوية لضبط المعنى الذي ترومه، خاصة القضايا الخلافية بين المذاهب الإسلامية، والاتجاهات السلفية في تفسير القرآن. غير أن المناهج القديمة راحت تتراجع أمام مناهج العلوم الإنسانية، كالنقد الثقافي والهرمينوطيقيا، التي تتحرى فهما مغايرا للنص، من خلال مقاربة جميع العوامل المحتملة، بما فيها البيئة الثقافية وظروف مؤلف النص وشرعية سلطته. وقد بات للنص معنى مختلف، مرَّ الحديث حوله في كتاب "النص وسؤال الحقيقة"، وقد اقترحت فيه تعريف النص اصطلاحا: "النص: ما تعددت دلالاته بتعدد قراءاته وتأويلاته المحتملة". فيتناسب ثراء النص طرديا مع حجم إيحاءاته. ويتوقف الكشف عن المضمر من أنساقه المعرفية والثقافية، على مرونته، وأسلوبه في التعامل معه. فالنص حقل للحرث والتنقيب في أعماقه معرفياً، بحثا عن ممكناته التأويليه والمتوارية التي يتستر عليها مكر النص لغوياً.

وبهذا سيَخرج هذا التعريف الدلالات الثلاث للدال والمدلول: الدلالة التطابقية، والدلالة التضمنية، والدلالة الإلتزامية... وبالتالي ثمة فرق بين النص واللانص، رغم أن كليهما نسيج لغوي، يتكون من كلمات وجمل، ومعانٍ وألفاظ، وتراكيب لغوية، ودوال ومداليل. إلا أن النص يتصف بثراء تأويله، وقابليته للكشف عن المضمر من أنساقه. واللانص ليس كذلك، فالتأويل يشتغل على النص، لثراء حقله الدلالة وإمكانيات تأويله.

وقد تقدم هناك آيات يتوقف فهمها على تأويلها والتأمل في آفاقها، والعبور من ظاهر اللفظ إلى ما هو أعمق وأبعد، بشكل تنفتح آفاقا جديدة للتأمل، كالقضايا الغيبية التي تعجز اللغة العرفية عن إدراك حقائقها، لغياب الوسط الممهد لحركة الفكر بين المجهول والمعلوم. كما هناك آيات يرتهن فهمها على نقلها من المستوى الديني إلى المستوى السوسيو لوجي والأنثربولوجي، لدراسة القوانين والسنن التي يتحرك في سياقها النص من جهة، وفهم الآثار الاجتماعية، وظرف نزوله، وما هي انعكاساته. أي أثر الوضع الاجتماعي في صدور النص / الآية، ومدى تأثيره بعد صدوره. بل يعمل التأويل على كشف ما تستر عليه النص واستبعده، من خلال سياقه أو طريقة تعبيره، فهناك معنى يتستر عليه النص، يريد التأويل استدعائه، وإعادة قراءته وفهمه، وبيان ما طبيعة علاقته بالنص، وما هي تقنياته في تمرير رسالته.

ونقصد بالتأويل هنا، خصوص الموضوعي الذي تقدم بيانه، كي لا نعود لأحضان الرؤى الأيديولوجية والمذهبية المتحيزة التي أوّلت كثيرا من الآيات لصالحها أو لتوهين خصومها. ويقصد بالتأويل الموضوعي كما مرَّ: "إرجاع النص إلى ما هو أبعد من المعنى الحرفي، لتحري دلالاته وممكناته التأويلية". فالتأويل أحد مناهج فهم النص، لا يمكن الاستغناء عنه لمقاربة مجموعة من الآيات. لا نقصد أن التأويل سيكشف عن دلالات النص كما هي في الواقع ونفس الأمر، أو تطابق الدال والمدلول. أو أن للتأويل طرقا خاصة لاختراق الغيب. كل هذا غير مقصود. هدف التأويل الكشف عن مداليل أخرى لظاهر النص من خلال التنقيب في أعماقه، وتوظيف تقنيات للكشف عن مضمراته، وما يريده وما يستبعده. أو الكشف عن ممكناته التأويلية من خلال إيماءاته وإشاراته، فقد يشير النص المقدس لشيء من خلال إشارة داخلية أو مقارنة خارجية. أو من خلال سياقه وبناء جمله. فالتأويل اشتغال داخل حقل اللغة، باعتبارها مفتاح التأويل للكشف عن دلالات يستبطنها النص ولا يصرّح بها. والغاية منه مقاربة النص للتوفر على فهم مغاير، نستبعد به التأويلات الكلامية المتحيّزة للفِرق والمذاهب الإسلامية، التي اسقطت قبلياتها عليه، ووظفته لتعضيد متبنياتها العقدية والفكرية والسياسية. ومن يقرأ التراث يستغرب حجم الروايات التي فسّرت المفاهيم المبهمة في القرآن وأحاطتها بقصص من وحي الخيال، خاصة الجمود على حرفية النص وظواهر اللغة، الذي يفضي للتجسيم، وهو القائل: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).

والهدف الثاني، أن فلسفة الخلق تستدعي فهما تأويليا لقصة الخلق، تساعد على فهم دور الإنسان في الحياة، بعيدا عن العقل التراثي اللاعقلاني. الخالق حكيم، وأنزل كتابه للناس: (هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)، ومن حقهم أن يفهموا مضامينه، وما يريد قوله.

المنهج القرآني

يبقى القرآن نصا لغويا، يمكن مقاربة آياته، مهما كان متعاليا ومقدساً، شريطة التوفر على مناهج قادرة على استنطاقه ضمن قوانين اللغة. وقد أستخدم الكتاب الكريم آليات لتمرير رسالته وبيان مقاصده كالحوار والقصة والمباشرة والمتخيل الرمزي، ومنها أيضا: التأويل والأمثال، التي هي نوع من التأويل، يختزل المعنى بمثال، يكون أقوى تأثيرا ودلالة لدى المتلقي، والأمثال كثيرة في الكتاب، مما يؤكد أهميتها في اللغة الدينية، غير أن شرطها قدرة المتلقي على فهم دلالتها، كما أن رهان تأثيرها الاستعداد الذاتي للاستفادة منها:

(وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)

(وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)

وكنموذج للأمثال:

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)، فمهما تحدّث عن الكلمة الطيبة وآثارها الاجتماعية والنفسية على الفرد والمجتمع لا يؤثر ويفي بقصديته كالمثال. المتلقي يفهم ماذا تعني الشجرة المثمرة الوارفة، وعندما يضرب الله بها مثلا يتبادر لذهنه طبيعة المقارنة، ويفهم أن إيجابيات الكلمة الطيبة كشجرة دائمة الثمر والعطاء. وما عليه سوى تأويل المثل، وإدراك دلالاته. لكن المهم بالنسبة للغة الدين، عندما يضرب مثلا لبيان مفاهيم وقضايا مفارقة، يتعذر على اللغة العادية إدراكها، كما في قوله تعالى:

 (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). فما ذكره مجرد مثلا يقرب القارئ لمفهوم الله، ولا يعني أنه نور في مشكاة، رغم أنه يقول في آية أخرى: ليس كمثله شيء. غير أن المثل يساعد على تمثّل صفاته وقدراته المطلقة، دون إدراك ماهيته وحقيقته وكُنهه، لأنها ممتنعة ذاتا. وبالتالي فالاستشهاد بالمثل كمنهج لفهم النص الديني يؤكد ثمة قضايا ومفاهيم عصية على اللغة العادية، غير أن اللغة الدينية توظف المثل لتحقيق مآربها.

وفي آية أخرى: (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، ولا يخفى حجم الدهشة وهي التي تتحدث عن خشوع كائن جماد / الجبل، وماذا يعني نزول القرآن عليه؟. وهنا يتعذر فهم الآية بعيدا تأويلها، خاصة وهي تؤكد أنه مجرد مثلا، لمعنى أعمق يصعب على اللغة استيعابها، لكن يبقى المثل، كالرمز، يتجدد في دلالالته، ويثري بقبليات وثقافة ووعي المتلقي: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). فدلالة المثل تتطلب جهدا فكريا يقارن، من خلال حركته بين المثل والواقع، ليصل إلى دلالات مغايرة. فاللغة الدينية تتسلح بآليات تنقل المتلقي إلى آفاق بعيدا عن ظاهر النص، لتبحر في عالم المعنى، تتقصى مداراته وآفاقه، لا فقط بالتدبّر، الذي هو آلية مهمة كما مرَّ بيانه، ولا بالمثل فقط، بل الاستعانة بثراء الخيال، وقدرته على رسم معالم القضايا المفارقة، فترى القرآن يحقق من خلال استعراض مشاهد القيامة مثلا، ترسيخ يقين الفرد، وتخصيب خياله لتمثّل القضايا المفارقة. من هنا لا نستغني عن أي منهج علمي حديث يساعد على استنطاق النص الديني، وكلها مشروعة: تحليل الخطاب، التفكيك، الحفر المعرفي، التأويل، الهرمنيوطيقيا. لأن النص، أي نص، له أسلوبه في تمرير رسالته، وله سلطته، وقبلياته، ويصدر استجابة لظرفه الزمكاني. ولا أجد مبررا لرفض المناهج العلمية الحديثة، بل أعتقد جازما أنها تعمّق وعي المتلقي بالنص الديني، وفهم رسالته، وتفتح له آفاقا معرفية، غيبتها المناهج التراثية لتفسير الكتاب، واعتمادها على روايات، لا تمثل سوى آراء بشرية، تصيب وتخطئ، والدراسات العلمية في تقدم مضطرد. وعدم استخدامها من قبل السلف أو من قبل الفقهاء ليس عذرا مقبولا.

نموذج تأويلي

سأستشهد بقصة يوسف، لثراء نصوصها في مجال التأويل، كنموذج قرآني يعزز القيمة العلمية للمنهج التأويلي في اللغة الدينية. وبالتالي لا يمكن الاستغناء عنه لصالح تفسيرات تراثية تريد فرض تحيزاتها الطائفية والسياسية على النص القرآني. وثمة خصائص للتأويل يمكن إدراكها من خلال آياتها.

السورة تسرد قصة نبي الله يوسف، وقد نوّه الكتاب في بدايتها: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ). فمادامت قصة فلها أسلوبها السردي وتقنيتها في التعبير عن ثيمتها. والثمية الأساسية للقصص القرآني كما ذكرته سابقا: أن غاية السرد القصصي هي العبرة والموعظة، لا تفصيلات الأحداث، وبالتالي سيدور التأويل مدار الهدف الكلي: "لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَبِ". وما دام اكتشاف العبرة غير متاح إلا لأولي الألباب، فهذا يؤكد رمزية بعض جوانب القصص ودور التأويل في الكشف عنها. وأيضا: "لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَبِ .." تؤكد على استخدام العقل وتمضي  أدواته التأويلية من أجل اكتشاف العبرة والموعظة التي هي الهدف الأساس من السرد القصصي في القرآن الكريم. فلا يهمنا الحدث فيها، ونركز على التأويل كمنهج أكّدت عليه الآيات من خلال القصة. منهج يتوقف عليه النص الديني، وتعتمده اللغة الدينية ضمن آلياتها، لمقاربة النص وتمثّل مفاهيمه. وقد تقدّم الكلام عن معاني التأويل، فبعضه يبقى في حدود التفسير وبيان مبررات الحدث، كما في: (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا). وهذا لا نقصده هنا. المهم التأويل الذي يتناول قضايا مفارقة وغرائبية، وهو ما حفلت به قصة يوسف، وأكدت على شروط تأويل النص، كدور الزمان فيه. وأشير هنا بعض خصائص التأويل الموضوعي.

- من خلال الآيات نفهم أن التأويل جهد فكري وتأمل عميق. أو جهد فكري، وتقصي معرفي، بين النص وممكناته التأويلية، التي تثرى بثراء قبليات المتلقي ونباهته ووعيه وقدرته على التشخيص، من خلال ممارسة دؤوبة في نقد النص. تقول الآيات: (وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)، (وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)، فهو علم كسبي أو مكتسب، ينمو ويتطور في رحاب مرونة النص الديني. وليس التأويل تأملا عفويا، أو رغبة شخصية لاسقاط قبليات المتلقي عليه، وهذه نقطة مهمة، خاصة من يشجبه دون دراية بخصائصه، وطريقة عمله.

- أن تأويل النص قد يتطلب وقتا لإدراك حقائقه. كما في قوله: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)، غير أن والده لم يقدّم تفسيرا أو تأويلا لرؤياه، رغم أنه نبي، ويعلم من الله ما لا يعلمه غيره وفقا للنظرية الدينية، ولعل في قوله: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)، ما يؤكد عدم معرفته بتأويل رؤيا ولده يوسف، لكنه توجّس خيفة، لأنها دالة على مستقبل كبير، حدا يسجد له الآخرون، مما يثير حسد أخوته، لذا حذره: (قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ). غير أن يوسف أوّل رؤياه بعد أن أصبح ملكا، وسجد له وأبواه وأخوته: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا). وبالتالي لم يستطع أحدهما تفكيك شفرة الرؤيا، وفهم دلالاتها ولو تأويلا، لأنها بحاجة إلى مرور وقت كافٍ، ليكون الواقع شاهد صدق عليها. وهذا ما حصل بعد وصول القصة إلى نهايتها. وهذا ينطبق على قضايا غيرها، وتجد القرآن يرتهن معرفة الحقيقة لليوم الآخر.

- أقرّت القصة من خلال تأويلات يوسف بضرورة المنهج التأويلي للقضايا المفارقة، فيوسف قام بتأويل رؤيا الملكة ومن رافقه السجن، وهي رؤيا مرمّزة، تتطلب جهدا استثنائيا لإدراك معانيها، لذا قالت حاشية الملك عندما استفتاهم: (قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ)، ردا على رؤياه، التي تضمنت قضايا غرائبية غير مألوفة: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ). بينما كان جواب يوسف جوابا تأويليا ناضجا، يدل على علمه وسعة معرفته بتأويل الأحاديث: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ، قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ).

وأيضا بالنسبة لصاحبيه في السجن: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.. يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ). والقارئ العادي لا يجد أي ربط بين الرؤيا وتأويلها من قبل يوسف لولا أن يصدّقها الواقع، لا رؤيا الملك ولا رؤيا صاحبيه. وهذا يشجع على الإرتكاز للتأويل في فهم غرائبية بعض النصوص، ومنها قصة الخلق التي هي مدار بحثنا، والتي هي الأخرى غزيرة في دلالتها.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi3احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

لغة الدين

ماجد الغرباوي: يمكن من خلال تحديد ماهية ووظيفة لغة الدين التوصّل إلى فهم، نرفع به التعارض بين الحقيقة العلمية والحقيقة القرآنية في قصة الخلق. فرب ما نعتقد به حقيقة قرآنية حسب ظاهر الآيات هو ليس كذلك، فنتحرى تأويلا للنص ودلالالته في إطار فلسفة الخلق، ودور الإنسان في الحياة، وفق منهج تأملي - تأويلي لا يقف عند ظاهر الألفاظ، ولا ترعبه قداسة النص. النص أساسا مكتوب لنا: (هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)، ونحن مدعوون إلى التفقه به وإدراك مقاصده، للكشف عما يتستر عليه ويخفيه. فثمة رسالة يحملها الخطاب، من المُرسِل إلى المرسَل إليه تضيق بها اللغة، فتلجأ إلى تقنيات تساعد على تمريرها ضمن نسق لغوي موحٍ بدلالات أعمق. تترك لنا فك شفرتها. وقد أشرت سابقا: "إن قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرّد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. القداسة تعني صدور النص عن مصدر متعالٍ محيط وعالم وعارف بكل شيء، فيشرّع ويهدي وفقا لملاكات ومصالح، يمكن للإنسان إدراكها لتحديد مدى فعلية النص المقدس".

والتفقه كمفهوم أشارت له الآيات ضمن مفهوم التدبر، كقوله: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ)، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). فمفهوم التدبّر يتضمن معنى التفقه والتأمل والاستغراق في فهم النص من خلال قرائنه وسياقاته أو من خلال الأطر الكلية للنص، وغير ذلك. ويعني التدبر لغة: (تدبَّر الأَمرَ / تدبَّر في الأمرِ: تأمَّله وتفكّر فيه على مَهَلٍ، ونظر في عاقبته). وبالتلي، الآيتان تكشفان عن أمرين مهمين وخطيرين:

الأول: أن القرآن بشكل عام يحتاج إلى تدبّر، بمعنى التأمل والتفكير في آياته، خاصة القضايا الغيبية والغرائبية التي لا يمكن إدراك حقائقها؟. فلا شك أن التأويل أهم الآليات للكشف عن مضمراته، وما يخفي من معان يؤثّر في فهم النص. فالآيتان لا فقط إمضاء للتأويل بل إمضاء للهرمينيوطيقيا كمنهج جدير، مادام التدّبر والتفقه يمثلان جوهره وحقيقته.

والثاني: أن الآية المتقدمة، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، قد أكدت على صفاء القلب شرطا في فعلية التدبّر والتأمل. ويعني صفاء القلب، التحرر من تراكمات الأغلال وسجون الأيديولوجيا والقبليات المسبقة التي تفرض سلطتها على النص، والنظر إليه ضمن أطر قرآنية كلية. وهو ما تعبّر عنه الآية بالرين: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، الذي يغلق آفاق المعرفة، ويرتهن فهم النص لقبليات المتلقي، فيخرج فهم النص من الموضوعية إلى فهم أيديولجي يطيح بقصديته.

لغة الدين

إذاً، تنشد لغة الدين، (الإخبار عن قضايا مفارقة للمادة بلغة بشرية. وحكاية مشاهد ووقائع تضيق بها اللغة العادية. فتكتفي بالتلميح دون التصريح، وبالإشارة دون البيان). فثمة امتناع ذاتي في عالم الغيب تفرضه غرائبيته وطبيعته التجريدية، وعدم وجود مشتركات تساعد على تمثّله. واللغة تستدعي وجود مشتركات تخلق وسطا ثقافيا أو منظومة مفاهيمية تساعد على تفكيك غرائبيته واستيعاب حقائقه. والقضية مرتبطة باللغة وطريقة أدائها وكيفية اشتغالها. فمثلا: عندما يحدّثك شخص عن فاكهة متوفرة في بلادك، تتبادر لذهنك بكل خصائصها مادمت قد تذوقتها. وأيضا يسهل عليك تصور فاكهة من خلال مثيلاتها، بينما ستعاني في إدراك حقيقة نوع ثالث تجهله، ولا توجد مشابهات تستعين بها على تصوره. بل حتى محدثك سيعاني في وصفها، فيضطر لتوظيف لغة تقرّبها، كأن يصف طعم حموضتها أو حلاوتها، وماذا يحدث للإنسان عند تناولها بطريقة تمثيلية. أو كيفية أكلها بأسلوب أدبي أو أداء مسرحي، يراهن في ذلك على خصوبة خيالك، وقدرتك على التحليق في عالمه، لكن كل ذلك لا يعني أنك قد تذوقتها فعلا، ومازلت في حدود التصور، تتردد بين الخيال والوهم، ولم تصل حد الجزم والاعتقاد، الذي هو شرط صدقية العلم. بهذا نفهم معنى الحديث المشهور عن الرسول حول وصفه الجنة، رغم كثرة الآيات التي وصفتها، حدى تلهب مشاعر القارئ. حيث قال النبي عنها: "ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر".!!، متجاوزا بذلك كل الأوصاف المذكورة في الكتاب. لا يريد تكذيبها، بل يؤكد من خلال حديثة على قصور اللغة، وما جاء من أوصاف لا تمثّل تمام حقيقتها.  فالأسلوب البلاغي وتقنيات اللغة في الآيات الكريمة جاءت لتقريب المعنى، لكنها لا تنقل الواقع كما هو، لتعذر نقله بلغتنا، فتنتفي الدلالة المطابقة بين الدال والمدلول. وما يتلقاه الأنبياء وحي، يتطلب لغة خاصة لبيانه، عندما تعجز اللغة عن استيعاب معانيه.

وبالتالي، لا يمكن للغة العادية إدراك حقائق القضايا الغيبية، وإدراك معانيها، لأنها عالم مفارق، لا يفصح عن نفسه، يكتفي بالإشارة والتلميح، دون البيان والتصريح. الفارق الجوهري بين العالمين فارق بين: الغيب والشهادة، المجرد والمحايث، السماوي والأرضي، الإلهي والبشري. إنهما عالمان مختلفان، وما تقوله اللغة رغم قداسة النص هو تلك التلميحات والإشارات بلغة تتميّز بمرونتها وقوة إيحاءاتها وإيماءاتها، وثراء دلالاتها ورمزيتها وتنوع تقنياتها وأساليبها، لخلق أجواء تعين المتلقي على تمثّلها، ومقاربتها شعوريا. فالترميز والإيحاء والإيماء وكافة تقنيات وأساليب التعبير اللغوي، توظف لتتجاوز ظاهر اللفظ إلى أعماقه، لنتوفر على رؤية مغايرة للدين، يمكن توظيفها لصالح الإنسان. ولعل خير مثال في لغة التصوف، وكيفية تأويلها للنص القرآني بدلالات بعيدة. وهنا التأويل يختلف عن التفسير الباطن، الذي يستبدل الألفاظ بمصاديق رمزية، لتبجيل الذات وهجاء الآخر.

ومعنى الإبهام والمفارقة أن القضايا التي تتحدث عنها لغة الدين قضايا نسبية لا وجود لها خارج النص والفضاء المعرفي للفرد، ولا دليل على مطابقتها للواقع ونفس الأمر سوى الإيمان. كالملائكة والجن والقلم والكرسي والعرش والمعاد واللوح والأسماء، ومنها أيضا قصة الخلق، وما زخرت به من مشاهد ومعلومات عصية على الإدراك لولا تقنية النص الديني في توظيف مختلف الأجناس الأدبية، لتمرير ما يريد تمريره، فهي تتحدث عن عوالم غريبة، يتعذر إدراك حقائقها، فتلجأ للمجاز والترميز والقصة والحوار. فالقضايا الغيبية تفرض لغة تتدارك فائض المعنى بأساليب موحية.

تجدر الإشارة، أن لغة الدين تؤسس لوعي تشد من خلاله المتلقي، فردا وجماعة، لعالم الغيب والمعاد والتماهي مع عوالمها، وتضفي على الوجود والحياة والموت معنى، وقيمة دينية. وهي ميزة تختص بها الأديان. فهي لغة خاصة، لها تقنياتها ومنطقها وأساليبها وطريقة اشتغالها وتأثيرها على المتلقي عندما تمسك بمشاعره وتتحكم بإرادته، وتفسح مجالا للهيام والوجد بالمطلق، حد يذوب المتهجد في محراب التأمل. تربط عالم الشهادة بعالم الغيب، وتوصل الدنيا بالآخرة، وتجعل من الإنسان جزءا من الكون، لا ينفصل عنه، تتولى وجهته، وتتحكم بمصيره، وترسم له طريق الخلاص، لذا تؤسس لوعي مختلف، يراهن على مشاعر الإنسان وعقله.

وعدم إدارك القضايا الميتافيزيقية لا يعني إنكارها البتة، بل يعني عدم قدرة اللغة العرفية على استيعاب حقيقتها، فتهرب من التصريح إلى التلميح، تخفي أكثر مما تظهر، وتشغل المتلقي بدهشة أساليبها لتمرر ما تريده، فتقول ما تدركه القلوب قبل العقول، ويهيم بها الوجد دون الوعي. ولعل في عبارة النفري أفضل تعبير عن اللغة الدينية: (كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة). فمفهوم العرش مثلا مهما عرّفته أو وصفته لا يطابق حقيقة العرش الإلهي كما هو واقعا، لكن يصفه بالعرش لتقريب المعنى، حيث ينصرف الذهن إلى مفاهيم متداولة كعرش السلطان، وما تحيطه من أبّهة وجبروت وعظمة وحراسة مشددة. أو يتبادر معنى السلطة مطلق السلطة، وهو وعي أكثر تطورا، لكن  كل هذا لا يعني إصابة الواقع ومطابقته مع مفهوم العرش، كما في الكتب المقدسة، وإلا كيف تتصور استواء الله على عليه؟؟!!. فحمل اللفظ على معناه الظاهر أو الملازم يصدق في اللغة العرفية، أما اللغة الدينية فتستدعي التأمل والاستغراق في تقمّص المعنى في إطار ذات المجال التداولي لتلك المفاهيم. وحتى التراث لا ينفع في هذه الحالة، مادام  تصورات مسبقة، وتأملات صوفية وروحية، لا تعني المطابقة، مهما كان مصدرها، ولو أن الأنبياء أدركوا معانيها كما في الواقع ونفس الأمر لاختلف التعبير عنها بشكل أوضح، أو مقارن مع مفاهيم متداولة، يمكن للمتلقي تمثلها من خلال مشتركاتها. لكنه لم يوحَ له أكثر مما أوحي، ونقله كما هو وترك للعقل البشري يتدبر ألفاظها، لذا يكفي التسليم بعوالم الغيب، كحقائق إيمانية، تذعن لها النفس بفعل الإيمان بالكتب المقدسة، وأما حقائق الأمور فمرجعها لمصدرها: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ).

والآية تؤسس لمنهج يساعد على تدبّر الكتاب، بإرجاع المتشابه من آياته إلى المحكمات. فثمة آيات تعمل موجّهات لضبط الآيات المتشابهة، التي تلتبس على المتلقي، كي لا يتمادى ويسقط في الكفر، ويقول ما لا يعلم. غير أن ظاهر المقطع الأخير يشجب التأويل الذي هو عماد القراءات التأملية وأحد روافد المنهج الهرمينيوطيقي، وقد أكد الكتاب التأويل وضرورته  في آيات أخرى، فكيف نرتكز له في فهم النص؟

الظاهر من الآية أنها نزلت في واقعة، تخص قوما يتشبثون بالمتشابه رغم صراحة الحكم الشرعي كما جاء في أسباب النزول، لغرض الفتنة وصرف الناس عن الدين، والخروج من صراحة الحكم إلى تأويله، فختمت الآية بالحديث عن تأويلٍ لا يعرفه سوى الله تعالى، وفي هذه الحال يقتصر موقف المؤمنين على التسليم، دون تأويله بما تشتهي أنفسهم، وهذا لا علاقة له بالتأويل كمنهج أكد عليه الكتاب.

التأويل الموضوعي

التأويل من المفاهيم التي اختلف حولها العلماء، ويراد به لغة: الإرجاع. وتأويل الكلام هو الرجوع به إلى مراد المتكلم. ويقصد به أيضا: تفسير باطن اللفظ. وهو غير المجاز، الذي يعني صرف اللفظ عن معناه الظاهر لوجود مناسبة، والمجاز اللغوي، هو لفظٌ استُخدمَ لغير معناه الحقيقيّ لعلاقة معيّنة. فالمجاز هنا بسيط، تدل عليه كاف التشبيه، ووجود المناسبة وغيرها من شروط مذكورة في محلها.

ويمكن تعريف التأويل اصطلاحا: "إرجاع النص إلى ما هو أبعد من المعنى الحرفي، لتحري دلالاته وممكناته التأويلية". وإنما جعلت النص موضوعا للتأويل، لأنه حقل خصب للحرث والتنقيب في أعماقه معرفياً، بحثا عن ممكناته التأويليه والمتوارية التي يتستر عليها مكر النص لغوياً. فيتناسب ثراء النص طرديا مع حجم إيحاءاته. ويتوقف الكشف عن المضمر من أنساقه المعرفية والثقافية، على مرونته، وأسلوبه في التعامل معه. بالتالي ثمة فرق بين النص واللانص، رغم أن كليهما نسيج لغوي، يتكون من كلمات وجمل، ومعانٍ وألفاظ، وتراكيب لغوية، ودوال ومداليل. إلا أن النص يتصف بثراء تأويله، وقابليته للكشف عن المضمر من أنساقه. وبهذا تخرج الدلالات الثلاثة للدال والمدلول ومفهوم الوصف، كما بينت مفصلا في كتاب: النص وسؤال الحقيقة.

التأويل منهج قرآني تؤكده آيات عدة:

 (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله ويقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق). وهنا يراد به التفسير والبيان.

(سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا). بيان مبرراته ودواعيه فهو أيضا تفسير وبيان. (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك).

(إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)

(ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا).

 (وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر واخر يابسات يا أيها الملا أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا إلى أن قال: قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون)

(ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نريك من المحسنين إلى أن قال: يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الامر الذي فيه تستفتيان)

(ولنعلمه من تأويل الأحاديث)

 (وعلمتني من تأويل الأحاديث)

(بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله).

من خلال الآيات ثمة تأويل مختص بالقضايا الغيبية لا يعلمه سوى الله، باعتباره: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول). وهناك تأويل متاح شريطة أن يكون تأويلا موضوعيا، غير متحيز، رغم استحالة عدم التحيز، وهي قضية مرتبطة بنظام اللغة، وكيفية انتاج المعرفة، وكل إنسان يتأثر بقبلياته وثقافته. وما قصدته بالموضوعية هنا هو التأويل الناتج عن تدبّر وتأمل في أعماق النص، وتحري أنساقه وامتداداته ومضمراته، بعيدا عن أي اسقاطات عقدية أو فكرية. فيكون الفرق بين التأويل الموضوعي والأيديولوجي:

- أن الأول يبغي استنطاق النص من خلال التأويل، والثاني يسعى لتطويع النص تأويلا لتعزيز أيديولوجيته. وهذا واضح جدا في الاتجاهات المذهبية والطائفية حينما تتنافس حول تأويل بعض الآيات لصالح هذا الطرف أو ذاك، على خلاف ظاهر النص وتأويله الموضوعي. لا شك أن الأول يتأثر بمضمراته وقبلياته، غير أنه يختلف عن الثاني في طريقة توظيفها.

- الأول تفتح له المعارف والعلوم الإنسانية والمناهج الحديثة آفاقا جديدة لاستنطاق النص، بينما الثاني انتقائي، يختار ما يخدم النتيجة التي يطمح لها من تأويل النص.

- التأويل الموضوعي يمضي مع المنهج مهما كانت نتائجه، بينما الثاني مستعد للتخلي عنه عندما يتقاطع مع هدفه.

وهذه فروقات جوهرية تختلف معها نتائج التأويل. ونحن نؤمن بالتأويل الموضوعي، الذي من خلاله نستنطق النص، ونتحرى مضمراته وأنساقه. إن التأويل الأيديولوجي غير الموضوعي لا يخدم تأويل قصة الخلق بل يوجهها الوجهة التي يؤمن بها، خاصة إذا كان عقلا تراثيا، يأتي مثقلا برؤى مقدسة يسقطها على النص. نحن نطمح لتأويل موضوعي يتحرى قصة الخلق للكشف عن دلالالتها الأعمق من ظاهر النص، حينئذٍ يمكننا التأكد من التنافي بين الحقيقتين الدينية والعلمية. وهنا سنضيء البحث بنموذج قرآني، نوظفه لاستنطاق قصة الخلق، في ضوء لغة الدين والهدف الأساس من وجود الإنسان في الحياة. لذا نستعرض النموذج التأويلي أولا:

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

ماجد الغرباوي1احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

تعارض الأدلة

ماجد الغرباوي: كان الافتراض: لو دلت الأدلة أن أصل الإنسان حيوان، وأن التطور حقيقة علمية، لا تقبل الشك بعد بلوغها درجة اليقين المنطقي. حينئذٍ يأتي السؤال المتقدم، كيف نفهم التعارض بين نظريتي التطور والخلق، على فرض وحدة المصدر وفقا للنظرية الدينية، التي تؤكد أن الله خالق كل شيء، وقد استودع في كونه أنظمة وقوانين تضبط حركته وأداءه. بيده كل شيء، وعلمه محيط بكل شيء، فيكون التطور أحدها؟: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ... الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ). فكيف نفهم التنافي بين الحقيقة العلمية والحقيقة القرآنية، ومدى إمكانية التوفيق بينهما دون هدر قدسية الكتاب والإذعان للعلم ومعطياته؟.

لا ريب لا يمكن تسوية التعارض المستقر بين الأدلة، كما هو مقرر عندهم أصوليا. فثمة تنافٍ بين تطور الإنسان وأصله الحيواني. واستقلالية خلقه وأصله الترابي: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ)، (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)، (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ). فأصل الإنسان وفقا لهذه الآيات يعارض ظاهرا ما تقوله النظرية الوضعية. ولا يخفى أن الحقائق العلمية تزعزع قدسية النص عندما يتعارضان. وتفضي إلى تهميشه وسلبه سلطته وهيمنته والتعامل معه كنص تأريخي. واستبدل زاوية نظر المتلقي من المطلق إلى النسبي، ومن الإطلاق إلى الشك، ومن الشرح والبيان إلى النقد والمراجعة، ومن الجزم إلى احتمال الصدق والكذب في كل قضية خبرية فيه. وهذا ما ترفضه الأديان والكتب المقدسة، التي تمثل القداسة جوهرها: (أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)، (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)، (َإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ). قداسة الكتاب رهان الأديان، فكيف يتخلى المؤمن عنها لصالح رأي بشري، مهما كان حقيقة علمية؟.

ويكفي أنك تعرف أن النص آية قرآنية للتراجع عن فهمك وبعض قبلياتك، وتصوراتك، لتدور في أروقة المقدّس، ومداراته ومرجعياته. بل تكون أكثر استعدادا لشطب قناعاتك أو بعضها. فمصدر النص سلطة تجبر المتلقي على التماهي معها. وبهذا تتضح قوة تأثير الروايات النبوية، رغم أن بعضها موضوع، لكنها مؤثرة، تستمد سلطتها من سلطة مصدرها، الذي يستمد بدوره السلطة من نبوته، واصطفائه من قبل الله تعالى. فقدسية المصدر وسطوته حاضرة خلال سماع الرواية. فيصدق أن سلطة النص ترسم مسار التفكير، وقداسته تخضع المتلقي لإكراهاتها.

إن سلطة النص سلطة معقدة، من خلالها تتجلى قوة النص وقدرته على فرض حقيقته. فالنص ليس مجرد نسيج لغوي بل يتمتع بسلطة يستمد بعضها من قوة بيانه، وقدراته البلاغية التعبيرية، وأسلوبه في توظيف المجازات داخل النسق اللغوي. وحجم الإحالات المرجعية في إيحاءاته ورمزيته وقدرته على استغفال القارئ. لذا تجد النصوص الدينية أثرى وأقدر على مقاومة النقد والتفكيك، حينما تستجيب لكل قراءة، وتتجدد مفاهيمها مع كل مقاربة نقدية. فثراء النص لا ينفد بنقده، بل تتطور دلالاته. والجزء الثاني من سلطته يستمدها من طبيعة النص وتقنياته الدلالية والتعبيرية. فيعمل ببراعة على مستويين ويحقق كامل أهدافه في التأثير. (كتاب: النص وسؤال الحقيقة)

فالتعارض يشكّل تحديا لا تنفع معه أية تأويلات سلبية. فينبغي فقه النص، وعدم الاكتفاء بشرحه وتفسيره، ما دامت القوانين والسنن والحقائق العلمية ثابتة لا تتغير، لكن فهم النص نسبي، يمكن تداركه بمنهج مغاير. وعليه يبقى الرهان على قدرتنا على تقديم فهم مختلف للنص القرآني وفقا للغة الدين ومعطياتها ووظيفتها، يزعزع استقرار التعارض، حينئذٍ، يمكن تسوية التعارض من خلال فهم تأويلي، داخل ذات الحقل الدلالي للغة الدينية.

الخلق والحقيقة

إن مطابقة الواقع في الجمل الخبرية هو المائز بين القضية المطلقة والنسبية. الأولى يمكن الاستدلال عليها حسيا أو برهانيا أو رياضيا. وتعني منطقيا: (دوام ثبوت المحمول لذات الموضوع أو سلبه عنه مادام الموضوع بذاته موجودا) (كتاب المنطق). وأيضا تقع في مقابل المقيّد والمشروط، فتكون متحررة من إكراهات القيود والشروط. والإطلاق في هذه الحالة يسلب القضية تاريخيتها. فالنتيجة واحدة في القضايا المطلقة، هو (ثبوت المحمول للموضوع). بينما يختلف الحكم في القضية النسبية تبعا لزاوية النظر، فتختلف من شخص إلى آخر. مثال الأولى جميع القضايا التي تخبر عن الواقع الموضوعي، بدليل حسي أو برهاني ورياضي. ويمكن للذهن انتزاع مفهوم عنها. أما القضايا النسبية، ومثالها الواضح القضايا الدينية الميتافيزيقية / الغيبية. أو اللامعقول الديني، الذي يتعذر الاستدلال على صدق قضاياه خارج النص والفضاء المعرفي للفرد. وقد فصلت الكلام حول القضايا في كتاب "النص وسؤال الحقيقة"، يمكن استدعاء بعض المقاطع لأهميتها هنا:

إن صدقية المفاهيم الدينية الغيبية، مرتهنة في حقيقتها لوجود نص يدل عليها. وخطاب يسعى لإقناع المتلقي بها. فتفتقر الحقيقة في وجودها وصدقيتها لوجود نص مؤسس. لذا يصدق أن الحقيقة الدينية وليدة النص، ولا وجود لها خارجها، لأنها قضايا غيبية، لا تخضع للتجربة والدليل الحسي. وبما أن سلطة النص هي الأخرى لا وجود لها خارج ذهن المتلقي، فالحقيقة أيضا تستمد حضورها من الفضاء المعرفي للمتلقي. فاتضح مما تقدم أن إطلاق الحقيقة يتوقف على مدى مطابقتها للواقع بدليل حسي أو برهاني، دون الدليل الحدسي والظني كالقياس المنطقي ما لم تكن مقدماته يقينية، جزمية. ولا الاستقراء القائم على الاحتمال مهما كانت قيمته، ما لم نكتشف سبب الظاهرة المشتركة، وننسبها لعلتها. فإطلاق الحقيقة رهن الدليل وحجيته الذاتية. وأما الحقائق الدينية فتستمد وجودها من النص ومن إيمان الفرد ومستوى وعيه وثقافته التي تختلف باختلاف مناشئها، فهي نسبية دائما.

وهذا لا ينفي وجود حقائق ميتافيزيقية، فقد تكون ثابتة في الواقع ونفس الأمر. لكن الكلام عن المتلقي وكيفية تصوره لها والإيمان بها. فالحقائق الدينية يتعذر الاستدلال عليها خارج النص وتقنيات الفهم البشري التي قوامها الإيمان والتصديق والتسليم وليس الدليل والبرهان. ولا يُعد الإيمان بعوالم ما ورائية ضرورة عقلية وفلسفية لولا الكتب السماوية. بل حتى النص المقدّس غير قادر بمفرده على فرض صدقيتها، لولا ثقافة المؤمن وعقله المؤثث بمفاهيم تذعن للنص الديني، كحقيقة مطلقة. فوجود أرضية معرفية، وحاضنة ثقافية ملائمة شرط لتأثير الخطاب الديني في هذا الخصوص، وشرط لتصور الحقيقة الدينية. فيكون الإيمان بها إيماناً نفسياً، قائماً على مفاهيم ومقولات نسبية، تختلف من شخص إلى آخر. فالقضايا الميتافيزيقية تتشكل حقيقتها داخل الفضاء المعرفي وليس خارجه كما هي الحقائق المطلقة. لا فرق في ذلك بين الحقيقة البسيطة والمركبة. بل ما من حقيقة إلا وتنطوي على حقائق، وما من نص إلا ويخفي تراكما نصوصيا، يتولى العقل تفكيكها وتحليل مفاهيمها ومقولاتها الأساسية. ويعيد تشكيلها وفهمها. فالفارق الجوهري بين الحقيقتين، أن الحقائق المطلقة لا يختلف أحد حول وجودها، ما دامت شاخصة يمكن الاستدلال عليها، ويذعن العقل لدليلها، كالقضايا التي يمكن الاستدلال عليها حسيا، أو الحقائق الرياضية. أما الحقائق المجردة والحقائق الدينية فتخضع لتأثيرات ثقافية ونفسية، فلا تكون إلا نسبية. وهذا سر تفاوت الإيمان بها. والاختلاف حول أصل وجودها، وخصائصها، ومصاديقها. (كتاب: النص وسؤال الحقيقة).

والنص بطبيعته مستغرق في صمته، يخفي دلالاته، وأسراره ورمزيته، لا تستنطقه سوى القراءة الموغلة في نقدها، وتفكيكها لتراكم طبقاته المتوارية، بحثاً عن ركائز سلطته وطريقة أدائها ضمن نسيجه اللغوي. فالنص، خاصة النص الميتافيزيقي، يخشى الفضيحة المعرفية، حفاظاً على سلطته، وهيمنة مفاهيمه، فيرتكز في أدائه وسلطته إلى بُنيتين، ظاهرية تستمد وجودها من نسق دواله، وترابط كلماته وجمله، وأسلوبه التعبيري، وطبيعة المرجعيات التي تحيل عليها، والمراوغات التقنية التي توظفها في تمرير مداليلها. وبُنية مضمرة يرتكز لها عادة في تمرير ما يريده دون أن يبوح بها. (المصدر نفسه)

إن جميع المفردات الغيبية تصنّف ضمن القضايا النسبية التي لا وجود لها خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي، لأنها تنتمي لوجود مغاير، وعالم ميتافيزقي، لا يمكن الاستدلال عليه وإثبات صحة وجوده بدليل حسي أو برهاني. والمصدر الوحيد لثبوته إيمان الفرد بقدسية الكتاب الكريم. كما بالنسبة للملائكة والجن والشيطان وإبليس والجنة والنار، وما جاء في قصة الخلق. وبما أن هذه القضايا جزء من  عالم آخر فإن اللغة المعبّرة عنها هي لغة دينية وليست لغة عرفية، يمكن الوقوف على حقائقها بقراءة تأويلية لفك شفرة الترميز.

إن تفسير القرآن حرفيا أو تراثيا يفقد قيمته، ويتحول إلى عبء على الدين والوعي، وما لم يمارس التأويل دورا واسعا سيفضي إلى إنغلاق العقل، كما في آية: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ). التي تكرّس العبادة هدفا أساسا لخلق الإنسان. أو تظهر الخالق بمظهر الضعف فيحتاج لمخلوق يكشف عن عظمته كما في الرواية المتداولة: (كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف). والأغرب الخطاب الشيعي، والمغالي منه خاصة يعتقد أن وراء فلسفة الخلق التعريف بالأسرة المقدسة، محمد وآل محمد. وقد مرَّت الإشارة إلى بعض الشواهد الروائية: (يا محمد وعزتي وجلالي لولاك ما خلقت أرضي ولا سمائي ولا رفعت هذه الخضراء، ولا بسطت هذه الغبراء). ويعرفون الكلمات التي علم الله آدم هي أسماء محمد وآل محمد، وبها تاب الله على آدم!!!. ولا يخفى خطورة هذا اللون من التفكير، ومدى خطورته اتجاه العبودية وقد بينت كثيرا من خصائصه، وطرحت في قباله نظرية الخلافة أو نظرية الإنسان، ومازلت أؤصل لها، كي نخرج من دوامة التراث إلى نور العقل والعقلانية، ونواصل مسيرتنا بعيدا عن الخطاب التراثي والطائفي والخرافي.

لغة الدين

لا ريب أن اللغة وعاء الفكر، وأنها أداة للتواصل والتفاهم بين الناس، ووسيلة لنقل الأفكار والمشاعر والأحاسيس. ولكل لغة في جانبها الأدائي أسلوبها الخاص في التعبير عن مضامينها، فاللغة العلمية، لغة صريحة، واضحة، تستخدم  لغة الأرقام والرياضيات أو المعادلات، لبيان حقائقها، التي هي حقائق كونية تريد إيصالها للمتلقي حرفيا، بعيدا عن المجاز والاستعارة والتمثيل والكناية والإشارات والإيماءات. بينما اللغة الأدبية تستهدف مشاعر الإنسان، فتلجأ للصور البلاغية للتعبير عن مضامينها، دون الصريح والواضح. استجابة لطبيعة النفس البشرية التي توقظها الصور الأدبية، وتنقلها لأفق الخيال، حيث تستغرق في تمثلاتها لتمتلئ وتتوازن وتروي حاجة عميقة. والصور الشعرية لا تقتصر على الخطاب الأدبي، وبإمكان الفرد انتزاع مختلف الصور من مشاهداته اليومية وأحلامه وطموحاته، وهذه إحدى أسباب ثراء اللغة الأدبية وقدرتها على تسويق الثيمة الفكرية بأداء أدبي زاخر بصوره الشعرية. وبالتالي فإن أداء اللغة تحددها قصديتها والغاية من توظيفها. فهدف اللغة العلمية بيان الحقائق العلمية، وهدف اللغة الأدبية النفس الإنسانية ومشاعرها وأحاسيسها. وهكذا هي لغة التاريخ واللغة الفلسفية والعلوم الإنسانية.

وبالتالي فالجامع بين هذه اللغات أنها أداة للتعبير عن الواقع، تارة بألفاظ وتركيبات لغوية واضحة صريحة ِأو وصفية وأخرى مختزلة وثالثة مجازية ورمزية. وجميعها تعبّر عن حقائق واقعية أو مفترضه يمكن إدراكها وتمثلها من خلال مشتركات يدركها الوسط الثقافي للغة عبر أحد وجودين: خارجي أو ذهني، من خلالهما ينتزع المفاهيم ويحكم عليها.

لكن الأمر يختلف بالنسبة للغة الدينية، فهي لغة رمزية، ولغة إشارة وإيحاء، تسخدم المجاز، تستثمر ثراءه للتعبير عن معاني مفارقة، لا يمكن للعقل البشري إدراكها، فيكتفي بتمثلها، من خلال مشتركات، لا تفك أسرارها تماما، وتبقى معانٍ هلامية يصعب الإمساك بها، وهو سرّ نسبيتها وارتهانها في دلالاتها لخلفية الفرد وثقافته ومضمراته العقدية وأنساقه المعرفية، فتختلف من شخص إلى آخر، ومن فضاء معرفي إلى ثانٍ. وللغة خصوصيتها وقدرتها على تجريد النص من تاريخيته، فيوحي بإطلاقه، بعيدا عن غياهب سجون اللغة والتاريخ. وهو أسلوب فذ، تعجز عن بلوغ مستواه لغات أخرى توظّف ذات التقنية، غير أن هيمنة القداسة وأسلوب التعبير تتجاوز حدود اللغة المألوفة، لتنقلك إلى عولم، تعيشها بكامل أحساسيسك.

وبالتالي فماهيّة اللغة الدينية تختلف في أدائها عن اللغة العرفية، وطريق تعبيرها عن مضامينها وما تريد أيصالها للمتلقي. فهي أبعد ما يكون عن اللغة الصريحة الواضحة بالنسبة للقضايا الغيبية والرمزية. فيتصف المجاز والتشبيه والاستعارة والترميز بقوة حضوره داخل الحقل التداولي للغة الدينية، فهي لغة رمزية، يتوقف فهمها على تأويل خطابها أو تقلب الحقائق، وتتقاطع مع معطيات العلوم التي هي معطيات علمية، وقوانين كونية.  بل قد يقع المتلقي في فخ التجسيم حينما يعرض عن لغة التأويل، وهناك آيات صريحة بنفي جميع الصفات الجسدية للخالق على الضد من الآيات التي تجسمه. وحينما نحمل المتشابه على المحكم، نضطر لتأويل الآيات المتشابة لتتوافق مع الآيات المحكمات، فتحمل اليد على القوة ومجيئ عرشه، مجيء سلطانه، وغير ذلك. وهنا نؤكد أن موضوع النص تارة يكون قضية خارجية محددة، يمكن الاستدلال عليها بالدليل الحسي. وهي جميع المفردات الصريحة في معناها في سياق استخدامها، متداولة ومتفق على دلالتها، تأبى الاختلاف، كالإنسان، الرجل، المرأة، الشجر، الجبل، النهر والبحر عندما يكونان مطلقين، أما إذا دلت القرائن على إرادة معنى آخر، فينصرف له بفعل القرينة، كنهر من عسل. أو عندما يقصد بالبحر، غزير العلم، فيقال عالم بحر. لكن الأمر مختلف بالنسبة للمعاني المفارقة التي لا يمكن تصور حقيقتها، ومعرفة ماهيتها تماما، باستثناء مقاربتها من خلال خلفيتنا الثقافية، وما تختزن من حقائق مشابهة يمكن القياس عليها.

وأجد في القرآن ما يؤكد خصوصية اللغة الدينية، باستخدامه كلمة (يفقهون) التي تعني بذلك بذل الجهد لإدراك ما وراء ظاهر الألفاظ. أو التنقيب في أعماق النص لتحري معان ومفاهيم، تتطلب جهدا تأويليا لإدراكها. وقد وردت كلمة "يفقهون" في آيات عدة، بعضها واضح من خلال سياق الآية، والآخر يحيل إلى ما هو أبعد من ظاهر اللفظ:

 (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا)، والآية كما مر تؤكد عدم قدرة التفسير على بيان مضمونها، وتتطلب جهدا تأويليا لفقه النص وفك رموزه.

(انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ)

(قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ)

(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)

ومثال آخر: تجد الآيات تصف الخالق بصفات الكمال، حدا يتوهم المتلقي بتجلي الذات، لا فقط الصفات، ثم فجأة تأتي آية وتقول: ليس كمثله شيء، للتلاشى جميع الأوهام حول حقيقته، ويبقى يتجلى من خلال صفاته وهيمنته. فاللغة الدينية تحتفظ بمرونة عالية، وقدرة على أداء وظيفتها التأويلية والرمزية بمهارةً يتعذر معها سجن الآيات في سجون اللغة المتداولة. فهي لغة مرنة، تهدر جميع أسيجة اللغة العرفية لتنقل المتلقي إلى عوالم مغايرة.

ومثال ثالث: لقد استعرض الكتاب الكريم مئات الآيات حول يوم المعاد، والجنة والنار، بأساليب بلاغية مدهشة، تشد القارئ لها، وتجعله يعيش أجواءها، ويتوق لها، خاصة وهي تصف الحور العين والخمر والعسل والجنان وكل ما يشتهي الإنسان المحايث. أو يتزلزل عند قراءة آيات العذاب، ويخشى أن يقترف سيئة، تودي به إلى النار. لكن فجأة تأتي الآية لتقول: ورضوان من الله أكبر. (وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). فالفوز العظيم ليس الجنة وما فيها بل رضوان الله، فتتلاشى المعاني المادية، لترقي بالمؤمن إلى رضوان الله حدا يستهين بكل ما عداه، فنفهم أن الوصف جاء لتقريب مفاهيم يتعذر فهمها بدونها، فيستعين الكتاب بالمثال والتشبيه والكناية والإيماء والترميز. وهنا سنفهم أن رضوانه هو الفوز العظيم، وما الجنة والنار سوى تعبير رمزي عن رضى الله. فسواء كانت هناك جنة ونار حقيقية أم لا. وسواء كان المعاد جسماني أم روحاني، لا يؤثر في الحقيقة الكبرى. غير أن العقل التراثي، عقل مغلق يدور حول نفسه، وحول ظواهر النصوص، ومحكوم لعقول أضفى عليها صفة العصمة لتحقيق مآربه. وبالتالي  فعندما نتعاطى مع ظواهر النصوص ننتهي إلى نتيجة لا تتفق مع آيات أخرى، محكمة واضحة صريحة.

فينبغي تحديد ووظيفة لغة الدين، كمقدمة لمعرفة ماهيتها. فما هي وظيفتها؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawiاحمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

ماجد الغرباوي: إن الفهم التراثي للقرآن، والجمود على ظواهر الآيات، بات عبئا على الوعي العقلاني، وتسبب في كوارث دموية نسبت للدين. مثاله تمسك الحركات الإسلامية المتطرفة بآيات القتال، رغم عدم فعلية موضوعاتها، وانصرافها لقضايا خارجية محددة، فأهلكوا الحرث والنسل. ومثلها، تمسّك العقل التراثي بظواهر آيات تكرّس الاتكالية والتنصّل عن المسؤولية عندما تنسب الفعل لله، كقوله: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا)، (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا). فيبدو الإنسان وفقا لهاتين الآيتين مجبرا، لا مخيرا في أفعاله وسلوكه، وبالتالي فهو غير مسؤول عنهما، باعتبارهما أمرا إلهيا مكتوبا لا يمكن مخالفته، فيقع الفعل مهما كان قبيحا تحت إرادة خارجة عن إرادته، فلا معنى لمؤاخذته. وقديما أستُغل مفهوم الجبر من قبل الحكومات الاستبدادية القديمة التي ترى في الملوك آلهة أو ظلاً لها أو خيارها. ثم استغل الحكم الأموي ومن جاء بعده، الجبر لتبرير سلوك الخليفة، والارتفاع به فوق النقد والمحاسبة، في الدنيا والآخرة، بعد أن أصّل له المتكلمون، وغدا من مسلمات العقل التراثي لطيف واسع من المسلمين. فالتراث المثقل بالتبعية والاستبداد ليس أقل خطرا حينما يعطّل العقل، ويشل إرادة الفرد والمجتمع، ويكرّس التخلّف باسم الدين وآيات الكتاب. قرأت لطبيب أمريكي يتحدث عن تجربته في المستشفيات السعودية، يقول: عندما كان يموت شخص، أسأل، ما سبب وفاته؟ يقولون: جاء أجله من عند الله ومات. فأسألهم ثانية، لا بأس، لكن ما سبب موته؟ وما طرأ عليه قبل وفاته، فيردون: لا اعتراض على أمر الله. لقد جاء أجله ومات!!!!. ثم أخذ يقارن الوضع في المستشفيات الأمريكية، وكيف يدرسون حالة المريض للبحث عن أسباب الوفاة، لتداركها في المرات اللاحقة. فجواب الموظف السعودي، جواب عقل تراثي منغلق، أدمن التلقي، بعيدا عن العقل والنقد. إن قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. القداسة تعني صدور النص عن مصدر متعالٍ محيط بكل شيء، فيشرّع ويهدي وفقا لملاكات ومصالح، يمكن للإنسان إدراكها لتحديد مدى فعلية النص المقدس. وقد مرّ التفصيل كيف يمكن تحديد الملاك من خلال مبادئ ومقاصد الجعل، والتفصيل في محله.

مَن لا يعرف حقيقة العقل التراثي، يدين النص القرآني، ويحمّله مسؤولية تخلّف المسلمين، وهذا تسرّع، ما لم يدرك آياته، وفق منطقه الداخلي. فثمة آيات محكمات، تحدد فهم المتشابه منها. كالآيات التي تصفه: "ليس كمثله شيء"، وحينئذٍ أي قياس بشري لصفات الله وأفعاله يتقاطع مع آيات الكتاب المحكمات. وكذا الآيات التي تقول: إن كل شيء خُلق بقدر، وكل شيء قدرناه تقديرا. وهي آيات تعكس صرامة الأنظمة والقوانين الكونية. وبالتالي ما ينسبه الله له، لا يلغي علله المباشرة والثانوية، وعندما ينسب خلق الإنسان له، يؤكد أيضا مراحل خلقه صريحا كي لا يلتبس الأمر على المتلقي، فهو علة أولى، تنتهي إليه جميع العلل، وبإمكانه أن ينسب الشيء له أو لإحدى علله. فكل الأمور تسير وفق سننها وقوانينها، سواء سنن إلهية أو تكوينية. يؤيد هذا المعنى قوله: (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا). فالآية هنا لا تتحدث عن الحسنة والسيئة بما هي فعل بشري، لأن كل نفس بما كسبت رهينة، وكل إنسان يوم القيامة مرتهن لعمله، فلماذا يحسابه أساسا إذا كانت الحسنات والسيئات من عند الله؟ لكن الآية تتحدث عما هو أبعد من ذلك، لذا لم تقل: ما لهؤلاء القوم لا يعلمون أو لا يعرفون، بل عبرت بـ"ما لهؤلاء القوم لا يفقهون حديثا". والفقاهة غير المعرفة والعلم الظاهري. تعني الفقاهة إدراك ما وراء النص، في إطار ذات المنطق القرآني. وفقه آياته، يتطلب عدة معرفية وأدوات تساعد على فقهه. فالآية ناظرة إلى الأسباب التكوينية، وتبقى الحسنة والسيئة فعلا مسؤول عنه فاعله. فالآية تقصد حتميات السنن والقوانين الكونية، فمن يُطلق النار على شخص يرديه قتيلا حينما تصيب منطقة حساسة في جسده كالقلب والدماغ. وهذه حتمية لا تتخلف، وعندما ينسب الفعل لله، فباعتباره علة أولى لجميع العلل، فيصدق نسبة الفعل له. أي نسبة ذات الحتمية الكوينية، لا عملية إطلاق النار، فهي إرادة شخصية مسؤول عنها فاعلها.  وبالتالي ما لم تفقه الآيات تنسب كل شيء لله، وتستدل عليه بهذه الآية وغيرها. وتُرمى بالكفر حينما تنفي الفهم المبتسر لكتاب الله وآياته. لست أدافع عن القرآن، بل أقاربه بمعزل عن العقل التراثي، في إطار رؤية مغايرة، تأخذ بنظر الاعتبار الهدف الكلي للدين، ومركزية الإنسان في الحياة، وردّ المتشابه من الآيات إلى المحكم منها، وفقا للمنطق القرآني، ودراسة موضوعات الأحكام وشروط فعليتها، والسعي لإدراك ملاكاتها ومصالحها. وكل هذا من خلال العقل والأدوات المعرفية اللازمة لفقه النص، المقدس وغيره.

ومن الآيات التي يحتج بها بعض الناس لتبرير سلوكه السلبي تجاه تحديات الطبيعة والحياة، هي: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا). فالآية ظاهرا تؤسس لمفهوم الجبر، وأن الإنسان مسير وفق ما كتب الله له. والكتابة سابقة على وجوده، فيقتصر دوره على تنفيذ إرادة الله في حسناته وسيئاته، وسلوكه وأفعاله. لا يبالي ولا يتحرز من الأمراض والمخاطر، فإنها ستصيبه إذا كانت مكتوبة عليه، ولا تضره إذا لم تكن كذلك، وهو وقوع آخر في فخ التخلّف، يكرّس الجهل والأمية واللامبالاة والبطالة والتنازل الطوعي عن العقل والمعرفة وترك الأمور على عواهنها، فيدان الكتاب من جديد. وهذه الآية تجدها على الألسن عند كل نائبة وكارثة طبيعية. وقد يغامر في المعركة وفقها ويقتل من جراء فهمه السقيم حينما لا يكون مستعدا لها بالطرق الصحيحة. ومن السهولة معرفة سذاجة هذا الرأي عندما تقرأ سياقها، فقد جاءت الآية في سياق المعركة بين المسلمين وقريش: (وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ، قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا). الآية تشير إلى السنن الإلهية والكونية التي تحكم سير الأحداث. فالرسول قد خسر معركة أُحد، وكاد يخسر حياته، عندما أنشغل المسلمون بالغنائم، وتركوا ظهورهم مكشوفة للعدو، فسارت المعركة وفقا للسنن الطبيعية، ألتف العدو وتوغل من ثغرة الجبل، فيجب أن ينتصر. والسنن لا تعرف نبيا أو شخصا عاديا، فهي قوانين صارمة تسري على الجميع. وعندما أخل المسلمون بتوازن القوى خسروا الحرب، وعادوا منكسرين. وهذا ينطبق على جميع الحتميات التي ذكرت في الكتاب. كقوله: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً)، عندما تكتمل شروطها، وليس مطلقا، فما لم تتسلح بالإيمان والصبر والثبات والسلاح والتدريبات اللازمة، لا تغلب الفئة الكبيرة، ولا تهزمها. فثمة سنن تتحكم بمعادلة الفوز والخسارة في الحروب. لذا مع تفاوت موازين القوى العسكرية لا يمكن الاستشهاد بالآية، كمن يريد محاربة الأسلحة المتطورة جدا بأسلحة قديمة، ارتكازا لهذه الآية. فيصدق هناك شرط مضمر في المعادلة القرآنية، مفاده: يجب أن لا يكون تفاوت موازين القوى مخلا جدا بالمعادلة العسكرية، فهنا تأتي الآية كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. حيث كانت الأسلحة آنذاك محدودة، والقوى الجسدية للمتحاربين متكافئة، أما بموازين اليوم فالأمر مختلف تماما، ولا فعلية للآية في المقام لعدم فعلية موضوعها وشروطها وقيودها. كمن يعرض نفسه لنيران كثيفة أو أسلحة كيمياوية بحجة لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. الآية لا تسلب عقل الإنسان، ولا تغامر به، وتتحدث عن شيء أعمق من ظاهرها، ينبغي إدراكه قبل الارتكاز لها.

كانت تجربة معركة أُحد قاسية استفاد منها النبي والمسلمون في معاركهم اللاحقة واستعدوا ولم يتقاعسوا بحجة لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا. فعندما تستعد لعدوك تكسب المعركة وفقا للسنن الطبيعية، وهي ما كتبه الله لنا نحن البشر. فإذا كان هناك جبر فهو جبر السنن الإلهية والكونية، وليس جبر الإرادة المباشرة، بمعنى وجود صحيفة أعمال جاهزة للإنسان يسير وفقها، لا يخالفها. بل يبقى الإنسان مخيرا في سلوكه، محكوما للسنن والقوانين الكونية. ويكون مسؤولاً عن عمله. فمفهوم كلمة "الكتابة" لا يسلب إرادة الإنسان، كما يشيع العقل التراثي متأثرا بالفقه السلطاني، الذي أصّل عدم محاسبة الخلفاء، فتمادوا بطغيانهم وظلمهم وجورهم. وهذا مبرر حديثي عن الآية، لأهميتها وارتباطها بموضوع الخطئية، التي وظفت بشكلٍ أدى إلى استغلال الناس واضطهادهم باسم الأديان. فنحن نسعى لتحرير العقل من بؤس التفسيرات التراثية، والانفتاح على العقل في فهم ما يدور حولها. المهمة الأساس للدين ترشيد وعي الناس، لا سلب عقولهم، فالدين يمثل النضوج العقلي ضمن شروطه الموضوعية، ويرقى بالإنسان إلى مستوى الاعتماد على النفس ومواصلة حياته من خلال عقله وتجربته. الدين لا يكون بديلا عن العقل. ويبقى دوره إرشاديا، حتى في أوامره ونواهيه، فقد يجد الخالق أن من مصلحة الإنسان العبادة للتوفر على مستوى من التقوى تقوم سلوك الفرد والمجتمع.

لا يخفى أن كلمة (كَتَبَ) ومشتقاتها كثيرة في القرآن، فقد تأتي للتوكيد

(كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)، وهنا لا يشترط بالغلبة الغلبة المادية، فقط تكون مادية معنوية أو فقط معنوية. باعتباره قويا عزيزا، وقادرا على كل شيء.

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ، كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ)، في جميع هذه الآيات تأتي كلمة كُتب بمعنى فرض. من الفرض والإلزام والوجوب.

(وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ)، يُحصي، يضبط، يسجل

(ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ)، (وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ). بمعنى الهبة والمنحة.

(كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)، أوجب على نفسه الرحمة بعباده وخلقه.

(وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً)، بمعنى العطاء، واعطنا

(أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ)، رسّخ وثبت، فتجلت آثاره سلوكيا.

(قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا)، أي ما قدره وقضاه من سننه الكونية والإلهية، فهي تسري على الجميع. لذا تجد القرآن يتدارك ما يترتب على السنن من خسائر، يتداركها بثواب أخروي. فعندما يتصدق المؤمن ويدفع حقوق الفقراء، فستنقص أمواله بالضرورة، وهي حتمية الإنفاق. تؤثر سلبا على الإنسان، فيصاب بالبخل، لكن الله يشجعه عندما يطالبه بعدم التبذير، وأن ينفق العفو من أمواله، أي الزائد والقليل، وله في مقابل إنفاقه ثواب الآخرة. فالنسبة لله رغم أنها سنن كونية، تأتي في سياق النظرية التوحيدية، التي تربط كل شيء بالله، ولأنه علة العلل، وعلة أولى. وهذا لا يلغي كونيتها وحتميتها، لذا يسعى العلم للكشف عن القوانين التي تتحكم بالظواهر الطبيعية، سواء كان العالِم مؤمنا أم ملحدا، فهو أمام منظومة قوانين يمكنه اكتشافها من خلال التجربة والدراسات الحديثة في الفيزياء والرياضيات. فالمسلمون ليسوا عاجزين عن الدراسات العلمية، غير أن ثقافة التخلف راسخة برسوخ الفهم التراثي لآيات الكتاب.

لا يمكن للمسلمين النهوض ما لم تتحرر عقولهم من سلطة النصوص والتراث، ويفهمون الدين ومقاصده وأهدافه وغاياته، بعيدا عن الروايات التي تعكس فهماً آخر، يمثل زمن الرواية بأبعادها المختلفة. فهي روايات محترمة إلا أنها تعبّر عن ظروف وبيئة وثقافة مختلفة. فللرواية ظروفها ولنا ظروفنا، وبإمكاننا العودة للكتاب الكريم وفهم رسالته فهماً صحيحا.

للأسف لم أجد من يهتم بآيات الخلق التي ترسم معالم هدف الرسالات والأديان، وهذا خطأ كبير في فهم الدين. بل وأحد أسباب جميع الانحرافات العقائدية والسلوكية، خاصة ما تمارسه الحركات الإرهابية باسم الدين والقرآن. وما تبثه حركات الغلو من ثقافات تكرس الجهل والأمية والتكاسل في الحياة الدنيا.

فلسنا بحاجة للروايات إلا بشكل محدود، وعلينا الاقتصار عليه، وعدم التمادي في التمسك بجميع الروايات، لأنها تعكس فهماً للدين والكتاب المبين في ضوء ظرفها، وحاجات وتطلعات زمن الرواية. ثم لا يوجد نص عدا القرآن وبعض الأحاديث النبوية الصحيحة فوق التاريخ، أو عابرة للتاريخ والأزمان، فلماذا الاصرار على التمسك بالتراث في فهم الكتاب، وهو نص مفتوح للقراءة والتأويل. وهذه ليست دعوة للقطيعة التامة مع التراث، بل التخلي عن التراث غير المنتج، الذي يكرّس التبعية والانقياد والتخلف، ويغلق آفاق التأمل في الكون والنفس البشرية: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ).

بين نظريتين

استعرضنا فيما سبق نظريتين حول أصل الإنسان وفلسفة الخلق، وهما النظرية الوضعية التي لا تؤمن بحياة ما بعد الموت، ولا بوجود فلسفة وراء خلق الإنسان، ويبقى الفرد مسؤولا عن مصيره وخَلاصِه، فشق طريقه وبنى حضارة بعيدا عن الدين. وهي تعتقد أيضا أن أصل الإنسان قرد، تبعا لدارون في كتابه: (سلف الرجل وعلاقة الإنتقاء بالجنس) المنشور عام ١٨٧١. في مقابل النظرية الدينية التي استغرقنا في تفصيلاتها، حيث تعتقد أن الإنسان مخلوق من طين، وأن وراء خلقه فلسفة وهدفا، ولم يأت للدنيا اعتباطا بل كان مخططا له في السماء. وهي تعتقد بمركزية الإنسان في الحياة، مثلها مثل النظرية الوضعية لكنها تختلف عنها جوهريا، حيث أن الإنسان وفقا للنظرية الثانية خليفة الله في أرضه، ليقيم العدل، وأن خلاصه يوم القيامة مرتهن لعمله، ثوابا وعقابا. أما النظرية الأولى فترتهن مصيره له، لذا كرّس جهده لتطوير حياته في الدنيا، بعيدا عن تعاليم الأديان باستثناء ما هو مشترك إنساني. ليس بالضرورة أن يكون موقفها سلبيا من الدين، لكنها لا ترهن مصيرها بمعارفة، بل وحتى لا تعد المعرفة الدينية جزءا من مصدار المعرفة. وتعتبر الدين قضية شخصية بين الإنسان وربه، وله حق ممارسة طقوسه وشعائره، دون المساس بالآخرين.

مازالت الجهود مستمرة لإثبات أو نفي نظرية دارون، وهناك جملة اعتراضات عليها، منها: لا أثر للأدلة الافتراضية، غياب الحفريات الوسطية، عدم تكرر التجربة، العثور على آثار بشرية تعود لملايين السنين وغيرها يمكن مراجعتها في مظانها. (أنظر مثلا: ويكبيديا). ومع ثبوت تطور الخلايا تصاعديا، فلماذا لا نفترض أن  كل نوع خُلق مستقلا، وحينئذٍ لا تضارب بين النظريتين؟ ولماذا الاصرار لى التطور والقفزات الوراثية، ولا يوجد دليل قطعي عليه لحد الآن؟. وكل هذا خارج عن الموضوع، وجاء استطرادا. لكن لو ثبت التطور بأدلة علمية، وثبت أن الإنسان ينحدر عن أصل حيواني، القرد أو السلالة الأعلى، أو حلقة مفقودة بين القرد والإنسان، فهل ثمة تقاطع بين النظريتين؟ وكيف نفهم الآيات الصريحة في المقام؟ وكيف تتقاطع المعرفة الدينية مع المعرفة العلمية؟. هذا ما سأتناوله في موضوع لغة الدين والقراءة التأويلة.

يأتي في الحلقة القادمة 

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed al gharbawi

احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

منطق الخطيئة

اتضح أن النهي في قصة الخلق نهياً إرشاديا للآثار التكوينية المترتبة على أكل الثمرة، وبالفعل (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ)، فهو لم يرتكب عملا يستحق العقوبة عليه. وقد تاب الله عليهما، غير أن التوبة لا تسقط الآثار التكوينية، مما يستدعي فهم دلالات الخطيئة في إطار فلسفة الخلق، ومركزية الإنسان. حيث كانت مؤشرا على استخدام  العقل كشرط أساس لخلافة الأرض، وأنها سلوك بشري، يمكن تداركها بالتوبة التي تعني الندم والاقلاع عن الخطئية بسلوك قويم. وهذا ما فعله آدم: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى). بلا شفاعة ولا واسطة، بل قضية خاصة بين الإنسان وربه أو بينه وبين نفسه. الشفاعة لا تُسقط الآثار التكوينية المترتبة على ارتكاب المعاصي، ولا علاج لها سوى تداركها بفعل يقوّم سلوك الفرد، كي يواصل مسيرته. ويفترض أن لا يستغل من قبل رجال الدين، لكنه استسلم لغوايتهم، وسقط أسيرا للعبة الشفاعة. وبالتالي يفهم من القصة أن العقل والحرية والإرادة يقابلهما وسوسة النفس البشرية / الشيطان، وثمة عداء ينشب ما لم يتدارك الإنسان نفسه. وكل عنصر من هذه العناصر سيكون ضروريا لاكتمال المشهد البشري، أو مسيرة الإنسان التي هي مسيرة تضاد وصراع دؤوب بين الخير والشر. الحق والباطل، وليس صراعا طبقيا ماديا فقط. ولما تاب الله على آدم، طالبه بالخروج من الجنة لتبدأ مرحلة الخلافة على الأرض، وقد بين له أو غرز في فطرته حتى قبل بعثة الأنبياء حتميات دينية: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى). بهذا رسمت الآية ضابطة، حددت دور الهداية عنصرا فاعلا لتقويم سلوك الإنسان، وتركت له حرية الحركة واتخاذ ما يراه مناسبا. فوفقا للآية بات الإنسان يعي ذاته ويعي ثمة محددات لسلوكه بعضها يمكن للعقل البشري إدراكه فطريا، وآخر يتوقف على وجود هداية وقيم أخلاقية. وهناك هداية داخلية يعبّر عنها بالفطرة أو العقل الباطني، ويعني بها الخطاب القرآني قدرة النفس البشرية على التمييز ما لم تحيطها الوساوس. إضافة إلى مصادر معارفه الطبيعية: الحس والعقل والتجربة والخطاب الإلهي (والأخير وفقا للنظرية الدينية التي تجعل منه مصدرا للمعرفة). فالله في قصة الخلق يشير للخير مطلقا كما أن الشيطان يشير للمراوغة والتحايل على النفس البشرية، التي هي خليط من النزوات والرغبات، تعلو وتهبط: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّ)، ومن جهة أخرى فالنفس قادرة على تدارك نفسها من خلال النقد والمراجعة المستمرة، فتجدها تلوم صاحبها وتسعى لتدارك ما صدر منها: (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)، شريطة التحرر من نوازع الشر، التي لها انعكاساتها السلبية على الإنسان وفقا لقوله: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ). فتصل النفس حد الانغلاق: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). فعبّرت الآية ضمن قصة الخلق عن الخير بانتسابه لله، ينبغي الإلتزام  به أو تحمّل عواقب مخالفته، لإحاطته بكل شيء: (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ). فالأوامر والنواهي تابعة لملاكاتها، وعندما نهاه عن الشجرة، فثمة مصلحة وراء نهيه، وآثار تكوينية لم يدركها آدم.

ثم الخطيئة في بعدها الثالث خط تمايز بين المقدس والمدنس، فقبل اقترابه كان آدم كائنا ملائكيا مؤهلا للعيش في الجنة، التي ترمز للكمال الإنساني المجبول على الطاعة وعدم اقتراف المعصية. وبعد اقترابه منها أصبح مؤهلا لعالم آخر يمارس فيه حريته، ويواصل سيره التكاملي. كما أن ارتكاب الخطيئة تجاوز لخطوط القداسة الإلهية، التي تمثلت بآوامره ونواهيه. كما أنها تفرز المؤمن عن العاصي، وقد اختلفوا حول مرتكب الكبيرة، هل هو كافر أم لا. فإن الالتزام الواعي وفاء لقدسية المقدس، يلزم منه السمو والرفعة، بينما ينتج عن الخطيئة الاستبعاد عن ساحة القداسة. فنخلص أن خطيئة آدم / الإنسان تضمر ثلاث دلالات:

1- الخطيئة، بمفهومها اللغوي: ارتكاب ذنب يستحق العقوبة، سواء عقوبة تشريعية أم تكوينية.

2- الخطيئة كدالة على نضوج العقل البشري، بعد خروجه من ملائكيته ليغدو إنسانا يتحمل مسؤولية عمله.

3- الخطيئة باعتبارها مائزا بين المقدس والمدنس، بين الملائكي والبشري.

يفهم من قصة الخلق أن آدم لم يُخلق ليعيش حياة مثالية بلا جهد ولا شقاء، بل خُلق ليصنع جنته بيده، ويسمو بجهده ومجاهدته، ويرقى لمنزلة تحسده عليها الملائكة: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ). فهو مخلوق لحياة دنيوية وستأتي دلالات القصة رمزيا.

الخطيئة والفكر الديني

لا تختلف الديانتان اليهودية والمسيحية عن القرآن حول جوهر قصة الخلق، فآدم والخطيئة عناصر أساسية فيها، غير أن الخطاب الكنسي شيّد قاعدة الاعتقاد المسيحي على مفهوم الخطيئة. وأن البشر قد توارثوا خطيئة آدم، وأرجعوا ضمن متبنياتهم العقدية كل شيء للخطيئة، وما من ظاهرة سيئة إلا وسببها الخطيئة الأولى، هكذا الحال بالنسبة للأوبئة والكوارث الطبيعية والحروب فهي عقوبات، يمكن دفعها بالاعتراف بين يدي الكاهن، وشموله ببركته بعد شراء صكوك الغفران ومشاركة المؤمنين طقوسهم، وحضور القدّاس في أيام الآحاد. وهو مبدأ الوساطة بين العبد المذنب وربه، فالكنيسة وبابا الكنيسة وسيط بين الله وعبده، ووسيلة لغفران الذنوب، ولا طريقا آخر للخلاص. فغدا الفرد يلهث لضمان رضا الله بشراء صكوك الغفران والانهماك بطقوس الكنسية. فكانت قداسة الطقوس قد وفّرت للكنيسة مصدرا ماليا راكم ثروات هائلة اختصت بها الكنيسة ورجالها.

تعتبر العقيدة الكنسية أن سبب خطيئة آدم ما خرج من أعضائه الجنسية، وراح بعد أن أكل من الثمرة يستر عورته. وخطيئة آدم موجودة لدى كل إنسان يضمر شهوته، وقد ولد من "منيّ يمنى"، باستثناء عيسى الذي لم يولد من سائل منوي. لذا لا مخلّص سواه. وللخطيئة في الفكر الكنسي مستويات، بعضها بسيط وبعضها قاتل، وبينهما من الكبائر. ومكمن الخطر في هذه العقيدة أنها تحمّل الإنسان وزر عمل لم يرتكبه ظلما وعدوانا، ولا يعرف عن تفاصيله شيئا. كما أنها تكرّس عقدة الذنب لدى الإنسان، وتقتل فيه روح التفاؤل والأمل، ويصبح الذنب مهما كان بسيطا شبحا يقوض طمأنينته. وما من كارثة إلا وسببها الذنوب، وكل شر يلحق به بفعل ارتكاب المعاصي. وهذا اللون من التفكير قد قتل روح التطلع للحقيقة واكتشاف الأسباب الحقيقية للأمراض. غير أن النهضة الأوربية بدأت حربا ضد الفكر الكنسي ومحرماته، فشقوا طريقا للعلم والمعرفة وانتصروا على خرافاتها.

كما أنها تكرّس سلطة الكنيسة ورجل الدين، وتجعل منهما الممثل الوحيد للرب، وواسطة خلاص ثمنها استعباد الإنسان وارتهان إرادته وتفكيره، خاصة أن الكنيسة تحتكر تفسير النص المقدس، وتوظفه لتكريس مصالحها، وأهدافها، ومشاريعها، بهذا الشكل توغّلت الكنيسة وحكمت قرونا طويلة، وزجت الشعوب في حروب دينية طويلة، راح ضحيتها خلق كبير.

وقد سادت الكنيسة الكاثولكية الديانة المسيحية حتى انشقاق البروتستانتية التي كانت ثورة ضد العقيدة الكاثوليكية، وتعاليم البابا، ودوغمائيات الكنيسة، تعود أصولها إلى حركة الإصلاح في القرن السادس عشر، وكان هدفها إصلاح الكنيسة في أوروبا الغربية، على يد مارتن لوثر. وأبرز مقومات فكر البروتستانت اللاهوتي هي:

- الخلاص هبة إلهية تتأتى بالإيمان بيسوع المسيح المخلّص، ولا يتأتى من الكنيسة وطقوسها.

- لا يتوقف الغفران على عمل صالح أو تكفيري، كمباركة البابا وصكوك الغفران وغير ذلك من طقوس الاعتراف والتكفير.

- رفض احتكار الحقيقة وسلطة تفسير النص بالكنيسة الكاثوليكية واعتبرت تفسير الكتاب المقدس أمرا متاحا للجميع.

- أن الكتاب المقدس المصدر الوحيد للمعرفة الدينية، وبهذا سلب اللاهوت الكاثوليكي سلطته وقدسيته، باعتباره تفسيرا بشريا للكتاب.

- أن جميع المسيحيين يتمتعون بدرجة الكهنوت المقدسة، ولا خصوصية لسلطة الكهنوت.

- إباحة الزواج وممارسة الجنس للقس.

وبهذا الشكل حررت البروتستانتية العقل المسيحي من سلطة الكنيسة، وارتهانات الإيمان اللاهوت الكاثوليكي ليعيش الفرد إيمانه منفردا بعيدا عن أية سلطة دينية. وبالتالي فالخطيئة كانت أس العقيدة الكاثوليكية، ونفي تداعياتها أس العقيدة البروتستانتية.

في مقابل الخطاب الكنسي هناك الخطاب القرآني الذي ينفي وراثة الخطئية: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). ويبقى الإنسان مرتهنا لعمله وفق ضابطة قرآنية: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ). فسواء عمل صالحا أو سيئا هو المسؤول عن عمله، ولا يؤخذ أحد بجريرة غيره، مهما كانت درجة القرابة بينهما. (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ. ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى). ولم يكلف الله الإنسان أكثر من طاقته: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)، وقد اعتبر فقهاء المسلمين القدرة على الفعل شرطا في فعلية العبادات والتكاليف الشرعية.

الخطيئة والعقوبة الإلهية

مع كل كارثة تحل في العالم ينقسم المسلمون حول تفسيرها، بين من يعتبرها كارثة طبيعية ومن يعدها عقوبة إلهية، ويبقى الجدل محتدما بانتظار كارثة جديدة. وبعض ممن يقول بالعقوبة لا ينكر الأسباب الطبيعية، لكن تبقى عقوبة ومؤاخذة دنيوية بما كسبت أيدي الناس،.يستدلون على ذلك بمجموعة آيات، مما يجعل الأمر ملتبسا، بحاجة إلى تحري مداليلها. وهل العقوبة سنة كونية أو إلهية، وكيف تفسّر الآيات التي اعتبرت الكوارث عقوبات إلهية؟.

وتقدم أن الخطاب الكنسي قد سبق المسلمين بتفسير الكوارث وما يحل بالناس بأنها عقوبات إلهية، يمكن دفعها بالاعتراف وضمان تكفيرها بشراء صكوك الغفران. وبشكل عام جميع الأديان تشير لذلك بشكل وآخر. مما يعني توقف فهم الحدث على فهم النص الديني.

عندما نعود لآيات الكتاب وأحكام الشريعة نجدها تتحدث عن أربعة أنواع من العقوبات:

1- دنيوية فقط: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

2- أخروية فقط: (وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)، (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ).

3- دينيوية وأخروية: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

4- عقوبات جماعية: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). وهناك آيات تفصّل ما حدث كما بالنسبة لقوم نوح وصالح وهود وسبأ: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ).

واضح أن العقوبات الدنيوية عقوبات تشريعية، كأحكام السرقة والزنا والقتل، لا تسقط وهناك تفصيلات مرّت بنا. وأما المؤاخذات الأخروية فهي أيضا جزائية: (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا). لكن قد يشملها العفو الإلهي. فكما هناك جزاء للكافر هناك جزاء للمؤمن: (أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ).

وفي جميع الحالات فهي عقوبات مشرّعة، يتوقف ثبوتها على وجود نص صريح بشأنها، لا يمكن القياس عليها، كأن تقطع يد الزاني مثلا. فالحكم وموضوعه كلاهما محدد. لذا يلجأ القاضي حينما يريد قمع المعارضة السياسية إلى آيات مرنة في مفاهيمها، كمفهوم محاربة الله ورسوله، ومفهوم الفساد في الأرض، وكلاهما يجيز هدر دم الجاني. والجناية هنا مرنة، يمكن للحاكم الشرعي البت بها وفقا لأيدلوجيته، فيعتبر المعارض السياسي مفسدا في الأرض في مقابل شرعية سلطته مطلقا، كما في الدول الدينية: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). لذا أدعو دائما لوجود ضوابط صارمة لتحديد مفهوم المحارب لله ورسوله ومفهوم الفساد في الأرض وأن لا تبقى الآية عصا لقمع الرآي الأخر.

وأما بالنسبة للعقوبات الجماعية التي وردت فيها مجموعة آيات فهي ليست من صنف الأحكام الشرعية، بل حلول كارثة كالزلازل ومطر السوء والأمراض والسيول: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ). فهل هي  حتمية تكوينية أو قانون تكويني، تتوقف فعليتها على فعلية موضوعها. أو لا هذا ولا ذاك بل سنة إلهية، كما في قوله: (وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً، سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً).

ذهب الذين قالوا بالعقوبات الإلهية إلى وجود بعد آخر في  الكارثة هو تخويف الناس (يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ). فتكون من قبيل الفتنة (أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ)، تأتي من باب التنبيه، لعلهم يعودون لله ويتوبون. أو تأتي اختبارا لإيمان المؤمن، فيكون بديلها أجرا عظيما: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ). وهناك آيات استدل بها القائلون بالعقوبات الإلهية، كقوله: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). (قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا). (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ).

وهنا ملاحظات مهمة تتضح من خلالها الإجابة:

أولاً: إن الكون ومساره منضبط وفق سنن تكوينية، وقوانين كونية صارمة، حتى في مفاجآتها، فتجد ثمة أسبابا وراء كل حادثة، كالمنخفضات الجوية، والتيارات الباردة في طبقات مرتفعة تتسبب في غزارة الأمطار أو حركة الغازات داخل الأرض. وحتى غير المكتشفة منها. فاليوم يلعب الاحتباس الحراري دورا سلبيا في تغيّر المناخ ورفع درجة حرارة الأرض. أو التجارب النووية والبايلوجية التي تركت آثارا تكوينية، فيصدق عليها قوله: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). فما تطرأ من آثار تكوينية يصدق عليها مفهوم الفساد، وهي بما كسبت أيدي الناس، حينما لا تراعي الدول الكبرى مصالح الشعوب، وتغامر لاختبار أسلحة محرّمة على حساب صحة الناس. أو تستمطر السماء كيمياويا فتغرق أراضٍ واسعة وتسبب في موجة من السيول، أو تستخدم أسلحة تبيد البشرية. وكل هذا بات متوفرا في ترسانات تلك الدول. فأي كارثة تحصل بسبب الإنسان يتحمل وزرها، بعيدا عن العقوبة الإلهية، ويصدق أنها فعله. كمن يطلق النار على نفسه ويموت،  فهنا لا توجد عقوبة  إلهية بل هي حتمية لإطلاق النار. فالكوارث قد تحصل بسبب الإنسان، ولا علاقة للعقوبة الإلهية بها، لأن آثارها تقع ضمن حتميات تكوينية، خارجة عن إرادته. وبالتالي: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ).

ثانياً: إن الكوارث التي حلت بأقوام سابقة بسبب كفرهم ومحاربتهم للأنبياء والرسل يتوقف تصديقها على الإيمان بالله وبكتابه، فتختص بها ولا يمكن القياس عليها، لأن تشخيصها ومعرفة موضوعاتها يحتاج إلى كشف تام، يختص به الله المحيط بكل شيء والعالم بكل شيء. بمعنى أدق أن حصول الكوارث يتوقف على فعلية أسبابها التكوينية، وعندما يكون السبب غير تكويني كالموقف من الرسالات، فيحتاج إلى دليل قرآني صريح في مورده كي نرفع به اليد عن الأصل. وفي هذه الحالة لا يخترم القانون الكوني، بل ربما سرت الأمور بموجب قوانين نجهلها.

ثالثاً: ما يؤكد خصوصية تلك الحالات التي ربطت بين الكفر والكوارث قوله: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ). وبهذا لا يجوز تفسير أية كارثة طبيعية بالعقوبة الإلهية، مع وجود آية تنفي أي عذاب جماعي: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ). وهاتان الآيتان آيات محكمة صريحة لا لبس فيها، فتكون حاكمة على الآيات المتشابهة وفقا للمنطق القرآني: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ).

رابعاً: لا شك إن كل شيء يجري وفقا للمشيئة الإلهية، وأن الخالق هو علة العلل، لكن ذلك لا يلغي تسلسلها، فعندما ينسب لنفسه فعلا من الأفعال، لا يعني حصوله من غير سبب تكويني. غير أن من  يقل بالعقوبات الإلهية يُسقط علل الحدث، والأسباب الطبيعية للكارثة. وأيضا لا يمكن تعميم الأسباب والمسببات، ولا تفسير أية كارثة على أنها عقوبة إلهية ما لم يستدل بآية صريحة، وهي مفقودة بالضرورة.

خامساً: يبقى مفهوم الوحي قضية حاسمة في هذه الأمور، بين من يعتقد بإلهية القرآن لفظاً ومعنى، ويقتصر دور النبي على التبليغ والبيان، وبين من يعتقد أن القرآن وحي، كما تنص الآيات، وما موجود بين دفتيه فهم بشري للمعنى، فيخضع لشروطه الموضوعية، وحينئذ يختلف تفسير الكوارث بين الإخبار والتفسير. ففي الحالة الثانية يكون تفسيرا بشريا لما حدث، بعد وقوعه. ولا يقدح هذا اللون من فهم الوحي بقدسية القرآن وإلهية مضامينه.

وبالتالي، ثمة أبعاد مضمرة في قصة الخلق، وتوظيف للنص لغايات أيديولوجية، ينبغي ملاحقتها ونقدها.

يأتي في الحلقة القادمة

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi13احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثانية والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

سؤال الوجود

ماجد الغرباوي: كان سؤال الوجود وراء استعراض قصة الخلق في الكتب المقدسة. ذلك السؤال الذي لازم الإنسان، يستفزه بدهشة، ويطرح عليه أسئلة مصيرية، تارة تكرّس التشاؤم والعدمية واللاجدوى حد اليأس والإنكفاء. وأخرى تدفع باتجاه التأمل والبحث والتنقيب، لمعرفة حقائق الأشياء، فكان ينبغي للخطاب الديني تقديم رؤية وافية تبدد شكوكه، وتجيب على أسئلته، حول حقيقة الوجود والإنسان والموت وحياة ما بعد الموت والخلود، مبدأ الخلق ونهايته وغاياته، وغيرها. فهو قلق يعبّر عن نفسه بأسئلة واستفسارات فلسفية. وقد وصفت الآية قلق الإنسان بالهلع: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً). اختزال مكثف لمعنى القلق المصيري، وهواجس النفس البشرية، التي هي صفة عامة تتفاوت من شخص لآخر. والأنبياء أشد قلقا حول حقيقة الوجود والخلق ومصير الإنسان، وكان كل نبي قد قطع مراحل من الشك والحيرة والاندهاش قبل بلوغه مرحلة النبوة والانفتاح على آفاق الغيب، وطالما اعتكف يبحث ويتأمل، يقلب وجهه في السماء والأرض، وكانت تجاربهم تجارب إنسانية عميقة، تكابد من أجل معرفة الحقيقة وبلوغ مرحلة اليقين والاطمئنان الذي يوازن قلقه المصيري عبر معارج الروح. هذا إضافة إلى همومه الاجتماعية والسياسية، وما يحيط بالناس من ظلم وجور. فالأنبياء لهم تجاربهم، لكن رغم دوام المجاهدة والرقابة الأخلاقية الصارمة وقوة الإرادة والصبر على العبادة، يعصف بهم الشك أحيانا، غير أنه شك في عين المعرفة، وقد استعرض القرآن مشاهد من شكوك دفينة للرسل كإبراهيم وموسى، كي نتمعن بتجاربهم ونفهم أن الشك ظاهرة بشرية تعكس يقظة الوعي، وقدرة فائقة على التأمل والتركيز. يشترك فيها الأنبياء والفلاسفة، غير أن النبوة ترقى بالروح الإنسانية، وتسمو بها في عالم مختلف، فيكون دليلها روحيا وجدانيا راسخا ومشاعر يقينية بفعل مشاهداتها وما تحققه النفس من فتوحات على صعيد الحقيقة والاقتراب من العقل الكلي. ورغم منزلة إبراهيم إلا أنه طرح سؤال الشك: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)، وشكه يمثل أعلى درجات اليقين، فهو مؤمن يتوق لتجلي قدرته في الخلق. وأيضا موسى الرسول الكريم: (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ). ولعل أوضح الأمثلة حياة محمد قبل البعثة حيث كان التأمل والتعبد والتحنث يستغرقه، تارة بمعزل عن الناس وهو معهم، وأخرى في خلواته مع نفسه وخالقه، وقد مر بحيرة عاصفة، ذكّره بها القرآن: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ). ولا يعني الضلال الزيغ بالضروة، بل يقصد به خصوص الحيرة، بدليل "فهدى". والحيرة يصدق عليها مفهوم الضلال بمعنى عدم الهداية وقد يفهم منها ذلك بقرائن.

ولما كانت الكتب السماوية رسائل السماء إلى الأرض، ورسائل الخالق لمخلوقه لهدايته وترشيد وعيه، فهي معنية بتساؤلات الإنسان، خاصة سؤال الوجود. فتجد القرآن صريحا لا يقفز على الحقائق، حيث شغلت مسألة وجود الله ووحدانيته والإيمان باليوم الآخر مساحة كبيرة منه في 4000 تقريبا. وكل آية تعالج إشكالا ما. ولم يصدر عن الكتاب توبيخا لغير المعاندين، ممن لخصتهم الآية: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ). واعتبر القرآن جميع الأسئلة والشكوك مشروعة، ينبغي التصدي للإجابة إليها.

فسؤال الخلق عميق في وجدان النبي، وهو سؤال مركزي في جميع الأديان، والشغل الشاغل لجميع التجارب الدينية والروحية. سؤال الحقيقة سؤال إنساني، ينبغي مقاربته برؤية مستنيرة، (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ). فثمة حقيقة متوارية، من الصعب الإمساك بها بعيدا عن الروح واشراقاتها الوجدانية، أو يبقى الإيمان بها نظريا باهتا، لا يتجلى في سلوك وأخلاق الفرد، وهنا يأتي دور الشعائر والطقوس الدينية. وبالتالي فقصة الخلق جاءت صدى لتساؤلات تطفو وتغور. تعصف بالنفس البشرية، وقودها دوامة الشك، وحُجُب الحقيقة. فالكتب المقدسة إذاً معنية بها، باعتبارها مصدر المعرفة الدينية، رغم التفاوت بين التوراة والقرآن، غير أنها جاءت في الثانية مكتنزة بدلالاتها الرمزية، ولم تقف عند مبدأ الخلق ومنتهاه (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى). ولم تكتف بإضفاء معنى لحياة الإنسان ومماته ودوره في الحياة، وتناولت موضوع المعرفة الإنسانية، وكيفية تراكم المعلومة.

وقد اختار القرآن لعرض قصة الوجود أسلوب القصص الرمزي، لضمان أداء دلالي حيوي، يثري تأويل النص، ويحرره من سجن اللغة والتاريخ. والأسلوب القصصي أسلوب قرآني فريد في قدرته على توصيل الأفكار كقوله: (ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)، فهو حوار رمزي، يؤكده افتقارهما لمَلَكَة الكلام. غير أن التأويل قادر على استنطاقهما، وهكذا هو العرض القصصي الحواري لقصة الخلق. لأن الغرض الأساس هو بيان  فلسفة الخلق، فيكون الرمز أوفى وأقدر على كشف أبعاده.

إن سؤال الوجود ليس عبثا بل هو طاقة فكرية - تأملية هائلة عندما يجيد الفرد توظيفه لملاحقة الحقيقة. وهو سؤال النبوة، عندما يستغرق النبي قبل بلوغها في التأمل والتفكير، ويشغله سؤال الوجود، ويستفزه قلق المصير. فسؤال الوجود يحفّز لمواصلة التأمل والاستغراق بحثا عن أجوبة تعمّق روح الإيمان، وتكرّس الشك طاقة روحية تتطلع للمزيد من السمو والابحار ماوراء ظواهر الأشياء. وهذا يفرض فهم قصة الخلق في سياقها القرآني، وعدم ارتهانها لتفسيرات أيديولوجية، فهي تأبى سجون اللغة والتاريخ استجابة لحيويتها.

الخطيئة

جاءت خطيئة آدم في سياق قصة الخلق كدالة على تطور العقل، من التلقي المطلق لدى الملائكة (لَا يَسْبِقُونَهُۥ بِٱلْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِۦ يَعْمَلُونَ)، ثم بوادر العقل المريد مع آدم ومعرفة الأسماء كلها، وهي مرحلة وعي الذات وأبعادها الوجودية حينما أنبأهم بالأسماء. وكان قبل ذلك قد تعلمها من الله. وأخيرا مرحلة التجلي الإنساني قبل هبوطه إلى الأرض، وهي مرحلتا الإدراك والإرادة الفعلية. حيث أدرك جوهر التمايز بين الأشياء، الشجرة المحرمة، التي تعني الضد النوعي للإباحة، لسبب ما أثار فضوله، وقد خمّن أنها شجرة مباركة، تفيض عليه وجودا ملائكيا وخلودا دائما، من وحي معارفه المحدودة، مهما كانت درجة احتماله بسبب نقص الخزين المعرفي. ثم قرر بإرادته وتحمل مسؤولية قراراه، وبهذا تجلت بشريته. فكانت الجنة مكانا لاختبار حريته وإرادته كشرط أساس لتحقق إنسانيته ووجوده. وقد عبرتا عن نفسهما بالخطيئة. فالخطيئة ترجمة عملية لحرية الفرد وإرادته المسؤولة. كما أنها تعكس قلق النفس البشرية حينما تواجه مسؤولية قراراتها الشخصية حدَ معصية الخالق.

لقد مثّل آدم دور الطفولة البشرية، وكان استعدادا خالصا، تنقصه المعلومة التي يتمكن من خلالها تشخيص الحقيقة. وكان في مرحلة تأسيس المعرفة من خلال ما يتلقاه من معلومات ليبدأ في ضوئها العقل بممارسة دوره. فكانت أول تجربة حياتية هي تجربة اختبار لإرادته وحريته ومسؤوليته. فهو لم يعرف شيئا عن الشجرة، ولم يعرف لماذا حذّره الخالق من الاقتراب منها: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ). فليس لآدم تصور عن الموضوع سوى ما أخبره به الخطاب الإلهي. بما في ذلك الإيمان، الذي كان هشا بسيطا، لم يصل حد الجزم واليقين الذي يحول دون معصيتهما للآوامر الإلهية. ولو لم يخرجا من الجنة لم يعرفا شيئا عن معنى العقوبة، فقد هبطا للأرض بتجربة غنية جدا رغم بساطتها، حدها الأدنى هناك حسن وقبح، وخير وشر، ثواب وعقاب. فكانت تجربة ضرورية، عاشها آدم مع هواجسه، التي وصفت بالشيطانية لسلبيتها في مقابل هواجس الخير: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى). فآدم لم يعرف شيئا عن حقيقة الشجرة سوى أنها منهي عن أكلها، وقد لا يعرف شيئا واضحا عن مفهوم النهي وعواقبه الوخيمة عندما يكون نهيا إلهيا. والآن قدم لهما الشيطان أو التصورات النفسية معرفة جديدة عنها، معرفة مغرية: "خلد، وملك لا يبلى". فكانت التجربة السبيل الوحيد أمام آدم للوقوف على حقيقة الأمر: (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ). فالتجربة كانت مصدرا لمعرفته حينما عجز العقل عن إدراك الحقيقة سوى تخمينات أولية، وبعد أن ذاق ثمرها عرف ثمة آثار تكوينية تترتب على أكلها، فكان النهي إرشادا لهذه الآثار، حيث أخرجته من الجنة، عندما تفجرت مشاعره وأحاسيسه وغرائزه الجنسية، وصيرورته إنسانا ببعديه العقلي والعاطفي. فهو لم يرتكب عملا يستحق عقوبة جزائية كما في كثير من الآيات التي ترتّب عقوبة أخروية على إرتكاب المعاصي، وكان النهي تحذيرا من عواقب ما يطرأ عليه من تحولات فسيولوجية. لذا فإن القائلين بعصمة الأنبياء ذهبوا إلى أن آدم ترك الأولى ولم يرتكب معصية حقيقية. ومن يرد ظاهر اللفظ يمكنه ذلك، لأن القرآن يصفه بـ"غوى"، "عصى". وللتأويل دلالاته، فالخطاب السماوي لم يقل إذا اقتربت فجزاؤك كذا، بل كان خطابا تحذيريا مما سيترتب عليه من آثار تكوينية، تنتقل به من فضاء اللجنة، التي تتطلب وجودا ملائكيا، إلى الأرض التي تستدعي إنسانا يواكب الحياة ويتطور، وسيكون مقامه مختلفا ند الله وفقا لما جاء في الخطابات القرآنية.

فالخطيئة جاءت في سياق تطور العقل البشري، وكان يجب أن تقع، لتعبر عن حقيقة الإنسان، غير أنها غدت ركيزة الفهم التراثي لمفهوم الدين. وصار مفهوم الخلافة رغم ثرائه ورمزيته وقوة دلالاته، اختبارا بسيطا لآدم، لكنه غوى، وكان جزاؤه الخروج من الجنة. هذا الفهم لا يريد التدبر في آيات الكتب السماوية، فقد جاء في القرآن الكريم: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ). فالتوبة قد تحققت قبل الهبوط وتولي مقام الخلافة، بل في آية ثانية الأمر أوضح:

(وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا، وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى، فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى، إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى، فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى، فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى، قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى). فرغم خطيئته تاب الله عليه واصطفاه ليكون خليفة فعليا للأرض، وهي المهمة الكبرى له. وهذا لا يتنافى مع قوله: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى). لأنك سترتكب المعصية باختيارك، فتتحمل وزرها، وهي الخروج من الجنة، وهذا لا يعني بالضرورة أن هبوطه للأرض جزاء معصيته، مهما كانت رمزيته، فقد تاب الله عليه واصطفاه. لتبدأ مرحلة جديدة في حياته، ويتعلم من أخطائه كيف يتصرّف مستقبلا.

وبالتالي فالتوقف عند حدود الخطيئة لا ينسجم مع مفهوم الخلافة. إذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة. والخليفة هو آدم الإنسان، بكل ما تعنيه كلمة إنسان، واستعداده الفطري لعمل الخير والشر (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). فالخليفة لا يتعالى على شرطه الإنساني، ولا تضر بصدقيته الخطيئة، ولن تكون هي المقصودة في الآية، لأنها بصدد بيان كيفية ممارسة حريته وإرادته كشرط أساس لصدقية مفهوم الخلافة الأرضية. فهو لم يستبعد من الجنة لخطيئته بل هبط إلى الأرض ليمارس دوره الخلافي، بعد خوضه تجربته الإنسانية. وبالفعل أن لازم الخروج من الجنة الهبوط إلى الأرض، ومهمة شاقة، وسيشقى فيها الإنسان: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). فالهبوط للأرض شرط خلافة الإنسان. بل ليس المقصود بالجنة جنة الخلد أو جنة أرضية، كما شغل الخطاب التراثي نفسه بها، وألف ووضع قصصا عجيبة حولها. فهي هنا تعني كمال البقعة التي استوطنها آدم وزوجه، كما هو دارج لدى الناس حينما يصفون بيتا يقولون: بيت كأنه جنة، وصف لمثاليته في خدماته وإمكانياته: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى، إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى، فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى). أي أن كل هذا مشروط بعدم المعصية، التي تعني استخدام العقل وهامش الحرية والإرادة التي هي لوازم وجودة للإنسان، فيخطئ عندما يستجيب لرغباته ونزواته.

المعرفة البشرية

ثمة بعد آخر في قصة الخلق متعلق بالمعرفة يمكن رصدها من خلال سياق حركة آدم، فتعّلم آدم للأسماء كلها، تعبير آخر عن استعداده التكويني للتعلم واكتساب المعرفة، التي هي عملية مركبة، ليست بسيطة تقف عند حدود التلقي والطاعة المطلقة. فهي تلقٍ وإدراك لمعاني الأسماء، وطريقة استخدامها، مما يتطلب تشخيص الواقع وتحديد اللفظ المناسب. أو تحديد المفهوم كصورة ذهنية وتخصيص لفظ منتزع من ذات الصورة، قياسا بغيرها من الصور الذهنية الأخرى. وهي عمليات تلقائية لا شعورية، تقف وراء معرفة الإنسان وكيفية توظيفها. وهذه هي مرحلة وعي الذات، حينما يعي الإنسان ذاته.

ليس هناك خصوصية للأسماء وما هي حقيقتها كما هو دأب العقل التراثي الذي يهتم بجزئيات لا علاقة لها بجوهر الأشياء. وكل الأسماء لا تعني بالضرورة كل مفردة من أسماء الوجود أو أسماء ما يحيطه من أشياء وصور ذهنية، بل تعني القابلية والقدرة على التحليل والتشخيص وانتزاع الصفات وتسمية الأسماء. نفهم هذا من كلمة "علّم"، ولم يقل أخبره بالأسماء كلها، فيكون دوره دورا مرآتي، يردد ما سمعه. بل كان ينبئهم بها من خلال ما أودع الله فيه من قابليات المعرفة، وتعدد الطرق لاكتسابها. والعمليات الإدراكية تعمل لا شعوريا بشكل معقد جدا، حيث تترابط المعرفة، وتنتقل من المجهول إلى المعلوم، لتبدأ مرحلة الشعور.

وأما في الجنة، فكان آدم بكامل استعداداتها الفطرية والإدراكية فعلا. إضافة إلى استعدادات كامنة بانتظار شرطها لتنتقل من القوة إلى الفعل. وهذا ما حصل بعد أن مارس آدم حريته واختار بإرادته.  فالجنة كانت مثالية في شروطها المادية، وله أن يعيش رغدا بلا عناء ومسؤولية وشقاء، كما تصف الآية. لكنها لم توفر له المعرفة التي تشبع فضوله، وتجيب على أسئلته، فالإنسان مجبول على التفكير، توّاق لمعرفة حقائق الأشياء، واكتشاف المجهول، وهي نزعة إنسانية، ساعدت على تطور الإنسان في الحياة الدنيا.

لا شك أن الجنة أدهشت آدم بتنوعها وغناها، لكنه عاش نوعا من الاغتراب بفعل النهي عن أكل الشجرة، فأراد التحرر من أسره واكتشاف الحقيقة بنفسه، فبدأ تلقائيا يدرس أطراف القضية، ويضع احتمالات ممكنة لمبررات النهي، فانتهت هواجسه / الشيطان إلى أن النهي ليس نهيا تحريميا، بل هو حرمان من تكامل بشري، قياسا على الملائكة ومكانتهم: (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى). فسقط في فخ الحيرة والامتحان. هل يلتزم بالنهي أم يأكل الثمرة ويحقق آماله في الخلد وملك لا يبلى؟. أما بالنسبة للنهي، فتقول الآية: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا). سواء كان النسيان بمعنى عدم التذكّر، أو نسى ما ينطوي عليه التحذير من تداعيات. وبما أنه في بداية المعرفة فربما كان يعرف أنها منهي عنها، لكن لا يدرك مآلات النهي حداً تنقطع معها هواجسه وشكوكه ودهشته. فلجأ للتجربة سبيلا لمعرفة الحقيقة، بعد أن أخبره الشيطان أو هواجسه النفسية إنه أمام شجرة الخلد. فالتجربة كانت ثاني مصادر معرفته بعد الحس. فاتخد من التجربة دليلا لمحاكمة معارفه الحسية. وبهذا يتضح دور التراكم المعرفي في تطور المعرفة لدى الإنسان، وهو درس مهم جدا في قصة الخلق. وهنا آدم لم يكتف بالمعرفة الدينية ودشن التجربة دليلا لمعرفة الحقيقة!!. والكلام حول المعرفة، لا حول الخطيئة.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com


 

 

majed algharbawi11احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

مفهوم الخلافة

ماجد الغرباوي: يقصد بالخلافة لغة: (الخلافة: النيابة عن الغير، إما لغيبة المنوب عنه، وإما لموته، وإما لعجزه، وإما لتشريف المستَخلَف، وعلى هذا الوجه الأخير استخلف الله أولياءه في الأرض). أنظر (المفردات  في غريب القرآن). ولا يختلف معناها الاصطلاحي عن المعنى اللغوي كثيرا. الخلافة: هي أن يخلف شخصٌ شخصاً آخر. يقوم مقامه ويمارس صلاحياته عند غيابه. فيكون غياب المنوب عنه شرطا عرفيا في المعنىى الاصطلاحي، لذا لا يرجع الناس للخليفة مع وجود المنوب عنه وعدم وجود مانع. أو هكذا تعارفوا عليه. بينما الغياب ليس شرطا في المعنى اللغوي، مادام يصدق على التشريف، كما بالنسبة للأنبياء.

وأما الخلافة الربانية التي تحدثت عنها الآيات، فإنها أعمق دلالة من المعنيين اللغوي والاصطلاحي. لا تفويض ولا نيابة ولا حاكمية عن الله. فلا يرد كيف يكون الإنسان خليفة مع وجود الخالق أو المنوب عنه. الإنسان في الخلافة الربانية قائم بذاته، لديه استعداد فطري لعمل الخير والشر. الهداية والضلال. الحب والكره. وفي جميع الأحوال يتحمل مسؤولية قراراتها وتداعيات سلوكه. لذا حتى حتى من يبلغ درجات رفيعة في إيمانه، قد يتمرّد على الله، كما في قوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).

إن مفهوم الخلافة اصطلاحا يتطلب وجود: منوب عنه، خليفة، ووسط اجتماعي يمارس فيه خلافته. وعندما ينوب نائب المدير عنه، يمارس صلاحيته داخل دائرته، بعد تفويضه بذلك. أما بالنسبة للخلافة الربانية، فلم تصرّح الآيات بخلافة آدم عن الله، كي يخلفه في صلاحياته. تقول الآية (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)، فهو ليس تنصيب لمقام الخلافة بل جعل بمعنى الخلق والإنشاء، فيكون كيانا مستقلا. يمارس خلافته بمفهوم التدبير والإدارة والاستثمار والاستخلاف باستقلالية محكومة بالسنن الإلهية والكونية، ويكون مسؤولا عن سلوكه وأفعاله. فيُخلف خالقه بما وهبه من حرية وإرادة وقدرة على الخلق والإبداع، ولم يفوض له سوى الأرض وما فيها ورسم له طريق الهداية وكيفية الخلاص، ولم يخلفه بحاكميته، وهذا القدر من الصلاحيات يحتاج لجعل شرعي صريح. فالخلافة الربانية فعل متحرك وجهد مضنٍ، خلاصته أن يتولى الإنسان بنفسه مهمته الحياتية، وقد جسدت الآية التالية خطورة المسؤولية وعظمة تداعياتها ببلاغة مدهشة، حينما صورت حالة الخوف من مسؤولياتها عندما عرضت على السماوات والأرض، بينما تصدى لها الإنسان ارتكازا لمقوماته الفعلية: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)، (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ). فهي اختبار عسير متواصل، أشفقت من مسؤوليتها الكائنات. وهو تعبير رمزي. لكن الإنسان كان الأجدر بها، وتحمّل مسؤوليتها، لسر كامن فيه، هو عقله وقدرته علة مقاومة تحديات الخلافة. وهو الأقدر على استتباب الأمن والاستقرار وقيام العدل حينما يلتزم بقيمه الدينية التي هي قيم إنسانية أساسا، ويتخلى عن نوازعه الشريرة: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)، ولا يخفى رمزية الآية وهي تؤكد على العدل قيمة أساسية مقومة للحياة السوية، مبدأ في الحكم لتفادي ظلم الناس. وبهذا يتضح معنى آية: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، وقد سبق بيانها تفصيلا. ينبغي أن تفهم في إطار فلسفة الخلق ودور الإنسان في الحياة. فالعبادة هنا لا تعني حرفية المفهوم، ولا تعني فقط المعرفة كما جاء في بعض التفاسير، بل تعني ما هو أعمق، أن ينتظم الإنسان ضمن قوانين الكون وسنن الخلق، والتي منها استثمار قدراته العقلية لفعل الخير (فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ) شرطا لخلافته واستمراره. فالخلافة التي تعني في بعض أبعادها الحضارة، هي تفاعل مستمر بين الإنسان والطبيعة. فيراكم من خلال تجاربه ما يقوم بناءه الفكري وأسسه الفلسفية، ويوظف معطيات العلوم لخدمة مجتمعه.

فالخلافة الربانية خلافة متقومة بالعقل، وهو تجلٍ للعقل الكلي / الله.وما برر صدقية مفهوم الخلافة عليه وجود مشابهة بين المخلوق وخالقه في العقل والتعقل والحرية والإرادة والقدرة على اتخاذ القرار والخلق والإبداع. وهذا لا علاقة له بمفهومها اصطلاحا، والذي لازمه أن يقوم الخليفة / آدم / الإنسان مقام الله تشريفا أو عند غيبته، كما هي آراء بعض المفسرين، وجعلوا الحاكمية أحد مهمامه، لكنهم خصوها بنفر من الاصفياء. أما الآيات فكان تعبيرها دقيقا، ولم تنسب الخلافة لله، وإن كانت بإرادته وجعله، فجاءت بمعنى الخلق: إني جاعل في الارض خليفة. ولم يقل خليفة عني، ولم يقل لقد خولتك صلاحياتي وحاكميتي، لكني خلقتك تشابهني بصفات تقوم بها خلافتك (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ). وآية ثانية: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً). فالخلافة تشبيه، باعتبار نفحة الحق، ومن روح الله، ولديه مهمة وجودية، لذا شاءت القدرة الإلهية تهيئة الحياة الدنيا بكل ما يحتاجه الإنسان: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). وترك للإنسان حرية الحركة واتخاذ القرار، وهديا من الدين والفطرة والعقل، كما تؤمن النظرية الدينية. أو بهدى من العقل كما تذهب لذلك النظريات الوضعية. فالنظرية الدينية تؤسس بعدا ميتافيزيقيا لخلافة الإنسان، يرتهن له مصيره وخلاصه.

وعليه فالخلافة في بعدها الآخر، تعني الكائن البشري المؤهل لاستخلاف الأرض واعمارها، من خلال ما استودع الله فيه من قابليات وعقل جبار، مجبول على الإبداع والعطاء. فمفهوم الخليفة في الآيات يساوق مفهوم الإنسان، وكأن الآية تقول "إني جاعل في الأرض إنسانا"، وإنما اكتسب صفة الخلافة في قدرته على التصرّف: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ). وبالفعل عاشت البشرية أمة واحدة قبل إرسال الأنبياء، كانوا يتصرفون من وحي فطرتهم وعقلهم، حتى راكموا خبرة حياتية كبيرة، بلغوا بها مرحلة الاختلاف فيما بينهم. فالاختلاف من زاوية يعتبر نضوجا عقليا، دالا على حيوية العقل وقدرته على التطور والتشخيص ومن ثم الاختلاف: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ). فالاختلاف وتعدد الآراء، يضع الإنسان في معرض الاستغلال بسبب تفاوت الوعي، وحينئذٍ لا بد من الإرشاد والتوجيه للحيلولة دون استغلاله وظلمه. فالإنسان ليس كالملائكة، التي يقتصر دورها على تنفيذ الأوامر الإلهية، باعتبارها مجبولة على الطاعة (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)، لذا كان اعتراضهم المقدر: (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ). فالحياة الدنيا تحتاج إلى عقل أولاً وبالذات، والإيمان صفة شخصية، يكتسبها الإنسان بعقله، ثم تكرّس بالتقوى والعمل الصالح. العقل دليل الإيمان. فكانت المشيئة الإلهية بصدد مخلوق يتناسب مع مهمته الأرضية، مهمة الخلافة، مخلوق يختلف عن مخلوقاته الأخرى كالملائكة. والإنسان هو المؤهل الوحيد لها، وقد تحمّل أعباء الخلافة بعقله وحريته وإرادته. وزاوية النظر هنا تتجه للنوع الإنساني، الذي جسده آدم، فكما كان هناك إنسان ضال، هناك من تأهل للاصطفاء، كالرسل والأنبياء. لكن المهم ترى من خلال عقل الإنسان وفتوحاته المذهلة قدرة العقل الكلي / الله. فالعلم يفضي للإيمان بوجود قوة وراء الكون وعظمته، فيأتي الالتزام بأوامره ونواهيه قارب نجاة للفرد في خضم الحياة وتناقضاتها. لذا يعتبر الخطاب الديني الخلافة خلافة عن الله لتطبيق أحكامه والالتزام بقضائه وتنفيذ أوامره. وهذا ليس تمام ملاك الخلافة كما تقدم، فثمة فترة زمنية عاش الإنسان لوحده، وكان الناس أمة واحدة، لم يصفها بشيء، حتى وقع الاختلاف وبعث الأنبياء.

الإنسان الوارث

في موازاة آيات الخلافة الربانية تحدد آيات أخرى مصير الخلافة الربانية، بمعنى الاستخلاف وورثة الأرض، وتقرر حتمية تاريخية، أو بالتعبير القرآني "سنة إلهية"، وهي مجموعة قوانين وصفها القرآن بأنها: (سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً)، كقوله: (َوأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا). فثمة شرط، يغدو المشروط فعليا بفعليته. فالاستقام وفقا لهذه السنة الإلهية شرط لوفرة الماء. وإنما نقول إلهية لأنها تتقوم بالإيمان الذي يربط كل شيء بالله. وفي موازاة السنن الإلهية هناك القضاء والقدر، وقد قدر الله أن يرث الصالحون الأرض: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ). فثمة سنة إلهية يستبطنها النص القرآني تربط مصير وراثة الأرض بوجود عباد صالحين، وليس خصوص المؤمنين. وفي هذا المورد خصوصا يراد بالصلاح، إعمار الأرض وتسخيرها لخدمة البشرية. وهذا لا يمنع وجود مصاديق أخرى للمفهوم فهو مشترك لفظي: كإصلاح النفس، وإصلاح المجتمع إلى غير ذلك. فالآية ناظرة إلى خلافة الإنسان بما هو إنسان، وهو مقتضى سياقها. إذ لم تشترط سوى "الصلاح" في وراثة الأرض. وصلاحها اعمارها وفق سنن الكون والعقل، بما يخدم البشرية، بالعدل والإحسان، بعيدا عن الظم والجور. وهي المهمة التي خُلق لأجلها الإنسان.

في مقابل آية: (وَعَدَ اللّه الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ). الناظرة إلى خلافة خصوص المؤمنين، وشرطها الإيمان والعمل الصالح، لا فقط الصلاح. فقد يصلح الإنسان الأرض لكنه لا يعمل صالحا بالمعنى الأخص، وهو إتيان الطاعة بداعي "القربة لله" أو "التقرب لله تعالى". فثمة خصوصية في الآية الثانية، تشي بمهمة تتعلق بالرسل والأنبياء، وهي مهمة الهداية والقيام بالعدل والقسط. فالآية الأولى قضاء إلهي، هبط بموجبه الإنسان إلى الأرض ومارس خلافته فعلا، شريطة الاصلاح لديمومتها واستمرارها. أما الآية الثانية فمصاديقها استخلاف الأنبياء والرسل: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض. وقد تحققت مع كل مع الرسل والأنبياء، وتتحقق عندما تتوفر شروطها، ومهمة هذا النوع من الاستخلاف ليس الحاكمية الإلهية التي هي ولاية حصرا له، بل وضحتها آية: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بالعدل.

لقد تناولت الآية الأولى في كتاب مدارات عقائدية ساخنة، أجد من المناسب إعادة بعض فقراتها بما يناسب المقام، وكان الحديث حول حصر مصداق الآية بالمهدي المنتظر وفقا للنظرية الشيعية، غير أن البحث بعد النقد والتحقيق انتهى لأمر آخر:

ليس لآية (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)، علاقة بموضوع المهدي وظهوره، لتعدد مفهوم الإصلاح وتعدد أبعاده ودلالاته من خلال سياق الآيات. فالإصلاح هنا ناظر للأرض بجميع أبعادها بقرينة: (يرثها، والأرض، وعبادي الصالحون). فشرط وراثتها إصلاحها، والاصلاح مساوق للاعمار، واستثمار خيراتها وطاقاتها. ولا مانع من وجود شرط الاستقامة في الوراثة الخاصة. فالآية الكريمة تفترض وجود مصلح يرث الأرض ويستعمرها. والإنسان الصالح من دأب على فعل الأعمال الصالحة، وهي غير محصورة بالعبادات، بل تشمل كل عمل فيه صلاح للنفس والناس والمجتمع، فتجد مفهوم العمل الصالح في القرآن مطلقا في أغلب موارده. ومعنى وراثة الأرض وفقا لهذا الفهم، القدرة على استثمارها من خلال اكتشاف قوانين الكون وتسخيرها، والاستفادة من خيراتها، فإنها ستكون دالا على وجود خالق حكيم هو الله.

إن معنى ورثتُ الشيء، أي انتقلت ملكيته لي، أو صار في ملكي وتحت تصرفي.  وهنا لا يصدق حرفيا مفهوم انتقال الملكية، لأن الأرض لا تملّك لأحد سوى الله عزوجل خالقها، فالمراد بورثة الأرض القدرة على التحكّم بها والاستفادة من خيراتها، ولا تعني خصوص السلطة والحكم كما يرى بعض المفسرين، رغم أن السلطة مشمولة بها، لكن لا دليل على الاقتصار عليها. فيرثها من كان صالحا، أي قادرا على إعمارها وإصلاحها بعد اكتشاف قوانين الطبيعة، من أجل إصلاح الحياة والإنسان والمجتمع، وهذا أحد أهداف خلق الإنسان: (أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا). وقد ورث الغرب الأرض منذ مئتي عام بعد اكتشاف قوانينها، فاستثمر خيراتها وطوّر حياته، وحققت الآية بعض مصاديقها. فالآية الكريمة لم تشترط في وراثة الأرض أن يكون الوارث مؤمنا أو مسلما أو أي صفة دينية أو روحية إنما اشترطت الصلاح. غير أن المسلمين ركزوا على السلطة، بينما الغرب راح يتفوق من خلال تجاربه وعلومه واكتشافاته وصناعاته، بعد أن أدرك أن الكون ينتظم بقوانين، واكتشافها سيساهم في استثمار الأرض وتسخيرها.

الحضارات بنيت بتراكم جهود جبارة هائلة أثبتت قدرة الإنسان بما استودع الله تعالى فيه وفي الكون من قوانين وقدرات هائلة. فكان رهانه تعالى مع الملائكة على قدرة الإنسان في خلافة الأرض وإعمارها، الذي سيفضي إلى الإيمان المطلق بخالق هذا الكون، من خلال العقل والتجربة، وهو المطلوب. وسيثبت الزمن مستقبلا مفاد الآية المباركة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً  قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). فكان سبب استغراب الملائكة زاوية النظر عندما قالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)؟. ثم احتجوا عليه: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ). فكأنهم قالوا: كيف تجعل من يسفك الدماء خليفة ونحن نسبح بحمدك؟

 وهي نظرة محدودة عندما جعلت الإيمان والتقوى ميزانا وملاكا لخلافة الأرض، من وحي وعيهم وعلمهم. فأجابهم الخالق جوابا يؤكد وجود ما لا يعلمونه: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). وهو ما تجهله الملائكة حول فلسفة الخلق ومتطلبات مهام وجود الإنسان على الأرض. فالاقتصار على البعد الإيماني كان أمرا طبيعيا يتناسب مع وعيها، فهي لا تتعقل وجود من يشارك الخالق ببعض صفاته، ولو كانت مشاركة نسبية، فهي صفات خاصة. بينما تتطلب خلافة الإنسان وجود عقل فعّال، هو مقتضى ملاكاتها، وقد أشار له تعالى في بداية محاورته حينما عبر بلفظ الخليفة، فقال: "إني جاعل في الأرض خليفة"، لكن الملائكة لم تدرك مراده. لأنها لم تعاصره، فلا تعي حقيقته وجوهره، لذا لم يتبادر لذهنهم سوى سفك الدماء. مما يؤكد بساطة وعيهم لمفهوم الإنسان. فهو وعي إجمالي لا تفصيلي، قياسا على ما هم عليه من خصائص وصفات وإمكانيات مطبوعة على الطاعة، وعندما تتمرد على إرادة الله تفسد وتسفك الدماء.  بينما أثبتت الإنسانية قدرتها على مواجهة تحديات البيئة والحياة، واستطاعت استخلاف الأرض بجدارة، وما زال الطريق أمامها للإيمان بخالق الكون عن طريق العلم وذات العقل المتمرد. ففي كل اكتشاف تزداد نسبة الإذعان لوجود خالق لهذا الكون، وهو المطلوب.

ليس بالضرورة وجود مخلوقات سابقة  قاست الملائكة فساد الخليفة / الإنسان، عليها، لكنه تعبير عن وعيها لذاتها والآخر ضمن قبليات مفاهيمية تحصر الفعل الإرادي بين الطاعة المطلقة / الملائكة (المقربون من الله). أو الفساد وسفك الدماء / غيرهم (المبعدون من الله). ولا توجد حالة ثالثة، فجوابها ثمرة وعي محدود، لا يعرف شيئا عن العقل وعن قيم ومبادئ إلهية لم تطلع عليها من قبل، فقد شاء الله بعد أن وهب الإنسان العقل أن يكون مسؤولا عن سلوكه وأفعاله، وشاءت رحمته أن يغفر له خطاياه عندما يتوب لبارئه، ويعفو عنه ليتقوم سلوكه ويواصل حياته ومسيرته الكونية.

ربما لم يقل بهذا الرأي أحد، لكنه اجتهاد شخصي واستنطاق للآيات الكريمة، فليست الأمور كما تشتهي الفرق والمذاهب الكلامية بل هناك قرآن وعقل، هما المحددان الأساسيان في صياغة أية عقيدة دينية، وأي خروج عليهما لا قيمة له مهما كان عدد الروايات والأخبار، بعد تعمد المسلمين الكذب على الله ورسوله. وقد كذبوا على النبي الكريم في كل شيء، وما من فكرة أو عقيدة أو فضيلة، إلاّ وادعوا وجود روايات وأخبار عن الرسول الكريم كذبا وافتراء. محمد بن عبد الله هو الصادق الأمين، وهو المؤتمن على القرآن والرسالة والوحي، وهو الأعرف بكتاب الله وآياته، فكيف يقول ما يعارض الكتاب الكريم والعقل؟ هذا مستحيل، بعد أن وصفه القرآن بالأمانة والصدق وحسن العقل، وقد أدى رسالته بنجاح كبير. (ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين ...).

رؤية مفهومية

خلاصة ما تقدم، ليس في مفهوم الخلافة الربانية سلب لإرادة الإنسان. ولم يكن مجبرا، سوى ما تفرضه القوانين الكونية باعتباره بشرا محكوما بها، فيخضع للجبر التكويني بفعل قوانين الكون، وهذا خارج عن إرادته. ولا يصدق السلب على التفويض، حيث فوض الله للإنسان حريته وإرادته وجعلهما لوازم لوجوده من وحي عقله وقدرته على التحكم بسلوكه، فيكون مسؤولا أمام اختياراته. وعلى هذا الأساس يمارس الفرد حريته. وحينما يلتزم بشريعة السماء أو يتمرد عليها يفعل ذلك بكامل إرادته. والكلام حول حقيقة الفعل وليس التمظهر الخارجي، فقد يجبر الإنسان على سلوك لا يؤمن به خوفا من سلطة الدول أو المجتمع. (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). وعلى العكس فإن مفهوم الخلافة الاصطلاحية خلافة مقيّدة بحدود التفويض والصلاحيات الممنوحه له من قبل المنوب عنه. فيتضمن المفهوم السلب. وهذا لا تجده في الخلافة الربانية لأنها تعني تفويضا للإنسان بوراثة الأرض وتشييد حضارته بفعل قدراته العقلية، المقوم الذاتي للإنسان، وهو الفصل المميز في الحد التام منطقيا. فالتفويض يتمثل بالعقل. وكان العقل شرطا لوراثة الأرض، ومن يتخلى عن عقله، يتحمل وزر عمله، فكانت آخر وصية للخالق قبل هبوط آدم للأرض: (ُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). فالقيود والسلب شرط الإيمان. فمن يؤمن بشريعة السماء يتقيد بتعاليمها، وهذا شرط في العقد. ويكون بإرادة الإنسان. وجميع هذه التصورات أطرحها ضمن نظرية الخلافة أو نظرية الإنسان التي أسعى دائما لتأصيلها، وقد كتبت عنها كثيرا. في مقابل نظرية العبودية التي أنهكت الإنسان فقهيا وعباديا. الأولى تحرير للوعي، والثانية تكريس الوعي السلبي.

يأتي الحديث في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 


 

majed algharbaw10

احمد مانع الركابيالمثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (150):  فلسفة الخلق

خاص بالمثقف: الحلقة الخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: احمد مانع الركابي. 

احمد مانع الركابي: مدرس وشاعر / العراق: الأستاذ الفاضل ماجد الغرباوي، حين قرأت الحلقة (79) الفقيه ومنطق العبودية، وجدت فكرا قيمته الوعي والإخلاص لكسر قيود الجمود الفكري وتحفيز العقل للحركة بخطى التجديد الفكري. فدارت في مخيلتي عدة أسئلة أود أن أبدأها بسؤال حول العبودية وفلسفة خلق الإنسان، وهذه الأسئلة تشكل هاجسا وجوديا طالما تناوله العقل الجمعي، وأوجد لها فلسفات عدّة، وهنا أحببت أن أطرحها على جنابكم الكريم لبيان وجهة نظركم:

فلسفة الخلق

س137: احمد مانع الركابي: ماهي وجهة نظركم لخلافة الإنسان للأرض؟ حيث أن المعنى اللغوي للخليفة، هو أن يخلف شخص شخصا آخر في حال غيابه، مع العلم أنّ الله سبحانهُ وتعالى موجود وحاضر!؟.

ج137: ماجد الغرباوي: أرحب بالأخ الأستاذ الشاعر القدير احمد مانع الركابي، وأشكره على تفاعله وأسئلته المهمة.

الحديث عن الإنسان تارة يكون عن أصله ومنشأ وجوده. وأخرى يُقتصر الكلام على فلسفة خلقه، وبيان هدفه في الحياة الدنيا، باعتباره كائنا بشريا تميّز بعقله وقدرته على تطوير حياته. أو بامتيازه بعقل خلاق مبدع. فتكون الحرية والإرادة والمساواة لوزم وجودية في ضوئها يواصل مسيرته، ويرسم هدفه.

أما بالنسبة للأول، فثمة اختلاف بين النظريتين الدينية والوضعية حول أصل الإنسان. الثانية "نظرية التطور" تعتقد أن أصل الإنسان من القرد (دارون). وثمة من يعتقد بانحدارهما من أسلاف سابقة.

 في مقابل النظرية الدينية التي تؤكد استقلالية البشر في أصله الترابي (الكتب المقدسة): وجاء في القرآن: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ)، فكان آدم وكانت حواء، ثم تناسلت البشرية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً). وتحري هذا البعد خارج عن موضوع السؤال.

النظرية الوضعية

وأما البعد الثاني: "فلسفة الخلق وهدف الإنسان في الحياة"، فإن النظرية الوضعية لا تؤمن بما وراء الطبيعة. أو تؤمن لكن ترى أن أصل الإنسان حيوان، وثمة ثالث يعتقد بوجود خالق يختلف عن إله الأديان، فيكون الإنسان مسؤولا عن مصيره (سبينوزا). لا يرهن وجوده لوصايا فوقيه أو ميتافيزيقية. ولا أولوية سوى أولوية مصالحه، وليست هناك فلسفة محددة وراء خلقه، وهناك عوامل عدة تتحكم بمصيره، ليس الدين أحدها، حتى وإن كان مؤمنا بوجود خالق. وكان قدر الإنسان أن يجد نفسه محاطا بالحياة وتحدياتها، فانطلق بدوافع حب الذات لتأمين أمنه وسلامته ومواصلة حياته، عبر مراحل تاريخية معروفة، بدأت بالمرحلة البدائية والآن يخوض الإنسان فتوحات علمية وتكنلوجية مهولة. وقد سنَّ أنظمة سياسية واقتصادية وتعليمية تكفل سعادته، حينما تستوفي شروطها. وتصدى بنفسه أيضا لتشريع قوانين يعتقد أنها تضمن آمنه واستقراره، من وحي تجاربه، ومحاولاته الجادة لفهم ما يدور حوله، بعد أن جرّب الأنظمة الدينية ردحاً طويلا من الزمن. فانتهى إلى فصل الدين عن السياسة، واعتباره أمرا شخصيا، لا علاقة له بالحياة.

وبالتالي فهذه النظرية لا تؤمن بالخلاص الأخروي، ولا ترهن مصير الفرد لعالم ميتافيزيقي. ترفض سلطة المؤسسات الدينية، وتؤمن بمركزية الإنسان وقدرته على اتخاذ القرارات الصائبة كي يواصل المجتمع مسيرته، ثم تنتهي حياته بالموت، كقدر محتوم على البشرية جمعاء. وبهذا أوصدت الثقافة العلمانية الباب أمام وصايا رجل الدين، وأية وساطة يدعيها بين الإنسان وربه، وتركت الفرد يواجه مصيره بنفسه، اعتمادا على عقله وتجاربه العلمية، لا تثنيه المقولات الدينية عن مواصلة اكتشافاته وفتوحاته المعرفية. ومن ثم طوّر مناهجه ونظرياته، وغدا الغرب الذي يتبنى النظريات الوضعية نموذجا للرقي الحضاري، من خلال تكريس ثقافة التسامح، والاعتراف الحقيقي بالآخر وحقه في الحياة وممارسة حرياته بما فيه الحريات الدينية.

وهناك من فسّر التاريخ تفسيرا ماديا بعد اكتشافه لقوانينه (ماركس)، الذي يعتقد ثمة صراع طبقي يقود الإنسان، ووسائل انتاج تتحكم بمستقبله، وعليه المكابدة لإلغاء الملكية الشخصية التي هي سبب الصراع، وسبب تعاسته وشقائه في ظل نظام رأسمالي يتبناها ويوفر لها الحماية اللازمة. ليعيش الناس مساواة حقيقية وحياة مثالية بعد إضمحلال حب الذات!!. والنظرية مفرطة بمثاليتها. كيف يتخلى الإنسان عن نوازعه الفطرية، كحب الذات؟. ولماذا ينظر إلى بعده المادي دون بعده الروحي؟. وهناك آراء ترتهن التطور التاريخي لعوامل أخرى.

النظرية الدينية

تُقدم الأديان تفسيرا دينيا لفلسفة الخلق، وهدف الإنسان في الحياة، في إطار نظرة كونية، تؤمن بوجود خالق حكيم لهذا الكون، وتؤكد وحدته وقصديته وخضوعه لإرادة وعناية إلهية. (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا)، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ). والآية تؤكد ترابط أجزاء الكون، ترابطا عضويا، فيكون وجود الإنسان شرطا ضمن حركيته وقصديته، (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ). وهذا لا يسلب الفرد حريته واستقلاليته، ولكن يؤكد وجود دور وجودي للإنسان، ينتظم في حركة الكون، ضمن شرطه الوجودي.

وتعتقد النظرية الدينية أيضا بوجود حياة ثانية بعد الموت، يحاسب فيها الفرد عن جميع أعماله وسلوكه في الدنيا، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ). فهي فلسفة  تربط الحياة الدنيا بالآخرة، وترهن مصير الفرد أخرويا بعمله، لامتصاص تداعيات النظرة المادية للحياة، بدلا من مكافحة الملكية الشخصية وتفتيت حب الذات، الذي هو قضية مستحيلة، لأنها قضية فطرية. وبهذا الشكل يضفي الدين معنى على حياة الإنسان حينما يعده بيوم الجزاء جزاء لاستقامته ومشاركته في استباب العدالة الاجتماعية، من خلال تضحياته بجهده وماله ورغباته. فالإيمان بخلود الفرد بعد الموت، وارتهان مصير الإنسان لعمله في الدنيا، يدفعان باتجاه العمل، وتحرير النفس من اليأس والقنوط والكآبة. تضمحل في أعماقه مشاعر اللاجدوى واللامبالاة. ودائما ثمة آمل يرتهن له مصيره، فثمة حياة خالدة، هناك توفى كل نفس بما كسبت: (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). ففكرة الحياة الأخرة (إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا)، تخلق مشاعر إنسانية تحد من جشع المال والسلطة والظلم والاستبداد، ولا حاجة حينئذٍ لإلغاء حب الذات، الذي هو نازع فطري لدى الإنسان. فالنظرية الدينية تراهن على التقوى والإيمان في مقابل النظرية الماركسية التي تراهن على إلغاء حب الذات، وهو مستحيل. لذا فالأولى تؤمن بأن الصراع تاريخيا كان وما يزال صراعا فكريا – عقديا. صراع بين الحق والباطل. بين الله والطاغوت. فتجد الكتب المقدسة تتحدث عن تاريخ الرسالات، ومكابدات الأنبياء مع أقوامهم، ومشاهد انتصار الحق على الباطل، وفق ثنائية مؤمن / كافر. فالخلاص ينحصر بالإيمان بالله ورسوله وملائكته وكتبه، وتبني قيم السماء وتشريعاتها وفق نظرة كونية توحيدية. فثمة فكرة تحرك التاريخ وليس الصراع الطبقي كما تذهب لذلك النظرية المادية.

وترى النظرية الدينية ثمة فلسفة وراء خلق الإنسان: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ)، (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ)، (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ). ويراد للإنسان أن يحقق غاية الخلق، كما تبيّنها مصفوفة آيات زاخرة برمزيتها ودلالاتها التي لا تقف عند حدود الماديات، بل قد يؤثر التفسير الحرفي سلبا عليها: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ). ثم راح يستعرض قدرات وإمكانيات خليفته / آدم / الإنسان (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ). ثم طلب من الملائكة السجود لآدم (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، في إشارة بليغة جدا، إذ معنى السجود الخضوع لمبرر رمزي أو مادي، وآدم بعد أن تعلم الكلمات، التي هي تجلٍ للعقل، استحق التبجيل لا تشريفا واعتبارا فقط، بل بمعنى الإذعان للعقل وقدراته الخارقة. وقد جاء في الخبر: (لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك، بك آخذ، وبك أعطي، وعليك أثيب). وفي خبر آخر: (بك أثيب وبك أعاقب). فالإذعان للعقل ليس تشريفا بل هو حقيقة الإنسان / آدام، فسجود الملائكة يرمز للتفاعل الإيجابي مع العقل ومعطياته، في مقابل إبليس الذي تنكر للعقل: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ). فالاستكبار مكابرة من وحي غطرسته وتشبثه بأولويات لا تمت للحقيقة، لذا عبرت الآية: وكان من الكافرين. والكفر هو الإنكار والستر. هو يعرف حقيقة العقل، لكنه استعلى. فهو يرمز هنا للمغالطة، حينما رفض الإذعان للعقل. كل هذا يدل عليه، مجيء طلب السجود بعد أن أنبأهم آدم بالأسماء، فالإنباء تجلٍ للعقل الذي فرض عليهم الإذعان، بعد الاعتراف بحقيقة جديدة اسمها الإنسان العاقل، الذي يشبه العقل الكلي / الله.

وكان الحوار في جزئه الأول متقدما على الخلق الفعلي. حوار على مستوى التصور، تناول اعتراضات وإشكالات محتملة، لتعذر الحوار المباشر بين الله والملائكة، باستثناء من جوّزوا رؤية الخالق. أو أنه حوار بلسان الحال، وعلى لسان الملائكة، وكأنه حوار مباشر: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ). فكان سرّ عظمة آدم / الإنسان في عقله، وهي قدرة خارقة،  لم تألفها باقي المخلوقات باستثناء الإنسان، الذي بعقله المطلق يمكنه استخلاف الأرض وإعمارها. بل ويصدق أنه تجلٍ للعقل الكلي / الله، (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ). فهو نفحة الله، لذا لم يستعرض من أبعاد شخصيته أمام الملائكة حتى أذعنوا وسجدوا له سوى بعده العقلي. لم يشر لإيمانه، ولا لتقواه، ولا لعبادته، بل تباهى بعقله، القدرة التي تستوفي شرط الخلافة. فالإنسان نال شرفها بعقله أولا وقبل كل شيء. ويبقى العقل رهان نجاح الإنسان، حينما يرتكز له الإنسان ويتخلى عن الخرافة واللامعقول.

لقد كان قوله: (فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) مفاجئا للملائكة، فهو يعلم عجزهم عن ذلك، وقالوا: لا علم لنا إلا ما علمتنا. فلما(أَنبَأَهُمْ [آدم] بِأَسْمَآئِهِمْ)، أذعنوا لحقيقة مفادها أنهم أمام مخلوق يتمتع بعقل هو تجل للعقل الكلي / الله. فسجدوا جميعا، بمعنى الإذعان والإقرار. وبسجودهم للعقل، الذي هو تجلٍ للعقل الكلي فقد سجدوا لخالقه. ولم يسجدوا لآدم الشخص، إذ لا يجوز السجود لغير الله. وبالعقل كرّم الله الإنسان: وكرّمنا بني آدم. وعلى أساسه يثيب ويعاقب.

ثم بعد ذلك حرص الكتاب على استعراض مراحل خلقه، ليبين لنا رمزياً قيمة الحرية في صدقية فعلية إنسانية الإنسان، وإرادته التي تعبر عنها، كي لا ننسى ذلك: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ). وهي مرحلة حضانة، عبّر عنها بالجنة، في إشارة إلى مثاليتها، ليغلق الباب أمام أي مبرر مادي لارتكاب المعصية، سوى نفسه. فالجنة أو الحياة المثالية كانت أرضا خصبة لاختبار العقل، وإرادة الإنسان، وهما شرطا الخلافة، التي كانت الهدف الأساس وراء خلق الإنسان. لذا بعد (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا)، تجلت عظمة الله في خلقه، واستخدم المخلوق البشري عقله بحريته وإرادته، وتحمل مسؤولية عمله واختياره، وغدا مؤهلا للنزول للأرض، لمواجهة تحديات الواقع، والقيام بدوره المنشود: (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) لكنه  ليس هبوطا آمنا، فالعقل لا يؤدي دوره الحيوي بمعزل عن عقلانية توازن الحياة وفق مصالح مشتركة، وإرشاد رباني ينبع من فطرته أو من خلال كتبه ورسله، لذا استبقت الآية نزولهما بتوضيح: (وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ). ولم تكن الخطيئة هي التي أخرجت آدم من الجنة كما يصرّ على ذلك العقل التراثي، بل نضوجه العقلي وقدرته على مواجهة الحياة واتخاذ قراره بحرية تامة وراء ذلك، وقد تحمّل وزر عمله، فقد عصا بارادته، لذا سرعان ما تاب عليه الله: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ). بل كيف تنسجم العقوبة مع الخلافة. إذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة. والخليفة هو آدم الإنسان، بكل ما تعنيه كلمة إنسان، واستعداده الفطري لعمل الخير والشر (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). فالخليفة لا يتعالى على شرطه الإنساني، ولا تضر بصدقيته الخطيئة، ولن تكن هي المقصودة في الآية. المقصود بيان كيفية ممارسة حريته وإرادته كشرط أساس لصدقية مفهوم الخلافة الأرضية. فهو لم يستبعد من الجنة لخطيئته بل هبط إلى الأرض ليمارس دوره الخلافي.

إن آدم وزوجه قد نالا جزاءهما، حينما أخرجهما الشيطان مما "كانا فيه"، حيث كانا في بحبوبحة العصمة عن الخطأ قبل استخدامهما للعقل وممارسة حريتهما: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ)، والإخراج هنا باختيارهما، الذي تمثل بعصيان تحذير الخالق: ولا تقربا هذه الشجرة. ومهما قلنا فهي تحسب معصية، وقد تاب الله عليه بعد أن تلقى منه الكلمات وانتهى الأمر. فالخروج مما كانا فيه، ليس بالضرورة أن يكون المقصود بها الخروج من الجنة. وحتى مع هذا الاحتمال فإن المقصود بالجنة هو الحالة الملائكية والقدسية قبل اقتراف المعصية.

فالمعصية تجلٍ للحرية والإرادة شرطا الخلافة  الأرضية. وعلى أساسهما يجزى المرء على عمله وسلوكه في الحياة الدنيا. أما مسألة الهبوط في الآية فمستأنفة، لها علاقة بمسألة الخلافة، لأن الإنسان / آدم مخلوق للأرض، ويجب أن يهبط لها، وكان بانتظار نضوجه العقلي، وبالتالي فهنا مسألتان، منفصلتان. ثم بدأت حياة الإنسان الفعلية، بعد اختبار العقل والمعصية: (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.). فمصفوفة الآيات تبين بوضوح هدف خلق الإنسان، ومراحل خلقه، ومهمته في الحياة الدنيا وما هي رهاناته التي يتحدد وفقها مصيره في الدار الآخرة. وقد عبّرت الآية عن هذه المهمة بالخلافة. إني جاعل في الأرض خليفة. فالإنسان هو رهان الخالق مع ملائكته عندما احتجوا على خلافته خوفا من فساده وسفكه للدماء (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ). واحتجوا أيضا أنهم أولى بها يسبحون بحمده ويقدسونه (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ)، لكنه: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). وهو ما تجهله الملائكة حول فلسفة وجود الإنسان على الأرض ومدى قدراته وقابلياته، فاقتصر نظرها على البعد الإيماني. بينما خلافة الإنسان أبعد، وقد أشار لها تعالى في بداية محاورته حينما عبر بلفظ الخليفة، فقال: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، لكنها لم تدرك مراده. فهم لم يعاصروا الإنسان ولا يعرفون عن قدراته الخلاقة سوى سفك الدماء قياسا على تجربة سابقة أو تصور له مبرراته، بينما أثبتت الإنسانية قدرتها على مواجهة كثير من تحديات البيئة والحياة، واستطاعت استخلاف الأرض بجدارة، وقد حققت تطورا حضاريا كبيرا. وكان المؤهل الوحيد بين مخلوقاته لمهمة الخلافة، وتحمّل أعباء الرسالة الربانية: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). فالإنسان للأسف يجهل حقائق الخلق، ويظلم نفسه حينما يتخلى عن رسالته. تلك الرسالة التي عبر عنها في قوله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ). فالربوبية تشير هنا إلى منظومة القيم والمبادئ الدينية والأخلاقية النابعة من الرؤية الكونية التوحيدية. فالاشهاد إشهاد بفطرة الإنسان باعتبارها جزءا من الكون، تدور في مدارات قصديته، والدوران ضمن مساراتها التكوينية. فالآية تشير إلى لحظة الخلق ووحدة الأصل التكويني، حيث كل شيء يدل فيها على وجود قدرته المتمثل بنظام الخلق. فالإشهاد داخلي، ضمني،  نابع من صميم النفس البشرية في دورانها التكويني، لا يمكن تكذيبه، لكن قد يغفل الإنسان وينسى. والأمر دقيق ولطيف يحتاج إلى تدبر وتأمل عميق.

وبالتالي، فمفهوم الخلافة الربانية

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi10خاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على ما تبقى من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

وجوب معرفة الإمام

س136: جابر علي مرهون: ما مدى صحة الحديث القائل: (من مات ولَم يعرف إمام زمانه مات ميته جاهلية). وكيف ينسجم هذا القول مع الإمامه السياسية ووضعنا الراهن؟!

ج136: ماجد الغرباوي: ورد في المصادر الشيعية مرسلا عن الرسول: (من مات ولَم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). كما في كتاب الكافي، للشيخ الكليني، والبحار والمحاسن وغيرها. بينما ذكرت المصادر السنية أحاديث مغايرة، كحديث مسلم أن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية). وحديث: (من مات مفارقا للجماعة، مات ميتة جاهلية). والاختلاف واضح بين الحديثين، رغم تأكيد بعض الكتب الشيعية على وحدة مضمونهما وشهرتهما. مفهوم الإمامة لدى الشيعة، مفهوم عقدي، له دلالات أوسع من البيعة وشؤون الحكم، وقد انبثقت عنه منظومة مفاهيم كالعصمة، وعلم الغيب، والولاية التشريعية، وبعضهم أضاف الولاية التكوينية أيضا. بينما الروايات السنية تتحدث عن وجوب بيعة الخليفة، والتحذير من خلعها، لأسباب تتعلق بالسلطة، وضرورة حفظ النظام، وعدم وقوع الفوضى، مما يشكل قرينة لفهم حديث آخر ورد في المصادر السنية أيضا: (في كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 489: "من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية"..). فثمة اشتراك بين موضوعي الحديثين، عندما يكون الإمام في السلطة، ويفترق الحديث الشيعي، ليؤسس لنفسه منظومة مفاهيم عقدية في ضوء مجموعة أحاديث هذا أحدها. ولا يخفى أن الحديث يستبطن موقفا دينيا وسياسيا، يؤكد شرعية الإمام المعصوم، وعدم شرعية خلافة غيره في السلطة، وهو الفهم الذي تأسس عليه المفهوم كما مرَّ الكلام. وهناك رواية في كتاب الكافي: (عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية، قال: قلت: ميتة كفر؟ قال: ميتة ضلال، قلت: فمن مات اليوم وليس له أمام، فميتته ميتة جاهلية؟ فقال: نعم.). ولا يخفى دلالة الحديث على الإمامة بمفهومها الشيعي من خلال قرائنه الداخلية. الإمامة السياسية لا تقتضي كفر وضلال من خلع بيعة الخليفة. كل ما في الأمر سيكون معارضا سياسيا. أو غير مهتم بالسياسة أساسا كأغلب الناس. (أصول الكافي، ج1،ح2، ص282، طبعة: دار المرتضى)

فقه النص

لا تخفى دلالات النصوص. كلاهما تفوح منه رائحة السياسة، وتوظيف الديني لصالح السياسي. أما الرواية التي تتحدث عن البيعة، وتحذّر من خلعها، فإنها تجرّد البيعة من مضمونها الذي يعني فسخها في حالة الإخلال بشروطها. فبيعة الخليفة تعاقد على شروط ملخصها "أن يلتزم المبايع ببيعته متى ما التزم الخليفة بها، وهي أن يحكم بالحق والعدل، ولا يستأثر بالسلطة، ولا يقدّم الولاء على الكفاءة، وعدم الظلم والجور ومراعاة مصالح الناس". ولازمها فسخ العقد إن أخلَّ بالشرط. وقد ذكر الرسول شروطه عند بيعة العقبة وبيعة الرضوان، وقد بايعه الصحابة عليها. بينما الرواية تريد تمضي البيعة الشكلية التي جرت للخليفتين الأول والثاني، حيث حسمت السقيفة بيعة أبي بكر، وعيّن أبو بكر عمر خليفة من بعده. فكانت بيعة الصحابة للأول والثاني بيعة إمضاء. وهي بيعة شكلية، أَلزم الصحابي نفسه بشروط فرضت عليه، دون استشارته وأخذ رأيه، فلم تطرح خلافة للأوَلَين للتصويت المباشر، ولم يشارك الصحابة بانتخابات حرة، نزيهة، وفق شروط محددة. وكانت العملية السياسية برمتها جديدة عليهم، غير أن ثقافة المجتمع سهّلت الأمر، إذ جرت العادة، مبايعة اللاحق بعد وفاة السابق، بدون أي استشارة قبلية. فالروايات جاءت لتدارك تداعيات هشاشة البيعة، خاصة بيعة الثاني، التي كانت مرشّحة للانفجار لولا صرامة شخصية عمر وسطوته وخشونته. فجاءت الرواية لتجعل من البيعة مصدرا لشرعية الخلافة، بشكل ينتهي دور الفرد بالبيعة، وتتحول إلى عقد بين الفرد وخالقه، حتى إذا خلع بيعته "لقي الله يوم القيامة ولا حجة له"!!!، كما تقول الرواية. لكن ماذا لو خلع بيعته نتيجة لإخلال الخليفة بشروط بيعته، فهل ينتقض العقد، ويصبح من حق المتعاقد / الناخب فسخه؟. هنا الرواية لا تسمح بذلك، وتحذّر مَن "خلع يدا بايعتها"، وتعتبر ميتة من فارق الجماعة ميتة جاهلية. وهذا واضح جدا في ثنايا الروايتين: (من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية)، (من مات مفارقا للجماعة، مات ميتة جاهلية). فالرواية تقمع المعارضة وتضمن استمرار سلطة الخليفة. والإنصاف أن عمر بن الخطاب كان أعدل من الرواية، وألصق بروح العدل، فقد قام خطيبا، وطالب تقويمه بالسيف إذا انحرف عن شروط البيعة، وهي القيام بالحق وعدم استغلال المنصب. (أيها الناس من رأى فيَّ اعوجاجا فليقومه..). وعندما اعترض عليه سلمان الفارسي: (من أين لك هذا البُرد الذي ائتزرت به، وقد نالك بُرد واحد كبقية المسلمين، وأنت رجل طوال لا يكفيك بُرد واحد)، لم يغضب عمر بل نادى على  ولده ليشهد بعائدية القطعة الثانية له. وهذا هو الفهم الحقيقي للبيعة الفعلية والإيجابية. والغريب أن راوي الحديث عن الرسول هو ابن عمر!. وبالتالي الرواية تتدارك إشكالية السلطة، وعدم شرعيتها، وتريد فرضها أمرا واقعا. فعمر الذي اعتبر بيعة أبي بكر "فلتة". وأوصى: "لا تعودوا لمثلها"، يقصي شرعية خلافته عن المساءلة، فكان سكوته إمضاء لهذا اللون من البيعة بنظر التابعين ومن جاء بعدهم. ويكون الأمر أكثر وضوحا في عصر الدولتين الأموية والعباسية، حيث تجاوز الخلفاء قيم الدين، واستغلوا السلطة وثروات المسلمين، واستباحوا الدماء وهتكوا الأعراض، والتاريخ شاهد بأرقامه المرعبة. فمقتضى الروايات حرمة خلع البيعة، ومن باب أولى عدم جواز محاسبته، ووجوب طاعته مطلقا.

ولو صح صدور الرواية عن النبي فهي ناظرة لبيعة: "العقبة الاولى والثانية والرضوان"، وفق مفهومها العرفي: التزام الطرفين بمضمون العقد، وفسخه عند الإخلال بشروطه. ولا يقصد شرعنة السلطة من خلال البيعة مطلقا، حتى مع عدم وفاء الخليفة بشروطها. لان العقود عرفية، متفق عليها، وقد حث القرآن على الوفاء بها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ). وليست البيعة السياسية أول عقد كي يختلف حول مفهومه الناس. بل أن الحياة قائمة على العقود والمواثيق، خاصة آنذاك. والمسلمون أيضا يفهمون هذا المعنى من البيعة، فتخلوا عن بيعتهم وخلعوا عثمان عن الخلافة، بعد عدم وفائه بشروطها، وطالبوه بالتنازل عن الخلافة فرفض، وسعى لشرعنة خلافته خارج حدود البيعة، عندما قال: (لا أخلع قميصا سربلنيه الله)، وأيضا فشلت محاولاته، وانتهى الأمر بخلعه قتلا. السلطة بعد الرسول مثلت إشكالية، فراحت الروايات تتدارك هذه المشكلة، بروايات منسوبة للرسول، وبالتالي فالرواية تصنّف ضمن الروايات الكثيرة التي ظهرت فيما بعد لتعضيد السلطة، ونزع مشروعية المعارضة، ابتداء من السلطة الأموية، مستفيدة من سلطة النص، وهيمنة الرواية على الوعي، فما أن ينسب الحديث للرسول يمتثل المسلم تلقائياً. أو لا أقل يتوقف عن رفضه، ويخشى رده، ثم يأتي العقل الجمعي، ليسوّقه ثابتاً دينياً، فيغدو حقيقة دينية، تترتب عليها أحكام تصل حد القتل. لقد لعب النص دورا هائلا في توطيد السلطة، منذ وفاة الرسول، ومازال يلعب دورا مستقلا أو بضميمة مقدمات تمهّد لشرعيته وهيمنته.

وأما الإمامة بالمفهوم الشيعي وفق رواية: (من مات ولَم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). فلها دلالتها، التي تشترك مع الأولى عندما يكون الإمام في السلطة، وتفترق عندما يكون خارجها، بمقتضى إطلاقها، سواء كان في السلطة أم خارجها، فالحكم واحد لمن لا يعرف إمام زمانه، أن ميتته ستكون ميتة جاهلية. فالرواية تؤسس للإمامة في موازاة الخلافة، فتكون معرفة الإمام فرضا لتفادي ميتة الجاهلية، التي تسلب المرء إسلامه فضلا عن إيمانه، وتحبط أعماله، مهما كانت صالحة، بحيث تكون معرفة إمام الزمان شرطا في قبول الأعمال، وهذا أحد لوازم الرواية. بل أن ظاهر الرواية باستخدامها كلمة "معرفة"، تذهب إلى ما هو أبعد من معرفة اسم الإمام، أو الإكتفاء بكونه إماماً، وتطالب بمعرفة يعي من خلالها الفرد مدى شرعية سلطة غيره، على الصعيد السياسي. ودلالات أكبر على الصعيد العقدي، نقاربها في ضوء محددات دينية وعقلية، هي:

- إن مفهوم الإمام الوارد في الرواية مفهوم مبهم، غير معروف في زمن صدور النص (عصر الرسالة)، باستثناء دلالاته اللغوية في سياق الآيات التي ذُكر فيها لفظ الإمام. ولم تحدد الرواية معالمه وخصائصه وصفاته وآلية معرفته.

- تشتمل الرواية على بعد تشريعي، فهي تؤسس لمفهوم الإمامة، وتشرعن سلطات الإمام. والتشريع وفقا لمنهجنا مقتصر على الله تعالى، وليس لأحد أية ولاية تشريعية، كما ذكرت ذلك بأدلة مفصلة.

- إذا كان مفهوم الإمام مبهما في الرواية، فهي إما أن تحيل على الإمامة السياسية التي تعني إمامة أمور المسلمين، أو أنها تحيل على مفهوم الإمامة ضمن نسق عقدي خاص، فتكون حجة على من يؤمن به، وهم خصوص الشيعة، فلماذا نعممها لغيرهم؟. وأما إذا كانت تحيل على المعنى العرفي، فلا يعدو معناه السياسي في أحسن الأحوال. وأما دلالاته اللغوية المتداولة عندهم: الإمام من أمَّ الناس، قادهم، وتزعمهم. بينما مفهوم الإمام في الفكر الشيعي شيء مختلف وإن تضمن دلالته اللغوية.

- الإمامة اصطفاء، كما مرَّ الكلام مفصلا، ولم يتحدث القرآن عنها، سوى إشارة مجملة لإمامة إبراهيم. ولا معنى أن تحيل الرواية عليها، لأنها تتحدث عن إمامة يعيشها المسلم فعلا.

- لم يعتبر القرآن الإمامة جزءا من العقيدة، ولم يشترطها النبي على من بايعه، سوى أن يشهد المسلم بالشهادتين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. فكيف يموت المرء ميتة جاهلية إذا لم يعرف إمام زمانه؟. (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ). وكتبه لم تتحدث حولها، كما هي مفهوم ومتداول الآن.

- لم يعتبر القرآن الإمامة شرطا في قبول الأعمال، بينما تحبط أعمال العباد إذا جهلوا الإمام، ويموتون ميتة جاهلية وفقا لهذه الرواية وغيرها. "وما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار"، كما جاء في بعض الروايات.

- لو صح صدور الرواية جدلا، فهل الرواية شاملة لعصر النبي؟ فلماذا لم يشترطها الخلفاء من بعده بما فيهم علي بن أبي طالب، عندما انهال عليه الناس يبايعوه؟. ولماذا لم يتذكرها الصحابة خلال بيعة الخلفاء من بعده؟.

- تحيل الرواية الثانية، رواية عبد الله بن أبي يعفور عن الإمام الصادق، على قول للنبي لم يذكر مصدره. لكن قد تكون مسلّمة عند الإمام الصادق فتفاعل معها، وأبدى رأيه فيها: (عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية، قال: قلت: ميتة كفر؟ قال: ميتة ضلال، قلت: فمن مات اليوم وليس له أمام، فميتته ميتة جاهلية؟ فقال: نعم.). وهي تختلف مضمونا عن الروايات الشيعية التي تفتتح بعنوان "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية". رواية بن أبي يعفور تتحدث عن ارتباط فعلي بالإمام فضلا عن معرفته، فـ"من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية". وهو ارتباط أعم من الحضور والبيعة المباشرة. وقد يشمل انعقاد القلب على إمامته ولو بمعرفة اجمالية، وإلا سيهلك الشيعي قبل غيره.

الملاحظة الأساس على هذه الرواية أن عبد الله بن أبي يعفور ليس شخصية عادية ليسكت على مضمون الرواية. بل هو من كبار أصحاب الإمام الصادق، وقد انتسبت له فرقة اليعفورية، المعتدلة والعقلانية، التي تم قمعها فور ظهورها، بسب رؤيتها للإمامة والإمام. إذ الثابت تاريخيا أن عبد الله بن أبي يعفور، معروف باعتداله، ورفضه للغلو بكل تفصيلاته، ولا يزيد على بشرية الإمام وعلمه كفقيه، ومن العلماء الأبرار لآل محمد. وقد ذكرت في مناسبة، مناظرته مع المعلى بن خنيس شيخ الغلاة، بحضور الإمام الصادق وقد تعالت الأصوات والإمام يتبسّم!!، ولو لم ينحز في نهاية الأمر لعبد الله بن أبي يعفور، لكان شرخا كبيرا في صفوف أصحابه، حيث كان المعلى بن خنيس يضع الإمام موضع الرسول، ويمنحه جميع خصائصه، وكان بن أبي يعفور يرفض ذلك بقوة، ويبرهن على بشرية الإمام. (كان بن أبي يعفور يقول: "الأوصياء علماء أبرار أتقياء". وكان المعلى بن خنيس يقول: "الأوصياء أنبياء"... أنظر الكشي، ترجمة بن أبي يعفور: 125).

وفي حينها سجلت ملاحظة: كيف يجالس الإمام المعلى بن خنيس وكبار الغلاة، ويعتبرهم من كبار أصحابه، وعلى ماذا يدل هذا؟؟. وغيرها من أسئلة استفزازية. والسؤال هل يعقل عدم اعتراض عبد الله بن أبي يعفور على الرواية التي تصادر أعمال الناس مهما كانت صالحة، بسبب الإمامة التي يعلم هو والصادق أنها ليست شرطا في قبول الأعمال؟. يبدو لي أن نسبة الرواية لعبد الله بن أبي يعفور، كانت محسوبة جدا من قبل الغلاة، حيث كان أحد أساليبهم لتسويق الروايات الضعيفة، استبدال السند الضعيف بسند صحيح. كل هذا اضافة على ما يسجل على سند الروايات في باب: من مات ولم يعرف إمام زمانه. فقد ورد في سند رواية عبد الله بن أبي يعفور، "معلى بن محمد". قال عنه النجاشي: "مضطرب الحديث والمذهب"!!!. وقال الغضائري، "يُعرف حديثه ويُنكر". ولا يلتفت لتوثيق الخوئي في كتاب رجال الحديث، لانه اجتهاد عبد 1400سنة لا رواية. والنجاشي حجة في توثيق الرواة لدى الشيعة، وكتابه مدار التوثيق، بل ويقدم على غيره في حالات التعارض. ووجود راوٍ مضطرب الحديث والمذهب في قضية عقدية، يجعل منه متهماً.

دلالات ضمنية

ثمة دلالات ضمنية في رواية عبد الله بن أبي يعفور، تكشف دقة صياغتها، لتعكس اتجاها عقديا، يرتهن كل شيء للإمام. ولا ريب فالتشيع موقف سياسي، ثم غدت الإمامة محوره التي شغلت جميع المناظرات السياسية والكلامية فيما بعد. بل أن الإمامة أحد أهم إشكاليات السلطة السياسية في موازاة الخلافة. وقد اضطر الجدل المحموم حول شرعية السلطة / الخلافة / الإمامة إلى تأويل الآيات، ومن ثم التشبث بروايات الفضائل، ونسبة روايات للرسول، وعندما بدأ التأسيس للمقولات الكلامية، كانت الإمامة في صلب موضوعاتها، ابتداء من خلافة معاوية. يقول الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل: (وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُل على الإمامة في كل زمان).

لقد واكب مفهوم الإمامة كل التطورات التاريخية، وفي كل مرة يعيد تشكيل العقل الشيعي، وراحت الإمامة تفرز فِرقاً ومذاهب، اختلفت حول: شخص الإمام، قدسيته، مكانته، عصمته، علمه، شرعيته، إلوهيته، غيبته، ولايته السياسية ومن ثم الدينية، دوره السياسي والديني، وكيفية انتقال الإمامة، وماهي شروطها، وهل هي نص وتعيين أم انتخاب؟. والأكثر تعقيدا الاختلاف حول: صفات الإمام، ومدى علمه وقدراته وخوارقه، ودوره التشريعي والوجودي. فشكلت الفِرق الشيعية غالبية الفرق الإسلامية، رغم اندثار أغلبها. وبالتالي فجميع هذه الاجتهادات أثرت وتأثرت بمفهوم الإمام والإمامة. فخط الاعتدال الذي لم يرتفع بالإمام فوق بشريته، ولم يمنحه عصمة أكثر من العصمة السلوكية، ولم يشهد له بعلم الغيب والخوارق والخرافات، كان في موازاته خط الغلو الذي راح يرتفع بالإمام إلى مصاف الخالقية ويرتهن له الوجود فضلا عن التشريع، وكانت الولاية التكوينية بالنسبة لهم تحصيل حاصل. ورغم قوة رموز خط الاعتدال، وهم الفقهاء وكبار أصحاب الأئمة كـ(زارة بن أعين، محمد بن مسلم، عبد الله بن أبي يعفور ويونس بن عبد الرحمن، وغيرهم)، لكن تاريخ التشيع سار بعد الغيبة الصغرى مغاليا بشكل وآخر، وبات الخط المعتدل من الفقهاء يتكلم همسا، رغم أنهم لا يتنازلون عن عصمة الإمام وعلمه، كخط فاصل بين قدسية الإمام والإنسان العادي، وهو فارق رمزي أكثر منه حقيقيا، وقد تناولت مفهوم العصمة وبينت حقيقته، وعدم إمكانيته بذاته. غير أن الفقه الشيعي بات مرتهنا لها فلا يمكنهم التخلي عنها. فضلا عن الجانب العقدي الذي جعل من الإمامة مشروع خلاص، فيتطلب مثالية الإمام التي تتقوم بالكمال والعصمة.

وبالتالي، عندما يطالب الحديث بمعرفة الإمام لا يقصد معرفة اسمه فقط. أو معرفة مشخصاته كونه إماما ابن إمام، بل يريد خط الغلو من خلال هذا النمط من الأحاديث ارتهان كل شيء للإمامة، بما فيها، وهو الأخطر، مصيره الأخروي، الذي يخشى عليه الشخص المؤمن دائما، فيضعه في حرج، ويضطر للتنقيب عنه، حتى يتلبّس قداسته، وتغدو المفاهيم حقائق في مخياله. فرمزية الحديث أقوى من ظاهر ألفاظه. لذا بدأت الإمامة سياسية، وعندما يئس الشيعة من السلطة، بعد توالى الثورات والانتفاضات، ظهر مفهوم دولة العدل الإلهي، ودولة المهدي المنتظر، وهي دولة مثالية، محرّمة على غير الشيعة، حيث تلبي جميع رغباته وأمنياته، والتي منها الاقتصاص من خصوم أهل البيت، وبالفعل يعادون ويحاسبون ويقتلون مرات عديدة، وفق مفهوم "الرجعة"!!. وكإجراء احترازي لتدارك مفهوم الإمامة التي راحت تفقد بريقها، بل ومضمونها، بدأ التأسيس لمفهوم الولاية الدينية، ولم يعد مفهوم الإمامة مرتهنا بالسلطة، بعد ترحيل مشروعها لما بعد ظهور المهدي، وأصبح مدار الإمام ولايته الدينية، سواء كان في السلطة أو خارجها. حاضرا أم غائبا. ثم تطرف الغلاة ليقولوا بولايته التكوينية. (أنظر كتاب النص وسؤال الحقيقة).

أرى أن خط الاعتدال، خط الفقهاء من أصحاب الأئمة، هو الأقرب للواقع، وأكثر التصاقا بالدين، بعيدا عن الغلو، فينبغي إحياؤه، وتقديم فهم جديد للتشيع، واقصاء كل مفهوم يتقاطع مع الدين والعقل، رغم صعوبة المهمة، لسببين:

الأول: أن الارتفاع بقدسية الإمام إلى درجة المثل الأعلى والإنسان الكامل رسم صورة مثيولوجية ارتهن لها العقل الشيعي. فالإمام اليوم مشروع خلاص، لا يحتاج إلى أدلة وبراهين بقدر حاجته إلى إيمان نفسي، فكانت الطقوس والشعائر الخاصة وهيمنة العقل التراثي على منابر الخطابة، كفيلة بترسيخه. وهذا أحد الأسباب وراء نقد عقيدة الغلاة، فيحتاج إلى ثقافة نقدية متواصلة، تجرأ على اقتحام الأبواب الموصدة، للكشف عن حقيقة تفصيلات العقيدة، ومدى صدق ما يشاع من خوراق وقدرات فوق بشرية عنهم.

الثاني: مثّل الإمام منذ بداية الانتفضات الشيعية رمزا للعدل في مقابل ظلم السلطات، وملاذا للمحرومين في مقابل المسرفين، وأملا مستقبليا في مقابل مستبد يضطهدهم. فكان الإمام رمزا يستلهمون منه روح الثورة والفداء والاصرار على المبادئ. ويستلهمون من الحسين شهادته في سبيل الحلق، وصبره ومواصلته للثورة والفداء.

أما عن: كيف ينسجم هذا القول مع الإمامة السياسية ووضعنا الراهن، كما جاء في السؤال؟!.

بلا شك أن الإمامة السياسية راهنا، والتي تتمثل بولاية الفقيه، تتشبث بكل دليل لتعضيد متبنياتها العقدية والفقهية، لأن الولاية نيابة عامة عن المعصوم، وللولي الفقيه ذات صلاحيات الرسول كما مرَّ بنا، وأي تعزيز لمقام الإمام مهما كان مثيولوجيا يصب في صالح الولاية. لكنك عرفت قيمة الحديث متناً وسنداً، ولا يمكن الاستدلال به في المقام، غير أن لخطاب الغلو والعقل التراثي ضروراته، فيتنازل عن ضوابط صحة الحديث لغرض هدف أكبر، وهذا ما يحصل حاليا بالنسبة لأدلة ولاية الفقيه، التي "دونها خرط القتاد" كما يصف استحالتها الشيخ مرتضى الأنصاري، كبير فقهاء الشيعة وما يزال.

مرجعية الإمام

اتضح مما تقدم، كما تصدق الإمامة السياسية، تصدق الإمامة الدينية بمعناها البسيط (بيان الأحكام، وتطبيق كلياتها على مصاديقها، والدعوة إلى الله)، بعيدا عما تطرحه نظرية الإمامة الشيعية، التي تقدم تصورا للإمام يتداخل فيه اللاهوت بالناسوت، وتمتد ولايته على السياسة والتشريع والتكوين. لكن هذا لم يثبت بعد مناقشة مستفيضة لحديث الغدير. ولم نجزم بوجود نص على إمامة علي بن أبي طالب، الذي لازمه سلب شرعية خلافة الخلفاء. فعلي ترشّح للخلافة وفقا لمبدأ القرشية وكفاءته الشخصية، وهو أهل لذلك. وأما الأئمة من بعد علي فعلماء أبرار وفقا لرؤية خط الاعتدال، يتعاملون مع الأئمة بإجلال واحترام وتقدير. لا يقولون بعصمتهم ولا بولايتهم التشريعية فضلا عن التكوينية. وكانوا يجادلونهم في بعض المسائل الفقهية، ويعارضونه بوجهات نظرهم، والأدلة متعددة، ذكرت بعضها سابقا. فجميع الشواهد الموثقة تؤكد عقيدة الاعتدال الشيعي. وبالتالي فدور الإمام ينحصر بالهداية، التي يتطلبها المجتمع في كل وقت وزمان (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، وهي تارة هداية سلوكية من خلال أفعاله وتعامله مع الناس (سلوكية أخلاقية)، وأخرى من خلال علمه ومعرفته، فهم علماء أبرار، وقد اعترف لهم جميع من ذكر سيرتهم، بما فيهم مخالفيهم، خاصة الإمام الصادق، يقول: (قُلْ لِشِيعَتِنَا كُونُوا دُعَاةً إِلَيْنَا بِالْكَفِّ عَنْ مَحَارِمِ اَللَّهِ، وَ اِجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ وَاِتِّبَاعِ رِضْوَانِهِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا كَذَلِكَ كَانَ اَلنَّاسُ إِلَيْنَا مُسَارِعِينَ). (كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ لِيَرَوْا مِنْكُمُ اَلْوَرَعَ وَاَلاِجْتِهَادَ وَاَلصَّلاَةَ وَاَلْخَيْرَ فَإِنَّ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ). ولا يوجد دليل قرآني صريح يجعل ولاية على فهمه وتفسيره، بعد أن وضع مبادئ وضوابط لهما، كرد المتشابه للمحكم من  الآيات. فهو بلاغ للناس.       

لكن السؤال الإشكالي: هل يلزم من حاجة المجتمع للهداية حصرها بمجموعة أفراد هم الأئمة؟ أم هي مطلقة؟. وهل يلزم من الهداية أن تكون للهادي صفات خارقة، كالعصمة وعلم الغيب وغير ذلك؟

لا شك أن الآية مطلقة فلا يمكن حصر الهداية بالإمام. بل وتفترض تعدد الهداة استجابة لظروف الناس وحاجاتهم: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، فمهمة الرسول الكريم هي الإنذار والتبليغ، أما الهداية فلا تنحصر بشخص، ولا تختص بمصداق واحد، ولا تتوقف على وجود إمام. بل يتعدد الهداة بتعدد الأقوام، ولكل قوم هادٍ، مراعاة لظروفهم، وثقافتهم، وعاداتهم وتقاليدهم، ومستوى وعيهم. ويستحيل أن يحيط شخص واحد بظروف جميع الأقوام والمجتمعات، فالهداية متجددة بتجدد المجتمعات ووعي شعوبها، ويتجدد الهداة مع تجددها. فالآية لم تقل لكل أمة هادٍ، كي يقتصر مصداقها على واحد بعينه كما في قوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)، بل لكل قوم هاد. فالأئمة مصاديق للهداة، لكن لا يلزم منه عصمتهم، وتفرّدهم بالهداية. (أنظر كتاب: مدارات عقائدية ساخنة)

غير أن بعضا أراد الاستدلال بآية: "إنما أنت منذر ولكل قوم هادٍ"، على ضرورة وجود إمام معصوم هادٍ، حاضر أم غائب. وبهذا الشكل يكون الإمام مرجعية لفهم النص، وتحديد دلالاته، لا يمكن تجاوزه أو معارضته. وقد ذكرت أن الآية مطلقة، كما ذكرت في الحلقة السابقة، لا يمكن ربط  فهم وتفسير وبيان القرآن الذي هو نص مقدس متحرك، يواكب الحياة والرسالة بعقل زمني محدود، "السُنة أو العترة"، والقضية مرتبطة بنظام اللغة وقبليات المتلقي. الهداية تختلف عن التبليغ. وفي كل مرحلة هناك فهم للقرآن وفقا لقبليات المتلقي وظرفه وثقافته والمهيمنات الفكرية والعقدية، ولا استثناء لأحد في هذه القاعدة، بل هي طبيعة التلقي المعرفي، وارتباطه باللغة وكيفية تكوّن المعلومة.  وبهذا نفهم أن مرجعيات فهم النص تختلف عن مرجعيات العلوم الطبيعية، كما أن الحقيقة بالنسبة للعلوم الطبيعية حقيقة ثابتة، بينما الحقيقة في فهم النص حقيقة نسبية، تتأثر بقبليات المتلقي وأيديولوجيته وزاوية نظره. (أنظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة).

وبالتالي فتعدد وجهات النظر في فهم وتفسير النص مرتهنة لقبليات المتلقي وزاوية نظره، وهي تتجدد باستمرار، والمعصوم مهما قيل في قداسته، يبقى بشرا محكوما بقوانين فهم النص، فينظر للواقع، ويفهم النص وفقه. يتضح هذا  من وجود أكثر من 800 تفسير للقرآن، تتباين في بعض الآراء، ووجهات النظر رغم وحدة الروايات التي يرتكزون لها. ويكفي الاختلاف في الوضوء دليلا، وغيره من الآيات. كما يكفي وجهات النظر والاجتهادات المختلفة في فهم الآيات، فهناك تفسير ثوري للقرآن، بلاغي، لغوي، صوفي، علمي، وغير ذلك. وهنا ملاحظات:

- لا معنى للاجتهاد في مجال العلوم الطبيعية، مادامت مجموعة قوانين وقواعد علمية مرتهنة للدليل العلمي، فيكون المتخصص دالة عليها. آراؤه ملزمة ولا يمكن الاستغناء عنه. بينما الاجتهاد هو الأساس في فهم النص، فتتعدد وجهات النظر، فلا معنى لاقتصار فهم النص على مجتهد دون آخر، بما في ذلك الأئمة والصحابة والتابعين. فالحاجة للمتخصص في مجال فهم النص حاجة محدودة ومؤقتة.

- الحقائق في القضايا العلمية مطلقة، بينما الحقيقة في القضايا الميتافيزيقية نسبية، ليس لها وجود خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي، فتتأثر بقبليات الفرد وتحديات الواقع، وضرورات الزمان والمكان، فهي بحاجة إلى مرجعية متحركة تواكب العصر ومتطلبات الواقع، وهذا يؤكد الحاجة إلى تجدد مرجعيات فهم النص، عكسا للعلوم الطبيعية. (أنظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة).  

- لو كان القرآن بحاجة إلى تفسير آياته كلها، لكان النبي أولى بتفسيره، والجميع يعلم أنه لم يترك تفسيرا للكتاب، سوى بيانات بسيطة.

- لوكان النص القرآني بحاجة لتفسيرات محددة، لكان القرآن أولى  بذلك، لكنه لم يتنزل منه سوى ما موجود بين دفتيه. بل عدم ضمّ السيرة النبوية إليه يدل على وجود مغايرة جوهرية بين  آيات الكتاب وأحاديث النبي، فضلا عن غيره. مغايرة تقتضي استقلالهما. نص قرآني ثابت. وفقه متحرك تمليه حاجات الواقع وضروراته وتحدياته، وتطور مفاهيم اجتماعية وثقافية بمرور الوقت.

- القائلون بضرورة وجود مرجعية ثابتة محصورة بأئمة أهل البيت، عليهم الكف عن مقولة الإسلام صالح لكل زمان ومكان. لأن مقتضى تحديد مرجعيات فهم النص المكوث في القرون الأربعة الأولى. وللزمان والمكان أحكامهما التي تفرض على المتلقي فهما يتناسب معهما.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi9خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق14من س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الغدير والعترة

ماجد الغرباوي: تقدم أن حديث الغدير قد اشتمل على فقرتين، الأولى قول النبي: (من كنت مولاه فعلي مولاه)، والتي استدل بها الشيعة على أحقية علي بن أبي طالب بالخلافة، واعتبروا الإمامة السياسية نصا وتعيينا من قبل الله تعالى على لسان النبي، وعلى هذا الأساس قامت نظريتهم في السلطة والحكم، بعد أن حكموا بغصبية سلطة الخلفاء، غير أن سيرة علي مع الخلفاء، لا تدل على تشكيكه بشرعيتها، وكان يتعامل مع الخلافة كأي نظام شرعي ديني، يجب الدفاع عنه ومساندته، يمارس حياته اليومية كغيره من المسلمين. وقد تزوج من جواري حروبهم، وله كما لغيره حقوق من بيت المال هو وأبناؤه وعياله، فكيف يتصرف بأموال مغتصبه؟ وكيف يمارس حياة طبيعية في ظلها؟ ما يهوّن الخطب أن التراث الشيعي تراث متأخر، ونتاج فترة صراع مرير مع الأمويين والعباسيين. وقد مرَّ الحديث مفصلا عن موضوع فقرة الولاية، "من كنت مولاه فعلي مولاه". ولم يعد هناك مزيد من البحث بعد التطرق لجميع أبعادها وتفصيلاتها ومحتملاتها، وسنغادرها إلى الأبد، دون الالتفات إلى الوراء ثانية، (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ). فما لم نتخلص من سلطة التراث، سنبقي ندور في حلقة مفرغة، يتحكم بنا عقل تراثي دائري مغلق على نفسه، يجافي العقل والعقلانية، التي هي سر تقدم الأمم. ليس هناك ما يتوقف على التراث، ولم يرتهن القرآن العقل المسلم له إلا بحدود القيم الإنسانية والأخلاقية. إضافة إلى بعض تفصيلات الأحكام، ليست السلطة وشؤون الحكم من ضمنها، سوى مبادئ وقيم تضبط أداءها. وهذا لا يعني التنكر للظواهر الإيجابية، والجهود الفكرية، والمنجز العقلي لعلماء المسلمين، بل يعني الوقوف مع التراث موقفا ناقدا، يتحرى ما يعزز نهضتنا والتخلي عن مطلقاته التي ترتهن إرادتنا ووعينا.

ثانيا: العترة

الفقرة الثانية في رواية الغدير تتحدث عن العترة ودورها إلى جانب الكتاب الكريم، وهي قضية مهمة، تتوقف عليها جملة آثار تشريعية، وليس عقدية فقط. قال النبي، بعد قوله "من كنت مولاه فهذا علي مولاه": (إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله و"عترتي" أو "وسنتي"). وقد اختلفت الروايات حول هذه الفقرة بالذات،  هل المراد بعِدل الكتاب عموم سُنة النبي أم سُنة أهل البيت خاصة؟. وهل قال النبي: (إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وسنتي) أم قال: (إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي)؟. ولا يخفى الفارق وحجم الآثار المترتبة عليه. وبالتالي فكلا الفريقين  قد أهمل رواية ثالثة لم يرد فيها سوى القرآن: "إني تارك فيكم كتاب الله ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا"، كما تقدم بيانه. وهذا يدفعنا للسؤال عن إمكانية أن يكون للقرآن عِدل، تتوقف عليه حجيته، ومعرفة مقاصده. وهو سؤال يتفرع على سؤال يسبقه: هل القرآن مكتفٍ بذاته أم لا؟ وما معنى اكتمال الدين حينئذٍ في ضوء حديث العترة؟ وما هو دور السُنة النبوية في ضوئها؟.

الحديث أحد الأدلة على حجية السُنة أو حجية سُنة أهل البيت، بل وولايتهم التشريعية، كما هي النظرية الشيعية، التي تعتقد بامتداد عصر التشريع حتى نهاية الغيبة الصغرى (329 هـ)، وتتعاطى مع روايات أئمة أهل البيت بمستوى روايات النبي. وبالتالي فتتوقف على هذه الفقرة من حديث الغدير قضايا عقدية مهمة، تدعو للتمسك به والدفاع عن صحته وحجيته، مما يتطلب رؤية تأملية، لتحري دلالته، بناء كما أكدت مرارا على صحة صدور الحديث عن النبي، وأنه فعلا، صرّح بهذه المضامين. وحتى لو لم نقطع بصحة صدورها فنتناولها لقوة حضورها، وهذا يكفي وفقا للمنهج المعتمد. وينبغي التنبيه إلى وجود ثلاثة نسخ من الحديث، بعضها جعل السُنة عِدلاً للكتاب، والآخر جعل العترة عِدله. وثالث اكتفى بالقرآن!!!. ويمكن الاستعانة بقرائن الروايتين لحسم الجدل الدائر حول الصيغتين (العترة / السُنة): فهناك روايات سنية بصياغة أخرى تدعم الصيغة التي تروي خصوص العترة عِدلاً للكتاب. وهو ما تصرّ عليه الرواية الشيعية، التي اكتفت بجملة "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا". وفي رواية "فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض". وجاء في رواية الشيخ المفيد المتقدمة: فقال عليه وآله السلام: (إني قد دعيت ويوشك أن أجيب، وقد حان مني خفوف من بين أظهركم، وإني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). وصيغتها مغلقة، تحد من تأويل النص. بينما الروايات السنية أوردت الخبر بشكل آخر، وقد ذكرتها سابقا، نأخذ منها محل الشاهد:

-  (عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فينا خطيباَ، بماء يدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: «أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به». فحَثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي"..). (رواه مسلم في صحيحه (2408)، وأحمد في مسنده (19285)...). ولا يخفى اختلاف الدلالة بين قوله "إني تارك فيكم  كتاب الله وأهل بيتي"، التي تضع أهل البيت في موازاة الكتاب، ومرجعية لا يمكن تجاهلها لمن يعتقد بصحة صدور الرواية، ويعتقد بحجية قول النبي. وأما قوله "أذكركم الله في أهل بيتي"، فهي رجاء والتماس، تكشف عن هواجس تراود النبي حول مستقبل أهل بيته، وكأنه يخشى الثأر والانتقام منهم. أو استضعافهم، وهدرهم حقوقهم، فهو يوصيهم بهم بعد وفاته، فيكون مدلول الرواية احترازيا، ومن باب ذكّر إن نفعت الذكرى.

من جهة أخرى، فإن قول النبي في كما في الرواية الأخيرة: (وأهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي)، أتت منسجمة مع أسباب صدور الحديث، الواردة في الروايات السنية، والتي ربطت قول النبي "من كنت مولاه فعلي مولاه"، برواية بُريده، وموقفه التشكيكي بمصداقية علي بن أبي طالب، الذي وصل اليمن لاستيفاء خمس غنام غزوة خالد بن الوليد، فكان بُريدة حانقا عليه، يعتقد أنه أخذ أكثر من استحقاقه، وتصرف بطريقة إستعلائية بسبب قربه من الرسول. ولم يَخفِ انزعاج النبي من كلام بُريده، حينما سأله النبي: "أتكره علياً يا بُريده؟". قال نعم. قال الرسول: "لا تكرهه". وبقى ممتعضاً، حتى اعتلى المنبر وخطب بالناس، معرّفاً بمكانة علي التي مرَّ الحديث حولها. وهذه الرواية إذاً لا تتحدث عن عترة النبي باعتبارهم عِدلاً للكتاب، بل أن قوله: "الله الله في أهل بيتي"، يكشف عن قلق عميق يراوده أزاء مستقبل أهل بيته من بعده، ويخشى الانتقام منهم حقدا أو ثأرا أو حسدا، وهو يعلم أن أهل بيته الحلقة الأضعف بين بيوتات قريش. مما يؤكد أن كلام بُريدة شكل صدمة للنبي، رغم رحابة صدره، وتعامله بهدوء معه. يعلم النبي أن السلطة ستكون محورا لتقاطع الإرادات، وسببا لتحالفات قَبلية، ويعلم جيدا أن القوم  يرفضون اجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم، كما صرح بذلك فيما بعد عمر بن الخطاب للعباس بن عبد المطلب حينما عاتبه، فقال عمر: "تكره العرب اجتماع النبوة والخلافة فيكم". وهو كلام دقيق، عبر عن وجهة نظره، ولو باسم العرب. وقد أكد النبي لعمه العباس حين سأله عن مستقبلهما السياسي، هو وعلي، فكان جوابه واضحاً في حديث الرزية الرزية: حيث أجابه بصراحة: (أنتما المستضعفان بعدي). النبي يتوقع كل هذا، فهو خبير بالعرب وتوجهاتهم وتحالفاتهم، لكن يخشى الانتقام والثأر والاقصاء التام لأهل بيتهم، خاصة علي الذي تربى في مدرسته، وربما كان  يعوّل عليه فعلا للخلافة من بعده، فضلا عن أهليته للإمامة الدينية. وكل هذا يبرر للنبي قلقه، ويبرر قوله: الله الله بعترتي. وهذا يذكّرنا بقول النبي: "الله الله في الأنصار". فهو يعلم جيدا، ماذا يعني وجود قريش إلى جانب الأنصار، ويعلم أنهم سيلتفون على السلطة، ويستبعدون الأنصار، عمق النبي في المدينة، ورهانه المستقبلي. وسبق أن نزل قوله تعالى على لسان النبي: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَ). بل أكتشف من أجواء بعض الروايات حساسية قريش من النبي وآله، حتى في حياته.

من هنا نستنتج أن النبي بحكم القرائن، وفي ضوء ما تقدم من تفصيلات حول آية التبليغ ودلالات كلمة مولى، كان بصدد بيان منزلة أهل بيته، ويطالب بحمايتهم من عداء يتستر تحت غطاء الصحبة. ولم يقصد بكلامه تأسيس مرجعية موازية للكتاب الكريم، لأنه مكتف بذاته، يهدي للتي أقوم، وتبيان لكل شيء.

ولو سلّمنا أنه كان بصدد الإعلان أو  التشريع لعدِلٍ مع القرآن، أو أنه كان بصدد تأسيس مرجعية ثانية مع القرآن، سواء سُنته أو عترته، بشكل تكون صنواً للكتاب الكريم في حجيتها، وربما تتقدم عليه في حالات التعارض، ماداما على مستوى واحد من الحجية، فهنا تبرز علامات استفهام، وفقا لآرائي، التي أختلف في بعضها مع علماء الكلام والفقهاء، ولا ريب في ذلك لا ختلاف المرجعيات، وزاوية النظر ومقدمات الاستدلال.

1- يلزم من اعتبار السُنة أو العترة عِدلاً للكتاب ثبوت جعل الولاية التشريعية للنبي، فضلا عن أهل بيته، ممن يعتقدون باستمرار عصر النص إلى نهاية الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر عندهم، ولازمه حجية جميع روايات أئمة أهل البيت، متى ما استوفت شروط الحجية. وقد عرضت الأدلة القرآنية في أكثر من مناسبة، وبينت بما لا يقبل الشك، أن الولايتين التكوينية والتشريعية لله أصالة، ولم يجعلهما لأحد بنص صريح واضح لا ريب ولا شك فيه إطلاقا. وما أدلة القائلين بحجية السُنة سوى تأويلات، لا تقوى على مقاومة النقد المعرفي، خاصة أن آيات الكتاب بشأن وظيفة النبي صريحة، محكمة، يُرجع لها في فهم الآيات الملتبسة أو المتشابهة كما في المصطلح القرآني، وليس العكس كما يفعل الفقهاء!!. وبالتالي لا حجة للروايات النبوية إلا ما كان له جذر قرآني، فيكون من باب البيان، أو من باب تطبيق الكلي على مصاديقه. ومع انتفاء الولاية التشريعية للنبي فضلا عن أهل بيته وصحابته، فلا دليل على إرادة تأسيس مرجعية تشريعية ثانية مع الكتاب. وعلينا تقصي دلالات أخرى من كلام النبي في حديث الغدير.

وخلاصة ما تقدم لا يمكن الاستدلال بحديث العترة على إرادة تأسيس مرجعية ثانية مع الكتاب، سواء كانت العترة أو السُنة. ولا يمكن الاستدلال بها على حجية أي منهما. ولا يمكن رفع اليد عن أصالة الولاية التشريعية لله وحده، ولا يمكن دعوى جعلها لغيره بدون آية صريحة واضحة بينة وبالاسم، وإلا يبقى الأصل عدمها.

2- إذا كان المقصود من كلامه جعل الحجية لسيرته أو سيرته وسيرة أهل البيت، فهنا نسأل عن حدود المفاهيم؟

- ما المراد بكتاب الله في قوله: إني تارك فيكما كتب الله؟، هل قصد عموم القرآن، أم بعضه، فتكون السيرة حجة للثاني دون الأول؟ إذ أن مفهوم الكتاب في القرآن يختلف وفقا لسياق الآيات، والقرآن بعدُ لم يُجمع بين دفتين في حينه، كي يشير له بدلاً عن الكتاب!!. ولماذا عبّر بالكتاب ولم يذكر القرآن؟ ثم إن اختلاف دلالة الكتاب وفقا لسياق الآيات لا يدل على ترادفه مع لفظ القرآن.

- ما المراد بالسُنة، هل مطلق سُنة النبي أم خصوص السنن التشريعية؟. ورغم أنهم حكموا بحجية مطلق السُنة، وقد تطرف السلفيون حينما قالوا بحجيتها حتى فيما يخصه. علما أن سُنة النبي تنقسم إلى خمسة أقسام، فيها أحكام تشريعية، لبيان أحكام الشريعة وفقا لمتطلبات الزمان والمكان، فتكون حجة في موردها. وبعضها أحكام ولائية، تنتهي بموته، وهناك أحكام أخلاقية، باعتباره مثالا للأخلاق، وإنك لعلى خلق عظيم. وهناك سلوكه كبشر، يحب هذا اللون من الغذاء واللباس ويكره ذاك، وهناك أحكام قرآنية خاصة به كوجوب صلاة الليلة. فالقسم الأول هو الحجة متى كان له جذر قرآني، وفقا لرأينا في المقام. فأي أقسام السُنة هو عِدل للكتاب؟.

- عندما جعل العترة عدلاً للكتاب وفقا للرواية الشيعية، فمن هي العترة؟ هل أطلق اللفظ وأراد خصوص علي، كما هي مناسبة الحدث، وبقرينة قوله: "من كنت مولاه فعلي مولاه".؟ وهذا ممكن إذ لا معنى لإقحام غيره، ولا مناسبة لشمولها للزهراء، مهما كانت منزلتها، لأن العِدل القرآني لا يتعالى على شروطه، والزهراء غير معروفة بروايتها عن النبي. على عكس علي الذي رافقه قبل وبعد البعثة، يستمع الوحي، ويتلقى من النبي مباشرة. ولا معنى لإقحام الحسن والحسين، فكلاهما كان صغيرا، غير مكلّفٍ. والنبي لا يقحم نفسه بالقضايا المستقبلية، ويحكم بموجب ظواهر الناس، كما في حديث القضاء، وتصريحه: أنه لا يعلم الغيب، ويحكم بين المتخاصمين وفقا للبينة والشهود، وحذّر من أكل مال الناس بالباطل لهذه الأسباب لعدم علمه بالغيب. وأما غير الدائرة الخاصة من أهل بيت النبي، فلا دليل على ذلك، ولم تتطرق الروايات لهم. وغاية ما جمعته الكتب الحديثية السنية عن علي 500 رواية في القضاء، إضافة لعدد آخر. وأما الكتب الشيعية، فحديث علي قليل فيها. فكيف سرت الولاية التشريعية إلى باقي أئمة الشيعة؟ وهذا إشكال مهم، لأن حديث العترة هو عمدة الأدلة في المقام. ومع انتفائه ينتفي الدليل.

- إذا استبعدنا إرادة الولاية التشريعية من حديث العترة، واستبعدنا رواية بُريدة، تبقى أن الرواية بصدد جعل الولاية والقيمومة لعترته، الأعم من علي، على شؤون الدين والكتاب الكريم، بل راح بعضهم يستدل بهذا الحديث على عصمتهم، رغم أن مفهوم العصمة ظهر متأخرا مع هشام بن الحكم بعد سُنة 150 هـ. وهنا نسأل ما المراد بولاية وقيمومة علي. أو ما المراد بهيمنة علي على الكتاب، ومن ثم هيمنة باقي الأئمة؟ أما الشيعة فقد اعتبروا أئمة أهل البيت بما فيهم علي بن أبي طالب مرجعية نهائية لمعرفة الأحكام الشرعية وتفسير آيات الكتاب واختصاصهم بالإمامتين الدينية والسياسية. أو كما يعبرون: علي شريك القرآن. وهي دعاوى، لا تدعمها آية صريحة، سوى رغبات وتأويلات كلامية وظفت الحديث لتعزيز قبلياتهم. فهم لم يستدلوا به على آرائهم ومعتقداتهم، إذ لا دلالة له على ذلك بمفرده. غير أنهم استدلوا على ما يبغون بضميمة مقدمات كلامية أو روايات ضعيفة. ثم في مرحلة لاحقا غدا وكأنه دليل على عقيدتهم بالأئمة، والصحيح أنهم أسقطوا رغبتاهم عليه، وتم توظيفه. ولو سلّمنا جدلا بدلالة حديث العترة، فتختص بعلي أو به ومن عاصر النبي من الدائرة الخاصة لأهل بيته، لكن كيف تم تعميم هذه الأحكام لباقي الأئمة؟. الأسئلة تلاحق الباحث الموضوعي، ولا مجال للمجاملة والتحيّز هنا، فالرواية واضحة لا تتحمل أكثر من دلالتها، إلا بدليل جديد وهو مفقود بالضرورة. الروايات الضعيفة لا تعني لنا شيئا، فهي تلبي كل ما تحتاجه الفِرق والمذاهب الكلامية آنذاك، بلا وازع وخوف من الله تعالى. حيث كان الكذب على الله ورسوله أقصر الطرق لبناء العقائد، وإفحام الخصم. وهذا الاستدلال لا ينقص من شأن ومكانة وعلمية وورع علي بن أبي طالب، والكلام حول دليلية الدليل، وما يترتب عليها من نتائج ملزمة للفرد المؤمن.

- لو كان النبي بصدد تأسيس مرجعية يرتهن لها فهم الكتاب من خلال حديث العترة، فكيف يكتف برواية واحدة غير صريحة؟. أليس مقتضى خطورتها وأهميتها، أن يواصل التبليغ حولها؟. ومن باب أولى أن نقول لماذا لم يبين الكتاب الكريم ذلك، ويرتهن فهمه لهم؟. ولماذا لم يلتزم علي قبل غيره بذلك ويعلن عدم جواز الرجوع لغيره في تفسير القرآن وبيان الأحكام؟ وكيف تصدى "العبادلة" الثلاثة المعاصرون له لتفسير الكتاب وبيان الأحكام ورواية سنن النبي، وهم عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، وآثارهم تملأ التراث؟. هناك أسئلة لا يمكن القفز عليها لمجرد وجود رواية، مهما كانت صحيحة. ولا قيمة لتراث يعجز عن رد الأسئلة المطروحة.

العترة والرسالة

لا أحد يلتفت لنقطة خطيرة جدا، تنخرم معها حجية حديث العترة لو ثبت صحة صدوره تواترا كما يقولون، لأن هذا الحديث يربط القرآن الذي هو نص مقدس متحرك، يواكب الحياة والرسالة، يربط فهمه نهائيا بعقل زمني، محدود، فليس من الممكن ربط القرآن بسُنة النبي مطلقا، ولا يمكن ربطه بعقول بشرية محدودة كأهل البيت رغم جلالتهم وعلمهم وتقواهم وورعهم، لكن المسألة أعمق بكثير مما يتصورون، مادامت ترتبط بنظام اللغة والمعرفة البشرية. ففي كل مرحلة هناك فهم للقرآن وفقا لقبليات المتلقي وظرفه وثقافته والمهيمنات الفكرية والعقدية، ولا استثناء لأحد في هذه القاعدة، بل هي طبيعة التلقي المعرفي، وارتباطه باللغة وكيفية تكوّن المعلومة. فينبعي تأويل الحديث وفهمه ضمن ظرفه، وضروراته. وهذا رأي خاص يعتمد، على فهم فلسفة الدين، وعلاقته بالعقل والمعرفة البشرية، وليس بالضرورة أن يقتنع به العقل التراثي، بل يتوقف قبوله على اختراق جملة يقينيات. من هذا المنطلق تبدو مقارنة نسخ الحديث ضرورية، للتعرف على خصوصيات كل منها، ومدى توافقها مع الشرط المتقدم، فكما هناك نسخه تربط القرآن بالسُنة، وأخرى تربطه بعترتي أو أهل بيتي، هناك نسخه ثالثة، لا تخدم أحدا، تستبعد دائما. نسخه مجردة، تكتفي بالقرآن: (تركت فيكم كتاب الله ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا)، وهي النسخة التي تربط القرآن بظرفه الزماني، وبمتغيرات ضرورات الإنسان ومواكبة العصر. وهذه النسخة التي يجب التركيز عليها ودراستها. بل حتى نفس الروايات تجد الاهتمام بالقرآن مميزا، وكأن الجملة التالية، مقحمة أو منفصلة عن فقرة القرآن.

إشكالات دلالية

تقدم أن الفهم المتداول للحديث يدفعنا للسؤال عن إمكانية أن يكون للقرآن عِدل، تتوقف عليه حجيته، ومعرفة مقاصده. وهو سؤال يتفرع على سؤال يسبقه: هل القرآن مكتفٍ بذاته أم لا؟ وما معنى اكتمال الدين حينئذٍ في ضوء حديث العترة؟ وما هو دور السُنة النبوية في ضوئها؟. وقد تقدم مرارا أن آية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، تؤكد كمال الدين، وهو شامل للعقيدة والشريعة، فهو مكتفٍ بذاته، (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)، (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ). وليس في الآية إطلاق خارج حدود الدين بمعنى العقيدة والشريعة، وهو بيان لهما. ويقتصر دور النبي على ما حدده الكتاب الكريم: بشير، نذير، مبلغ، هاد، مفصل، شارح، مبين. وترك له هامشا لفهم النص وفقا لظرفه الزماني والمكاني، وما يفرضه الواقع عليه، كما في تفصيلات الصلاة. وإذا كان هناك دور بعد النبي فهو في حدود بيان الأحكام وهداية الناس لله وللدين، فينحصر بالهداية: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ). فنخلص إلى نتيجة نهائية أن وجود عِدل للقرآن غير متصور في حد ذاته، لاكتمال الدين، واكتفاء الكتاب بنفسه. فيكون الحديث مع صحة صدوره بيان أهمية الكتاب كمرجع حجة على الناس، مكتفٍ بذاته، فأغلق النبي بذلك أية ولاية تشريعية قد تُدعى من بعده، فهو حبل الله الممدود بين السماء والأرض كما جاء في النص، فيتفرّد بمرجعيته.

وعندما أوصى النبي بأهل بيته في ذات الحديث فلسببين: الأول التشكيك بمصداقية علي بن أبي طالب، وصيه ومعتمده، خضع لتربيته الخاصة، واعتنى به. كما أن الطعن بمصداقيته، مؤشر خطير حول الموقف من أهل بيته مستقبلا، مما اضطره للقول: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". فهو وصيه من بعده، وحافظ سره، وقدوة للناس في سلوكه وأخلاقه. ومن يطعن بعلي يطعن به، ومن لا يحترم علي لا يحترمه.

والسبب الثاني: دفع شبهة محتملة، لمن يعتقد بشراكة أهل البيت للنبي بنبوته، التي هي أمر ألهي، فطالبهم بموقف إيجابي منهم، وحفظ مكانتهم من بعده. ولم يفصّل القول حول دورهم. فالكتاب الكريم واضح دوره لدى المسلمين وأما دور أهل البيت فغير واضح، كي يقول تركت فيكم كتاب الله وأهل بيتي ويسكت. وكان ينبغي له أن يفصّل للناس ما هو دورهم بالضبط بالنسبة للقرآن، فالمسألة ليست مسألة عواطف، كي يتحدث بهذه اللغة، وهو أجلى مصاديق قوله: (ولا يخافون لومة لائم). لكن الرواية لم تتحدث سوى عن إشارة عابرة، وكأنها تحيل على على قضية ناجزة، مثلها مثل القرآن، وهذا منتفٍ بالضرورة، فلم يتحدث الرسول عن أي دور ديني لأهل بيته في هذا الشأن خلال حياته. ولازم الحديث نفي أي دور مرجعي لهم بموازاة الكتاب باستثناء الهداية والإمامة الدينية بمعناه البسيط، وليس بمعناها وفقا للعقيدة الشيعية. وبالتالي يكون علي وأهل بيت النبي قدوة في السلوك، ومرجعا فكريا، لكن لا بمعنى القيمومة وارتهان تفسير وفهم القرآن بهم. بل باعتبارهم علماء والأقرب لفهمه، بحكم صلتهم الرسالية بالرسول.

فالحديث بعد تحليل دلالاته، يفضي إلى عكس دعواهم. وبهذا ينتهي البحث حول حديث الغدير. وللمرة الأخيرة أؤكد أن حجية الحديث مرتهنة لصحة صدوره، وعلى هذا الأساس تمت مناقشته، إضافة إلى قوة حضوره التي تستدعي وفقا لمنهجنا دراسته وتحليل دلالته أيضا.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi8خاص بالمثقف: الحلقة السابعة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق13من س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الصحابة والشورى

ماجد الغرباوي: كما حصل في أحداث السقيفة سنة 11 هـ نزاع حول السلطة، تكرر في وقائع الشورى، مع اختلاف أطراف اللعبة السياسية باستنثاء علي بن أبي طالب، الذي أقحمه عمر بن الخطاب في الشورى إسوة بالآخرين دون استشارتهم. كما لم يكن طرفا مباشرا في أحداث السقيفة عندما حُسمت الخلافة لأبي بكر، واقتصر الأمر على الأنصار والمهاجرين.

وأيضا كما في السقيفة حدث تراشق بالألفاط بين صحابة الرسول، وتجلّت القَبلية على لسان المتحدثين بشكل واضح وصريح، حتى نسوا القيم والمبادئ الإسلامية، كما في خطاب رجل من مخزوم مع عمار بن ياسر، الصحابي الجليل الذي قال فيه رسول الله: "عمار تقتله الفئة الباغية"، حيث خاطب المخزومي عمارا: (لقد عدوت طورك يابن سمية، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها)، باعتباره أدنى نسباً، لا يحق له التدخل بشأن قريش!!. والمنطق القَبلي الذي ضبط مسار السقيفة عاد ليفرض سلطته على الشورى بشكل فاضح لا مواربة فيه.

 والأخطر من كل ذلك ضابطة عمر مع الشورى، حيث أوصى بقطع رأس من يعترض، إذا اتفق خمسة على شخص، وكذلك يقتل الإثنين إذا اتفق أربعة منهم. وهي ضابطة دموية، تفتقر لأبسط مبررات الشرعية والأخلاق. فمتى حَرَمَ الإسلام الناس حق المعارضة السياسية؟. لم يكن عمر شخصا عاديا، وكان ثاني خلفاء المسلمين، والسؤال عن شرعية قراراته سؤال عن مرجعياته التي أباحت له قرار قتل المعارض السياسي، الذي قد يُدرك أبعاد لا يدركها غيره.

 ثم أن عبد الرحمن بن عوف لعب دورا أساسا في مبايعة عثمان، أشبه بدور عمر مع أبي بكر، وقد نبّه لذلك علي حينما قال له: (والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر اليك، والله كل يوم هو في شأن). والسبب عندما تقصّى عبد الرحمن آراء الشورى بدأ بالزبير فقال له: خل ابني عبد مُناف وهذا الأمر، قال: نصيبي لعلي، وقال لسعد: أنا وأنت كلالة، فاجعل نصيبك لي فاخاتر. قال أن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان فعلي أحب إلي. فلما ضمن علي ثلاثة أصوات "الزبير وسعد وهو"، غيّر عبد الرحمن خطته، وعدل عن عدد الأصوات للمرشح، كآلية في الانتخاب لتحقيق العدالة التي هو مؤتمن عليها، وفرض مبدأ الالتزام بسيرة الشيخين أبي بكر وعمر كشرط للانتخاب. وهو مكر وخداع، خالف حتى شروط سيده عمر بن الخطاب. وهو يعلم جيدا أن عليا يرفض ذلك، فعلي أساسا تحفّظ على بيعة أبي بكرلأنه يحمل وجهة نظر أخرى، ويؤمن بمبادئ دينية وأخلاقية تحقق قدرا كبيرا من العدالة، ليس فيها محاباة قَبلية، ولا تقديم للولاء على الكفاءة. لهذا استطاع عبد الرحمن أن يضمن البيعة لعثمان الذي يمثل امتدادا لأبي بكر وعمر، وأقصى عليا، دون أن يعترض على ألية الترشيح أحد من الصحابة، سوى عمار والمقداد، مخالفا بذلك وصية عمر في إحصاء عدد الأصوات كشرط للفوز بالخلافة. ويبقى سؤال: هل شرط الالتزام بسيرة الشيخين متفق حوله مسبقا لتدارك أي موقف طارئ. أم وليد عبقرية اللعبة السياسية؟ تبقى طي الكتمان حينما استبعدتها المداولات السرية للسلطة. ولم يشترط أحد من قبل سيرة الشيخين شرطا في الخلافة، فبعد قريشية السقيفة التي أضحت شرطا في صحة الخلافة، جاء شرط سيرة الشيخين، مما يؤكد عدم وجود مرجعيات كافية لتبني نظام سياسي موحّد للمسلمين، لاكتفاء القرآن بمبادئ وقيم كفيلة بضبط الأداء السياسي على أساس قيم الحق والعدالة والعقلانية والرحمة وكرامة الإنسان، ومنع الظلم والجور والعدوان. والسبب الثاني عدم تصدي النبي لمسألة الخلافة، بما فيه حديث الغدير، وهو ما نود تحريه منذ بداية البحث. كانت السقيفة ومن ثم الشورى فرصتين كبيرتين لاختيار خليفة يتمثل قيم الدين والإنسانية، لولا المنطق القَبلي، الأبوي الذكوري الاستبدادي، الذي تعامل مع السلطة بمنطق الغنيمة التي تبرر الوسيلة والمكر والاحتيال لاحتكارها .

لكن لماذا الموقف من علي، وهو ابن عم النبي القرشي، ومن وجهاء قريش وبطونها؟. هذا ما أجاب عنه علي حينما قال: (إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها، فتقول: أن ولّي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم). (المصدر نفسه، ص81). فالمسألة واضحة، صراع عنيف حول السلطة، والملأ يدرك تماما مكانة أهل البيت، ويدرك مبدئيتهم في السلطة والحكم، وهذا يفضي إلى حرمانهم، وهم ما كادوا يصدقون عودتها إليهم بعد أن حرمهم الدين الجديد سلطانهم. وهنا نخلص إلى نتائج مهمة:

نتائج الموقف الثاني

جاء الموقف الثاني لعلي بن أبي طالب من الشورى، معزِزا لموقفه الأول، الذي يرى أولويته في الخلافة. وكشف في موقفه اللاحق عن بعد فكري وإصرار مبدئي، تعبيرا عن نضوج رسالي، بعد معاصرته لخلافتي الأول والثاني، وكان في قلب الأحداث، قريبا من دوائر القرار، وتنتهي له أخبار الطموحات السياسية والتحالفات الأسرية، لذا كان قلقا على مستقبل السلطة، تؤكده شروطه التي اشترطها على عبد الرحمن بن عوف حيث كشفت عن هاجس استغلال السلطة، وتقديم الولاء على الكفاءة بما يعرفه عن عثمان وشبكة علاقاته مع بني أمية. وبهذا استطاع علي أن يبلور اتجاها آخر في السياسة والحكم، ويرسّخ التشيّع من خلال موقفه من الشورى، وبهذا يتضح لماذا يصر عليٌ على دخول المعترك السياسي إذا كانت مهمته أن يكون قدوة في السلوك ومرجعا في الفكر. فعلي بات يحمل رسالة، كما هو واضح من شروطه، ويرى في نفسه الكفاءة. وأعني أن سلوك الإمام يقوم على مبادئ دينية وأخلاقية، ترتكز للعدالة وإنصاف الناس وعدم المحاباة، وهذا لا يكون دليلا على نقض المبدأ القَبلي، كآلية في الخلافة، والذي ارتكز له الجميع كما تقدم. ونكتفي هنا بتلخيص نتائج الشورى:

1- أسس علي بن أبي طالب عبر مواقفه لمبدأ عدم الخلاف لتفادي أي انشقاق في صفوف المسلمين، وتمزق الموقف الموحّد، خاصة الموقف من القضايا المصيرية. وهو  ما قاله صراحة في رده على عمه العباس، حينما اعترض على موافقته دخول الشورى:

 (فقال العباس لعلي: لا تدخل معهم، قال: أكره الخلاف. قال: إذا ترى ما تكره). والفارق أن منطق العباس كان منطقا سياسيا براغماتيا. وكان منطق علي منطقا مبدئيا. الأول لا يفهم المنطق المبدئي، ويحسب السياسة حساب براغماتيا. "آل البيت مقابل قريش"، وفق منطق الغنيمة. هذا ما يفهمه في ضوء قبلياته القَبلية. ولا يمكنه إدراك ما هو أبعد من الخلافة وفق منطق الغنيمة، ولا يهمه مستقبل الدين، كما يفهمه علي.

2- أفصح الإمام علي من خلال خطبه أيام الشورى عن مبادئة والخطوط العريضة للتشيّع، ولم تكن قبل ذلك معروفة وواضحة. وقد أطّرت طروحاته التشيع بإطار عقدي – فكري – سياسي، وغدت معالمه واضحة، وهذا أحد أسباب وصف التشيع بـ"الرافضة"، مادامت مبائ علي تستبطن رفض ما يتقاطع مع قيم الدين:

ا- في رواية أنه قال: (الحمد لله الذي بعث محمدا منا نبيا، وبعثه إلينا رسولا، فنحن بيت النبوة، ومعدن الحكمة، وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب، لنا حق أن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السُرى. لو عهد إلينا رسول الله عهدا لأنفذنا عهده، ولو قال لنا قولا لجادلنا عليه حتى نموت. لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق وصلة رحم .. ). (المصدر نفسه، ص83). وهنا يتحدث عما هو أبعد من العلاقات الأسرية. وقد بيّن بوضوح أنهم إضافة إلى قربهم من الرسول يتمتعون بخصائص الإيمان، وتصديق الرسالة، حدَ التضحية في سبيل الله، ولازم كلامه أن الخلافة تستدعي وجود المؤمن، المضحّي، المخلص الذي يعي معنى الدين وأهدافه المقدسة.

ب- عندما سأل عبد الرحمن بن عوف أعضاء الشورى: أيكم يخرج نفسه .. فقال القوم: قد رضينا، وعلي ساكت. فقال عبد الرحمن: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أعطني موثقا:

- لتؤثرن الحق،

- ولا تتبع الهوى،

- ولا تخص ذا رحم،

- ولا تألوا الأمة ..

ج- عندما سأل عبد الرحمن بن عوف الإمام علي في المسجد: (هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفِعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا. ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي ...). وهنا يتجلى منهج علي الذي يختلف فيه مع غيره من الصحابة، رغم اتفاق الجميع على العمل بكتاب الله وسنة نبيه، لكنه يختلف معهم في تقليد الشيخين أبي بكر وعمر. فعبد الرحمن بن عوف أراد إحراج علي (على خلفية تحفظاته القديمة حولهما)، لكنها جاءت لصالحه حيث أعلن عليٌ أمام الملأ صراحة عن مبادئه في السياسة والحكم. وأكّد أن التمسك بسيرة الشيخين لا تقع ضمن أولوياته، بل يعمل وفق اجتهاده، وفقا لمتطلبات الموقف السياسي المحكوم بظرفه، وهذا يتنافى مع تقليد سيرة الشيخين، التي هي اجتهادات محكومة بظرفها. ليس بالضرورة أن تكون لعلي تحفظات على سياسة الشيخين، لكن تقليد سيرتهما لا معنى له مع تقلبات الظرف السياسي، كما أنه يؤسس لسابقة خطيرة، تفرض السابق على اللاحق في السياسة والحكم. ثم إنه يرى صواب رأيه الذي ينطلق عن رؤية سياسية متكاملة. وقد عبّر عنها في إحدى خطبه: (اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شئ من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك. فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك. اللهم إني أول من أناب وسمع. (نهج البلاغة: 131)...). وأيضا ما جاء فيما بعد من خطب ورسائل، مازالت محفوظة في كتاب نهج البلاغة.

هذه هي مبادئ علي بن أبي طالب في السياسية والحكم عندما يقال بأفضليته. فهو يملك رؤية ونظرية تقوم على مبادئ دينية وإنسانية، قوامها العدل والانصاف وعدم تقديم الولاء على الكفاءة، بها افترق عن غيره من الصحابة، وربما لأجلها تحفّظ على بيعة أبي بكر، وقبل بالشورى، مادام يعتقد أنه الأصلح والأفضل والأقدر. وهذا لا يعني عصمته في ممارسة السلطة، وقد تصدر منه مواقف خطأ، والسياسة تعتمد على المتغيرات والمفاجآت، بعيدا عن الأخلاق والقيم عادة، وهذا ما يرفضه علي ويتمسّك بمبدئيته، مهما كانت تقلبات السياسة ومفاجآتها. وقد كلفته مبدئيته ثلاثة حروب داخلية، قوامها الصحابة والتابعين لهم، وهو أمر يؤرق الباحث عن جدوى هذا اللون من الحلول، ولماذا غابت الحلول السلمية، واختفى منطق التسامح، ليحل العنف محل المعارضة السلمية؟!!.

3- وقف إلى جانب علي كل من عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود وكلاهما صحابي جليل، دافع عن حق علي كأفضل خليفة للمسلمين، وقد طرحا مبررات الترشيح والدفاع عنه بكل وضوح. فأكدا على قربه من النبي، انسجاما مع المنطق القبلي الذي ارتكز له الجميع. وأيضا بيّنا خصائصه، كشخصية إسلامية مميزة، وكصحابي له ما يميزه من الصفات. (فقال المقداد: يا عبد الرحمن، أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون).

وبهذا استطاع علي وأصحابه أن يفصحوا عن معالم تشيّع فكري – عقائدي، عبر مواقفهم من الشورى وما أفضت له من نتائج تعمدت إقصاء علي. وهي كما ترى نتاج تربية نبوية، وممارسة سياسية وفهم حقيقي للدين في آنه. وليس للموضوع علاقة بالوصية، وأن الإمامة منصوص عليها كما يصرّ على ذلك التراث الشيعي، مما يدل على عجزه على استخدام المنطق السياسي العقلاني في الدفاع عن علي كمشروع سياسي - ديني. واصرارهم على قضايا لم يتفق عليها المسلمون. والتالي، وهذا ما يهمنا، لم ترد أية إشارة لحديث الغدير والوصية والنص على إمامته، وكان يؤكد على استقلاليته حينما رد على عبد الرحمن: (قال: اللهم لا. ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي). فهو مؤهل لها وفق المنطق السياسي، ولم يتوسل بأي نص ضدهم. ولم يؤكد التاريخ أنه حاجج القوم بوصية عن النبي. أو بحديث الغدير، ولم يدع ترشيحه من قبل النبي، وكان يظهر لهم دائما بقوة شخصيته وحضوره وسابقته.

4- ظل علي مرابطا في خندق المعارضة السلمية كمبدأ أساس في العمل السياسي، الذي أسس له في أحداث السقيفة، فالمعروف أن عليا لم يتحرك ضد بيعة أبي بكر رغم وجود ثلة من الأنصار المميزين بمكانتهم الدينية والاجتماعية، وأكتفى بالمعارضة السلمية.

5- اتضح من خلال مواقف الإمام وصحبه في الشورى حجم التطور الفكري في رسالة التشيّع، فخلال 11 عاما من أحداث السقيفة مر عليٌ بتجربة اجتماعية وقضائية أكسبته خبرة مضاعفة، ومنحته عمقا سياسيا. فهو لم يخرج تماما عن المنطق القبلي الذي تشبّث به المهاجرون في أحداث السقيفة، لكنه تريّث وتراخى رغم وجود الأنصار والدعم الكبير من قبل أهل بيته وبعض الصحابة.  وتريثه يكشف عن وجود رؤية وهدف يمضي لتحقيقه. وكان ينتظر دورا أوسع لأداء رسالته. أما خلال وقائع الشورى فقد اكتفى ببيان معالم خطه الرسالي، والمبادئ التي يؤمن بها، بعد أن يئس من الخلافة. وقد بينت خطبته الرقم (3) في كتاب نهج البلاغة المعروفة بالخطبة "الشقشقية". ولا يمكن الجزم بصحتها.

6- رغم قساوة رد العباس بن عبد المطلب حينما قال لعلي: (لم أرفعك في شيء إلا رجعت إلي مستأخرا بما أكره، أشرت عليك بعد وفاة رسول الله "ص" أن تسأله فيمن هذا الأمر، فأبيت. وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت. وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى ألا تدخل معهم فأبيت. احفظ عني واحدة: كلما عرض عليك القوم، فقل لا، إلا أن يولوك، واحذر هؤلاء الرهط، فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا، وايم الله لا يناله إلا بشر لا ينفع معه خير). وعلي لم يرد عليه، لأنه عمه وأكبر منه سنا، وله مبادئه وقناعاته في قراءة المشهد السياسي، وفهمه للأحداث، فلم يجادله. وإنما رفض البيعة لحفظ وحدة المسلمين، وعدم شق عصاهم، خاصة ومآرب أبي سفيان لا تخفى عليه. كما أن عليا كان ينتظر فرصة أكبر ودورا أوسع فلماذا يفرّط بها. وأما لماذا دخل في الشورى فقد ذكرنا أن عليا لا يحب الخلاف والفِرقة. وإنما خسر الشورى لأنها أديرت بحذاقة وتخطيط عمري يفضي إلى إقصائه، فقد أكد علي حينما قال قُرِن بي عثمان، وقال كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلا، ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف. فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان، لا يختلفون، فيوليها عبد الرحمن عثمان، أو يوليها عثمان عبد الرحمن. فلو كان الآخران معي لم ينفعاني، بله إني لا أرجو إلا أحدهما. فالقضية محسومة سلفا، ومخطط لها بدقة وفق حسابات قَبلية.

الإمامة وولاية الفقيه

بهذا نخلص إلى عدم وجود ما يؤكد أن الإمامة السياسية نص وتعيين من قبل الله تعالى، ولم تنص الروايات الواردة عن النبي صراحة بذلك، والروايات ليست بحجة، ما لم نقطع بصحة صدورها. وأن تكون الرواية متفرعة على حكم قرآني، كي تكون شارحة ومبينة، وفقا لذات المنطق القرآني، الذي حدد مهام الرسول. وقد اتضح من خلال السرد التاريخي، أن منطق الغنيمة والمبدأ القَبلي قد سادا مفاوضات السلطة بين الصحابة، وتحكّما بمفاصل النزاع حولها، باستثناء الأنصار، ممن رأوا أنفسهم خارج السلطة، تحت ضغط التوجهات القبلية المدعومة بثقافة راسخة، تقدم الولاء على الكفاءة.

وتبقى الدولة ضرورة اجتماعية، وليست دينية، بمعنى التكليف الشرعي. ولا جزءا من أصول الدين وفروعه، ولم تتطرق لها أحكام الشريعة في المدونة القرآنية. وهذا لا يمنع أن يقيم المسلمون دولتهم وفق تعاليم الدين الحنيف، لكنها ستكون دولة المسلمين أنفسهم، لا دولة دينية، ولا دولة إلهية مقدسة، ولا ولاية وقيمومة للخليفة أو الإمام، إلا ما يقتضيه منطق السلطة، وهي ولاية قانونية محدودة وليس ولاية دينية مطلقة، الراد عليهم كالراد على الله تعالى. إنما دولة بشرية تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية، فتقع تبعاتها وأخطاؤها عليهم، وهم يتحملون مسؤوليات تداعياتها. وليس للخليفة أو الإمام فيها أية ولاية، بمعنى القيمومة والسلطنة، سوى عقد البيعة وشروطها. وفي هذه الحالة تستمد السلطة شرعيتها من بيعة المسلمين. بينما على أساس الإمامة المنصوص عليها، ستكون للخليفة ولاية وقيمومة وقدسية، منها تستمد الدولة مشروعيتها، ويمثل فيها الإمام أو الخليفة سلطة الله، لا يجوز الرد عليه أو محاسبته إلى غير ذلك. والسلطة بمعنى الولاية والقيمومة هي الركيزة الأساس لنظرية ولاية الفقيه، المتفرعة عن ولاية الأئمة. وهو مبدأ ظهر حديثا، وتمسك به روح الله الموسوي الخميني، وأقام دولته، بتصور غير مألوف لدى فقهاء المذهب الشيعي. ونظرية ولاية الفقيه لا تمثل جميع فقهائهم، وبعضهم يرى "دونها خرط القَتاد" مثالا على استحالتها دينيا، رغم أنها فكّت الحصار حول السلطة التي يرى الشيعة أنها من مختصات الإمام المعصوم، وهم ينتظرون إقامة دولة العدل الإلهي على يد الإمام المهدي، ويرون: (كل راية قبل المهدي راية ضلال)، فجاء الفقيه ليمنح نفسه صلاحيات الإمام المعصوم، ويمارس السلطة بنيابة عامة وليست خاصة كما بالنسبة للسفراء الأربعة. وقد أصّلها فقهيا من خلال أدلة لا تصمد أمام النقد الفقهي، يطاردها ضعف وندرة الروايات، واختلاف موضوعاتها، كـ"مقبولة" عمر بن حنظة، عمدة الأدلة. ولو سلمنا جدا بالدليل العقلي، فلا يلزم منه نيابة الفقيه عن الإمام المعصوم، والبحث في محله. وتقدم بيان أبعادها.  يقول الخميني في جانب من كلامه حول صلاحيات الولي الفقيه: (الحكومة فرع من ولاية رسول الله المطلقة، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام، وهي مقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج. ويمكن للحكومة أن تفسخ من جانب واحد كل عقد تعاقدته مع أفراد الأمة إذا رأت في ذلك مصلحة للدولة والإسلام). وكون ولاية الفقيه فرع من ولاية رسول الله أول الكلام. وحتى لو سلمنا بولاية النبي المطلقة، فإن انتقالها إلى الفقيه يحتاج إلى نص صريح، وهو مفقود بالضرورة، كما أن مفادة ولاية المؤمنين لا تنفع وتم الحديث عنها سابقا. غير أن التصريح الأخير للسيد علي السيستاني، وهو المرجع الشيعي الكبير حاليا، مثّل قفزة كبيرة في الوعي السياسي الشيعي حينما أكد من خلال خطيب الجمعة في  مدينة كربلاء - العراق: (إن الحكومة إنما تستمد شرعيتها ـ في غير النظم الاستبدادية وما ماثلها - من الشعب، وليس هناك من يمنحها الشرعية غيره، وتتمثل إرادة الشعب في نتيجة الاقتراع السري العام إذا أُجري بصورة عادلة ونزيهة). وأكد في يوم 20 – 12- 2019م، (وقد أشرنا في خطبة سابقة أن الشعب هو مصدر السلطات ومنه تستمد شرعيتها كما ينص عليه الدستور).

حان الوقت للتخلص من الاستبداد الديني، الذي عمد الفقه السلطاني والعقيدة الشيعية، إلى شرعنته وتقديسه، وفك الارتباط بماضٍ لا يعرف شيئا عن مشكلاتنا وإشكالياتها، ولا يصلح حلا لواقعنا، مادام نتاجا لظروف مختلفة، وثقافة ترتبط بواقع مغاير. ويمكن للمسلمين الارتكاز لقيم الدين ومنظومة القيم الأخلاقية، وإقامة دولة الإنسان، بعيدا عن الاستبداد ومنطق الولاية الذي يكرّس التبعية والانقياد والعبودية ويألف لا شعوريا عبادة الأوثان.

يكفي ولاية الفقيه خطرا أنها ترتهن إرادة الفرد، وتصادر موقفه، ولو على حساب شعبه ومصالح وطنه... تحتكر الشرعية السياسية والدينة، ولازمه إدانة جميع الحكومات. وتعتبر طاعة الولي الفقيه طاعة لله ورسوله، والولاء له ولدولته واستراتيجيته واجب ومقدم على ولاء النفس والوطن. ولا يخفى حجم التزوير في هذا الفهم، فولايته مهما كان دليلها، لو سلّمنا بصحتها، لا ترقى لولاية الله ورسوله. لأن الولاء لهما ولاء للحقيقة المطلقة، وولاية الفقيه نظريه اجتهادية آمن به بعض الفقهاء، وبعض آمن بها على مضض، وألغالبية المطلقة من فقهاء الشيعة لا يؤمنون بها، فضلا عن صلاحياتها المطلقة. وهذا النوع من الولاء يشبه ولاء الحركات الإسلامية المتطرّفة التي ترى نفسها حقا مطلقا، وتفرض على الناس طاعتها والانقياد لها، مهما أسرفت بالقتل والظلم والجور!!!. إن ولع السياسة وحب السلطة، يبيحان تؤيل النصوص لصالح شرعنة سلطة الفقيه ومن يقوم مقامه بالنسبة للحركات الإسلامية. وهذا ما يحصل فعلا. قد لا تظهر تداعياته الآن، غير أن الوعي والمستقبل كفيلان بالكشف عنها مستقبلا.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com