حوار مفتــوح

majed algharbaw10خاص بالمثقف: الحلقة الأربعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة د. ثائر عبد الكريم.

 

السنة النبوية والتدوين

ماجد الغرباوي: جاء في سؤال (68) للدكتور ثائر عبد الكريم، كما مر في الحلقة السابقة: لماذا لم تُجمع (آيات القرآن والسنة النبوية) في عهد الرسول ليتأكد من كل شيء بنفسه؟  أليس (23) عاما كانت كافية جداً ليدوّن كل شيء بتفاصيله سنة بعد أخرى؟.

جرى الحديث في الحلقة السابقة عن تفاصيل رحلة جمع القرآن، منذ زمن الرسول حتى صدور النسخة الرسمية من الكتاب الكريم، بعد (25) عاما، على يد الخليفة الثالث عثمان بن عفان. وهنا سنتقصى سبب عدم جمع السنة النبوية بين دفتي مصاحف أو كتب خاصة بها في عهد النبي وباشرافه. وقبل ذلك سنتعرّف على موقفه من كتابة غير القرآن بشكل عام، وكتابة أحاديثه وأقواله بشكل خاص. وهل حقا كان يمنع صحابته من تدوين سنته؟. والمراد بالسنّة: قول النبي، وفعله، وتقريره. لكن المهم خصوص أقواله وأحاديثه التي هي توأم الكتاب المجيد.

لا شك في حرص النبي على تدوين القرآن وضبط آياته وسوره، حفاظا على قدسيته وتعاليه، ليبقى مرجعية ثابتة للعقيدة والفكر. ومعرفة الأحكام والتشريعات. ومصدر إلهام للمؤمنين في مشاعرهم وسلوكهم ومواقفهم. فالعناية بالقرآن وقداسته يساهم في تعزيز سلطته، وهي مسؤولية أساسية بالنسبة للنبي الكريم. بل أن الأسيجة القدسية، وتنزيهه من مخالطة المدنس البشري (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)، يعد بذاته هدفا أساس للدين، الذي يتقوّم بمقدساته، وفرض هيبتها وسطوتها،(وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا). المقدس رأس مال رمزي، يستمد وجوده من وجود الخالق وعظمته في خلقه. ويتقوم بنسق الخطاب وإيقاعاته، وما يَعد به من نعيم وعذاب. فتعزيز قدسية الكتاب في مخيال المؤمنين، استراتيجية لتعزيز رصيد الرأسمال الرمزي للدين: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله). لذا فرضت الآية آدابا تكرس قدسيته المقدس يتكفل بتعبئة المؤمنين نفسيا وشعوريا، فالاهتمام به وتعزيز مكانته، إحدى مهام الخطابات الدينية. فلا يسمح للعقل بمقاربة المقدس، الحقيقة المطلقة، الوجود الكلي، والعلة الأولى، لسبب ذاتي (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ). (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ)، وخشية على تفتت روح التسليم، وانهيار التقوى المتقومة بالإيمان بالغيب، الذي هو الآخر جزء من بقعة القداسة، العصي على الفهم والتفكيك. بل حتى رمزية الخطاب في بعض جوانبها تعزز قيمة المقدس بشكل لا مباشر. ويكفي في قداسة القرآن نسبته للوحي، فهو وحي إلهي منزل، يجب أن يكون بمنآى عن التحريف. فإذا كان النبي قد نهى حقا عن تدوين سنته، فقراره احترازي من أجل عدم تداخلها مع آيات الكتاب الكريم، وربما تكون سببا لتحريف بعض نصوصه، فتربك أداء القرآن. وأنت تلاحظ دوامة التفسير والتأويل لفهم مقاصده وغاياته مع سلامته من أي تحريف، فكيف مع احتمال التحريف، مهما كانت نسبته؟. فالتداخل بين نصوص الكتاب ونصوصه كارثة مرجعية لو حصل فعلا. غير أن النبي اتخذ ما يلزم لحماية القرآن ولو على حساب تدوين سنته. بل لم يقم بتفسيره، سوى اشارات وتوضيحات. وترك المسلمين يتفاعلون مع كتاب الله مباشرة. فهو خطاب وبيان لهم: (هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ). فربما يتداخل تفسيره مع نصوص الكتاب الحكيم، فتحاشاه، حفاظا عليه.

فنهي النبي عن كتابة سنته محتمل مع هذه الحيثيات، وقد أكدت بعض الروايات التاريخية نهيه عن كتابة أحاديثه وأقواله، كإجراء احترازي، للحيلولة دون تداخلها مع آيات الكتاب الحكيم (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه). ومن باب أولى عدم جمعها. فوضع حدا بين القرآني والنبوي. وبين السماوي والبشري. لذا تأخر تدوين الحديث 150 عاما، بعد أن أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بجمعها. فكانت فترة كافية، لدس آلاف الأحاديث الموضوعة. فامتلأت فيما بعد الموسوعات الحديثية بمخلتف الأحاديث، اختلط فيها الصحيح بالموضوع. وهو أحد أسباب ظهور علوم الحديث في الجرح والتعديل، للتمييز بين الصحيح والموضوع من الروايات، من خلال تشخيص عدالة أو وثاقة الرواة وعدم انقطاع سند الحديث، ومن ثم دراسة متون الأحاديث للتمييز بينها وفقا لمصطلحات دراية الحديث. لكن رغم جدية الاجراءات، بقيت الأحاديث الموضوعة تنافس الأحاديث الصحيحة في حجتها والاستدلال بها، بعد أن حكموا بصحة جميع روايات ما يُعرف بكتب الصحاح الستة عند السنة. وأيضا قال بصحة جميع روايات كتبهم الإخباريون من الشيعة. وآفة الأحاديث الموضوعة هي إحدى تداعيات عدم تدوين سنة الرسول إلا متأخرا.

لا يوجد إجماع بين المسلمين على نهي النبي عن كتابة سيرته أو نهيه عن مطلق الكتابة ما عدا كتاب الله، والمسألة خلافية، فثمة من ذهب إلى نهي الرسول عن كتابة أحاديثه وأقواله كما تقدم. وهناك من قال عكس ذلك، ونسب النهي عن كتابة سنة الرسول إلى الخليفة الأول والأكثر تشددا كما هو معروف تاريخيا عمر بن الخطاب. فمقابل روايات النهي عن كتابة الأحاديث ثمة مجموعة أخرى من الروايات تبيح الكتابة مطلقا: (.. روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش عن ذلك، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكْتُ عن الكتابة حتى ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه إلى فيه "أي فمه" فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق"..).

وهذه الرواية مدهشة وخطيرة في مضمونها، فهي تبيح كتابة كل شيء يصدر عن الرسول، القرآن وغيره. فتُعارض روايات النهي عن كتابة أحاديثه وأقواله كما في الرواية السابقة. وقد حاول بعض العلماء رفع التعارض من خلال جمعهما. فقال: النهي عن الكتابة صدر في بداية الدعوة عندما كان الإسلام ضعيفا، فكانت خطوة احترازية لحماية القرآن الكريم. ثم أباح كتابة أقواله وأحاديثه، بعد أن قويت شوكة الدين، فلا تعارض بينهما.

 وهو توجيه مقبول، لولا عبارة خطيرة في متن الرواية تقول: فنهتني قريش عن ذلك، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ !!!. وهذا ينفي صدور نهي من النبي عن كتابة أحاديثه وأقواله، ويشكك في صحة روايات النهي. وحينما نشك فيه، فالأصل عدمه. إذاً لا يوجد ما يؤكد صدور نهي رسمي عن الكتاب، فهي مباحة أساسا، سواء اهتم الرسول بذلك أم لا. فهل كانت قريش وراء روايات النهي؟ ولماذا؟.

والمقصود بقريش في زمن الرسالة خصوص القريشيين من أصحاب النبي. أي الخط الأول من الصحابة، وهذا مكمن الخطر. فهؤلاء يحظون بمكانة خاصة، ومواقفهم مؤثرة، بل ومدروسة، ومخطط لها مسبقا. فهم يعلمون أنه رسول الله، وأنه لا ينطق عن الهوى. فهل كان النبي يصرح بأشياء تقلق مستقبلهم السياسي، فيخشون تدوين أحاديثه لسلب حجيتها ومشروعيتها؟. ربما. فلا يمكننا تقصي حقائق اندثرت، وبادت بفعل طول الفترة الزمنية، وتمت كتابة التاريخ لصالح السلطة. فالتدوين مخيف، لأنه شاهد على صحة مضمون الروايات،  بينما يمكن التشكيك بالنقل الشفاهي. بل بطبيعته يتعرض للتحريف والتآكل والنسيان، والقول بالمضمون. وهذه هي نقطة ضعف النقل الشفاهي. فنبقى نحن وما تبقى من روايات تاريخية. فالرواية المتقدمة أكدت تحفظ قريش على كتابة أقوال وأحاديث الرسول، باعتباره بشرا. لكن الأحداث التالية تؤكد هدفا آخر وراء تحفظهم. فما يؤكد اصرار قريش على عدم تدوين أحاديث النبي، ثلاثة مواقف أخرى:

الأول: طلب الرسول عند مرضه: (هلم اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا). فاختلف الحضور، وكان بينهم عمر، فقال: إن النبي غلبه الوجع، فحال دون كتابة الكتاب، والحديث موثق من ثلاثة طرق.

الثاني: موقف الخليفة الأول، حيث تقول الرواية: قالت عائشة: (جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله فكانت خمسمائة حديث، فبات ليلة يتقلب كثيرا، فغمني فقلت: تتقلب لشكوى أو لشئ بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك. فجئته بها، فدعا بنار فأحرقها).

الثالث: قول الخليفة الثاني: (إني كنت أريد أن أكتب السنن وأني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، واني والله لا أشوب كتاب الله بشئ أبدا). وقوله: (جردوا القرآن، واقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله). وكان يضرب بالدرة كل من دون رواية عن الرسول، يقول أبو هريرة: (لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته).

لا نستبعد أن يكون موقف قريش المتحفظ من كتابة أحاديث وأقوال الرسول حرصا على كتاب الله، وعدم الخلط بينهما. لكنهم برروا موقفهم بأن الرسول: "بشر يتكلم في الغضب والرضا"، وهذا التبرير ربما يكون مقنعا لنا بعد قرابة قرن ونصف عن بعثة النبي، لكن كيف يكون مبررا وهم يتلون قوله تعالى: "وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى"؟ بل كيف يكون مبررا وهم يعتبرون سنته حجة، قولا وفعلا وتقريرا. ويستدلون بها في استنباط الأحكام الشرعية: "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا". "من يطع الرسول فقد أطاع الله". وكيف يكون مبررا في ظل تلك الأجواء القدسية؟.

إن صورة النبي في وعي الصحابة، صورة مثالية مقدسة، رسمها خُلقه، وسلوكه، وآيات الكتاب المجيد، فكان هو النبي والقائد والأسوة والمثل والنموذج. وكانوا يقتدون به في كل شيء، فكيف يقتدون بشخص يفقد توازنه في الغضب والرضا؟. أما هي ذريعة لوقف كتابة الأحاديث؟ علامات استفهام مشروعة.

إن قول الراوي: (فنهتني قريش عن ذلك، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا؟)، يؤكد وجود موقف آخر غير معلن من الرسول ومواقفه وقراراته، كان يتحرك خلسة، وفي الخفاء، عبّر عن نفسه بتحفظه على كتابة أحاديثه. وهي خطوة تسمح بتحريفها أو إنكارها ما دامت شفاهية ليست مدوّنة. وتسهّل عملية وضع الأحاديث ونسبتها له، وهذا ما حصل فعلا بعد وفاته، فكانت الأحاديث الموضوعة كارثة حلت بالمسلمين وما تزال تلعب دورا سلبيا في تمزيقهم.

والأغرب في الرواية موقف الرسول المتهاون معهم. فسكت مكتفيا بتشجيع الراوي على الكتاب، يقول: (فأمسكْتُ عن الكتابة حتى ذكرت ذلك لرسول الله). فالرسول تحاشى قريشا وغطرستها، وفوقيتها القبلية. فقريش هي قريش، كما كانت في مكة لا ترضى بأقل من قيادة المجتمع، فتخشى أي تصريح لا يخدم هدفها. وكل اجراءاتها احترازية، رغم عدم اهتمام النبي بموضوع القيادة السياسية. وهنا يحق لنا السؤال: هل كان القرار السياسي بيد قريش، ولو بصورة غير مباشرة؟ وهل كان النبي يخشى مواقفهم رغم إسلامهم بسبب ثقلهم القبلي؟ وأسئلة أخرى كثيرة.

في مقابل المدرسة السنية شككت المدرسة الشيعية بروايات النهي عن كتابة أحاديث الرسول، في إطار نظرية المؤامرة التي تعتمدها في تفسير موقف الصحابة من تولي الإمام علي بن أبي طالب الخلافة. حيث يعتقد الشيعة أن الإمامة نص وتعين من قبل الله تعالى على لسان النبي الكريم، الذي نص على إمامة علي ومن جاء من بعده، في أكثر من تصريح وموقف. ولهم مصادرهم التاريخية الخاصة، وما نقلته كتب أهل السنة حول الموضوع. فالنهي عن كتابة أحاديث الرسول كان يقصد به، في نظر الشيعة، الحيلولة دون انتشار فضائل علي، وما تحدث به النبي عن الإمامة بشكل عام، وإمامة علي بشكل خاص،. فالشيعة يعترفون بوجود نهي عن كتابة أحاديث الرسول، لكنهم يعتبرونها روايات موضوعة استهدفت طمس ما ذكره الرسول الكريم عن فضائل علي وأهل بيته.

بهذا يتضح أن النبي لم يحرص على كتابة سنته فضلا عن جمعها بين دفتي المصاحف والكتب، كما فعل بالنسبة للقرآن الكريم واهتمامه بتدوينه. وثانيا أن مواقف قريش قد عرقلت كتابة أحاديثه، رغم احتجاجهم بها في عملية استنباط الأحكام. والتأسي به في مجال السنن والأخلاق. وهذا يكشف عن انتقائية في اختيار الأحاديث، وثمة إقصاء لبعضها، أو إقصاء ما يعرقل مشاريعهم السياسية.

هذه كانت مواقف المذاهب الإسلامية ورواياتهم عن كتابة الحديث الشريف، لكن لماذا تهاون النبي في ضبط وتدوين أحاديثه وسننه؟ ولماذا لم يجمعها بين دفتي كتاب يكون وثيقة رسمية ممضاة من قبله؟. بل كيف يتهاون وهو القائل كما في رواية عن الإمام علي: (.. وقد كذب على رسول الله "ص" على عهده حتى قام خطيبا فقال: "أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار". ثم كذب عليه من بعده).؟

محمد نبي، وهو يعلم جيدا تداعيات اهمال التدوين، فهل ثمة احتمال آخر ما عدا الاجراء الإحترازي وتحصين الكتاب الكريم من تداخل نصوصه؟

اعتقد ثمة هدف لا يمكنه التصريح به في وقته، هدف يتعلق بدور الإنسان في الحياة، وطبيعة التشريعات قياسا بظروفها الزمانية والمكانية. فالحديث النبوي هو أحد وسائل فهم الدين وكيفية ارتباط الإنسان به، لكنه ارتباط تقليدي، يقتصر فيه دور الفرد على التلقي والانقياد، رغم أن قسما منه وليد ظروفه، وضروراته التاريخية. فالجمود على حرفية الروايات يعيق تطور فهم الدين، رغم تطور الحياة ومفاهيمها. خلافا للنص القرآني الزاخر بدلالاته وتأويلاته القادرة على التكيّف مع الحياة. فعدم الاهتمام المبالغ فيه بكتابة الأحاديث يفسح المجال أمام المسلمين لتدبر القرآن وفقا لظروفهم الزمانية والمكانية، ليكون الدين أكثر مرونة وعطاء. وهذا يعني وحدة الرأي الاجتهادي في ظرفين مختلفين. فالرسول أراد فسح المجال للرؤى الاجتهادية المستقبلية، حينما تفرض الضرورات ذلك.

وهذا لا يخلّ بعصمته في تبليغ الوحي: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى). ولا يقدح بقوله: (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)، لأن المقصود بالإتيان آيات الكتاب الحكيم. وأيضا لا يخل هذا الفهم بآيات وجوب طاعة الرسول. لأنها ناظرة للجانب العملي والسلوكي، حيث خاض النبي الكريم معارك دامية مع أعداء الدين الجديد، وتخلف بعض المسلمين عنها، بل وتآمر آخرون، كما مارس بعضهم الترجيف وتثبيط العزائم، فأمرهم الله تعالى بطاعة النبي لحماية موقفه، كي يواصل عمله، ويبلّغ رسالته. وحذر القرآن من فئة المنافقين، رغم قربهم من النبي: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ).

إن اهتمام النبي الكريم بتدوين القرآن دون غيره، يدل على تفاوت نوعي في الإلزام والحجية بين آيات الكتاب الكريم وأحاديثه الشريفة. فمقتضى حجية السنة أن تحظى بنفس الاهتمام، تدوينا وحفظا، بل كان الأجدر أن تلحق بالكتاب المجيد إذا كانت مكملة له تشريعا، وتساويه في حجتها وإطلاقاتها الزمانية والمكانية. فعدم اهتمام النبي بكتابة سنته، يشي بتاريخيتها، والاستفادة منها لتطوير الفهم الديني، وتقديم قراءات متجددة لآيات الكتاب وفقا لظروفنا وحاجاتنا في كل زمان ومكان.

من هنا يتضح ثمة فلسفة عميقة وراء تراخي الرسول عن تدوين وضبط أحاديثه، رغم علمه بخطورة خطوته، وما يترتب عليها من تداعيات تنعكس سلبا على  الدين. فينبغي وعي تلك الفلسفة، وإدراك مقاصدها، من خلال تجدد الفهم الديني وإدراك الهدف الأساس من وراء خلق الإنسان. فتبرير عدم اهتمام النبي بسيرته اهتماما كافيا من أجل الحفاظ على الكتاب الكريم وإن كان سببا معقولا، لكن عدم ضبط سنته هو الآخر له تداعياته، فحجية وقداسة أقواله لدى الصحابة ليست أقل من قداسة الكتاب، بل تشبثوا بسيرته أكثر. لذا أجد في إدراك البعد الفلسفي سببا جديرا لفهم حيثيات عدم تدوين وجمع سيرته. والسبب وراء عدم ضبط أقواله وأحاديثه وعدم جمعها في كتاب، له سبب آخر إضافة إلى كونها خطوة احترازية لحياة القرآن باعتباره مصدرا أساسا للدين. فالاقتصار على تدوينه حماية للدين ومصدره السماوي، لكنه ليس تمام العلة والسبب. لذا وفقا للفهم المتقدم، تبقى أحاديثه الملزمة قليلة مقارنة بتفصيلات الأحكام الشرعية قرآنيا، وما تبقى يمثل وجهة نظره الاجتهادية في إطار ظروفه الزمانية والمكانية. لكن الذي حصل أنهم كرسوا مطلق السنة النبوية ليكذبوا على الله ورسوله، فقد أضرت فوضى الروايات الموضوعة بأسس الدين، ومزقت وحدته، وأصبحت الروايات مصدرا لشرعنة كثير من الممارسات الخاطئة، بل وسلبت إرادة الإنسان عندما عمّقت روح التلقي والانقياد باسم الدين وشرعيته، وطاعة أولي أمره، فكانت الأحاديث الموضوعة أحد أسباب تخلف المسلمين حضاريا. ومن يروم النهضة ينبغي له تفكيك المنظومة القيمية للسنة النبوية، وفرز الصحيح عن الموضوع من أحاديثه ورواياته. وتحديد ما هو زمني فيها، وما هو مطلق. فالسنة هي أحد مرجعيتي المسلمين عقيديا وفكريا ومعرفيا، فهي ثان مصدر معرفي بعد الكتاب، بل تتقدم عليه لتوقف فهمه عليها. فالخطوة الأولى على طريق النهضة نقد مصادر المعرفة، وتحديد قيمتها المعرفية، والارتكاز للعقل في تفكيكها، وإعادة تشكيلها. بل ينبغي لها البقاء داخل حدودها، ولا تطال العقل وقدراته الخارقة في تطوير الذات والمجتمع. وليس في هذا تجاوز على الدين وقيمه ومبادئه. بل القرآن أكد على دور العقل في الإيمان ومعرفة الخالق.

 

............................  

للاطلاع على حلقات: 

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi3خاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة د. ثائر عبد الكريم.

 

س68: د. ثائر عبد الكريم: استمر نزول القرآن الكريم 23 سنة، لكنه لم يجمع الاّ في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفّان (رض). فلماذا لم تُجمع (آيات القرآن والسنة النبوية) في عهد الرسول ليتأكد من كل شيء بنفسه؟  أليس (23) عاما كانت كافية جداً ليدوّن كل شيء بتفاصيله سنة بعد أخرى؟.

ج68: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأخ د. ثائر عبد الكريم، وشكرا لمشاركته في الحوار من خلال أسئلته الجديرة.

نبدأ بالكتاب الكريم أولا:

لا شك أن النبي أولى كتاب الله اهتماما استثنائيا. فكان يبلّغ ما يوحى إليه. ويأمر أصحابه بتدبّر ما يتلو عليهم، وطالبهم بتدوين نصوصه، ومراجعتها من قبله، لضبط مواضع آياته. فساهمت تلك المدونات (الرقاع، الحجارة الرقيقة، وجريد النخيل، والعظام) في حفظ نصوص الكتاب الكريم من الضياع في تلك الفترة بالذات. وهذا لا ريب فيه، فهو من صميم عمل النبي ومهامه الرسالية. لكن هل جُمع الكتاب الكريم بين دفتي المصحف في عهده وبإشرافه؟

هناك أخبار تؤكد تدوين بعض الصحابة لجميع ما أوحي للنبي، كالإمام علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود وآخرين. ممن تابعوا نزول الوحي وحرصوا على كتابة ما تلاه النبي الكريم. وهذا ليس مستبعدا مع ثبوت التدوين تاريخيا، خاصة بالنسبة للإمام علي بن أبي طالب الملازم للنبي، بحكم قربه وقرابته. لكن تدوين كل ما نزل من الوحي لا يدل على جمعه بين دفتي المصحف كنسخة رسمية معتمدة من قبل الرسول. ولا يوجد مايدل عليها تاريخيا. بل أن قرار جمعه من قبل الخلفاء دليل على عدم وجودها فضلا عن انتشارها. كما أن تدوينه من قبل بعض الصحابة، لم يغنِ عن تداوله شفاهية. بل كانت الحافظة هي الأصل في تلاوته وانتشاره، واقتصار القراءة على خصوص المتعلمين وهم قلة قليلة.

غير أن الغريب تجاهل الخلفاء للنسخ الكاملة، رغم ندرتها، وعمدوا إلى جمع القرآن، من الحفّاظ وما لدى الصحابة من نسخ متفرقة لمجموعة من آياته. وهذا موقف مثير، فليس الحفظ كالتدوين في حفظ آيات الكتاب!!، فكيف يعتمدون الحفظ ويهجرون التدوين؟. بل ونقلت الأخبار استبعاد نسخة الإمام علي التي جمعها بعد وفاة الرسول مباشرة، من قبل عمر بن الخطاب، إبان خلافة الأول، واستُبعدت نسخة عبد الله بن مسعود في عملية الجمع الرسمي للمصحف الشريف. واختلفت اللجنة المكلفة بجمع القرآن معه ولم تأخذ برأيه. والمعروف عن ابن مسعود أنه لا يقول بقرآنية المعوذتين. كما يتحفظ على صيغ بعض الآيات، وهوالصحابي الجليل الذي أمر الرسول أن يؤخذ القرآن منه. فهل أساسا لا توجد نسخة كاملة مدونة للقرآن الكريم أم هناك حلقات مفقودة في عملية جمع القرآن؟.

بعض برر عدم جمع القرآن في عهد النبي حاجته الدائمة للمراجعة والضبط مع كل نزول آيات جديدة. لكن هذا لا يبرر عدم جمعه مع خطورة بقاء القرآن بلا تدوين. ثم ألم تكن النسخ جاهزة، على فرض وجود مدونات، وبإمكانه جمعها بمصحف واحد بفترة قصيرة جدا بعد توقف الوحي عن الهبوط؟. لكنه لم يفعل. واستمر الصحابة يتداولونه شفاهية، وهي ثغرة، نفذت منها تهمة التحريف والنقص في بعض سوره. فليس الحفظ كالكتابة، مهما كانت درجة اتقانه. التدوين يضبط النص ويمنع تزويره، ويسمح بمطابقة النسخ مع الأصول متى شاء الباحثون والمحققون. فلماذا التساهل في الأمر، ولماذا لم يجمع في عهد النبي ويشرف على استنساخه وحفظه؟

لا يكفي لنفي الشبهة قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). لان القدر المتيقن من الآية حفظ جوهر الكتاب ومضمونه الكلي، لا تفصيلاته وكلماته، وتحدثت عن هذه النقطة مفصلا كما مر. ويقصد بالحفظ، حفظ حقيقة الكتاب في اللوح المحفوظ: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ). (إنَّه لقرآن كريم. فِي كِتَابٍ مَكْنُون). وأيضا مثلهما قوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ). حيث تحقق مصداقها بعد ضبط موقع الآيات داخل السور على يد النبي الكريم. فحفظ الحقيقة الكلية للقرآن ثابت في اللوح المحفوظ، ولا يضرعل أي تصحيف أو زيادة ونقصان، لأي سبب كان، سواء النسخ أو التنقيط أو غير ذلك، وليس في هذا خرق لمعنى الحفظ المشار له في الآية الكريمة، لأنها لم تتطرق لحفظ تفصيلاته.

يبقى السؤال مؤرقا، لماذا لم يبادر النبي لجمع القرآن في مصحف واحد بنفسه، وهو أدرى بخطورة تداوله شفاهية على المدى البعيد؟. وكيف يصدق إهماله مع أمانته وحرصه، وهو القائل: (أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا، كتاب الله، فاعملوا به)؟. وأين نسخته لو كان قد جمعه بنفسه؟ أسئلة حائرة تجعلنا نشك في كل شيء، ولا نستبعد عدمها أو وجودها مع ما يشي بالالتفاف عليها.   

من هنا ذهب الشيعة إلى قولين: أحدهما أن القرآن جُمع على عهد النبي فعلا، واحتفظ بعض الصحابة بنسخ منه. وأخر قال: أنه أوصى لعلي بن أبي طالب بجمعه، فامتثل لأوامره، وجمعه بعد وفاته، وقد احتفظ الأئمة من ولده بالنسخة الأصلية واحدا بعد الآخر.

لكن الرواية السنية الرسمية، تنفي جمعه على يد النبي، وتعتبر أبا بكر أول من تصدى لجمع القرآن، عندما عهد إلى زيد بن ثابت الأنصاري بذلك. فاحتفظ به الخليفة الأول ثم انتقلت النسخة إلى الخليفة الثاني، وبقيت عند زوجته حفصة، فاستعارها الخليفة الثالث عثمان بن عفان، عندما قام بجمع القرآن، في نسخة رسمية، مثلت الخلافة الإسلامية.

وهذه الروايات تؤكد جمعه في عهد أبي بكر، لكن لماذا لم تنتشر هذه النسخة بين المسلمين، ولماذا اكتفى أبو بكر وعمر وحفصة بالاحتفاظ بها، ولم تستنسخ وتوزع كما فعل عثمان مع النسخة الرسمية للقرآن؟ ولماذا يكتفي أبو بكر بالشاب زيد بن ثابت في مهمة جمع القرآن، ويستغني عن كبار الصحابة المشهود لهم بكتابة الوحي والصدق والأمانة؟ بل وهناك رواية تقول إن عليا جاءهم بنسخة من القرآن ضبطت على يد النبي، فقال له عمر: لا حاجة لنا بها!!!. ولماذا يكتفي الخليفة باشراف عمر بن الخطاب دون الصحابة، ولم يشكل لجنة تشرف على هذا العمل الكبير والخطير؟. ولماذا لم يتحفز، ويستشر باقي الصحابة حول هذا الموضوع الخطير؟.

ثم لماذا راح زيد بن ثابت كما تقول رواية البخاري يتتبع أجزاء القرآن من الرقاع وصدور الرجال؟: (فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع و الأكتاف والعسب وصدور الرجال). والمفروض أن المدونات الأولى متوفرة جميعها، فلم يمض على وفاة الرسول سوى أشهر؟. ثم ماذا نفهم من تكملة كلام زيد بن ثابت سوى أن القرآن كان يتعرض فعلا لخطر الضياع وربما التحريف، تقول الرواية: ("حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم  إلى آخرهما".). كل هذه الأسئلة وغيرها تبعث على الشك والحيرة، فهناك حلقات تاريخية مفقودة أوجدت مناطق معتمة حول قضية جمع القرآن على يد أبي بكر. فهل هي روايات موضوعة يراد بها جعل كرامة لأبي بكر على حساب الحقيقة، وأنه لم يقم بجمع القرآن أساسا؟.كل شي محتمل، ومفاصل التاريخ غابت وإلى الأبد أو تم تغيبها!!.

وأما عثمان فقد شكّل لجنة من ثلاثة أشخاص لجمع القرآن، هم: زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص. وأمرهم اعتماد لغة قريش عند اختلاف القراءات. لكن لماذا فقط لغة قريش؟ هل تماهيا مع الرواية المنسوبة لرسول الله، والتي حسمت الخلافة لقريش مدى الحياة؟ يبدو لي أن قريشا كانت سلطة، تتحرك من وراء الكواليس على أكثر من صعيد. والمجتمع بقي مجتمعا قبليا رغم إسلامه.

إذاً، فالرواية التاريخية الرسمية تقول: لم يُجمع القرآن كاملا إلا في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، رغم وجود نسخة متوارثة لم تخرج عن دائرة الشيخين. وبقى المسلمون يتناقلونه شفاهية لخمسة وعشرين عاما، فأتعب التداول الشفاهي ضبط النسخ عند جمعه، بعد موت عدد من الصحابة وتفرّق آخرين في الأمصار المفتوحة ومعهم نسخ من أجزاء القرآن، إضافة إلى مشكلة النسيان وتفاوت اللغات، مع اختلاف بعض النسخ مهما كان قدره. فالنسخة التي جمعها عثمان نسخة رسمية انتقائية، اتفقوا على كتابتها وضبطها بلغة قريش. سواء كان قرارا رسميا منه شخصيا أم باتفاق جميع الصحابة. وبالتالي، لا أحد يضمن تطابقها تماما مع الأصل، بعد أن أحرق الخليفة جميع النسخ الأخرى فتعذر على المحققين مطابقتها مع المدونات الأولى. واستعانتهم بحفظ الصحابة. والحفظ لا يعد مصدرا في التحقيقات العلمية، خاصة بعد ربع قرن من وفاة الرسول الكريم، لأن الذاكرة تتآكل مع طول العمر، وتنقلب إلى نسيان، لا سيما بعد 25 عاما. فكانت ضابطة عثمان في التدوين الاكتفاء بلغة قريش، أي ما يراه زيد بن ثابت، وبذلك حسم موضوع حفظ القرآن في نسخة رسمية نهائيا.

وتعود الأسئلة: لماذا أحرق عثمان جميع النسخ الأخرى، هل لحماية النسخة الأصلية أم هناك سبب آخر؟ ولماذا ثمة من كان يتهم عثمان بتحريف القرآن من قبل بعض الثوار الذين اقتحموا داره؟. لماذا استبعد كبار الصحابة من عملية جمع المصحف، أو لا أقل مراجعتهمم عند الاختلاف، كعلي بن أبي طالب وابن مسعود وكلاهما يحتفظ بنسخته منذ زمن النبي الكريم وحيوية ذاكرته؟.

إنها أسئلة واستفهامات كانت وما تزال وراء شبهة تحريف القرآن، ودعوى سقوط بعض آياته، فبعض الشيعة مثلا يؤكد سقوط آية الولاية، وتصحيف بعض الكلمات الدالة على فضل أهل البيت. كما أن المستشرقين راحوا يعزفون على وتر التحريف والتصحيف لزرع الشك في نفوس المسلمين.

نقل لي صديق، كان يعمل محققا علميا في مؤسسة مختصة بتحقيق التراث الشيعي، أن أحد رجال الدين المشرفين، طلب منه تغيير كلمة "أمة" إلى "أئمة" في آية: "كنتم خير أمة أخرجت للناس". لكنه رفض وهدد بترك العمل؟ وما زال الإخباريون وغلاة الشيعة يصرون على سقوط بعض آيات الكتاب رغم اعترافهم بصحة النسخة المتداولة من الكتاب الكريم. على الضد من فقهائهم وعلمائهم ممن يؤكدون سلامة النسخة المتداولة من الكتاب الكريم، وينفون أي زيادة أو نقص فيها.

لا شك أن الخطاب الشفاهي ليس كالخطاب المدون في ضبطه ودقته، فاحتمال التحريف في الثاني نادر، خاصة مع تعدد النسخ، فكلما زاد عدد النسخ المتزامنة قل احتمال التحريف، وقد تم في زمن الخليفة الثالث نسخ عدد كبير من القرآن الكريم، وزعت على الأمصار كافة، باعتبارها نسخة رسمية ممضاة من قبل خليفة المسلمين. فسكوت الصحابة على النسخة الرسمية إما دليل على صحتها فعلا، أو تحت ضغط وترهيب السلطة التي كان يديرها بنو أمية من خلف الستار. وهذا محتمل، لكن لماذا لم يثر الإمام على إبان حكمه مسألة تحريف الكتاب أو سقوط بعض أجزائه، وقد عرف بحرصه واهتمامه وتعظيمه لكتاب الله؟ فعدم إثارة الموضوع يقلل من قيمة هذا الاحتمال. فيستبعد تحريف الكتاب مع وجود عدد كبير من الصحابة. غير أن التصحيف محتمل في بعض كلماته بسبب اختلاف القراءات أو بسبب النسخ والنقل وقدم النسخ أو لردائة الخط. وهذا أيضا يختلف حسب الكلمة وموقعها، فبعض التصحيف وتغيير الكلمة يرفضه السياق العام للآيات، وهناك عكس ذلك. فللسياق دور في ضبط الكلمة عند الشك في تصحيفها.

مثلا: قد نحتمل حصول تصحيف كلمة "فاقتلوا" في قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم). ومبرر احتمال التصحيف في الكلمة هو ذات القتل. فكيف ينهى الباري عزوجل عن القتل ويأمرهم بقتل أنفسهم؟. ثم أي إله يأمر بقتل عباده لمجرد زلة عبادية؟ هل من المعقول من يصف نفسه بالرحمة الواسعة، ينظر متفرجا لعباده كيف يقتلون أنفسهم؟ ومن يجرأ على قتل نفسه بيده؟ حتى أن بعض الروايات حارت في تصوير مشهد قتل النفس. لهذا لا يمكن تعقله وفق آيات الكتاب الحكيم وما نعرفه عن الخالق وسعة رحمته. فقتل النفس يتنافى مع رحمة الله، وكيف يعاقب قوما في بداية إيمانهم بعقوبة مرعبة، وهم جزء من بني إسرائيل ممن حذرهم في آية أخرى: (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). فكيف يأمرهم بقتل أنفسهم وينهاههم عن قتل النفس؟ فكيف ينهى عن شيء ويأمر به؟ هذا من حيث المعنى.

وأما من حيث السياق، فكيف ينسجم القتل مع تكملة الآية: (فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم)؟. فما معنى التوبة مع القتل الذي هو عدم مطلق؟ فنهاية الآية تؤكد توبة الله عليهم، أي أنهم أحياء ولم يقتلوا أنفسهم، فما معنى القتل حينئذٍ؟. لذا اضطر بعض المفسرين إلى تشبيه الأمر بذبح اسماعيل، الذي فداه الخالق بكبش عندما هم إبراهيم بذبحة، فكانت عملية اختبار للتقوى، وهنا أيضا، فبعد أن باشروا بقتل أنفسهم حقيقة، تاب الله تعالى عنهم، فلم يقع القتل حقيقة. وهذا التوجيه لا دليل عليه، ولا تشابه بين القصتين حيث أن القرآن قد صرّح بالفداء عن إبراهيم. وهنا لا توجد إشارة تدل على الفداء.

وعليه أتساءل، ماذا لو  قرأنا كلمة: "فاقتلوا أنفسكم"، بـ "فأقيلوا أنفسكم"، من الإقالة، أي تدارك العثرة والخطأ؟ فتكون (.. فأقيلوا أنفسكم عند بارئكم)!!. فتأتي منسجمة مع التوبة، ومع نهاية الآية: فتاب عليكم. فلم يقتلوا أنفسهم بل بالغوا بالتوبة والإنابة، وقد تاب الله عليهم. و"أقيلوا" تأتي لغة من الإقالة (أقال اللهُ عثْرَتَهُ: صفح عنه وترك ذنْبَه، أنهضه من سقوطه). خاصة أن رسم الكلمتين واحد قبل تنقيط الحروف. فيحتمل التصحيف بوضع النقطتين فوق الركزة بدلا من تحتها.

هذا إذا استبعدنا المعنى المجازي للقتل، وهو المبالغة، وهذا شائع في اللهجة عندما يقال: فلان قتل نفسه من أجل الحصول على مراده. فالقتل هنا لا يعني الانتحار، بل المبالغة في طلب الشيء. فاستخدمت كلمة القتل مجازا للمبالغة في التوبة لتدارك خطأهم. فيكون التأويل من داخل معنى الكلمة، ولا نحتاج حينئذٍ لاحتمال التصحيف. فسياق الآية والإطار العام للكتاب الكريم يؤيد كلا الاحتمالين.

لكن تبقى الآية كما هي، تقرأ وتفسر. واحتمال التصحيف أحد تداعيات عدم جمع الكتاب في عهد الرسول وباشرافه. وإذا قيل قد جمع فعلا على يده، فهذا يعمق الإشكال، ويثير جملة تكهنات تطيح كحد أدنى بمصداقية بعض الصحابة، خاصة الخط الأول المتصدي للسلطة.

هذه مجرد ملاحظة لبيان كيفية انقلاب المعنى بسبب استبدال كلمة بأخرى، مع تأييد السياق، إذا احتملنا التصحيف. ولا أريد التلاعب بآيات الكتاب الحكيم معاذ الله، فالسؤال ليس كفرا، ولا محرما، ومن حقنا نسأل عن أي تناقض مع قيم ومبادئ الكتاب الحكيم، وهناك روح واحدة تحكم الكتاب الحكيم. فقتل النفس غير متعارف قرآنيا كوسيلة للتوبة. ولماذا لم تتكرر مع غير قوم موسى ممن أشركوا بالله تعالى؟ وهذا هو فارق الضبط بين التدوين والشفاهية.

ونعود للسؤال: لا دليل قطعي على جمع القرآن في عهد النبي الكريم، والنسخة المتداولة اليوم هي المصحف العثماني، بعد تنقيط مصحف عثمان وتشكيل كلماته. فتبقى علامات الاستفهام مشروعة، وتفتح باب التكهنات عن حلقات ضائعة عن تاريخ الخلفاء بل وتاريخ المسلمين بشكل عام. فثمة غموض يكتنف حياة الصحابة، والجو العام في عهد الخلفاء الثلاثة. ولا يبقى أمامنا لتسوية هذه الشبهات إلا تكذيب روايات جمع القرآن، وما قام به عثمان هو استنساخ للقرآن الذي جمعه رسول الله قبل مماته. غير أن المشكلة أن تلك الروايات وردت في صحيح البخاري. وهو عماد المسلمين السنة في تاريخ الإسلام وأحكام الشريعة.

الثابت عندهم أن الكتاب الحكيم ظل يتناقله المسلمون شفاهية، باستثناء بعض المدونات القرآنية المحدودة، فلا يمكن التخلّص من شبهات النقل الشفاهي وتداعياتها، خاصة أحكام الإعراب، وتشكيل بعض كلمات الآيات التي تأتي خلافا لقواعد اللغة العربية، فتضع المفسرين في دوامة التأويل. فإذا احتملنا التصحيف فلا داعي لكل هذا التأويل وتقرأ الآيات حسب قواعد اللغة العربية، في إطار المعنى العام للكتاب وسياقات الآيات. وليس في هذا عيب، فالتنقيط في اللغة العربية تأخر زمانه، واحتمال التصحيف في الاستنساخ ممكن قبل الطباعة.

بشكل عام لا يوجد ما يدل على تحريف الكتاب، أو سقوط بعض أجزائه، وهذا مهم جدا. فالكتاب الكريم واضح في معالمه الرئيسية، وفي أهدافه وغاياته وانسجامه وترابطه. كما يمكن تقديم تفسير أقرب لروح القرآن من خلال مناهج حديثة. فلا داعي للقلق من هذا الجانب. لكن المشكلة في تشبث بعض علماء ومفسرين وفقهاء المسلمين بفهم حرفي لآيات الكتاب، فيعمّق بأسلوبه الشبهات.

هذا بالنسبة للقرآن الكريم.

 أما بالنسبة لتدوين السنة في زمن الرسول فيأتي بيانه في الحلقة القادمة

 

............................  

للاطلاع على حلقات:  

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi5خاص بالمثقف: الحلقة  الثامنة والثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وما زال الحديث عن مصداقية أدلة كتاب: الشخصية المحمدية التي دارت حولها الحلقات الأخيرة.

 

قريش والسلطة

ماجد الغرباوي: ذكرت مرارا، أن مؤلف كتاب الشخصية المحمدية يعتقد أن دعوة محمد ليست دعوة دينية محضة، وراح يستدل على صحة رأيه بأدلة وشواهد قرآنية وتاريخية. لم يصمد أي منها أمام النقد الموضوعي. ثم أضاف في نفس السياق: (إن محمدا اكتفى بالذكر المقدس الخالد لنفسه، ولكنه أراد الملك والسلطان لقومه قريش، خصوصا لذوي قرابته الأدنين ... فلذلك جعل الملك عاما في قريش كلهم ...). وسبق الحديث عن فلسفة الشهادة الثانية. وبينت بشكل واضح، إنه لم يقصد الخلود من خلالها وثمة فلسفة عميقة، في التأكيد على عبوديته ترتبط بالغلو. ويرتبط بتأكيد رسالته هدف له علاقة بختم النبوة، ودور العقل، في إطار خلافة الإنسان على الأرض. وذكرت أن الفقه المتداول يرفض حرية العقل، على خلاف مبدأ خلافة الإنسان في الأرض. فهي مركبة من جزأين، لكل له فلسفته ودوره. وهذا الفهم للشهادة الثانية، لا ينفي تحقق خلود النبي بسببها، لكن ذات الخلود لم يكن مقصودا ابتداء، بل هو نتيجة طبيعية بفعل التشهّد في الصلاة مرارا كل يوم.

ثم سرد مؤلف الكتاب أدلته على حصر السلطة بقريش، فقال: (أما الأدلة على جعله الملك لقريش لنذكر لك ما تيسر منها: فمن ذلك قول محمد: الأئمة من قريش، وقوله: قريش ولاة هذا الأمر، وقوله: قريش أهل إمامة).

هذا الكلام يضعنا أمام سؤال جاد: ما هي علاقة الدين بالسياسة؟ وهل هناك حكم شرعي بوجوب إقامة دولة دينية أو إسلامية كي يخص الرسول أحدا بها خوفا من ضياعها؟. وهل بالفعل خصّ شخصا أو عشيرة؟. إن الجواب على هذه الأسئلة يسلط الضوء على حقيقة ما نسب له من روايات، كحديث: الأئمة من قريش. فلم يعرف عن النبي دور غير النبوة، ولم يخاطبه القرآن بصفة الزعامة والملك. وجل خطاباته: يا أيها النبي، يا أيها الرسول. بل وبعض الآيات حددت وظيفته: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا). وهذا لا يمنع إدارته لشؤون المدينة وتنظيماتها، عندما اقتضتها ضرورات تطور المجتمع المدني.

طالما أكدت بأدلة كافية أن الدولة ضرورة اجتماعية وليست دينية. فالحديث عن خصائص الدولة وشروط الإمامة أو الخلافة فرع ثبوت ضرورة الدولة دينيا، وهذا منتف، وليست ثمة أدلة قرآنية صريحة به. وكل ما كُتب عن النظرية الإسلامية ونظام الحكم الإسلامي، والإمامة والخلافة هي وجهات نظر حاولت الاستعانة بمبادئ قرآنية والتشبث بتأويلات وأحاديث موضوعة، وضرورات انتجتها عقول سياسية – طائفية. بل هي تراكمات ما بعد ممارسة السلطة. والفقه السياسي عبر التاريخ شاهد على ذلك.

 ويكفي دليلا أن القرآن أهمل عَصَبَي الحياة والمجتمع (الإقتصاد والسياسة). والفقه السياسي الإسلامي المتداول، فقه سلطاني بامتياز، تم ضبطه وفقا لمقاسات السلطان وحاجات الدولة السلطانية، التي ركزت على فقه الأقليات وأهل الذمة، ودار الإسلام والكفر بشكل خاص، فكانت قراراتها تعسفية، عانى غير المسلمين في ظلها أشد أنواع الاضطهاد، ويكفي إذلالا، أحكام الجزية وأسلوب دفعها. ولا يختلف الفقه السياسي المعاصر، عن الفقه السلطاني كثيرا، رغم تطوره، وقبوله بصيغ حديثة، لكن تبقى آراؤه وليدة رؤى اجتهادية دينية، تتهاوى مع أول صدمات النقد العلمي الموضوعي. كولاية الفقيه أو غيرها من الصيغ المطروحة.

المهم أن النبي مات ولم يكتب كتابا ينص فيه على خلافة أحد باعتراف الجميع. لا قريش ولا غيرهم. وحديث الرزية الرزية، وأحداث السقيفة شاهدة على ذلك. وهذا متفق عليه إجمالا بين المذاهب الإسلامية. فيكفي دليلا على عدم اهتمام الإسلام بموضوع الدولة، أو تركها تواكب تطور المجتمعات وحاجاتها. واكتفى ببيان مبادئ وقيم صالحة لبناء مجتمع فاضل ودولة عادلة، تقوم على موازين العدل والإنصاف واحترام الحريات. وعدم ممارسة الظلم والاضطهاد ضد الآخرين. والسبب أن الدولة كيان متطور تضر به الصيغ الثابتة، فاكتفى بمبادئ وقيم تضبط الأداء السياسي، وعمل السلطة.

هذه المقدمة تؤسس لأصل موضوعي يمكن الإرتكاز له عند الشك بحجية أي دليل يواجهنا، لفظي أم عقلي. فيكون الأصل عدم ضرورة الدولة دينيا، وعدم وجود حكم يفرض على المسلمين القيام بها كتكليف شرعي صريح من قبل الله تعالى. وهذا لا يمنع أن يقيم المسلمون دولتهم وفق مبادئ الدين وأحكام شريعته. والفرق بين الضرورتين، جواز سفك الدماء، وربما وجوبها كمقدمة لقيام الدولة، بناء على ضرورتها دينيا. كما تفعل داعش التي أهلكت الحرث والنسل. ويحرم سفك الدماء كمقدمة لقيامها، إلا بعنوان ثانوي، إذا لم تكن الدولة ضرورة دينية. وهكذا الأمر بالنسبة لبذل الأموال، والمغامرة بالأرواح، ودخول السجون. وكل هذه القضايا غير محسومة فقهيا، وثمة اختلاف حولها بين الفقهاء. وبالتالي من حقنا نقد ودراسة أي حديث منسوب للرسول حول السلطة وتفصيلاتها، بناء على عدم ضرورتها دينيا. وتفشي سياسة وضع الحديث ونشره في ظل صراع مرير حولها. وعدم وجود نصوص قرآنية صريحة بشأنها. فالشك هو الأساس في التعامل مع كل رواية يُشم منها رائحة السياسة، من أجل معرفة الحقيقة. فالرسول كما الكتاب الكريم لم يتحدث عن تفصيلاتها، فمن أين جاءوا بكل هذه الروايات التي شرعنوا بها سلطتهم وقمعوا أصوات المعارضة؟.

إن أول من روى قول الرسول الكريم: (الخلافة في قريش) هو أبو بكر بن أبي قحافة، في سقيفة بني ساعدة، عندما أشتد الخلاف بين المهاجرين والأنصار على السلطة. أو بالأحرى النزاع على مشيخة المسلمين قياسا على مشيخة القبيلة. حيث اقترح الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر سمعت رسول الله يقول: (الخلافة في قريش)، وهو الراوي الوحيد لهذا الحديث، الذي قلب موازين القوى لصالح المهاجرين. وبه حُسمت معركة الخلافة بفضل سلطة النص وقدرتها على توجيه وعي المسلم وتغيير قناعاتهم. فلما سمع الصحابة الحديث تراخوا ثم بايعوا، بفعل لباقة من بادر لبيعته في خطوة سريعة لإحراج الآخرين، فتكللت بالنجاح، وحققت كامل أهدافها، بتنصيب أبي بكر أول خليفة للمسلمين!!.

إن رائحة السياسة تفوح من هذه الأحاديث التي تشبث بها الخلفاء لتكريس خلافة قريش، وهي نزعة جاهلية لا تمت للدين بصلة، فليس هناك تفاضل على أساس عرقي أو قومي، و"إن أكرمكم عند الله أتقاكم". هذا هو المنطق القرآني. فالتفاضل دائما على أساس التقوى، بينما يحتكر الحديث الخلافة لقريش لمجرد أنهم قريش مما يتعارض مع منطق القرآن ويدفعنا للشك في صدوره عن النبي الكريم. وأنا أتحدث عن القيم بشكل عام. والعنصرية لا تدخل طرفا في تفضيل أي شخص وفقا لمنطق القرآن، بل التفاضل دائما على أساس التقوى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). وقول النبي الكريم: "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى".

والرواية لم تذكر سبب اختصاص السلطة بقريش دون غيرهم؟ ولماذا يخالف النبي الكتاب الكريم في هذه المسألة بالذات، ويتخلى عن قيم السماء؟. وهذا لا ينفي وجود أكفاء من قريش لكن الرواية مطلقة، وقد وظفها من جاء بعد الخلفاء لترسيخ سلطته وقمع المعارضة السياسية. وهذا مكمن الخطر.

وأما القيادة والخلافة فالتفاضل فيها على أساس الكفاءة، وليس النسب، كما تريد قريش، وإلا فعلي بن أبي طالب أقرب لرسول الله، لازمه طول حياته، وحامل رايته في أغلب المعارك. وهو ابن عمه، وزوج ابنته فاطمة، وأول الناس إسلاما، والجميع يشهد بكفاءته وتميزه خاصة في مجال القضاء. وهذا هو احتجاج الشيعة حول أحقيته بالخلافه.

ثم الحديث تمت صياغته بطريقة مواربة فهو يحصر المتلقي بين نتيجتين، كلاهما يصب في صالح قريش، فإما أن تفهم الوجوب من الحديث، وحينئذٍ يحرم مخالفة الرسول وأوامره. أو أنه أمر إرشادي باعتبار أهليتهم للقيادة، فأيضا إرشادات الرسول حجة لمنزلته ومكانته وصدقه وإخلاصه. أو لا هذا ولا ذاك، بل تحصيل حاصل لأكثر من مبرر يعرفه الرسول الكريم. والاحتمالان الأوليان لا دليل عليهما. والثالث وجهة نظر غير ملزمة.

المشكلة لا توجد قرائن حالية ومقالية تشرح لنا حيثيات وخلفية هذا الحديث، وما هي مناسبته؟ وكيف جرى الكلام معه حتى قال الخلافة في قريش؟ ولماذا قضية بهذا الحجم والخطورة لم يحدّث بها الرسول المسلمين علنا، ليكون كلامه حجة عليهم؟ ولماذا خص أبي بكر دون غيره من المقربين من صحابته؟. وأسئلة أخرى تنتظر أجوبة مقنعة لكنها مفقودة تاريخيا.  لكن لو سلمنا بصحة صدور الحديث عن النبي، فإما أن يكون مجرد نبوءة واستشراف للمستقبل في ضوء خبرته بقريش وولعها بالزعامة، ولا محال ستنافس الآخرين وتنتزعها ولو بالقوة والدهاء والمكر. وهذا توقع معقول وفقا لخبرة النبي ومعرفته بخلفياتهم التاريخية. أو أن يكون الحديث ناظرا لكفاءة قريش القيادية وخبرتهم في إدارة القبائل العربية، قياسا على زعامتهم لمجتمع مكة. وهذا رأي شخصي لا يفيد تزكيتهم أو تبنيهم مطلقا. بمعنى آخر، الحديث لا يُلزم أحدا، ولا يفرض قريشا دون غيرهم.

لا يمكن أن يكون الحديث آنف الذكر أمرا نبويا بتولي قريش الخلافة، لأنه سيحول دون وصول الأكفأ والأنزه من غير قريش، وبالفعل نزى على عرش الخلافة خلفاء يفتقرون للحد الأدنى من العدالة والإنصاف والتقوى والأخلاق الحميدة. بل كانوا يمارسون الرذائل والظلم والاضطهاد. كما أن الدوافع القبلية في احتكار السلطة لقريش تعصب لا يليق بنبي مرسل. كل هذا يجعلنا نشك بصحة صدور الحديث رغم شهرته الواسعة.

إن تبني النبي لأي فرد تزكية مطلقة لمجمل سلوكه ومواقفه وآرائه. فتغدو جميع ممارساته وقراراته وأقواله مستقبلا بل وإلى الأبد، حجة على الآخرين، سواء كانت حقا أم باطلا، وهذا ظلم لا يفعله رسول الله ولا يتورط به، خاصة في مجال السياسة والقيادة الملأى بالأخطاء والأخطار. بل الرسول أخطأ في اتخاذ قرار عاتبته عليه الآية صراحة: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ)؟. محمد نبي مرسل من الله وأسوة وقدوة ومثالا، فكيف يتورط بتزكية قريش؟ وماذا عن تصرفاتهم وسلوكهم، حينما تكون انحرافا عن الدين؟ وكيف نبرر إنحرافات الأمويين؟ ومن يتحمل أخطاءهم السياسية؟. لهذا أشكك بصدور هذه الأحاديث عن النبي. والرسول الكريم أرفع وأجل أن يتورط بتزكية قريش للخلافة مطلقا. وأغلب الظن لو صح الحديث فهو مجرد نبوءة، وربما كان يتألم حينما قالها. من هنا يتضح أن ثناء الرسول على الصحابة ثناء مشروط باستمرار استقامة الصحابي بعد وفاة النبي. خاصة الروايات المبشرة بالجنة. فإنها تستبطن شرطا، كان هو الأساس في تزكية الفرد من قبله، وهو استقامة الصحابي، التي هي رهان دخوله الجنة. هذا على فرض صحة صدور روايات الفضائل عن الرسول. فبعضها تفوح منه رائحة الوضع والسياسة والقبلية، كحديث: العشرة المبشرين في الجنة، الذي يكرّس سلطة قريش، حيث أن الغالبية المطلقة من العشرة ينتمون لقريش. لكن للأسف انطلت هذه الأحاديث ولعبت أدوارا خطيرة عبر التاريخ. وكل معارك المسلمين التي استهدفت الملأ من قريش، وسطوتهم وخيلاءهم، حققت انتصارا آنيا، وعادت قريش تتحكم برقاب المسلمينبباسم الدين والإسلام بسلطوية فاقعة، حتى ترسّخت القرشية شرطا في الحكم الإسلامي إلى يومنا هذا.

ومن الروايات الأخرى التي تكرّس سلطة قريش، هي الروايات التي تحدد عدد الأئمة أو الخلفاء أو الأمراء، بـ(12)، كلهم من قريش. وهي روايات موضوعة، وليس العدد (12) المذكورة في صيغ هذه الأحاديث، سوى لاحقة اضطروا لها فيما بعد لتكريس سلطة قريش. الأصل ما رواه  أبو بكر في سقيفة بني ساعدة، لكنهم أرادوا توظيف النص، لتكريس مجموعة من قريش، فأضيف للرواية الرقم (12) لتشمل مجموعة خاصة من الأمويين، وشرعنة خلافتهم، لذا لا يتورع المؤيدون للدولة الأموية من إدراج الخلفاء الأمويين ضمن العدد (12)، بما فيهم يزيد قاتل الصحابة وأهل البيت، ورغم جرائم الأمويين التي يندى لها جبين الدين. بينما يقتصر آخرون منهم على الخلفاء الأربعة وإضافة عمر بن عبد العزيز، وأما ما تبقى من العدد (12) فموكول للمستقبل، كما يقولون. وهذا مؤشر آخر على عدم صحة صدور هذه الرواية، فالعدد لم يكتمل ولن يكتمل، وفقا للمذهب السني.

وكدليل على ضعف هذه الروايات، وعدم وجود دليل على إرادة خصوص قريش منها، أقرأ صيغة الرواية المتقدمة:

(قال الراوي: وقال: "أي الرسول" كلمة لم أسمعها!!. وأضاف: قال أبي "أي أبو الراوي": قال "أي النبي" :جميعهم من قريش).

فنسبة جميع الخلفاء الـ (12) إلى قريش لم يسمعها راوي الحديث من الرسول مباشرة لسبب نجهله. ونسب سماعها إلى أبيه. وأمامك مجموعة الأحاديث كلها تروي نفس الصيغة: ففي كتاب البخاري: (حدثني محمد بن المثنى حدثنا غندر حدثنا شعبة عن عبد الملك سمعت جابر بن سمرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يكون اثنا عشر أميرا". فقال كلمة لم أسمعها. فقال أبي إنه قال كلهم من قريش) ... انظر: صحيح البخاري رقم ( 6796 ) 6 / 2640.). لهذا مع فرض صحة الحديث فليس لدينا ما يؤكد نسبتهم لقريش حصرا. ثم لا تنسَ الأهداف السياسية ودورها الخطير في توجيه وعي الناس عبر تزوير الأحاديث ونسبتها للرسول.

الشيعة أيضا يستدلون بهذا الحديث لكن بصيغة أخرى، من خلال الثغرة الموجودة فيه للإحتجاج على أهل السنة، إذ يقولون: إن راوي الحديث اعترف صراحة بعدم سماع كلمة قريش من فم النبي، من أجل إخفاء الحقيقة، إذ الرسول قال: (إنهم من أهل البيت). فبدلا من التصريح بالحقيقة أنكر سماعها. ولهم إضافة إلى هذا الحديث رواياتهم وأدلتهم الخاصة التي أكدت أن الأئمة (12) إماما، وقد ذكرهم الرسول كما يقولون بأسمائهم واحدا واحدا. فالصيغة الرسمية للمذهب الشيعي تقوم على وجود (12) إماما، وكلهم من قريش، طبقا لهذا الحديث.

الرواية مكرّسة لسلطة قريش، فلا أحد ينكرها، رغم مخالفتها لقيم القرآن. واقتصر الخلاف حول مصاديقها بين المذهبين السني والشيعي!!!. لكن كما تقدم، إن عدم اهتمام القرآن والنبي بالسلطة وشؤونها، يكفي لنفي تلك الأحاديث المتهمة بالوضع، لشرعنة سلطة خلفاء المسلمين. خاصة أن بني أمية تساهلوا في وضع الحديث خدمة لمصالحهم، وسلطتهم، وفي عهدهم انتشرت الأحاديث المنسوبة للنبي. فكانت تترى في تزكيتهم والثناء عليهم، وذم معارضيهم. فهم بحاجة لأمثال حديث الأئمة من قريش، أو الخلافة في قريش. حيث لعبت هذه الأحاديث دورا خطيرا في تكريس السلطة وحرمان كل كفوء منها. بل وباتت القرشية شرطا في الخلافة لدى الفقه السلطاني. هكذا كانت سلطة النصوص والروايات وما زالت تلعب دورا في تزوير الوعي، عندما يوظفها رجل الدين لمصالحه الطائفية.

وبهذا يتضح أن استشهاد مؤلف كتاب الشخصية المحمدية بهذه الروايات لا يخدم هدفه. فدعوة محمد دعوة دينية، وليست نهضة سياسية اجتماعية أساسا بل هي دعوة دينية تحققت في ظلها نهضة حضارية. وليس هدفها خصوص الملك والسلطة. وإلا كان ينبغي للقرآن تشريع أحكام بحجم خطورة دورها وأهميتها. بل يكفي أحداث السقيفة وما بعدها دليلا على عدم وجود اهتمام بالسلطة والخلافة. فهل يعقل أن حديثا واحدا يكفي لتغطية حاجات السلطة من تشريعات ويرسي شرعية الخلافة والخليفة؟

لكي ينهض المجتمع من كبوته بحاجة إلى وعي جديد بالتراث والماضي، لتحرير العقل من سطوة النص، وسلطته القاهرة، رغم أن التاريخ كُتب بأيدي السلطة، فاندثر الواقع، وغابت الحقيقة، وغدت الروايات مرتعا للوضع وتزييف الوعي.

نكتفي بهذا القدر في محاكمة أراء صاحب كتاب الشخصية المحمدية ردا على السؤال (67) الذي طرحه ا. د. نور الدين صموّد من تونس، لننتقل إلى أسئلة أخرى. ولا يمكن مواصلة الحديث، رغم وجود قضايا مهمة، كإشكالية الوحي، وهي الأخطر دائما في الفكر الديني. على أمل التطرق لها ضمن أسئلة بخصوصها.

 

............................   

للاطلاع على حلقات:    

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi9خاص بالمثقف: الحلقة  السابعة والثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وما زال الحديث عن مصداقية أدلة كتاب: الشخصية المحمدية التي دارت حولها الحلقات الأخيرة.

 

ماجد الغرباوي: تقدم ثمة حكمة وفلسفة وراء وجوب التشهّد بالشهادة الثانية "أشهد أن محمدا رسول الله" في الصلاة، إضافة للشهادة الأولى "أشهد أن لا إله إلا الله". بعد نفي التعارض المدعى من قبل مؤلف كتاب الشخصية المحمدية، بينها وبين آية: "وأقم الصلاة لذكري"، التي تقتضي عدم ذكر أحد مع الله في الصلاة. وقد ذكرت، أن الأذان والإقامة ليستا جزءا من الصلاة، كما أن للشهادة جذرا قرآنيا، بل هي نص روحا ومعنى، وقد أكدها الخالق تعالى، وفرض على المؤمنين الصلاة بمعنى الدعاء لذكره. فمحمد لم يقصد خلود اسمه، رغم خلوده واقعا. ولو كان يبغي الخلود ثمة أساليب أخرى بعيدا على الصلاة. لكن ثمة فلسفة عميقة وراءها، أبعد من التكريم، فالجزاء الديني جزاء أخروي: (عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا)، (لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا).  ولست بصدد تبرير الشهادة الثانية، بل مقاربة أدلة الرصافي نقديا، وتقديم رؤية مغايرة، كي لا تلتبس المفاهيم.

الشهادة الثانية تتكون من جزأين، أو شهادتين بصيغة واحدة: الشهادة بعبوديته لله، والشهادة بكونه رسولا لله. ولكل واحدة مداليلها، على مستوى العقيدة وفلسفة الدين ودور الإنسان في الحياة.

أما القسم الأول: فيراد منه تكريس عبودية النبي وعدم المغالاة فيه، في إجراء احترازي وقائي، خوفا من الارتفاع به فوق بشريته. أو يشطح الغلو بالمسلمين فيؤلهونه، كما فعل أتباع الديانات الأخرى، فسقطت بالشرك، قصدت ذلك أم لم تقصد: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ). فإدمان التلازم بين اسم النبي وعبوديته لله، يحول لاشعوريا دون تأليهه، ما لم يقصد المغالي ذلك عنوة. وبالفعل كذّب عمر بن الخطاب وفاة النبي وقال لم يمت محمد، وسيعود. وهي أول ظاهرة غلو في الإسلام، لكنها قمعت في مهدها بعد خطاب الخليفة الأول: (من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات. ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت). ثم عادت فيما بعد في إطار الصراع السياسي – الطائفي بين المسلمين، وما زالت ماكنة الغلو تقدم تفسيرات وتجترح طقوسا وعقائد تتقاطع مع عقيدة التوحيد، أساس الديانة الإسلامية.

الغلو وبال عانت منه جميع الديانات، بل راح بعضهم يغالي بأشخاص دون الأنبياء، ويرتفع بهم إلى مصاف الخالقية، بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال منحه جميع صفات الخالق. تصف الآية هؤلاء: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).

فالغلو لم يقف عند حد الأنبياء بل تمادى لغيرهم. وشواهده اليوم كثيرة لدى بعض الطوائف الإسلامية. من هنا تكتسب الشهادة الثانية أهميتها، عندما تضع مائزا عقائديا بين الخالق ونبيه المرسل، الذي هو أقرب شخص لله تعالى حسب الفرض: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا). فالخالق يتفّرد بوحدانيته، ويحول دون تأليه عباده. لكن رغم صرامة الإجراء وفاعليته، تحايل بعض الغلاة وجعلوا للنبي ولاية تكوينية، بمعنى القدرة على التصرف بالكون، وهي صفة خالقية (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين). ودعوى أنه جعلها لأحد من عباده محض افتراء عليه وعلى كتابه. لكنهم راحوا يسوقون تأويلات وروايات واهية لاثبات صدقيتها. وهو القائل: (قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).

الشهادة الثانية تبقى ضرورة ما دامت هناك ذهنية مولعة بالغلو، وتأليه البشر، لدواع نفسية وطائفية. خاصة أنها قرآنية المعنى. بل هناك نصوص مقاربة في صياغتها. فهي ليست أجنبية عن ألفاظ القرآن والصلاة، ولا تكون سببا لبطلانها. فالشهادة بعبودية محمد لله مترشحة عن الشهادة الأولى، ولازمة منطقية لها، لتتضح الحدود وتتخلص البشرية من ظاهرة التقديس والتأليه. بل أن القصد من الإيمان بوحدانية الله، هو تحرير وعي الإنسان من أي عبودية عداه، ولازمه التحرر من هيمنة أي سلطة فوقية، عقيدية أو دينية. فيكون مآل الإيمان بالله حرية العقل، وتحرير إرادة الفرد. فالدين لا يصادر عقل الإنسان لولا تزويره واستغلاله طائفيا وآيدلوجيا وسياسيا. وما تشاهده من ممارسات وطقوس مصدرها تراث يضج بالوضع والأكاذيب والتفسيرات القاصرة. من هنا تفهم لماذا تصر بعض الاتجاهات السلفية على إبعاد الإنسان عن القرآن واقتصار تفسير آياته على روايات تنتمي لما قبل 1000عام. إنها تبغي التلاعب بوعي الفرد والتحكم بإرادته وفقا لمصالح طائفية، ومذهبية. إنها تخشى الفضيحه عندما يقارب الناس القرآن تفسيرا واستنطاقا. فيؤكدون على تلاوة الكتاب دون تفسيره، ويفترضون لكل تلاوة ما تعجز عن وصفه من الثواب بالآخرة. كل ذلك من أجل إبعاد الناس عن الحقائق القرآنية، والاستفراد بهم لغايات معروفة.

وأما القسم الثاني من الشهادة الثانية (أشهد أن محمدا رسول الله): فأهميته تكمن، لا في الشهادة للنبي في النبوة لأنه أمر مفروغ عنه، بل في خاتمية رسالته للأديان، التي تعني نقطة تحول عظمى في مسار علاقة الإنسان بالدين، ودور الأخير في الحياة. فثمة ضرورة تقتضي الانتقال من الديانات السابقة إلى الديانة الخاتمة، لا بسبب شركها وانحرافها عقائديا عن حقيقة التوحيد، بل لأن الدين يواكب تطور عقل الإنسان وقدرته على إدراك الحقائق لذا يقول تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا). ويصف مهمة النبي محمد مقارنة بالديانات الأخرى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ). في إشارة بيلغة، تلخّص أختزال دور الدين مقابل العقل. فالدين لا يريد استغراق حياة الناس، كما يعتقد الفقهاء، بل يريد احتضانهم إلى حين نضوجهم عقليا، كي يواصلوا طريقهم في الحياة ويحققوا رهان الخلق في خلافة الأرض. فدور الدين في بعده التشريعي رعاية الإنسان تشريعيا ضمن الهدف الكلي لخلقه. أي أن دوره مرحليا يواكب عقل الإنسان وقدرته على النضوج والتطور الحضاري، إرتكازا لمبادئ العدل وقيم الإنسانية. وقد فصّلت الكلام في دراسة بعنوان: "دعوة لإنقاذ الدين من سطوة الفقهاء"، حيث بينت هناك دور الزمان والمكان في فعلية الأحكام الشرعية. وقلت: إن فعلية كل حكم شرعي تتوقف على فعلية موضوعه الذي تتوقف على فعلية جميع شروطه وقيوده. فينتفي الحكم بانتفاء موضوعه. والأحكام محدودة في كتاب الله، ولا يحق لأحد تشريع حكم جديد لأي موضوع، لاتفاق جميع المسلمين على حصر التشريع بالله تعالى. وتبقى مهمة النبي كما هو واضح من الآيات القرآنية، هي: التبليغ، والبيان، والتفصيل، والإنذار والتبشير. وعندما نشك في جعل ولاية تشريعية لأحد أم لا، فالأصل عدم جعلها. والتفصيل في محله.

لقد عاشت البشرية ردحا طويلا من الزمن على الفطرة، بلا أديان وشرائع، سوى منظومة قيم أخلاقية واجتماعية متواضعة، فرضتها طبيعة الحياة وضرورات العيش المشترك. وجملة طقوس ساذجة، تجسد حاجتهم للغيب والقوى الخفية. فامتدح القرآن قدرتهم على بناء أمة واحدة: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً). فالرابطة الإنسانية أهم عندما تختفي الصراعات، وتكون قادرة على توحيد شعوبها. فكانوا في غنى عن الدين، فلما اختلفوا: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ). فالدين جاء ليرعى ويحتضن الإنسان ويضعه على الطريق المستقيم، من خلال تشريعات تسوّي خلافاته وتحل مشاكله، مع منظومة قيم دينية وأخلاقية وعبادية تعمّق فيه روح التقوى والورع عن ارتكاب المعاصي والموبقات، وتشجعه على العمل الصالح. ومع كل رسالة تبدأ مرحلة جديدة،  يتعامل فيها الدين مع الإنسان تشريعيا، وفقا لمستوى وعيه ونضوجه العقلي. ويمكن من خلال تاريخ الرسالات الوقوف على مفاصل تطور البشرية عقليا. فمع ابراهيم كان الناس يعبدون الكواكب والأصنام، ومع موسى دانوا بالسحر وعبادة الفراعنة، فانتقلوا من عبادة الجمادات إلى عبادة كائن عاقل، يفكر، ويمارس سلطة عليا. ومع عيسى بدأت بوادر العلم وخوارقه، وأما مع محمد فقد انتقل الإنسان إلى مرحلة النضوج العقلي. فكانت رسالته إلى شعوب اتسمت بتطور مداركها العقلية. وإنسان قادر على الاستدلال، واكتشاف علل الظواهر الكونية. لذا كانت آيات الكتاب تستفز عقولهم من خلال مختلف الظواهر المحيطة بالإنسان: ألا ينظرون؟ ألا يتفكرون؟. فالقرآن واثق من قدرة الفرد على إدراك الحقيقة في هذه المرحلة، لأن التطور العقلي تراكمي، وقد عاش الإنسان تجربة طويلة، من خلالها ارتقى وعيه وإدراكه. فإحدى خصائص المرحلة الجديدة هي التركيز على العقل في إدراك الحقيقة قرآنيا. فمحمد لم يأت بمعجزة خارقة سوى القرآن، رغم إلحاح خصومه، واكتفى بإثارة العقول، وطالبهم بمحاكمة عقائدهم عقليا، ودعاهم للإيمان من خلال آيات الله. وطالما عقد مقارنات في جميع المستويات. فتطور العقل فرض أحكامه على المرحلة الجديدة، وأمامك القرآن لتكتشف حجم الجدل بين الرسول وقومه، وهو علامة على نضوج العقل وقدرته على إدراك الحقائق.

فالشهادة الثانية لا تريد نفي الأديان السابقة، ولا تريد تصحيح مسار عقائدها، لأن الشهادة الأولى حسمت الأمر في مسألة وحدانية الله، ولازمها رفض جميع أنواع الشرك، رغم إيمان الجميع بوجود خالق. وهو مدار التسامح بين الأديان. غير أن الإيمان بوجود خالق لا يكفي، ما لم يؤمن الإنسان بوحدانيته، وعدم الشرك به. فأهل الكتاب مؤمنون لكن إيمانهم غير مكتمل وفقا للشهادة الأولى. فتطالبهم بتصحيح عقائدهم، وفقا لوحدانية الخالق.

الشهادة الثانية مرحلة جديدة في علاقة الدين بالإنسان، تختلف عما سبقها من شرائع وأديان. مرحلة يتولى فيها المُهيمن الديني تمهيد الإنسان لدور الخلافة الربانية في الأرض إرتكازا لعقله. فخُتمت النبوة وإلى الأبد، (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). 

إن ختم النبوة اعتراف صريح بقدرة الإنسان على مواصلة حياته على المدى البعيد، وعدم حاجته مستقبلا للوحي أو أي ولاية دينية. وهذا سرّ توقف هبوط الوحي وبعثة الأنبياء. يؤكده عدم وجود نص قرآني صريح يجعل الولاية الدينية لأحد أو ينيط مسؤوليتها به. والصحابة لم يتنازعوا على إرث ديني، بل كان صراعا سياسيا على السلطة. وربما امتناع النبي عن كتابة كتاب للمسلمين في أيام مرضه، ليس سببه لغط الصحابة واختلافهم، كما تقول الرواية، فمحمد نبي لا يخشى أحدا، بعد أن ضمن القرآن حمايته من الناس (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ). بل كان إجراء احترازيا، كي لا تلتبس الأمور ويختلط الديني بالسياسي. ويحسب المسلمون المنصب السياسي منصبا دينيا أيضا. ولو كانت ثمة ضرورة لاستمرار الوصاية الدينية لتواصل نزول الوحي، واستمرت بعثة الأنبياء. كي لا يبقى الناس في صراع مرير منذ أمد بعيد، يتخبطون في روايات تاريخية لم تُحسم منذ 1400عام.. لكن في ختم النبوة دلالات عميقة، يُدركها أولي الألباب.

إن حاجة الإنسان للعقل باتت أكثر من حاجته لأية وصايا دينية، بعد ختم النبوة، واكتمال الدين بهذا القدر المحدود من الأحكام الشرعية المذكورة في الكتاب الكريم، ولو كانت هناك حاجة لأحكام شرعية أخرى لحدد لنا القرآن مصدرها، ولم يقل للنبي: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)، ولم يحدد مسؤوليته: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا): ولم يصف كتابه بأنه تبيان لكل شيء، رغم محدودية أحكامه: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ). (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا). ولَما قالت الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). خاصة وقد سبقتها وتلتها أحكام شرعية، وهذا هو اختصاصها بدقة. فتأويلها خارج سياقها، يحتاج إلى أدلة قرآنية صريحة وهي منتفية. بهذا يمكنك معرفة مدى شرعية فتاوى الفقهاء التي غدت بالآلاف، ممن راحوا يلاحقون الإنسان حتى في طريقة تغوّطه، بحجة أن النبي كان يفعل هكذا، فينبغي التأسي به. أو يفسّرون الآيات تفسيرا غريزيا عندما يبيحون زواج القاصرات، ويُفتون بجواز تفخيذ الرضيعة. إنها مأساة التدين البسيط حينما يرتهن وعيه لغيره، ويهجر القرآن ووضوح بيانه.

غير أن منطق العبودية تغلّب على منطق الخلافة، فالإنسان يبقى في نظر الاتجاه الأول قاصرا، يجب رعايته تشريعيا، فراحت الأحكام الفقهية تتناسل، تلاحق سلوك الإنسان ومشاعره. وراح الفقيه يتوسل بقواعد وأصول، تؤسس لأسيجة مقدسة تطوّق وعي الإنسان، وتطيح بتمرده. بل اتخذ المسلمون عقولا، تفكر بالنيابة عنهم منذ 1400 عاما، وما زالت حاضرة بقوة، ترعاها طقوس، وموروثات، أغلبها موضوعة، تجدد فيه قابلية التفكير نيابة عنهم مستقبلا!!..

ثمة اختلاف جوهري بين اتجاه العبودية واتجاه الخلافة. الأول يعتقد أن الإنسان مخلوق للفتنة، والإختبار، يقتصر واجبه على تطبيق الشريعية وعدم مخالفتها والتمرّد عليها. وهو رق، قاصر، بحاجة مستمرة للقيمومة من قبل الأولياء، بما فيهم الفقهاء. لا يحق له التصرف منفردا بشؤونه المختلفة. وعليه متابعة الفقيه في جميع تصرفاته. وليس من حق أي شخص الاجتهاد مقابل النص، والنص أوسع من القرآن. لذا ما صدر في العصور الأول من أحكام وآراء تبقى مطلقة، لا يجوز ردها. وخلافة الإنسان في نظر هذا الاتجاه مقتصرة على بضع أفراد بأمر مباشر من الله. وذهنية العبيد ذهنية خطيرة على مستقبل المسلمين، تنعكس على مشاعرهم وتفكيرهم. وهؤلاء يعانون فوبيا الحرية، والتحرر العقلي. ويشعرون بسعادة عارمة حينما يقلّدون فقيها أو رواية دينية. بل انعكست العبودية العقلية على القضايا العقلية في أصول الفقه، فظهر اتجاه (حق الطاعة)، الذي يفترض لله حقا في كل المحتمل البسيط فضلا عن الشك واليقين. فتكون وظيفتك الاحتياط في كل شي، كي تحرز رضا الجبار المنتقم الذي يتربص بك (حاشا لله). لذا لا قيمة للإنسان بما هو إنسان لدى هذا الاتجاه، بل قيمته بقدر التزامه بفتاوى الفقيه. وتنعدم قيمة الآخر المختلف دينيا. والأولوية دائما للتشريع وليس للإنسان. بينما قرآنيا الدين جاء لتعهد الإنسان كي يرقى ويتطور ويمارس دور الخلافة الربانية. إن ثقافة الرق تخلق إنسانا مرهقا، لا همّ له سوى النجاة من عذاب الآخرة، مهما كان إيمانه وتقواه. ويخشى كل مسؤولية خوف من سخط الله، فكيف يتحمل مسؤولية الخلافة الربانية؟

وأما اتجاه الخلافة، فيعتقد أن الله عزوجل كرّم بني آدم، وجعلهم خلفاء بقدراتهم العقلية. ويفهمون عبودية الله بالتحرر من لوثة مطلق العبودية لغيره. فعبودية الله هي حرية العقل، بعد التحرر من كل سلطة فوقية، تفرض نفسها. والإنسان وفقا لهذا الاتجاه هو رهان الخلق، وعليه المعوّل في إعمار الأرض، والتعرف على خالق الكون بذات العقل. ومصداقية هذا الاتجاه ما حققته الحضارة من تطور وتقدم مذهل. فالدين في نظرهم جاء لخدمة الإنسان، وللأخير الأولوية على التشريع. ولا قيمة للتشريع حينما يحل بالمجتمع خطر فادح بسبه.

الإنسان مخلوق لغاية فشل المسلمون في إدراكها، بناء على تفسيرات خاطئة لبعض الآيات. فقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، لا تعني أن الهدف الأساس تكبيل الإنسان بتشريعات، تعيق إرادته، وانطلاقته الفكرية في الحياة. فهي إما أن تكون استفهاما استنكاريا على خلفية وجود مهمة أكبر من العبادة للإنسان على الأرض. لذا اقصت قصة الخلق إبليس رغم عبادته لصالح العقل، أي أدم، لأنه رهان الخلافة على الأرض. أو يراد بها مفهوم مطلق العبادة، فيكون جهد الإنسان في وراثة الأرض واستخلافها والاستفادة منها ومن قوانينها عبادة لله بالمعنى العام.

ما تقدم لا يعني انسلاخ الفرد عن إيمانه وتدينه، بل تعني بدء مرحلة خلافة الإنسان، بعد نضوج عقله وقدراته الإدراكية. فقد مضى على بعثة الرسول الكريم 1450 عاما تقريبا. فالعقل هو رهان الخلق عندما تتحقق خلافة الإنسان في إعمار الأرض، وبناء حضارة. فتجد القرآن دقيقا في تعبيره في الآية التالية:  (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ). ولم يقل: المؤمنون أو المتدينون، إنما حصر الخلافة بالصالحين. والإصلاح مفهوم متعدد الأبعاد، تُعرف دلالاته من خلال سياق الآيات. فالآية هنا ناظرة لإصلاح الأرض بجميع أبعادها بقرينة: (يرثها، والأرض، وعبادي الصالحون). فشرط وراثتها إصلاحها، وإصلاحها يعني إعمارها والاستفادة من خيراتها، ولا مانع من وجود شرط الاستقامة في الوراثة النهائية. والآية الكريمة تفترض وجود مصلح ليرث الأرض ويستعمرها. ومعنى وراثة الأرض القدرة على التحكم بها من خلال اكتشاف قوانين الكون وتسخيرها، والاستفادة من خيراتها. ومعنى ورثتُ الشيء، أي انتقلت ملكيته لي، أو صار ملكي وتحت تصرفي.  وهنا لا يصدق حرفيا مفهوم انتقال الملكية، لأن الأرض لا تملّك لأحد سوى الله عزوجل خالقها، فالمراد بورثة الأرض القدرة على التحكّم بها والاستفادة من خيراتها، ولا تعني خصوص السلطة والحكم كما يرى بعض المفسرين، رغم أن السلطة مشمولة بها، لكن لا دليل على الاقتصار عليها. فيرثها من كان صالحا، أي قادرا على إعمارها وإصلاحها بعد اكتشاف قوانين الطبيعة، من أجل إصلاح الحياة والإنسان والمجتمع، وهذا أحد أهداف خلق الإنسان: (أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا). وقد ورث الغرب الأرض منذ مئتي عام بعد اكتشاف قوانينها، فاستثمر خيراتها وطوّر حياته، وحققت الآية بعض مصاديقها. فالآية الكريمة لم تشترط في وراثة الأرض أن يكون الوارث مؤمنا أو مسلما أو أي صفة دينية أو روحية إنما اشترطت الصلاح، والبشر جميعا عباد الله.

الحضارات بنيت بتراكم جهود جبارة هائلة أثبتت قدرة الإنسان بما استودع الله تعالى فيه وفي الكون من قوانين وقدرات هائلة. فكان رهانه تعالى مع الملائكة على قدرة الإنسان في خلافة الأرض وإعمارها، الذي سيفضي إلى الإيمان المطلق بخالق هذا الكون، من خلال العقل والتجربة، وهو المطلوب. وسيثبت الزمن مستقبلا مفاد الآية المباركة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً  قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). فكان سبب استغراب الملائكة زاوية النظر عندما قالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)؟. ثم احتجوا عليه: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ). فكأنهم قالوا: كيف تجعل من يسفك الدماء خليفة ونحن نسبح بحمدك؟ فكانت زاوية نظر الملائكة منصبة هنا على البعد الإيماني في احتجاهها. فجعلت الإيمان والتقوى ميزانا وملاكا لخلافة الأرض. ولو كان خصوص الإيمان والعبادة مناطا للخلافة، لكان إبليس أحق بها، لأنه أكثر عبادة وطاعة لله، وأشرف نسلا، خلقه من نار كما قال في رده: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ، قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُخَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ).

لذا استبطن جوابه تعالى للملائكة أمرا آخر عبر عنه: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). وهو ما تجهله الملائكة حول فلسفة وجود الإنسان على الأرض ومدى قدراتها وقابلياته، فاقتصر نظرها على البعد الإيماني. بينما خلافة الإنسان أبعد، وقد أشار لها تعالى في بداية محاورته حينما عبر بلفظ الخليفة، فقال: إني جاعل في الأرض خليفة، لكنها لم تدرك مراده. فهم لم يعاصروا الإنسان ولم يعرفوا من  قدراته الخلاقة سوى سفك الدماء، بينما أثبتت الإنسانية قدرتها على مواجهة كل تحديات البيئة والحياة، واستطاعت استخلاف الأرض بجدارة، وما زال الطريق أمامها للإيمان بخالق الكون عن طريق العلم وذات العقل المتمرد.

لا يمكن للمسلمين النهوض ما لم تتحرر عقولهم من سلطة النصوص والتراث، ويفهمون الدين ومقاصده وأهدافه وغاياته، بعيدا عن الروايات التي تعكس فهماً آخر، يمثل زمن الرواية بأبعادها المختلفة. فهي روايات محترمة إلا أنها تعبّر عن ظروف وبيئة وثقافة مختلفة. فللرواية ظروفها ولنا ظروفنا، وبإمكاننا العودة للكتاب الكريم وفهم رسالته فهماً صحيحا. للأسف لم أجد من يهتم بآيات الخلق التي ترسم معالم هدف الرسالات والأديان، وهذا خطأ كبير في فهم الدين. بل وأحد أسباب جميع الانحرافات العقائدية والسلوكية، خاصة ما تمارسه الحركات الإرهابية باسم الدين والقرآن. وما تبثه حركات الغلو من ثقافات تكرس الجهل والأمية والتكاسل في الحياة الدنيا.

وبالتالي ففلسفة الشهادة الثانية متعلقة بختم النبوة، وتوقف الوحي عن الهبوط، وانتهاء بعثة الأنبياء، ليواصل الإنسان طريقه بعقله. وهذا اعتراف صريح بالعقل وقدرته على مواجهة التحديات. خاصة، مع تطور الحياة، وحاجة الإنسان إلى تشريعات تواكب ضروراته الحياتيه، فماذا يعمل مع ختم النبوة؟ فالأديان لا تصادر العقول، بل رعتها حتى أكتمل نضوجها. وهذه هي فلسفة الشهادة، كما أعتقد. والعقل لا ينفي الإيمان، الذي هو شرط قبول الأعمال في اليوم الآخر لمن يؤمن به في أكثر من 54 آية. بل يرشّده.

ولكي تدرك حكمة الله في خَتم النبوة وتوقف هبوط الوحي، قارن حال المسلمين بالتطور الحضاري الهائل. فما أنجزته البشرية كان بعيدا عن التراث وفتاوى الفقهاء. إنه العقل، رهان الخلق، وقدرة الله الخارقة، حينما يتحرر من لوثة الوعي. (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا).

يأتي في حلقة قادمة

 

 ............................

       للاطلاع على حلقات:

     حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الحلقة  السادسة والثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وما زال الحديث عن مصداقية أدلة كتاب: الشخصية المحمدية التي دارت حولها الحلقات الأخيرة.

 

 استهداف المفاهيم القرآنية

ماجد الغرباوي: تقدم قول مؤلف كتاب الشخصية المحمدية أن (الغاية التي يرمي إليها محمد هي إحداث نهضة عربية دينية اجتماعية سياسية..). وبما أن النهضة تستبطن السلطة والحكم لذا أضاف موضحا رأيه: (إن محمدا اكتفى بالذكر المقدس الخالد لنفسه، ولكنه أراد الملك والسلطان لقومه قريش...). أي رغم أن محمدا هو صاحب مشروع النهضة الدينية الحضارية السياسية الاجتماعية، وهو أحق بالسلطة، إلا أنه تخلى عنها لقومه قريش. واكتفى بالذكر المقدس الخالد. عندما ألزم المسلمين بتلازم الشهادتين "لا إله إلا الله .. محمد رسول الله" في شعائرهم الدينية، كالأذان والإقامة والصلاة. فحقق كلا الأمرين، تكريس السلطة لقريش وخاصة أقربائه، والاحتفاظ بالذكر المقدّس ما دامت هناك شعائر دينية. وهذا توجّه دنيوي، وسلوك بشري لا نبوي، يؤكد صحة رأيه في حقيقة الدعوة المحمدية وبشرية القرآن. فكانت خطوات النبي تسير باتجاه نهضة عالمية (لذلك قرن اسمه باسم الله، ولم يجعل الإيمان شهادة واحدة بل شهادتين "لا إله إلا الله محمد رسول الله").. ولو كانت دعوته دينية محضة لاكتفى بالشهادة الأولى امتثالا لآية: "وأقم الصلاة لذكري". باعتبار (أن الدعوة التي قام بها كانت إلى عبادة الله، فكلمة التوحيد "لا إله إلا الله" وحدها كافية لذلك، غير انه جعل اسمه رديفا لاسم الله، ليكون مقدسا مطاعا عند القوم الذين يريد أن يقودهم إلى خيري الدنيا القصوى). والمقطع الأخير سلط الضوء على هدف النبي من وراء إضافة الشهادة الثانية، فهي ضرورة اقتضاها مشروعه النهضوي، رغم تعارضها مع دعوته لوحدانية الله، بل ومعارضتها لآية من آيات القرآن: وأقم الصلاة لذكري.

ينبغي التوقف أولا عند قول مؤلف كتاب الشخصية المحمدية: (إن محمدا اكتفى بالذكر المقدس الخالد لنفسه)، ثم نستأنف الحديث عن شرعية سلطة قريش. فهل كان إجراء محمد، عندما أضاف الشهادة الثانية، دينيا محضا أم قصد الخلود بخلود الشعائر الدينية والصلاة؟. ثم كيف نفهم قراره مع وجود آية تكرّس العبادة والصلاة لذكر الله، والتي لازمها عدم جواز ذكر أي شخص معه.

لا غرابة أن يكتب المؤلف بأسلوب موحٍ، وبات منهجه واضحا للقارئ. فالقرآن في نظره كتاب محمد العربي العبقري، وقد خطه بشكل يخدم مشروعه النهضوي الحضاري، فراح يبحث عن كل شاهد يمكن توظيفه لترسيخ فكرة بشرية القرآن في ذهن المتلقي، فكانت الشهادة الثانية إحدها.

هذه هي النقطة التي يروم غرسها في أعماق القارئ: أن دعوة محمد ليست دعوة دينية. وهذا هو المخفي والمتستر عليه في كلامه. فتكون مهمتنا نقد الأدلة نقدا علميا، تحاشيا لأي انزياح أيديولوجي يزوّر الحقيقة. فهدف الكتاب التشكيك في شرعية ودينية الدعوة المحمدية، وقد سقت بعض الأدلة شاهدا على هذا الاحتمال، وما زالت هناك أدلة كثيرة. وأجد في اثارة موضوع تلازم الشهادتين شاهدا أقوى. فيجب التأني في قراءة نصوص الكتاب وتوخي الحذر من الانزلاق مع تمويهات بيانه، فثمة حقائق راح يقفز عليها، وكأنها بديهيات متفق عليها. فعندما قدّم تفسيرا آيديولوجيا لاضافة الشهادة الثانية، قدمه في سياق هدف التشكيك بدينية الدعوة.

سبق التأكيد أن القرآن يشهد لنفسه في تعاليه ومغايرته وغرائبيته، وما ساقه الرصافي من أدلة لا ينفي تعاليه، سواء كان وحياً كما يؤمن بذلك المسلمون، أو إلهاما فريدٍا، فيبقى مرجعية دينية مقدسة. ثم أن الإسلام أثبت جدارته كغيره من الأديان، في ربط الإنسان بالغيب، وتعبئة معتنقيه روحيا وأخلاقيا، فليس مجديا نفي قدسيته والتعامل معه كظاهرة حضارية مجردة عن جذرها الديني. إن دراسة الإسلام نقديا كظاهرة دينية أجدى، حتى لمناوئيه. لأن القفز على الحقائق مغالطة في صميم مقدمات القياس والاستدلال. فماذا يعني صاحب الكتاب عندما يرتفع بنهضة محمد إلى درجة الفرادة حينما يقول جاء بنهضة عالمية لا مثيل لها. وبنفس الوقت يحط من قيمته الشخصية بشكل موارب حينما يصف محمدا بالعبقرية والنبوغ والعصامية، ويذيّل كلامه بأنه عبقري بحدود بيئته وزمانه؟ فكيف لشخص محدود في عبقريته يحدث نهضة عالمية لا مثيل لها؟ هل يقصد الرصافي أن ديمومة الحضارة الإسلامية كانت بفعل العرب وقيادتهم، مسلمين وغير مسلمين، وليس بفعل الدين ولو كان سببا أساسا في نشأتها، لا في استمرارها وديمومتها؟ هذا ما يكشف عنه النقد والحفر في نصوص الكتاب. فهناك هدف محوري لا يبتعد عنه. وهذا أيضا يعزز احتمال أن يكون الكتاب ضمن جهود التبشير في خصومته اللدودة مع الإسلام. فعندما يجرد الحضارة الإسلامية من بعدها الديني، وينسبها للعرب، فسوف تشمل جهود غير المسلمين. وهي بلا شك ليست قليلة، ولم ينفها أحد. الحضارة الإسلامية عنوان عام يشمل العرب وغيرهم، والمسلمين وما عداهم، فهي تراكم جهود جميع العلماء والمفكرين. بما فيها اسهامات غير المسلمين، ما داموا يعيشون في ظل دولة واحدة. ومن ينسب الحضارة لخصوص العرب للاعتراف بجهود غير المسلمين، فإنه سيخسر جهودا علمية وحضارية مهمة، تتمثل بمعطيات علوم مسلمي فارس الكبرى والأندلس، وما لحقها في مساحات واسعة من العالم.

مر بنا أن المؤلف نسب القرآن لمحمد بأسلوب لبق كما في قوله: (وقد أشار محمد إلى هذه الحالة بآية من آياته القرآنية). واتهمه باختلاق مفهوم التوحيد (ما جاء به محمد من كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" وهي من مخترعاته، التي لم يُسبق إليها على ما آرى)!!. ومن هذا المنطلق يؤكد أن محمدا يتناقض مع آياته من يحث لا يشعر، كما بالنسبة للتلازم بين الشهادتين في الصلاة. بما ينافي الإخلاص في العبادة لله تعالى، حيث قال: "وأقم الصلاة لذكري". فكيف يناقض قرآنه ويشرك نفسه مع ذكر الله؟. يقول في كتاب الشخصية المحمدية ص28-29: (ولم يكتف بذلك بل جعل على المسلمين أن يذكروه عند كل تشهد في صلاتهم التي يصلونها كل يوم خمس مرات. مع أن الصلاة إنما هي عبادة لله ينبغي أن تختص بذكر الله كما قال في القرآن "وأقم الصلاة لذكري" أي لأجلي. وكذلك جعل المؤذنين يذكرون اسمه مع اسم الله عند دعوتهم الناس إلى الصلاة في آذانهم، وكل ذلك خارج عن أصل الدعوة التي جاء يدعو بها الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له).

يأتي الاستدلال بالتلازم بين الشهادتين في سياق سلب الدعوة المحمدية دينيتها. وهذا مطلب أساس طالما أكدّ عليه، فتشعر وأنت تقرأ الكتاب أن المؤلف يقصد الوصول لهذه النتيجة في كل شاهد من شواهده التاريخية والقرآنية. وهذا أحدها، بدليل قوله: (وكل ذلك خارج عن أصل الدعوة التي جاء يدعو بها الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له). فإلزام المسلمين بالشهادتين يتنافى مع كون الدعوة خالصة لله، ويؤكد: (أن دعوة محمد ليست دعوة دينية محضة، بل هي نهضة حضارية، اجتماعية، سياسية). أو بعبارة أوضح أن الإسلام ليس دينا بقدر ما هو نهضة حضارية، كانت دعوة محمد إحدى مقوماتها. وهذا تفسير خاطئ، فالإسلام بقي دينا رغم إفول الحضارة الإسلامية بعد القرن الرابع بل ودخولها عصر الانحطاط. كما بقي الدين نافذة يطل من خلالها الإنسان على الغيب، رغم فشل كل المشاريع السياسية التي رفعت شعاراته. وماذا عن انتشار المسلمين في جميع أنحاء العالم، وهم يمارسون شعائرهم الدينية، هل يمارسونها جزءا من سلوكهم الحضاري أم يقصدون بها الامتثال لخالقهم ضمن تعاليم دينهم؟. فالدين يبقى دينا رغم كل التحولات الحضارية والتاريخية، ولنا في الديانات القديمة، التي ما زالت حية كالصابئة، شاهدا على ما نقول. فهل توارثوا ديانتهم حضاريا أم دينيا؟.

إن مرونة الاحتمالات تفضي إلى نتائج موضوعية، وتضفي على البحث صفة علمية. أما مؤلف الكتاب فيرفض المرونة، ويكتفي بقناعاته المسبقة. فينطلق من نهائيات، تضطره  للانتقائية، والتمويه، وتزييف بعض الحقائق من أجل الوصول إلى هدفه. فالكاتب رفض التعامل مع الدعوة المحمدية كظاهرة دينية، واتخذ منها موقفا حد الرهبة. فراح يبحث عن كل ما يمكن الاستشهاد به من نصوص تاريخية أو قرآنية، ولو خارج سياقها، كنفيه قدسية الدعوة، ونسبة القرآن للوحي، واتهم محمدا باختلاق فكرة التوحيد. وقد بينت سابقا أن السبب وراء اصراره السلبي، أن كل واحدة من هذه القضايا تشكل خطرا على الديانات الأخرى، خاصة المسيحية، لذا احتملت أن يكون الكتاب في سياق الجهد التبشيري المناهض للإسلام. فثبوت نسبة القرآن للوحي يعري عقائد الشرك كاليهودية والمسيحية، ويسلب شرعيتها. كما أن اتهامه لمحمد باختلاق التوحيد هي محاولة لانتشال شرعية الديانات الأخرى رغم شركها، فالتوحيد عائق عقائدي يشكل خطرا جسيما عليها. فالإيمان المجرد من التوحيد فيه مرونة الشرك، خاصة بالنسبة لعيسى في الديانة المسيحية الرسمية، فهو رب بشكل من أشكال الاعتقاد. فالتوحيد يسلبه الربوبية، ويعيد له حقيقته البشرية بعد أن سلخ الشرك نصفها: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ  فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). وهذا ترفضه الكنيسة، الراعي الرسمي للعقيدة المسيحية. فيجب الاطاحة بمفهوم التوحيد، والاكتفاء بالايمان بخالق مجرد من التوحيد. وقد ذكرت أن التوحيد ينتمي لما قبل الديانتين، بشهادة الالواح الطينية. لكن اتضح أن الكتاب يسعى للإطاحة بكل ركيزة دينية، كنسبة القرآن  للوحي، ومفهوم الوحدانية. ويبحث عن كل شاهد يعضد رأيه ببشرية الدعوة المحمدية، كالإلتزام بالشهادتين.

إن كلام الرصافي يثير علامة استفهام جادة، فمن حقنا السؤال عن شرعية الشهادة الثانية في ضوء قوله تعالى: "وأقم الصلاة لذكري". التي تكرّس الصلاة لله تعالى، فهل الشهادة لمحمد بالنبوة تتعارض مع خصوص الصلاة لله تعالى، أم ثمة تفسير آخر لها؟ وهذا يتطلب العودة لسياق الآية، بحثا عن مناسبتها، وتاريخها. وعندما نعود للكتاب الكريم نجد الآية جاءت في سياق آيات تتحدث عن لحظة اختيار موسى للنبوة وهو في الوادي المقدس عندما سمع النداء وكلمه الله من وراء حجاب. فالآية كانت ترسم له خارطة العلاقة بالخالق وفقا للنبوة، فتقول: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي). فأمره بتكريس عبادته وصلاته لله. فالآية لم تخاطب محمدا مباشرة، ولا يصدق أنه ناقض نفسه عندما ألزم المؤمنين بالشهادتين، حتى مع نسبة الكتاب له. الآية في سياقها التاريخي، ولم تشِ بملازمات واضحة، من هنا وقع الاختلاف في فهم دلالتها والتبس الأمر على المفسرين.

وبالتالي لا دليل على حصر الصلاة بذكر الله من نفس جملة (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)، رغم اتفاقهم على ذلك بأدلة أخرى، بل هي حقيقة العبودية بمطلق العبادات ومنها الصلاة. لكن كلامنا مع أدلة صاحب الكتاب، حيث احتج بها لاثبات حصرية الذكر في الصلاة لله تعالى، وهذا ليس صريحا بل وليس ظاهرا مع تعدد الآراء والتفسيرات والاستظهارات اللغوية. غير أن كلمة فاعبدني التي سبقتها تساعد على فهمها. "فَاعْبُدْنِي"، جاءت مطلقة فتكون من باب العام، ثم جاءت (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)، بعدها مباشرة فتكون من باب الخاص، ومجيء الخاص بعد العام يؤكد أهميته. "فاعبدني" تكفي للاستدلال على حصر العبادة بالله، لأنها واضحة وصريحة، فتكون آية محكمة نفسّر بها المتشابه من الآيات. وجملة (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)، جاءت منفصلة وليست متفرعة على الجملة الأولى. فلم يقل فأقم الصلاة لذكري، لكي يقال بحصر الصلاة به. بل هي جملة ثانية، مستقلة، تحتفظ بمعنى مغاير. فبعد أن أمر موسى بحصر العبادة به، أمره ثانية بإقامة الصلاة لذكره. فيقيمها من باب ذكره، تأكيدا لعبوديته. فلم تأت لحصر الصلاة به، وإن كان واقعا ينبغي أن تكون كذلك. لكن هذه الآية بالذات لا تصلح دليلا على مراده. الآية تأمر موسى بعبادة الله، وتطالبه تأكيد امتثاله باقامة الصلاة. فهي ليست بصدد بيان تفصيلات الصلاة، ولا بيان حقيقتها، لأن حقيتها معروفه لموسى، وربما كان يقيمها بشكل آخر فطالبته الآية بترشيد صلاته للتماهى مع عبادة الله. فصلاتك يا موسى من الآن فصاعدا، يجب أن تكون لذكر الله، تتوجه بها لله، تذكر فيها الله. وهذا يشي بأنها لم تكن كذلك قبل النبوة، أو كانت غير واضحة في معالمها. فكان موسى يتجه للمطلق بدون محددات.

ثم الآية مجملة، ولم تتحدث عن تفصيلات الصلاة. ومفهومها مطلق رغم ارتكاز هيئتها وتفصيلاتها بالذهن بحكم المعايشة اليومية. فهناك اختلاف في تفصيلات الصلوات بين الأديان رغم وحدة جوهرها العبادي .. تفصيلات ليست في أركانها وحقيقتها. بل في تشريعاتها وأحكامها الجزئية. ولا دليل على تطابق هيئة الصلاة في جميع الأديان، لأنها جزء من الأحكام الشرعية، وليس جزءا من العقيدة، فيشملها قوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا). وبالفعل تغيّرت بعض الأحكام الشرعية في الشريعة الإسلامية يشهد لذلك قوله تعالى، في خطابه لأهل الكتاب وهو يشجعهم ويرغّبهم بالإيمان بنبوة محمد: (.. وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ). فحجم التغيير ونوعيته يشكلان فارقا بين الشريعتين، وهي ضروة تقتضيها التحولات الحياتية وتطور وعي الإنسان. على العكس من العقيدة التي هي قاسم مشترك بين الأديان: ( .. وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ).

فالقرآن أشار للصلاة وترك تفصيلاتها للنبي وفقا للمتعارف من أركانها، التي استعرضتها الآيات أيضا كالاقامة والركوع والسجود والقنوت. فهي ضمن صلاحياته في التفصيل والبيان، خاصة مع وجود جذر قرآني للشهادة به نبيا ورسولا من الله، كالآيات التي ذكرت (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ)، على اختلاف سياقاتها، خاصة في آية: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ). فلم يأت بشيء من خارج الكتاب كي يتناقض معه، خاصة وأن الله يشهد لمحمد بأنه رسوله، فلماذا لا يصحح المؤمنين التشهد بها؟. كما أن آية: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، تأمر بالصلاة على النبي، بمعنى الدعاء. وهذا مؤيد آخر على عدم تنافي الشهادة الثانية مع روح الكتاب. بل ونابعة من روح القرآن وثقافته، خاصة إذا أضفنا لها حزمة الآيات التي تشيد به، وتفرض على المؤمنين طاعته.

إضافة الى جذرها القرآني، فالشهادة بنبوة محمد لا تخرج الصلاة عن حقيقتها كشعيرة عبادية خالصة لله تعالى، لأنها قرآنية المعنى والألفاظ وإن لم ترد بذات الصيغة تماما، لأن الله شهد بها قبل المؤمنين، وأكد على نبوته ورسالته. أما الأذان فهو مستحب وليس واجبا باتفاق الجميع، وقد اشتمل على فصول، أحدها الشهادة بنبوة النبي. ويراد به الاشعار والتذكير بحلول أوقات الصلاة. ورغم توقيفية مطلق العبادات (إذا قلنا بوجوب الأذان فيكون جزءا من العبادة) أضاف له السنة جملة "الصلاة خير من النوم"، وأضاف له الشيعة الشهادة الثالثة بولاية الإمام علي. وهذا يدل على وجود اتفاق على استحبابه. فهو ليس جزءا من الصلاة، ولا تتوقف عليه صحتها، فلا تبطل صلاة من لا يرفع الأذان. وأيضا ثمة اتفاق أغلب الفقهاء على عدم جزئية الإقامة في الصلاة، فتقع خارج الصلاة، ولا تبطل صلاة من لا يقيم لها. وما تبقى هو التشهّد الوسط والأخير في الثلاثية والرباعيات، حيث يردد المسلمون في صلاتهم: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبد ورسوله). وفيها تركيز على عبودية الرسول لله، وثمة فلسفة وغاية وراءها.

لا شك أن الشهادة لنبوة محمد تخلّده بخلود الصلاة وتعددها وتكرارها. وهذا لازم لها، وليس الخلود مقصود بذاته. فلم يهدف النبي الخلود من الملازمة بين الشهادة بنبوته والشهادة بوحدانية الله. ولم يكن هو المقصود بذاته، بل كان لازما لخلود الصلاة. فقد كان في غاية الزهد كما ذكر مؤلف كتاب الشخصية المحمدية، وبعيدا عن كل مظاهر الدنيا، رغم سعة قيادته وزعامته. ومن يقرأ القرآن يتأكد له ذلك. غير أنه يقصد ما هو أبعد من تخليد اسمه.

محمد صاحب رسالة عالمية، تهدف إلى تصحيح مسار الأديان السماوية السابقة، وتدارك أخطائها العبادية، وإعادة النظر في تشريعاتها. ولو كان يقصد الخلود والقرآن كتابه وليس وحيا إلهيا كما يقول معروف الرصافي، فما الذي منعه من إدراج الشهادة في قرآنه؟ لماذا لم يتحدث بلغة الزعامة والسلطة؟ لماذا لم يصرح بخصوصيته التي تخلده؟ لماذا يدرج الآيات التي توبخه وتوبخ باقي الأنبياء؟

من يطمح للشهرة يسعى لها بكل الطرق، ولم نشاهد في سلوك محمد سعيه للسلطة والشهرة أو استئثاره بالمال العام، وأنا أتحدث عن وجود شهادات نصية تؤيد هذا. بل تقرأ على امتداد الآيات تأكيدا على نبوته وعبوديته لله تعالى. وأنه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا: (قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). وهذه الآية لخصت مهمة محمد وسلوكه العام.

يبقى الشك يراود الباحث حينما يتناول كتاب الشخصية المحمدية، فيستغرب من حجم الملاحقة لشخص محمد ودعوته، واستهداف مشروعه الديني.

أما ما هي فلسفة الإلتزام بالشهادتين معا؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................ 

للاطلاع على حلقات: 

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi10خاص بالمثقف: الحلقة  الخامسة والثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وما زال الحديث عن مصداقية المشروع السياسي للرسول وفقا لأدلة كتاب: الشخصية المحمدية التي دارت حولها الحلقات الأخيرة.

 

مواربات المنهج

ماجد الغرباوي: ثمة عوامل وراء رسوخ الأديان، يقع على رأسها الإيمان التقليدي، المتوارث، الذي عليه غالبية أتباع الديانات في العالم. ويتراوح مستوى إيمان غيرهم بين الإيمان الواعي، ومطلق الإنكار، تبعا لزاوية النظر. وبشكل عام قوام الأديان بالإيمان والتسليم، واشتراكها في اللامعقول العصي على التعقّل: كالوحي، والملائكة والشيطان والجن والجنة والنار.

الدين أحد مصادر المعرفة بالنسبة لمطلق المؤمنين، رغم تفاوتهم في حجمها وسعتها وشمولها. وهناك من يقدّم المعرفة الدينية على المعرفة العقلية، وهذه إحدى المناطق الهشة التي يخترقها رجل الدين بسهولة، ليتحكم بوعي الناس، ويملي عليهم تصوراته. ومن يقتصر مصادر المعرفة على العقل، يرفض أية قضية تقع خارج العلم ومعطياته. وهذا ليس موضوعنا، ولست مع تفتيش العقائد، والناس أحرار فيما يعتقدون. بما فيهم صاحب كتاب الشخصية المحمدية، ولست أيديولوجيا يروم الدفاع عن عقيدته وإن كان حقا محفوظا للجميع. غير أن سؤال الحوار كان حول القيمة العلمية للكتاب. فالبحث معه حول المنهج والأدلة التي استدل بها على صحة أقواله، فيما يخص بشرية القرآن وسلب البعد الإلهي عن الدعوة المحمدية.

قلت سابقا قد يكون الرجل باحثا علميا، وهذا حقه الطبيعي، غير أن ثغرات منهجه وأسلوبه وتحيّزه وانتقائيته، يؤكد وجود هدف وراء تأليفه الكتاب، يتلخّص في تجريد الدعوة المحمدية من بعدها الغيبي، ونفي نسبة القرآن للوحي. ليلتقي بذلك مع جهود آخرين لهم ذات الهدف. بعضهم ينكر البعد الميتافيزيقي، ويتعامل مع القرآن باعتباره منجزا بشريا، يمارس على نصوصه مختلف المناهج النقدية بموضوعية وتجرد تام.

والقسم الثاني، يتصف بموقف مسبق من الإسلام ونبيه وكتابه، مثله مثل من يستهدف التوراة والأنجيل، فهو هادف، يبحث في القرآن والسيرة والتاريخ عن مؤيدات وأدلة تدعم أقواله وموقفه السلبي وربما العدائي. فهدفه زعزعة الثقة بالدين وقدسية الكتاب، وليس دراسة القرآن دراسة علمية وفق مناهج العلوم الأكاديمية، بما فيها تحليل الخطاب، والهيرمونطيقة، والسيمياء ومختلف العلوم اللغوية وغيرها. فهو قد يوظف هذه المناهج لكن بطريقة تخدم هدفه، بعيدا عن الموضوعية والتجرد المطلوب في الأبحاث العلمية.

فكلاهما يتعامل مع القرآن باعتباره منجزا بشريا، غير أن الأول يعمل على ذات النصوص القرآنية، يقارن بينها، ويدرس خلفياتها، ويتابع أصولها في الديانات الأخرى، فيكون عمله علميا. أما الثاني فيحشّد من أجل تعضيد مهمته أدلة وشواهد من خارج النص (السيرة النبوية والتاريخ) بمنهج انتقائي يخدم هدفه، ويقدم تفسيرات سسيولوجية وأنثربولوجية وسايكيولوجية بذات الاتجاه. ومؤلف الكتاب ينتمي للقسم الثاني، من خلال ما تقدم من أمثلة واستدلالات وما سيأتي.

منذ الصفحة الأولى يعلن المؤلف حكما مسبقا يسلب من خلاله الدعوة بعدها الديني والغيبي، فيقول: (إنما الغاية التي يرمي إليها محمد هي إحداث نهضة عربية دينية اجتماعية سياسية، تكون عربية المبتدأ عالمية المنتهى، أي يقوم بها العرب بدء الأمر ثم تعم وتشمل الناس جميعا في النهاية). فمهمة محمد ليست دينية (بشيرا ونذيرا)، لمحاربة الشرك، والدعوة لوحدانية الله، واشاعة العدل والقسط بين الناس، بل هي نهضة عربية دينية اجتماعية سياسية. نهضة قد تمتاز بخصوصيتها، لكنها تبقى نهضة قادها رجل اسمه محمد بن عبد الله بحدود سنة ٦١٠م.

واضح أن الكلام حول النهضة هو استقراء لواقع ما بعد البعثة على مدى أكثر من 1400عام، وليس ثمة أدلة نصية دلت عليها.  فالنهضة لم تكن مقصودة بالذات بالنسبة للرسول. ولم يتطرق لها الكتاب، سوى نصوص دينية، يمكن أن تكون أساساً متيناً لنهضة عالمية إذا أحسن المسلمون توظيفها. وأما من حيث المبدأ فلا توجد مفاهيم نهضوية ضمن آيات الكتاب. ولم يرفع الرسول شعار (نهضة عربية سياسية اجتماعية) إطلاقا، وقد اكتفى بشعار (لا إله إلا الله .. محمد رسول الله) دون غيره. وكان لنشوء الحضارة الإسلامية في القرون الأربعة الأولى أسبابها وظروفها، رغم أن الإسلام كان قاعدتها الأخلاقية، والفكرية. لكنها ليست الهدف الأساس للدين. والأمر ذاته بالنسبة لاستمرار قريش في السلطة، فإنها استمرارية سياسية، لا يوجد دليل على شرعيتها وارتكازها على مبدأ ديني، بل كانت ثمة أسباب ساعدت على استمرارهم بالحكم. فشرط القريشية ليس مبدأ قرآنيا. بل أفرزه صراع السلطة والحكم في سقيفة بني ساعدة. فهو مبدأ سياسي – قَبَلي، يتنافى مع عالمية القرآن: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). وقول الرسول: (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى). فلا تجد أي خصوصية لقريش أو للعرب، بل هي دعوة دينية عامة. لكن مؤلف الكتاب استعان بروايات لدعم رآيه رغم تحفظه الكبير عليها، دون الرجوع لآيات الكتاب الكريم، وهذا خطأ منهجي. القرآن هو المرجع الأساس للعقيدة الإسلامية، وتطرح كل رواية تتعارض معه. وهذا متفق عليهم لدى الجميع. فالتشريع منحصر بالله تعالى، والآية تخاطب الرسول: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ). كما أن القرآن قطعي الصدور على العكس من الروايات، فلا تتقدم عليه مطلقا إلا بيانا وتوضيحا وشرحا. وسبق أن بينت القيمة المعرفية للروايات التاريخية، فأغلبها إن لم يكن جميعها مرسلة، أي سقط راوٍ أو أكثر من آخر إسناده. أو مقطوعة من أولها أو وسطها. فلا يمكن الجزم بصدورها، خاصة مع تداولها شفاهية لمدة 180 عاما. وتأخر تدوين المصادر التاريخية مئات السنين. فكيف يمكن الاستدلال بهذه الروايات؟

الغريب أن بعضهم يشيد بمنهج معروف الرصافي ويصفه أول من حاكم النقل بالعقل، واعتمد منهجا مقارنا بين كتب السيرة والتاريخ. وهذا يكشف عن عدم خبرة بعلوم الحديث والرجال والدراية. فلا تصح المقارنة ما لم نجزم أولا بصحة صدور الروايات، ومطابقتها للواقع ونفس الأمر. فكيف لا نشك بها مع وجود دواعٍ كثيرة للدس والتزوير والاضافة والاسقاط، كالجهل، وعدم خبرة الراوي بالأحاديث والروايات. والعداء المرير للرسالة، والسلطة، التي راحت توظف النصوص لدعم هذا الطرف أو ذاك. فالوضع آفة الروايات الدينية والتاريخية، ومن الصعب اثبات صحة صدورها، خاصة بعد مئات السنين من التداول الشفاهي لها. لذا مقتضى المنهج العلمي الموضوعي تكريس النقد على ذات النصوص القرآنية. وإلا ستفقد الاستدلالات المستندة للسيرة والتاريخ قيمتها العلمية. فمثلا لا يمكن الجزم بما توصل له المستشرق الألماني "تيودور نولدكه" في كتابه "تاريخ القرآن"، رغم جهوده الكبيرة، لأنه استند إلى ذات المصادر التاريخية والروائية التي لا يمكن الجزم بصحة صدورها، ومطابقتها للواقع ونفس الأمر، مع تعدد دواعي الوضع والدس في التراث. فلا يكون كلامه حجة، حتى وهو يرجّح رواية على أخرى، فلا ترجيح مع غياب القرائن الحالية والمقامية، وبالتالي نعود للقرآن شاخصا لمحاكمتها. فما خالف كتاب الله فهو زخرف كما في روايات النبي. وما لم تؤيده آيات الكتاب نتوقف بالأخذ به. وأما رواية: "الأئمة من قريش"، التي رواها أبو بكر في سقيفة بني ساعدة، فسأتطرق لقيمتها ودلالالتها ومدى صحتها.

لقد كان المؤلف وفيّاً لهدفه من تأليف الكتاب، فكان البحث يتحرك باتجاه الاستدلال على صحة رأيه، وحاول سدّ جميع الثغرات قد المستطاع. فمثلا عندما سعى لنفى دينية الدعوة المحمدية، قدّم تفسيرا حضاريا معقول لها، مستعينا بالسيرة والروايات التاريخية، وما شهده المسار التاريخي للسلطة والمجتمعات الإسلامية. وقد ذكرت فيما سبق نموذجا لها، وسنستعرض مجموعة روايات أخرى تكرّس السلطة لقريش. لنتأكد مدى صحة هذا الإدعاء. فهو لا يمكنه إنكار دينية الظاهرة، مع انتشار الإسلام. فطرح تفسيرا، صاغه أو تمت صياغته بدقة، كخطوة أولى في مشروعه. يقول: (إن الغاية التي يرمى لها محمد من الدعوة إلى الله أو من النبوة ليست بدينية محضة). فكان مجبرا على الاعتراف ولو جزئيا، وبشكل مؤقت، بدينية الدعوة. لكن الدين لا يمثل تمام الحقيقة بل ثمة هدف آخر، هو: (إحداث نهضة عربية دينية اجتماعية سياسية). وهذا لا يمكن إنكاره. وبالفعل شيّد المسلمون حضارة، خلال القرون الأربعة الأولى. وبالتالي كانت الصيغة مدروسة بعناية فائقة. الشطر الأول لا يمكنه إنكاره فاعترف به جزئيا، والشطر الثاني لا يمكن للمتلقي إنكاره مع وجود شاهد تاريخي. وهذا النص كان خطوة تمهيدية ليواصل تجريد الدعوة المحمدية من بعدها الديني والإلهي. لكن ثمة سؤال قبل مغادرة هذه النقطة: لماذا واصل الدين دوره في الحياة بعد انطفاء الحضارة الإسلامية؟ ألا يدل على وجود مغايرة بين الديني والحضاري؟ ألا يؤكد أن دعوة  محمد دعوة دينية، سواء كانت هناك حضارة أم لم تكن؟.

لقد واصل المؤلف خطواته لسلب الدعوة المحمدية بعدها الغيبي، على مستويين: الأول من خلال الشواهد والأدلة مهما كان مستوى تناقضها وضعفها. والثاني، إيحائي، نفسي، من خلال سياق كلامه. وهو الأقوى تأثيرا رغم افتقاره للدليل، عندما ينجح بترويض صدمة المتلقي وانفعاله، ويقبل من حيث المبدأ مناقشة بشرية القرآن، بعد أن كان يرفض الفكرة رفضا نفسيا قاطعا. وهذا بحد ذاته هدف مهم للكتابات التبشيرية الهادفة. وقد يتبنى القارئ الفكرة ولو على نحو الاحتمال، ويتحدث بها أو ينقدها. لذا هو ينسب الكتاب لمحمد بأسلوب أدبي لا يشعر به القارئ، وكأنها بديهة متفق عليها، فيقول كما في ص17 مثلا: (وقد أشار محمد إلى هذه الحالة بآية من آياته القرآنية). فالجملة ليس فيها ما يخالف الواقع سوى النسبة في ضمير كلمة "آياته"، فتكون محدودة في وقعها المباشر على المتلقي. لكنها تترسب في لا وعيه، وهذا هو المطلوب، بل ويعد أنجازا كبيرا على المدى البعيد.

لكن لماذا يصّر على سلب الدعوة المحمدية قدسيتها؟ لماذا لا يتعامل معها كظاهرة دينية كما هو منهج الباحثين الأكاديميين، حيث يتعاملون مع الإسلام كدين، يمتلك مقوماته أسوة بغيره من الأديان، وأهمها قدرته على ربط أتباعه بالغيب واللامعقول، وتعبئتهم روحيا ونفسيا، واستجابتهم لأوامره وتشريعاته ولو نسبيا. وهي صفة جميع الأديان.

الكتاب يتحرك بأسلوب مدروس يهدف تفكيك البعد السماوي والإلهي في الدعوة المحمدية. ويتدارك كل مؤاخذة محتملة بأدلة احترازية، فمثلا، قدم مفهوما جديدا لمعنى الصدق والكذب، مخالفا بذلك القيم والاعراف الأخلاقية. فالصدق عنده ما وافق المصلحة، والكذب ما خالفها. وهذا قد يصدق جزئيا عندما يدور الأمر بين الموت والحياة، ولكن لا يصدق في النبوات والمرافعات القضائية والعلاقات القائمة على قيم أخلاقية. بل أن هذا التعريف يعمّق روح الشك، ويحطّم أواصر العلاقات الاجتماعية حتى بين أقرب الناس، فيتسرب الشك مهما كان صادقا قائله. وقد اضطر لهذا المفهوم لتفسير ما ينسبه محمد للخالق تعالى، وهو المعروف عند العرب بالصادق الأمين. فقال: هو لم يكذب لأنه يريد الخير لأمته. بمعنى أنه ليس نبيا ويتلقى الوحي، وأنما نسب ما يقول للخالق كذبا وزورا، لكنه كذب حميد!، فيه مصلحة الناس. وهذا التفسير قد يجد أصداءه في وعي بسطاء الناس، وهذا مكمن الخطر لولا إيمانهم التقليدي الراسخ، الذي لا تؤثر فيه هذه الاستدلالات.

وحينما يشيد في أول صفحات الكتاب بالدعوة ويصف صاحبها بالعظمة، ويتحدث عن خصائص شخصيته الفريدة، (أعظم رجل عرفه التاريخ. أحدث في البشرية أعظم انقلاب عام في الدين والسياسة والاجتماع...) يختتم كلامه بأن عظمته في حدود زمانه. فهو عظيم في وقته وليس دائما. (إلا أنه في هذه الناحية لا يفوق إلا المحيط الذي نشأ فيه .. أي إن عقليته لا تتجاوز في تفوقها إلا العقلية العربية في زمانه وبيئته). وهذا الكلام رغم تناقضه يقع في سياق تفكيك البعد الإلهي للدعوة. فهو بحاجة إلى تحجيمها، وتحجيم صاحبها، فهو عبقري في حدود زمانه وبيئته. ولازم كلامه نفاد القيمة الدينية لكتابه وأقواله. فهي نصوص محكومة بظرفها، وليس لها إطلاق خارج بيئتها.

يبدو أن الدعوة ببعدها الإلهي تشكل خطرا ما على صاحب الكتاب ومشروعه، فيسعى لنقده وتحطيمه. تتضح معالمه بشكل جلي، حينما يعتبر التوحيد مجرد فكرة مختلقة، جاء بها محمد لصالح مشروعه النهضوي يقول: (ما جاء به محمد من كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" وهي من مخترعاته، التي لم يُسبق إليها على ما آرى)!!. والسؤال ما هو الخطر الذي يشكله التوحيد على صاحب المشروع، فيسعى إلى تفنيده، علما أن التوحيد يعود في بعض الدراسات إلى عهود قديمة كما دلت على ذلك الألواح الطينية؟. وكانت هناك اتجاهات توحيدية في زمن البعثة تمثلت بالأحناف، والموحدين من النصارى. وكان الرسول يصرّ عليها باعتبارها ميزة الديانات الإبراهمية، وطالما اتهم أهل الكتاب بالانحراف عنها.  لكن الرصافي ينفي تبني اليهودية والمسيحية لفكرة التوحيد، رغم إيمانهما النظري بها. وكلاهما برأيه مشرك من الناحية العملية. فلا يصدق أنهما موحّدان.

ويعود السؤال ما هو الخطر الذي تشكله فكرة التوحيد على صاحب الكتاب؟. هل يخشى الإسلام كدين إلهي على دين أخر كالمسيحية مثلا؟ اعتقد أن الاعتراف بالتوحيد سيفضح العقائد المشركة؟. وهذا بحد ذاته يشكل خطرا كبيرا عليها. فنفي التوحيد يوفّر قدرا كبيرا من الشرعية لتلك الأديان، رغم شركها. لأنها أساسا تؤمن بوجود خالق، لكنه إله مرن، لا يحتكر الربوبية لنفسه، ويقبل بنوع محدود من الشراكة. فعيسى رب في العقيدة المسيحية الرسمية، اجتمع فيه اللاهوت والناسوت. ولهم تفسيراتهم اللاهوتية. فصاحب الكتاب عندما ينفي التوحيد وهي صفة الأديان الإبراهيمية يروم تأمين شرعية الديانات الأخرى. فالتوحيد عقبة، وعقيدة خطرة تصادر الأديان والمعتقدات التي لا تؤمن بوحدانية الله تعالى. وليس في هذا الكلام طعن في مصداقيته بل هي أدلة كتابه وأقواله، التي لا تقبل الشك لصراحتها.

لا شك أن الدعوة المحمدية شكلت خطرا جسيما على الديانات الأخرى، خاصة المسيحية التبشيرية، حينما تحدت عقائدها ونافستها في مساحات واسعة من الوجود الديني الذي كان حكرا عليها. ثم تفاقم الخطر مع كل انتصار عسكري في أرجاء الجزيرة العربية وغيرها. فتفكيك البعد السماوي والإلهي يعد استراتيجية لا يمكن التراجع عنها لدرء خطر التنافس الديني. لكنها جهود محدودة التأثير فالإيمان التقليدي، ليس وليد تفكير عقلي أو فلسفي، وأنما وليد بيئة وتربية، فيكون راسخا، لا يؤثر به الخطاب التبشيري، خاصة وهو يمارس الطقوس العبادية، اليومية والموسمية.

فالكتاب يتنافس على احتكار الحقيقة الدينية من خلال سلب الآخر شرعيته، وهذا حقه عندما يكون موضوعيا، لكن تحدثت طويلا عن القرآن كونه كتابا مختلفا، لم يأت أحد بمثله إطلاقا، مما يدل على تعاليه، وعدم نسبته للبشر. فثمة مرجعية ما فوق ينتمي لها، يعبر عنها القرآن بالوحي، ويعبر عنها الوضعيون بالإلهام، الشعر، الجنون. بهذا راحت زاوية النظر تؤثر في فهم الدين وتفصيلاته. أما بالنسبة لمؤلف الكتاب فالدين، دين محمد جاء به لخدمة مشروعة النهضوي المكرّس للعرب. والمشاريع النهضوية الكبيرة الطموحة تحتاج إلى وحدة حقيقية، وتماسك أبناء الأمة بشكل لا يتزعزع بنيانها عند الأزمات. فتحتاج لرابطة قوية تؤسس لهذا اللون من الوحدة. وليس كالدين كما يقول قادر على توحيد قلوبهم: (كان من الضروري لمحمد أن يجمع كلمتهم قبل كل شي، فيكون فيهم وحدة دينية ويربطهم برابطة الإخطاء الديني ... وإذا علمت ماذا يريد محمد من وراء دعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ...). وبهذا الشكل سلب الدين قدسيته ونسبته لله تعالى، وكرّسه لخدمة هدف محمد في إحداث نهضة. فهو رجل نهضة وليس نبيا. والكتاب قرآنه، وهو منتج للنص وليس قارئا له من مصدر علوي. لأنه ليس وحيا سماويا. و"لا إله إلا الله" أو التوحيد من مخترعات محمد، ليس لها جذر ديني أو تاريخي. ثم راح يستمر لتعزيز آرائه، وتوقف طويلا حول بعثته، متحدثا عن حقيقة الوحي، وهي ذات التفسيرات التبشرية والاستشراقية، وجميعهم اعتمد التراث مصدرا لآرائه وتفسيراته. وقد بينا ما فيه الكفاية حول القيمة المعرفية للتراث والروايات التاريخية. وهذا لا يخص معروف الرصافي أو غيره من الباحثين بل يشمل حتى علماء الإسلام وفقهائهم ومفسريهم. فلا حجية لأية رواية ما لم نجزم بصحة صدورها ومطابقتها للواقع ونفس الأمر وهذا هو المستحيل بعينه بعد أكثر من 14 قرنا. لذا تدارك الأمر فقهاء المسلمين فقالوا بحجية خبر الواحد، وفق أدلة عقلية ونقلية، ومن ثم حجية أخبار الآحاد مع ضمان وثاقة رواة سند الحديث. رغم أن كاشفية خبر الآحاد عن الواقع كاشفية ناقصة وليس تامة كالخبر المتواتر، لكن الشارع جعلها كما يقولون حجة في روايات الأحكام ولا تشمل الروايات التاريخية والعقائدية. وهو منهج رخو لا يصمد أمام النقد العلمي، خاصة مع كثرة تعارض الروايات، وعدم وجود مرجحات. بل حتى مع إمكانية رفع التعارض بينها قد يكون على حساب مقاصد الشريعة، عندما يخصص العام ويقيّد المطلق. فربما المصلحة في الإطلاق والعام وليس التقييد والخاص.

لا يمكن لمعروف الرصافي وغيره سلب البعد الديني للدعوة المحمدية مهما كانت حجم الأدلة والاستشهادات التاريخية والشخصية، لأنها نجحت في إثبات صدقيتها وانتشرت أنتشارا واسعا. لكن من حق الجميع مناقشة التفصيلات. ومن الكل نسبة القرآن لمصادر بعيدا عن الوحي، شريطة قدرة أدلتها على الصمود أمام النقد العلمي. وتقديم تفسير مقنع لتعالي الكتاب. والنقطة الآخيرة هي الهاجس الذي أرّق صاحب كتاب الشخصية المحمدية فعقد فصلا لمناقشة النص القرآني بلاغيا ولغويا، وقد نسى الكاتب ثمة فارق ذوقي بين المجتمعات قدرة 1400 عام. وكان الرهان في التحدي اللغوي والبلاغي على تلك الفترة بالذات. ومهما كان عدد الروايات التاريخية لا يمكننا تصور البيئة العربية آنذاك بجميع أبعادها. إضافة إلى ما تقدم حول حقيقة الإعجاز، فليس المقصود بإعجاز القرآن جانبه اللغوي والبلاغي، بل ثمة ملاحظات عليهما. وقدمت تصورا واضحا عن مفهومي الإعجاز، وحفظ القرآن. وقلت أن القرآن تحدى بحقيقته وتعاليه ومغايرته، والدليل عدم وجود كتاب ديني منافس منذ نزول الوحي. والمقصود بالحفظ حفظ الحقيقة الكبرى في اللوح المحفوظ، وليس حفظ جميع تفصيلات الكتاب، مع احتمال الزيادة والنقصان بسب النسخ، والتصحيف.

يتبع في حلقة قادمة

 

............................  

للاطلاع على حلقات: 

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi7خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يتحدث عن قيمة الأدلة القرآنية، وفقا لما جاء في كتاب: الشخصية المحمدية التي دارت حولها الحلقات الأخيرة.

 

اشتغالات النص القرآني

ماجد الغرباوي: تقدّم أن الجميع اعترف بمغايرة وتعالي وغرائبية القرآن، وقدرته على التحدي في حقيقته، وبراعته في ربط الإنسان باللامعقول، وانشداده للغيب، وتعبئته روحيا ونفسيا. وقد تفرّد بخصائصه منذ عصر الوحي، مما يؤكد تفوقه وصدق نسبته للوحي. وهذه نتيجة مهمة، تساعد على نقد أفكار الكتاب الذي نحن بصدده، مهما كان حجم الملاحظات التي تسجل ضده. فقد نتفق أو نختلف حولها، وفقا لمنهجنا في قراءة النص، وأدواتنا المعرفية في فهم مقاصده وغاياته. المؤلف لا ينكر عظمة ما جاء به محمد، ومنذ الصفحة الأولى راح يشيد به بقوة، لكنه يرمى بنقده سلب قدسيته وتكذيب نسبته للوحي. وهذا لا يتحقق له مع اعترافه ولو ضمنيا بأنه كتاب مختلف. وقد مر الحديث عن طبيعة تحدي القرآن، وقلنا إنه يتحدى بحقيقته ومغايرته وغرائبيته، وليس في تفصيلاته. وبينا حقيقة حفظه في آية: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).

واتضح أيضا ضعف أدلته التي استدل بها على صحة رأيه، حيث يرى أن مشروع محمد ليس دينيا محضا بل ديني سياسي اجتماعي يروم من خلاله احداث نهضة. وبالتالي تحقق البعد الديني أم لم يتحقق ليس مهما، ما برح الدين وسيلة وغاية لتحقيق تلك النهضة. بذلك نفى نسبة القرآن للوحي، واعتبره منجزا بشريا، كتبه محمد لهذه الغاية. بل وأنكر جوهر العقيدة الإسلامية كما سيأتي. لكن اتضح لم يتمكن نفي نسبة الكتاب للوحي، ولم يستطع إثبات صحة فهمه للدعوة المحمدية. فقد تلاشت حضارة المسلمين بعد القرن الرابع الهجري وبقي الإسلام يمثل هوية المسلمين، يتفاعلون معه، ويدافعون عنه. ويلتزمون بأحكامه وعباداته ولو نسبيا. فلماذا لم ينطفئ مع انهيارها؟

غير أن المؤلف لم يكتف بشواهد تأريخية كأدلة على صحة رأيه، بل راح يستعين بتفسير الآيات، وتقديم فلسفة جديدة لبعض الأحكام الشرعية تخدم فرضيته. إلا أنها مجرد وجهة نظر خاصة به لم ترقَ لمستوى الدليل المعارض، يمكن نقضها في ضوء سياق الآيات القرآنية الأخرى. فمثلا: استشهد بـ"الجزية" دليلا على صحة فرضيته التي يلخّصها قوله: (إن الغاية التي يرمى لها محمد من الدعوة إلى الله أو من النبوة ليست بدينية محضة، بدليل أنه قبل الجزية من غير العرب من أهل الكتاب والمجوس، إذ لا ريب أن أخذ الجزية منهم وتركهم على ما هم عليه من الكفر والضلال ينافي أنه لم يرسل إلا لدعوة الناس كافة إلى التوحيد. أي عبادة الله وحده لا شريك له).

من حق الجميع نقد القرآن، خاصة من يعتقد أنه منجز بشري، ولست بصدد مصادرة رأي المؤلف، بل ينبغي التحلي بالموضوعية في تحري صدقية استدلالاته. وقد بينت في حلقة سابقة بعض ثغرات منهجه النقدي، التي منها سطوة قبلياته على البحث. وما زالت تلك الأحكام الجاهزة تفرض نفسها وهو يحاكم نصوص الكتاب الكريم. فضلا عن انتقائيته في اعتماد الروايات التاريخية. المؤلف انطلق من فرضية مسبقة راح يعيد بها قراءة وفهم النصوص القرآنية، ويحشد لها شواهد تاريخية، وهذا خلاف التجرد والموضوعية. فنتيجة البحث مقررة مسبقا، بها يعيد قراءة الكتاب الكريم، ولم تأت نتيجة بحث ودراسة واستقصاء، كما هو مقتضى المناهج العلمية. بمعنى آخر، الرجل يتبني فكرة، لأي سبب كان، يبحث لها عن أدلة، فتارة يستعين بالسيرة والتاريخ بمنهج انتقائي، وأخرى يلوذ بالتأويل والابتعاد عن المقاصد الحقيقية للنص القرآني. وهذا أسلوب خاطئ، ينأى به عن الموضوعية، ويفقد البحث قيمته العلمية. ويصبح كتابه كتابا أيديولوجيا، بقصد الطعن بالدين بغطاء جميل اسمه النهضة العربية الكبري، كما يعبر. لذا لا يتردد بتبنى الفكر الاستشراقي وآرائه عن الإسلام ومحمد النبي.

إن استشهاده بمثال الجزية لم يكن موفقا لأنها غير منقطعة عن سياقها التاريخي. وليست حكما ابتدائيا خص به أهل الكتاب. بل ثمة أسباب فرضت الجزية، تنتفي بانتفائها. الجزية ضريبة مالية فرضها القرآن على خصوص من أصرّ على محاربة الرسالة والرسول من أهل الكتاب، وليست ضريبة مطلقة في كل زمان ومكان فلا تشمل غيرهم. بل أكثر من ذلك، لم تفرض الجزية بدلا عن حمايتهم وعدم تجنيدهم ضمن جيوش المسلمين، كما ذهب إلى ذلك كل من عجز عن فهم مقاصدها، وجميع فقهاء السلطة لشرعنة استيفائها.

الجزية ضريبة تأديبية مؤقتة، فرضتها ظروف الحرب آنذاك، فينبغي فهم ملابساتها التاريخية في ضوء سياق الأحداث وثوابت القرآن، الذي يفسّر بعضه بعضا، وفقا لنسق آياته ومنطقه الداخلي القائم برد المتشابهات إلى المحكم من آياته. بل يجب قراءة كل قضية قرآنية في سياقها التاريخي، وإلا ستصبح الأحكام الشرعية فوضى كما هي الآن. الفقهاء قاطبة إلا ما ندر لا يعتنون بتاريخ الحكم، ولا يتحرون فلسفته، لذا تضخمت الأحكام الشرعية، وغدت سياطا لجلد الناس وقمعهم في إطلاقاتها وتعميماتها وسعتها. وبات المتدين يتعثّر بين العنف والخرافة، لا يعرف كيف يسترد ذاته وحيثيته. مغمور في مستنقع العبودية ويحسب أنه تحرر من ربقة الأوثان.

ما تقدم عن الجزية ليس دفاعا ولا تبريرا للقرآن والإسلام، بل هي منهجية فهم النص، أي نص كان، والنص القرآني منها. فأحد مشاكل الفهم الديني هي تجريد النص القرآني من تاريخيته، والتعامل مباشرة مع ظاهره دون الرجوع لسياق الآية والظروف والقرائن المحيطة بها. وهذا يفقد النصوص مرونتها، وقابليتها على التجديد وفقا لضرورات الإنسان والمجتمع.

كل نص قرآني يشتغل في دلالته ضمن سياقه التاريخي وفي إطار ركائز الكتاب ومقاصده وغاياته. والجزية ليست حكما مطلقا ليستدل به الرصافي لتعزيز فرضيته حول الهدف الأساس من الدعوة المحمدية. بل هي حكم استثنائي، مقيد بموقف الإسلام من الآخر. وهو موقف واضح صريح في عدد كبير من آيات التسامح والرحمة والعفو التي تبقى ثوابت قرآنية تفرض نفسها مهما حاول الالتفاف على فعليتها القائلون بالنسخ، المولعون بسفك الدماء، ومنهم التكفيريون الذين أهلكوا الحرث والنسل بسبب اصرارهم على نسخ كل ما سبق آية السيف التي مر تفصيل الحديث عنها في الحلقة (28) من هذا الحوار.

إن أول خطأ وقع فيه المؤلف خلال استدلاله، أو كان يقصده، حينما فسّر مراد القرآن من "دعوة الناس كافة إلى التوحيد" بإرغام الناس على الإسلام عنوة. فساوق بين الدعوة والإرغام، وهذا يتعارض مع صريح الآية الكريمة التي قيّدت النبي في دعوته للناس كافة بأن يكون بشيرا ونذيرا: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). فكيف استفاد الإرغام والجبر على الإسلام من هذه الآية؟. فهل يفهم من الإنذار الإرغام، وهو الخبير باللغة العربية؟ أم أراد التمويه على القارئ ليصل إلى مراده؟. كان ينبغي له أولا أن يستدل أن المراد بالدعوة خصوص الإرغام الذي يلازم استخدام القوة والعنف، ثم بعد ذلك يرتّب على كلامه ما يريد. والآية كما تقدم واضحة في مفادها لا تحتاج لأي عناء، أن محمدا مرسل للناس كافة، بشيرا ونذيرا، وليس أكثر من هنا.

ثم إن الموقف من الآخر المختلف دينيا قائم على عدم الإكراه فصلا عن الإجبار والإكراه: (لا إكراه في الدين). و(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا). وهذا محدد أساس في الدعوة لا يمكنه الحياد عنه، لأنها آيات صريحة واضحة فهي من الآيات المحكمة التي بها نفهم ونفسّر الآيات المتشابهات التي يلتبس فهمها أو تتعارض مع آيات أخرى. كما أن أسلوب الدعوة القائم على الحكمة والموعظة، وليس الإرغام، محدد آخر لها، يتنافى صراحة مع فهم الكاتب: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). بعيدا عن العنف والقوة والإرغام. فينبغي عدم الخلط بين سلمية الدعوة، التي هي أساس وثابت قرآني، والدفاع عن النفس الذي اضطر المسلمين لحمل السلاح.

وبهذا يتضح حجم التناقض بين الآيات وقوله: (لا ريب أن أخذ الجزية منهم وتركهم على ما هم عليه من الكفر والضلال ينافي أنه لم يرسل إلا لدعوة الناس كافة إلى التوحيد. أي عبادة الله وحده لا شريك له). فالجزية لا تقايض بقاءهم على دينهم، لأنهم أساسا أحرار، ولم يجبرهم أحد على دخول الإسلام، لذا آية الجزية لم تتطرق لهذا الموضوع ولم تطالبهم بالتخلي عن دينهم. كما إن عقوبة الاصرار على الكفر عقوبة أخروية وليست دنيوية، ما لم يكن الكافر محاربا، فيجب الدفاع عن النفس بل وملاحقته مع اصراره على حمل السلام. كما هو الموقف مع مشركي قريش.

وأما الاشتباك العسكري مع أهل الكتاب في حينه أسبابه معروفة تاريخيا، ملخصها: (خيانة، تواطؤ مع العدو، حرابة وعدوانية). فالجزية كانت إجراء تأديبيا، لخيانتهم شروط معاهدة المدينة، التي ضمنت لهم حقهم في البقاء على دينهم، لكنهم نكثوا العهود والمواثيق وتواطؤوا مع قريش ضدهم. وبهذا التواطؤ والإصراردخلوا الحرب فعلا.  فمواصلة الخيانة تكشف عن وجود نوايا عدوانية، واصرار على محاربة المسلمين والدعوة المحمدية. فيصدق أنهم محاربون فعلا وبالقوة، فيستحقون الملاحقة العسكرية، لتكرر خيانتهم وعدوانهم، حتى بات من الصعب الوثوق بكلامهم ومواثيقهم.  فالجزية قصدت هؤلاء بالذات، لذا حددت أوصافهم في إجراء احترازي، كي لا تطال العقوبة غير المحاربين من أهل الكتاب. (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ).

الآية واضحة لم تقايض كفرهم وضلالتهم بالجزية كما يعتقد صاحب الكتاب أو أراد أن يلقي شبهة في سمع المتلقي. بل كانت الجزية مقابل الكف عن قتلهم وملاحقتهم حينما استجاروا بالنبي في كل خيانة ومواجهة مع المسلمين. فالجزية تأتي ضمانا لصدق تعهدهم. وبالضرورة سيكون عدم دفعها تمردا وإعلان حرب. بمعنى آخر: فرض الجزية يدل على عدم وثوق المسلمين بمواثيق أهل الكتاب ممن تكررت خيانتهم، ودفعها يدل على حسن نواياهم وصدق تعهدهم. وهي مرحلة تاريخية لم تشمل سوى الفئة المحاربة من أهل الكتاب (وهم اليهود).

إن تطبيق حكم الجزية فيما بعد من قبل خلفاء المسلمين على غير هؤلاء المحاربين يعد تعسفا لا دليل عليه سوى تشبث غير علمي بظاهر إطلاق الآية. بل هي إرادة سياسية، لا فرق بينها وبين إعلان الجهاد، الذي انتفت فعليته بانتصار الدعوة ووفاة الرسول لكنهم أصروا على تفعيله لبسط نفوذهم وسلطانهم. وإنما أقول غير علمي لأن الآية أدرجت أوصافهم ضمن تشريع الحكم، فهي جزء من موضوع الحكم. فتختص بهم دون غيرهم. فالحكم ليس مطلقا في جميع الأحوال والأزمان، بل هو مأخوذ على نحو القضية الخارجية كما يعبّر الأصوليون، أي أن الحكم ناظر لخصوص من خان المواثيق وحارب الرسول فعلا من أهل الكتاب. فلا إطلاق للحكم في غير هذه الحالات. فهو حكم مؤقت، مرهون بظرفه، يندثر بمرور الأيام. لكن للأسف استغل الحكّام المسلمون بعد عصر البعثة الجزية في اضطهاد أهل الكتاب، وأجبروهم على دفعها بشكل مذل لكرامتهم الإنسانية على الضد من قيم القرآن التي تؤكد على كرامة بني آدم بغض النظر عن أي توجه آخر. وصارت الجزية بالفعل موردا ماليا لخزينة الخلافة، على حساب أصحابه.

إن كلمة "صاغرين" المذكورة في آية (حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)، لا تعني إذلال أهل الكتاب مطلقا وإرغامهم على دفع الجزية على كل حال، وبطريقة مذلة تهين كرامتهم. بل هي وصف لهؤلاء المحاربين التي ذكرت الآية صفاتهم، فإنهم سيشعرون بالذل جزاء خيانتهم لعهودهم ومواثيقهم، فهي عقوبة نفسية أكثر منها مادية، ترافقهم مدى الحياة. فـ"صاغرين" جاءت لوصف حالتهم النفسية وهم يدفعون الجزية مجبرين، بما جنت أيديهم، حيث يشعرون بالذلة والمهانة. وليست هي أمرا وواجبا في موازة حكم دفع الجزية، كي يجبر على أن يدفعها بشكل مذل. هذا تفسير خاطئ، لكن للأسف أن بعض الفقهاء اللانسانيين، يفسرون قوله: "وهم صاغرين" بضرب أهل الكتاب بعد دفع الجزية، وتوبيخهم، وإهانتهم. فهل ينتمي هؤلاء لقيم الدين الحنيف، أم أدوات مأجورة في أروقة السلطة؟.

كم شوّه فقهاء الإسلام دين محمد بن عبد الله؟. فطالما قدموا الروايات وسيرة الصحابة بل والخلفاء على الآيات من أجل مكاسب سياسية وعدوانية. إنها الروح القبلية الدموية تجري في عروقهم. مخجل عندما تقرأ التاريخ في تعاملهم مع أهل الكتاب خاصة ما جرى عليهم في ظل الدولة العثمانية من تمييز وأحكام جارحة لكرامتهم وإنسانيتهم، فكانوا يستبعدون من وظائف الدولة والخدمة العسكرية إرتكازا لهذه الآية. لقد كان اضطهادا حقيقيا أعان عليه رجال الدين ومشيخة الإسلام بحجة تطبيق الشريعة فشوهوا معالم الدين وسماحته. لقد كان الجزية في زمن الدولة العثمانية ابتزازا مقصودا، تسبب في تأليبهم ضد سلطنة الخلافة وضد كل ما ينتمي للإسلام من أحكام وشرائع. فاضطروا لتشكيل جمعيات سرية سعيا للتحرر من قبضة الشريعة والسلطة العثمانية. فكانوا وراء أغلب حركات التحرر العربي، والدعوات التي ارتفعت ضد العثمانيين. وهذا رد فعل طبيعي يفعله كل مضطهد في العالم، لا يلامون عليه، ما لم يصل حد الخيانة والتواطؤ ضد الاستعمار.

كان ينبغي لرجل الدين اتخاذ موقف صارم ضد اضطهاد غير المسلم، وكان عليهم أيضا الاصطفاف معهم ليبينوا لهم حقيقة الموقف الإسلامي، وحجم تباينه مع السياسة العثمانية. إنه حديث مؤلم يجرح القلب. كان ينبغي اللجوء إلى القرآن لفهم مقاصده وأحكامهم، لكنهم يلوذون بالتاريخ والسيرة بما في ذلك سيرة الصحابة بل وسيرة خلفاء المسلمين من أجل شرعنة السلطة، ولو على حساب الدين وقيمه. "صاغرين" وصف لحالتهم خلال الدفع. ولو كان أمرا شرعيا لجاءت الكلمة بصيغة الأمر أو ما يدل عليه. وهذا منتفٍ، وهم يعلمون ذلك جيدا، لكنهم يتوسلون بروايات لا يمكن الجزم بصحة صدورها. وعمدة أدلتهم ما ينقل من سيرة الصحابة والخلفاء المسلمين.

ثم يقول صاحب الكتاب: (فقبول الجزية من هؤلاء دون مشركي العرب يدل دلالة واضحة على أن الغاية ليست بدينية محضة، إنما الغاية التي يرمي إليها محمد هي إحداث نهضة عربية دينية اجتماعية سياسية، تكون عربية المبتدأ عالمية المنتهى، أي يقوم بها العرب بدء الأمر ثم تعم وتشمل الناس جميعا في النهاية). وهذا فهم ينسجم مع قبلياته، وهو وجهة نظر خاصة به، أصرّ عليها لتأكيد صحة آرائه.

لكن لماذا لا نفهم الأمر بشكل مغاير؟. فالثابت تاريخيا أن النبي واصل حربه ضد قريش حتى فتح مكة. بينما اكتفى بالجزية دون ملاحقة أهل الكتاب، مراعاة لدينهم، وارتكازا للآيات التي حددت طبيعة العلاقة بهم. ولا شك أن دفع الجزية أهون من القتل رغم عدوانية العدو. وقد خفف على أهل الكتاب وشدد على مشركي الجزيرة العربية. كما له موقف مسبق حينما أجلى بعضهم دون حرب وقتال (بني قينقاع وبني النضير)، وهذا موقف مسالم، غير عدواني، مع قدرته على قتلهم. بل في وثيقة المدينة التي كتبها من أجل عيش مشترك دليل واضح على حسن نواياه، واحترام عقائدهم ودياناتهم. لكنهم خانوا العقد والانحياز للحرب مع قريش، فكانت الجزية إجراء لا بد منه تفاديا لسفك دمائهم.

فالكاتب جانب الحقيقة عندما رادف بين الدعوة إلى الناس كافة والإرغام، من أجل الظهور بنتيجة تخدم هدفه، ومفادها: أن الدعوة للناس كافة تقتضي إرغامهم عليها، لكنها تنازل عن هذا المبدأ وأخذ الجزية من أهل الكتاب لتأمين ميزانية النهضة العربية. لأنها بحاجة إلى مال، يقول: (ولا شك أن مثل هذه النهضة تحتاج في سيرها وتكاملها إلى المال، ففتح لهم هذه الموارد المالية).

ثم ما قيمة عوائد الجزية (آنذاك) قياسا بما غنمه المسلمون من حروبهم؟ وكم هو عدد الملزَمين بدفعها كي تصبح الجزية رافدا أساسيا لخزينة الدولة الإسلامية في زمن النبي؟. لقد ذكرت ضمن تحفظي على فتوحات الخلفاء المسلمين في كتاب: تحديات العنف، أن هدف الغزوات بعد النبي لم يكن دينيا، بل هي حروب توسعية، تهدف أيضا إلى إشغال المسلمين بالحروب، بعيدا عن مركز الخلافة، وملاحقة الخليفة بالنقد والمتابعة. والحصول على أكبر كمية من الغنائم، التي تعد مصدرا أساسا لميزانية الخلافة. ولماذا لم يكتف النبي بتشريع الزكاة رافدا للنهضة العربية، وهي ضريبة شاملة، تشمل حزمة واسعة من الأموال، ولا تستثنى أحدا. صاحب الكتاب عمم عائدات الجزية بأثر رجعي لتشمل ما تقاضاه النبي والصحابة من أهل الكتاب. والأمر ليس كذلك حيث توسعت الفتوحت وشملت الجزية أعدادا كبيرة فيما بعد.

وبالتالي لم يكن الرصافي موفقا في فهمه لتشريع الجزية، الذي هو تشريع مؤقت، مرحلي، فرضته ضرورات توتر العلاقة، ودخولها نفق المعارك العسكرية، مع اصرار الآخر على الحرب. ولا يمكنه الاستدلال به مع وجود تفسير موازٍ. وما ذكره لحد الآن من أدلة لا يدعم فرضيته: بأن غاية محمد إحداث نهضة شاملة يقودها العرب، بل احتمال أن دعوته دعوة دينية محضة ما زال هو الأرجح. ولا مانع أن يدفع الدين باتجاه نهضة شاملة، لكنه من حيث المبتدأ دعوته دعوة دينية لنبذ الشرك وتوحيد الخالق.

يتبع في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbaw10خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يتحدث عن مصداقية المشروع السياسي للرسول وفقا لما جاء في كتاب: الشخصية المحمدية التي دارت حولها الحلقات الأخيرة.

 

القرآن وهدف الدعوة

ماجد الغرباوي: قبل تقصي الفكرة الأساسية في كتاب الشخصية المحمدية. نؤكد أن الجميع بما فيهم القائلون ببشريته اتفقوا بأن القرآن كتاب مختلف، متعالٍ، يعجز عن الإتيان به بشر عادي، لذا وصفوا محمدا بالعبقرية، والذكاء الخارق، وشخصية مؤثرة، وعصامية. وهذا متفق عليه، مهما بلغ حجم التشكيك في بعض تفصيلاته، لذا لم تستطع نسف مكانته الدينية جهود المنكرين منذ البعثة النبوية إلى يومنا هذا. واستمر الإسلام يتحدى، كدين سماوي، من خلال قدرته الهائلة على تعبئة أتباعه في إطار علاقة راسخة بالغيب والمطلق اللامتناهي. وبراعته في تأثيث المخيال واللاوعي الديني برمزية اللامعقول والمتواري، وتصوراته عن الحياة والكون واليوم الآخر، فخلق فيهم روح التضحية والفداء والاندفاع، وهذا بحد ذاته دليل صدقيته التي يشارك فيها جميع الأديان. فامكانية ربط الفرد باللامعقول مهمة تتفرد بها الأديان جميعا، وتتفاضل في حجم المشاعر والسلوك قياسا بسعة تصور اللامعقول الديني وقدرته على رسم أفق المخيال وترسيخ الإيمان به.

وأما نسبة القرآن للوحي، وشرعية أحكامه وتعاليمه فتتوقف على إيمان الفرد بنبوته. فالمنكر لقدسية الكتاب لا يلتزم بتشريعاته وهذا أمر بديهي، لكنه يعترف بتعاليه، وسموه بحد ذاته، ويكفي وصف صاحبه بالعبقرية والخروج عن المألوف. فالاتفاق حول تعاليه، وسيادة الظاهرة القرآنية دليل اعجازه. فقد ظهر خلال خمسة عشر قرنا كثير من العباقرة والمصلحين والفلاسفة والمفكرين، تركوا منجزات علمية وفكرية غيّرت مسار التاريخ، خاصة أوربا، لكن لم يترك أحد كتابا مشابها في روحه وحقيقته وتفصيلاته ومنظومته المعرفية وأسلوبه. فثمة مغايرة في الخطاب القرآني، لا تجدها في غيره من الخطابات.

أسوق المقدمة أعلاه لأضيف: إن الاتفاق على تعالي القرآن لا يمنع وجود ملاحظات بل حتى تحفظات ومؤآخذات، قد تصل حد التناقض والاضطراب، سببها لغة الوحي والتصحيف والتداول الشفاهي لنصوصه. فينبغي تناوله بعلمية وموضوعية تراعي ضوابط قراءة النص، وتستعين بمنطقه الداخلي القائم على رد المتشابه من الآيات إلى المحكم منها، مع الأخذ بنظر الاعتبار ظروف النص وأسباب نزوله، وموقعه في سياق الآيات وهدف الرسالة من وجود الإنسان على الأرض. ورغم اختلاف نتائج البحث تبعا لزاوية النظر، بين من يؤمن بنسبة القرآن للوحي، ومن يعتبره منجزا بشريا، لكن الباحث الموضوعي يلتزم الحياد والتجرّد، ويراعي الضوابط العلمية في قراءته للنص القرآني، على خلاف الكتابات الآيدولوجية التي تذهب بعيدا في تأويل النصوص، وتركّز على ما يبدو متناقضا ومضطربا في ظاهره. وتستعين بالسيرة والأحداث التاريخية رغم ضعف مصادرها. وهذا ما تلاحظه جليا في كتاب الشخصية المحمدية محور السؤال (67) في هذا الحوار.

لقد شكك معروف الرصافي في كتابه: "الشخصية المحمدية أو حل اللغز المقدّس" بالمشروع الديني للنبي، واعتبر دعوته مشروعا سياسيا بغطاء ديني، مكرّس لقريش والعرب من بعدهم. وهو بصدد نهضة عربية شاملة. وهذه هي الفكرة الأساس في الكتاب. يقول المؤلف: (إن الغاية ليست بدينية محضة، إنما الغاية التي يرمي إليها محمد هي إحداث نهضة عربية دينية اجتماعية سياسية، تكون عربية المبتدأ، عالمية المنتهى، أي يقوم بها العرب في بدء الأمر ثم تعم وتشمل الناس جميعا في النهاية). فراح يفسّر النصوص والسيرة وفق قبلياته، التي ترى أيضا أن محمدا كان في قمة العبقرية والذكاء، يتمتع بشخصية كارزمية، وإرادة قاهرة، وكان متفوقا على كل من جايله، وليس مطلقا. ومفهوم الجملة الأخيرة واضح. أنه لم يحافظ على كارزميته إلى حد النهاية!!. لكن جميع هذه الآراء وغيرها التي سنشير لأهمها أو ما يشكل المعالم الرئيسية لأفكاره قابلة للنقض، لأنها مجرد وجهات نظر تخصه، واسقاط واضح لقناعاته وأحكامه المسبقة حول النبي ورسالته. فحشّد أدلة تاريخية انتقائية، واستنتاجات شخصية لاثباتها. ويتجلى الاسقاط واضحا في تفسيره للآيات التي يروح تطويعها لخدمة هدفه.

النهضة مفهوم متطور لا تساعد البيئة والظروف التي عاشها النبي على بلورته وظهوره، غير أن الخطاب التبشيري دأب على قياس الماضي على الحاضر. فالنهضة الأوربية وليدة ظروفها التاريخية، وتراكم جهود جبارة استمرت قرون عدة، في ظل تطور الوعي الجمعي، والمعرفة البشرية، والاكتشافات العلمية المتلاحقة. فثمة محفزات كثيرة بلورت المفهوم في سياقه التاريخي. بينما البيئة القرشية كانت بيئة دينية – ثقافية، مجردة من أي محفز نهضوي بمفهومه الحديث. فكيف يفكر محمد بنهضة "عربية دينية اجتماعية سياسية، تكون عربية المبتدأ، عالمية المنتهى"؟.

كل مفردة من هذه المفردات تحتاج لمسار تاريخي وخلفية تساعد على التفكير بها، فهي تعني حدوث تحول جذري على المستوى الديني والاجتماعي والسياسي، يعيد للفرد مكانته وقيمته الإنسانية. تحول ينبثق من أعماق المجتمع، فيحتاج إلى تطور مرحلي وتراكم جهود مشتركة لا يقوم بها فرد واحد، مهما كانت قدراته،. فمحمد لم تسبقه جهود نهضوية ليراكم فوقها، ولا يوجد مثال حضاري يقتدي به، بل كان بنفسه بداية دين جديد، حقق حضورا كبيرا، رافقته تحولات اجتماعية وسياسية وثقافية. ومن يقرأ القرآن يجده مكرّسا لتوحيد الخالق ونبذ الشرك والكفر. وجميع معالم رؤيته تدور حول عقيدة التوحيد وتحرير الوعي من عبادة الأصنام والأوثان وما يرتبط مهما. ولم تعثر على معالم نهضة عربية كما يتحدث عنها المؤلف.

وأما التاريخ الحضاري للمسلمين فهو تراكم لجهودهم عبر 4 قرون ثم دخلوا مرحلة الانحطاط ، وعاشوا أسوء مراحلهم، ولم يفيقوا من سباتهم حتى الصدمة الحضارية. والحقيقة لم يحقق المسلمون سوى نهضة محدودة.  وللأسف، نتفاخر دائماً بما أُنجز في العصور الأربعة الأولى في مجال العلوم، وننسى، أو هكذا أرادوا لنا أن ننسى أن الحضارة الإسلامية قامت على العنف، والسيف وقطع الرؤوس، وقمع المعارضة، واقصائها. من يقرأ التاريخ يعجز عن إحصاء عدد قتلى المسلمين بسيوف المسلمين فضلا ًعن غيرهم. هذا هو الجانب المسكوت عنه في الحضارة الإسلامية. فعن أي حضارة يتحدث الكاتب. البعد الحضاري ليس تطورا ماديا وحياتيا فقط، بل هو تطور يعيد تشكيل العقل وفق مبادئ إنسانية. وما جرى على يد الخلفاء المسلمين لا يمت لقيم الدين ومبادئ الإنسانية والأخلاق، بل هي صراعات على السلطة، بدأت بعد النبي ولم تنته.

ثم لماذا لم ينطفئ الإسلام بانتفاء حضارة المسلمين بعد القرن الرابع الهجري؟ وما زالت الشعوب المسلمة تتفاعل معه، تتعهد قيمه وتلتزم بأحكامه ولو نسبيا. تستميت بالدفاع عنه. وما زال الإسلام يمثل هويتهم، والرافد الثقافي والفكري والعقيدي للمسلمين. كل هذا يؤكد أن دعوة محمد دعوة دينية وستبقى.

لا شك أن الرسول يتمتع بلياقات سياسية في علاقاته العامة، لكن سلوكه ومواقفه في مجال العقيدة والدين لا تدل على أنه صاحب مشروع سياسي، يروم توظيف الدين لأهدافه النهضوية. بل واضح من سيرته أنه نبي، تقتصر مهمته على التبليغ: (قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ). (إنما أنا مبلغ). فلم يهادن أو يتنازل أو يداري أحدا على حساب دينه. عصامي في مواقفه أزاء الكفر والشرك. كان بإمكانه مهادنة قريش، ومساومتهم بدلا من توتر العلاقات لأكثر من عشرين عاما. لكن الخطاب القرآني كان حاسما عندما راودته نفسه: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا، إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا).

ثم راح المؤلف يستدل على صحة رآيه بأدلة تاريخية، فاستشهد بروايات لا يمكنه الجزم بصحة صدورها ومطابقتها للواقع ونفس الأمر. وتقدم الحديث عن القيمة المعرفية للروايات بشكل عام والتاريخية بشكل خاص. وقلت: لا قيمة معرفية للروايات بشكل عام، ما لم تثبت صحة صدورها في المرتبة الأولى. فقد تكون الرواية موضوعة، خاصة مع وجود دواعٍ للوضع والكذب والدس في تراث المسلمين منذ فجر الإسلام. وهناك من يسعى لتشويه سيرة الرسول، والعبث بأحكام الشريعة، والحط من قيمة الدين الجديد، وهذا ثابت تاريخيا، وعدد الكتب المعادية لا تعد ولا تحصى. فالرواية ما لم تصل حد التواتر لا يمكن الجزم بصدورها، وهذا مستحيل. فالغالبية المطلقة من الروايات الدينية والتاريخية أخبار آحاد. أغلبها ضعيف، وأسانيدها مرسلة أو مقطوعة. فكيف نطمئن بصدورها ونستدل بها على صحة أرائنا وهي بهذه الدرجة من عدم الوثاقة؟. إضافة إلى أن هذه الروايات تعاني من اضطراب مضامينها إلى درجة التضارب والتقاطع، فكيف نرجّح أحدهما على الآخر مع عدم وجود قرائن حالية ومقالية؟ ثم كيف يعتمد مصادر تاريخية دونت بعد مئات السنين، وبعد أن أثقلها الوضع والتزوير والتحريف؟. ثم لماذا يستدل بالروايات المؤيدة ويهمل المعارضة. أليست هذه انتقائية مخلة بالمنهج الموضوعي؟ فالروايات التي ارتكز لها هناك ما يعارضها. والثابت تاريخيا أن قريش عرضت على محمد المُلك، وقال قولته الشهيرة لعمه أبي طالب: "يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته". وهذا الموقف تؤيده مواقف أخرى وآيات الكتاب الكريم. فلماذا لم يستغل الفرصة ويتفاوض معهم حول السلطة، ثم يفرض آراءه ومتبنياته، ويباشر بمشروعه النهضوي؟.

ثم لو لم يكن محمد نبيا، فهل يعقل أن يتلو صاحب المشروع البشري آيات تشي بتوبّيخه، فيحط من مكانته، وهو بأمس الحاجة لأن يبدو كبيرا عملاقا في نظر أتباعه؟: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ)، (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ)، (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ). كيف يخيّب آمالهم بانقطاع الوحي، ويبقى بموقف لا يحسد عليه؟.

محمد لم يمارس تزوير الوعي، ولم يدع الربوبية أو أنه ابن الله أو حلول الله فيه، لترسيخ مكانته الاجتماعية والسياسية، وأصر أنه عبد الله ورسوله. ولم يتخلَ عن صفة العبودية لله تعالى طول حياته، حتى اقترن بها اسمه في الصلاة: "أشهد أن محمدا عبده ورسوله". بينما صاحب المشروع السياسي مليء بالنرجسية والتعالي وحب السلطة والاستئثار بها. لا يكف عن تزوير الوعي وتضخيم الذات. لكن الغريب أن الرصافي رغم وضوح الأمر يصر بأن محمدا عبقري، صاحب مشروع سياسي، يهدف إلى تكريس سلطة قريش والعرب من بعدهم، وقد اكتفى بخلود ذكره عندما أضاف لشهادة الصلاة: "أشهد أن محمدا عبده ورسوله"، وللآذان الذي يرفع كل يوم خمس مرات: "وأشهد أن محمدا رسول الله". فيعتقد أن القضية مخخط لها، وتسير ضمن خطة محمد في مشروعه النهضوي.

إن ما يقوله المؤلف مجرد تكهنات وتفسيرات شخصية تأتي في سياق الاستدلال على صحة نظريته في نبوة محمد. فهو رجل هادف في كتابه، لذا كان انتقائيا رغم موقفه السلبي من التاريخ كما تقدم. واعتمد أخبار آحاد لا دليل له على صحة صدورها، سوى وجودها في بعض المصادر التاريخية التي تم تدوينها بعد البعثة بفترة طويلة جدا. فهو يعلم جيدا بقيمتها الحقيقية وقد صرح مفصلا بذلك، لكنه ستدل بها واستشهد بها، لتفسير مقاصد النبي ونصوص الكتاب الكريم. وهذا نقطة ضعف قاتلة، لا يمكن التهاون معها.

وأما عن القرآن، الوثيقة المعتمدة من قبل الجميع، فلا يوجد ما يؤكد تكريس الرسول لأي سلطة سياسية. ولم يرفع النبي في السلم والحرب سوى راية "لا إله إلا الله". وقد أهمل الكتاب الكريم الحديث عن عصَبَي الحياة، ولم يتطرق للسياسة والاقتصاد سوى مبادئ عامة. ولم يتحدث صراحة عن أي مشروع سياسي، لا نظرية، ولا نظاما، ولا مبدأ في الخلافة. ومات النبي ولم يوص لأحد من بعده. وهذا متفق عليه من قبل الجميع. وفي حياته واصل الحرب ولم يركن للتفاوض على السلطة مطلقا. ورفع شعارا واحدا: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ  فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

هذه أسئلة من حق الباحث أن يطرحها لمعرفة الحقيقة وليس تحيزا لطرف دون غيره. فهو مطالب بأدلة تثبت مدّعاه، ومن حقنا نقدها وتمحيصها، ومعارضتها بأدلة أخرى. والفرضية التي اعتمدها معروف الرصافي تكشف عن خلفيته القومية، وهذا واضح في كتابه، فالاسلام في نظره مكرّس لخدمة القومية العربية لعظمتها بين القوميات الأخرى. غير أن فرضيته اضطرته لتفسيرات خاطئة تتناقض مع آيات الكتاب، فكيف يكون عبقريا، ذكيا، وهو يتناقض مع كتابه؟ وكيف يفسر الرصافي موقف النبي الكريم من غير العرب؟ وكيف يقدم سلمان الفارسي، ويقول فيه: سلمان منا أهل البيت؟ وماذا عن بلال، وصهيب وعمار وباقي الصحابة من غير العرب؟. بينما نزل قرآن بحق عمه أبي لهب. وحارب قومه وعشيرته الأقربين. كل هذا لا يستقيم مع فرضية صاحب الكتاب. وما استشهد به من روايات لا يمكن الركون لها، على فرض صحتها، بمعزل عن ظرفها وقرائنها الحالية والمقامية. ولا يوجد ما يؤكد إرادة النبي الجدية (في الشواهد التاريخية التي ذكرها المؤلف)، فربما كانت أقواله تكتيكا لاستدراج قريش، وتشجيعهم فجاء بكلام ينسجم مع مذاقهم وتوجهاتهم، ولا يضر بالدين الحنيف ومبادئه وقيمه. قريش المسكونة بالعظمة، والملك، والسلطة، والتكبر والعنجهية.

فآيات الكتاب الحكيم تخلو من أي توجه سلطوي للرسول، ولا يوجد ما يشي بذلك فضلا عن التصريح. ولو كان يقصد السلطة حقيقة، لعبأ قريش بسهولة، لكن مطالبه دينية، ترتبط بعقيدة التوحيد، والتخلي عن عقيدة الشرك وعبادة الأصنام. فرفض حتى مهادنة من قالوا: (ما نَعْبُدُهُمْ – أي الأصنام - إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ).

ثمة حقيقة: إن ما تقدم لا ينفي البعد السياسي للإسلام كدين يطمح لبناء مجتمع مغاير في قيمه ومبادئه، يرتكز على قاعدة دينية. لكن القرآن لم يفرض على المسلمين تكليفا شرعيا بإقامة دولة دينية. ولا توجد ركائز أساسية لنظرية إسلامية – سياسية، أو معالم نظام حكم. وكل ما موجود مبادئ وقيم يمكن الارتكاز لها في مسار السياسة والسلطة، يستطيع المسلمون الارتكاز لها في تشييد دولتهم، لا كواجب ديني وتكيلف شرعي يبرر إباحة الدماء لأجلها. الدولة ضرورة اجتماعية وليست دينية، ودولة الرسول في المدينة جاءت نتيجة لتطور المجتمع المدني، وضرورات تنظيمه وقيادته. فالدولة ليست مقصودة لمحمد النبي، بل فرضتها ظروف اجتماعية وتنظيمية. فكيف استنتج معروف الرصافي رآيه بشأن دعوة النبي من بضعة روايات نقلت تصريحات للرسول في مناسبات لا نعرف شيئا عن ظروفها وقرائنها الحالية والمقالية؟. كان ينبغي له الاستشهاد بالكتاب كمدونة تاريخية مجمع عليها من قبل المسلمين وغيرهم، وسيسعفه التأويل كما أسعف الإسلام السياسي في تأويل حزمة آيات للاستدلال على وجوب قيام دولة دينية، تقيم الشريعة، وتحكم باسم الإله. لكنه يعلم جيدا لا توجد نصوص صريحة فلجأ بالفعل لتفسير الآيات بشكل يخدم هدفه كما سنرى لاحقا.

ثمة بماذا يفسر معروف الرصافي فشل المشروع السياسي الديني منذ أن فصل معاوية السلطة السياسية عن السلطة الدينية؟ وما هو سر بقاء الدين وحيويته إذا كان متقوما بالسياسة؟ إلا يدل على عدم وجود مقومات أساسية، وإن المبادئ القرآنية أطر أخلاقية لضبط أداء السلطة، كي تغادر منهج العدل والحق؟.

الصحيح أن السياسة قد توظف الدين لصالح أهدافها، وأما الدين فيبقى دينا سواء وظف السياسة لترسيخ وجوده أم لا؟. وهناك أديان عديدة ما زالت حية ولها أتباعها، أسوة بالأديان الثلاثة ولم تلجأ يوما للسياسة ولم تبشر بمشروع نهضوي. فثمة عامل مشترك بين جميع الأديان، هو سر خلودها وبقائها وديمومتها وتجددها، والإسلام منها. وهذا يرفضه الرصافي رغم وضوحه بل بداهته.

الدين مشروع روحي أساسا، هدفه تحرير وعي الإنسان من عبودية الأصنام، وتكريس كرامة الإنسان، وسيادة العدل والإنصاف، وإشاعة قيم المحبة والوئام والسلام، من أجل مجتمع فاضل، يربط الفرد بخالقه لتعميق روح التقوى والخوف من الله في تعامله مع الناس. كما جاء الإسلام ليحرر المجتمع العربي من قيم البداوة والجاهلية، أي القيم اللإنسانية التي تضطهد الطبقات المستضعفة والمرأة. وهذا ما تدل عليه نصوصه وسلوك النبي وصحابته.

يتبع في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi8خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يواصل رده على س67:

 

مصداقية الإعجاز القرآني

ماجد الغرباوي: لقد رافق التشكيك الوحي منذ الإعلان عن نزوله، واتهموا النبي بالكذب على الله، وبانتحاله الكتاب، أو بتعلّمه على يد اليهود والنصارى. غير أن القرآن تحدى أن يأتوا بمثله، دليلا على بشريته، لأن المنجز البشري قابل للتكرار، ولو بصيغ متفاوتة: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً). ثم تهاودت نبرة التحدي، فقالت الآية: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). ثم: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا  بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). فمحمد ترك ذات القرآن يتحدى قدراتهم البشرية، منتهجا أسلوبا حضاريا لحسم النزاع حول بشريته. وهو تحدٍ بليغ، انطوى على أمرين مهمين:

الأول: أن القرآن عبارة عن نصوص، ذات مواصفات خاصة، قابلة للدراسة والنقد، والتحليل. نصوص لها بنيتها المعرفية والبلاغية، وخطابها، وأسلوبها ونسقها، فهي تختلف نوعا وبناء. وكان التحدي ناظرا لهذه النقطة، وطبيعة تكوينها وسياقاتها، فلا مانع أن تظهر نصوص تشابه النص القرآني في بعض مواصفاته، لكن الرهان حول قدرتها على تحدّيه نوعيا. النص القرآني متعدد في أنساقه ضمن إطار كلي يضبط حركته واتجاهه. وهو نص طموح، ثري في رمزيته، وأسلوب بنائه. استطاع تجاوز زمنه بهذا البناء الكلي. فتجد عدة نصوص وأنساق تتحرك ضمن نص واحد.

الثاني: اعترف خطاب التحدي ضمنيا بقدرة الخصم عليه، رغم عجزه عن الإتيان بمثله، وهذا نقطة قوته. فلا مصداقية لتحدي مجتمع يفتقر لملكة أو قابلية التحدي، لأي سبب كان، ذاتي كاختلاف اللغات، أو خارجي كاختلاف الثقافات. بل أن مصداقية التحدي تتوقف على قدرة المجتمع بلاغيا، وثقافيا، ودينيا ومعرفيا، كي يكون لعجزه معنى وقيمة. عكس ما إذا كان المجتمع بسيطا، ساذجا، أميا، جاهلا، فلا معنى للتحدي، لأنه غير قادر عليه. فلا تحدٍ في مجتمع يفتقر لملكة التحدي أساسا. وهذا اعتراف آخر بالمستوى الثقافي للمجتمع المكي والعربي آنذاك، يبرر حمل مفهوم الجاهلية على غير الجهل الثقافي، كما يصر كثير من الباحثين، خاصة الإسلاميين. فلا معنى للتحدي في مجتمع يفتقر لقدرة التحدي، كالجهل الثقافي والمعرفي. فسيكون مثله مثل من يتحدى شعوبا أعجمية ببلاغة ومعرفة القرآن المدوّن بالعربية. فلا يصدق أنهم عجزوا عن الاتيان بمثله، لعدم وجود ملكة التحدي. فيكون الأمر سالبة بانتفاء الموضوع. فصدقية التحدي في عجز المجتمع مع قدرته عليه. بل أفهم من الآية رقي المستوى الثقافي والمعرفي للعرب آنذاك. ولا ريب، فمكة ملتقى الأديان والثقافات، ومجتمع الأدب والشعر. واختلاف الأديان في منطقة واحدة يفرض لغته وتنوع ثقافته، لتستمر المثاقفة بفعل التنوع الثقافي والمعرفي. وبهذا يتضح معنى "الأمي" في وصف النبي، فهي نسبة وليست صفة. فلا يصدق الاستدلال بهذه الآية على عدم معرفته القراءة، بل هناك أدلة قرآنية دلت على معرفته بها، ستذكر في محلها. وتحدي النبي ليس في كونه رجلا أميا وجاء بكتاب عظيم، بل يكمن تحديه للمجتمع المكي بذات القرآن وحقيقته الكبري.

فالتحدي يدور حول نوعية الكتاب، بناء ولغة ومعنى وأسلوبا. نظاما ونسقا وبنية وخطابا. فالتحدي كان يقصد المماثلة النوعية للكتاب، لا تفصيلاته. وهذا ما أكدته الآية الكريمة: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً). فيمكن بناء نص مشابه للنص القرآني في بلاغته، خاصة في مجتمع مهنته الأدب والبلاغة، يشهد لذلك المعلقات والتراث الأدبي. ومن السهل العثور على نصوص بذات مواصفات البلاغة القرآنية. وفعلا ظهرت نصوص خلال وبعد البعثة وما زالت، تشابهه في إيقاعه وسجعه. غير أنها مغايرة لنسقه، وروحه، وبلاغته، وموسيقاه، ومنطقه الداخلي، ورمزيته ودلالاته. فثمة اختلاف نوعي بين النصوص. فالرهان كان على نص موازٍ، لا يقتصر على وحدة الإيقاع والسجع.

القرآن ذو وحدة بنائية، وتجانس في نسقه المعرفي، لذا جاء فيه: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا). فرغم تعدد سوره (114 سورة)، لكنه حافظ على أدائه، وثرائه، ورمزيته. فكان كتابا مختلفا وما يزال. فإعجازه في هذا الاختلاف النوعي الكلي. ومهما كان نوع الملاحظات والتحفظات التي سجلها الباحثون، بمختلف توجهاتهم، يبقى القرآن كتابا مختلفا، فرض تعاليه حتى وصفوا محمدا بالعبقرية والذكاء الخارق. فالتعالي هو القاسم المشترك بين الجميع، به يواصل تحديه ويحافظ على حقيقته. فالرهان إذاً، على حقيقته وتعاليه واختلافه وطبيعة منظومته المعرفية والأخلاقية، وأما الأبعاد الأخرى لإعجازه فيمكن نقضها. ويمكن بذات التعالي والاختلاف نفي بشريته ونسبته إلى الوحي.  

 مما تقدم نفهم معنى قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). فالمقصود حفظ حقيقة القرآن، لا جميع تفصيلاته، كما ذهب لذلك المفسرون والفقهاء فأنكروا الروايات التاريخية التي نسبت للقرآن: التصحيف والزيادة والنقصان بسبب: النسخ، والتدوال الشفهي لآياته وسوره. وأربكتهم مؤاخذات بعض الباحثين والمستشرقين، حينما استدلوا من داخل الكتاب على وجود اضطراب، وتناقض، وتعارض مع معطيات العلوم، في بعض آياته، وهذا كما يقولون يؤكد بشريته، وعدم انتسابه للوحي. حتى اتُهم النبي بالجنون والهلوسة والشعر والغثيان.

تقدم أن رهان الاعجاز على تعالي واختلاف القرآن عن غيره من الكتب، اختلافا جوهريا في مواصفاته. فالملاحظات والتحفظات والمؤاخذات لا تلامس حقيقته فلا تضعضع مصداقيته. والتصحيف ممكن مع كل استنساخ للكتاب آنذاك، خاصة مع تعدد اللغات التي رويت بها آيات الكتاب، حيث نزل القرآن على سبعة أحرف. غير أن عثمان اعتمد لغة قريش لغة رسمية للقرآن في حالات التعارض والاختلاف. وهناك روايات تؤكد حصول زيادة ونقصان في بعض الآيات. وقد تتعارض ظواهر بعض الآيات مع الاكتشافات العلمية. كل هذا وغيره ممكن. وعلى الجميع الاعتراف بالحقائق وعدم اللجوء للتبرير، والتشبث بالتراث. فالقرآن لم يتحد بإخباراته العلمية أو بخصوص بلاغته. بل حتى ما يبدو ظاهره أنه اضطراب وتناقض في بعض نصوصه، يمكن حله قياسا لآيات أخرى. وبعضها سببه طبيعة لغة الوحي، ورمزية النص القرآني، كما سيأتي مستقبلا. وهذا لا يتناقض مع آية: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). لاختصاص الحفظ بالذكر دون التفاصيل. والمقصود به الحقيقة القرآنية التي تشكل ركيزته وبنيته الذاتية ومحور اهتمامه ومرجعيته في تفصيلاته. فالآية لم تتعهد بحفظ ما بأيدينا من نسخ الكتاب الكريم. وإنما تقصد بدليل الآية التالية حفظه حقيقته ومصدره في اللوح المحفوظ: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ). فاحتمال التصحيف والزيادة والنقصان في آياته لا ينقض حفظ حقيقته التي هي الثابت والمرجعية القرآنية لتفصيلات الكتاب الكريم. لاختصاصه بالحقيقة القرآنية التي عبر عنها بـ"الذكر" في اللوح المحفوظ. وهي ذات الحقيقة التي نزلت على الرسل والأنبياء من قبل. ونزلت على الرسول دفعة واحدة لتشكّل خلفيته ومرجعيته النبوية: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ). وهذه الحقيقة هي المقصودة بآية: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)، بدليل أنها تبدأ بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ). فهم كفروا بالذكر. أي كفروا بالحقيقة القرآنية الكبرى، التي لا يأتيها الباطل، لأنها محفوظة في لوح محفوظ، ومحفوظة بكتاب. فالكتاب هنا تعبير آخر عن الحفظ. حينما يحفظ مضامينه بين دفتين. وهو ما يعادل الكفر بالله تعالى، فهو الحقيقة المطلقة والكلية.

لقد شوّه الفهم التراثي معالم الكتاب ومقاصده، حينما تمسّك بالقداسة على حساب الحقيقة، ووضع القرآن في تضاد مع العلم والمنجز البشري. واستغنى عن مصادر المعرفة مكتفيا بتأويل آياته، كمصدر وحيد لجميع العلوم. وهو تصور خاطئ، سببه تشبث ساذج بإطلاق الآيات بمعزل عن هدف الكتاب وغاياته.

إن الاصرار على الإعجاز العلمي للقرآن، رغبة آيديولوجية، وعجز ذاتي يحول دون فهم الدين وغاياته ومقاصده. فهناك حاجة لتبرير كسلهم، فتشبثوا بإطلاقات ظواهر مجموعة آيات، دون الرجوع للعقل. أو لأن العقل التراثي أدمن النكوص أمام النص. فحمّلوا الكتاب ما لا يطيق، وذهبوا في تأويله بعيدا عن هدفه الديني. صحيح أن الآيات التالية مطلقة، لكنها مكرّسة لبيان موضوعها فقط، لذا عندما تراجع القرآن لا تجد أدنى إشارة لمعظم العلوم في الدنيا، لأنها خارج اختصاصه، فلا تنفع التأويلات وتحميل النصوص فوق طاقتها: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ)، (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا)، (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ).

إن العقل المتحرر والإيمان الواعي، يفهم بقرينة ما ذكرت أن المقصود من "كل شي" في الآيات المتقدمة، كل ما له علاقة بموضوع القرآن. وموضوعه هو الدين، بقسميه العقيدة والشريعة، وما ارتبط بهما. فالكتاب المجيد ليس كتابا بالفيزياء والطب والرياضايات، لكن أصحاب الإعجاز العلمي في القرآن، لم يبقوا اكتشافا علميا إلا وعثروا على جذره القرآني تأويلا لا تفسيرا. فكانت نتائج الإعجاز العلمي في القرآن كارثية، مضحكة في أغلبها. وأما عموم الناس فاتخذوا من القرآن كتابا للطب والسحر والحفظ وقراءة الطالع وطرد الجن والشياطين، والاستخاره به في كل صغيرة وكبيرة. ثم جاءت الاتجاهات الطائفية والآيدولوجية فراحت تؤوله وفقا لحاجاتها وأهدافها، فأوّلت الخمر بفلان، والزنا بآخر، وتنازعوا على مصاديق آيات الفضائل، في ظل صراع تاريخي مرير على السلطة. واكتشفوا من خلاله تاريخ الأحداث الكبرى، عبر جمع وطرح حروفه. وفي كل مناسبة يظهر من يضحك على ذقون البسطاء ويثبت لهم عدد الأئمة عند الشيعة مثلا. بل وأعمارهم وتاريخ مواليدهم. وهكذا تحوّل الكتاب إلى مصدر لتبرير الظلم والعنف والإرهاب والسرقات والإنقسامات، وتكريس الجهل والأمية.

مما تقدم نفهم أن بعض إخباراته العلمية المبكرة، أو تفسيره لبعض الظواهر الكونية جاءت في سياق هدفه الإيماني، ولم يراهن بها على إعجازه، كما يصر أصحاب الإعجاز العلمي للقرآن. وقد نسى هؤلاء أن القرآن كتاب ديني، وليس كتابا علميا، وله أسلوبه الخاص في التحدي، رغم أن تأييد العلم لبعض إخباراته التي ذكرها قبل 1450 عاما، تعضّد من قيمته. كما سترفع من قدراته الإعجازية الآثار والألواح الطينية إذا أكدت إخباراته التاريخية عن الأقوام السابقة.

فالقرآن حينما يتحدث مثلا، عن حركة الشمس أو تعاقب الليل والنهار والشمس والقمر، يريد بيان حقيقتها، كأجرام سماوية تتحرك وفق قوانين كونية. فهي ليست آلهة تعبد من دون الله، كما يتصور عبدتها. والآية في سياق التوحيد، محور الدين والكتاب الكريم. ويجب فهمها في ذات السياق القائم على محاربة الشرك، كعبادة النجوم والكواكب والشمس والقمر. من هنا فعدم تطابق بعض الآيات مع الاكتشافات العلمية الحديثة لا يضر بمصداقية القرآن، لأنه لم يطرح نفسه كتابا علميا، أو وضع المجتمع على المسار العلمي، من خلال آيات الكون. القرآن هدفه ديني، يطارد عقائد الشرك، فكان يقصد بهذه الآيات سلب صفة الربوبية عن الأجرام السماوية، من خلال بيان نقصها الذاتي، وحاجتها المستمرة لوجود علة ومدبّر، يمنحها قدرة الاستمرار والبقاء. لذا تجد جميع الآيات التي استعرضت الظواهر الكونية ربطتها بالخالق من خلال ذات النظام الكوني الذي تتحرك فيه، في إشارة بليغة لعبدة الكواكب والظواهر الكونية الأخرى. فالآيات لم تكتف ببيان نقصها الذاتي، وحاجتها المستمرة لوجود العلة الكاملة، بل كشفت عن مدبّرها. فجميع الآيات جاءت في سياق تعرية عقائد الشرك، من خلال بيان حقيقة الأجرام السماوية التي عكفوا على عبادتها. فالقرآن لا يريد الاستدلال بمعارفه العلمية لتأكيد إعجازه وانتسابه للوحي.

وكذا بالنسبة لآيات أخرى، فالتنويه بأطوار خلق الإنسان، ليس نتيجة علمية نهائية، يراد لها أن تكون بديلا عن العلم ومكتشفاته. بل تريد الآية بيان مراحل تطور الإنسان منذ نشأته، ليكتشف مصيره بنفسه، فثمة هدف إيماني وراء استعراض مراحل حياة الإنسان، وهدف أخلاقي لتنمية وازع الورع والتقوى. (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚفَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ). والنتيجة التي تهم الدين: (ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ، وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ).

وأيضا ثمة من يسجل مؤاخذة على آية:(وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ). فالعلم أثبت أن الشمس تجري داخل مدار ضمن مجرتها. وتدور من حولها مجموعة كواكب. ولا دليل فلكي على أن الشمس تقصد مستقرا ما لتمكث فيه. وسبب المؤاخذه والالتباس هو تناول الآية بمعزل عن الآيات الأخرى، فهناك آيات تؤكد جريانها داخل مدارها وليس خارجا عنه، فيكون المستقر في داخل مدارها، الذي يضبط حركتها، وتستمر في دورانها، لذا تقول تكملة الآية: (وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ، لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ). والدليل على ما ذكرت قوله تعالى: (وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ). فهذه الآية تفسر معنى والشمس تجري لمستقر لها. وتؤكد عدم خروجها عن مدارها، فينبغي حمل "تجري لمستقرها" على ما تقدم  ليستقيم معنى الآيتين.

إن بعض الإسلاميين يعيش حالة هلع ورعب داخلي، فراح يتشبث بالبعد العلمي لاثبات اعجاز القرآن، فتجاوز البديهيات، وكذّب الاكتشافات العلمية. إن قلق هؤلاء يكمن في طبيعة الفهم الخاطئ للدين، وآيات الكتاب الكريم. فلا مبرر لكل هذا اللهاث، وتشويه معالم الديني، فتجد الاحباط ومحاولات التبرير والتأويل تترى لتدارك التضارب المعرفي في تلاحق الاكتشافات العلمية.

إن مشكلة نهضتنا في سبات العقل، وخمول الوعي. ورثاثة إيمان تراثي تقليدي، راكم يقينيات ونهائيات، شكلت مرجعيات فوقية توجه وعي الفرد والمجتمع، وتعيد تشكيل العقل الجمعي بما يخدم توجهاتها الدينية والطائفية. لم يتجرأ أحد على مساءلة تلك اليقينيات، واقتحام أسيجة المقدسات، بحثا عن حقيقتها. فالمسلم كغيره من أتباع الديانات الأخرى، وليد بيئته في إيمانه ومعتقداته. توارث تقاليدها وثقافتها، فشكلت أساس هويته، حينما تحولت إلى جزميات تتعالى على النقد والمراجعة. الإيمان التقليدي يعكس صورا مثالية لمعتقداته، يتضاءل معها الفرد حد التخلي عن عقله ووعيه.

كل الصور المثالية المقدسة، عن المعتقدات والتراث والرموز ينبغي مراجعتها ونقدها لمعرفة حقيقتها. لنرقى من الإيمان التقليدي الذي حطّم حياتنا، وسرق مستقبلنا إلى إيمان واعٍ، يضع العقل فوق النص. ونتخلص من حالة التقليد والتبعية التي تقتل الإبداع. عندما تمارس النقد والمراجعة والتنقيب في طيات التراث ستكتشف حجم الأوهام والأكاذيب التي آمنت بها كحقائق وجزميات تستميت في الدفاع عنها.

يجب مواجهة الحقائق، فثمة مؤاخذات على العقائد وذات الكتاب الكريم، تتطلب من العقل إجابات موضوعية. والتراجع عن كل ما هو خطأ، والتسمك بما يوافق العقل والمنطق. فالدين ليس كالإيمان. الإيمان حاجة فطرية يتوقف عليها استقرار الفرد، وتوزانه النفسي. وأما الدين فنشأة وتربية تختلط فيها عوامل الخير والشر. الإيمان الحقيقي لا يكون إلا صادقا، بينما يتلوّن الدين وفقا لحاجات الفرد وتطلعاته. وقد يتعذر على المرء أن يعيش بلا إيمان، لكن من السهل التخلي عن الدين، وأمامك مليارات البشر لم تتوقف حياتهم على وجود دين يرعاهم بقدر حاجتهم إلى ايمان يحتضنهم. فالدين ليس ضرورة فطرية لكن يترتب على الإيمان به التزامات أخلاقية وسلوكية وعبادية. الشعوب البدائية عاشت بلا دين، بينما كانت راسخة الإيمان، كما أكدت ذلك التنقيبات والألواح الطينية. فلكي يكون الدين فاعلا في حياة الإنسان يحتاج الى نقد ومراجعة مستمرة لتقويم فهمه، وعدم الركود على مفاهيم تعرقل تطور الإنسان ورقيه. وبالتالي فنقد المقدسات الإسلامية بما فيها الكتاب الكريم، لا يضعضع إيمان الفرد بل يرشّد الوعي، حينما يتخلّص من الفهم المغلوط، وروح التزمت والجهل. فالجميع قد آمن بمقدساته وعقائده بعيدا عن النقد والعقل. آمن بها الإنسان وهو لا يعرف شيئا عن حقيقتها وصدقيتها ومدى مطابقتها للواقع ونفس الأمر. وهذا يصدق على الأجيال الأولى كما يصدق علينا. فالعقل الجمعي يلعب دورا خطيرا في التستر على بعض الحقائق، ولالتفاف على بعضها الآخر، ولديه في هذا الخصوص أدواته وأساليبه، مستفيدا، من مرونة الأنظمة المعرفية، وسياقاتها الثقافية. فهو يجدد عقل الفرد ويتجدد به. وكلاهما يحتمي بالآخر، فثمة جدلية بين عقل الفرد والعقل الجمعي. فالانسلاخ عنه، خطوة أولى على طريق التحرر من الإيمان التقليدي.

أقصد بالدين: العقيدة والشريعة. العقيدة باعتبارها منظومة عقائدية، يختلف مستوى إيمان الفرد بها، وقد لا يؤمن بها إطلاقا، ويؤمن بأشياء خارج مداراتها. والشريعة، مجموع ما شرّعه الكتاب والسنة وما أفتى به فقهاء المسلمين (مجازا). فالايمان أوسع فضاء من الدين. فتسوية التحفظات والمؤاخذات التي سجلت على القرآن تأتي لإعادة بناء المنظومة العقائدية والتشريعية، أي من أجل أعادة فهم الدين. وهذا لا يضر بالإيمان بل يصقله.غير أن الإيمان التراثي التقليدي لا تهمه الحقيقة، قدر اهتمامه بالآمل المنعقد على إيمانه مهما كانت سذاجته.

يتبع في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi4خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يواصل رده على س67: 

 

القيمة المعرفية للروايات

ماجد الغرباوي: ما زلنا مع الافتراض الأول: بأن مؤلف كتاب: الشخصية المحمدية أو حل اللغز المقدس باحث موضوعي انتهى إلى نتائج مغايرة. وما زلنا مع شاهده التاريخي الذي استدل به على تحكّم الهوى بأقوال الرسول بما يناقض القرآن في مسألة عصمته حينما قالت الآية: وما ينطق عن الهوى، فانخرم إطلاقها. وقد بينا ثغرات منهجه، وأسلوبه في التحيّز لآرائه، إذ لا دليل على مطلق عصمة الرسول بهذه الآية، فلا تشمل كل ما يلفظ ويقول. والقدر المتيّقن عصمته بالتبليغ، وما عداه مختلف فيه، ومشكوك والأصل عدم عصمته. لكن المؤلف رجح الإطلاق بلا دليل كشاهد على تناقض الكتاب الحكيم. كما أنه خلط بين مفهومي النطق والكلام. وكانت الآية ناظرة للنطق. ومر الحديث فيهما مفصلا.

وهنا نتحرى عن القيمة المعرفية لمطلق الأخبار، الدينية والتاريخية، وماذا يترتب عليها من نتائج علمية، على مستوى الصدور والدلالة. وحجية دلالتها تتوقف على صحة صدورها. فكيف نجزم بصحة صدور الرواية التاريخة، ومطابقتها للواقع، كي تصلح أن تكون شاهدا؟. أما بالنسبة للصدور فلا سبيل لذلك سوى الكتب التاريخية، وجميعها تأخر تدوينه عن عصر الرسول. بدءا بالصحاح التي جمعت رواياته وسننه، فألف البخاري صحيحه بعد أكثر من 183 سنة عن وفاته ، ثم توالت بعده الصحاح. وأصحابها من غير العرب!!. فثمة فاصلة زمنية امتدت 183 سنة بقيت فيه الأحاديث والروايات التاريخية تتناقلها الألسن شفاهية. فكيف يمكننا الوثوق بها مع وجود مختلف الدواعي لتحريفها، من المسلمين وغيرهم؟. حيث تركت الحروب المتواصلة لعشر سنوات آثارا سلبية. حرّضت على العنف والكراهية والتنابذ، ودفعت باتجاه الثأر بشتى الوسائل، ومنها تحريف السيرة والروايات.

وإذا كانت حروب المسلمين مع العرب حروبا اقتصادية – سياسية، ونزاعا على السيادة والنفوذ انتهت بانتزاع سلطة قريش، فإن حروبهم مع أهل الكتاب حروبا أيديولوجية، وصراعا دينيا حول شرعية الدين الجديد، فثمة تهديد حقيقي لمصداقية الأديان السابقة، حفزها للدفاع عن وجودها من خلال الاطاحة بمصداقية الرسالة المحمدية، وليس ثمة سلاح أمضى من تحريف السيرة، واللعب على وتر الصراع السياسي بين الصحابة. ولعل في تسرّب النصوص الإسرائيلة، واختلاطها بالمرويات التاريخية والدينية خير دليل. فالإسرائيليات رغم اكتشافها لكنها ما زالت حاضرة في تفسير آيات الكتاب الحكيم. وكان من السهل نسبتها للرسول خلال 183 سنة من التداول الشفهي للأخبار التاريخية والمرويات الدينية. ثم جاءت بعد ذلك جهود الباحثين تحت مختلف العناوين، تبشيرية وعلمية، لتعضّد شرعية تلك الروايات والتحريفات، كي تكون مستمسكا للطعن بالسيرة والكتاب الحكيم. فالروايات ترويها كتب الصحاح والتاريخ والسيرة وبعض التفاسير. فيتعذر على المسلم إنكارها. وبالفعل ليس من السهل إنكارها لغير الخبير. خاصة حينما تكون الروايات صحيحة سندا، والأكثر صعوبة عندما تكون مشهورة، أو ترتبط بعقائد الناس وأوهامهم.

ثم جاءت الأهداف السياسية لتضخ عددا كبيرا من الروايات المكذوبة، خاصة في باب الفضائل، في سياق الصراع على السلطة، حتى كادت الروايات تعيد كتابة السيرة والتاريخ وفق رؤية خلفاء المسلمين، وقد ارتفعت حمى الوضع في عهد معاوية بعد حرب صفين للطعن بالإمام علي وشرعنة السلطة الأموية. ثم جاء الصراع العقائدي في ذات السياق فكان سببا آخر للوضع والكذب على رسول الله. فكلا الطرفين كان بحاجة ماسة لتزكية الذات ونفي الآخر، وكلاهما مضطر للتشبث بالنصوص بل واختلاقها لسطوتها على العقل، وقدرتها على توجيه الوعي. المسلم لا يجادل بالنص، بل ينصاع له ويدافع عنه، فكان النص وسيلة الخلفاء لثتبيت سلطتهم، وتبرير مواقفهم الدموية من المعارضة. ولم يقف وضع الروايات على حدود السياسة ومتطلباتها، بل رافقها مسار عقائدي راح يتشعب وينشطر أميبيا، فبلغ عدد الفٍرَق الإسلامية 73 فٍرَقة. أغلبها شيعية، انقسمت حول مبدأ الإمامة والمهدي، وباقي المفاهيم العقائدية. فاضطر غلاة الشيعة لتسويق عقائدهم إلى  استبدال أسانيد رواياتهم بأسانيد روايات صحيحة. وبالفعل نجح الغلاة في إعادة تشكيل العقل الشيعي وفق عقائدهم القائمة على اللامعقول والأسطرة، وتكريس الوعي الغيبي.

ليس الوضع والتحريف وليد ساعته، بل حذر منه الرسول في حياته، جاء عن الإمام علي: (.. وقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله على عهده حتى قام خطيبا فقال: "أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار". ثم كذب عليه من بعده). إن ارتهان عقل المسلم للنص مهّد لانتشار مختلف الروايات الدينية والتاريخية. وما تشاهده من خراب على مستوى العقيدة والفكر والثقافة والأخلاق سببه الذهنية التراثية التي تجعل النص فوق العقل. المسلم يقمع عقله بالنصوص، ويتخلى عن التفكير تحت وطأة التقديس، والخرافات، ووهم التفوق. فالقطيعة مع التراث شرط لتطور المجتمع حضاريا وفكريا أويبقى أسير طقوس وأوهام تمتهن كرامته، حينما يلهث وراء الآخر، يحتمي به، ويستدر عواطفه، ويحسب أنه في ظل قوى غيبية تكفلت بحمايته.

وبالتالي لا يمكن الاطمئنان لكتب السيرة والتاريخ مطلقا إلا وفق منهج علمي صارم، يعتمد القرائن، والعقل، ويجعل من القرآن شاخصا. فتبقى رواياتها محتملة يتعذر الجزم بصدورها وتطابقها مع الواقع. والرصافي مؤلف الكتاب يعترف بهذا عندما وصف السير بأنها: "ملعب أهواء ومسرح تحزّبات مذهبية وسياسية" حتى وقع فيها "زيادة ونقص وتغيير وتبديل واضطراب وتناقض". وهي رؤية صائبة، فكيف استشهد بهذا الكم الهائل من الروايات وهي بهذه المواصفات؟ وكيف اعتمدها أدلة على آرائه؟. يقول: (أما كتب الحديث والسير فلا يجوز الاعتماد عليها إلا بعد أن نضعها في غربال منسوج من المعقول ومن القرآن فنغربلهما، فما سقط منهما تركناه وما بقي في الغربال أخذناه). ورغم صحة منهجه في عرض الأخبار على العقل والقرآن، لكنه خالف منهجه، في هذا الشاهد بالذات، فضلا عن شواهد كثيرة أخرى في كتابه. فاستشهد بحدث تاريخي لا يمكنه الاستدلال على صحته، حينما قال: "محمد نطق عن الهوى احياناً" ثم ذكر قول الرسول حينما وقف على مقتل عمه الحمزة، قائلا: (والله، لأمثّلن بسبعين منهم مكانك). فهو مطالب أولا بإثبات صحة صدور الكلام عن النبي، وفقا لمنهجه، وهذا مستحيل لعدم وجود طريق إلى ذلك بعد مرور أكثر من 1400 عام. ولأن الراوي لهذا الحديث واحد، مما يعقد صحة صدور الرواية. فلا يمكن رفع اليد عن ظهور الآية بحديث لا نجزم بصحة صدوره، وهذا منهج علمي تام.وهذا منهج علمي تام. سواء صدر عن النبي ذلك واقعا، كما وضحنا سابقا، أم لا.

 لقد اعتمد مؤلف كتاب الشخصية المحمدية بشكل أساس على السيرة الحلبية، للحلبي المتوفي سنة 1624م . أي بعد أكثر من ألف عام على وفاة الرسول. معتمدا في كتابه على السيرة الدمشقية، للدمشقي المتوفي سنة 1533م. وقبلهما كتاب المغازي المتوفى سنة 1333 م . كما أن التفاسير هي الأخرى اعتمدت على كتب السيرة والتاريخ. فأغلب الأخبار تعود لمصدر واحد، وجميع المصادر تأخر تدوينها مئات السنين. فكيف تعتمد في توثيق الروايات التاريخية والاحتجاج بها في مقابل الكتاب الكريم؟. كما أن أغلب أسانيدها مرسلة أو مقطوعة، فيكون الراوي الأول متأخرا عن الحدث تارة بمئات السنين. أخرى يعتمد على الشائع من الأخبار والمتداول من الحكايات، رغم تناقضها.

من هنا شكّل توثيق الروايات الصادرة عن الرسول الكريم معضلة حديثية ورجالية مستعصية، فثمة فاصلة زمنية كبيرة، تحايل المسلمون عليها بعدة طرق. منها اعتبار كتب الحديث  المنسوبة للبخاري ومسلم وغيرهما، كتبا صحيحة، فكل رواية ترد في الصحاح خاصة البخاري ومسلم فهي صحيحة، وبهذا أغلقوا باب النقد الحديثي والرجالي، ليتوفروا على خليط من الروايات، المتضاربة في درجة وثاقتها وصحة مضامينها، فأضر هذا المنهج بالدين وبسيرة النبي الكريم. لكن مناهج النقد فيما بعد طالت الروايات، سندا ومتنا أو مضمونا، وبينت ضعفها، وأشّرت على الروايات الضعيفة في تلك الصحاح المعتمدة لدى الفقهاء والمؤرخين. فثمت منهج علمي في توثيق الروايات والأخبار التاريخية، يرتكز إلى عدالة أو وثاقة الرواة، مع عدم وجود انقطاع بينهما في سند الحديث.

إن الغالب في مباني الجرح والتعديل في علوم الدراية والحديث منهجان: الأول يرى صحة مطلق الروايات، وهم أهل الحديث والسلفيين والإخباريين. والثاني، يعتمد مباني الجرح والتعديل في تصحيحها، وهؤلاء على قسمين أيضا:  

الأول منهج القدماء الذي يعتبر صحة الكتاب شرطا في توثيق الرواية. فتكون صحيحة إذا وردت في كتاب صحيح، مهما كان مضمونها أو سندها. فيسعى لتأويلها، ورفع التعارض عنها.

والمنهج الثاني، تتوقف صحة الرواية عنده على صحة صدورها الملازم لتوثيق جميع رواة السند، مع ضمان المعاصرة وعدم وجود انقطاع في السند، قبل دراسة مضمون الحديث ومتنه، وفقا لمنهجيين أو مبنيين معتمدين في دراسة الحديث لدى الفقهاء والأصوليين، هما: الوثوق والوثاقة. والتفصيل في محله.

وجميع هذه المناهج عقيمة، ومهما كانت صحة الروايات فإنها لا تفيد العلم والجزم، وتبقى في حدود الاحتمال، بل حتى الروايات المضنونة لا تجدي نفعا، فالظن لا يغني عن الحق شيئا، وبالتالي كيف يمكن اعتماد الرواية شاهدا على تناقض آيات الكتاب الحكيم، الذي هو نص ثابت تاريخيا؟. بل كيف يمكن الاطمئنان بشكل مطلق؟ وهذا ما وقع فيه صاحب كتاب الشخصية المحمدية وغيره.

للأسف، باتت الموضوعية تعني قدرة المنهج على التماهي مع عقيدة الفرد وتوجهاته الفكرية، وثمة عقل طائفي يعيد انتاج التراث، وتصحيح الروايات بما يخدم أهدافه ومصالحه المذهبية. فتجد مباني الجرح والتعديل مرنة، تتخلى عن حياديتها وموضوعيتها في تصحيح الروايات وتضعيفها. لا أدري كيف يستدلون على عقائدهم بروايات يستحيل الجزم بصحة صدورها ومطابقتها للواقع، فأية رثاثة ومحنة تعيشها مجتمعاتنا، عندما تقدّم مطلق النص على العقل، وتكتفي بالتأويل والتفسير بدلا من النقد والتحليل؟.

القضايا تنقسم منطقيا إلى تصور وتصديق. والأخير ينقسم إلى: (يقين، ظن، شك، وهم). واليقين: جزم واعتقاد بمضمون الخبر أو نفيه. وما دونه ظن. وتساوي الاحتمالين شك، وما دونه وهم. والأول يكون حجة لحجية العلم والقطع والجزم بذاته. ولا حجية لما دونه مطلقا. فالأخبار والمرويات التاريخية والدينية، لا تكون حجة ما لم تصل حد الجزم واليقين، وهذا مستحيل في غير الخبر المتواتر. والتواتر نادر في الأخبار. كتواتر صحة القرآن الكريم، والعبادات. والمقصود بالتواتر أن يروي الخبر في كل طبقة مجموعة من الناس، لا يحتمل تواطؤهم على الكذب. من هنا تأتي استحالته. فما دون التواتر كلها أخبار آحاد لا حجية ذاتية لها، لولا أن الفقهاء تداركوا الأمر ونظّروا لحجيتها في الشرعيات، فتكون حجيتها حجية مجعولة من قبل الشارع، وليست حجية ذاتية كما بالنسبة للعلم واليقين والجزم والقطع. ويقصد بحجة الخبر أن يكون مفاده منجّزا ومعذرا، يمكن الاحتجاج به، وترتيب الآثار اللازمة على مضمونه.

لا يمكن الجزم بمطابقة مضمون الخبر مع الواقع في جميع الأخبار التاريخة والدينية، وهو متعذر بعد مئات السنين وعدم وجود قرائن خارجية دالة على صدقه وتطابقه مع الواقع.، لكن نتعبد بالخبر المتواتر بناء على حجيته الذاتية. لحجية القطع والجزم عقلا. سواء طابق الواقع أم لا. وأما أخبار الآحاد فليست بحجة، ويبقى تطابق مضمونها مع الواقع محتملا ليس أكثر. غير أن الفقهاء استدلوا على حجيتها ووجوب التعبد بها بموجب أدلة اجتهادية، قابلة للنقض بسهولة، كي لا ينغلق باب العلم والعلمي، وتتعطل وظيفتهم الدينية!!.

إضافة لما تقدم ثمة مشكلة في أخبار الآحاد، هي انفراد الراوي برواية مضمون الخبر، والراوي مهما كان إنسان يطرأ عليه الخطأ والنسيان والاشتباه، وتتقاذفه الأهواء، وربما لديه دواعٍ لتحريف الشاهد التاريخي وكل هذا محتمل. ثم أن الراوي مع احتمال صدقه ووثاقته لم ينقل لنا القرائن الحالية، والسياقات التاريخية للحدث، واكتفى بنقل ما قاله أو صرح به الرسول بمعزل عن ظرفه الزماني والمكاني، وهذا خلل في التوثيق يطال أغلب الروايات التاريخية والمرويات الدينية، فللقرائن دور كبير في فهم مراد المتكلم، بل أن تردد دلالة الأمر بين الوجوب والاستحباب. وتردد دلالة النهي بين الحرمة والكراهية، تفهم من خلال القرائن الحالية للمتكلم، وليست دلالتهما عقلية أو ذاتية كما ذهب لذلك بعض الأصوليين. القرينة هي التي تحدد الإرادة الجدية للمتكلم. فتارة يأمر المتكلم بطلب شيء لكن القرائن الحالية والمقامية تنفي إرادته الجدية، فلا يمتثل له المتلقي.

فهناك شروط لقبول الروايات، أهمها عدم مخالفتها للقرآن والعقل والمنطق والعلم، وعدم اضطراب مضمونها أو غرابته وشذوذه، مع صحة سندها الذي يقتضي اتصاف جميع رواة سلسلة الرواية بالعدالة أو الوثوق الموجب للاطمئنان. ويكفي صدق الراوي في وثاقته عندي بل لا بد أن يكون عارفا بالأخبار، كي لا يروي كل ما سمعه أو وقعت عليه عينه. ثم مراعاة النقل والدقة، خاصة أن أغلب الروايات تنقل المعنى دون نص القائل، الرسول أو غيره.

كما يجب بقاء العقل حاكما على النقل، وبقاء القرآن أصلا، لتواتره، لا فقط لقداسته. وقد تم جمعه في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، أي بعد وفاة الرسول بخمس وعشرون سنة. فحجم التلاعب بنصوصه خلال هذه الفترة مع وجود أغلب الصحابة وكتاب الوحي يكون محدودا عادة. فثمة حماية شعبية، من خلال تواتره حفظا ووجود نسخ لمدونات كتب الوحي. كنسخة الإمام علي، ونسخة عبد الله بن مسعود وغيرهما.

معروف الرصافي اعتمد ذات المصادر التاريخية: كتب السيرة، والتفاسير، والصحاح. وجميعها اعتمد خبر الآحاد (باستثناء ما تواتر وهو نادر) في تدوين الأحداث التاريخية. فلا قيمة علمية لها. وكل ما ذكره، لا يفيد سوى الظن إن لم يكن أدنى، مهما كانت شهرته ما لم يتوفر على شروط صحته. فليس كل ما في كتب التاريخ والحديث والسيرة صحيح. خاصة أن أغلب ما استشهد به لفرضيته أخبار لا يرويها سوى شخص واحد. فكيف تبنى فرضية، يفسر بها سيرة الرسول ونصوص الكتاب الحكيم على خبر واحد؟. وحتى على فرض صحة أصل صدورها، لكن كيف نثبت صحة مضامينها؟ أقصد تطابق مضمون الخبر مع الواقع؟ فربما طرأ على الخبر زيادة أو نقصان، وهذا محتمل جدا في جميع الأخبار بلا استثناء. لذا حتى الخبر المتواتر جعلوه أقساما، فهناك تواتر لفظي، وتواتر معنوي.

بهذا يتضح أن ثغرات المنهج تجلعنا نميل للافتراض الثاني، وهو ثمة هدف وراء تأليف الكتاب، سواء كان هدفا عدوانيا، أو للحقيقة كما يقول: (وأنا اليوم أكتب للحقيقة وحدها لا شريك لها عندي). لكن أي حقيقة يقصدها؟ هل ما يتمخض المنهج العلمي الموضوعي، وما تسفر عنه الدراسات والأبحاث المقارنة، بمناهج متعددة؟ أم الحقيقة التي افترضها في بداية الكتاب؟ وافتراض الحقيقة في بداية البحث يدل على وجود موقف مسبق يريد إثباته، ولم ينتظر حتى انتهاء البحث ليكتشف الحقيقة، فالحقيقة ثابتة بالنسبة له، كما سنرى. خاصة بعد أن تخلى عن التاريخ، حيث جاء في ص15 من الطبعة الحديثة للكتاب: (أصبحت لا أقيم للتاريخ وزنا ولا أحسب له حسابا لأني رأيته بيت الكذب ومناخ الضلال ومتجشم أهواء الناس ..). ويقصد بالتاريخ الأعم من القرآن، باعتباره منجزا بشريا فيصدق عليه أنه جزء من التراث، فيخضع للنقد التاريخي أسوة بغيره من المصادر التاريخية. من هنا ينبغي تحرى المعالم الرئيسية لتحفظات صاحب كتاب الشخصية المحمدية على قدسية القرآن الكريم.

ينبغي التنبيه: لا يمكن رصد مغالطات الكتاب لغير الخبير بالتراث، وأدوات البحث العلمي. فثمة أحكام واستدلالات يقيمها مؤلف الكتاب وفق مقدمات تبدو للقارئ العادي صحيحة وحقيقة وهي ليست كذلك حينما تخضع للنقد العلمي. وقد وضحّت عددا من نقاط ضعف شاهده التاريخي، الذي استدل به لنقض إطلاق آية: "وما ينطق عن الهوى". وبينت ثغرات المنهج. وهذه قضية واحدة، لكنها مؤشر لتوخي الحذر عند مطالعة الكتاب، ومن يبغي الحقيقة عليه مراجعة المصادر التاريخية بأدوات علمية، واستعراض جميع الآراء، والتحري عن الحقيقة بتجرد. فكم من حكم أصدره المستشرقون ضد القرآن والنبي الكريم استنادا لمرويات تارخية لا يمكن الجزم بصحة صدورها إطلاقا، لكنهم يعتمدونها أصلا موضوعا، وحقيقة نهائيا يتخذون في ضوئها موقفا من الإسلام. خاصة الانتقائية في كتاباتهم، بل في كتابات جميع الأيديولوجيين، بما في ذلك كتاب الشخصية المحمدية، فإنها ملازمة لبحوثهم، يختارون من التراث ما يحقق أهدافهم من البحث. من هنا بات ضروريا استعراض أهم ما جاء في الكتاب، قد نتفق أو نختلف معه بها.

من الصعب تبرئة التراث وفيها خليط من الروايات الموضوعة والضعيفة والمدسوسة والصحيحة. لكن أغلبها روايات مرسلة، أو مقطوعة، يتعذر الجزم بصدورها. فالمنهج الصحيح يقتضي طرح هذه الروايات وعدم التشبث بها. لكن هؤلاء يبحثون عن كل رواية شاذة، ضعيفة، مهمشة تخدم بالهدف الأساس من بحوثهم

. صحيح أن التنقيب بالروايات المهملة يفتح أفاقا واسعا للبحث والدراسة في حقل النصوص التاريخية والتراثية بل وحتى الكتاب الحكيم وشخصية النبي وتاريخه الخاص، لكن شريطة أن تجزم بصحة صدورها. وإلا ستترتب أحكاما على قضية وهمية لا واقع لها، فتأتي النتائج على خلاف الواقع، وتخلق جوا من التشويش وزعزعة الثقة بالدين وبالقرآن، وهذا ما يطمح له جملة من الباحثين، أخشى أن يكون صاحب كتاب الشخصية المحمدية أو حل اللغز المقدس منهم.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi10nooradin samoodخاص بالمثقف: الحلقة الثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يواصل الحديث عن:

 

الموقف من القرآن

ماجد الغرباوي: ثمة من يعتقد بمرجعية وقداسة القرآن مطلقا، ويؤمن أنه وحي منزل من السماء، في مقابل من ينفي عنه ذلك، ويتعامل معه كمنجز بشري. فالموقف من القرآن الكريم مستويات:

الأول: لا يؤمن بوجود خالق لهذا الكون، وينكر مطلق الميتافيزيقيا، فالقرآن بالنسبة له منجز بشري، يتعامل معه كغيره من النصوص.

الثاني: يؤمن بوجود الله تعالى، وينكر مطلق النبوة الوحي، ويتعامل مع الكتب السماوية كسابقه.

الثالث: يؤمن بنزول الوحي، ونبوة بعض الأنبياء. فاليهود رفضوا عيسى وصلبوه. والمسيحيون حاربوا محمدا وأنكروا دينه. علما أن التوراة بشّرت بعيسى. والإنجيل بشر بمحمد. والقرآن جاء مصدقا لهما. ورفع شعار: (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ). فاليهود والمسيح يصدّقون من جاء قبل أنبيائهم، وينكرون من جاء بعدهم. وهي حالة طبيعية في جميع الأديان، ترتبط بإيمان الناس، وطريقة رسوخه، خاصة حينما يستأثر الدين بالهوية الشخصية.

الرابع: يؤمن بنزول الوحي، ويناقش في حقيقة النبوة وكيفية تلقي "المعطى المقدس"، وما هو الفارق بين النبوة والإلهام. وهي إشكالية قديمة يعاد إنتاجها، مع كل تطور معرفي، تتحدث عن مدى تأثر الوحي بقبليات النبي أو الموحى إليه. وهذا يتطلب معرفة حقيقة الوحي أولا. وطريقة تحققه في نفس الرسول؟. وقبلها كانت هناك مسألة خلق القرآن، وهل كلام الخالق قديم أم حادث؟. فثمة إشكالات قديمة حول الموضوع. أهمها: السؤال عن ماهية أو حقيقة الوحي؟ وهل يشمل المعنى واللفظ؟ وقد اختلفت الآراء حوله. وما زال الجدل محتدما حولها.

أما الأول فمشكلته فلسفية، والخلاف معه حول أصل وجود خالق لهذا الكون، فلا معنى للكلام حول الوحي وقدسية كتب الأنبياء.

والثاني يتوقف إيمانه على ثبوت أصل النبوة وفق دليل يرضخ لمنطقه، وهذا متعذر بالنسبة للأديان التي يتوقف الإيمان بها على وجود معجزة تُثبت صدق مدعي النبوة. كعصا موسى أو إحياء الموتى بالنسبة لعيسى. وأما القرآن فهو معجزة بلاغية في عصره، والقناعة بأبعاده الأخرى تعتمد على منهج القراءة النقدية في تحري مدى اعجازها. فالشخص الذي يؤمن بالله وينكر الوحي والنبوة ليس شخصا عاديا، ولا ينتمي للإيمان التقليدي الذي يواكب مشاعر الإنسان منذ ولادته بعيدا عن الوعي والعقل. وهذا لا ينفي روح التعصب أو تضخم الذات والشعور بالفوقية، لكن بشكل عام يعتمد هؤلاء أدلة عقلية، تتطلب ردودا ترقى لذات المستوى المعرفي، منهجا وأداة.

والثالث: يغلب عليه طابع التعصب، حينما يجد في الدين الجديد تحدٍ لهويته ووجوده، ويتعامل معه كخطر يداهمه. فثمة فهم قديم للأديان يجعل منها نهائيات غيبية، لا يمكن تجاوزها. بينما حقيقة الأديان تكاملية، تواكب حياة الإنسان وتطوره. فقناعة هؤلاء تتوقف على مرونة عقولهم، وقدرتهم على الاحتكام للعقل والمنطق.

والرابع إشكالية قديمة، تتجدد، تتطلب دراسات وبحوث، تبيّن حقيقتها. فهم الوحي سيؤثر على فهم الدين ومستقبل الإنسان، ويساهم في تطويره حضاريا. فأحد أسباب تخلف المسلمين الفهم الخاطئ للوحي، ودور النبي فيه.

وبالتالي فلا يقتصر الإشكال على الرصافي وحده، ونحن أمام إشكالية متجددة، خاصة في أعمال المستشرقين والمبشرين بل وحتى الأعمال الأكاديمية والعلمية. فهل القرآن وحي إلهي، ومحمد نبي مرسل؟ أم هو منجز بشري، ومحمد رجل عبقري؟. هذا هو السؤال المطروح.

القرآن بالنسبة للمسلمين وحي إلهي لا جدال فيه. ومعجزة النبي، ومصدر العلم والتشريع، والدليل على الله، والبشير النذير، يقرأون فيه ماضيهم، ويستشرفون بآياته مستقبلهم. لا يرتابون فيه، ولا ينتابهم شك. فهو مقدّس، لا يطاله النقد. تقتصر مهمتهم على تفسيره وتأويله والاستماتة في الدفاع عنه. وهو محور الدين. عليه يقاس كل شي، ولا تقاس آياته على غيره. ولا قيمة للروايات النبوية حينما تتعارض معه. وإيمان المسلمين، كغيرهم، إيمان تقليدي، موروث، نشأوا وتربوا على تقديسه. والإيمان التقليدي كما تقدم راسخ لا يتزعزع. فالقرآن لم يخضع للنقد التاريخي من قبل المسلمين، ولعل كتاب: "الشخصية المحمدية أو حل اللغز المقدّس"، أول جهد مفصّل حول النص القرآني وسيرة النبي، وقد واجه مؤلفه بسببه متاعب كبيرة. وقد سبقه في نقد النص المقدس (التوراة) الفيلسوف الهولندي، من أصل يهودي، باروخ سبينوزا 1632- 1677م في كتابه: (سبينوزا هوالديكارتي الوحيد الذي استطاع أن يطبق المنهج الديكارتي تطبيقا جذريا في المجالات التي استبعدها ديكارت من منهجه الخاص في مجال الدين، وأعني الكتب المقدسة والكنيسة والعقائد والتاريخ المقدس ..). فهناك مهابة للكتب المقدسة منشأها عقل جمعي جارف، وإيمان جماهيري راسخ. إيمان تبلور وتغلغل في نفوس المؤمنين بعيدا عن العقل. إيمان تقليدي، نشأ عليه الفرد والمجتمع. فالكتاب المقدّس لا يخضع للعقل، بل يقتصر فيه على  التدبّر والتأمل بعيدا عن النقد. فهو نص متعالٍ، لا تدركه العقول بسهولة ويسر. وبعض المذاهب اقتصرت فهمه على النبي والصحابة (الاتجاه السني). أو النبي والأئمة (الاتجاه الشيعي). فعندما يقتحم أحد الباحثين الكتاب المقدس بمنهج عقلي، تجريدي، ويحاكم نصوصه في ضوء التاريخ وسيرة النبي، يخلق ردود فعل مصيرية. وقد تعرض سبينوزا للاغتيال، وهكذا حصل للشاعر معروف الرصافي بعد انتهائه من تأليف الكتاب سنة 1933م في مدينة الفلوجة – العراق. وكان يتوقعها: (وإني لأعلم أنهم سيغضبون ويصخبون ويسبون ويشتمون، فإن كنت في قيد الحياة فسيؤذيني ذلك منهم..).

لا يعني التركيز على سبينوزا والرصافي عدم وجود جهود سبقتهما، بل وتطورت وأصبح تناول النص المقدس اليوم بالنقد والمراجعة وفق مناهج عقلية أمرا متداولا. وأصبحت كتب محمد أركون وغيره الأكثر انتشارا رغم خطورتها على الإيمان التقليدي، والخطاب الديني بشكل عام. وستقتلع الدراسات الحديثة أسيجة الفهم الديني التقليدي، وتستبدلها بخطاب عقلاني في فهمه للكتب المقدسة ودور الدين والإنسان في الحياة.

المناهج العقلية النقدية باتت تطال كل شيء، وبات تداول الوحي بذات المنهج مقبولا في أروقة الجامعات، والدوريات، والحوزات العلمية. فثمة آراء مزلزلة في كتابات عبد الكريم سروش: "أحلام نبوية"، وكتابات محمد مجتهد شبستري: "القراءة النبوية للعالم". وآخرين. وبالتالي لا ينفع الجدل الآيديولوجي، والتكفير، ورمي الباحثين بالردة والخروج عن الدين. يجب الاصغاء لتحفظات الآخرين حول قداسة القرآن، وتناولها في إطار علمي موضوعي لمعرفة حقيتها، فليس ثمة ثابت سوى ذات النص المتداول، والذي هو الآخر تطارده شبهة التلاعب ببعض نصوصه، فتدور حوله استفهامات لمعرفة حقائق الأمور.

الدراسات النقدية باتت لا تتهيب أسوار القداسة، وحرمة المساس بعقائد الإيمان التقليدي، وتبحث بأدوات ومناهج علمية ما يضمره النص المقدس من أنساق ثقافية وعقيدية. فينبغي التعامل بعقلانية شاملة في تناول مفردات العقيدة، مهما امتدت مساحاتها.

القضية برمتها أن الدين بحاجة إلى فهم جديد يتناسب مع تطور المجتمعات والكشوفات العلمية الهائلة، لتحديد دوره في الحياة، والموقف من الوحي. اليوم الفهم الديني الذي يقوده الفقهاء، مسالمون أو تكفيريون، هو المهيمن الثقافي والفكري والعقيدي للمجتمعات الإسلامية، رغم رتابته وجموده. بل ما زال الخطاب الديني الأقوى، لتدارك حالات الضعف السياسي، والإنكفاء، والتخلف. فالفهم الديني المتدول متهم بالعجز والخواء والتستر، باعتباره المكون الأساس لوعي الفرد والمجتمع.

مما تقدم يتضح ثمة ما نختلف به مع كتاب: الشخصية المحمدية، وهناك مساحة للتداول الفكري والعقيدي. خاصة أن الرجل قد بذل جهدا هائلا على مدى 767 صفحة من الحجم الكبير لإثبات صحة آرائه أو ما يصفه بمعرفة الحقيقة. فأمامنا منهج اعتمده الباحث ينبغي التأكد من صلاحيته. وهناك مصادر اعتمدها. وينبغي أن لا نختلف حول أهمية العقل في النقد والمراجعة، لأنه أدة البحث الموضوعي. واستخدام العقل لا يضر بمصداقية الوحي، بل قد يعزز حقيقته. وأما السبب وراء خشية بعض رجال الدين والباحثين الإسلاميين من المنهج العقلي هو الخوف من تدهور منظومة الأفكار والعقائد التي يؤمنون بها ويخشون تصدعها وانهيارها. فحرصهم ليس على القرآن ومستقبله بل دفاعا عن الذات والمصالح المذهبية. وهذا لا يهمنا ما دمنا بحاجة ماسة لفهم متجدد للدين وعقائده، مهما انهارت المنظومة العقائدية والفكرية والمذهبية. فالمسألة مرتبطة بمستقبل أمة، بل بمستقبل المؤمنين في يوم الحساب " وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ". لا يمكن تقصي جميع مدارات كتاب الشخصية المحمدية أو حل اللغز المقدس، فنكتفي بمراجعة منهجه والركائز الأساسية، فقد نتفق معه أو نختلف. علما أن ما طرح في الكتاب يشاركه فيها عدد كبير من الباحثين، مستشرقين، ومبشرين، وأكاديميين.

بدءا أمامنا افتراضان حول هدف مؤلف كتاب الشخصية المحمدية، الأول: أنه باحث موضوعي انتهى إلى نتائج مغايرة. والثاني: أنه يهدف للإطاحة بالوحي، وتجريد محمد من نبوته، فيوظف أدواته ومناهجه للكشف عن ثغرات الكتاب الحكيم ونقاط ضعفه وتناقضاته من داخل النص أو من خلال شواهد تاريخية تخص النبي الكريم. وكلا الاحتمالين ممكن من خلال مراجعة شاملة للكتاب.

إما بالنبسة للاحتمال الأول: إن البحث الموضوعي يتطلب منهجا علميا وأدوات معرفية كافية، فالباحث أمام نص متعال، زاخر بدلالته، ورمزيته .. نص ثري، لا يعطي نفسه بسهولة، يخفي أكثر مما يُظهر، لا يمكن مقاربته إلا من خلال منطقه الداخلي، فثمة منهج يساعد على فهم آياته. منهج  من داخل الكتاب يقوم على رد الآيات المتشابهة، المغلقة. أو التي تواجه انسدادا معرفيا فترد إلى ما هو محكم وصريح من الآيات. (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). فلا توجد فوضى في تفسير وفهم آياته وفقا لهذا المنهج، لذا تهرب الدراسات الطائفية والمذهبية والآيدولوجية منه، لتكرّس ما تشابه من الآيات، أو مطلقاتها لصالح أهدافها.

المنهج العلمي منهج منتج، يتمتع بكفاءة عالية، وبالفعل طورت المناهج الحديث في قراءة النصوص الفهم البشري للكتب المقدسة. لكن تجد معروف الرصافي يلعب ذات اللعبة على مطلقات الآيات للاستدلال على آرائه، فينفي صفة العلمية عن منهجه. أو لا أقل سيكون انتقائيا في اختيار دلالات بعض المفاهيم القرآنية، ومقتضى الموضوعية تقصي جميع الآراء لاثبات صحة ما يريد، خاصة مع تعدد مصاديق المفهوم، الذي هو محط صراع المذاهب والطوائف الإسلامية لمراكمة فضائل أطراف النزاع السياسي – الإسلامي، كما في: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ) أو آية: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ). (ويؤتون الزكاة وهم راكعون). وأيضا حول مفاهيم العقيدة. وهذا منهج خطير، فالآية تبقى على اطلاقها لتؤدي دورها في كل زمان ولا تكرس لصالح شخص فتموت معه.

كما ان توظيف إطلاق بعض المفاهيم القرآنية خارج مقاصدها منزلق معرفي، ينطلي على غير العارفين بمناهج قراءة النص. فالرصافي يستدل بحادث تاريخ لاثبات تناقض آية: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى). فقال: "محمد نطق عن الهوى احياناً"، وسرد قصة وقوفه على مقتل عمه حمزة، وقوله بانفعال وعاطفة جارفة: (والله، لأمثّلن بسبعين منهم مكانك). سيأتي الكلام عن القيمة المعرفية للروايات التاريخية، ومدى مطابقتها للواقع ونفس الأمر. وهنا نتوقف قليلا مع مفهوم الآية بغض النظر عن مدى صحة الشاهد التاريخي الذي نقله عن السيرة الحلبية.

لا يمكن للرصافي الاستدلال على رأيه ما لم يثبت إطلاق الآية، فهي وإن كانت حسب الظاهر مطلقة، لكنها في سياق آيات الكتاب ليست كذلك، وثمة اختلاف حول حدود عصمته في غير التبليغ. فهل النبي معصوم في كل ما يصدر منه من حركات وسكنات وكلام؟ أم هو معصوم في تبليغ القرآن؟. وهي مسألة خلافية يعرفها كل المشتغلين في حقل العلوم الإسلامية. ولا أنفي وجود اصرار على مطلق عصمته، خاصة من قبل الاتجاهات السلفية من السنة والشيعة، التي تتوقف كثير من متبنياتهم العقيدية على عصمة الرسول أولا. فالرصافي لم يتوقف عند هذه النقطة، وساقها مسلمة وبديهية عقيدية لا خلاف ولا جدال حولها، وهي ليست كذلك إذا ثبت اختصاص عصمته بتبليغ القرآن. فهو في غير التبليغ بشر، يطرأ عليه ما يطرأ على غيره من الناس، فتجرفه العاطفة، وهو يرى عمه. أو يرى أحد أعمدة وجوده السياسي والاجتماعي والدعوي شهيدا مخضبا بدمائه. فحمزة شخصية كبيرة، وباسلامه عز الدين والدعوة المحمدية. فالانفعال حالة بشرية طبيعية في مثل هذه المواقف.

لذا قالت الآية، إذا صح أنها نزلت في هذه الحادثة: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ). ثم راحت تخفف من أحزانه وتهدئه ( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ  وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون). بل يمكن الاستدال بهذه الآيات على اقتصار عصمة النبي في التبليغ. وعدم إطلاق آية: (وما ينطق عن الهوى) لجميع أوقوال وسلوك النبي الأخرى.

فكان ينبغي له أولا اثبات مطلق العصمة للرسول من ذات الآية التي استشهد بها. فربما يمكنه الاستدلال على عصمته بدليل آخر. لكنه لم يذكر سوى هذه الآية، وهي دليله على عصمة النبي، فنلزمه بما لزم به نفسه. ومقتضى فهمه للآية أن النبي لا ينطق عن الهوى مطلقا، فأتي بشاهد تاريخ ومصداق حقيقي – كما يعتقد - ينقضها. وبالتالي فالآية لم تستوفِ شرطها المنطقي في السالبة الكلية. ومحمد ليس مسددا ومعصوما، وهو بشر مثلنا.

عندما نعود لسياق الآيات، بعيدا عن كتاب الشخصية المحمدية، نجد أن أقصى ما تدل عليه آية "وما ينطق عن الهوى" بقرينة آيات أخرى، عصمة النبي في التبليغ. أما عن سلوكه العام فهو بشر مثلنا. بل لا معنى لسلب النبي بشريته، ولا مصداقية له حينما لا يكون بشرا. وهناك اتجاهات كلامية تؤيد هذا. فالمنهج العلمي يفرض على مؤلف كتاب الشخصية المحمدية الموضوعية، وبيان اختلاف الآراء حول عصمة النبي كي يصدق شاهده التاريخي، وإلا سوف يكون انتقائيا، وهذه ثغرة كبيرة، تكشف عن موقف مسبق من القرآن وسيرة النبي. أو أن الرجل ليس خبيرا بالمنهج العلمي، فالنص القرآني والمعارف الدينية لها مناهجها وأدواتها المعرفية. ولا يمكن مقاربة النص المقدس بهذه الطريقة. هذه الآية يصدق أنها من الآيات المتشابهة، يتوقف فهمها على غيرها من الآيات المحكمات، كآية: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ). فخارج حدود الوحي، محمد بشر مثلنا. وأفهم من بشريته الأعم من ظاهر المفهوم هنا بما يعم طريقة الفهم البشري، كما سأبين لاحقا. فهو يتصرف بكامل إرادته كقائد، وموجه، ومبشر، ونذير. يتعامل مع المجتمع، ويتفاهم مع الناس. ولديه هامش واسع من الحرية، بدليل قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ). فلو كان معصوما مسددا لماذا يعاتبه الخطاب القرآني، ويبين خطأ قراره: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ). فالآية واضحة بينة تصلح لتقيد آية: (وما ينطق عن الهوى). فتقتصر عصمته في التبليغ. وما تكلم به عندما شاهد عمه حمزة على فرض صحته صدر منه باعتباره بشرا. ثم تراجع عنه كما يقول الرصافي. أي أنه تصرف كبشر، ولم يخالف مسلمة قرآنية، ثم تراجع في ظل تعاليم الدين ومحكم آيات الكتاب الكريم.

وآية: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) واضحة هي الآخرى بإمكانية أن يتصرف النبي كبشر حتى في مجال التبليغ. ويكفي ذات الاستعداد والامكانية التي تشهد به الآية، وإن لم يتقوّل أو يخطأ فعلا.

فإطلاق عصمة النبي ليس أمرا مفروغا عنه، وليست هي ثابتة متفق عليه، فترتيب الأحكام على مطلق عصمته من خلال شواهد تاريخة، خطأ منهجي. بل يكشف عن عدم دراية ومعرفة علمية إذا أحسنا الظن بنواياه. وحينئذٍ من حقنا تحري هدفه الحقيقي؟.

ولو سلمنا بمطلق عصمة النبي جدلا، أو تماشيا مع الرأي المشهور، وما ذهب له الرصافي، فأيضا استدلاله خطأ فادح من زاوية أخرى. فآية: وما ينطق عن الهوى، لم تقل وما يلفظ أو ما يقول، بل قالت: "وما ينطق عن الهوى". والنطق غير اللفظ والكلام. فعندما يختص الحديث بأفعال الإنسان وسلوكه ومسؤوليته عن مواقفه تعبّر الآية: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ). فالفرد مسؤول عن لفظه. وأما النطق فهو تعبير أخر عن التحدّث الرسمي حول قضية ما، كما نقول: صرّح الناطق الرسمي باسم الخارجية أو باسم الحكومة، حيث يكون دوره تلخيص القرارات، وتبليغها لوسائل الإعلام. فالعصمة تقتصر على ما نطق به متحدثا عن الله تعالى. وما نقله الرصافي عن السيرة الحلبية من كلام النبي خاص بمحمد الإنسان الذي تعتريه العطافة والرأفة. فالنبي الكريم تارة يتحدث باسم الوحي فيكون ناطقا رسميا، وهو معصوم فيه لا يتحدث أو يصرّح أو ينطق عن الهوى. وأخرى يتكلم كإنسان يعبر عن مشاعره وعواطفه وحتى مواقفه الشخصية من بعض القضايا العامة.

 فالرصافي استغفل القارئ مرتين، أو أنه ليس خبيرا بقراءة النص المقدس، رغم أنه شاعر كبير، وخبير بالنصوص وتورياتها وألاعيبها ومراوغاتها حسب الفرض.

إن كثيرا من المطلقات والثوابت والبديهيات التي يرتّبون عليها أحكاما سلبية هي ليست ثوابت وبديهيات بالمعنى المعرفي الدقيق. إنهم يراهنون على جهل القارئ، وعدم قدرته على تشخيص الحقائق. وهذا تدليس واضح. واستغفال حقيقي.

ما تقدم مجرد مثال لتمحيص المنهج في كتاب الشخصية المحمدية. وقد تناولنا فيه استغفال القارئ من خلال تعميم عصمة النبي لجميع سلوكه وأقواله. فتأتي النتيجة صادمة من خلال الشاهد التاريخي الذي ذكره الرصافي. وعلينا لاحقا تناول الشاهد التاريخي لا في تفصيلاته، فالشواهد كثيرة، وتفصيلاتها أكثر، لكن لتحديد القيمة المعرفية للأخبار التاريخية والمرويات الدينية، كمسالة كلية. فقد تعامل صاحب الكتاب لا يوجد ما يؤكد صحة صدوره. فنحتاج إلى ضابطة كلية لتحديد القيمة المعرفية للأخبار التاريخية والمرويات الدينية، كي يحافظ المنهج على علميته وموضوعيته. بأي دليل نركن للأخبار بل ونعتمدها شاهدا نستدل به على تناقض القرآن الكريم؟ القرآن متواتر وقد حافظ على قيمته المعرفية في بعده التاريخي، لكن كيف نثبت ذلك للأخبار، وقد خصص الرصافي فصلا لنقدها، والكشف عن ضعف الاعتماد عليها.

لا شك أن زاوية النظر تتحكم بتفسير سلوك النبي وسيرته، فالرؤية البشرية تقصي الغيب واللامعقول، وتفهم سلوكه وأقواله كبشر صاحب مشروع ديني أو سياسي. كما تبحث عن علل الظواهر وأسبابها الطبيعية، ولا تقف عند حدود علتها الأولى (الله). وهذا يمكن قبوله ما دام الباحث موضوعيا، يتجرد عن قبلياته، لكن حينما يقصد توهين الدين، وتجريده عن قدسيته، فالبحث سيأخذ مسارا آخر.

إذا ينبغي لنا تحديد القيمة المعرفية للأخبار، كضابطة عامة نحاكم بها جميع شواهد الكتاب. فالسيرة النبوية أخبار تاريخية وليست نصوص قرآنية. اي تدوينات بشرية تخضع كما يقول الرصافي للأهواء والتوجهات السياسية والطائفية، وقد طرأ بالفعل عليها زيادات كثيرة، وأقصي منها ما يتقاطع مع مختلف أهدافهم.

يأتي في الحلقة القادمة

 

 ............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi7nooradin samoodخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1-2) من أسئلة الشاعر والكاتب ا. د. نور الدين صموّد.

 

 س67: ا. د. نور الدين صموّد: إلى المفكر الكبير والعالم الجليل ماجد الغرباوي السلام عليكم وبعد، فقد اطلعت على كتاب للشاعر العراقي الكبير (معروف الرصافي) وهو كتاب كبير  الحجم، عنوانه: (الشخصية المحمدية). يرى فيه أن محمدا عليه السلام أذكى رجل في العالم، أتى برسالة من عـنده صالحة للبشر جميعا، وليست وحيا من الله بواسطة جبريل. وهي في زعمه رسالة بشرية إلى الناس كافة فيها كل الخير للبشر. والدليل على ذلك أن كثيرا من مفكري العالم غير الإسلامي ينوهون بهذه الرسالة لكنهم لا يقرون بأن الله أنزلها على محمد عليه السلام. فماذا ترون في هذا الرأي وهل فيه تناقض لغير المسلمين ممن ينوِّهون بالرسالة المحمدية لكنهم ينكرون نزولها من السماء على خاتم الأ نبياء. والتناقض يبدو في قبولهم لفكرة نزول الوحي على أنبيائهم وينكرونها على نبي الإسلام. وهكذا يكون رأي الرصافي شاملا لعدم إرسال الرسل على الجميع بينما نراهم يكيلون بمكيالين فالرسل لا يكونون إلا فيهم، وكأن الله إلههم وحدهم وليس إله جميع البشر؟

وأخيرا لقد شكك البعض في صحة نسبة هذا الكتاب إلى الرصافي ولدي عدة أدلة تثبت أنه من تأليف الرصافي وهذا يحتاج إلى كلام طويل قد نعود إليه فيما يستقبل من الأيام والسلام.

ج67: ماجد الغرباوي: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وشكرا لإطرائك، وحسن ظنك، وثقتك، الأخ الشاعر الكبير الأستاذ الدكتور نور الدين الصموّد. سؤال حساس ومهم، وإشكال متجدد بحاجة لوقفة متأنية.

ما يهمنا في كتاب "الشخصية المحمدية"، أفكاره ومتبنياته، سواء صحة نسبته للشاعر العراقي معروف الرصافي أم لا. الكتاب مكرّس لتجريد القرآن من سماويته، ونسبته لمحمد العبقري، بعد نفي صفة الوحي عنه. وهي تهمة قديمة رافقت نزوله، وقال بها المستشرقون، وما زال بعض الناس يتمسك بها ويدافع عنها، خاصة المبشّرين، معتنقي الديانات الأخرى. (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا). فالشبهة ما زالت تجدد أدلتها بشتى الأساليب. وهذا لا ينفي وجود دراسات علمية موضوعية جادة حول الكتاب الكريم، وهو حق محفوظ للباحث حينما يتحلى بالتجرد الكامل، وعدم الانحياز، فيتناول نصوص الكتاب بمعزل عما يثار حوله من شبهات. فالموضوعية مائز الدراسات العلمية، خاصة المقارنة منها. والقرآن نص، يخضع لمختلف المناهج. نص زاخر بدلالاته، ورمزيته، وبيانه، وتعاليه، وربما تناقض بعض نصوصه، قادر على مقاومة القراءة النقدية، حينما يمتلك الباحث أدوات البحث العلمي، ويعتمد المنطق الدخلي للنص المقدّس. ولا شك أن زاوية النظر تلعب دورا حاسما في تقرير نتائجه، وتأويل اللامعقول فيه. فالنص المتعالي يفرض منطقه عادة. وفهم القرآن يتجدد مع كل قراءة علمية، ويتألق مع كل مراجعة نقدية. ولا يوجد ما يحول دون تناوله ونقده، فهو نص متاح للجميع. غير أن المؤمنين به اقتصروا على تفسيره وتأويله، دون نقده.

من حق كتاب الشخصية المحمدية تناول القرآن، وسيرة النبي بالنقد والمراجعة وفق منهج علمي، يشترط تجرد الباحث من قبلياته، والتخلي عني المنهج الانتقائي في المصادر التاريخية. لكن الرصافي صاحب الكتاب تناول المشروع الرسالي ضمن فرضيات لا يمكنه الجزم بصحتها، كما سيأتي. فعمد من البداية إلى توجيه البحث صوب صحة فرضياته، مما يؤكد وجود هدف يفرض عليه التخلي عن المنهج المقارن، ودراسة ذات النص القرآني لاثبات فرضيته، فتشبث بأخبار تاريخية منتقاة بعد عجزه عن الاستدلال بآية من الكتاب الحكيم. وهذا لا ينفي وجود نقاط قوة في الكتاب، اتفقنا أو اختلفنا معه. فالكتاب كتاب نقدي، وقد تناول النص القرآني بالدراسة بحثا عن ثغراته، في سياق هدفه من تأليفه.

ليس المشكلة في عدم تطابق إيمان الناس حول نسبة القرآن للوحي، لكن المشكلة في استهدافه دون الكتب السماوية الأخرى، والتحيّز ضده، رغم اعتراف القرآن الكريم بها، وبنبوة موسى وعيسى، واعتبر نفسه مصدّقا لما بين يديهما. فالتوراة والأنجيل تبقى في نظرهم وحيا وكتبا مقدسة، مهما تأخر تدوينهما بعد موسى وعيسى، وعدم وجود ما يؤكد نسبتهما لهما. فالأناجيل مثلا تنسب لمؤلفيها (متى، مرقس، لوقا، يوحنا). وهم الراوي الوحيد لوصايا عيسى وسيرته. فكلا من النبي موسى وعيسى لم يطلع على ما نسب لهما، بينما دوّن القرآن الكريم بواسطة كتّاب الوحي وباشراف النبي. ثم جُمع رسميا بعد ربع قرن، في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، بحضور كبار الصحابة، وكتّاب الوحي. فلماذا تنسب الكتب المقدسة للوحي وينسب القرآن الكريم لمحمد العبقري، رغم اتفاق الجميع على تعالي القرآن في نسقه، ومعانيه، ورؤيته وبلاغته، ومعارفه، ومنطقه؟. إليس هذا تناقض ومكابرة؟ بل يكفي في قدسيته اعترافهم بعبقرية محمد وذكائه الخارق قياسا على ما جاء في الكتاب المجيد. وهذا اعتراف غير مباشر بقدسيته، وتعاليه، وتماسكه. فالتناقض سببه تبشيري، استعلائي، وردة فعل سببها تفوق الآخر. والتشكيك بنسبة القرآن للوحي يأتي في سياق الدفاع عن الذات حينما تواجه تفوق الآخر. فالموقف المزدوج من الكتب المقدسة غالبا ما يكون مكابرة، وعنادا وتعصبا: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا).

حق النقد مكفول للجميع، فينبغي تقبّله، خاصة ما يخص شبهة بشرية القرآن. ولا أجد مبررا للخوف من أي كتاب يتناولها، حينما يستوفي النقد شروطه العلمية، ويتحلى الباحث بالتجرد والموضوعية. بل ينبغي مواصلة النقد ليكون الإنسان على بيّنة من أمره، ويكون مسؤولا عن موقفه الفكري والعقيدي، في الدنيا والآخرة، للمؤمنين بها، (وقفوهم إنهم مسئولون). وقد استعرض الكتاب الحكيم جميع الشبهات وردها بأسلوبه الحواري، العلمي. فهناك آليات ومناهج  للاستدلال على صدقية العقائد. ولا يكفي الإيمان البسيط المتوارث دليلا على صحتها ومطابقتها للواقع.

الإيمان الموروث ينبثق وفق آلياته، ثم  يتطور تلقائيا، بعيدا عن البرهان والاستدلال. وقلما يتدارك العقل وعي الإنسان في مجال العقيدة، بل يخضع لترويضها، ويكرّس جهده لتعضيدها والدفاع عنها. والإيمان بالله ورسله وكتبه إيمان تاريخي، يعكس ثقافة محيطه وبيته ومدرسته. خاصة في "مرحلة التلقي". حيث خمول العقل، وبدائية الإيمان فيمتد بامتدادها، بقطع النظر عن فئته العمرية. وحينئذٍ يقتصر فعل العقل على التبرير والتفسير، وتقف مرجعيته الفكرية عند حدود الغيب والخرافة واللامعقول. فلا قيمة معرفية حقيقية للإيمان المتوارث، ولا يكون دليلا على صحة المعتقد مهما كان مستوى رسوخه. وهذا بحد ذاته مبرر لقبول النقد.

الإيمان حالة مذهلة، محيّرة. قادر على حماية نفسه، وتحصين قلاعه، رغم بساطته. هو شعور داخلي، يخفي أسراره، وأحاجيه. متشعب في روافده ومصادره. يتوهج داخل النفس، فيخلق تفاعلا ذاتيا، يتجلى عبر مواقف الفرد ومشاعره وسلوكه. وهو تحقق نفسي، تلقائي، مهيمن، يتوقد، مع كل ممارسة إيمانة. والنفس البشرية شبكة متداخلة، يؤثر بها العقل الجمعي، والوسط الاجتماعي. والإيمان يستمد حقيقته من الوجود، والتفكر، والتأمل، والرموز، والطقوس وردود الأفعال ومواجهة التحديات. فهو وليد منظومات فكرية وثقافية وعقيدية متداخلة، تتسرب في أعماقه، حداً تطوق إرادته. كما تساهم ممارسة الطقوس، والشعارات وإحياء المناسبات في ترسيخه، فيلعب دورا فعّالا في تأسيس بنية معرفية يترشّح عنها منظومة أفكار وتصورات ومعتقدات تغذّي الخيال حداً يمكنه مقاومة الانهيارات المفاجئة لصدقية حقيقته، من خلال إعادة تشكيل وبناء العقيدة في ضوء قبليات الإنسان وحاجاته وضروراته وتطلعاته، خاصة في مجال العقائد الدينية والمواقف الآيديولوجية. فالعقيدة تنمو في أحضان الإيمان ودفئه، وقد تلتف على معطيات العلوم والاكتشافات المعرفية وتوظفها لترسيخ أسس الإيمان بها، وتحصين ذاتها بأسيجة تضمن بقاءها حية فاعلة، كقداسة وعصمة الرموز التاريخية، أو الإيمان بالكتب السماوية، وسيرة الأنبياء وصفاتهم وخوارقهم. فثمة جدل متواصل بين الإيمان وبيئته لتجديد فاعليته على مستوى السلوك والأخلاق والوعي، بدوافع آيديولوجية، لتبقى العقيدة سلطة توجه وعي الفرد وتؤثر في فهم الواقع. فالصورة الذهنية للعقيدة وليدة إيمان الفرد وضروراته ومصادر معرفته. يتجسد ذلك في التقاطعات الحادة حول مفردات العقيدة. وعدم تأثر الإيمان بالكشوفات المعرفية. وطالما مارس الناس طقوسا رغم مخالفتها للعقل والذوق العام. لذا تجد الإيمان راسخا لا يتزعزع، مهما كانت الحجج والأدلة، وهذا لا يختص بالمسلمين دون غيرهم، ولا بالإسلام فقط. بل جميع الناس، على مختلف أديانهم وعقائدهم.

يتضح مما تقدم أن الإيمان البسيط أو الإيمان التقليدي، غم رسوخه، لا يدل على صدق مؤداه بالضرورة، ولا يمكن الاحتجاج به على الخصم، ولا يصادر حقهم في النقد والمراجعة. ولا يبرر اضطهاد الآخر وحمله على الإيمان بذات الأفكار والمعتقدات. فحق الاختلاف ثابت للجميع. وآراؤهم محترمة شريطة التزامها بالمنهج العلمي. بل حتى العقل المجرد عاجز عن اثبات جميع تفصيلات العقائد. فلا داعي للتعصب لأية عقيدة، لقصور الأدلة، ما عدا البدهيات العقلية.

غير أن الأمر مختلف مع الإيمان البرهاني أو الإيمان الواعي، القائم على المنطق والاستدلال، حيث يتولى العقل إدراك العقيدة، حينما يستبعد الخرافة واللامعقول، ويرتكز للمنطق والفسلفة في تفسير تجلياتها ومظاهرها، ويواصل نقدها ومراجعتها حتى رسوخها. غير أن قدرة العقل المجرد على إثبات العقائد محدودة، تتفاوت مستوياتها، تبعا للأدلة والبراهين.

العقل المجرّد لا يؤمن بأكثر من وجود خالق لهذا الكون وفقا لقانون العلية، وهو قانون عقلي ثابت. وأما صفاته وخصائصه فيعتمد في تصديقها على الكتب المقدسة، التي يتوقف إيمانه بها على  إيمانه بالأنبياء والرسل. وإيمانه بهم يتوقف على مدى قناعته بمعاجزهم. فالتسلسل الإيماني العقلي يبدأ بالإيمان بالخالق، ثم تصديق معجزة النبي، كمقدمة للإيمان بنبوته، فيطمئن بنسبة كتابه المقدس إلى الوحي. فالمعجزة كانت سبيل الناس للإيمان بالنبي، وبها انتزع الرسل اعترافا صادقا بنبوتهم. وآمن الناس بهم، وضحّوا معهم، وجاهدوا بين أيديهم، وتمسكوا بشرائعهم. وأما غير المعاصرين للأنبياء والرسل، فإيمانهم موروث، بحكم بيئتهم وثقافتهم. ثم ينشط من خلال العقل الجمعي (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ). أو يعتمد التواتر الخبري، فيرتهن لمناهجه وأدواته. لذا تندثر الأديان باندثار معاجز الأنبياء، ما لم يتدارك الدين نفسه، ويحتمي بقوة سياسية، فيوسع من نفوذه الديني، وهذا ما حصل مع المسيحية التي احتمت بالحكم الروماني، ولجأت للطقوس لتثبيت الإيمان وترسيخ العقيدة، خاصة اللامعقول فيها.

وأما معجزة النبي محمد فهي ذات الكتاب الكريم، الذي ارتكز في خطابه الحجاجي على العقل، فتجده زاخرا باستفزازية استفهاماته  للعقل. ولم يأت الرسول بمعجزة كمعجزة موسى وعيسى. وما تقرأه من معاجز تنسب للنبي الكريم، مصدرها خطاب ديني، مستفز، راح ينسب له بعد وفاته معجزات في سياق الجدل المحتدم مع أهل الكتاب الذين استغلوا عدم وجود معجزة للتشكيك في نبوته (وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ). فتأتي من باب تحصين الهوية الدينية. وهو أسلوب ضعيف في معالجة الثغرة العقائدية. أسلوب أخفق في إدراك الهدف الأساس من الدين في الحياة. إن مرحلة ما قبل النبي، كانت مرحلة العقل الأسطوري، تحتاج لمعاجز حسية، ملموسة، بينما تحتاج مرحلة العقل النقدي إلى مرتكزات إيمانية عقلية. لذا واصل القرآن دوره الإعجازي، وسيبقى حتى تصل البشرية مرحلة العقل التام المستنير. فالدور الاعجازي للقرآن ليس مقتصرا على بلاغته، وثمة أبعاد ما زالت تتحدى، وقد يستنفد قدراته الإعجازية مستقبلا مع تطور العلوم الإنسانية خاصة، حينما يحقق الدين كامل أهدافه، ويترك للإنسان مهمة مواصلة حياته في ربوع الإيمان بالمطلق، والمبادئ الإنسانية، وفق ميزان العدل.

إن مهمة الأديان السماوية احتضان الإنسان، ومواكبة تطوره العقلي، فحاجته للدين، تتوقف على مستوى وعيه وقدرته على اكتشاف مقاصد الشريعة، وغاياتها. فتتنوع استجابته تبعا لحاجة الإنسان وفقا لظروفه الزمانية والمكانية. بينما الإيمان، حاجة نفسية، ومشترك ديني – إنساني، على خلاف الشرائع: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا). فالإيمان واحد، والبعد التشريع في الأديان متغيير، يراعي حاجة الناس ومتطلبات عصرهم.

فدور المعجزة التي هي أساس الإيمان بالأنبياء، دور محدود يقتصر على مشاهديها، ثم يسوق الجو العام والعقل الجمعي الناس للإيمان بالأنبياء. وهو أمر طبيعي، يتناسب مع مرحلية الدين. فأديان ما قبل الإسلام أديان مرحلية، لها تشريعاتها ووعيها الذي يتناسب مع متطلبات مرحلتها. فكان ينبغي لليهود الإيمان بعيسى لكنهم صلبوه، وحصنوا أنفسهم بمقولة: شعب الله المختار، لتحصين الذات، والحيلولة دون تسرب الشكوك العقائدية. فهم ليسوا بحاجة لمعجزة موسى لهداية الناس، بل هم شعب اختاره الله، يتكاثرون فيما بينهم. فتداركوا الأمر عندما تكون المعجزة ضرورة لإيمان الناس، خاصة العقول اليقظة، المتمردة على الموروث الديني.

وايضا كان ينبغي للمسيح الإيمان بالإسلام، وقد أسلم كثيرون في عصر النبي من اليهود والنصارى، كعبد الله بن سلام. وكما شكلت المسيحية خطرا كبيرا على اليهودية، كذلك شكل الدين الإسلامي خطرا فادحا هدد الديانة المسيحية. وهو خطر غير متكافئ، يعجز عن مقارعة المعجزة القرآنية بإحدى معاجز موسى أو عيسى، فلم يبق أمامهم سوى تحصين الذات، واستهداف الرسالة الجديدة، وهذا ما حصل فعلا بالنسبة لموقفهم من القرآن الكريم، من أجل الحد من إعجازه، وسيادته. فالمسلم قادر أن يقدم القرآن كدليل على صدق دينه، لكن الديانات الأخرى لا تملك سوى أخبار لا تورث العلم واليقين والجزم، أخبار آحاد متوارثة منذ آلاف السنين، لا تملك مقومات صدقها. لذا كان التبشير المسيحي صنو الدين، وأحد الواجبات المقدسة لتفادي ضعف المعجزة المسيحية. فيأتي كتاب الشخصية المحمدية في سياق جهود كبيرة لتكريس صفة البشرية للتخلص من تحدي معجزة القرآن الكريم، مهما كان هدف مؤلفه معروف الرصافي. وما تشاهده من تناقض في المواقف تجاه القرآن مقارنة بكتب الآخر، يأتي في سياق نفي نسبة القرآن إلى الوحي.

 ليس بالضرورة أن يحافظ القرآن على إعجازه البلاغي الساحر كما بالنسبة لمن عاصر الرسول، بسبب تطور لغة المجتمعات العربية وطغيان اللهجات المحلية. لكن ثمة جوانب وأبعاد أخرى في القرآن ما زالت تتحدى إلى يومنا هذا. فيصدق أنه معجزة.ويبقى الباب مفتوحا لدراسته نقديا، للكشف عن خفاياه وأسراره، وتبقى الجهود العلمية محترمة.

وبالتالي، فثمة من يعتقد بمرجعية وقداسة القرآن مطلقا، ويؤمن أنه وحي منزل من السماء، في مقابل من ينفي عنه ذلك، ويتعامل معه كمنجز بشري. فالموقف من القرآن الكريم كان وما يزال على مستويات:

يتبع في الحلقة القادمة

 

 ............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbaw10nooradin samoodخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة الشاعر والكاتب ا. د. نور الدين صموّد.

 

س66: ا. د. نورالدين صموّد: شاعر وكاتب / تونس: بحثك أيها العالم الجليل رصين، وعلمي، ويمكن أن يقال فيه الكثير. لذلك أردت أن أسألك عن آية السيف، وهي الخامسة في سورة التوبة، فقد نسخت كل آيات التسامح التي تتجاوزالمئة آية، مثل: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي، لكم دينكم ولي دين، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. وكلها في الحقيقة لم تترك الحبل على الغارب، بل بينت أن الإسلام على الحق الذي لا ريب فيه بطريقة من الطرق البلاغية المعروفة، فقوله تعالى: (وإنا أو إياكم لعلى هدًى أو في ضلال مبين). فالكلام في الآية فيه لفٌّ ونشر مرتب ومعنى الكلام: (وإنا على هدًى وإياكم لفي ضلال مبين) وقوله: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفرْ. ولله لم يترك هذا الموضوع الهام محل اختيار لكل إنسان لأنه قال عنه: قد تبين الرشد من الغي، فليس من المعقول أن يقول بعد ذلك (فمن شاء أن يِؤمن ومن شاء أن يكفر).

- وأخيرا، هل ترون أن آية السيف قد كانت ناسخة لكل تلك الآيات، ثم نسخت العمل بها فيما بعد؟

 ودمت مفكرا ومنظرا وباحثا قديرا مع حبنا المشترك للشعر الجيد والبحث الرصين.

ج66: ماجد الغرباوي: شكري واعتزازي للأستاذ الدكتور نور الدين صموّد، ومشاركته عبر سؤال مهم. وشكرا لشهادتك التي أفتخر بها، من شاعر مبدع ومثقف مستنير.

بدءا يجب الاعتراف بوجود آيات صريحة، تحمل شحنة عالية من العنف والإرهاب، يمكن توظيفها بسهولة ضد المناوئين، فتشكّل خطرا على قيم الدين، حينما تقتطع من سياقها التاريخي، ويُستدل بها بمعزل عن الكتاب الحكيم، وهدف الدين في الحياة. وهي ذات الآيات التي تشبث بها خلفاء المسلمين لشرعنة حروبهم، ومعاركهم باسم الفتح الإسلامي. فراحت التهمة تطال كل من يسعى لتقديم فهمٍ متجدد لهذه الطائفة من الآيات، ورميه بمخالفة الاجماع أو المشهور. ثم تمسك بها التكفيريون راهنا لقتل الأبرياء والعزل، بعد رميهم بالردة والخروج من الدين.

إن مقاربة آيات القتال والجهاد لتقديم فهم آخر لا يُعد تبريرا، ما دامت المقاربة وفق منهج علمي، في ضوء منطق الكتاب الكريم. لكن ثمة من يصّر من منطلق عدائي للدين على تبريريتها. وهذا خطأ، فالقرآن المجيد نصوص صامتة، تنطبق عليها جميع أدوات الفهم المعرفي، في إطار المنطق الداخلي للكتاب الكريم، فتختلف القراءة باختلاف مناهجها وأدواتها. إضافة لقبليات الباحث ومتبنياته العقيدية والفكرية، ومستوى وعيه وموضوعيته. فالقراءة العلمية تختلف عن القراءة الأيديولوجية. الثانية تكرّس العنف والإرهاب لخدمة أهدافها السياسية والسلطوية، فتنسخ كل آيات الرحمة والمودة. من هنا أجد من الضروري تقديم قراءة لهذه الآيات تتجلى من خلالها رؤية جديدة، تعيد النظر في فعليتها. قراءة موضوعية محايدة في ضوء آيات الكتاب الكريم ومنطقه. فتضطر هذه القراءة إلى إعادة النظر في علوم القرآن، التي هي جهد بشري على هامش التفسير، وضعت هي الأخرى لتتماهى مع أهداف المفسرين، وطريقة تفكيرهم. لذا تعددت الآراء والتفاسير.

فرض مسار الدعوة الإسلامية والأحداث التي مرت بها جملة نصوص لم يراعَ في قراءتها تاريخيتها. أي أسباب نزولها وظروفها الاستثنائية، وهو منهج  المفسرين والفقهاء، سيما القدماء، فتسبب ذلك في وجود تفسيرات ومقاربات لخصت الدين في مجموعة أحكام وفتاوى جانبت الأبعاد الأخلاقية والروحية، بل غدت مجموعة من القوانين الجافة، وطيفا من الممارسات والطقوس. ولم يكتفوا بذلك بل فرضوا آليات على فهم النص اختزلت رحابة الإسلام ورحمته وإنسانيته . فلا غرابة أن تنسخ آية السيف (كما جاء في السؤال) طيفا واسعا من آيات الرحمة والعفو والتسامح والمحبة. بشكل جردت رسالة السماء من بعدها الإنساني. وصوّرت الدين لوحة غاضبة بوجه العالم أجمع، لا يفهم أسلوبا في دعوته سوى القتل والسيف سلاحا بوجه الآخر المختلف. وبالفعل جاءت فتاوى التكفير الصادرة عن جملة من الفقهاء السلفيين والتكفيريين تتماهى مع مناهج المفسرين والسلف من الفقهاء. والسبب الرئيس في تجذر هذا النمط من الفتاوى هو التقليد. تقليد الخلف للسلف. تقليد الحاضر للماضي. وللتقليد  تداعياته الخطيرة على العملية الاجتهادية، لتأثر المفسّر والفقيه بقبلياته، وتأثره بثقافة عصره، فاجتهاده صائب في إطار ظرفه الزماني والمكاني، وطبيعة ضروراته وأسئلته، ولكل زمان ومكان ظرفه وخصائصه، وما لم يستوعب الفقيه متغيرات عصره ومتطلبات زمانه لا يستقيم اجتهاده، ويبقى مشدودا لعصر آخر لا يفهمه معاصروه ومجايلوه. فلماذا نستفتي الموتى ونسقط الماضي على الحاضر رغم اختلاف الظروف والثقافة والعصر؟. فما لم نتخلَ عن التقليد ونكف عن أسطرة الرموز التاريخية، ومناشدة الأموات واستنطاق الماضين، ستنقلب حياتنا جحيما في ظل عقول استاتيكية متحجرة لا تفهم من الدين سوى ما قاله السلف، وما أفتى به المتشددون. ولم أبخس في كلامي أحدا، فلكل عصر مجتهدوه ورجاله ومفكروه. بل نقدر الماضين ونعتز بهم، لـِما قدموه لأبناء عصرهم. وعلينا مراعاة عصرنا وسياقات ثقافتنا ومتطلبات زماننا في فهم النص، لردم هوة التقليد، ونتخلّص من الحياة الغارقة بتبعية الماضي، وتقديس السلف الصالح. فليس هناك عقول معصومة مطلقة، وكل شخص وليد بيئته وثقافته وقبلياته.

لقد مرت على الدعوة ظروف اجبرتها على خوض سلسلة معارك وغزوات، قادها وأشرف عليها رسول الله، وكانت معارك مصيرية هددت حياة الجماعة المسلمة. فدخل القرآن طرفا في المعركة، يحث ويدعو ويأمر وينهى ويوجه حركة الرسالة وهي تخوض معركتها التاريخية مع أعداء أصروا على اجتثاث المسلمين والانتقام من الدين الذي أربك مصالحهم وحطم طغيانهم وفرض نفسه على المجتمع العربي بالحكمة والموعظة الحسنة. فكانت مرحلة الحرب متأخرة عن مرحلة الدعوة، بعد أن بين القرآن معالم الرسالة، ووضع الخطوط العريضة للدين الجديد، وحدد موقفه من الديانات الأخرى، وناشد أهل الكتاب الى كلمة سواء (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلاّ اللّه ولا نشرك به شيئا ولا يتّخذ بعضنا بعضا أربابا مّن دون اللّه فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون) . وقال للكافرين لكم دينكم ولي دين في بادرة حسنة للوئام: (قل يا أيّها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد مّا عبدتّم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين) .

فاستثنائية الحروب تقتضي عدم إطلاق خطابها وأحكامها، لتقتصر على تلك الوقائع الخارجية. ويفترض أن تضع الحرب أوزارها، ويتوقف أوارها، وتتجمد أحكامها، وتخرس أسلحتها الحربية وخطاباتها التعبوية، والعودة إلى ركائز الإسلام في الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وعدم التشبث بآيات القتال بقطع النظر عن ظروفها وأسباب فعليتها.

فينبغي التمييز بين الإسلام كخطاب مبادئ وقيم جاء لإحياء الروح الإنسانية المحطمة في عبادة الأصنام وتقاليد الجاهلية البلهاء، والإسلام  كخطاب تعبوي، محارب، عنيف، صدر لحماية أمن الجماعة المسلمة، فكان موقفا دفاعيا لا عدوانيا ظالما. (وما ربك بظلام للعبيد).

فحينما نركّز على آيات الحرب والقتال يبدو الإسلام سفـّاكا متعطشا للدماء، معاديا للمحبة والسلام ، بينما آيات التسامح والمحبة تشع بإنسانيتها وعفوها ورحمتها. وهي الأصل والأساس. والثانية استثناء وضرورة. لكن ثمة إصرار على عدم الفصل بين الآيات ليشرعن بها المتشددون ممارساتهم التعسفية، ويحتج بها الشامتون على عدوانية الإسلام وشدته، بل قالوا بنسخ آيات التسامح والرحمة والعفو بآية السيف. والنسخ فرية سياسية نظّر لها الفقهاء لشرعنة حروب خلفاء المسلمين بعد وفاة الرسول الكريم. أي عمدوا إلى شل أكثر من ستين آية، لمنح معارك الخليفة سلطة شرعية تستند للكتاب الكريم. علما لا فعلية للجهاد بعد انتصار الدين، لعدم فعلية موضوعه.

جاء في كتاب: الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، لابن حزم الأندلسي أن آية السيف أو قوله تعالى: (إذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتّموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصد فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فخلّوا سبيلهم إنّ اللّه غفور رّحيم). أو آية: (قاتلوا الّذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم اللّه ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الّذين أوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)  قد نسخت (47) موردا من آيات الكتاب مفعمة بالرحمة والمودة والعفو والتسامح ورفض الإكراه .

علما أن الحمولة الدلالية للنصوص التي اغتالها النسخ على يدي فقهاء السلطان، تشكّل منظومة قيم إنسانية ودينية تؤسس لفهم جديد لحياة دينية مفعمة بالتسامح والمحبة تجاه الآخر المختلف. وهي نصوص قرآنية تجاهلتها القراءات الأيديولوجية وطوقتها بسياج دلالي يرتكز إلى تفعيل نصوص مشروطة، تتوقف فعليتها على مجموعة من الأسباب والظروف. بل تتوقف فعليتها أيضا على تجميد فاعلية هذه النصوص. فكان النسخ حاضرا لتطويقها وشل فاعليتها كي تتحرر النصوص من قيودها وشروطها، وتأخذ مداها في ممارسة العنف والإرهاب باسم الدين وفتوحات الخليفة. أي تكون مطلقة ذات فاعلية عالية تخدم المصالح الأيديولوجية. وهذا ما حصل بالضبط بالنسبة لآيات القتال، التي تمسّكت باطلاقاتها التيارات الدينية التكفيرية والمتطرفة بعد شل فاعلية آيات الرحمة والعفو والتسامح ارتكازا للنسخ المدعوم بطيف من المرويات التراثية. فآية السيف أصبحت وفقا لهذا الفهم المبتسر تقطع وتين كل من يستند الى آيات الرحمة والعفو والتسامح في تعامله مع الآخر المختلف دينيا، وتضطره دائما إلى اتخاذ موقف عدائي بسبب أو بدون سبب، فشاعت قيم العنف واللاتسامح والعداء والتنابذ والاحتراب.

بينما نقرأ في هذه المجموعة نصوصا تحترم الآخر وتسمح للعقل مستعينا بالحوار الهادف بالحكمة والموعظة الحسنة كي يأخذ دوره في محاورة الآخر، وتفكيك متبنياته العقيدية والفكرية وفق منهج علمي لا يرفضه العقل. وهو أسلوب القرآن دائما في دعوته للناس كافة، وقد ظل طوال ثلاث عشرة سنة (المرحلة المكية) متشبثا بالأساليب السلمية، ولم يدافع عن نفسه حتى اشتدت وطأة الكفار والمنافقين، فكانت حربه حربا دفاعية عن النفس والعقيدة والأمن والحرية، وهذا ما تشهد له كتب التاريخ. فيجب عودة آيات السلام بعد زوال أسباب العدوان والحروب، لتأخذ طريقها في الحياة وتتفاعل بشكل جاد مع العقول المستنيرة. وأما لغة الحرب والاحتراب فبات لا مبرر لها في وقت توافرت فيه أساليب أكثر تأثيرا وأقل خسارة. أعني الأساليب الإعلامية والسياسية والثقافية. فليس وظيفة الإنسان العاجز عن ممارسة الأساليب السلمية هي الحرب والجهاد واشهار السيف، بل العودة لنقد الذات وتقويمها كي تتمكن من ملاحقة التطورات الحياتية اليومية، وكي يصار الى أساليب تفهمها الشعوب المتحضرة التي باتت ترفض العنف، وتحاسب عليه بشدة، وتعتبره نقطة ضعف مخلة، سياسيا وفكريا.

ثمة حقيقة، يتجاهلها الفقهاء، ويهربون من مقاربتها، هي عدم فعلية الجهاد، كحكم شرعي، بعد انتصار الدين بصريح الكتاب الكريم لعدم فعلية موضوعه. وموضوعه خصوص نصرة الدين والرسالة (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚفَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، وغاية القتال كما في الآية قمع الفتنة وتفرد الله عزوجل بالدين، بالطاعة والعبادة وعدم الشرك به. فقتال الكفار والمشركين، ليس مطلقا بل مشروطا بالحرابة والإصرار على الحرب: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، ويستدل بهذه الآية على حرمة الجهاد الابتدائي. ولازمها صدق العدوان والاعتداء على من يبدأ بقتال الآخرين. فشرط القتال: وجود عدو مقاتل يرفض التخلي عن سلاحه، يهدف محاربة ذات الدين، فينبغي أولا نصيحته وتحذيره وتشجيعه على الهدنة وإلقاء السلاح، كما في الآية المتقدمة على الآية الأولى: (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ). فإن رفضوا: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ). (فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ۚ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ).

فغاية الجهاد أو القتال حماية الدين في بداية ظهوره، فهو بأمس الحاجة للقوة في مجابهة الملأ ممن تضررت مصالحهم بظهور الرسالة الجديدة. ولا يمكن للدين الانتشار في ظل حروب شعواء متتالية ضده، فالجهاد ضرورة استثنائية، تؤكدها آيات التسامح الديني: (لا إكراه في الدين)، (لكم دينكم ولي دين)، (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ). ففعلية الجهاد تتوقف على فعلية موضوعه، أي نصرة الدين الجديد، وحمايته من كيد الأعداء المتربصين به، فلما انتصرت رسالة السماء لم يعد الجهاد فعليا كحكم شرعي، ما لم يتعرض ذات الدين للاجهاض، وهذا مستحيل مع أكثر من مليار مسلم، وتعدد المذاهب والفرق الإسلامية، ووجود أكثر من فقيه ومجتهد في كل زمان ومكان. يقول تعالى: (اذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا "). أو قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا).

بل لا معنى لشنّ حروب دينية، وقد أصبح نشر الدعوة سلميا ممكنا وسهلا جدا مع تطور وسائل الاتصالات الحديثة. ومن يفشل في اقناع الناس بعقيدته، لماذا يفرضها عليهم بالسيف؟. إن التلويح بالقوة دليل على خواء العقيدة.

نعود للسؤال: فالنسخ في مجال التشريع لم يثبت كما يفهمه المفسرون والفقهاء مطلقا، لأنه يفضي إلى جهل لا تنفع معه تبريراتهم، وهو ممتنع على الله تعالى. فالتفسيرات والتأويلات لمعنى النسخ سببها التجزئة في التفسير، وعدم الأخذ بنظر الاعتبار الهدف الكلي لرسالة السماء.

وأما قوله تعالى: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)، ففيها احتمالان: الأول: أن يراد بالنسخ، نسخ الأحكام الشرعية، من الوجوب إلى الحرمة أو بالعكس، أو منهما للاباحة الشرعية. فلا يتحقق نسخ لأي حكم شرعي ما لم يرد دليل قرآني صريح بخصوصه، لاختصاص التشريع بالله تعالى، ولا ينسخ أي حكم إلا بإذنه.

والثاني: أن الآية ناظرة للآيات الكونية وبعيدة عن الأحكام الشرعية. فلا معنى أن يكون الناسخ خيرا من المنسوخ في الأحكام، لأنها مجعولة وفقا لملاكات المصالح والمفاسد، فيتغير الحكم بتغير تلك الملاكات، بحكم أولي أو ثانوي. فلا يقال الحكم الثاني خير من الحكم الأول، لأنهما حكم إلهي، مستوفٍ لملاك جعله. 

كما أن سياق الآية يؤيد ذلك: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ). فالسياق يتحدث عن الكون وقدرة الله تعالى، وعلمه، وهذا يقد قرينة صارفة لمعنى النسخ، فتختص بموجب السياق بالقضايا الكونية ودلالاتها. فعندما تنسخ الآية أو العلامة الكونية أو تنسى، أي تندثر تدريجيا، فالله عزوجل يأتي بأية مثلها أو أحسن منها في دلالتها الكونية.

بدلا من نسخ الأحكام الشرعية. أي استبدال حكم مكان حكم آخر، شخصيا اعتمد منهجا يرتكز لذات الكتاب الكريم، تتوقف فيه فعلية الأحكام الشرعية على فعلية موضوعاتها، بلا حاجة للنسخ وما يترتب عليه من تداعيات تتصادم مع مسلمات عقائدية حول الباري تعالى، مفاده:

إن لكل حكم موضوعه الذي تتوقف على فعليته فعلية ذات الحكم الشرعي. فلا فعلية لأي حكم ما لم يكن موضوعه فعليا. ومعنى فعلية الموضوع أن يكون متحققا خارجا بكامل شروطه وقيوده، فتتغير فعلية الحكم بتغير، موضوعه أو أحد شروطه وقيوده.

فالحكم الشرعي لا ينتفي ولا يُنسخ، إلا بآية تصرّح بنسخه، ويبقى ثابتا، لأنه حكم صادر عن الله تعالى. ولا تنتفي فعليته إلا بانتفاء فعلية موضوعه. كما بالنسبة إلى الحج: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا). فتتوقف فعلية الحج ووجوبه على هذا الشخص أو ذاك على فعلية موضوعه. أي يتوقف وجوبه على وجود إنسان مستطيع، يمكنه الذهاب للحج، بكل ما تعنيه الاستطاعة من شروط وقيود وملازمات. فوجوب الحج كحكم شرعي لا يتغير، ويبقى ثابتا، لكن وجوبه على شخص ما يتوقف على فعلية موضوعه، أي وجود إنسان مستطيع. وهكذا باقي الأحكام، فهي لا تتغير. ولا يوجد تصريح بنسخ حكم شرعي إلا في آية النجوى حيث كان الحكم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). فلما استثقل الصحابة الحكم نُسخ بآية ثانية: (أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).

بل حتى الأحكام التي فيها تدرج لا يشملها مفهوم النسخ، بل تتدرج أحكامها بتدرج موضوعاتها. فالأحكام الشرعية تبقى ثابتة إلا في حالة واحدة، عندما يكون الحكم ناظرا إلى قضية خارجية محددة، فتكون تلك القضية هي موضوعه، فينتفي الحكم بانتفائها، كما في آية السيف، فهي ناظرة إلى مجموعة محاربة من أهل الكتاب والمشركين مصرّة على قتال الرسول فعلا أو بالقوة، فاتخذت الآية بحقهم إجراءات صارمة لإنهاء حالة الحرب والعداء الذي أرهق المسلمين بل أرهق جميع الناس آنذاك. فآية السيف ليست منقطعة عن الأحكام السابقة بل هي عدوان متواصلِ، فكان يجب وضع حد له بآية السيف. فأحكامها آنية، ليست مطلقة: (فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فخلّوا سبيلهم إنّ اللّه غفور رّحيم). بعدها يعود الوضع إلى طبيعته، تحكمه آيات الكتاب، ومعاهدة الرسول الكريم مع أهل الكتاب. وأقوى دليل يؤكد هذا أن النبي الكريم لم يقتل غير المحاربين أو ممن خانوا العهود والمواثيق من أهل الكتاب. بل وأجلاهم وكان بإمكانه إبادتهم. وهناك شواهد تاريخية، حيث عاش وجاور أهل الكتاب المسلمين بعد الرسول الكريم وما زالوا.

فهناك أغراض سياسية وراء التشبث بنسخ آية السيف لجميع آيات الرحمة والمودة والعفو. وقد ساعد عليها فقهاء السلطة، وبعض الاتجاهات التكفيرية التي خانها الوعي، وهي تجربة مرة، خاضها الإمام علي مع الخوارج، وعادت لنا اليوم مع داعش وأخواتها التكفيريين. كما أن الجزية هي حكم استثنائي ضمن آية السيف، وليست مطلقة، لكنه شهوة الدم والتسلط، خلقت من أهل الكتاب أعداء ومحاربين لتشملهم الجزية كمورد مالي يغطي نفقات المعارك العبثية للخليفة، ليُثبت إسلامه والتزامه بالرسالة السماوية. والحقيقة أنه يهدف توسيع سلطته، وتوفير موارد مالية لخزينته، وإلهاء المسلمين عن تصرفاته وسلوكه. وإلا فالدين لا ينتشر بالسيف، لأنه عقيدة، وتربية، وسلوك وبحاجة إلى تجربة اجتماعية نظيفه تحتضنه لينمو وينتشر.

وبالتالي فالدعوة للإسلام ليس بالسيف كما يريد السياسيون والتكفيريون بل كانت المعاركة دفاعية اسثتنائية، والأصل هو: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).

تبقى ملاحظة حول استظهاراتك للآيات، أجد أنها صريح، لا تطيق التأويل، لأن العقيدة، فعل عقلي، يمر بمخاضات، كي يهتدي أو لا يهتدي الإنسان، فالجبر مرفوض حينما يتقاطع مع الطبيعة البشرية. ينبغي أن لا يسلب القرآن الإنسان إرادته ليكون مسؤولا عنها مباشرة، مادام مستعدا لهما فطريا، (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). وقد ذكرت في نهاية كتاب: التسامح ومنابع اللاتسامح .. فرص التعايش بين الأديان والثقافات فصلا لجرد آيات الرحمة التي اغتالها النسخ.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi5sara falihaldaboniخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الكاتبة والفنانة التشكيلية سارة فالح الدبوني.

 

 س63: سارة فالح الدبوني: نعلم جميعاً بأن المرأة العراقية تحديداً كانت الضحية الأولى جراء الحروب المتتالية التي انهالت على البلد إبان النظام السابق وما تلاها من أحداث وحروب، تركتها ضحية التعب والضياع والقهر والألم مما ضيق دورها الفاعل الذي كان لابد لها أن تلعبه الى جانب الرجل في بناء البلد. فكيف يمكنها بنظركم تتجاوز هذه المحن لتعود المرأة العراقية عضواً فاعلاً في بناء العراق الجديد؟!

ج63: ماجد الغرباوي: حقيقة مرة، فالمرأة العراقية تحمّلت وما زالت القسط الأكبر من تداعيات الحروب والأحداث المأساوية التي اجتاحت البلد، وتركت آثارا نفسية واجتماعية وأخلاقية وثقافية واقتصادية، غيبّت دورها في بناء البلد، لتنشغل بآلامها ومعاناتها ومحنتها. فالحروب تركت المرأة تواجه الحياة لوحدها، فوجدت نفسها أمام حزمة مسؤوليات عليها القيام بها بمفردها، في ظل انعدام الأمن والضمان الاجتماعي، وضمور الخدمات، والعوز المادي، والفقر الاقتصادي، وفقدان الزوج والأبن والأهل، مع انتشار مروّع للجريمة والفساد، وانهيار الدولة العراقية ومؤسساتها. فكيف يمكنها القيام بواجبها إلى جانب الرجل في بناء بلدها، وهي مثقلة بهموم وآهات لا تتوقف؟. فعودتها مشروطة باستعادة وضعها الطبيعي بعد التخلّص من مسؤوليات طارئة لكنها ظلت تلاحقها حدَّ الإرهاق، وتسوية مشاكلها والتخفيف من أعباء التزاماتها الاجتماعية والأسرية. وهنا يأتي دور الدولة في تخفيف معاناتها المادية والأمنية، من خلال دوائر الضمان الاجتماعي والصحي، وتوفير الخدمات. وإعطاء الأولية في الوظائف العامة للمرأة الكفوءة، وتأهيل القطاع النسوي تعليميا، وثقافيا، عبر مراكز مهنية وفنية.

فالمرأة العراقية منكوبة، ولا يمكن معالجة مشاكل هذا العدد الكبير من النسوة بمعزل عن الدولة وخدماتها. كذلك ينبغي للمجتمع القيام بمسؤولياته تجاه المرأة من خلال جمعيات ومنظمات المجتمع المدني، بل كافة أبناء الشعب، كلا حسب قدرته وطاقته. فتخلي المجتمع عن مسؤولياته الإنسانية محنة ثانية للمرأة المنكوبة، خاصة مع هذا العدد الكبير من الأيتام، والنساء العوانس. وينبغي إبعاد المرأة عن الخطاب الديني، التراثي الذي يحط من كرامتها باسم الإسلام وشريعته، لاستعادة وعيها، وتنمية ثقافتها، كي تتأهل لمستوى حضاري أرقى. فالمسؤولية أولا عليها في تجاوز مِحَنها وعذاباتها، كي تستعيد حضورها وتساهم في بناء بلدها.

وبالتالي، فعودة المرأة اجتماعيا، ومشاركتها للرجل في بناء بلدها يتوقف على أطراف ثلاثة: الدولة، المجتمع، المرأة. فمشكلتها ليست شخصية يمكن تسويتها وتجاوز تحدياتها بمعزل عن بيئتها الاجتماعية، فهي تعيش وضعا عاما محكوما بظروف البلد، وانهيار الأمن والدولة، مع استمرار العنف، وضمور الخدمات والأمن.

 

س64: سارة فالح الدبوني: في ظل الطروحات التي تصدر من بعض السياسيين المُتأسلمين للحد من دور المرأة وللحط من قدرها والتقليل من شأنها وإرساء مفاهيم خاطئة عنها واصفين إياها بشكلٍ غير مُباشر بالضعف وبأنها مسلوبة الإرادة وغير جديرة بالثقة..! ماهي الحلول التي يمكن من خلالها قلع تلك الأفكار المسمومة التي تحط من قدر المرأة في وقت يكون فيه العراق أحوج ما يكون إلى جميع الأيادي الفاعلة بنسائه ورجاله؟؟!

ج64: ماجد الغرباوي: ليست معاناة المرأة مقتصرة على موقف المتأسلمين فقط، بل تعاني المرأة من قيم اجتماعية، قبلية، ذكورية، سلطوية، قابعة في أعماق العقل العراقي، وهي قيم متوارثة تاريخيا. فلا يمكن تصحيح نظرة الرجل للمرأة ما لم تفكك تلك القيم ويعاد بناء العقل العربي عامة والعراقي خاصة وفق قيم إنسانية، بعيدا عن ثقافة الذكورة والعنف والتسلط. فمثلا الملازمة بين المرأة والقصور الذاتي واضحة في نظرة الفرد والمجتمع، وطريقة تعاملهما، وأسلوبهما في مخاطبتها. فتجد النظرة الدونية تتقافز عبر كلماتهم ونظراتهم لا شعوريا. فالرجل لا يحتاج ما يفسر خطأها، لأنه ملازم لكينونتها. وهي نظرة عامة، يعي دلالتها المتلقي. ولا يمكن التخلّص منها، ما لم يتخلَ المجتمع عن ثقافته وقبلياته وأحكامه الجاهزة عن المرأة، عبر نقد متواصل ينهض به المثقفون المستنيرون، من السيدات والسادة، من خلال كل الوسائل المتاحة: (الكتابة، الأدب، الفن، السينما، المسرح، وسائل التثقيف العامة). كما ينبغي للدولة نقد تلك الثقافة واستنبات ثقافة أخرى عبر المناهج الدراسية، ووسائل الاتصال الحديثة. وهذا يحتاج إلى وعي متقدم بالمرأة وأهمية مكانتها الاجتماعية. فتجد نصف المجتمع معطّلا أو مشوّها بسبب ثقافة سقيمة لا تغادر وعي الفرد والمجتمع..

 

س65: سارة فالح الدبونيِ:ِ مارأيكم باقتراح برلماني يدعو للتعدد رغماً عن الزوجه الأولى وإقصاء رأيها تماماً، ويطالب بعودة أحكام النشوز، بعد طمرها منذُ عقود، ونحن اليوم في العام السابع عشر للقرن الواحد والعشرين؟؟!!!!

وتحيةٌ وتقديرٌ واحترام لشخصكم الموقر استاذنا الفاضل الكبير ماجد الغرباوي..

ج65: ماجد الغرباوي: في السؤال أكثر من نقطة، ينبغي مقاربتها:

 أما بالنسبة لمقترح تعدد الزوجات، فهي دعوى لرفع الحظر عن تعدد الزوجات، الذي تم بموجب تشريع برلماني مسبق. فالأصل هو التعدد ضمن القانون العراقي قبل حظره. وسيرفع لوجود من يؤمن بتعدد الزوجات، وهم الأغلبية. فكل شيء يتحرك قانونيا في ضوء الشريعة الإسلامية، لأنها أحد مصادر التشريع في الدستور الحالي. مع وجود بند يمنع أي تشريع يتعارض مع أحكام الإسلام. ويقصد بالشريعة خصوص الآراء الفقهية. وهي منحازة للتعدد مطلقا. ولا يشترطون إذن الزوجة الأولى وإرضائها إلا من باب الإحسان. والأمر ذاته ينطبق على أحكام النشوز.

أجد الأجواء التشريعية تتجه صوب فرض أحكام فقهاء المذاهب الإسلامية على القوانين العراقية. فقد طالبت بعض الجهات قبل فترة تطبيق: "قانون الأحوال الشخصية الجعفرية". و"قانون القضاء الجعفري الشرعي". وستتواصل المطالب حتى يطمئن الإسلاميون من أداء رسالتهم الدينية بفرض أحكام الشريعة الإسلامية. فهم أساسا لا يؤمنون بالديمقراطية وما يتمخض في ظلها من قرارات، ويرفضون أي تشريع وضعي، ويحصرون التشريع في منطقة الفراغ بالفقيه. ينسب لأحد مراجع الشيعة، وهو الشيخ اليعقوبي، كلاما صريحا عن موقفهم من الديمقراطية، إذ يقول: (حينما نطالب بالانتخابات لادارة العملية السياسية فلا بد ان نلتفت الى هذه الحقيقة المهمة بأن هذه الطريقة ليست هي القاعدة في حكم الأمة المسلمة وإنما هي الاستثناء الذي نلجأ إليه عند وجود المانع من اجراء القاعدة كأكل الميتة الذي يحل عند الضرورة). فهم مضطرون حتى حين.

نعود لتعدد الزوجات، بحثا عن مبرراته. فهل التعدد مشكلة أم حل من وجهة نظر إسلامية وقرآنية؟.

 الدين لم يفرض تعدد الزوجات، وآياته تسعة للحد من إسراف الرجل على حساب المرأة والبيت والعائلة. فينبغي قراءة الآيات في ضمن سياقها التاريخي، وفي ضوء خلفيتها الاجتماعية مقارنة بما قبل الإسلام. فتحديد عدد الزوجات ليس مشكلة، مع أصلة التعدد، بل هو جزء من أعراف وتقاليد المجتمع العربي. والعلاقة بين الرجل والمرأة مرت بأدوار مختلفة عبر التاريخ، فكان التعدد نصيب الرجل، والمرأة تحتفظ بعدد من الأزواج، تارة يكونون أخوة، كما في الملحمة الهندية الشهيرة " بمهابهاراتا". وأيضا هناك تعدد الزوجات وهو الأصل في جميع الشعوب، ثم اختص الرجل بزوجة واحدة، ضمن سياقات التطور الاجتماعي، في بعض المجتمعات التي تلتزم التعاليم المسيحية.

لا ريب أن السعادة تتحقق مع امرأة واحدة يحبها الرجل وتحبه. ولا شك أن المرأة لا تطيق أي شريك، سواء امرأة أخرى أو جارية. والشريكة تفسد الود والحب وتنغّص حياتها. غير أن نظرة الإسلام تمتد لتشمل المجتمع بكل تفاصيله، وما دام تصدى لتقديم نظام يعالج مشاكل الإنسان وحاجته، فحري به أن يقدّم معالجة كاملة وللجميع على السواء.

الإسلام لا يتنظر للطبيعة البشرية، ويسعى لتهذيبها وضبطها، وهو بصدد معالجة حالات تعتري الرجل، من أجل مجتمع نظيف، عفيف، حينما لا يرتوي جنسيا، أو يواجه منغصات في معاشرته، أو زوجته مريضة، قد تعاني برودا جنسيا، أو بلغت سن اليأس، خاصة المبكر. وهي حالات كثيرة. كما هناك مشاكل اجتماعية، تطالب بحلول منصفة، كالعنوسة، وشحة الرجال بسبب الحروب، أو الأرامل في ريعان الشباب. وهناك جشع الرجل وعينه التي تمتد لكثيرات. كل هذه الأمور تحتاج إلى معالجات جذرية، كي يحافظ الرجل على عفته وصلاحه واستقامته، فالتشريع يقرأ في إطار الهدف الكلي للدين، ويبدو مشوها عندما يقرآ بمعزل عنه، وعن خلفيته الاجتماعية والثقافية. فلماذا نرتضي السبل المنحرفة، ونرفض الطرق السليمة لحل الأزمات؟. صحيح ما من حل إلا وفيه تبعات، وجور، لكن التشريع ينحى باتجاه العدالة وليست المساواة لتعذرها في هذه الحالات.

يطمح الذكرعادة إلى إباحية جنسية، يعاشر من يشاء ويهجر من يشاء من النساء .. بينما الإسلام يكافح من أجل مجتمع نظيف، مجتمع عفيف، مجتمع خالٍ من الفساد والإباحية لتفادي مفاسد أخلاقية واجتماعية وصحية جمة. إذا لابد من حل متوازن، يحفظ سلامة المجتمع، ويلبي حاجات الاضطرار، فتعدد الزوجات تفرضه الضرورة أحيانا، لكن بشروط أشبه ما تكون تعجيزية. وعندما تدفع الضرورة الرجل للزواج بثانية، لا شك أن زوجته الأولى تتفهم موقفه وحاجاته، فهي لا تحقد عليه، خاصة إذا كانت تحبه حقيقة.

أما في حالات الترف، وعدم الحاجة سوى الدافع الجسدي، فهذا اللون من الزواج اضطهاد على حساب الزوجة الأولى ومشاعرها، ويتعذر معه شرط العدالة في التثنية. ولا نجازف إذا قلنا بحرمته، ولو بعنوان ثانوي، في ضوء الآية الكريمة. ووفقا لمبادئ القرآن الكريم في العدل والإحسان، وحرمة الاضطهاد والاعتداء.

ثمة قضية أخرى، صحيح أن الغرب لا يسمح بتعدد الزوجات لكن يسمح للرجل ريادة دور الدعارة، ولا يحق للزوجة إقامة دعوى قضائية بتهمة الخيانة الزوجية. فتفشت الرذيلة بشكل رسمي، وتفككت العائلة، وعاشت المرأة حرمانا عاطفيا، يضطرها التلفت يمينا ويسارا، بينما الإسلام وضع حلولا مقيّدة عندما رفض السلوك المنحرف. فالغرب يعترف بحاجة الرجل للجنس، ويعترف أن الزوجة قد لا تشبع رغباته الجنسية، لذا غض الطرف عن ممارسته للجنس خارج إطار الزوجية.

ما أريد قوله، إن التعدد موجود في كل العالم بصور شتى. غير أن الإسلام قننه وضبطه في حالات الضرورة، وليس مطلقا. قال تعالى: "فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً". وفي آية أخرى: "وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا". فالعدل كما جاء في السؤال قد يكون شبه مستحيل، لذا استفاد من هذا الشرط من أفتى بعدم جواز الزواج بأكثر من واحدة. ولعله حكم صائب لولا الآية التالية التي رتبت حكما آخر مع عدم تحقق العدل وهو أن لا تترك الأخرى كالمعلقة، فتهمل إهمالا كليا، لتفادي السلوك العدواني. وتعود الآية تحث على الصلح مما يوحي ان القرآن مع زوجة واحدة في كل الأحوال. وليس الصلح سوى تجنب التورط بزواج ثانٍ. وهذا يؤكد شرط الضرورة فيه.

فالتشريع إذاً قنن سلوك الرجل بعدد من الزوجات، للحد من تماديه، بعد أن كان قبل الاسلام ينكح ويتزوج ما يشاء بلا رادع شرعي أو أخلاقي، وطالما يكون التعدد على حساب باقي الزوجات ومختلف حقوقهن. فجاءت الاية: (َانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً) لكن بشرط صارم كما تقدم، أن تتحقق العدالة. وكلمة "ما طاب" هنا ليست للتعدد فلا يستفاد منها الحث على التعدد، وإنما للنساء. أي ما طاب من النساء، فهي صفة لنوع المرأة. فالمحصلة النهائية زوجة واحدة، وشرط التعدد تعجيزي، وقد يذهب الفقيه المنصف لحرمة التعدد لولا آيات أخرى تؤكد جواز التعدد، كآية عدم جواز الجمع بين الأختين: (وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ). وآية: (وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَ‌صْتُمْ). إضافة إلى سيرة الرسول، الذي تزوج أكثر من واحدة في وقت واحد. وخصوصيته في العدد لا في أصل التعدد، فإنه عام، شامل، له ولغيره.

ينبغي التنبيه أن آية التعدد جاءت في سياق الزواج من نساء اليتامى، حيث كان الرجل يستغل ضعفهم، فيسرق أموالهم أو يستبدلها بالأدنى، ويتزوج ما شاء من نسائهم، بشكل يرهقه التعدد ماليا فيقصّر في حقوقهن. لارتفاع النفقات بارتفاع عدد الزوجات، فطالبته الآية حينما لا يكون قادرا أن يكتفي بالأربعة، وحينما يعجز عن العدل فواحدة. فالتعدد يتطلب شرطين: الأول الإمكانية المادية القادرة على تسديد نفقات العائلة، والعدالة التي يتوقف عليها توازن علاقة الرجل بزوجاته. والا فواحدة. (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا). فتقيد النساء باليتامى. والانصراف لغيرهن ليس ظاهرا، كما ذهب لذلك كثيرون.

الإسلام لا يريد  أن يكون كالديانات التي تحرّم تعدد الزوجات فتجد الرجل مسكونا بالخيانة، والتعدد اللامشروع كما تقدم، بل أن نسبة الخيانة الزوجية بوتيرة تصاعدية خاصة بعد تطور وسائل الاتصال الحديث وسهولة الالتقاء عبر الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي، أو التواصل عبر الهواتف النقالة، والمحادثات عبر الميسنجرات، ودور الدعارة، والعلاقات المنفتحه بالشارع والعمل والدراسة. لكن لا أحد ينتقد هذا التعدد، ويعتبرونه حقا طبيعيا، بينما ينتقد الاسلام لأنه اعترف بهذه الحالة وقننها، واعترف بضعف الرجل، وحاجته في بعض الظروف لامرأة ثانية، فبدلا من الإباحية المطلقة والتمادي، وما يترتب عليهما من مفاسد اجتماعية وصحية واقتصادية قنن علاقته بالمرأة. لكن للاسف المقاييس الاخلاقية تغيرت.

صحيح أن شراهة الرجل لا حدود لها، والمتمادي لا تحده الحدود، ولا تؤثر به الأخلاق. لكن الأمر يختلف من إنسان إلى أخر. والحلول لا تعني عدم الاستثناء.

ثمة سؤال: هل نجح تعدد الزوجات في الحد من إباحية الجنس قبل الإسلام؟ وماذا عن حرية التمتع بملك اليمين والإماء بلا قيد ولا شرط من حيث أعدادها؟ وكيف نفهم عقود الزواج المختلفة التي ظهرت فيما بعد، كالمسيار والمتعة ؟ أليست هذه إباحية واضحة، وخروج صريح على التعدد المحدود بأربعة؟

ثمة فرق بين الزواج والجنس كحاجة غريزية، فطرية لدى البشر جميعا. وعندما ندقق في سياق الآيات، نجد الشريعة اهتمت بخصوص الزواج، كمنظومة علاقات اجتماعية، تترتب عليها حقوق والتزامات. ولم تهتم بالجنس باعتباره متحققا تلقائيا. فالزواج أكثر من الجنس وعدم ممارسته لأي سبب، لا يفقد العلاقة الحميمة، والترابط الأسري مصداقيته. فهو مجموعة حقوق وواجبات، والتقنين ضمان لهما. وهو نوع من الحماية عندما ألزمت الشريعة الزوج بالإنفاق، وتوفير ظروف العيش الكريم لنسائه وعياله. فالتشريع كان ناظرا للحقوق والواجبات، لحماية النساء وذات الكيان الاجتماعي، وليس ناظرا لخصوص الجنس. لذا يستطيع الرجل ممارسته مع زوجاته ومع ملك يمينه "الجواري" في آنٍ واحد. وهذا اعتراف صريح بحاجة الرجل للجنس، لأسباب تتعلق برغبته وطبيعته وشبقه، وطاقته الجنسية، وتنوع الإثارة، وغير ذلك. إضافة لابتذال الجنس في مجتمع العبيد آنذاك. فالإسلام نجح من خلال تشريعاته في تقنين الزواج، وتوفير الحماية اللازمة للزوجة، كي لا تخسر حقوقها.

إن اباحة الجنس خارج إطار العلاقات الزوجية كان محصورا بملك اليمين "الجواري"، كواقع اجتماعي كان سائدا قبل الإسلام. والعاجز عن الزواج مطالب بالعفة والصبر، (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا حتى يغنيهم الله من فضله). وللزاني المتمرد على شروط الزواج عقوبة الرجم. فلا اباحية مطلقة، لولا زواج المتعة، الذي جاء بعد اندثار مجتمع العبودية، ليشرعن اباحية متعة جنسية، ضمن شروط سهلة متهاودة تبيح ممارسة الجنس بأقصى مدياته. بدلالة الآية: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَآتَوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً). دون التدقيق في أسباب نزول الآية والظروف التي سمحت بهذا القدر من ممارسة الجنس؟ وهل حقا ما زال موضوع الحكم فعليا ليكون الحكم فعليا مطلقا؟ هذا الذي يهرب عن جوابه الفقهاء، هذا هو المسكوت عنه، والمتستر عليه، من خلال تشبث مرير بإطلاق الآية. فالآية نزلت في ظرف استثنائي، في مقطع زمني محرج، يتعذر معه الزواج ضمن شروطه، فربما أُخذ الحكم على نحو القضية الخارجية، فينتفي الحكم بانتفائها، فما عادت الضرورة ذاتها. خاصة للمتزوج، مع عدم وجود مانع من مواقعة زوجته. قد تضطر الظروف الأعزب العاجز عن الزواج لعقد زواج مؤت (المتعة)، لكن لماذا يباح للمتزوج التمادي بممارسة الجنس على حساب زوجاته باسم الدين والتشريع؟.

فالجنس حاجة فطرية، تؤثر سلبا على سلوك الإنسان حينما تغلق بوجه جميع الأبواب، خاصة في الظروف الاستثنائية، فيلجأ لأساليب منحرفة، وينزلق في متاهات الرذيلة، ويبقى مرهقا نفسيا، يلاحق فريسته، وهي تنتظره. فلماذا يسكت المجتمع عن ممارسة الحرام والرذيلة ويرفض تقنين العلاقة بين الذكور والأناث، فتبدو علاقات طبيعية، اجتماعية مفعمة بالحب والوداد، تمتص الكبت، وتبعث الطمأنينة والاستقرار النفسي عند الشباب من كلا الجنسين؟. فالفقهاء مطالبون باعادة النظر في العلاقات الاجتماعية بين الشباب، وعدم الجمود على حرفية النصوص، ما دام في التشريع متسع لصياغة علاقات عفيفة. فكم من عقدة شخصية وراءها جوع جنسي. وكم من توتر نفسي سببه كبت مرير.

إذاً، فتعدد الزوجات، حل لمشاكل شخصية واجتماعية، من أجل مجتمع متوازن يحفظ حقوق الجميع، ولم يفرض الدين الزواج بثانية وثالثة ورابعة. ويمكن للرجل الاكتفاء بزوجة واحدة يبقى سعيدا معها، مع إمكانية ممارسة الجنس بطرق شرعية، عندما تحاصره ظروفا استثنائية، فيتمتع بامراة وفق شروط فقهية صحيحة، كالمتعة. فهو زواج يشترط فيه العقد مع بيان المهر والمدة، ولا يؤثر على تعدد الزوجات، ولا يشترط مكوث الزوجة معه في داره. فليست هناك التزامات وحقوق واسعة كالزوجة، سوى ممارسة الجنس. فيحافظ على زوجته وبيته، ويخفف من حدة شبقه الذي تعذر اشباعه لأي سبب كان. فالتمتع طارئ، لا يؤثر على علاقة الزوج بزوجته، وقد تقدم أن الزواج كيان أسري اجتماعي، أوسع من ممارسة الجنس، لذا تجد الرجل يبحث عن امرأة تفرض احترامها، وتكون له زوجة وسكنا وحرثا، وأمّاً لأطفاله، وراعية لبيته، وشريكته في حياته، تستوطن قلبه، وتكون موضع سره وتقديره.

والرجل السعيد من اكتفى بزوجته، وحافظ على عفته وعفافه، وعدم الانزلاق في مزالق الجنس التي لا تخلو من رذائل، ويمكنه افراغ شهوته في بيته، حينما يتخلى عن مراهقته، وشغفه. وما تقدم هي حلول للاستثناء.

وتبقى السعادة مع زوجة واحدة، يلتقيان على الحب، وعذوبة الشوق ترسم ملامح الغياب. المهم أن لا يتحول الجنس إلى مشكلة تشل حركة الفرد، وتعيق تطوره.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi9sara falihaldaboniخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة الكاتبة والفنانة التشكيلية سارة فالح الدبوني.

 

س60: سارة فالح الدبوني – كاتبة وفنانة تشكيلية / العراق: شرفٌ كبيرٌ أن أتوجه بأسئلتي للأستاذ الاديب ماجد الغرباوي المحترم.. وهي أسئلة تدور حول المرأة وحقوقها، ونحنُ في عام ٢٠١٧م.

- ألا تعتقد أن المجتمع وقوانين الدولة تراوغ في تبني حق المرأة صراحة وبشكل مباشر؟! بل وقد غير البرلمان العراقي بعض فقرات الدستور، بما يُناقض حريتها وحقوها الإنسانية.. كحقها في الوصاية مثلاً..!؟

ج60: ماجد الغرباوي: مرحبا بالكاتبة الأديبة والفنانة التشكيلية الأستاذة سارة فالح الدبوني، وشكرا لمشاركتها في الحوار من خلال أسئلتها المهمة عن معاناة المرأة، خاصة المرأة العراقية.

أجد أن الدستور العراقي كان متسرعا أو مضطرا أو مجبرا في تبنى قضايا المرأة وحقوقها، فالغالبية العظمى من أعضاء لجنة كتابة الدستور والمجلس النيابي الذي أقرها، لا تؤمن بحقوق المرأة خارج المدونات الفقهية، وضمن ضوابط وأعراف العادات والتقاليد الاجتماعية. فالمراوغة وعدم الصراحة أمر طبيعي. مخافة تحدي تلك المدونات والأعراف. بعد هيمنة الإسلام السياسي، حيث ضاعت فرص تنفيذ ما أقره الدستور كاملا.

حقوق المرأة أقرها الدستور ضمن نظام ديمقراطي، تعددي، والإسلاميون، (من جميع المذاهب) لا يؤمنون بالديمقراطية، ولا يقرون للمرأة أية حقوق خارج رأي الفقهاء، القائم على حرفية النصوص، وعدم الخروج على شروطها، مهما كانت الضرورات الاجتماعية والتاريخية. وبقت النظرة ذاتها عن المرأة، ما دامت مرويات التراث تكرّس دونيتها، وسلب إنسانيتها. تارة بأسلوب لطيف وأخر شقي، يحمّلها وزر خطيئة الرجل منذ آدم، ويرميها بعدم الحكمة، وقصور العقل. فأحكام المرأة تأثرت بعد عصر الوحي بتلك المرويات. وهي نظرة ذكورية لا تختص بالمسلمين والعرب، بل كانت الشعوب الأوربية أشد قسوة عليها، ولم يعترفوا بإنسانيتها قبل مئتي عام تقريبا. فكانت المرأة مصنّفة ضمن فصيلة الجن أو المخلوقات الغريبة. أو هدية الرحمن، خُلقت لخدمة الرجل وشؤونه، وجسد يروي شهوته وشبقه. لكنها حررت وعي الرجل في سياق التطور الحضاري، ونافسته في مختلف مجالات الحياة، وبرهنت على جدارتها وإنسانيتها، مما يؤكد سطوة التراث والعادات والتقاليد في تشكيل عقل المرأة ونظرة المجتمع لها. وهي نظرة قاصرة تتهاوى مع كل انهيار معرفي لمنظومة القيم الاجتماعية. وبالتالي فالنظرة الإنسانية للمرأة تتوقف على تفكيك تلك العادات والتقاليد والتراث، ونقدها.

لا يتخلى الإسلاميون في السلطة عن متبنياتهم الفكرية والعقيدية والفقهية، وهدفهم الأساس قيام دولة دينية، تتولى تطبيق الشريعة الإسلامية حرفيا وفقا لفتاوى فقهائهم، وفرض ولايتهم وقيمومتهم على الشعب. فلا يعون دور الدين في الحياة، ويكرّسون روح الانغلاق والتعصب. ويسعى الإسلاميون إلى تحقيق أهدافهم من خلال تعديل القوانين السابقة، وسن أخرى تتدارك ما تم تشريعه في ظل ظروف خارج إرادتهم. فلا مستقبل حقيقي للديمقراطية وحقوق المرأة، وحرية الرأي والعقيدة، وسيبقى الإسلامي يناور بانتظار فرصه قانونية ليقتض عليها، مادامت تتقاطع مع متبنياتهم.

السياسي الإسلامي لا يعترف بشِرعة حقوق الإنسان، ويكتفي بالمدونات الفقهية وفتاوى الفقهاء لتحديد الأحكام. فطبيعي أن تواجه حقوق المرأة تراجعا، وعدم تبني حقيقي لها من قبل المسؤولين وأعضاء البرلمان. بل سيعاد النظر بأغلب قوانين المرأة السابقة، كي تقترب في صياغتها من شريعة الفقهاء.

 

س61: سارة فالح الدبوني: وعن الدين ومراجعه، المنادون بحقوق المرأة ووجوب مساواتها بالرجل في كثير من القضايا، ألا تلحظ أنها نداءات خجولة؟. فما زال رجال الدين يتحدثون عن دور المرأة العاملة في المجتمع بينما يطالبونها بشكل وبآخر بالتزام بيتها، وأن تعكف على مداراة زوجها، والاهتمام بأولادها، وأن تخفض صوتها لانه عورة و و و و...! فماهو رأيكم بهذا الخصوص؟

ج61: ماجد الغرباوي: الفقيه أشد التزاما بالتراث، وأدواته الإجتهادية قادرة على تبني مروياته السلبية في موقفها من المرأة، فيُسقط من حيث لا يشعر، قبلياته العرفية والسياسية والنفسية والجنسية، في مجال الإفتاء حول قضاياها، فيطاردها بخمسة أحكام تُحصي أنفاسها، وتسلبها حريتها، ويقنن حركاتها. ومن يتصفح كتب رجال الدين حول المرأة، خارج المدونات الفقهية، يقرأ فاجعة الإنسانية، فهي في نظرهم: (عورة، ناقصة، قاصرة، شيطانة، كن من خيرهن على حذر، شاوروهن وخالفوهن). وأشياء كثيرة معروفة. في مقابل صلاحيات واسعة للرجل. فكيف يقر لها بحقوق خارج آرائه وقبلياته؟.

الفقيه يسعى من خلال النصوص الدينية، والمرويات التراثية والتاريخية  لقمع المرأة داخل منزلها، ليتخلص الرجال من إغراءاتها، ولا يدخلون النار بسببها!!. فهم لا يدخلون النار بسبب تصرفاتهم المشينة، وسلوكهم المنحرف، بل يدخلونها بسبب إغراءها. فالمرأة أساسا لا حقوق لها، خارج المدونة الفقهية، ويرتكب حرمة الافتاء بغير علم، أو الاعتداء على حدود الشريعة كل من يشرّع لها حقوقا إضافية من وحي إنسانيتها، حتى في مجالات الفراغ التشريعي!!. بل أفرزت المرويات الدينية والتاريخية وقبليات الفقيه، منظومة قيم أخلاقية، تكرّس سلطة الرجل وتبعية المرأة، فألبست روح التبعية المطلقة لباسا شرعيا، وضمنت لها مقابل عملها أجرا وثوابا لا يحصى!!. فحببت لها طاعته مطلقا، والتقحب له ليلا، وعدم صده، ولو كانت مريضة، أو منزعجة، أو لا تطيقه، ولا تطيق قذارته. وتسمح له كيفما يرغب ويحب، أو تنتظرها أحكام النشوز. فهي مطالبة بكسب وده وعطفه، والتملق له، وعدم الخروج إلا بإذنه، وعدم التحدث مع غيره. إضافة إلى جملة مكروهات ومحرمات ما أنزل الله بها من سلطان، سوى إرضاء لروح الفحولة القامعة في أعماق الفقيه. أضف لذلك الأعراف والتقاليد والعادات القبلية. فتجد نارا حامية تتلطى، بانتظار زلة المرأة، حينما تفرّط بحقوقه التعسفية. 

يجب دائما التشكيك في نُظم الأخلاق لتحري حقيقتها وأهدافها، فما من قوانين وأحكام قمعية تكرّس روح العبودية والطاقة والانقياد إلا وتجد بجانبها نظاما أخلاقيا يشرعنها، ويقايض روح العبودية والانقياد والتبعية بإغراءات أخلاقية نابعة من مصالح شخصية. الأخلاق كما تقوّم سلوك الإنسان تقتل وعيه أحيانا، وتقمع روح التمرّد والمطالبة بحريته وحقوقه. فعندما يصف خطاب الأخلاق المرأة بأنها "ريحانة وليست قهرمانه". فوصفه لمشاعرها صحيح، لكنه يكرّس ضعفها وعدم قدرتها على تحدي الرجل وإرادته، فيزعزع ثقتها بنفسها لا شعوريا.

لقد تأثرت الأحكام الفقهية حول المرأة، الأعم من الوجوب والحرمة، بواقع المسلمين، وعادتهم وتقاليدهم، فتصور أن خروج السيدة عائشة زوجة النبي الكريم لمحاربة الإمام علي، عمقت النظرة السلبية للمرأة حداً انعكست تلك النظرة على واقع الفقه الشيعي في مجال الآداب والفضائل، التي شكلت بنية الأخلاق في أدب المرأة. كـ"شاوروهن وخالفوهن"، "كن من خيرهن على حذر"، "النساء ناقصات العقول".

فلا انصاف للمرأة وحقوقها في ظل مدونات فقهية جامدة لم تجدد من مناهجها وأصولها، وفهمها لدور الموضوع في فعلية أحكامها. المرأة قابعة تحت خطاب فقهي قمعي يستمد شرعيته من قبليات الفقيه، وطيف من مرويات دينية وتاريخية بعيدة كل البعد عن روح الكتاب الكريم، وإنسانية حقوقها.

يتعالى الخطاب الإسلامي، حينما يتحدث بنبرة التفضّل، ويتباهى بإنجازاته التشريعية، قياسا بقيم المجتمع. وهي مقارنة خاطئة. تسلب المرأة حقوقها الإنسانية. فينبغي للكاتب المنصف المقارنة بين الثقافة الدينية وحقوق المرأة كإنسانة بعيدا عن المجتمع وتقاليده. المرأة أنسان، يتمتع بكامل حقوقه الإنسانية (وكرمنا بني أدم). والنظرة القاصرة تسلبها حيثيتها من أي جهة صدرت. فالخطاب الأخلاقي ينحاز لا شعوريا للرجل وروحه الذكورية المتسلطة، ويتستر على إقصائه لحقوقها، عندما يعتبر الأصالة للقيم الاجتماعية وليست الإنسانية.

 

س62: سارة فالح الدبوني: بعض رجال الدين لمحوا كذلك لإمكانية المرأة الدفاع عن حقها تجاه ظلم الرجل بصورة عامة وتعنيفه لها عن طريق إلمامها بحقها الإنساني والإلهي دون إعطاء إجابات عن ماهية وحقيقة هذا الحق بشكله ومضمونه.. فماهو رأيكم بشأن الحق الإلهي الذي يمكن لها من خلاله أن تدافع عن نفسها وحقها..؟؟!

ج62: ماجد الغرباوي: عندما أتحدث عن حقوق المرأة قرآنيا، أضع في حسابي واقع المرأة قبل الإسلام كي تصدق المقارنة، فبعضها يعد تخلفا قياسا بحقوق الإنسان راهنا، لكنها تعتبر قفزة حضارية وإنسانية قياسا بما سبقها. فرجل الصحراء قد شيّء المرأة، وسلبها كامل حقوقها الشخصية، فكانت جزءا من متاعه، لا تستقل بحقوق خارج حقوقه. وهذا واقع تاريخي لا يمكن إنكاره. فهي تشريعات مرحلية، تتغير أحكامها بتغير موضوعاتها، حتى تتحقق القيم الإنسانية التي هي قيم دينية. فلها الأصالة، وهي هدف الدين النهائي، كي تستعيد المرأة مكانتها، وتتحمل مسؤولياتها. وأصالة القيم الإنسانية تؤكدها آيات تكريم الإنسان بما هو إنسان، والمسؤوليات الدينية والأخلاقية والاجتماعية المشتركة قرآنيا. والأحكام القرآنية لا علاقة لها بأحكام الفقه الإسلامي، فهو فكر بشري يتأثر بقبلياته وبيئته الثقافية، وقد اضطهدها تشريعيا، إستنادا لمرويات تاريخية، تأثرت بظروفها السياسية والاجتماعية.

فالمرأة في وعي الرجل قبل الإسلام: قاصرة في إدراكها وعقلها وإنسانيتها. مسلوبة الإرادة والحقوق الشخصية. فالأنوثة مكمّل بايولوجي للذكر، وليس شريكا له في الحياة. عكسا للكتاب الكريم الذي اعترف بأنوثتها واستقلاليتها وشراكتها للرجل في الحياة. فخاطبها كأنثى تشاركه في تكوين المجتمع. أنثى لم يهدر إنسانيتها:  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). فالذكر والأنثى نواة النسيج الاجتماعي برمته. وجاء بلفظ الذكر والأنثى لأنهما الأساس في تكوين الشعوب والقبائل. وعندما رتّب الأحكام في نهاية الآية رتّبها على كليهما من غير تمايز: "التعارف" في الحياة الدنيا، و"الجزاء" في الآخرة على أساس التقوى. وهذا اللون من التعامل أوضح مصاديق المفهوم الانساني للذكر والأنثى. وتعضّد هذا المعنى مجموعة آخرى من الايات القرآنية: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ). فبعضكم من بعض تعني ألا أفضلية في الخلق بدءاً ، وهذا هو الأساس في التكافؤ الإنساني التام. وايضا قوله تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا. (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).

كما أكد القرآن على إنسانية المرأة في: جميع الآيات التي خاطبت الإنسان بما هو إنسان فتشمل باطلاقها الرجل والمرأة، ولا تخصيص له دونها، وهي الآيات التي تحدثت عن مطلق الانسان.  وكذلك الآيات التي تخاطب الناس، وليس الناس سوى الرجال والنساء، بدليل الآية المتقدمة، إنا جعلناكم شعوبا وقبائل. وكل الآيات التي تنص عليها كمؤمنة. فليس هناك آية تسلب المرأة إنسانيتها. والتفاوت في بعض آيات التشريع لا يعني نقصا في إنسانيتها إطلاقا، خاصة عندما تقرأ الآيات ضمن سياقها وخلفيتها التاريخية والاجتماعية، بل ربما تعد ميزة وانصافا وتكريما لها. ولا أقصد (بهذا الكلام) التبرير، ولكن هذا ما أفهمه من سياق الآيات ضمن خلفياتها وما اكتنفها من ظروف، وليس منقطعة عنها كما هو المنهج السائد لدى الفقهاء للأسف الشديد.

كما خاطبها باعتبارها شريكا للذكر كما تقدم في تكوين النسيج الاجتماعي، عندما قال: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى. والشراكة بين الذكر والأنثى واضحة في هذا الخطاب القرآني.

وأيضا خاطبها عندما نسب خلقهما له، ليؤكد استقلالية الخلق لكليهما: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى)، وليس كما يشاع بأن المرأة خُلقت من ضلع الرجل مثلا، وإنما هي كيان إنساني مثلها مثل الذكر خلقها الله تعالى. لها حقوق وعليها واجبات، ودليلنا الآيات الآمرة والناهية، فهي شاملة بإطلاقها للذكر والأنثى، للمرأة والرجل معا، كما إن العقاب والثواب في الآخرة شامل لهما.

وأيضا خاطبها بشكل مستقل في الحالات التي تخصها دون الذكر، أو لتأكيد وجودها واستقلاليتها، كما في الآيات التي تشتمل على كلمة مؤمنات، أو نساء، أو امرأة.

هذه المقدمة أجدها ضرورية لمنح المرأة قدرة على رفض كل ما يمس إنسانيتها بأي شكل من الأشكال إرتكازا للكتاب الحكيم. وبإمكانها المطالبة بكل حق من حقوقها. فالأصل إنسانيتها، ولا شرعية لأي قانون يتقاطع معها أو يختزلها. بل يجب على الفقيه فهم أحكام المرأة في ضوء إنسانيتها وحقوقها الدينية المشروعة. فهي على قدم المساواة مع الرجل في كل شيء، باستنثاء ما تفرضه طبيعتها الأنثوية وقابلياتها الجسدية، ودورها في الحياة، كحضانة الأطفال ورعايتهم في السنين الأولى. أو ماتفرضه الطبيعة البيولوجية في علاقتها مع الرجل.

أما الحقوق المالية، فليس في المال تشريف، وتمايز بين الذكر والأنثى، إنما هي حقوق تمنح لهما، بشكل عادل وفقا لاستحقاقهما. فتتوقف فعلية أحكامها على فعلية موضوعاتها، لتوقف فعلية أي حكم شرعي على فعلية موضوعه. فالمرأة منحت نصف حصة الرجل آنذاك، كانت بوضع أجتماعي مختلف، حيث كان الرجل يتولى الشأن المالي للعائلة، بمفرده، فهناك واجبات تفرض أن يتمتع بحصة أكبر. بينما المرأة اليوم، تجدها أكثر مسؤولية من الرجل في هذا الجانب. إضافة إلى تطور وعيها وفهمهما لذاتها وللآخر وللحياة والمسؤليات. فالمرأة اليوم غيرها في الماضي. والأحكام الشرعية لم تنظر للمرأة مجرد جسد أنثوي عندما فرضت لها نصف ما للرجل في الميراث، بل كانت ناظرة لوعيها وقدراتها ودورها الحياتي. وأيضا بالنسبة للأحكام التي تخص الرجل، فهي ناظرة لوعية ودوره ومسؤولياته الحياتية تجاه العائلة، وليست ناظرة له كسجد ذكوري. وإلا ما الفرق بين المؤمن والكافر كي تترب أحكام مختلف عليهما؟ وما الفرق بين المرأة الحرة والمرأة الأمّة، سوى حرية الأولى وعبودية الثانية. فلو كانت الأحكام ناظرة للجسد البشري، فلا تمايز بين رجل وآخر، ولا بين امرأة وأخرى. من هنا أجد ضرورة تقديم فهم جديد للأحكام الشرعية وفقا لفعلية موضوعاتها كي لا يطاح بالشريعة وأحكامها بسبب جمود الفقيه على حرفية النص ودلالاته.

فبامكان المرأة اليوم المطالبة بالمساواة بناء على عدم فعلية موضوعات الأحكام السابقة فنعود للأصل وهو إنسانية المرأة التي تفرض ذات الحقوق الإنسانية للرجل.

الحل يكمن في تخلي الفقيه عن التراث، وإعادة النظر بفقه المرأة، على جميع المستويات لنتوفر على فقه جديد، يرقى بها إلى مستوى المسؤولية الدينية والاجتماعية. من خلال اكتشاف مقاصد الشريعة وغاياتها حينما شرعت للمرأة حقوقا قياس لما قبل البعث النبوية. وهذا شرط بقاء ولاء الناس والمجتمع للفقه الإسلامي وهم يشاهدون تمتع المرأة في الحضارة الغربية بكامل حقوقها الإنسانية التي ارتقت بها سلم المعرفة والتطور. والحقوق الإنسانية لا تعني التهور والانحلال ومطلق الحريات بما يتناقض مع مجتمع الفضيلة الذي نطمح له دائما.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi3خاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق4) من أسئلة الأديب والكاتب الأستاذ سلام كاظم فرج.

 

س59: سلام كاظم: يقول الشاعر والمفكر السوري أدونيس. إن الإسلام قد انتهى كدين رسالي لحظة وفاة الرسول الكريم، وتحول إلى دين مصلحة قابل للتوظيف سلطويا.. وقد لاحظت في إضاءتكم القيمة هنا ميلا لتوكيد هذا الرأي من خلال صراع الصحابة على النفوذ لحظة وفاة الرسول.. ما مدى صحة مقاربتي بين رأيكم ورأي أدونيس؟ وهل تتفقون معه ان الواجب يقتضي أن نطوي كل صحف التأريخ تماما.. ونبقي الدين كقضية شخصية ونتوجه لبناء منظومة معرفية جديدة خالية من جدل التأريخ الديني؟ تقبلوا احترامي العالي..

ج59: ماجد الغرباوي: لا شك أن الدين قد تأثر بالوضع السياسي، وراح تأويل النص يخدم المصالح الشخصية والسياسية، بفعل إطلاقاتها ومرونتها وقوة رمزيتها، وعدم ضبط السنة النبوية وتدوينها، فنُسبت للنبي روايات موضوعة تخدم مختلف التوجهات السياسية والطائفية. وتم تفسير الصحيح منها بشكل يخدم ذات الأهداف.

الدين في عصر النبي كان رسالة سماوية، ووحيا إلهيا، لا يجرأ أحد على استغلاله أو توظيفه أو تأويل آياته بعيدا عن أقواله، ومحكماتها. فالنص الديني كان منضبطا، يتحرك في أفق الرسالة وأهدافها. وذات الأمر بالنسبة لأقوال الرسول وأحاديثه، فلم يتقوّل عليه أحد علنا،  صراحة، وعلى رؤوس الأشهاد، رغم ثمة من كذب عليه في حياته كما في رواية عن الإمام علي: (.. وقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله على عهده حتى قام خطيبا فقال: "أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". ثم كذب عليه من بعده). وبالفعل تضاعفت الروايات الموضوعة بعد وفاته، يشهد لذلك ما ضمته الموسوعات الحديثية بين تضاعيفها من روايات، يجافي بعضها الكتاب الحكيم والعقل، وينسب للرسول ما يحط من مكانته، ويستخف بشخصه.

فوضع الأحاديث، ونسبتها للنبي الكريم بعد وفاته، كان إيذانا بتوظيف النص الديني لغايات سياسية وأهداف مذهبية وطائفية، وقد ازداد وضعها طرديا كلما ابتعدوا عن زمن الوحي، فصارت الروايات الموضوعة عبأ على الدين. ثم تأتي محنة أخبار الآحاد التي غالبا ما يكون الراوي واحدا، وليس ثمة ما يدل على صحة صدورها سوى ثقة الرجاليين به. والوثاقة بمعنى صدق النقل لا تكفي ما لم يكن الراوي ضابطا، واعيا، مدركا لكلام الرسول، لا سيما أن أغلب النقل نقل بالمعنى والمضمون، فكيف نتحرى الصحيح عن الموضوع بين كم كبير من روايات اختلط فيها الصحيح والضعيف؟. علما أن الرجالي هو الآخر متحيّز لطائفته وتوجهه السياسي، فكيف نضمن عدالة توثيقاته، جرحا وتعديلا.

يمكن الاستشهاد بأول حديث وظف سياسيا، ما رواه أبو بكر منفردا، يوم السقيفة، وقد اجتمع الأنصار والمهاجرون لحسم الخلافة، قال: سمعت رسول الله يقول: "الأئمة من قريش". فحسم بهذا الحديث معركة الخلافة لصالح قريش تحديدا،  بعد أن أخرج الأنصار من دائرة التنافس، رغم مكانتهم، واهتمام النبي الكريم بهم. فلم يوصِ بأحد كما أوصى بهم، تكريما لتضحياتهم، وصدق نواياهم، وثقلهم الإيماني والعلمي. لكن النص الديني سلطة هائلة، صفعهم جانبا، عندما قلب موازين القوى لصالح قريش بعد مبايعة عمر بن الخطاب لأبي بكر. ثم عبأ الخليفة الأول المسلمين في حروب الردة، إستنادا لروايات، اعتبرت منكر الزكاة مرتدا، فقتلهم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وبعضهم كان يصلي، حينما احتزوا رأسه. والقوم لم ينكروا الزكاة بل رفضوا تسليمها لهن ربما تحفظا على خلافته شخصيا، ووزعوها بين فقرائهم كما تقول الأخبار. فأراد أبو بكر بهذا الإجراء تثبيت سلطته السياسية، وانتزاع اعتراف عام بخلافته من قبل جميع المسلمين، فلجأ للروايات لشرعنة خطوته، وإلا فعقوبة المرتد عقوبة أخروية وليست دنيوية: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). بل في الآية التالية نفي واضح للعقوبة الدنيوية، حيث تكررت الردة. وينبغي عدم وقوعها ثانية مع وجود عقوبة دنيوية: (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا).

 لكن أخطر توظيف للدين لصالح السياسة، ما قاله الخليفة الثالث عثمان بن عفان، إبان الفتنة: (ما كنت لأخلع رداء سربلنيه الله). حيث اعتبر الخلافة والحكم أمرا إلهيا، ورداء سربله الله تعالى إياه، فيكون المعترض عليه معترضا على الله تعالى، وهذا قمة التزوير الديني، وأوضح مصاديق توظيف الدين لصالح السياسة. فعثمان جاءت به الشورى، وليست خلافته أمرا إلهيا. فلم يعبأ بكلامه الثوار، ورفضوا منطقه الثيوقراطي، وفيهم صحابة رسول الله، فانتهت الثورة بقتله.

وهكذا مارست الروايات سلطتها في شرعنة سلوك الخلفاء، وقمع المعارضة في عهد الدولتين الأموية والعباسية. فتحولت مهمتها من مضامين رسالية ودينية إلى نصوص سياسية بلباس ديني. ثم استمر النص يلعب دورا خطيرا في تزوير الوعي، وتضليل الرأي العام. وإزداد تشبث الطرفين بالروايات لتعضيد موقفهما، كلما صعّدت السلطة من لهجتها ضد المعارضة. خاصة بعد معركة صفين وتولي معاوية الخلافة، حيث شن حملة عدائية لتشويه سمعة الإمام علي بمساعدة بعض رواة الحديث للطعن بصدقيته. وإدانة موقفه من خلافة أبي بكر، التي تمت بإجماع الصحابة. فمعاوية بن أبي سفيان هو أول من وظّف الدين لخدمة السياسية علنا وبشكل رسمي، من خلال التنظير الكلامي والفقهي وترويض العقل، بمساعدة التأويل والروايات الموضوعة التي انتشرت في عهده.

ثم اشتدت الحرب الكلامية، فيما بعد حول حزمة مفاهيم ترتبط بالعقيدة الإسلامية، كالجبر والتفويض، والإرجاء، والعدل، والإمامة التي احتلت الأولوية، فتناولوا جميع شؤونها، شروطها، شرعيتها، في محاولة لتأسيس نظرية إسلامية في السلطة والحكم. فاستدعوا الخلاف الأول لتحري الحقيقة وكيفية تأصيل مبدأ ديني لحماية شرعيتها، بعد موجة شك عنيفة اتهمت الخلفاء الراشدين باغتصاب الخلافة. فاعتبر الاتجاه السني الإجماع حجة شرعية ملزمة بموجب رواية عن الرسول: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، ولازمه: "الخروج على اجماع الأمة خروج على الدين". وهو توظيف آخر للدين لصالح السياسة. فليس كالنص سلطة قادرة على حماية شرعية الخلافة وقمع المعارضة. وذهب الشيعة إلى تأسيس نظرية في الحكم تقوم على النص والتعيين في مقابل نظريتي الشورى وإجماع الأمة. فلا ولاية لأحد، وفق المنطق السياسي الشيعي، لم ينص الباري تعالى عليه بكامل مشخصاته، بواسطة الرسول الكريم. وكان دليلهم مجموعة روايات عن الرسول، وهو أيضا توظيف واضح للدين لصالح السياسة. فكلا المذهبين السني والشيعي، تأسيس سياسي، قام ابتداء واستمرارا على تأويل الآيات، ورصيد روائي تراثي، لا يمكن الجزم بصحته.

وبهذا يتضح أن التأصيل النظري لشرعية الخلافة والإمامة كان تراكميا، عبر القرون الأربعة الأولى. لعدم وجود مرجعية (آية أو رواية) تحسم النزاع آنذاك. ولم يحتج أحد بنص صريح من كتاب أو سنة على شرعية خلافته. وارتكز الطرفان لمبدأ القربى من رسول الله. فاحتج الإمام علي على المهاجرين بنفس المبدأ الذي احتجوا به على الأنصار، باعتباره الأقرب إلى النبي، فضلا عن مكانته، وسابقته في الإسلام، وجهوده المتواصلة لخدمة الرسالة. فكان الطرفان بأمس الحاجة لأي دليل يدعم شرعيتهما، وعدم الاحتاج بآية أو رواية صريحة دليل عدم وجودهما. بل الثابت تاريخيا لدى الشيعة والسنة أن الرسول مات ولم يكتب كتابا صريحا بشأن الخلافة. ودخل عليه عمه العباس وعلي بن أبي طالب في مرضه، ولم يؤكد لهما شيئا حول مستقبلهما السياسي. فالنزاع حولها كان سياسيا، وكان موقف الإمام علي من خلافة أبي بكر سياسيا أيضا. ثم جاءت النصوص فيما بعد لتدعم شرعية هذا الطرف وذاك. فالخلافة لم تتأسس على أدلة دينية وعقدية، بل جاءت في مرحلة لاحقة لتعزيز شرعيتها، فكانت استجابة سياسية بلباس ديني وشرعي.

فلما استدعوا الخلاف الأول فيما بعد لتحري شرعيته، كانت هذه الحقيقة شاخصة أمامهم، فتداركوا الأمر، ونشب سباق محموم لمراكمة شواهد وتأويلات لدعم شرعية أحدهما والطعن بالآخر، لعدم وجود نصوص صريح. فبدأ صراع مرير حول مصاديق الآيات، لذا تعددت أسباب النزول للتماهى مع الهدف السياسي. وهذا أحد مصاديق توظيف القرآن لصالح السياسة. ثم لجأوا للروايات، بعد أن خيب الكتاب الكريم آمالهم في الحصول على دليل قطعي جازم صريح. فاستدلوا بما هو صريح من روايات الفضائل، وتأويل ما هو ظاهر بشكل يحسم النزاع. إلا أن الروايات أيضا لم تحقق كامل أهدافهم، لعدم وجود روايات صريحة معترف بها من قبل الطرفين، فجاء دور وضع أحاديث الفضائل والمثالب، فبدأ المأزق الديني، وتهاوت القيم الرسالية، وكّرس النص الديني لخدمة التوجهات السياسية، فانتشرت مختلف أحاديث الكرامات والفضائل، كحديث: لا تجتمع أمتي على ضلالة، وحديث العشرة المبشرين بالجنة، وحديث خير القرون قرني ثم ما يليه... وحديث الفرقة الناجية، وأحاديث الفضائل التي ظهرت فجأة بعد ولاية معاوية، ثم تصاعدت وتيرة الوضع ابتداء من القرن الأول الهجري. فضج التراث بالأكاذيب والوضع. وراح النص يلعب دورا سلبيا، ويشرعن سياسات منحرفة، وسلوكا خاطئا.

في ظل هذا الوضع وجد الشيعة أنفسهم أمام مسؤوليتين، الأولى: تحصين الذات، وتعميق الإيمان بعقائدهم، كالإمامة، ووجوب النص على الإمام من قبل النبي. والثانية: رد شبهات السلطة، وتفكيك أدلتهم حول شرعية الخلافة. فوظفوا مختلف الروايات لدعم آرائهم ونظرياتهم، أسوة بخصومهم السياسيين. فكلا الطرفين كان متورطا في حمى السباق لمراكمة ما يعزز شرعية أحد أطراف الصراع الأول. بل لم يكتفوا بالروايات ودخلت على الخط كل وسائل التضليل وتزوير الوعي. فتجد الخرافات والكرامات والأحلام حاضرة ضمن مراكمة الشواهد، لتعميق إيمان الناس البسطاء بعقيدتهم.

وفي خطوة لتعزيز شرعية الإمام علي بالخلافة ذهب الشيعة إلى تأسيس نظرية كاملة حول الإمامة وشروطها ومواصفاتها، وظفوا لتأصيلها مقولات ومفاهيم دينية وكلامية، كما نظّروا لمنظومة مفاهيم تعززها، كالعصمة، والولاية، وعلم الإمام، وامتداد عصر النص، والغيبة. فتجمعت لديهم أدلة عقلية ونقلية تدعم شرعية الإمامة. وكان طبيعيا في ظل سباق محموم على شرعية الإمامة في مقابل الخلافة، لكنه ولد انقسامات حادة بين الشيعة أنفسهم، فتعددت الفِرَق الشيعية عبر التاريخ، وذهب غلاتهم إلى أسطرة رموزهم في خطوة لتعزيز عقيدة الشيعة بهم. وتعميق روح الأمل عندهم، وتعويض نفسي للخسائر السياسية. وضمان النجاة يوم القيامة، دون غيرهم.

بهذا يتضح حجم تأثر الدين بالسياسة، وصحة ما نقلته أنت عن الشاعر والمفكر السوري أدونيس. "إن الإسلام قد انتهى كدين رسالي لحظة وفاة الرسول الكريم، وتحوّل الى دين مصلحة، قابل للتوظيف سلطويا". فالطابع العبادي والروحي للدين تشبع بالبعد السياسي، وتماهى مع توجهات الأطراف المتصارعة على السلطة، بعد محاصرة فهم وتفسير الكتاب الكريم، ومنع التعامل مع آياته مباشرة، فتحكم النص الثاني (روايات، أقوال المفسرين والمؤرخين، آراء الفقهاء) بفهم وتأويل النص الأول (الآيات). وحجب النص الثاني النص الأول من خلال تفسيره وإعادة كتابته.

وما زال التوظيف السياسي للدين، يتجلى عبر صيغ مختلفة، كالحركات الإسلامية، بما فيها الحركات التكفيرية، وولاية الفقيه. إضافة للتنظير الفقهي، والفكر الإسلامي الحركي. وسبقه الأحكام السلطانية، وتبادل الشرعية بين السلطان والفقيه في عهد الدولتين العثمانية والصفوية.

إن سبب الصراعات الطائفية والتراشق العقيدي اليوم، روايات وكتب ظهرت بعد حقبة الخلفاء الراشدين، واستمرت بالتراكم خلال القرون الأربعة الأولى ... روايات أعادت تصوير الخلاف الأول بشكل يخدم مصالحها الطائفية والمذهبية. ولم يبق أمامنا طريق لنقد التراث ومعرفة الحقيقة سوى القرآن، والصحيح المتفق عليه بين الجميع من سنة النبي، والعقل.

ينبغي التمييز بين توظيف الدين لصالح السياسية، والفهم الديني المتجدد. توظيف الدين، يستغل النص الديني لتزوير الوعي، خدمة لأهدافه وغاياته. فيلجأ لتأويل الآيات أو الاستعانة بقرائن خارجية وروايات نبوية لتكريس النص القرآني. خاصة الآيات المطلقة حينما يحتكر مصاديقها. كما في آية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). فيفّسر الولاية بالسلطة رغم تعدد معانيها لغويا، فهو تفسير لغوي انتقائي. ويتحيز حينما يقتصر مصاديق الذين آمنوا بشخص أو عدة أشخاص. ويقصي ما عداهم، رغم إطلاق الآية، وبهذا يتوفر على دليل قرآني يخدم هدفه السياسي، خاصة عندما يكون هو (الفقيه مثلا) الوريث الوحيد لتلك المصاديق بعد وفاتهم. كما بالنسبة للفقيه وأئمة أهل البيت. أو كشرط القرشية بالنسبة لأهل السنة. فلا يحق لأحد التصدي للسلطة وفقا لكلا المذهبين ما لم تتوفر فيه الشروط المتقدمة. وهذا أحد مصاديق التوظيف السياسي، خارج أطاره الديني.

ومثلها آية: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)، التي كرست طاعة مطلق أولي الأمر وفقا للمذاهب السنية. وخصوص الأئمة ومن ينوب عنهم من الفقهاء عند الشيعة. بينما الآية الكريمة مطلقة لم تذكر أي مصداق.

وهكذا يجري تزوير الوعي واللعب على مشاعر الناس من خلال تأويل الآيات المطلقة، فتجد الصراع على أشده حول مصاديقها، وهنا يأتي دور الروايات الموضوعة كقرائن تصرف الإطلاق لمصاديق محددة. لكن لماذا يبقى الناس في دوامة التأويل إذا كانت الآية تقصد شخصا أو أشخاصا محددين؟ أليس هذا خلاف لحكمة الله تعالى؟.

وأما الفهم الديني المتجدد، فيختلف جوهريا عن التوظيف السياسي للدين. وهو يعني: فهم الدين وفق مقاصده وغاياته وأهدافه، فيتأثر فهمه بالظروف الزمانية والمكانية كي يواكب تطورات العصر وحاجات الزمان. فآليات الفهم الديني تختلف، فلا تزوير ولا تمويه، بل دراسة مواضيع الأحكام الشرعية للتأكد من استمرار فعليتها التي يتوقف عليها فعلية ذات الحكم الشرعي. والتمييز بين المواضيع المطلقة والمقيدة أو المحددة، لمعرفة فعلية أحكامها. أو ما يسمى اصطلاحا: التمييز بين القضايا الحقيقية والخارجية. كما بالنسبة لمحاربة أهل الكتاب، حيث الحكم ناظر إلى مجموعة المشركين المحاربين في زمن الرسالة. وليس له إطلاق خارج تلك الفترة. فشرطه الحرابة، وحرابة الدين والرسالة حصرا. فالمائز بينهما كبير جدا. أو إعادة النظر في أحكام الميراث، أو العقوبات، وطرق تنفيذ الحدود والقصاص.

فمقاربتك بين هذا الرأي ورأي أدونيس، موفقة جدا. ولا نحتاج سوى بصيرة نافذة لاكتشاف الحقيقة. وهل يعقل أن يهمل الكتاب الكريم عصبي الحياة، السياسة والاقتصاد، سوى مبادئ عامة؟  فهو لم يهملهما، وتركهما لتطورات الحياة وحاجة المجتمعات وفق مبادئ الدين الحنيف. الدولة ضرورة اجتماعية، تتطلب نصوصا تواكب تطورها، والدين صيغ ثابتة يعيق حركتها. وهذا لا يتنافى مع تصدي المسلمين لتأسيس دولتهم، وفق مبادئ الدين الحكيم وتشريعاته. لكن الفرق واضح.

الدين لا يفرض أحدا ولا يتبنى شخصا، ويكتفي بشروط إيمانية محددة. والأنبياء رسول الله لنا، لذا توفى النبي الكريم، ولم يوصِ بشكل صريح واضح لا لبس فيه لأحد من بعده، وهذا متفق عليه بين الشيعة والسنة. وكل ما موجوة هي روايات الفضائل. ولا شك أنها بوصلة لاختيار الأصلح والأكفأ لإدارة الدولة والمجتمع المسلم.

وبالتالي أنا أتفق معك: (أن الواجب يقتضي أن نطوي كل صحف التأريخ تماما.. ونبقي الدين كقضية شخصية ونتوجه لبناء منظومة معرفية جديدة خالية من جدل التأريخ الديني؟).

أما التراث، فقد مزقنا، ولم نرث سوى الجهل والأمية، وتكريس الخرافات، وأسطرة الرموز، واقصاء العقل. فلا تكتب لنا نهضة حضارية ما دمنا نلوذ بالتراث والتاريخ، ونستفتي الموتى لتسوية مشاكلنا، وتقرير مصيرنا ورسم مستقبلنا.

الدين عقيدة وشريعة. أما العقيدة فهي محددة في الكتاب الكريم لا يمكن تجاوزها: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ). وأما الشريعة، فهي قسمان، عبادات، تكون ثابة في أحكامها، وللاضطرار ورفع الحرج فيها مجال كبير. وأما التشريعات المدنية والاجتماعية والحقوقية، فلا تكون فعلية ما لم تكن موضوعاتها فعلية. والحياة بعد 1450 عاما تقريبا تطورت تطورا هائلا، فيجب أن يؤخذ كل هذا بنظر الاعتبار.

الدين تجربة روحية، وإيمان فعلي بالله تعالى، وضرورة من أجل مجتمع فاضل، تختفي فيه الرذائل، وتسوده قيم الدين والإنسانية. فليس الدين أداة للسلطة وتزييف الوعي واستغلال الناس. وليس كهنوة وطقوسا بالية. هو شعور عميق بالوجود وعلاقة بين الخالق والكون والإنسان. وترابط إنساني عندما يقوّم سلوك الفرد وأخلاقه، ويبعث الطمأنية والاستقرار النفسي. فالدين علاقة فردية بين الخالق والمخلوق، لكنها علاقة حضور، وشروق روحي مفعم بالحب والإيمان. فالسلوك القويم دليل على صدق الدين. ومشاعر الحب آياته ودلالاته.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi4salam kadomfarajخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة الأديب والكاتب الأستاذ سلام كاظم فرج.

 

س58: سلام كاظم فرج: تجربة مانديلا في التسامح .. هل يمكن أن تجد أرضا خصبة في مجتمعنا العربي؟.. جدل الجلاد والضحية كيف يمكن حلها وفق إطروحة التسامح؟ حقوق الضحية؟

ج58: ماجد الغرباوي: يتوقف نجاح تجربة مانديلا في المجتمعات العربية على إمكانية العفو والتسامح، بدلا من الانتقام والثأر. وهي قضية ثقافية، نفسية، اجتماعية، ترتبط بقيم المجتمع وقبلياته، وحقوق الفرد وكرامته، ومدى حاجة البلد للأمن والسلام، خاصة بعد انهيار الأنظمة الشمولية، التعسفية، وتفكك تشكيلاتها الأمنية. حيث تُطيح الفوضى وأعمال الانتقام بالأمن، حدا تُرتكب فيه أبشع الجرائم حينما تُهتك الحرمات، وتُستباح الدماء، ويطال القتل نفوسا بريئة، ويعيش المجتمع حالة من القلق والتوجس والخوف والشك تربك العملية السياسية، وتشل الحركة الاقتصادية. فالفوضى أخطر التحديات عندما تستبد روح الانتقام، وتتلاشى قيم العفو والتسامح.

التمييز العنصري في جنوب أفريقيا كان مجرما، مقرفا، لا إنسانيا، وقد عانى السود شتى أنواع الاضطهاد والحرمان والقتل والتعذيب بشكل لا يمكن التسامح مع الأقلية البيض التي ارتكبت بحقهم أبشع الجرائم والتمييز العنصري. لكن نيلسون مانديلا شخصية تاريخية، بموازاة أبراهام لنكولن الذي خاض حربا أهلية لتحرير السود في أمريكا. بل وامتاز عليه بالقضاءعلى التمييز العنصري سلميا، بعد أن بذل جهودا جبارة لتحقيق المصالحة بين مختلف المواطنين في بلاده. وما كان يكتب له النجاح في مهمته العسيرة لولا قدرة الشعب على التسامح والعفو والغفران ونسيان الماضي، وهي قدرة ذاتية نابعة من ثقافتهم وقبلياتهم وأخلاقهم وروح التسامح المغروسة في أعماقهم. بينما تعاني شعوبنا خللا ثقافيا ونفسيا، يتطلب تنقية العقل من قيم الثأر، وروح الانتقام. لتدارك انهيار مشاعر المحبة والوئام والسلام التي هي أساس التسامح والعفو والتجاوز. أو تندثر احتمالات التسوية، وتتواصل أعمال الفوضى، وقد تتخذ شكلا آخر من العنف والإرهاب باسم القيم والدين والأخلاق.

فلا نجاح لخطوة مانديلا التصالحية في بلد فيه من يرتهن مصالحه الشخصية والأيديولوجية على بقاء روح الثأر والانتقام. وتحكمه قيم تستبد بإرادة الإنسان وتدفعه بهذا الاتجاه. فلا بد من خطوة تسبق المصالح، تهيّئ لقبولها بقناعة ذاتية تامة. خطوة ترتبط بالثقافة والعقل لاعادة تشكيلهما بعيدا عن قيم الثأر والانتقام، بما يخدم سلامة وأمن المجتمع. وهذا يتطلب عودة نقدية، لمنظومة القيم بشكل عام، وروح الثأر بشكل خاص، بحثا عن جذرها الثقافي والنفسي، وتحديد مقوماتها وروافدها، ومدى تأثّرها بمنظومة القيم والعقل الجمعي، وأسباب استفزازها وانفعالها. فهي قيمة أخلاقية نسبية ترتبط بكرامة الإنسان وحقوقه. قد يتخلى عنه، وقد يراه حقا مشروعا يتوقف عليه أمنه وسلامته وحيثيته، مع تهاون السلطات القضائية، وتواطؤ الأعراف الاجتماعية. فحمى الانتقام تتفاوت حسب طبيعة الفرد، ومزاجه وموقعه الاجتماعي وشجاعته وتهوره وظروفه النفسية وسلامته البدنية. لكن المظلوم لا يُطفئ غليله سوى الثأر، عندما تُراق دماء زكية وتزهق نفوس بريئة. فكيف يتخلى عنه، وقيم العشيرة لا ترحمه، حينما تدين المتقاعس، وتعتبره جبانا، متخاذلا، ضعيفا. لا مكان له في مجتمع قبلي تقوم علاقاته على القوة والعنف في استرداد الحقوق. فصاحب الثأر بين خيارين. إما الموت تفاديا لعار الضعف والجبن، أو الحياة مع الثأر وإراقة الدماء ثمنا لحيثيته وكرامته. فيعيش توترا يتفجر مع كل نظرة توجّس وريبة، خوفا من شماتة الصديق قبل الغريب. فمعالجة روح الثأر صعبة في ظل قيم قاسية، تُؤثِر سفك الدماء مهما تمادت على الاحتكام لمنطق العقل والمنطق والقانون؟.

وهنا نحتاج إلى تفكيك منظومة قيم المجتمع، القائمة على العنف والإرهاب والثأر، وإعادة تشكيلها وفق قيم إنسانية، دينية تضفي معنى جديدا للعفو والتسامح. قيم تركن للعقل قبل الغضب، وتقدّم العفو على الثأر. كقوله تعالى: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله)، فالآية الكريمة تقلب موازين العفو، من كونه ضعفا وجبنا وفق المنطق القبلي، إلى كونه إصلاحا وأجرا عند الله، وهو غاية مقدسة وفق المنطق الديني. فبدلا من رعب الشماتة وتداعياتها، يعفو ويحتكم للعقل والثانون مرضاة الله تعالى. وهذا أسلوب تربوي وأخلاقي لتفكيك مفهوم الثأر وإعادة تشكيله. والعفو مبدأ ديني عام يشمل حتى القصاص: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان). فاستعاض عن القصاص بديّة تطيّب خاطر أولاياء الدم، وتهدّئ نفوسهم الثائرة. فالقرآن لا يتنكر لأولياء الدم وأهل الضحية، ويعترف بحقوقهم كاملة، لكنه يعالج الثأر معالجة أخلاقية دينية تتراوح بين العفو مع ضمان مرضاة الله، والديّة المالية. وبالتالي انقلبت المعادلة من ثأر دموي تتبعه دماء غزيره إلى عفو وتسامح تقربا لله تعالى. 

لا شك أن الثأر ظاهرة خطيرة عصفت بالمجتمع العربي قبل الإسلام، فأطاحت بأنفس بريئة وسالت دماء غزيرة، وكانت حروب الثأر والانتقام تمتد سنين طويلة. كحرب البسوس المعروفة تاريخيا، التي هي ثأر للبسوس خالة الجساس بن مرة، لكنها تواصلت لأربعين سنة. وغيره كثير من الغارات والغزوات. وأخطر ما في الثأر حينما يتحول بالتدريج إلى قيمة أخلاقية عظمى، وموقف استراتيجي، لرد الاعتبار، وتحصين الذات، فيكون مطلوبا بذاته مهما بلغت تداعياته. فتصدى القرآن الكريم لمعالجة روح الانتقام، من خلال تعاليمه التربوية، وإجراءاته الحازمة، لتبديد خطرها وتداعياتها على المجتمع:

وقد تجلت خطواته التربوية من خلال آيات الكتاب الحكيم، وتعاليم النبي الكريم، التي نجحت في تفكيك القيم القبلية وإعادة تشكيلها ضمن أطر ثقافية دينية إنسانية، حتى بات من السهل على أولياء الدم التسامح في قضايا القصاص فضلا عن غيره. وهذا لا يمنع بقاء روح الثأر عند المسلمين، لأنها فورة عصبية، وردة فعل نفسية، لا إرادية، ترتبط بفطرة الإنسان ومشاعره، غير أن الدين نجح في إطفاء نار الغضب، ونزع روح الانتقام من الثأر، حينما شرّع القصاص (النفس بالنفس) وحرّم التمادي بالقتل. وأدان سفك الدماء خارج حدود القصاص، واعتبرها ظلما وجورا يُقتص من فاعلها. بينما لا يُعد التجاوز اعتداء وفق المنطق القبلي، بل شجاعة وإمعانا في تأديب المعتدي، وإطفاء روح الغليان والتشفي الجمعي، خاصة الثأر من شخصية لها حضورها ومكانتها الاجتماعية، فيتحول الثأر إلى إذلال وتركيع، وفرض الاعتراف بالمنتصر ومكانته، فيخرج من كونه عنفا قد يكون مبررا إلى إرهاب وعدوان صريح. وبالتالي، فالثأر لا يتلاشى نهائيا لتعدد مستويات ارتباطه بالنفس والمجتمع، فتارة لا يرغب ولي الدم بسفك الدماء، ويود تسوية الأمور سلميا، لولا سطوة العرف وتقاليده القاهرة. فروح الثأر لا تنطفئ تماما لأكثر من سبب لكن يمكن ترويضها، وهذا ما فعله الدين، حينما كافح روح الانتقام داخل النفس البشرية، ووضع أحكاما صارمة لتنظيم علاقات المجتمع، بعد أن فكك قيمها وأعاد تشكيل وعيها. فكانت له معالجات تربوية وأخلاقية مختلفة، فمثلا:

- حثت الآيات على كظم الغيظ والتحلي بالحكمة وروح الإحسان، وشجعت على العفو والتسامح في مقابل ضمان المغفرة والثواب: (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)

- أكد الرسول الكريم في وصاياه على كظم الغيظ كإجراء احترازي لتفادي الغضب وتداعياته، للحيلوله دون سفك الدماء البريئة. كما في قصة الصحابي الذي سأل النبي النصيحة فقال له ثلاث مرات: "لا تغضب". وعندما فرض عليه المنطق العشائري الاصطفاف مقاتلا مع عشيرته من أجل قضية لا تستحق القتال، تذكر قول النبي الكريم: "لا تغضب". فتراجع عن قراره، وأطفأ نار الفتنة. فكانت هناك تربية مستمرة، تقوم على الترغيب والترهيب، تكشف حجم تداعيات الثأر آنذاك، ومدى انتشاره، وضرورة معالجته.

- قايضت بعض الآيات العفو والصلح بالأجر في اليوم الآخر: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله). فأطفأت روح الثأر بالثواب. وخلقت قيمة جديدة لعفو، حلت محل القيم القبلية.

- كما سارعت الأديان لتحريم قتل النفس البريئة: (مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً)، (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ). وشرّعت القصاص: (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا). لإطفاء روح الثأر: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون).

وأما على الصعيد العملي، فكانت الإجراءات صارمة، (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ).

فالثأر شعور نفسي يتفاقم بوتيرة تصاعدية، مع كل احتكاك واستفزاز، بفعل قيم أخلاقية تشجّع عليه، فيحتاج المجتمع القبلي لتدفق ثقافي مستمر يعيد تشكيل منظومة القيم القائمة على العنف والانتقام. لكن جهود تفكيك روح الثأر وثقافة الانتقام، تلاشت بفعل موقف خلفاء الدولتين الأموية والعباسية من المعارضة، وحجم الدماء التي سفكت باسم الدين والفتوحات الإسلامية، فعاد الثأر قبليا، يطارد روح السلام والاستقرار، ويقضي على منابع المحبة والوئام بين أبناء الدين الواحد.

إن الاقصاء المستمر للمعارضة بطبيعته يؤجج روح الكراهية، ويهيئ للثأر والانتقام، ويخلق ردود فعل معاكسة، لا تخدم التصالح والتعايش الاجتماعي الآمن. فالدولتان الأموية والعباسية عمقتا روح الانتقام عندما تمادتا في سفك الدماء، وهتك الحرمات، بشكل يندى لبشاعتها جبين الإنسانية. وهذا ما حصل للتوابين بعد مقتل الإمام الحسين بن علي في واقعة كربلاء مع أهل بيته على يد الخليفة يزيد بن معاوية الأموي، حيث تأججت روح الثأر لدى شيعة الإمام الحسين وأتباعه بشكل هستيري لقداسته، فهو إبن بنت رسول الله. وسمو هدفه، فخرجوا احتجاجا على يزيد وسلوكه الدموي. فرفعت حركة التوابين شعار: "يا لثارات الحسين"، وطالبت بالثأر، وبالفعل اقتصوا من قتلته على يد المختار الثقفي. لكن الثأر بعد حركة المختار صار سُنة وممارسة أيديولوجية، رفضت الحركات الثورية والانتفاضات الشيعية اللاحقة التخلي عنه، أو التراجع عن رفع شعاره: "يا لثارات الحسين". بل تمادىوا حينما شرعنوا الثأر بروايات موضوعة، واعتبروا القصاص من قتلة الإمام الحسين أول مهام المهدي المنتظر بعد ظهوره.!!. وهناك روايات تقول يُحييهم الله (أي قتلة الإمام الحسين) فيقتلهم الرسول (الذي سيعود مع أهل بيته وفقا لعقيدة الرجعة الشيعية)، ثم يحييهم فيقتلهم الإمام علي، ثم تقتلهم الزهراء إلى آخر الأئمة الإثني عشر، ثم جميع الشيعة!!!!!!. لكن الروايات لم تبيّن سبب ذلك التمادي في القتل؟ ولماذا يتجاوز الله عزو جل موازين العدل والقسط بحق قتلة الإمام الحسين؟. وهذا دليل واضح على أنها روايات موضوعة ترتكز لعقيدة الرجعة عند الشيعة، والتي تعني عودة بعض الأموات للحياة، خاصة الشخصيات والرموز التاريخية، للاقتصاص منهم في محكمة العدل التي سيقيمها الإمام المهدي بعد ظهوره. وهذا كلام خطير، يعكس رغبة عميقة بالانتقام، تتصاعد مع كل خطاب طائفي، وسط بيئة لا تفهم سوى لغة الدم والانتقام والقصاص. لا تقنع بعدل الله وجزائه، ما لم يقتص المهدي ويشفي قلوب شيعته بالانتقام من قتلة الحسين!. لكن بساطة الوعي ساعد على تصديقها وانتشارها. بينما هي روايات موضوعة راحت تبرر الثأر عبر مقطع تمثيلي، أبطاله الرسول الكريم وأهل بيته الأبرار، بعد أن عجزت في الحصول على دليل شرعي، يبرر روح الانتقام والثأر القابعة في نفوسهم.

ربما الإخفاقات السياسية المتلاحقة عبر التاريخ كانت وراء هذا الشعور الذي يغذيه التراث الملغوم كراهية وحقدا على الآخر. فعملية الفبركة واضحة في هذه الروايات، فتداركت ضعفها سندا ومضمونا حينما أسندت فعل الثأر للرسول وأهل البيت. وهذا يكفي لتأجيج نار الغضب والحقد. ثم تأتي نصوص زيارة المراقد المقدسة لدى الشيعة التي تكرّس اللعن وروح الانتقام اللاشعوري من أعداء أهل البيت السياسيين. وهذا خلاف قيم الدين بل خلاف تعاليم الرسول الكريم وأهل بيته.

لكن لماذا يستقيل العقل الشيعي أمام هذا النوع المحرّض من الروايات؟ هل حقا رغبة جامحة بالانتقام من الآخر؟ أم هي رثاثة الوعي واستكانة العقل لدى بعض الناس؟؟. للأسف الشديد العقل الشيعي ضحية تراث ملغوم بالكراهية، وما لم يتخلوا عن هذا التراث بالذات لا أمل يتراءى في أفق حضاري قريبا. وسيبقى التشيّع في دوامة الماضي وأحداثه، تستهلكه روايات ضعيفة موضوعة. فلا تستغرب حينما تسمع: "أين الطالب بدم المقتول في كربلاء"!! حتى بعد مرور الف واربعمئة عام أو يزيد!!.

إن تاريخا طويلا من الإقصاء والإخفاقات السياسية ولّد شعورا مريرا لدى الشيعة بالخيبة، والعجز أمام مناوئيهم، ولم يجدوا سوى المهدى ليقتص من أعدائهم ويثأر لدمائهم، ويحقق تطلعاتهم وأمنياتهم التاريخية. فالمشروع الحضاري الشيعي مؤجل في نظر غلاة الشيعة إلى ما بعد ظهور المهدي، حيث سيملأ الأرض قسطا وعدلا. لكن تداعيات هذا النمط من التفكير خطيرة على مستقبل الإسلام بشكل عام، وقد أدركه الواعون من فقهائهم ومفكريهم ومثقفيهم، فكان لهم رأي آخر.

نعود للسؤال: فنجاح خطوة مانديلا في بلادنا، تتوقف على وجود ثقافة جديدة، وعقلانية شاملة تتحكم بسلوك ومشاعر الناس، عقلانية تؤصّل سلطة القانون، وتستأصل روح الانتقام والثأر، ليتولى القضاء تحري الجرائم والبت بها قانونيا. أي استعادة هيبة القضاء، كسلطة عليا. وتجريم من يتجاوز القانون أو يرتكب جريمة باسم الثأر والانتقام. فخواء القضاء وتواطؤ أجهزة الأمن والشرطة سبب آخر في تأجيج روح الانتقام. فيجب إقصاء قيم العشيرة، ليبقى ولاء الشعب للدستور والقانون، وعدم تقديم ولاء رجلي الدين والسياسة وشيخ العشيرة. فلا نظام مع تعدد مراكز القوى والقرار.

وبالتالي فزمام الأمور ومفتاح التصالح بيد الحكومة، والجهات المرتبطة بها، وإلا فإن قيم العشيرة الحاكمة على تفكير الناس لا تسمح بالعفو والتنازل، بل تتمادى بالثأر، وتطيح بنفوس بريئة لا علاقة لها بالموضوع. فهيجان الثأر هيجان قبلي لا إنساني رغم الاعتراف بوجود حقوق قانونية، لكن هذا لا يسمح بتمادي العنف باسم الثأر والانتقام.

وأما عن حقوق الضحايا، فينبغي للحكومة التحلي بالحكمة والجرأة، وإعلان عفو عام، مع ضمان حقوق الضحايا، والاقتصاص من مرتكبي الجرائم الكبرى، باعتبارها حقا قانونيا وشرعيا وأخلاقيا. فلا يستقيم العفو مع وجود مجرمين أحياء، وضحايا تطالب بالثأر، وهو حق قانوني وشرعي. فيقتصر العفو على مرتكبي الجرائم من أتباع النظام السابق، أو من استغل الظروف السياسية وقام بعمل اجرامي بدوافع شتى، خاصة أعمال العنف الطائفي، والهجوم على القوات الدولية، ولم يحاكم أو لم ينفذ به حكم الإعدام خوفا من تبعات القصاص على المستويين السياسي والاجتماعي. بمعنى آخر أن يشمل من تكون تداعيات تنفيذ الأحكام به أخطر من عدم تنفيذه بسبب مختلف الظروف التي يعانيها البلد. فهناك من يشكك في انطباق صفة الإجرام على العاملين بالاجهزة الأمنية وقيادات الجيش والشرطة، في زمن النظام السابق. وهناك من يتهم القضاء بالتحيز الطائفي، ويؤكد وجود دعاوى كيدية. وبالتالي فهؤلاء: بعضهم مجرم غير مشخّص في جريمته، كقوى الأمن والإجرام من أتباع النظام السابق. ومجرم مشخص في جريمته. ومجرمون ارتكبوا جرائمة عشوائية. أو بدافع وطني ضد الغزاة. أو غررت بهم تنظيمات سياسية ودينية وإرهابية. أو انساقوا مع مؤامرات من خارج البلاد لأهداف سياسية ومصالح خاصة بها. وقد يكون شخصا عدوانيا بطبيعته.

فالحل الأمثل لتسوية جميع هذه الحالات أن تتولى الدولة القصاص باعتبارها المسؤول عنه، وتتولى حقوق الضحايا والخسائر المادية، فتكون ولي الدم بالنيابة العامة عن جميع ضحايا المجتمع. ومن حق ولي الدم العفو عن القاتل. (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ). فتعفو عفوا عاما بتفويض من الشعب، وتتولى حقوق الضحايا، فتقدم لهم تعويضات. لتقطع دابر الفوضى والقتل العشوائي: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِإِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا). فالدولة مطالبة أولا بإجراء مسح ودراسات مفصلة، تدرس حالات الإجرام، وأسبابها، وظروفها، وفائدة العفو قياسا بالقصاص. ومدى تأثيره على مستقبل العلاقات الاجتماعية والوضع الأمني. كي يتمتع العفو العامة برصانة علمية، قانونية، حقوقية. وماذا يترتب على العفو والقصاص من تداعيات، واعادة النظر بالدعاوى الكيدية. وعدم شمول العفو للجرائم الشخصية المشخصة، وجرائم التفجيرات والقتل العام والتآمر على أمن المواطنين.

وأما عن جدل الجلاد والضحية كيف يمكن حلها وفق أطروحة التسامح؟. فليس أمامنا سوى تجفيف منابع العنف والاستبداد السياسي، لاجتثاث ظاهر الجلاد من خلال ديمقراطية حقيقية، تضمن تداول سلمي للسلطة، وحق مشاركة الجميع بالسلطة، فلا ضحية بانتفاء الجلاد.

مما تقدم يتضح أن التسامح السلوكي لا يكون فاعلا إلا في إطار منظومته القيمية وبيئته الثقافية – الاجتماعية. وأقصد بفاعلية التسامح السلوكي أن يكون مثاليا في تجلياته. وأما خارج بيئته، فيكون نسبيا وفقا لظروفه، فيوظف كل المفاهيم المتاحة ضمن ثقافة ذلك المجتمع من أجل تسامح سلوكي يضمن أمن واستقرار البلاد. وهذا لا يعني التنازل التام عن حقوق الفرد والمجتمع، أو زرع روح الانقياد والتبعية، حد التنازل عن الحقوق وعدم التمرد على سياسة الجلاد. فلا يعد هذا تسامحا، بل عبودية وذلا واستكانة. فهناك فرق في التعامل مع الجلاد في حياته وبعد مماته. ولا معنى للتسامح في ظل حكومته وممارسته العنف والقتل والاضطهاد وقمع المعارضة، وسلب الشعب حقوقهم المشروعة.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

majed algharbawi7salam kadomfarajخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الأديب والكاتب الأستاذ سلام كاظم فرج.

 

س57: سلام كاظم فرج: ثمة أسئلة كثيرة.. التسامح مع التأريخ.. والعرب كما تعرفون يسقطون جدل التأريخ على الحاضر دائما.. كيف يمكن ان نجد سبيلا للخروج من مأزق التأريخ.. الصحيح منه والمزيف؟

 ج57: ماجد الغرباوي: هذه الإشكالية ربما هي الأخطر بين الإشكاليات المتقدمة، لقوة حضورها، وسلطتها على الوعي. فما زال التاريخ بكل تفاصيله حاضرا يفرض نفسه، على علاقتنا وأحكامنا، وفهمنا للأحداث التاريخية بل والمستقبلية. فليس التاريخ أحداثا متعاقبة أو توالي مقاطع زمنية فقط، بل هو تجليات لبنى فكرية، وتوجهات سياسية، وخطابات آيديولوجية، ضمن سياقات الحدث وحتميات حركة التاريخ. وهو كالنص في أدائه ومخاتلاته ومراوغاته، يخفي أكثر مما يعطي، ويستر أكثر مما يبوح، يستدرج قارئه، ويتآمر على وعيه من خلال سرده للحدث بشكل تتوارى تناقضاته، عندما يركّز على مقطع زمني دون آخر، أو يفضح طرفا دون غيره. فيبتر ويضيف ما يخدم هدف الكتابة. فالتاريخ ليس أمينا، رغم جهود النقد والمقارنات التاريخية بين نسخه وأحداثه. وتارة خيانة التاريخ أكبر عندما يزوّر الحقائق ويترك تداعياتها تتفاعل، وتؤثر سلبا على المتلقي. فيتعذر التصالح مع تاريخ مفخخ، يلتف على وعي القارئ، يضعه في مدارات قصية. فما نشاهده ونسمعه من صراعات حول التاريخ هي صراعات حول واقع مزوّر لا يمت للحقيقة في تفصيلاته، فيخلق أجواء موتورة، مشحونة بالبغضاء والكراهية والعنف.

إن نزاع الصحابة على السلطة بعد النبي الكريم كان وراء أغلب التوترات السياسية والعقيدية والاجتماعية تاريخيا، وما يزال يتفاعل مع كل أزمة دينية ومذهبية، بسبب تراكمات تراثية حجبت الحقيقة، وتبوأت مكانها، فصرنا نقرأ الحدث من خلال نصوص ثانية، هي عبارة عن تفسيرات، وتأويلات، وإضافات، وقناعات شخصية وطائفية وسياسية ومذهبية وعقيدية، فتمادى الجدل. وهي نصوص لا قيمة لها علميا لأنها ظهرت بعد وقوع الحدث بسنين طويلة، بل بعضها ينتمي للقرنين الثالث والرابع الهجريين. فالحقية لا تتجلى إلا عبر منهج علمي نقدي، مقارن، يقرأ ذات الحدث وظروفه وملابساته، وهذا بات أشبه بالمستحيل، فلماذا التنازع حول أوهام ومختلقات تاريخية مغرضة، مهما تعددت مصادرها؟.  

ثم جاء مقتل الإمام الحسن بن علي، ومن بعده مقتل أخيه الحسين مع أصحابه وأهل بيته الكرام، فتعمقت الإشكالية، لتحل محل الفهم الديني قاطبة، فعمدت الطوائف لتحصين نفسها والطعن بعدوها، إلى تأويل القرآن المجيد، والكذب والافتراء على الله ورسوله، فاكتسبت الاشكالية شرعية دينية، بفضل التنظير الكلامي، المخترق سياسيا، بل هو تعبأة سياسية بأسلوب كلامي. وأجد التنافر الطائفي اليوم على أشده، مع انتشار وسائل الاتصال الحديث، التي وظفت هي الأخرى لتعميق هوة الخلاف، ومنحه بعدا دينيا وعقديا. وعندما تطور الفكر الكلامي أرسى فواصل فولاذية لا تسمح بتسرّب نسيم التسامح، خوفا من زعزعة إيمان أتباعها الأيديولوجيين. فلا معنى للتسامح في ظل قطيعة معرفية تامة بين الأطراف المتنازعة حول الحقيقة ما لم تفكك البنى المعرفية من خلال نقد عقلي وفلسفي يستبعد النصوص كمصدر وحيد للمعرفة، والارتكاز للعقل والمنطق. فإشكالية إيمان المسلمين اعتمادهم مصادر معرفية تقع خارج المنطق والعقل والمحاكمات الفلسفية. وتكتفي بالنصوص وتلقينها لاستلهام إيمانها وتحصينها من الشبهات بالطقوس والممارسات العبادية. فإيمان الفرد صورة ترسمها نصوص وحكايات موضوعة. ويقينه يلوذ بخرافات وأوهام، تستمد روحها من سرديات التراث، ومفتريات الغلو .. وشعور نفسي وعاطفي، يهرب من الشك إلى القداسة، وممارسة الطقوس لحمايته. فسذاجة الإيمان باتت سلطة توجه وعي الفرد وتحول دون تطور المجتمع في علاقاته وتطلعاته. سلطة استطاعت أن تطوّر نفسها، مع كل ممارسة عبادية أو سلوكية. فقراءة المراثي لدى الشيعة، ونصوص الزيارات، وطقوس الطواف حول الأضرحة المقدسة، تأسس لا شعوريا لقيم الثأر والانتقام، وتعمّق روح الكراهية للآخر، مع تنزيه الذات، وتبرئتها. او لدى التكفيريين والسنة، حينما يمارسون الإقصاء والإرهاب والقتل، وبث روح الرعب والتوحش في نفوس الناس، وضد خصومهم، فإنهم يكرّسون قيم الانتقام، تحت شعار الإيمان، وقتل المرتد، والكافر، والمخالف. إِنها ثقافة تكرر نفسها مع كل ممارسة قولية أو فعلية.

لسنا أطراف القضية، كي يسامح أحدنا الآخر، أو يتنازل عن حقه المزعوم منّة وتكرّما من أجل استتباب السلم الأهلي، فلا معنى للتسامح التاريخي. نحن مسكونون بتاريخ كتبته أيدي طائفية وأخرى سياسية، ونريد الثأر والاقتصاص من غاصبي حقوق شخصية لا علاقة لها بالدين، لكنها صارت دينا وعقيدة. بل الثأر التاريخي قضية غير قابلة للنسيان مع استمرار الشحن الطائفي، ودوام الجهل والأمية.

الخطوة الصحيحة في هذه الحالة الإجهاز على الفكر المنغلق، وعقيدة الغلو، والشعور الطائفي، وتفكيك بنيته، وأنساقه، من داخل التراث. فلم يكن التسامح مع الخصوم غريبا على بيئتنا وثقافتنا وتراثنا وديينا، وتدعمه بعض آيات الكتاب الكريم، كقوله تعالى: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، أو (لا إكراه في الدين)، ومصفوفة أخرى، ذكرتها في نهاية كتاب: التسامح ومنابع اللاتسامح فرص التعايش بين الأديان والثقافات، بحدود 60 آية. وقد لخّص الشافعي التسامح بقوله: (رأيي صحيح يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصحيح).

فالتصالح مع التاريخ بحاجة لنقد صارم، يبدد ما راكمته الأقلام الطائفية، المغالية، المغرضة، لمعرفة الحقيقة، ومدى شرعيتها، خاصة بالنسبة للرموز التاريخية، التي اندفع الاتجاه الطائفي لأسطرتها وتحصينها، كمصادر معرفية مقدسة ومحصّنة، ينسب لها ما يود من روايات مفترات، موضوعة، مكذوبة، تخدم أهدافه الطائفية والسياسية. فتكتسب قدسيتها من قدسية تلك الرموز التاريخية.

لدينا مشكلة، أننا شعوب مسكونة بالتاريخ، وما زالت أحداثه تفرض نفسها على مواقفنا ومشاعرنا وسلوكنا، وتتحكم بثقافتنا وطقوسنا. وما زالت الدماء التي أريقت ساخنة تجري في عروقنا، بل ليس لدينا قضية أخرى سوى القضايا التاريخية، وهمنا الأكبر استعادة التاريخ ورموزه الاسطورية. لذا تجد التصالح مع التاريخ يمثل إشكالية كبيرة، تنتظر تسوية من خلال نقد التاريخ، واعادة كتابته. كما يحتاج التصالح الاجتماعي إلى ثقافة واعية، وشعور إيماني، يرتكز للكتاب الكريم في مواقفه من التاريخ وأحداثه: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). (إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم). فلا ولي لدم الضحايا، ولسنا ملزمين بالثأر من أحد. لكن رجل الدين لا يخاف الله ولا يرعى حرماته، خاصة في الدماء، حتى قرأت تصريحا لرجل دين كان يخطب بشباب الحشد الشعبي في العراق المتأهبين لقتال داعش والتكفيريين في مدينة الموصل، يقول ما مضمونه: سننتقم لأولئك من هؤلاء!!!. هكذا يعمّق رجل الدين بخطاباته روح الثأر والانتقام فيمزق نسيج الوحدة بين أبناء البلد الواحد. وإلا ما علاقة هؤلاء بأولئك، سوى دوافع طائفية، وروح الثار المتأصل في النفوس؟. فيريد من ربط الحاضر بالماضي أن يمنح قتال داعش أكبر قدر من الشرعية والقدسية. لأنه يعلم أن الماضي يستوطن نفوس هؤلاء الشباب الأبرياء فراح يعزف على وتر الحس الطائفي البغيض.

لا مانع أن يمارس رجل الدين دوره الاجتماعي والديني بعيدا عن الهيمنة والتسلط، لكن الخطر يتفاقم عندما يفرض ولايته وقيمومته وثقافته. يمارس الإقصاء والقمع والترهيب ضد الآخر، فيجب تجريد الثقافة والسياسة والوعظ الديني والحياة العامة من هيمنته وتسلطه، كشرط لتطور المجتمع حضاريا. والمقصود بهيمنة رجل الدين: هيمنة نمط ثقافي، يعتمد النص الديني والتراثي مصدرا وحيدا للمعرفة، يتولى تفسير مختلف الظواهر الحياتية، وتقديم أجوبة جاهزة لكل حدث بعيدا عن العقل ومعطيات العلم، فيؤسس للتبعية والانقياد، ويقمع روح الابداع والتطور.

وليس ثمة موقف عدائي من رجل الدين شخصيا، غير أن قبلياته وتركيبته الفكرية والثقافية ومشاعره الآيديلوجية تكرّس التعصب والانكفاء، عندما تستبعد العقل والمنطق لصالح نصوص تراثية وليدة صراعات سياسية وطائفية. فيقتصر عمله على تقديس التراث والرموز التاريخية، وربط الحاضر بالماضي، مع تعويم المستقبل وفق فرضيات مستحيلة، كظهور مخلّص يقلب الحياة سعادة بقدرات سحرية، وقوى غيبية. ويبتغي إلى مرضاة الله طريقا يجافي الكتاب الكريم وتعاليمه السماوية، ليبقى الفرد رهن معتقداته وثقافته التي صاغتها أهدافه الأيدولوجية والطائفية والمذهبية. فالتطور الحضاري لا يتوقف على وجود رجل الدين، بل يتوقف على وجود ثقافة ترتكز للعقل والمنطق بدلا من الأوهام والخرافات واللامعقول والتفسيرات الغيبية والطلاسم والتمويهات. وبالتالي فإن التحرر من هيمنة رجل الدين تحرر من دوامة التاريخ والتراث إلى روح العصر والحضارة.

إن النزاعات التاريخية والطائفية التي تفرض نفسها على خطب المنابر والوعظ الديني، لا تعكس الواقع التاريخي، بل هي صور مختلقة، راكمها مخيال شعبي شغوف، وفقا لتصوراته ورغباته، واندفاعاته الأيديولوجية بمساعدة تراث يكتظ بالروايات الموضوعة والأكاذيب والحقد. فالتصالح مع التاريخ يتطب نقده وتجريده، كي تتضح الحقيقة، حينئذٍ سيكون من السهل معرفتها، واكتشاف الواقع، وطريقة التعامل معه.

ولعل أوضح مثال تاريخي في قوة حضوره يحول دون التصالح مع التاريخ، هو النزاع على السلطة بعد وفاة الرسول، وما أعقبه من روايات وأخبار تاريخية. فما زال طرفا الخلاف في صراع مستمر لحسم شرعية الخلافة، وما زالت الكتابات حوله تترى، فلم يكتب عن أية قضية تاريخية كما كتب عنها. أغلبها خطابات طائفية، تعمّق الخلاف وتؤصّله دينيا وفق نصوص ورويات بعضها موضوع، وبعضها تم تأويله بطريقة تخدم أحد طرفي النزاع. فكيف يتصالح المسلمون مع قضية غير قابلة للحسم، بل وثمة أحداث مستقبلية تترتب عليها، كالاقتصاص ممن اغتصب الخلافة، والتنكيل بمن ارتكب جرائم قتل أصحابها. فهذا الاتجاه يرفض ترحيل الخلاف لليوم الآخر. ويصر على الثأر في الدنيا. وبعض يعوّل في القصاص على المهدي عند ظهوره. فهناك صراع محتدم تجده في جميع وسائل الاتصال، وفي كافة الباحات الدينية والتاريخية. بلا كلل ولا ملل، ويحسبون أنه واجب شرعي لا يمكن التخلي عنه.

فاتضح مما تقدم لا تصالح مع التاريخ إلا بشروط، منها:

أولا: اعادة قراءة التاريخ وفق منهج نقدي، موضوعي، بعيدا عن قبليات الفرد الثقافية والطائفية والمذهبية، لتحري الواقع ومعرفة حقائقه، فقد اختلط الحق بالباطل، وانتشرت أخبار كاذبة وموضوعة إلى جانب الروايات والأحاديث الصحيحة. فأصل النزاع بين الصحابة كان نزاعا سياسية على السلطة، وقد احتكم الكل في تسويته للقيم العشائرية، وهذا ما أكدته جميع المصادر، ولم يحتج أيا من الطرفين بحديث أو رواية عن النبي الكريم تدعم حقه في الخلافة. ومات الرسول ولم يوصٍ صراحة لأحد باسمه. وكل ما فعله الإمام علي عندما سمع بالخبر أنه احتج عليهم بما احتجوا به على الأنصار، وهو مبدأ القربة من رسول الله، فقال: إذا كانت القربى هي المبدأ في اختيار الخليفة، فنحن أولى به. ولو كان هناك نص لاحتج به، وهو في أمس الحاجة له. لكن التاريخ اليوم يروي لنا كما هائلا من الروايات والأحاديث الموضوعة، والتأويلات القصرية لكتاب الله من أجل نصرة أحد طرفي النزاع. فالنقد الموضوعي سيكشف عن الحقيقة، وحينئذٍ سيعرف الجميع ملابسات الواقع التاريخي، وتخمد روح الثأر، وتتهيأ النفوس للمصالحة والسلم.

ثانيا: رقي وعي الفرد والمجتمع، في تعاملهم مع الأحداث التاريخية وفق رؤية قرآنية: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ). وهذا يقتضي فك الارتباط بين الحاضر والماضي، وعزل هيمنة رجل الدين عن الخطاب الديني. وعدم ربط المستقبل والحاضر بالماضي وأحداثه، بعد تجريد الخلاف من أبعاده الدينية التي لحقت به بدوافع أيديولوجية، وطائفية، ومذهبية.

 فتفكيك الصورة الذهنية الراسخة في المخيال الشعبي، وردم روافدها التراثية، من خلال النقد والمراجعة، سيساعد على تصالح حقيقي مع التاريخ، ويجسّر الهوة النفسية تجاه الآخر، بعد إبعاد رجل الدين الذي دأب على إدانته، وتحميله وزر ما حصل تاريخيا خدمة لمصالحه الطائفية والشخصية. للأسف الشديد بات منبر الوعظ والخطابة عبئا على وحدة المسلمين، ومصدر قلق دائم للمجتمع، يؤجج روح الكراهية، ويكرر خطاب التنابذ والاقصاء فيحول دون التصالح مع التاريخ.

نعود للسؤال: (كيف يمكن ان نجد سبيلا للخروج من مأزق التأريخ.. الصحيح منه والمزيف؟):

اولا: يمكن التصالح مع التاريخ المزيف من خلال مراجعته ونقده وفق مناهج علمية، ومصادر تتسم بقدر أكبر من الموضوعية، وحينما نكتشف تزويره تنهار سلطته تلقائيا، ويبقى مهملا كتراث، يعبّر عن ظرفه، ومستوى ثقافته، وعوامل بلورته، ومدى تغلغل العامل الطائفي والسياسي في صياغته. خاصة ونحن نعلم حجم الوضع والتزوير في التاريخ من خلال قرائن خارجية، ونصوص صرّحت أو وشت بذلك. فالنقد والمراجعة أداة ماضية لتفكيك التاريخ وإعادة بنائه، وفق معلومات صحيحة، يمكن تحريها بمنهج مقارن، وقرائن تاريخية، عبر تحليل الوضع الديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي آنذاك. فثمة عوامل كثيرة تلعب دورا سلبيا في كتابة التاريخ، فينبغي ملاحقة المهمل والمهمش والهامشي من الأخبار، ودراسة الشخصيات الثانوية، والقابعة داخل الدولة العميقة، والأشخاص الذين لعبوا في الظل دورا خطيرا، وهم حاشية السلطة، وحواشي قيادات المعارضة. وعدم تغافل الدور العقيدي والمذهبي والطائفي، الذي ضخ عددا كبيرا من الأخبار الموضوعة، خدمة لعقيدته، وانتصارا لمذهبه.

ثانيا: يتوقف التصالح مع التاريخ الصحيح على:

- إعادة كتابة التاريخ بشكل عام، وفرز الصحيح من الخطأ. والكشف عن حجم الزيف والوضع في الروايات التاريخية، والجهود التي بذلت من أجل أدلجة الأحداث والمواقف، مع الفصل بين الديني والسياسي، فالخلط المتعمد بينهما زور الوعي، وطمس الحقائق.

- تنمية وعي الفرد والمجتمع والعقل الجمعي تجاه الأحداث التاريخية، مع التأكيد على فصل الماضي عن الحاضر.

- اعتماد ثقافة جديدة، لا تنتمي للماضي سوى أنه تجربة بشرية يمكن الاستفادة من مقوماتها الإيجابية. وفك الارتباط العقائدي والروحي والنفسي والشعوري مع الأحداث التاريخية.

بهذا الشكل يمكن التصالح مع التاريخ، ليعش الفرد والمجتمع حاضره، ويفكر بمستقبله بدلا من دوامة الماضي، واستمرار جدل عقيم لا يجدي نفعا، سوى المكوث داخل التاريخ.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

majed algharbawi6salam kadomfarajخاص بالمثقف: الحلقة الثانية والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة الأديب والكاتب الأستاذ سلام كاظم فرج.

 

س56: سلام كاظم فرج: أديب وكاتب / العراق: نسبية مفهوم التسامح .. (نظرة على ضفاف الحوار مع الأستاذ ماجد الغرباوي).. 

بالرغم من متاعب صحية عابرة أمر بها، كان لي شرف الاستمتاع بالحوار المعرفي المفتوح مع الأستاذ ماجد الغرباوي حول مفهوم التسامح كمصطلح اجتماعي، سياسي، وسايكولوجي، وقد سبق لي أن قرأت كتابكم القيم التسامح ومنابع اللاتسامح .. فرص التعايش بين الأديان والثقافات. وكتابكم الضد النوعي للاستبداد .. استفهامات حول جدوى المشروع السياسي الديني. وانتبهت الى أطروحة مهمة في ثنايا الكتابين: (إن التسامح ليس منة نمن بها على الآخر بل هي حق إنساني مكتسب نحقق بها إنسانيتنا ونؤكد من خلاله هذه الإنسانية..).. وقد أعدتم صياغة هذه الأطروحة في ردكم على سؤال الشاعر سامي العامري.. وقد شحذ سؤال الشاعر العامري وجواب الباحث الغرباوي.. أسئلة راودتني وأنا أتصفح ردودكم القيمة على أسئلة الأخوة المحاورين، وجدت من المفيد أن أتوجه بها إلى جنابكم الكريم:

عن نسبية مفهوم التسامح.. رغم ما قد يخطر في البال عنه بأنه قيمة مطلقة.. أطروحة الأستاذ الغرباوي تتجه صوب حتمية التسامح وضرورته إنسانيا..

 سؤالي: كيف يمكن أن نحل إشكالية النسبية في مصطلح اتفقنا على إطلاقه؟.. بمعنى أن ما هو متاح في عالم ما، ربما لا يكون متاحا في مكان أو زمن مختلف.. نسبية الزمان والمكان والأعراف.. نسبية صحة التقاليد .. وأنواع الايمان .. ومدى تحمل الآخر . ناهيك عن التسامح معه.. على سبيل المثال. في المزارات الدينية.. حيث يفرض نوع من الحجاب على السيدات.. هل المطلوب هنا أن تتسامح السيدة مع العرف السائد فترتدي الحجاب أم المطلوب من القائمين على العرف أن يتسامحوا مع سيدة اعتادت على أن تسفر عن وجهها وشعرها؟

 

ج56: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأخ الأديب والكاتب الأستاذ القدير سلام كاظم فرج. أسأل الله تعالى أن يمن عليك بالعافية وطول العمر بصحة وسلامة، كي تواصل مشاريعك، فنحن بحاجة لمثلك من المثقفين المستنيرين. شكرا لأسئلتك المهمة.

الجواب يتطلب عودة لتعريف التسامح ومستوياته وشروط أدائه، لتحري مديات شموله لأمثلة السؤال، ومعرفة ما هو مطلق ونسبي في أبعاده.

يقصد بالتسامح إصطلاحا: (الاعتراف بالآخر، شريكا بالحقيقة، مهما كانت نسبتها). فهو تسامح حقيقي، ونسق قيمي، معرفي يصدر عنه موقف إيجابي متفهم من حرية العقيدة والفكر والرأي، يسمح بتعايش مختلف الرؤى والاتجاهات بعيدا عن الاحتراب والاقصاء، على أساس شرعية الآخر دينيا وسياسيا وضمان حريته في التعبير عن آرائه ومعتقداته.

فالتسامح الحقيقي ينفي احتكار الحقيقة والاستئثار بالنجاة لطرف دون آخر. على الضد من المذاهب والفِرق الكلامية التي تحتكر الحقيقة، وتحكم بردة الآخر وكفره وحرمانه من النجاة، لكنها تتسامح معه شكليا لضرورات أخلاقية أو اجتماعية وأمنية بل وحتى دينيا. لذا يتوقف قيام المجتمع المدني واستتباب الأمن الأهلي على التسامح الحقيقي. ولا يراهن على تسامح شكلي يرفض مقوماته، كالمواطنة والتعددية وحرية الاعتقاد والرأي. فهو تسامح قلق، ينهار في أول احتكاك ديني أو مذهبي أو طائفي.

فالتسامح الشكلي يكرّس منطق الفِرقة الناجية، ويسمح بإقصاء ونبذ وإلغاء الآخر، ما دام قائما على المنّة والتكرّم. وكل من يتسامح أخلاقيا أو دينيا، يضمر احتكاره للحقيقة والنجاة، وينفي الآخر في أعماقه.

التسامح الحقيقي وليد بيئة أخرى، نشأ وترعرع في ظل تنظير مستمر على يد فلاسفة ومفكري النهضة الأوربية، كالفرنسي فولتير (1694 –1778م)، كاتب وفيلسوف عصر التنوير. فهو مصطلح ضمن منظومة قيم ومبادئ وأفكار المجتمع المدني. فالتسامح لا يكون فاعلا خارج بيئته وأنساقه المعرفية، كالمجتمعات الطائفية. فمن يحتكر الحقيقة يستبطن نبذ الآخر، ورميه بالردة والكفر والخسران يوم الحساب. فيتنافى مع قيم التسامح الحقيقي.

وهكذا بالنسبة للمفاهيم الأخرى التي تتوقف عليها فعلية التسامح كالتعددية، وحرية الاعتقاد، والرأي، فجميعها لا يعمل خارج بيئته. وحينما أكتب عن التسامح لا أتجاهل شروطه. وأعلم جيدا لا فاعلية له خارج منظومة القيم الحضارية الغربية، وما يرتبط بها من مفاهيم: (مجتمع مدني، حرية، تسامح، ديمقراطية، ليبرالية، علمانية، تسامح، تعددية، سياسية ودينية). فبيئته تضمن شروط فعليته. لذا أدعو دائما إلى عقلانية شاملة، تُعيد تشكيل العقل، وتتولى تبيئة القيم الحضارية الحديثة، معززة بما يجود به التراث من قيم دينية تحتضن التسامح الحقيقي الذي بات ضرورة قصوى بعد موجات العنف الطائفي وحجم الخسائر والتداعيات الكبيرة، وحياة الرعب التي عاشتها شعوبنا. ولا تسامح ما لم تكتمل شروطه، وهي سهلة في ظل انتشار شامل للعقلانية، والارتكاز للعقل والمنطق في فهم الدين ودوره في الحياة. لا سيما في تراثنا عناصر يمكن توظيفها في تحديث وعي المجتمع واعادة تشكيل عقله ومشاعره. غير أن هذه المهمة تبقى عسيرة ما دامت الأصنام ثاوية في أعماق العقل، وما زالت الأوثان سلطة توجه وعي الناس. فيبقى الرهان على النقد لتحطيم القوالب الفكرية والعقيدية، وسلطتهما المعرفية العتيدة، كخطوة تمهيدية لتسامح فاعل في ساحتنا العربية والإسلامية. وبالتالي فمن الخطأ استنبات قيم داخل بيئة خارج بيئتها، ما لم تكتمل جميع شروطها. لذا تجد تشوهات فكرية في مفاهيم راحت تتبناها بعض الأنظمة السياسية، كالديمقراطية أو التعددية أوالتسامح، سببها عدم وجود بيئة ملائمة، واستخدام خاطئ لأدواتها. إن عمليات التلفيق لا تنجح في تطويع مفاهيم الحضارة الغربية، لذا فشلت مشاريع الأسلمة في العالم الإسلامي، لاختلاف الثقافات والبيئات، وحاجة المفهوم إلى بيئة وثقافة مناسبة لعمله. فتبيئة المفاهم خارج مناخها الثقافي تحتاج أرضية ملائمة، وهي مفقودة، ما لم يُعد تشكيل الثقافة والعقل الاسلامي، بعد تجريده من سلطة التراث والموروث وتقديم فهم مغاير للدين ودوره في الحياة.

إن التسامح الحقيقي نسق قيمي وأخلاقي يراد إحلاله محل النسق الذي ما زال يدير حركة المجتمع ويحدد اتجاهاته، وهو نسق وليد منظومة قيم موروثة تشكّلت عبر ماضٍ سحيق، ظل الشعب يتوارثها ويتعهدها ويلتزم بها ويحافظ عليها. قيم تنابذية تتقاطع مع قيم التسامح، وتكرّس العصبية والرفض والاقصاء. فلا يكون التسامح فاعلا مؤثرا في مجتمع ما زال يتعهد تلك القيم الموروثة ويلتزم بها. أي ما زال يتمثلها قيما أخلاقية يستمد منها وجوده ومكانته داخل الوسط الذي يعيش فيه. ولا يمكنه التخلي عنها او التنكر لها، لأن في ذلك – كما يعتقد - مصادرة لموقعه وقيمته ورمزيته التي هي رأس ماله الاجتماعي، وعلى أساسها يقيم علاقاته ويتخذ مواقفه من جميع القضايا، بل ويعتقد أنها أساس وجوده وهويته.

اليوم ذات المسلم لا يمكنه التحرش بطقوس موضوعة، يعتقد بقدسيتها عموم الناس، فكيف نستدعي قيما أخرى تقع على الضد من ثقافتنا؟. بل حتى الحكومات تجامل العرف ورجال الدين في سن قوانين تحمي طقوسهم ومعتقداتهم الخاطئة. أو تغض الطرف عن ملاحقتها وتفتيتها. نعم يمكن توظيف عناصر القوة في تراثنا في عملية التحديث الحضاري. فقيم التسامح مثلا ليست غريبة تماما على بيئتنا، وقد أشرت لبعض جذورها العقيدية. فيمكن تأسيس ثقافة تسامحية ترتكز إلى فهم آخر للدين، والمقدّس والتراث. وتبقى مثاليته متوقفة على فعلية شروطه.

فقلق السؤال مشروع جدا. فما لم يُعد النظر في فهم الدين، والعادات والتقاليد والثقافة والفكر لا يمكن تطبيق مفاهيم حضارية وليدة بيئة أخرى. ويتعذر إعادة تشكيلها وفق مقاسات بيئتنا. فإما أن تتبناها وفقا لشروطها، وتعمل على تمهيد مناسب لاحتضانها، أو عدم التورط معها.

إن ما كتبته حول التسامح كان ضرورة تنظيرية في إطار محاربة العنف للتخلّص من لغة الاقصاء والتنابذ والتكفير، وحديث الفِرقة الناجية، واحتكار الحقيقة. وأما الجانب التطبيقي فيتوقف على تفاعل المجتمع مع ثقافته وقيمه، ليتجسد التسامح مشاعر وسلوكا فرديا واجتماعيا. فالبعد التنظيري للتسامح الحقيقي كان ضرورة لمحاربة العنف القائم على مفاهيم دينية خاطئة. خاصة ونحن نحتاج لتأهيل ثقافي، يمهّد لقيم حضارية جديدة. ثقافة تتوخى شرعيتها من إعادة فهم الدين، وفق متطلبات العصر والزمان، وضمن منطق الكتاب الكريم، ومقاصد الشريعة وغاياتها.

وبكلمة مكثفة: التسامح الحقيقي، مفهوم يعمل ضمن منظومة فكرية متكاملة، يرتبط بعضها بالآخر. يمكن توظيف بُعده المعرفي المطلق خارج إطار بيئته، لتفتيت عقيدة الفِرقة الناجية. وتتوقف فعلية تجلياته  السلوكية على كامل شروطها. فالتسامح الحقيقي قادر على تفكيك بنية العقل الطائفي وإعادة تشكيل وعيه للحقيقة وطرق الوصول إليها، لكنه لا يتجلى ثقافة وسلوكا إلا ضمن بيئته ومنظومته المفاهيمية.

فالتسامح، وفقا لما تقدم، ينقسم إلى قسمين:

الأول: تسامح حقيقي: يشتمل على بعدين:

- بُعد معرفي، يرتكز إلى: نسبية الحقيقة، ونسبية المعرفة الدينية، والتلازم الضروري بينه وبين الحرية الشخصية. فيتجرد تلقائيا من مشاعر الكراهية والتنابذ، ليكون مطلقا لا يُخصص، ولا يصدق إلا بصدق قيمه المعرفية التي هي أساس حقيقته.

- بُعد سلوكي، تتوقف فعليته على فعلية منظومة قيم المجتمع المدني. فهو نسبي تتوقف مصداقيته على مستوى فعلية ما يرتبط به من قيم حضارية، ولا يصدق حقيقة إلا بفعليتها واقعا.

الثاني: التسامح الشكلي، تسامح أخلاقي قائم على المنّة والتكرّم، يكرّس قيم التفاضل على أسس دينية أو طائفية أو مذهبية أو عنصرية. يكرّس لا شعوريا مشاعر الكراهية والتنابذ. ويخلق شخصية منافقة، تستبطن غير ما تظهر، فهو تسامح قلق، لا يساعد على قيام مجتمع متسامح حقيقة. بل ويهدد سلامة المجتمع في الأزمات السياسية والاجتماعية والدينية والمذهبية.

فأمثلة السؤال تنتمي للجانب السلوكي من التسامح الحقيقي، الذي تتوقف فعليته على فعلية منظومته المفاهيمية. فلا سلوك تسامحي بمعزل عن ثقافته وبيئته، وفعلية مفاهيم منظومته، كالمواطنة، والتعددية، وحرية العقيدة والرأي. فيكون التسامح حقيقيا متجسدا ثقافة وسلوكا حينما تكون عناصر المجتمع المدني الأخرى فعلية أيضا. فالتسامح مع تقاليد وأعراف ثقافات وديانات أخرى، يتوقف على إيمان المجتمع بقيم المجتمع المدني. فالإطلاق في التسامح ناظر لبعده المعرفي، وهو تسامح حقيقي يرتكز لمبادئه المعرفية. وأما التسامح في بعده السلوكي فيكون حقيقيا عندما يعمل ضمن منظومته المفاهيمية في إطار مجتمع مدني. وشكليا خارج أسوار المجتمع الحضاري.

فعندما يكون التسامح حقيقا، فاعلا، كما في الغرب، يستوعب حاجة الآخر لممارسة طقوسه وعاداته وتقاليده، وديانته، وعباداته. فتجد تجاور دور العبادات في كل مكان. وتلمس حرية العقيدة بطيفها العريض، وحرية الرأي والتعبير كيف تؤدي رسالتها في النقد والتقويم والمحاسبة. والجدل الفكري والعقيدي والفلسفي كيف يتطور في أحضان التسامح الحقيقي. بل الأجمل شعور التسامح نحو الآخر، فالجميع مواطنون يتمتعون بكامل حقوقهم، ويؤدون جميع واجباتهم. تطفح في لقاءاتهم روح المودة. وهذا لا ينفي وجود متطرفين وعنصريين، لكن السياسة العامة، وثقافة المجتمع تقوم على التسامح الحقيقي في كل شيء. أما في مجمعاتنا فلا يصدق سوى التسامح الشكلي، تسامح المنّة والتكرّم والتفضل. يَدٌ عليا تَمُن وتعفو، وأخرى سفلى تتلقى وتشكر. يتسامح معك ظاهرا، ويضمر في أعماقه نفيك وكراهيتك.

وعودة للسؤال: يبقى التسامح مطلقا في بعده المعرفي، ويتجلى سلوكا في إطار بيئته، واكتمال شروطه، فلا نسبية في بعده المعرفي، وتتراوح تجلياته بين التسامح الحقيقي والشكلي. وما كتبته عن التسامح في بعده المعرفي، تمهيدا لثقافة التسامح، استهدف اللامفكر فيه، والمقدّس، لنقده وزعزعته، خاصة ما يتعلق باحتكار الحقيقة، واحتكار الوصول لها، التي هي أساس التباغض، والاقتتال الطائفي، وهذا القدر يمكن للتسامح أن ينشط فيه حتى خارج بيئته، لكنه ينتكس حينما يقارب البعد السلوكي لتلك الأفكار، فهدف التسامح هو تفكيك العقل وإعادة تشكيله، وفق فهم متجدد للدين ودوره في الحياة. فالتسامح كقيمة حضارية معرفية مطلق، وقد تصدق نسبيته في الجانب السلوكي. فلا يجامل في نسبية الحقيقة وتعدد الطرق إليها. ولا يؤمن بوجودها خارج خيال الإنسان، وتختلف باختلاف قدرته على تصورها ورسم ملامحها. فالتسامح الحقيقي يعتمد العقل في فهم الحقيقة وطرق الوصول إليها، ويرفض الاستسلام لأي معرفة لا تخضع لمنهجه. فيستبعد اللامعقول والخرافة والأوهام وكل ما لا يتعقله.

بينما المعرفة الدينية معرفة جاهزة تستبعد العقل والتفكير العقلي على خلفية وجود عقول كاملة ومعصومة، تفكر بالنيابة عنا، فتكون معرفتها مطلقة، تقتصر دورنا على الانقياد والتبعية وعدم التمرد والاكتفاء بالتفسير والتأويل لأقوالها ونصوصها!!. وهذا فهم مبتسر، فالمعرفة الدينية معرفة نسبية، ويكفي طيف الاختلاف بين المجتهدين والمفكرين والمفسرين حول نفس القضايا. فينبغي اعادة النظر في مصادر المعرفة، ليكون العقل فوق النص، به نفهم النص وغاياته ومقاصده. وعلينا الكف عن أسطرة الرموز، وصناعة الإنسان الكامل.

شخصيا لا أذهب لنسبية الحقيقة مطلقا، فكما هناك حقائق نسبية، لا تطابق الواقع، بل مختلقة وفق مقاسات طائفية ومذهبية ودينية، لكن لي أدلتي على وحدة الحقيقة (الكبرى) مع تعدد الطرق إليها بالنسبة لله تعالى. فحقيقة الخالق تعالى بالنسبة لي خارجية، ثابتة، سواء أدركها الإنسان أم لم يدركها، مع تعدد الطرق إليها، ولا أتعصب لطريق واحد دون غيره. بل (الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق). ولكل شخص تجربته الروحية مع الله ومع الحقيقة، ولكل فرد مشاعره في التفاعل معها، وهذا معنى تعدد الطرق إليها، ولا يوجد من يحتكرها ويحتكر الوصول إليها. وجميع الاجتهادات صحيحة شريطة صحة مقدماتها علميا. فلا إشكال في جواز التعبد بالمذاهب الإسلامية.

ثم الإيمان بالله كحقيقة مطلقة لا يتنافى مع فلسفة التسامح القائمة على نسبية الحقيقة، بل يبقى احتمالها ثابتا، بالقوة لا بالفعل، مهما كانت ضآلة الاحتمال، ما دام الوصول إليها ممكنا عندما يتحرر العقل من قبلياته. فشرط إطلاق الحقيقة، إمكانية الوصول إليها عبر مختلف الأدلة، مباشرة أو بصورة غير مباشرة. فيتحقق الاحتمال، شرط صدقية التسامح الحقيقي.

لا يوجد مذهب حق مطلقا وآخر باطل مطلقا، ويبقى الإنسان رهن عمله وسلوكه وإيمانه، وعلاقات التنابذ بين المذاهب الدينية تدور حول حقائق مختلقة ليس لها رصيد واقعي، سوى روايات مكذوبة. فلا عقاب في الآخرة سوى للمتمرد على الحقيقة، العارف بها، وبتفاصيلها، مَن يشمله قوله تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا). فأعمال الناس تقع صحيحة إذا توفرت على شروط صحتها، كما أن القطع واليقين والجزم في العقائد حجة، بل حتى اليقين التراكمي حجة، منجّزة ومعذّرة. فلا مبرر لتكفير الآخرين مهما اختلفنا معهم عقيديا أو فقهيا. وطالما تمنى أتباع الديانات الاستئثار بالنجاة يوم القيامة، فردهم الكتاب الكريم: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير).

ثم مقتضى الحرية الشخصية لجميع الأفراد وبشكل متساوٍ، الاعتراف بنسبية الحقيقة، وعدم احتكارها لفرد أو طرف دون آخر. فعموم الحرية يعني تعدد وجهات النظر، وتعدد الآراء والعقائد والأفكار، لتعدد مصادرها وقبلياتها وقراءاتها وفهمها، ولازمها نسبية الحقيقة. والتعدد أمر واقع لا مراء فيه، مما يؤكد نسبيتها.

وتجد في القرآن الكريم ما يشعر بنسبية الحقيقة، مهما كان قدرها، وعدم احتكار النجاة في الآخرة: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). فهذه الآية تصرّح بشمول الآخر المختلف دينيا برحمة الله، شريطة الإيمان والعمل الصالح. فلم تسلب الآية منه هويته الدينية على أساس بطلانها بل أكدتها. فرغم اختلاف الأديان أو اختلاف الحقيقة، لكنهم ليسوا باطلا مطلقا، وفرص النجاة متاحة لهم ضمن هويتهم الدينية، دون الانسلاخ من دياناتهم.

وفي قوله تعالى ما يؤكد هذا المعنى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، والاسلام مفهوم يشمل جميع أتباع الديانات الثلاثة، (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ). بل يشمل المفهوم كل من أسلم وجهه لله (|فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ). فالتسليم لله تعالى، يحقق بنفسه شرط التسامح الحقيقي.

بل أن احتمال الحقيقة ممكن لدى مطلق من يؤمن بوجود خالق مهما اختلفت صورة الإله في مخيلته. فالخالقية ستحقق احتمال الحقيقة مهما كانت ضآلته، وحينئذٍ يصدق التسامح الحقيقي وفق فلسفته القائمة على الاعتراف بالآخر شريكا بالحقيقة، مهما كانت نسبتها. وهذا ما بينته في كتاب (التسامح ومنابع اللاتسامح، فرص التعايش بين الأديان والثقافات): وبالتالي فالاعتراف ينفي المنة والتكرم في التسامح (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).

ثم تأتي آية: (لا إكراه في الدين) لتؤكد حرية الإنسان في الاختيار (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). وأجد في الآية التالية اعترفا صريحا بالآخر، ما يؤكد شرعيته من حيث ارتكازه لعقيدته القائمة على الدليل والبرهان، رغم عدم إيمان الإسلام بها. فهي مشروعة لشرعية العملية الفكرية، لذا قال تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). فهذه الآية تعترف بحرية العقيدة، لأن قوة العقيدة في الاختيار لا بالتلقين والإملاء. الثانية تخلق لنا عبيدا، وأداوات يوظفها المستبد والطاغية ورجلا السلطة والدين لتحقيق أهدافهم.

وأما ما ذكرته في سؤالك حول غطاء الرأس أو اللباس الشرعي الديني، فيخضع لقوانين دينية وبروتكولات متعارفة في جميع أنحاء العالم، فمن تُقابل بابا الفاتيكان تلتزم بغطاء الرأس، تعبيرا عن احترامها وتقديسها. فهذه قضية إجرائية رغم ارتباطها بالتسامح الديني. فغطاء الرأس في إيران قانون، يشمل كل امرأة داخل إيران، فمن تأتي لزيارة البلد تتقيد بقوانينه. فلا معنى للتسامح ما دامت القضية قانونية، فنحتاج إلى إعادة النظر في أصل القانون. وأيضا عندما تدخل المرأة المشارف المقدسة عند الناس، يجب عليها احترام أعرافهم، كقانون متفق عليه ضمنا بين الشعوب، والأماكن المقدّسة، رغم الاستثناءات.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الحلقة الواحد والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق4) من أسئلة الشاعر والكاتب الأستاذ سعد جاسم.

 

 

س54: سعد جاسم: تعاني المثقفة العربية من عدّة مشاكل وإشكاليات جوهرية، فما هي برأيك أبرز هذه المشاكل والإشكاليات؟

ج54: ماجد الغرباوي: أهم إشكالية تواجه المثقفة العربية تحرير العقل الجمعي من ذكوريته وسلطويته واستخفافه، ليرقى إلى مستوى إنسانيته في تعامله معها. مع تعميق ثقتها بذاتها وبمنجزها، بعيدا عن تاء التأنيث، تحاشيا لاعادة انتاج الذكورة من خلال تكريس الأنوثة. وهذه اشكالية مركبة، تتطلب من المرأة عملا مزدوجا. تنقية العقل الجمعي من قيم التمايز الجنسي، وتأكيد إنسانيتها، من خلال مواقفه ومنجزاتها بعيدا عن التكريس اللا شعوري للأنوثة. فتارة تكرّس المرأة الذكورة وهي تقاوم تحدياتها، فتعيد انتاجها بصيغ مختلفة. وهذا ما يحصل حينما تصرّ المرأة على تأنيث منجزها تفاخرا أو تحديا، أو تكريسا لخصوصيتها، ليبقى المجتمع العربي في دوامة ثنائية المرأة / الرجل. الذكر / الأنثى. وتبقى نبرة الرجل تعلو صوت المرأة، رغم حضورها الكبير على المستوى العلمي والأكاديمي والاجتماعي والثقافي والأدبي والفني. بل ونافست الرجل في أعلى مناصب القيادة عندما مارست السلطة والحكم (رئيسة دولة أو رئيسة وزراء)، أو كوزيرة ومستشارة، ومديرة، ورائدة فضاء، وبرلمانية.

تعود النظرة النمطية الراسخة في العقل الجمعي إلى سببين:

 الأول ذاتي، يرتبط بنظرة المرأة لنفسها، وكيفية تعاملها مع القيم والعادات والتقاليد ونمط الترهيب الذكوري. فتارة تخطئ المرأة المثقفة في تشخيص أولوياتها، فتنحاز مثلا لقيم المساواة أو التحرر المطلق، كخيار لفرض نفسها، فتنسى تكوينها البايولوجي، وقدراتها الجسدية، التي تفرض أحكامه، فليست المساواة دائما هي الحل، بل في العدالة ضمان لحقوق الطرفين. فلا مصادرة لحريتها وإرادتها، في عدم إناطتها بأعمال شاقة تفوق قدراتها، بل مقتضى العدالة مراعاة تكوينها البايلوجي، وقدراتها الجسدية.

فعليها المثابرة، وتعميق ثقتها بنفسها، وبدورها للحياة، كي تكون منضبطة في أدائها الثقافي والاجتماعي، فبعض المثقفات يخذلهن الوعي في تقدير الأوضاع، وتحديد سقف مطالبهن وأهدافهن، فمثلا الحرية المطلقة في مجتمع محافظ، يعد أمرا تعجيزيا، ينبغي عدم إدراجه ضمن قائمة اهتماماتهن راهنا. خاصة أن تطور المرأة وإستعادة إنسانيتها كاملة لا يتوقف على مطلق حريتها، بل يتوقف على مدى تفهمها لدورها في الحياة، وكيفية تعاملها مع الرجل والعقل الجمعي، بشكل تدفعه لاعادة النظر في نظرته النمطية عن المرأة، بشكل عام والمرأة المثقفة بشكل خاص. وقيمة المرأة المثقفة، بوعيها وثقافتها، وما تحمله من قيم ومبادئ واستنارة، تُدرك بها حقائق الأمور التي يمكن أن  تتخذ في ضوئها موقفا صائبا. فالرهان دائما على الثقافة والوعي، رغم أهمية التربية والبيئة والمجتمع. فليس الانفلات دليلا على تطورها، ولا يكشف الإلتزام عن تخلفها. وتبقى مصدافيتها رهن وعيها، خاصة المرأة المثقفة. لقد كانت المرأة مقدسة في ظل مجتمع إنساني طواه التاريخ، وكانت تُعبد من دون الله باعتبارها أصل النوع البشري، فهي خير وعطاء وحرمة وانجاب. بل أن جميع المؤنث لكلمة إله يدل على قوة حضور الإله الأنثى.

وبالتالي كما أن الرجل مطالب بنظرة أكثر إنسانية وإيجابية للمرأة، وتقييم منجزها وفقا لضوابط الإبداع، والقيمة الحقيقية لمضمونه، فالمرأة أيضا مطالبة بالتركيز على ذات المنجز، وعدم الاصرار على هويتها الأنثوية، كي لا ينقلب الإصرار إلى تحريض ضدها. فتحتاج المرأة المثقفة إلى تجاوز عقدة الأنوثة، والحد من الهيمنة النفسية للذكورة، وتضخّم صورة الرجل في مخيالها. وبحاجة إلى إعادة تقييم، والتخلّص من رهاب الفحولة، بعد أن قطعت البشرية شوطا على طريق تحرير المرأة وحقوق الإنسان. ورغم كثافة البؤر الاجتماعية المتخلفة في بلداننا، لكن ثمة أمل بقدرة وسائل الاتصال الحديثة والانفتاح الثقافي بين الشعوب. أحيانا عقدة الذكورة تخلق نرجسية مضادة لدى المرأة المثقفة، بشكل تتلاشى فيه أجواء التفاهم بين الجنسين، خاصة حينما تستغرق في شكوكها وعدم ثقتها.

المرأة المثقفة لا تواجه جسدا رجوليا، بل منظومة قيم معقدة، نسجتها ظروف اجتماعية وسياسية ونفسية أفضت إلى تمادي الرجل في استغلال تكوينها البيولوجي لينفرد بالقرار وحق تقرير المصير. وحينما تؤسس القيم داخل البنى الفكرية، وتعشعش في تلافيف المهيمن الثقافي، وتستوطن مساحة واسعة من اللاشعور، تتجلى في تفكيرهما وسلوكهما. فثمة أنساق غاطسة تتدخل في تشكيل العقل، وتمارس سلطتها على المشاعر والأحاسيس، والإنفعالات. وتظهر بقوة في حالات العصبية والمواجهات الساخنة بين الطرفين. فنحن بحاجة إلى إعادة تشكيل العقل العربي، وفق قيم حقوق الإنسان، ومبادئ الحرية والتسامح، ووحدة الجنس البشري. بمعزل عن التراث والقراءات المبتسرة للنص الديني المقدس. بطريقة ينقلب الفهم الديني الجديد من ضد إلى مع مبدأي المساواة والعدالة الاجتماعية.

والمجتمع مطالب بتنقية مفهوم المرأة من شوائب النظرة القاصرة، وتجريده من قيم الاستعباد والاستغلال والقمع والفحولة، لزرع الثقة في نفوس الأجيال التي تتولى المرأة تربيتها. فاستعادة إنسانيتها يعود بالنفع على عموم المجتمع. كما ينبغي للمرأة المثقفة إشعار الرجل بدورها الذي يتقصد الرجل تجاهله والاعتراف به، بدافع أناني مقيت.

 والثاني موضوعي، تكرّسه مختلف الظروف المحيطة بها، فما زال الوسط النسوي المثقف، باعتباره جزأ من الوسط النسوي العالمي، يعاني الاضطهاد والتمييز والقمع في أغلب الدول العربية، وما زالت هناك قوانين تقمع حركاتها وتألقها. سببها قبليات المجتمع ورؤيته للمرأة ودورها الاجتماعي، وهي نظرة شاملة لم تستثنٍ المرأة المثقفة. لأنها رؤية مؤسسة على ثقافة، تختزل المرأة في إنسانيتها. وتسيء الظن بعقلها وقدراتها، بل وتعتبرها قاصرة تفتقر للرعاية والقيمومة والتدبير، فلا يسمح لها ممارسة حرياتها خارج أسوار البيت وأسيجة الزوجية وقيود الأمومة. وهذا ما تعانيه المرأة المتطلعة لأفق التحرر والحرية كي تمارس دورها في الحياة، وتقوم بمسوؤلياتها، إنطلاقا من مبادئها ورسالتها.

لكن ماذا تفعل، ولم تشاهد تغييرا في رؤية المجتمع للمرأة، بل ورؤية المرأة لنفسها، حيث انكفأت، في بعض الأوساط، تعين الرجل على قمعها وتحجيمها، وتبديد حقوقها، بدوافع اجتماعية وأخرى دينية، حتى انقلب تذمرها إلى قناعة راسخة ترفض التمرد والخروج على سلطة الرجل والمجتمع. وهذا لم يأت من فراغ، فإضافة إلى ثقافة المجتمع والعقل الجمعي الذكوري، جاء دور الخطاب الفقهي، الديني، التراثي، وجاء دور الحركات الإسلامية التي تبنته حركيا، فلا نُخطئ إذا قلنا: إن الفكر الحركي كان بالنسبة للمرأة أفيونا حقيقيا فاقم مشاعر النقص والتضاؤل أمام سلطة الرجل، بعد أن أسست تلك الحركات لسلطته، وأكّدت وجود فارق نوعي بينها في ظلّ فهم خاص للآيات والروايات. فكانت تلك النصوص سلاحا ماضيا أغرت الرجل في طغيانه واستبداده. فما زالت أدبيات الحركات الإسلامية تلهج بتساوي المرأة والرجل في العبادات والواجبات في الدنيا، والمساواة بينهما يوم الجزاء، بينما تقوم بتأويل حقوقها بطريقة تسلبها إنسانيتها، وبالفعل انطلى الزيف الفكري عليها وبقيت المرأة قابعة في إتون الأعراف والتقاليىد، وما زالت بعض النساء تأنس كونها: ناقصة، نصف إنسان، عورة، منبوذة في أيام عادتها، شيطانا مغريا، تحتاج إلى مدبّر، وصغيرة تروم قيـّما عليها، لا يجوز لها الحديث مع الرجال خوفا من إغرائهم أو فسادها، لا يحق لها مخالطة الآخرين مخافة أن تفقد شرفها وعفتها، لا يسمح لها بمجالسة الناس لأنه خلاف الأعراف والتقالىيد، لا تؤتمن على دين، ولا تؤتمن على شرف، دائما في دائرة الشك والريبة، ودائما عليها أن تُثبت نقاءها وعذريتها. لا ثقة بها في أداء عمل سوى عمل البيت وحُسن تبعلها، ولا يُطمأن لها على سرّ لعدم الثقة بها. يجب أن تسير خلف زوجها، وتتعهد بتربية أطفاله وتدبير بيته، والصبر على نزقه والسكوت على فعاله. ومشاركته أحزانه دون أفراحه وملذاته. ليس لها حق مساءلته، وله حق التحقيق معها في كل شيء، لا تعرف شيئا عن سلوكه، لكن ليس لها حق الخروج من الدار إلا بإذنه. نظرتها ريبة، وابتسامتها شبهة، وضحكتها خيانة!، وتودّدها لزوجها وحبها له ضعف، لذا ليس للمرأة سوى بيتها ومن ثم قبرها، حتى أن بعض الأوساط الشعبية ما زالت تتباهى بالمرأة المخدّرة، وتعتبرها فضيلة لا تدانيها فضيلة، فالمرأة لا تخرج من بيتها إلا مرتين، واحدة إلى بيت زوجها وأخرى إلى قبرها. هكذا تؤسس قيمنا الاجتماعية للتخلف وتعطيل طاقات المجتمع، وتشيع الكآبة والبؤس والجهل والأمية والكبت والانحراف المستتر، وتحمل المرأة مسؤولية الخطيئة التاريخية للرجل. وليست الأعراف والتقاليد بل الفقه الإسلامي ساهم بقوة في تكريس نظرة الاختزال للمرأة، عندما يرفض إعادة النظر في بعض الأحكام التي تخص المرأة وفقا لفعلية موضوعاتها. بل الأبعد من الفقه هي نظرة الشعوب السابقة، لا فرق بين دين وأخر، ولا فرق بين حضارة وأخرى. فكان العربي يبادر لدفن الأنثى تخلصا من عارها.

هذه الثقافة تؤثر سلبا على المرأة المثقفة، وتجعل علاقتها بوسطها علاقة إشكالية، فكيف تقنعه بكمالها، وإنسانيتها، وخطأ الانطباع النمطي حول قدراتها العقلية؟. أجد الأمر صعبا لكنه ليس مستحيلا على المدى البعيد، خاصة عندما يتعاطف معها الوسط المثقف، وتساعد وسائل الإعلام الحديثة في تأسيس ثقافة، تستعيد بموجبها المرأة مكانتها وإنسانيتها.

لا أبالغ أن القراءة المتجددة للنصوص الدينية، مع استبعاد النصوص التراثية، ستساهم بشكل فعال في تغيير نظرة المجتمع للمرأة، ويبقى الرهان على مواصلة نقد القيم السائدة حولها. فدور القيم الاجتماعية تارة تكون أخطر من دور النصوص الدينية والمرويات التاريخية.

فالخطوة الأولى التي تحتاجها المرأة المثقفة أن يعيد الوسط الذكوري تشكيل ثقافته وفق نظرة عصرية تقوم على مبادئ حقوق الإنسان، والعدالة، بعيدا عن الاضطهاد والقمع وسطوة الذكورة القابعة في نفس الرجل. ثم يأتي حضورها الحقيقي من خلال منجزاتها، ووعيها ومواقفها، ليؤكد صدقيتها. وهذه هي الإشكالية التي تواجه المرأة المثقفة كما جاء في السؤال.

 

س55: سعد جاسم: كيف تنظر الى مستقبل الثقافة العربية في عصر المعلوماتية والسوشيال ميديا؟

ج55: ماجد الغرباوي: كان تدشين الأنترنيت انعطافة تاريخية في حياة البشرية، ونقطة تحول، نقلت الحياة من واقعها الحقيقي، إلى واقع افتراضي استوعب كل شيء، فمهّدت الشبكة العنكبوتية لمختلف أنواع التواصل: الثقافي والفكري والعلمي والاقتصادي والسياسي، والحكومي والعاطفي، والأكاديمي، كما ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي "والسوشيال ميديا" في خلق علاقات اجتماعية غير نمطية، تتكيف مع كافة الظروف. وراح تدفق المعلومات يفوق الخيال، حتى بات اقتناء المعلومة يكفيك عناء البحث والتنقيب الآرشيفي من خلال محركات البحث الألكترونية، وبفترة قياسية، قد لا تتجاوز الدقائق أحيانا. وبات التلاقح الثقافي، وتبادل المعلومات، ونقل الأخبار والتقارير يفوق الخيال. فالعالم بين يديك، تتأثر به، ويمكنك التأثير فيه، إذا كنت خبيرا، تتمتع بلياقات إعلامية وقدرات ثقافية وعلمية، وتخطيط استراتيجي، يواكب آخر التطورات العلمية والعلوم الإنسانية كي تتوفر على خبرة في استثمار العالم الافتراضي. وهذا يعني ثمة وجه آخر للأنترنيت يخدم الأهداف الاستراتيجية للحكومات والمؤسسات، ويساهم في تسويق نمط خاص من الثقافة تخدم ذات الأهداف. فما هو مستقبل الثقافة العربية في عصر المعلوماتية والسوشيال ميديا، كما جاء في السؤال؟ وهو سؤال استراتيجي يتعلق بثقافتنا وهويتنا ومستقبلنا وأصالتنا وموقعنا عالميا.

ولكي يكون الجواب موضوعيا، نستعيد صورة العرب في الوعي الغربي القائم على مركزية الرجل الأوربي أو الغربي وهامشية الأطراف، الذين هم نحن. فصورة العربي في وعي الغرب، تعكس صورة الهامش في وعي المركز. فيضفي عليه جميع صفات التخلّف والتوحش، ويرميه بالنقص التكويني، وبؤس الثقافة، وسذاجة العقل. فتقوم العلاقة بين مركز يصدّر المعرفة والعلم والثقافة والتكنلوجية والفنون والحب والجمال والأخلاق، وهامش عاجز، متلقٍ، مستسلم، بسبب خلل معرفي وعقلي وثقافي، يرتبط بقبلياته ومرجعياته العقيدية والفكرية، وطبيعة عاداته وتقاليده وقيمه. فالغرب يصدّر كل شيء، والعرب وغيرهم من الشعوب الأخرى، تستكين وتتوارى وراء تخلفها وتقاعسها. الغرب يصر على رداءة الأطراف، وما زلنا نعاني من عجز ذاتي يقاوم نظرة التحدي، المتعالية، بنرجسية وغطرسة مقيته. خاصة بعد مرحلة داعش التي كرّست صورة وحشية العرب في الوعي الغربي. الغرب يمارس معنا سياسة الإقصاء ونحن فقط نتذمر، عندما نعجز عن إعادة تشكيل الوعي الغربي بنا.

وأيضا صورة الغرب في الوعي العربي قائمة على نموذجية الغرب، رغم عجرفته وتعاليه، بل لا ينسى العربي دور الاستعمار الغربي في تحطيم بنيته المعرفية، واستعماره، وسلب خيراته، لكنه رغم ذلك بات الغرب في وعي العرب هو النموذج والتحدي. هو نموذج إنساني في ثقافته وتقدمه وحياة الاستقرار السياسي والامني التي ينعم بها، ويطمح كل عربي باللجوء لدول الغرب الديمقراطي الآمن. بينما تعيش الدول العربية في دوامة صراع على السلطة، وبؤس ثقافي عيال على المنجز الغربي إلا القليل من الإبداع.

فالمواطن العربي عندما دخل عالم الأنترنيت دخل مبهورا بالغرب وتطوره، مأخوذا بما يشاهده من عالم جديد، فتفاعل معه بثقافة بدائية راحت تتأثر بالثقافة الجديدة، بل راحت تتراجع، وأصابها النكوص المعرفي. بينما كان ينبغي للمواطن العربي أن يعي جيدا طبيعة التعامل مع العالم الافتراضي، فيسعى لتحصين ذاته وثقافته، والحفاظ على هويته وخصوصيته، كي يقاوم تحديات الثقافة الجديدة، وتدفق المعلومات المرعب أحيانا. وهذا هو الحد الأدني، لكنه لم يحصل بشكل كافٍ، وما زال الحضور العربي بحاجة لرفد ثقافي ومعلوماتي واعٍ، يعيد تشكيل الوعي لدى الطرفين. خاصة وعي الغرب بالعرب، بعد كارثة داعش وأخواتها.

 لكن ما حصل أن بعض الأوساط العربية راح يغامر بهويته وثقافته حتى أفرغ محتواها وانساق مأخوذا بثقافة الغرب .. بثقافة من خارج بيئته وتراثه، فأصيب بالتشوه المعرفي والثقافي، وهذا ما تعكسه اهتمامات العرب في مواقع التواصل الاجتماعي، عندما كرّست حضورا ساذجا في ثقافته ووعيه، بين انفتاح حد القطيعة مع التراث وقيمه، أو انكفاء مروّع. الأول لم ينفتح على ثقافة الغرب أو يدرس تاريخ تطوره، ولم يتعلم منهم طرق التطور الحضاري، على صعيد الدولة والمجتمع والثقافة والفكر، مكتفيا باشباع غرائزه، وتحرير كبته الجنسي. والثاني راح يستعرض أنواع التوحش والإرهاب، يتعمد إقصاء الآخر. فكلا الطرفين فشل في خلق وسط مشترك يسمح باعادة تشكيل الوعي الغربي وتصوره عن العرب وتراثه وثقافته. ناهيك عن الجدل العقيم، والتنابذ، والتراشق بالألفاظ، والفضائح السياسية والأخلاقية، وأشياء كثيرة لا ترقى لمستوى أي طموح حضاري.

وأما الطرف الثالث وهو الطرف المثقف، المعني بثقافته وهويته، وكيفية الاستفادة من مواقع التواصل الاجتماعي لتطويرها وتحصينها، وإثرائها فما زال محدودا، إن لم يكن متواضعا قياسا بالآخر، لم يحقق خطوات مهمة، رغم كثرة الصفحات الثقافية. فهامش الحرية الكبير لم يفرز ثقافة مؤثرة، بل وتوارت بفعل قوة حضور الخطاب السياسي، القائم على التنابذ والصراع، وتكريس قيم الاستبداد. وهذا لا ينفي التطور المشهود، لكنه محدود. فالثقافة العربية تغامر بهويتها إذا لم يتدارك المثقفون العرب أمرهم، ويعتمدوا الطرق العلمية في استخدام مواقع التواصل الاجتماعية، لتعميق الثقة بالأوساط الاجتماعية من خلال منجزها وقدراته الابداعية وطبيعة الموضوعات التي يطرحها ويتبناها.

إن تمادي قيم العنف والتنابذ والاستبداد في الانتشار والتبني، سؤدي إلى تآكل الثقافة العربية، ما لم تجدد خطابها ومناهجها ومصادرها المعرفية، وتضع استراتيجية تحقق أهدافها، خاصة ونحن نعيش تحديات الهوية والثقافة والدين، ونعاني من سطوة العولمة في جانبها الثقافي، وإعادة تشكيل المهيمن الثقافي الامبريالي وتعميمه خدمة لمصالح الدول الكبرى ومصالحها، التي وظفت الشبكة العنكبوتية لتحقيق ما تعجز عن تحقيقه مباشرة.

وبالتالي الثقافة العربية معنية بإعادة تشكيل مفاهيمها، وترسيخ قيم الهوية والأصالة، والانفتاح على كل ما هو مفيد، يرفد ثقافتنا بحيوية، كي تتطور لمصاف الثقافات العالمية. فمستقبل الثقافة العربية بات في مهب الريح ما لم تتدارك وضعها وسقمها، ولعل في حجم الإقبال على المنجز الغربي قياسا بالمنجز العربي، على جميع الأصعدة الثقافية شاهد على ما أقول.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbaw10saad jasemخاص بالمثقف: الحلقة العشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة الشاعر والكاتب الأستاذ سعد جاسم.

  

س52: سعد جاسم: هناك ثمّة الكثير من الإشكاليات في ثقافتنا العربية، ومنها تبعية المثقف للسياسي في عالمنا العربي، ترى ماهي أسباب هذه التبعية التي تصل الى حد الذيلية أحياناً؟

ج52: ماجد الغرباوي: لا شك أن وقوف المثقف إلى جانب السياسي، في السلطة أو خارجها، يمنحه قدرا كبيرا من الشرعية، في مجتمعات تحترم المثقف، وتدرك قدرته على تحريك الرأي العام عندما يكون مبدئيا، نزيها، رصينا. ويسقط اعتباره ويُتهم بخيانة قيمه ومبادئه وثقة الناس في اصطفافه مع السياسي الفاسد. وهي ظاهرة سلبية عانت منها الشعوب، وصدرت بها كتب رصدت خيانة المثقفين، وتخاذلهم، واصطفافاتهم، ككتاب إدوارد سعيد: "خيانة المثقفين.. النصوص الأخيرة". فموقف المثقف مسؤول، يتوقف عليه أحيانا مستقبل الوطن، ومصالح المواطنين. فينبغي له ترك مسافة، تحفظ استقلاليته وحريته في النقد والمراقبة والرصد المستمر في علاقته مع السياسي.

إن علاقة المثقف بالسياسي ليست مدانة دائما، بل ضرورية أحيانا لترشيد موقف السياسي النزيه، المخلص لشعبه ووطنه ومبادئه، مع ضمان عدم هيمنة السياسي على المثقف، كي لا يخسر الأخير حريته واستقلاليته في النقد والتقويم، ويحتفظ بقدرته على اعتزال السياسي عندما يكتشف خيانته وعدم وفائه لمبادئه. المثقف المستنير شخصية حرة، مستقلة، يتمتع بموقف ذاتي من الكون والحياة، فيجب عليه صيانة استقلاليته وحريته، وعدم السماح لهيمنة السياسي على مواقفه وقراراته ورؤيته. فكم نفرح عندما يتصدى مثقف نزيه للسلطة لأننا نثق به، وبقدراته على النقد والرصد. بل ينبغي للمثقف المستنير، الكفوء التصدي، فليس ثمة ما يمنع، إذا كانت السياسة قائمة على العدل ومبادئ حقوق الإنسان. فلا توجد قطيعة تامة بينهما، ولا تبعية مطلقة، وطبيعة العلاقة تخضع لمستوى وعي المثقف وسلوك السياسي. لذا تحترم حكومات الغرب الفيلسوف والمنظّر والمفكر، وتهتم بآراء ووجهات نظر المثقفين في التخطيط واتخاذ القرارات. وتحرص على حماية المثقف المستنير ليبقى نبض الشعب في مواقفه وآرائه. ويبقى بوصلته في معرفة الحقيقة وتشخيص الأخطاء. بينما اتسمت علاقة المثقف بالسياسي في العالم العربي بالتبعية والانقياد، حد التواطؤ على الفساد وتبرير السرقات، إلا ما ندر.

 وهذه علاقة مرفوضة، تحط من قيمة المثقف، لكنها ظاهرة قديمة، تعود لزمن الخلافة، وبلاط الخليفة، حيث تكتظ حاشية السلطة بالمثقفين، من شعراء وأدباء وكتّاب وخطباء، تقتصر مهمتهم على التمجيد والثناء، وطمس الحقائق، والتستر على الأخطاء والجرائم. والتنكيل بالمعارضة، وتشويه سمعة الخصوم السياسيين. وتبرير تصرفات الخليفة والحاكم العام، والإشادة به رغم انحطاطه وفساده. مثلهم مثل فقهاء السلطان، حينما يشرعنون سلوك الخليفة على حساب قيم الدين ومبادئه. فأحسب أن تبعية المثقف للسلطة، في عالمنا العربي، حالة طبيعية، موروثة، وإرث تاريخي متجذّر، يتناسل، كرّسته قيم الاستبداد، وتعامل المجتمع مع السلطة بمنطق الغنيمة. إضافة إلى سياسة الترهيب والترغيب، التي تقمع المثقف غالبا، فهو بشر كغيره، لا يملك حصانة ذاتية، أو مثالية مطلقة لمقاومتها، ما لم يتسلح بإرادة حديدية تقاوم التحديات.

 أحيانا نبالغ حينما نتوقع من المثقف مثالية بمستوى العصمة، في وعيه ومواقفه. ونتفاجأ حد الصدمة حينما نكتشف بشريته، وسلبياته. وهذا خطأ، فالمثقف بشر، يطرأ عليه الضعف، وتسرقه الأضواء، وتستدرجه الإغراءات، وتقمعه القوة والعنف، وينهار أمام التحديات الكبيرة والظروف القاسية، والحالات النفسية، والظروف الاجتماعية والسياسية إلا نادرا. خاصة مع عدم وجود غطاء شعبي يدعم موقفه، وأحيانا ينقلب أقرب الناس ضده ليبقى مكشوف الظهر تحت سياط الجلاد والسلطة التعسفية. ويبقى الرهان على مبدئيته وقدرته على الصمود والتصدي، ولا يثبت سوى المبدئي، العصامي، وهم عملة نادرة على مر السنين، ومختلف الظروف.

هذه المقدمة كانت ضرورية لتحديد الموقف من علاقة المثقف بالسياسي، كي لا تلتبس الأمور، وتعم الفوضى في تقييمها. فالعلاقة غير مدانة حينما يحافظ المثقف على مبدئيته ومواقفه، ويمارس دوره في الفعل الحضاري بكل حرية واستقلالية بعيدا عن هيمنة السياسي. وهذا هو الأصل في العلاقة. وحينما يرتهن ارادته للسياسي الفاسد، فهناك أسباب وراء انهيار موقفه وتبعيته. بعضها ذاتي، يتعلق بتكوينه، المعرفي ومستوى وعيه، وآخر موضوعي يرتبط بالظروف السياسية والاجتماعية والنفسية.

 

أما الأسباب الذاتية، وراء تبعية المثقف للسياسي الفاسد، فهناك:

- المثقف المنقاد: شخص يعاني من تشوّهات في شعوره ووعيه وتكوينه المعرفي، القائم على قيم التبعية والانقياد والعبودية، وهي قيم ثاوية في بنية العقل العربي، تبعا لتقاليده القائمة على ثنائية السيد والعبد. بل هي بنية المجتمعات الشرقية منذ قديم الزمان، يتوارثها لا شعوريا جيل بعد جيل، فتتجلى في سلوكهم ومواقفهم، حينما تتلاشى في أحضان السلطة مخاوفهم، وتهدأ في تبعية السياسي أرواحهم. بل بعضهم ينشط حينما يتحول إلى عصا، يهش بها السياسي مناوئيه، وإن كان فاسدا. فدافع التبعية لدى المثقف المنقاد دافع ذاتي، نابع من صميم ثقافته، وتبعيته، وتقديسه للقوة والسلطة. فهذا جيل بشري لم يتحرر من العبودية حقيقة، رغم انعتاقه منها شكليا. مما يعني أن الحرية والعبودية ثقافة ثاوية في أعماق اللاوعي، تتجلى عبر سلوك الفرد ومواقفه وطريقة تفكيره وأسلوب تعامله. فالمثقف المنقاد لا يميّز بين السياسي الفاسد وغيره، فكلاهما في نظره سلطة، تتمتع بذات الهيبة والنرجسية، فهو غير معني بسلوكها وتصرفاتها، فسدت أم لم تفسد. المهم أن السياسي سيتولى تدبيره وقيادته وتوجيهه، وهو مستعد لمهنة العبودية. فهو بحاجة مستمرة لوجود قيّم يتولى شأنه. وهذا النمط من الناس يخرج عن كونه مثقفا ليصبح شرطيا ومهرّجا وعبدا ذليلا.

 

- المثقف الأيديولوجي: شخص يعتبر تبعيته للسياسي واجبا أخلاقيا نابعا من صميم أيديولوجيته. يجب احتضانه، وحمايته، والتستّر عليه، لتعضيد سلطته. فمشكلة الأيديولوجي في تعصبه، وانشغاله بتنزيه الذات، وتبرير الأخطاء، واقتصار النقد على الآخر، الخصم والمناوئ. فالعمى الأيديولوجي يقلب الموازين، فيغض طرفه عن فساد السياسي، ويجد في دعمه دعما لسلطة حزبه السياسي. وهذا يفسر لنا جملة ظواهر خاطئة في سلوك ومواقف المثقفين، يمكن تشخصيها مقارنة بموقف المثقف المستنير.

تعلم أن المثقفين يتفاوتون في تكوينهم المعرفي، وثمة اختلاف جوهري بين مرجعياتهم الفكرية والثقافية، تتجلى في مواقفهم وفهمهم للأحداث والظواهر الاجتماعية. فما لم تؤمن به من أفكار قد يؤمن  بها آخر. وما ترفضه من سلوك يستسيغه غيرك بمذاقه الأيديولوجي، وإلا كيف تبرر وجود جيش من المثقفين مع كل سلطة رغم استبدادها، خاصة من ينتمي لفكر السلطة وحزبها وأيديولوجيتها؟. ولماذا لم يتظاهر أو يحتج جمهور المثقفين ضد سلطاتهم الفاسدة؟. فهذا النمط من التبعية قد يعبّر عن قناعة حقيقية، ذات جذر أيديولوجي، لكنها تبعية سلبية، تتقاطع مع المبادئ الإنسانية. ومواقف هذا النمط من المثقفين هي السبب في التباس وتشويش الوعي، حينما تعتبره الجماهير بوصلة الموقف الصحيح. فمن الضروري وجود مبدأ لتحديد مصداقية المثقف عندما تلتبس الأمور كما في هذه الحالة بالذات. أو حينما يقع تزاحم بين الأيديولوجيا ومبدئية المثقف. ولا أجد مبدأ يضع حدا للالتباس سوى القيم الإنسانية، التي يتبناها المثقف المستنير بعيدا عن الأيديولوجيا، وهي ذات القيم الدينية الحقيقية: العدل، والحق، والإنصاف. وعدم مداهنة الباطل والظلم والاضطهاد والتعسف وقمع الحريات. وهذا مقياس عادل ينبغي للمثقف اعتماده حينما تلتبس الأمور، كشرط لمصداقيته. وإلا سيعتبر مدانا حينما يقدم أيديولجيته على مبدئيته، ويتواطأ مع السلطات الظالمة والسياسي الفاسد ضد شعبه. وبالتالي الأيديولوجيا لا تبرر تعضيد موقف الفاسدين من السياسيين. فالفساد فساد من أي شخص أو جهة صدرت. وتبقى الأصالة للمبادئ دون الأيديولوجيا.

 

- المثقف المعقّد: شخص يريد، من خلال تبعيته للسياسي رغم فساده، تعويض شعوره المرير بالنقص، مهما كان سبب ذلك النقص: نسبه، فقره، لونه، قوميته، دينه، مذهبه، شهادته، عمله.  فالمثقف كأي إنسان، حينما يعاني طويلا ولم يستطع التغلّب على عقدته، إما أن ينطوي، ويهجر الحياة، أو يتمرد على قيمه ومبادئه، ويتمادى في تبعيته للسياسي وإن كان فاسدا. فالمثقف المعقّد يختلف عن المثقف المنقاد، الذي ينطلق في تبعيته من روح العبودية والانقياد الثاوية في أعماقه. فهو ضد العبودي، لولا شعوره المرير بالنقص وفشل ثقته بنفسه التغلّب على عقدة نقصه.

 

المثقف البراغماتي: شخص أناني، نفعي، يضع مصالحه الشخصية فوق مبادئه، ويرهن مستوى تبعيته للسياسي بحجم مكاسبه، فتتعمق بزيادتها حد الذيلية. فهو منسلخ عن مبادئه وقيمه، غير معني بمسؤوليات المثقف المستنير.

 والمثقف البراغماتي ظاهرة واسعة في مجتمع يتعامل مع السلطة بمنطق الغنيمة، فيكرّس قيم التبعية والذيلية. بل ربما أشد ما تعاني منه الشعوب هو المثقف البراغماتي، شريك السياسي في سرقاته وفساده.

 

المثقف المُحبط: شخص يعاني قلقا نفسيا، وشؤما مستطيرا، فينسلخ فجأة عن مبادئه وقيمه، ومواقفه، ويرتمي في أحضان السياسي رغم فساده، لتدارك حالة الاحباط والتشاؤم المرير، حينما تتوحد مواقفهما بعيدا عن المبادئ. وقد ينقلب المثقف المحبط وحشا ضاريا، لينتقم من ماضيه، وقيمه، ويثأر لنفسه وأقرانه، خاصة مع تفاقم حالة الإحباط والتشاؤم لديه. وهؤلاء لم تصقلهم المبادئ أساسا، وربما كانوا يعانون من حالات نفسية غامضة وارتباك لاشعوري. فانهار الوعي، وتبخرت المبادئ بل وانقلب ضدها. وهذه ليست حالة عامة فبعض المحبطين يعتزل الحياة، وينزوي يائسا منها ومن المستقبل، ومن وكل فعل ثقافي، فيعش اللاجدوى، والإحباط، بل واللامعنى. فيبتعد عن المشهدين السياسي والثقافي حفاظا على نزاهته وحيثيته وكرامته، ولا يلتاث بالتبعية المقيتة لرجل السياسة الفاسد.

وجميع هذه الاصناف الثلاثة لا يصدق عليهم مفهوم المثقف إلا مجازا، فالمثقف الحقيقي هو المثقف المستنير كما تقدم في حلقة سابقة من هذا الحوار.

وأما السبب الموضوعي، وراء تبعية المثقف للسياسي الفاسد:

 

المثقف المضطهد: مثقف حاصرته قساوة الظروف، وضاقت به الدنيا، وسئمته المعتقلات والسجون . لا يجد ملاذا يحتمي به، في ظل انعدام الأمن، والحرية والضمان الاجتماعي الذي يحمي مواقفه. فهو بين خياري الموت والحياة، أو الارتماء في أحضان سياسي فاسد. إنها محنة شطر كبير من المثقفين في سجون الدكتاتور.

فالمثقف المضطهد، تارة يريد الاحتماء بالسياسي رغم فساده، هروبا من الموت، فتكون التبعية مبررة شريطة أن لا ينحدر للعبودية والذيلية، وأن يضع مسافة تحفظ استقلاليته وتصون حيثيته. فالمثقف بشر، طاقته على التحمل محدودة، وهذا ما حصل لكثير من المثقفين في دول الاستبداد. فهم ضحية واقع مرير، فلا يمكن إدانة الجميع، باستثناء من أصبح أداة لقمع الناس، وتزوير الحقائق، والدفاع عن الدكتاتور، وتبرير سلوكه الدموي ضد شعبه. وبالتالي، لا تنس الواقع الذي عاشه ويعيشه بعض المثقفين في ظل أنظمة دكتاتورية، تُقصي المثقف، فيندحر منبوذا، محروما من أبسط حقوقه، خاصة حريته التي يعوّل عليها في نشر مبادئه ومواقفه، وقد تضيق به الدنيا. وتطبق عليه  الظروف أنيابها، وقد عشنا ردحا منها، لولا هجرتنا المبكرة جدا عن بلداننا. فماذا يفعل المثقف عندما يعيش محاصرا ماديا وسياسيا واجتماعيا. وهي حالة صعبة جدا لا يصمد معها إلا مبدئي عنيد، وهم عملة نادرة؟.

وتارة يلجأ المثقف للسياسي مستسلما بعد معاناة قاسية، فيعش حالة من الذل والتبعية المقيتة. وهذا هو الانكسار والتخاذل، مع امكانية اتخاذ موقف أكثر كرامة وعزة.

هذه هي الأسباب الرئيسية في تبعية المثقف للسياسي في عالمنا العربي، وكما ترى لا يمكن اطلاق مفهوم المثقف على هؤلاء إلا مجازا. لكن قبل الانتقال لسؤال آخر، آرى من الانصاف والوفاء الاشادة بنوع آخر من المثقفين، وهو:

المثقف العصامي: هؤلاء الذين تحدوا الموت، والتعذيب، وقساوة الظروف، وعاشوا لمبادئهم، حتى ملت المشانق، وضاقت بهم أقبية الإجرام. وواجهوا الموت بابتسامة المنتصر، هؤلاء الذين طرزوا التاريخ بتضحياتهم، وفضحوا الطغاة بصمودهم، وصاروا مثلا أعلى بدمائهم. هم شهداء العقيدة والمبدأ، هم المثقف المستنير، الذي يواصل دربه الرسالي بيقين وإيمان. هؤلاء المثقفون، المبدئيون، والعصاميون، هم الذين عبّدوا طرق الحرية والكرامة، فيجب على الشعوب تخليدهم والتأسي بهم.

 

س53: سعد جاسم: هل المواطن العربي أكثر ميلاً للخطاب السياسي أَمْ للخطاب الثقافي؟

ج53: ماجد الغرباوي: الخطاب إبستوملوجيا، بنية وأنساق معرفية مؤسسة على مقولات ومفاهيم، فثمة تفاوت بين الخطابين السياسي والثقافي من حيث المضمون والأداء والأدوات والأسلوب والتأثير، أي هناك تغاير في بنيتهما وأنساقهما المعرفية. والمواطن العربي أكثر ميلا للخطاب السياسي، لخصوصيته التي تنسجم مع مشاعره، التي هي وليد بيئة أدبية بيانية، وأجواء مفعمة بالعاطفة والحماس، ينقاد فيه الفرد لا شعوريا للعقل الجمعي والتحريض الجماهيري. فثمة انسجام بين العقل العربي والخطاب السياسي، الذي هو خطاب أيديولوجي، يعزف على أوتار الخيال والعاطفة، ليؤجج روح الثورة والاندفاع. فالمواطن العربي يتفاعل لا شعوريا مع الخطاب السياسي. بينما الخطاب الثقافي يميل للعقل والتفكير والنقد والإدراك والتأمل والاستنتاج والبرهان والفلسفة، فمستوى التفاعل معه محدود.

العقل العربي عقل كسول، "مستقيل" كما يصفه محمد عابد الجابري، لا يستهويه البرهان والاستدلال، ويعتمد النصوص والمعارف الباطنية مصدرا لمعارفه. عقل ينفر من الدليل والاستنتاج، يبحث عن عقل ينوب عنه في التفكير والقيادة، مستعد للتبعية والطاعة، بدلا من تحمّل مسؤولية التفكير العقلي ونتائجها. وهي صفة غالبة رغم الاستثناء.

العقل العربي أدمن الاستبداد وقيم البداوة، والعنف. يقدّس الشيخ والقائد القوي .. يستكين لسطوة السلطان .. يخشع لهيبة الحكم والسلطة ومظاهر الجبروت والقوة .. ينقاد تلقائيا للخطاب السياسي. ولعل في الشعب العراقي اليوم خير مثال في انقياده للخطاب السياسي رغم كل تحفظاته على سلوك السلطة ورجالاتها وفسادها وخرابها. فالخطاب السياسي يجد أصداءه في نفوس الشعوب العربية، على العكس من الخطاب الثقافي الذي لا تتفاعل معه سوى النخب المثقفة. فحاليا لا يمكنك قيادة الشعوب العربية من خلال خطاب ثقافي عقلاني، لكن بإمكان تثويرهم بخطاب سياسي، خاصة حينما يصدر من قائد ملهم، يتصف بشخصية كارزمية. وخير مثال، الربيع العربي الذي ساقه خطاب عاطفي – سياسي، لم تُحسب تداعياته بعد حلول الفوضى محل النظام.

وعليه فالعقل العربي عقل منقاد، يقدّس القوة والقيادة، يحب السلطة، ويتعامل معها بمنطق الغنيمة. ويجد في الخطاب السياسي تطلعاته، فيتفاعل معه حد التضحية. ومناشئ هذا الاهتمام بالسلطة يعود لقيم ومفاهيم موروثة كرستها طبيعة العلاقات الاجتماعية، والخلافات التاريخية حول السلطة بين المسلمين الأوائل، واستبداد دولة الخلافة. فتجد النزاع التاريخي حول السلطة ما زال حاضرا بكل ثقله في ثقافة ومشاعر شعوبنا، رغم مرور ما يقارب قرن ونصف القرن من الزمن. ليعكس مدى هيمنة الخطاب السياسي على العقل العربي.

ثم الخطاب السياسي العربي خطاب ماكر، يجيد توظيف قيم النَخوَة والكرامة والمشاعر الدينية والعشائرية والوطنية. بارع في استبعاد العقل والتفكير، وترحيل مشاكله الداخلية خارج الحدود. رهيب في الالتفاف على مشاعر الجماهير. داهية في خداعهم وسرقتهم. يعرف متى يمتص غضبهم ونقمتهم وطاقتهم وعنفوانهم. لا يتورع في نشر خرافاتهم وطقوسهم. ولا يخشى الله حينما يشغلهم بأعداء وخصوم وهميين. وهذا هو هدف الخطاب السياسي من شعب مقموع تحت سقف عاطفي يتلاشى فيه الوعي، ويتوارى العقل خلف نوبات طائفية.

كل هذه الأسباب وغيرها ساهمت في تشكيل العقل السياسي العربي، والتنظير له فكريا وثقافيا وأخلاقيا وفقهيا، وما زال الفقه السلطاني مؤثرا في فتاوى الفقهاء. والأخلاق السلطانية ما فتئت تضبط أداء الرعية. فالخطاب السياسي يجد أصداءه في أعماق الفرد العربي، والمواطن العربي يجد ذاته في الخطاب السياسي. على العكس من الخطاب الثقافي، فلا يجد أصداء كافية ليتطور وينمو. وهنا مكمن الخطر حينما يتوارى العقل وينساق مع الخطاب السياسي، حدا ينسى كل أخطاء السياسي وعثراته وفساده. فكيف نُرسي مجتمعا مدنيا قوامه العقلانية الشاملة، مع شعب يقوده الخطاب السياسي القائم على أسس أيدولوجية ومصالح شخصية وحزبية وفئوية، ويتشبث بالسلطة ولو على حساب مصالح الشعب والوطن؟.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi10saad jasemخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الشاعر والكاتب الأستاذ سعد جاسم.

 

س51: سعد جاسم: هل المثقف كائن عملي؟ أَمْ أنه كائن رومانسي؟ أَمْ هو كائن براغماتي؟

ج51: ماجد الغرباوي: ينبغي أولا تحديد المثقف، الذي سنقاربه في أمثلة السؤال؟ وهل ثمة من يحتكر المفهوم دون غيره؟.

يميّز المفكر الماركسي الإيطالي، أنطونيو غرامشي، بين "المثقف التقليدي"، الذي يرابط في برجه، متعاليا على الناس. و"المثقف العضوي"، ممن يعيش هموم المجتمع ويتبنى قضاياهم. والأخير، رغم أهميته، لا يخلو من سلبية عندما يُنيط به غرامشي مهمة استبدال المهيمن الثقافي الامبريالي الحاكم بمهيمن ثقافي تتولى طبقة المثقفين الجدد بناءه، كضرورة لحمايته وفرض سلطته. وهذه المهمة قد تستدرج المثقف لفعل أيديولوجي، يغلق منافذ التجديد والاستنارة العقلية، وتسجنه في أقبية الأيديولوجيا، فيفقد صدقيته في نقد الذات. ويركز نقده على الآخر دون الـ"أنا"، فتتراكم الأخطاء داخل ذات المهيمن الجديد حينما لا تطاله المراجعة والنقد، ويخسر صدقيته على المدى البعيد. المثقف داخل أسيجة الأيديولوجيا يمارس تنزيه الذات فلا يرى أخطاءه. وبالتالي فالمثقف العضوي لا ينجو من شراك الأيدولوجيا دائما.

من هنا سأعتمد، لتحاشي فخاخها ومطباتها، مفهوم "المثقف المستنير" بدلا من "المثقف العضوي" كمصداق حقيقي لمكوناته ومرجعياته، فيكون إطلاق المفهوم على المثقف التقليدي وما شابهه من أوصاف مجازا. وقد نوهت سابقا أن صدق المفهوم يتوقف على مدى تمثّل المثقف لجميع عناصر تكوينه: (معرفة، وعي، موقف)، وهذا هو معنى الاستنارة، فيختص المفهوم بالمثقف المستنير، دون غيره.

ينبغي التنبيه، ثمة تطابق بين مفهومي المثقف العضوي والمستنير، يكاد يكون تاما، لولا تداعيات الأيديولوجيا التي ربما تستدرج المثقف العضوي لا شعوريا، فيتعطل النقد الذي هو جوهر المثقف. أما الاستنارة فكفاح مستمر ضد الجمود والعمى الأيديولوجي، وتنزيه الذات، والتحيز التام. ونقد متواصل لمرجعيات المثقف ومواقفه ووعيه.

وأقصد بالموقف: الفعل الثقافي الذي يؤكد مصداقية المثقف، فيشمل: النقد والمراجعة والتثقيف وترشيد الوعي، وبيان الخطأ، وكشف الحقائق، وفضح التزوير والخداع باسم الحقيقة مهما كان مصدرها، عبر جميع الوسائل المتاحة. فالمثقف المستنير ملتزم بمبادئه وقيمه، ومواقفه، وفق عقلانية شاملة، لا تنحدر به إلى منطق الأيديولوجيا، فيكون مسددا بفعل النقد المستنير، الذي هو مران متجدد، متواصل، يستمد حيويته من مرجعياته المعرفية، ومبادئه الإنسانية، العامة، الشاملة، المتماهية مع قيم السماء وجميع الأديان. فهي مقياس حقيقي لنقد الذات والآخر، وركيزة أساسية لفهم الظواهر الاجتماعية. وملهمة لتبني هموم الناس وقضاياهم المصيرية.  

وبينما ينيط غرامشي بالحزب الثوري مهمة تكوين طبقة المثقفين العضويين، الذين تنحصر بهم مهمة تكوين هيمنة بديلة عن الهيمنة الرأسمالية. فإن المثقف المستنير ينبثق بعد اكتمال عناصر تكوينه، بشكل تدريجي ذاتي، من داخل ثقافته، وبيئته والتحديات المحيطة به.

كما أن طبقة المثقفين المتكونة بواسطة الحزب الثوري، ستخضع لا إراديا لأيديولوجيته، وهذا يعمقق شكوكنا المتقدمة حول احتمال خضوع المثقف العضوي لسطوة الأيديولوجيا، فنعتمد مفهوم المثقف المستنير ضمانا لحرية المثقف.

أعني بالاستنارة: قدرة المثقف على وعي الذات، وإدراك الحقيقة، وفهم الواقع. فهو شخص مستنير في معرفته ووعيه ومواقفه، يتمتع بهداية ذاتية، ويسير على هدى من أمره. راسخ في إيمانه، وفيُّ لمبادئه. مجدد في رؤيته للدين والمقدس والتراث والحياة. يتبنى عقلانية تحفظ توازنه، بين الهبوط الأيديولوجي والطوباوية المفرطة. فالاستنارة، تجديد مستمر ومواكبة حضارية، ورسالة إنسانية. فأجد في مفهومها شيئا من الروحانية، والتصوف، والطيبة، والصدق، والنزاهة، والعفاف، والترفع عن الأنانية والرذائل والمال الحرام والسلطة الفاسدة، والانشغال بهموم الناس والمحرومين والمستضعفين. فالاستنارة هداية نابعة من صفاء روح المثقف وصدقه وإخلاصه، فلا يمارس الخداع والتزوير والتضليل والاستغلال والتعسف والاضطهاد. ينتصر للحق والمبادئ، والقيم الرفيعة، ويبتعد عن الباطل والفساد. ينطلق في موقفه من فلسفة ومنهج ورؤية للكون والحياة. يعي الحاضر وضروراته، ويخطط للمستقبل بعلمية وموضوعية.

وبالتالي يمكن تعريف المثقف، تعريفا جامعا، مانعا، بأنه: "شخص مستنير في معرفته ووعيه ومواقفه".

ومصاديق الاستنارة كثيرة عبر التاريخ، تتجلى في سلوك بعض الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم،  ولعل ثورة المدينة كانت مجسا حقيقيا لمستوى وعي واستنارة الصحابة، كأبي ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، عندما تصدوا لكشف الحقائق وفضح التزوير المقدس. وتجلت بشكل أوضح في انقسام وجوه الصحابة بين علي ومعاوية. وذات الأمر ينطبق على أصحاب الحسين بن علي رغم إغراءات السلطة والحياة الناعمة. وهناك من المثقفين من تعرض للموت والاقصاء بسبب وعيه واستنارته. وتجلت الاستنارة بشكل أكبر في شخصية ابن رشد في مقابل أبي حامد الغزالي، صاحب كتاب تهافت الفلاسفة. وأيضا تجدها واضحة في التراث الإنساني لأبي حيان التوحيدي. وأجد في عمليات الاقصاء التي تطال مثقفي البلاط بين حين وآخر، نوع من اختبار الوعي والاستنارة، وأمثالها متعددة، كعبد الله بن المقفع الذي قتل بتهمة الزندقة وغيره!!.

 

نعود للسؤال: فبعض الأمثلة تستبطنها مكونات المثقف (معرفة، وعي، موقف)، وبعضها الآخر تتقاطع معها، أو تقع ضدها.

فالمثقف كائن عملي، عندما ينأى عن الاستغراق في الخيال والمثالية والجدل، ويفي برسالته، ويمارس فعل التثقيف بحرية، وترشيد الوعي، وبيان الحقيقة،  متميزا بمواقفه ومبدئيته، وسعة أفقه، وإدراكه. يترصد مراوغات السياسي، وخداع رجل الدين .. يقاوم إغراءات المال والسلطة، وحب الظهور .. يتصف بتواضعه، وفهمه للواقع وملابساته .. لا يتخلى عن مسؤولياته والتزاماته، يتحاشى فخاخ الأيديولوجيا، وتداعيات التبشير، وهموم الداعية. وبعبارة مكثفة، أن يقرن المثقف أقواله بخطوات عملية، تؤكد صدقيته. لأن الثقافة بالنسبة للمثقف موقف تاريخي ينبثق من صميم رسالته ومبدئيته. وقد أُرِخ لهذا المفهوم من خلال حادثة تاريخية معروفة، اتخذ فيها مجموعة من المشتغلين بالفكر والثقافة موقفا تاريخيا سجلوا فيه نقطة انعطاف كبيرة، واكتسبوا عنوانا جديدا اسمه (المثقفون) . فجرأة المثقف وشجاعة مواقفه، شرط لانطباق المفهوم عليه، بغض النظر عن عمله وشهادته وسعة علمه ومعرفته. فلا قيمة للمعرفة والوعي إنْ لم يتجسدا موقفا عمليا شجاعا يُعلن على رؤوس الأشهاد، ويساهم في إصلاح الأوضاع؟. لذا لا يمكن إطلاق مصطلح المثقف على شخص تخونه الشجاعة في بيان آرائه. ويخشى النقد إلّا همساً أو في خلواته. فالمثقف العملي مصداق حقيقي للمثقف المستنير، حينما يمارس نقد الذات قبل غيرها، لتقويم خطواته العملية لتي تتطلب مواصلة النقد والمراجعة، ورفض أدلجة الإلتزام العملي، كي لا يتعالى المثقف على النقد. وليس للنقد صيغة محددة بل يمكن لكل مثقف ممارسته من خلال مهنته، وحقل اشتغاله، سواء كان معرفيا، أو أدبيا، أو فنيا، أو غير ذلك. فمفهوم المثقف ليس حكرا على فئة دون أخرى، أو شخص دون غيره. ويصدق على كل شخص تمثّل مكونات المثقف.

من هنا تجد المثقف العملي يقتصر متبنياته الفكرية على الآراء الممكنة عملا، ليكون مصداقا حقيقيا لمفهومه. وينأى،  عندما يقرن أقواله بخطوات عملية، عن أوهام النخبة، وأسيجة النرجسية وأحلام المتسكعين، حتى بات من السهل تمييز المثقفين على أساس ممارسة النقد، بين متصدٍ ومنزوٍ، جبان. هذا كله من حيث الفرض.

أما واقعا، فإن حضور المثقف محدود، مغيّب، وتكاد لا تعثر على مواقفه في النقد والتثقيف وترشيد الوعي وكشف الحقائق وفضح التزوير، حتى انفرد السياسي في الساحة، وهيمن خطاب السلطة، وانتشرت قيم الاستبداد، والتبعية والانقياد، وانحسر الوعي، وتلاشى الشعور بالمسؤولية، وطغى خطاب طائفي، ديني، تكفيري، قائم على  الاقصاء والتنابذ، ورفض الآخر المختلف، حتى توارى العقل وتراجعت العقلانية. فغياب المثقف العملي، أحد أسباب تدهور الأوضاع في بلداننا وهي بأمس الحاجة لوعي المثقف وشجاعة مواقفه، لكشف الحقيقة وفضح التزوير. وهذا لا يعني عدم وجود أسباب قاهرة وراء مواقفه وعزلته، لكنه أخفق في كسب ثقة الشعب فتآمر ضده رجلا السياسة والدين. بل ورماه الأخير بالعمالة للغرب والتمهيد لغزو بلاد المسلمين فكريا وثقافيا وسياسيا. والتآمر ضد قيمه ومبادئه الدينية.

ولعل المفارقة الغريبة في شخصية المثقف أنه شخصية خاملة، كسولة، براغماتيه، رغم وعيه وقدرته على تشخيص الأخطاء، وبيان الحقيقة، وكشف الخداع، لكنه انطوائي خارج وسطه الثقافي، يتذرع لفشله وأخطائه، فلا مصداقية لسلوكه في الغالب، بل بعضهم ينحاز ضد قيمه، ويغيب في أحلك الظروف وأصعبها. وبعض المثقفين يكتفي بمنجزه النظري، سواء كان فكرا أو ثقافة أو أدبا أو فنا، لكنه يكره المواجهة، ويتوارى خلال الأحداث، فيفقد مصداقيته. مما يعكس خللا جوهريا في مكوناته.

من هنا يتضح أن مفهوم المثقف المستنير يستبطن مفهوم المثقف العملي، ويلتقيان في المواقف، والخطوات العملية. فبينهما عموم وخصوص مطلق، حسب المنطق الشكلي. فكل مثقف مستنير هو مثقف عملي بالضرورة، وليس كل مثقف عملي مثقف مستنير بالضرورة.

ربما كان مضمون سؤالك عن التلازم بين صدق مفهوم المثقف ومواقفه العملية؟ وهل يكفي في صدق مصطلح المثقف معرفته ووعيه، وقدرته على تشخيص الحقيقة وكشف التزوير أم أن الموقف العملي شرط لصدقه؟

سبق أن ذكرت أن المفهوم ينتفي بانتفاء ذاتياته. والموقف مقوّم ذاتي لمفهوم المثقف، إسوة بالمعرفة والوعي. فهو من صميم المصطلح المنتزع تاريخيا من موقف عملي لمجموعة من المثقفين المشتغلين بالثقافة والفكر. ثم راح يطلق على كل شخص يتمتع بثقافة عريضة ووعي مبدئي، وموقف عملي، يتجلى بالنقد والمراجعة وكشف الحقائق ورصد التزوير والخداع، وترشيد وعي الشعب.

ربما ثمة مثالية فيما أقول، لكنها وجهة نظري. سيفقد المثقف مصداقيته ما لم يمارس النقد بجرأة وكفاءة عالية. فهناك كم هائل من الناس تراكمت في عقولهم أطنان الكتب لكنها لم تضئ فضاءهم المعرفي، ولم يتولد عنها وعي حقيقي، يفرز موقفا عمليا شجاعا.

فالبعد العملي ملازم لصدق مفهوم المثقف المستنير، ما لم تعيقه تحديات قاهرة، رغم علمي بعدم قناعة الآخرين بهذا الشرط، بسبب طبيعة المثقف الميّالة للدعة والراحة، والمرابطة في عالمه الإبداعي، لا يتحمل أي مسؤولية تاريخية. لذا لا تجد حضورا حقيقيا للمثقف المستنير في بلادنا. على العكس من المجتمعات الغربية فحضور المثقف واضح ومشهود ومؤثر في الأحداث، ولهم الفضل في قيام النهضة الأوربية، فكان المثقف يوظف كل طاقاته وانجازاته وابداعاته لصالح النهضة، وقد تحمل المثقف الغربي ويلات الإقصاء، ومحاكم التفتيش والملاحقات لكنه انتصر في نهاية المطاف، وحقق كامل أهدافه. وبالتالي ثمة التباس في مفهوم المثقف بشكل عام، دون المثقف المستنير، وهذا ما أفهمه من المفهوم والمصطلح، كما أدركته تاريخيا، وكتبت عنه مرات عدة.

 

والمثقف كائن رومانسي، عندما يتخلى عن أنانيته، وينزع عن قلبه روح الغل والحقد، ويتمتع بعاطفة صادقة، ومشاعر نبيلة، وأحاسيس جياشة، يتدفق حبا وحنانا ورحمة، يتحسس الجمال وتجلياته. مبدأه الحب، والحب فقط، في ضوئه يقيم علاقاته، وعلى أساسه يتواصل مع مجتمعه، يحب الناس جميعا، يقاسمهم همومهم وأفراحهم. يزخر بإنسانيته، يتعاطف مع المرأة ومعاناتها، يقيم أفضل العلاقات مع عائلته وأصدقائه ومحيطه الاجتماعي، يستأثر الجميع بحنانه واهتمامه خاصة أهل بيته، يقبل الآخر المختلف، ويحاوره بود ووداد. وبالتالي فمصداقية المثقف تتناسب طرديا مع مستوى إنسانيته، وحبه للناس والآخر المختلف.

الرومانسية هي الإنسانية في أصدق تجلياتها، والمثقف الإنساني، المستنير، المرهف الحس، الحالم، أفضل مصاديقها. فينبغي للمثقف أن يكون رقيقا في مشاعره، وأحاسيسه، مفعما بالحب. غير أن المؤسف ليست الرومانسية صفة عامة لجميع المثقفين، بل تجد بعضهم قاسيا، غليظا، فظا، طافحا بالكراهية والحقد، مبدأه التنابذ والاقصاء مع الآخر. فالرومانسية إذاً قضية نسبية لا يتصف بها سوى المثقف الإنساني المستنير.

وأذا كان السؤال عن الملازمة بين الرومانسية وصدق مفهوم المثقف، فلا شك أن القيم الإنسانية هي مقياس المثقف المستنير في نقده للواقع ومحاكمته للأنساق الثقافية والواقع الاجتماعي والسياسي. وما لم يتمثّل القيم الإنسانية لا يمكنه الدفاع عنها، أو مطالبة أحد بها، فمشاعر الحب الإنساني شرط في صدق مفهوم المثقف المستنير.

 

والمثقف كائن براغماتي، عندما يؤثر مصالحه على مبدئيته، فيمارس التزوير والخداع، والتستر على الحقائق ، فهو كائن منسلخ عن ثقافته، انتهازي مرير، متقلّب في مواقفه ومشاعره، ينحدر في وضاعته وانحطاطه. فتجده رخيصا، ذيليا، منسحقا، يهدر كرامته وحيثيته، وقد يهبط لمستوى التهريج للمستبد والسلطوي دون وازع من ضميره. وهي أسوأ حالات المثقف حينما ينحدر في انحطاطه.

وإذا كان السؤال عن حق المثقف في مراعاة مصالحه؟ نعم هو إنسان ومن حقه مراعاة مصالحه، وحماية مكتسباته شريطة الحفاظ على مصالح الشعب والوطن، ولا يُؤثر مصالحه على مبدئيته، أو يتنازل عن موقفه خدمة لمكاسبه. وليس فيما أقول مثالية، وهذا القدر متوفر لدى طيف واسع جدا من المثقفين، رغم وجود الاستثناء المخجل.

وبالتالي عودة للسؤال: لا يمكن تعميم الحكم، ولكل صنف خصائصه وميزاته، ويبقى المثقف العملي مصداقا حقيقيا للمثقف الرسالي المستنير، الأمين على مبادئه. ويبقى الرهان عليه في تحقيق طموحات المجتمع في التحرر والرقي. لذا يتناسب تطور المجتمع طرديا مع حضور المثقف المستنير، ولا يمكن لمجتمع يروم التطور ما لم يمارس المثقف دوره في ترشيد الوعي، وكشف الحقيقة. فوراء التقدم الحضاري في أوربا كان هناك تيار ثقافي يقوده المثقف بوعيه ومعرفته ومواقفه.

وبالتالي، مصداقية المثقف تتوقف على مدى استنارته، ومشاعره الإنسانية، ومدى تخليه عن أنانيته، ومصالحه الشخصية حينما تتقاطع مع مبدئيته. وهذا ملخّص لجواب السؤال.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

 

majed algharbawi9saad jasemخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة الشاعر والكاتب الأستاذ سعد جاسم.

 

 س50: سعد جاسم: شاعر وكاتب / كندا: - ماهو فهمك للنقد الثقافي؟

- وهل هناك نقد ثقافي عربي وعراقي؟

- ومن هم أبرز النقاد الثقافيين العراقيين والعرب؟

ج50: ماجد الغرباوي: شكرا للأخ الأستاذ الشاعر سعد جاسم مشاركته القيمة في الحوار، من خلال أسئلة اتسمت بأهمية خاصة.

أفهم النقد الثقافي، بأنه: تحري الأنساق المضمرة في النص الأدبي، والتعرف على مرجعياتها وبيئتها وسلطتها المعرفية، ودورها في بناء النص وتشكيله وأسلوبه. أو مصطلح يراد به: الكشف عن الأنساق المضمرة في النص الأدبي بما فيها النسق الثقافي المهيمن، ومستوى معاناة المجتمع من إكراهاته وسلطته. فالنقد الثقافي يعمل بمنهج نقدي إركيولوجي، مستفيدا من معطيات العلوم الإنسانية، على تقصي تلك الأنساق ضمن المنسي واللامفكر فيه، والمهمّش، والمهمل، والمحرّم، والممنوع، وما ترسب في أخاديد الوعي، وصولا للكشف عن كيفية تشكل مفاهيمها ومقولاتها المؤسسة، ومدى تأثيرها في بناء النسق الدلالي للنص.

النص الأدبي وفقا للنقد الثقافي، وثيقة غير مرئية، تتضمن أنساقا يتجلى فيها العمق التاريخي، والبعد الاجتماعي والأنثربولوجي والنفسي والسياسي والفكري. فالنص ليس مجرد فيض من المشاعر، والصور الشعرية الجميلة بل تجلٍ لأنساق ثقافية مضمرة، تتحكم في توظيف مختلف الأنواع البلاغية من مجاز واستعارة وكناية وبديع وجناس وطباق وترادف، في بناء النص، وأسلوب الخطاب، وطبيعة المتلقي. فالثقافة الغائرة وقبليات الكاتب تفرض سلطتها على نسق النص وبنائه، لتخفي وتظهر ما يتلاءم معها. يعي الكاتب ذلك أم لا، بل بعضها عصي على الإدراك لولا مناهج النقد وقدرتها على التنقيب في حقول النص ومساراته.

فعندما يتناول الشاعر المرأة وهمومها في نصوصه، تشاركه فعل الكتابة قبلياته، وما اختزنت ذاكرته من مقولات ومفاهيم وأنساق تتعلق بها، وبالمجتمع والتاريخ والاجتماع البشري، وعلاقتها بالثقافة والبيئة والمقدس والممنوع والمحرم والعادات والتقاليد.. قد يعي الكاتب بعضها خلال فعل الكتابة، لكن إيقاع اللاوعي أقوى تأثيرا. وهنا يأتي دور النقد الثقافي حينما يوظف منهج التفكيك والحفر وينقب في أخاديد المضمر والمنسي والمهمش، داخل النص وخلفياته ومرجعياته، فربما يكتشف ما هو ضد النص، فيكتشف مثلا ذكورية غاطسة في أعماق الكاتب وهو يكتب دفاعا عن المرأة وحقوقها. وهذا ما اتهم به الناقد الثقافي السعودي عبد الله محمد الغذامي في كتابه: النقد الثقافي، نصوص أدونيس، رغم حداثتها. فيعتقد كما جاء في كتابه أن نصوص أدونيس لا تنتمي للحداثة قدر انتمائها لثقافة ذكورية أو فحولية، سلطوية. وهي ثقافة تاريخية ضاربة في أعماق البنى المعرفية والثقافية للمجتمع العربي. أو حينما يكتب الشاعر عن قيم الحرية والوطنية، وينسى ضعفه أمام إغراءات المال والسلطة وحب الظهور والتفاخر.

الناقد الأدبي لا يهتم دائما بخلفية الشاعر قدر اهتمامه بالصور الجمالية في نصه، فهي موضوعه وحقل اهتمامه، من خلالها يستكشف حجم الإبداع في النص، ومستواه مقارنة بنصوص أخرى، فتقتصر أدوات النقد الأدبي ومناهجه على الصور الأدبية، الجمالية، البلاغية في النص وكيفية تركيبها، وثراء مفرداتها. أو أسلوب السرد، وطريقة توظيف الحدث، وحركة الأشخاص في القصة والرواية. فتركيز الناقد منصب على ذات ظاهر النص، لا يتجاوزه إلا بمناهج نقدية أخرى. فالنص الأدبي نص أدبي من أي شخص صدر، ومهما كان إنتماؤه وخلفيته الفكرية والثقافية والعقدية. بينما تستمد قيمة النص في النقد الثقافي من قبليات الكاتب وما يتجلى من مبادئ وقيم يشي بها النص.

من هنا يتضح أن النقد الثقافي يغاير النقد الأدبي، رغم وحدة موضوع اشتغالهما على النص الأدبي. فالنقد الأدبي مهمته تفسيرية بيانية، لكشف أوجه الجمال والإبداع، وأسلوب بناء النص، وطريقة توظيف الأنواع البلاغية، وقراءة نقدية لدلالته ونسقه الجمالي الظاهري، فلا يبتعد الناقد الأدبي عن ظاهر النص وأنساقه الواعية، ولا يتوغل بعيدا عن الوعي غالبا. عكس النقد الثقافي الذي يتجاوز النقد الأدبي ويغور في أعماق النص لتفكيك أنساقه الثقافية والمعرفية بحثا عن حقيقته. فيكون النص طريقا لأنساقه المضمرة في متاهات مترامية أبعد من الوعي.

وإذ كان النقد الأدبي ينتمى لما يعرف بالنظرية الأدبية، فإن النقد الثقافي يستمد قدرته النقدية من العلوم الإنسانية، ومناهج النقد والتفكيك والإركيولوجيا والفلسفة والمنطق، ويستفيد من مختلف علوم اللغة والألسنيات، والتأويل، إضافة للأنثربولوجيا وعلم النفس وطرق التفكير وأسلوب الخطاب.

وكما يختلف النقد الثقافي عن النقد الأدبي فأيضا يختلف عن الدراسات الثقافية التي تهتم بدراسة الظواهر الثقافية، وتاريخها، ومصاديقها وتأثيراتها. فمهمة النقد الثقافي مهمة مركبة، تختلف في مرجعياتها ومناهجها، وتستقل عن غيرها من العلوم والمناهج رغم استفادتها منها. فالنقد الثقافي صار علما مستقلا ضمن علوم اللغة أو أبعد منها.

هذا ما أفهمه من النقد الثقافي كما جاء في السؤال. وهذا القدر صحيح بشكل عام بعيدا عن تداعياته. فالنص، أي نص، ليس بريئا، بل يراوغ ويخفي أكثر مما يظهر، ويضمر أكثر مما يقول، وليس النص الأدبي فيضا من المشاعر والصور الشعرية بل يكتسب ديناميته من أنساقه وثقافته اللامرئية، التي تعكس مرجعيات فكرية وعقيدية وثقافية وسياسية ودينية. والنص الأدبي، كأي نص، عبارة عن صور شعرية وشفرات جمالية ومجازات شكلية تستبطن أنساقا ثقافية يشتغل عليها النقد الثقافي. من هنا تطورت القراءات التأويلية، مستفيدة من التراكم الدلالي للنصوص، خلال تفكيكها، وفقا لمنهج التفكيك الذي يحفر داخل طبقات النص ومخاتلاته، في رحلة لاستكشاف أنساقه التي تتداخل تارة وتتعارض أخرى، أو تتكامل، وقد تشكل دوائر داخلية فتنتج معرفة جديدة. حتى باتت المعرفة التأويلية واستنطاق النصوص أهم حينما تكتشف مرجعياتها، وطريقة أدائها داخل النص. إن ما يمارسه النص، أي نص، من استغفال للقارئ يكتشفه المنهج التفكيكي، ويكتشف دوافعه وغاياته، عندما يتمادى في تفكيك النص أكثر. وكلما زادت مراوغات النص كلما تراكمت دلالاته. فثراء النص يعرف بمقاومة التأويل وقدرته على المراوغة، واستجابته المخادعة لأداة النقد، فكلما عوّل الناقد على إحدى دلالات النص، تبدد يقينه مع مواصلته التفكيك. فالنص القوي لا يعطي نفسه بسهولة، ولا يبوح بأسراره وشبكة دلالاته، حتى أجد النص أكثر خيانة عندما يمارس غوايته ويتستر على الممنوع والمحرّم والمسكوت عنه.

وهذا ينطبق أيضا على النص الأدبي الذي هو موضوع النقد الثقافي، فالنص الأدبي بجميع أجناسه ليس بريئا، بل أكثر قدرة على المراوغة متسترا بالشكل الجمالي، أو بجاذبية السرد كما في القصة والرواية، أو يتوارى خلف الأحدث، فكم أخفى الكاتب على قارئة والمتلقي قضايا، يتوقف عليها فهم أحداث النص ودلالاته، لا يمكن كشفها لولا النقد الثقافي. ولعل أبسط مثال حينما يوظف الشاعر نصا يستدر به تعاطف المتلقي، ليخفي جنايته. أو يراكم ما يخفي دوافعه الجنسية، ويتحدث عن كبت المرأة وحريتها في ممارستها. فعندما تتمتع المرأة بحرية مفتوحة، سيكون الرجل / الشاعر / الكاتب، شريكها. فالدفاع عن مطلق حرية المرأة دفاعا عن جشع جنسي يتوقف إشباعه على مدى حريتها. أو نصوص التصوف والعرفان حينما تتستر على إيروتيكية الكاتب، فترى الناقد الأدبي يحلّق بعيدا مع صورها، مأسورا بصوفيتها ومعانيها ودلالاتها العرفانية، بينما تكشف ذات النصوص عن رغبات جنسية مكبوتة، حينما يتناولها النقد الثقافي، ليفضح دوافعها اللامرئية والغائبة عن ظاهرها. وهذا هو الفارق التطبيقي بين كلا النقدين.

ولا أجد تعارضا بين القراءتين، لكي تصادر إحداهما لصالح الأخرى. فلكل من النقد الأدبي والنقد الثقافي أدواته ومناهجه وغاياته وطرقه في تناول النص الأدبي. لكن الغريب أن الغذامي أعلن بتدشينه النقد الثقافي موت النقد الأدبي بعد استنفاد أغراضه وتآكل المعايير البلاغية، كما يقول. وبات عديم الجدوى، لا يخدم أهداف الحداثة، والاستقلال والتحرر والنهضة، حينما يتلبس الأديب بالوطنية متسترا على تعاطفه مع الاستعمار أو تبرير وجوده مثلا. فقيمة النص ليس بشكله الجمالي وابداعه الفني بل بما يضمر من قيم ومبادئ. فتارة يتستر الشاعر على قيم البداوة والفحولة وهو متلبس بها، شعر بذلك أم لم يشعر. فنصوص أدونيس ونزار قباني مثلا لا تصنف ضمن نصوص الحداثة، كما يرى الغذامي، ولو كتبت بلغتها، ما دام المطمور في أعماقهما قيما ذكورية، سلطوية، وحب التسلط والسيطرة والمال. وهي قيم عاجزة عن تبني قضايا المرأة تبنيا حقيقيا، بل تتستر هذه النصوص على ذكورة غائرة في أعمق اللاوعي. وبالتالي تهاوت القيمة الجمالية للنص تحت مطرقة النقد الثقافي وسلبت النقد الأدبي شرعيته.

بتقديري أن هذه الرؤية لا تبرر موت النقد الأدبي، ويبقى حقلا معرفيا، له موضوعه، واختصاصه، ووظيفته، من خلال دراسة ظاهر النص ودلالالته، وصور البلاغة والجمال، وطرق التعبير، وكيفية بناء النص، وتركيب الجملة، واجتراح الصورة الشعرية، وأسلوب توظيف المفردة الشعرية من حيث ثرائها، ومناسباتها، وموقعها داخل النص. وطبيعة الظواهر الاجتماعية والسياسية والنفسية التي يعبّر عنها. أو ما يسجله من معاناة على صعيد الفرد والجماعة. فالنص الأدبي تجربة شعورية يعيشها الكاتب، ويتمثلها في خياله حينما يكتب النص، فيعبر عن مشاعره أو موقفه أو استعراضه لقضية ما، أو استشراف للمستقبل أو نبوءة. وهذا ما ينتظره المتلقي ويتفاعل مع إيقاعه ولحنه. فنتائج النقد الثقافي نخبوية، عكس نتائج النقد الأدبي، فلماذا يموت الأخير لصالح الأول؟.

الناقد الثقافي يريد فرض إملاءاته على النص الأدبي، وهذا ما يتستر عليه بشكل لا شعوري، فهو ليس شخصا مجردا، موضوعيا، بل متحيز لقبلياته لا شعوريا، وخاضع لسلطة أنساقه الثاوية بعيدا عن الوعي في قراءاته وفهمه وأحكامه، فلا يمكنه مصادرة النقد الأدبي الذي تبقى مهمته، في دراسة ظواهر النصوص وملاحقة الإبداع والصور الجميلة مشروعة، يتوقف عليها كشف ميزات النص ومستوى أدائه البلاغي والجمالي. النقد الأدبي يرصد نقاط القوة والضعف في النص وفقا لمناهجه: الفنية، البلاغية، البنائية، التاريخية، النفسية، الظاهراتية، الأسلوبية وغير ذلك. وهو  مشغول بالوعي، ولا ينسى اللاوعي والعمق النفسي والأيديولوجي للكاتب حينما يوظف مناهج أخرى، فتجد أغلب النقاد يواصل مسار النقد لتحديد علاقة النص بعمقه النفسي والثقافي، ومدى علاقته بمرجعياته، وواقعه وبيئته وظروفه. فهو أيضا يمارس النقد الثقافي ولو بحدود. وعليه، لا تنتهي مهمة النقد الأدبي بالنقد الثقافي، فلكل واحد وظائفه، ولا يوجد ما يبرر التخلي عن أحدهما لصالح الآخر، خاصة أن النقد الثقافي لم يمر دون مؤآخذات، وبحاجة إلى مزيد من التنظير والمراجعة كي تستتب أسسه، ويرسو على نظرية ومنهج يختص به، فثمة تمادٍ واسقاطات تضر بالنقد الثقافي ومشاغله، ينبغي التخلص منها للتوفر على قراءات موضوعية.

ثمة ملاحظة، إن تمادي النقد الثقافي في التفكيك سيدخل النص وكاتبه والناقد في دوامة الحفر والتنقيب، وبعثرة الأنساق، وتفكيك بناه ونصوصه الداخلية. فعندما يتقصى الناقد الثقافي بنية النص التحتية، وصولا لمقالاتها التأسيسية ومفاهيمها الأولية، ستواجهه علاقة الجدل القائمة بين مقولات البنية الواحده، وبينها وبين البنى والأنساق الأخرى، فلا يقف التفكيك عند حد، وربما يصبح التفكيك لأجل التفكيك، وينقلب النقد إلى فوضى تضر بالنص ومهمة الناقد الثقافي، فلا بد من مبدأ وغاية تعطي للنقد قيمة ومعنى، وتحد من تهوره في التفكيك لأجل التفكيك.

ثم الناقد الثقافي ينسى قبلياته، ومرجعياته وأنساقه، وما تفرضه من سلطة في مسار التفكيك، فالناقد، يحسب نفسه موضوعيا،غير متحيز، لكن الواقع شيء آخر، فهو يحاكم أنساق النص الأدبي وفقا لأنساقه الغائرة، بعيدا عن الوعي. فيُسقط من حيث يشعر أم لا قناعاته الشخصية المتولدة عن بنية معرفية، ومهيمن ثقافي يخصه. وبالتالي هو الآخر يطاله التفكيك ليدخل الناقد في دوامة جديدة من تفكيك الأنساق المضمورة. وهكذا سيتعقد الأمر إذا أخذنا بنظر الاعتبار حال المتلقي وقبلياته، فستتعقد وظيفة الناقد، ويبقى في دوامة التفكيك. من هنا ينبغي للنقد الثقافي تحديد منهج النقد، وعدم الاستغراق في التفكيك، للتخلص من متاهته مع عدم وجود مرجعية ومبدأ ينطلق منه. وربما الاكتفاء بمنهج الحفر الإركيولوجي في بنى وأنساق النص المضمرة يكفي في استظهار ما تستبطنه، ويخدم النقد الثقافي. كما سنتعرف من خلال هذا المنهج على المعرفة وسلطتها، والعلاقة الجدلية بينهما، وحجم تأثر النص بهما.

فالنقد الثقافي معني بتحديد سقف للتفكيك والتنقيب داخل حقل النص الأدبي بما يخدم هدف النقد الثقافي، وهو الكشف عن خلفيات النص الفكرية والثقافية، كما فعل د. علي الوردي، الذي توصل إلى  نتائج مبهرة، حينما فضح الأدب العربي ودوره في تكريس قيم الاستبداد، والبداوة، والظلم. فقد أثبت الوردي في كتابه: أسطورة الأدب الرفيع، أن الأدب العربي أدب مجون وخمرة وتكريس لقيم السلطة والاستبداد والعشيرة. وهذا القدر من النقد الثقافي ضروري لفهم النص في سياق خلفياته، وعدم الاكتفاء بإبداعه وشكله الجمالي، وسياقات النص البلاغية. فهناك حاجة ماسة لتكريس قيم الفضيلة، وفضح قيم الرذيلة والخيانة التي تتستر بالنص الأدبي وجماله.

لا أحد يجادل في شاعرية الشاعر العراقي عبد الرزاق عبد الواحد، وبراعته الأدبية في نصوصه وقصائده، حتى استمات بعض النقاد في الدفاع عن مواقفه انتصارا لإبداعاته، واستدعى كل شعراء السلطة عبر التاريخ لتبرير موقفه الممالئ لصدام حسين. لكن الناقد الثقافي يفهمه بشكل آخر، ويحمله مسؤولية تزوير الحقيقة، وتضليل الشعب من خلال نصوصه الخلابه، عندما اعتبر استبداد الحاكم عدلا، وجريمته بحق شعبه شهامة، وهدر الثروات كرماً، وسلطويته هيبة، وعدوانه شجاعة، وسحقه لانتفاضة العراقيين رجولة، وإذلالهم حكمة، وسحقهم سياسة، وقمعهم ومصادرة حرياتهم ضرورة. فحوّل صدام حسين المثقل بإثم الضحايا، الذي لا تغادر جسده رائحة الدماء البريئة، حوله إلى ملاك يزخر بالفضيلة والفروسية والنبل والكرم والشهامة والمروءة، فأي جريمة أكبر مما ارتكب شاعر السلطة والبلاط؟. خاصة إن قوة نصوصه ستجعلها خالدة، تضيع في طياتها الحقيقة لولا ترصد النقد الثقافي الذي كشف زيفها، وفضح قيم البداوة التي تمجد الظلم والعدوان، تلك القيم الثاوية في أعماقه. بل ويكشف النقد الثقافي عن ذيليته حد الانسحاق، وخضوعه الطوعي لهيمنة السلطة والمال وحب الظهور، لمعالجة نواقص نفسيه في أعماقه.

إن صفة التملق والتبعية وتزوير الحقائق، لا تخص عصرا دون آخر، ولا شاعرا دون غيره، بل أن أجمل النصوص الأدبية أكثرها خيانة، حينما تتستر على بشاعة الواقع، لتطمس الحقيقة، وتزور الوعي. فالأدب العربي متهم بتخلف المجتمع أيضا، حينما ساند الاستبداد والدكتاتور، والقائد الضرورة. ودافع عن شرعية الظلمة وسلطاتهم المفتوحة، وتمجيده لقيم البداوة والعشيرة والعبودية، والتبعية والانقياد، وثقافة القوة والعنف والإرهاب والقتل والسلب. فثناء الشاعر على حروب الخليفة، الخالية من أي مبدأ أخلاقي، يُعد تزويرا للحقيقة، وتسترا على الظلم والعدوان، وإرساء قيّم وضيعه، تبرر وتشرعن سلوك السلطة، مهما تمادت في ظلمها وتعسفها ضد الآخر أو ضد شعبها. وأيضا عندما يتغنى الشاعر بالجواري والأنس والليالي الحمراء والبذخ والإسراف، يتخفي على واقع الظلم والعبودية واستغلال الجواري من قبل السلطان وحاشيته. فيركز على شاعرية الجمال، ويخفي بؤس العبيد والغلمان والجواري وما يتعرضن له من إهانة، وطعن بشرفهن وحيثياتهن. فبدلا من إدانة العبودية وسلوك الخليفة والسلطان يتغنى بجمال الجواري وصوتهن وفتنتهن. فارتكب الشاعر من حيث يدري أو لا يدري جريمة تكريس عبودية الإنسان خدمة لشهوات السلطان. فالأدب من وجهة نظر النقد الثقافي مدان، وشريك في جرائم التاريخ لتزويره الحقائق عندما يتعمد التستر عليها، ويضفي على الجريمة طابعا جماليا. لذا فالنقد الثقافي غامر بالقيمة الجمالية للأدب، ليعضّد جهود النهضة عبر نقد المرجعيات الفكرية والثقافية والفكرية والعقدية المسؤولة عن تخلف المجتمع.

 

وأما سؤالك: وهل هناك نقد ثقافي عربي وعراقي؟. الجواب يعتمد على زاوية النظر، فإذا كان المقصود بلحاظ أدوات النقد الثقافي من إطر فكرية وفلسفية ومناهج نقدية، فأغلبها تنتمي لبيئة أخرى، ولن يبقى سوى الإضافات التي جرت على يد أصحاب هذا الفن. لأنه نشأ وترعرع وتطور منذ ثمانينات القرن المنصرم في أحضان البيئة الثقافية الأمريكية.

وإذا كانت زاوية النظر أبعد من أدوات النقد الثقافي فلا شك بوجود منجز مهم، عربي وعراقي، راح يتصاعد وتراكم بمرور الأيام بفعل التنظير والكتابة، وما صدر من كتب ودراسات منشورة، التي منها:

عبد الله محمد الغذامي في كتبه الثلاثة: النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية الغربية. وكتاب: تأنيث القصيدة والقارئ المختلف، وكتاب: نقد ثقافي أم نقد أدبي. إدوار سعيد في كتابه الإمبريالية والثقافة. وكتاب: النظرية والنقد الثقافي، للناقد العراقي محسن جاسم الموسوي.  مدخل إلى نظرية النقد الثقافي المقارن، للباحث الجزائري حفناوي بعلي. تمارين في النقد الثقافي للدكتور صلاح قنصوة. وكتب وأعمال د. عزالدين مناصرة في النقد الثقافي المقارن. وكتاب: النقد الثقافي: ريادة وتنظير وتطبيق "العراق رائدا"، تأليف حسين القاصد. وآخرين.

 

ثم تسأل: ومن هم أبرز النقاد الثقافيين العراقيين والعرب؟. أما بالنسبة للنقاد الثقافيين العرب فيقع على رأسهم أدورد سعيد، وعبد الله محمد الغذامي، حفناوي بعلي، عز الدين المناصرة، صلاح قنصوه، بل العنوان يشمل كل من كتب في هذا المجال.

 

وأما بالنسبة للنقاد العراقيين، نذكر د. محسن جاسم الموسوي. وحسين القاصد. حيث أكد من خلال الأدلة في الفصل الأول من كتابه: (النقد الثقافي: ريادة وتنظير وتطبيق "العراق رائدا")، على ريادة العراق متمثلة بالجهود التنظيرية للنقد الثقافي، أمثال: د. علي الوردي، د. علي جواد الطاهر، د. محمد حسين الأعرجي. وآخرين، بل وخطّأ بعض ما توصل  له الناقد السعودي الغذامي، حول العراق، وأدان تغافله المتعمد لجهود الوردي وغيره من النقاد الثقافيين العراقيين وريادتهم، مع استفادته منهم. كما أدانه في التستر عن قبلياته وثقافته الغائرة في لاوعيه، والتي في ضوئها مارس نقده الثقافي.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 .

 

majed algharbawi3ali mohamadalyousifخاص بالمثقف: الحلقة السابعة عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة الكاتب والباحث الأستاذ علي محمد اليوسف.

  

س48: علي محمد اليوسف: طرحتم في منهجكم التنويري مبدأ (العقلانية الشاملة)، للتخفيف من سلبية واقعة طرح العلمانية طوق نجاة في إمكانية التحديث، وما تحمله من محمولات تأويلية استفزازية، ألا تجدون تعذّر العقلانية أن تلعب دورا تحديثيا، وهي تحاول إيجاد صيغ المهادنة مع الفهم السكوني للدين في حياة مجتمعاتنا، وهيمنته، عوضا عن العلمانية؟

ج48: ماجد الغرباوي: عندما شكك الفلاسفة الأوربيون بقدرة الدين على مواكبة تطور الدولة الحديثة، طالبوا بعزل مدوناته العقائدية والتشريعية عن الحياة العامة، وعدم الاكتفاء بعزل هيمنة رجل الدين والإكليروس عن السلطة والحكم، فتطور مفهوم العلمانية من مجرد موقف تاريخي من الكنيسة والنظام الكهنوتي إلى موقف من الدين ونصوصه المقدسة. فغدت العلمانية في ذاكرة بعض الشعوب ومنها الإسلامية تعني الخصم اللدود للدين، وأصبح المصطلح مثقلا بدلالاته السلبية، يرعب الوسط الاجتماعي بايقاعه، بل صار تبني العلمانية دستوريا إعلان حرب ضد الدين والمؤسسة الدينية. من هنا أتحفظ على تبني العلمانية دستوريا في دول ما زالت شعوبها مرتهنة لرجل الدين وفتاواه ومواقفه وقراراته، وأطمح لتحقيق أهدافها الإيجابية من خلال عقلانية شاملة، تمهد لعزل هيمنة رجال الدين والمؤسسات الدينية على السلطة والحكم، وهذا هو جوهر العلمانية. فمواجهة الشعب بمصطلحات استفزازية لا تخدم هدفنا في إرساء مجتمع مدني، ما لم يسبق طرحها تمهيد ثقافي يستوعب دلالالتها، خاصة أن العلمانية اليوم ليست موقفا سلبيا من الأديان بل حماية حقيقية للأديان، وهذا ما نلمسه خلال وجودنا في الغرب، حيث يتمتع الشعب بحقوقه الدينية كاملة رغم اختلافها. فالتثقيف ضرورة لا بد منها قبل تبنى مفاهيم الحضارة الجديدة، ونحن ما زلنا في بداية نهضتنا رغم مرور قرنين على الصدمة الحضارية. ولنا بالغرب أسوة، فالعلمانية لم تستطع تثبيت أقدامها في أوربا لولا ثقافة النقد وزعزعة اليقينيات المغروسة في أعماق وعي الفرد والجماعة. فكان هناك جهد فلسفي وفكري وثقافي قبل وبموازاة طرح العلمانية كأسلوب في الحكم. حيث عملت تلك الجهود على صعيدين، الاول فضح الكنيسة والكهنوت، وتسلطهما وفسادهما وعدم قدسيتهما، والثاني ترسيخ قيم العقل ومبادئ حقوق الإنسان ومفاهيم الحداثة، حتى ترسّخ المنحى العقلي، وأصبح العقل مصدرا أساسا للمعرفة بدلا من التراث الديني، وبات الشعب يتقبل مفاهيم النهضة، ونجحت أوربا فعلا في إرساء مجتمع مدني.

غير أن الأمر بالنسبة لنا أكثر تعقيدا، يتطلب جهودا مضاعفة ما دام التراث الديني راسخا، ومكونا أساسا لقبليات ويقينيات مجتمعنا، تتلبس به ثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا، وله في نفوسنا قدسية. خاصة الإسلام الذي يحيل للعقل والمعرفة والعلم والعدل والإحسان، ولم يصرح لرجل الدين بأي سلطة أو ولاية أو قيمومة. ولم تحكم المؤسسة الدينية طوال التاريخ منذ بداية الدولة الأموية عندما انفصلت السلطة السياسية عن السلطة الدينية، فلا يوجد نموذج للسلطة الدينية يعزز مخاوف الشعب من تماديها، عكس سلطة الكنيسة التي حكمت أوربا قرونا، عانت خلالها شعوبها من تسلط مرير باسم الدين والقداسة. لكن هذا لا يعني عدم وجود مساعٍ حثيثة لرجل الدين ومؤسساته لاحتكار القرار السياسي مباشرة أو غير مباشرة، خاصة مع ارتهان ارادة الشعب له، وتطلع بعض الأحزاب الإسلامية كما في العراق لاستنساخ تجربة ولاية الفقيه في إيران، وتشبث السياسي بالديني لتعضيد شعبيته وموقعه في السلطة. فهناك محاولات جادة لفرض ولاية لرجل الدين باسم الشرعية والدستور ولو على المدى البعقيد. لا مانع في مشاركة رجل الدين في السياسة والحكم باسمه الشخصي، لكن الخطر في دعوى القيمومة والولاية باسم الدين والسماء، مما يشرعن الاستبداد والتسلط وسلب الحريات.

 يمكن تبني جوهر العلمانية من خلال عقلانية شاملة، أي تحرير السياسة والحكم من هيمنة رجل الدين ومؤسساته. باعتباره ضرورة  لمجتمع يطمح بدولة مدنية، تذوب فيها فوارق التمييز الطائفي والقومي والديني، تراعي حقوق الإنسان، وتعمل بمبدأ المواطنة والتسامح الحقيقي بين الأديان والثقافات، والتداول السلمي للسطلة وعدم احتكار القرار السياسي. وهذا القدر لا يمكن لشعب طموح التخلي عنه، غير أن المشكلة في قبليات المجتمع، وقيمه الدينية الحساسة جدا أزاء أي موقف يشي بعدائه للدين ومؤسساته ومراجعه، لذا تجدهم يتلبسون مفاهيم الحضارة الحديثة ويتحسسون من سماع المصطلح!!. فمثلا بعض الدول لا تسمح بتدخل المؤسسة الدينية في السلطة عملا، لكنها تتهيب من تبني العلمانية دستوريا. من هنا دعوت لعقلانية شاملة، تمهد لقيام دولة تتبنى قيم حقوق الإنسان، وتحافظ على قدسية الأديان، وعدم زجها في معترك السياسة والحكم، فيتحقق هدف العلمانية، عزل هيمنة رجل الدين عن السلطة والحكم.

أقصد بالعقلانية الشاملة، بُعديها الفلسفي والاجتماعي:

فتعني العقلانية في بعدها الفلسفي، منهجا يعتمد العقل والمنطق مصدرا للمعرفة، في ضوئه تتم محاكمة الأنساق المرجعية للعقائد والفكر ، ونقد جميع المقولات والمفاهيم المعرفية، وتفكيك سلطة المهيمن الثقافي. مع مراجعة جميع المفاهيم المرتكزة ليقينيات وقبليات غاطسة في أعماق الفرد والمجتمع، واستدعاءها لنقدها وتقييمها ثم بناء منظومة معرفية ترتكز للعقل كمصدر للمعرفة، يتولى فهم النص الديني، بشكل يتناسب مع مقاصد الدين وغاياته وأهدافه، ويعيد قراءة التاريخ، والتراث، والماضي، والرموز المقدسة، بعد تفكيك ما أحاط بها من تراكمات أيديولوجية ومتبنيات طائفية، كي ندرس ظروف نشأتها ومسار تطورها، ومن ثم اكتشاف كل ما هو بشري ودنيوي دعت مختلف الضرورات لتقديسه، ومنحه وخطاباته حصانة تـأبى النقد والمراجعة، وقد ترتقي به لدرجة العصمة ذات الحصانة الذاتية، فيقتصر دور المتلقي حينئذٍ على شرح وبيان وتأويل وتفسير نصوصه، لحرمة نقدها أو رفضها، لأنها صادرة عن عقل مطلق معصوم يحيط بكل شيء معرفة وعلما. فالعقلانية تدرس طرق تفكير العقل، وأساليبه المرتكزة إلى قبليات غائرة، تستمد وجودها من فهم الدين، وفلسفة وجود الرموز التاريخية ودور المقدس في حياة الفرد والمجتمع.

إن هدف العقلانية في بعدها الفلسفي البحث عن حقائق الأشياء وفهم الجهد البشري في تطوّر مفاهيمها ودلالالتها، بعد تفكيك ما نسجت حولها الأيديولوجيات والفِرَق الكلامية، والمذاهب الفقهية، وما فرضته السياسة والأهداف الطائفية. وحينما نكتشف حقائقها من خلال الغوص والتنقيب في طبقات اللاوعي ستنهار كثير من المرجعيات العقائدية والفكرية، وسنربح حرية الفرد والمجتمع، كي يمارسوا دورهم في النقد والمراجعة وعدم الخضوع لمقولات دينية أو تراثية، لا يعرفون عن حقيقتها شيئا. بل ستتلاشى كثير من الأحداث والوقائع التاريخية التي ما زالت حاضرة في ضمائر الناس عندما نكتشف حقائقها، وهذا ما نعول فيه على العقلانية في بعدها الفلسفي. فعندما تتسلح بالعقل والمنطق سنفهم النص الديني بشكل مغاير للفهم التراثي، سنميز حينئذٍ بين النص والقراءة والفهم والفكر الديني. فكم من آية قرآنية تم تأويلها لصالح هذا الصحابي أو ذاك وتسببت في تعميق شقة الخلاف بين المسلمين، عندما تراجعها بعقلية نقدية، وتزيح عنها تراكمات التراث وتفسيرات السلف ستنكشف لك حقيقة أخرى. فالعقلانية الشاملة تمد الإنسان بوعي عقلي نقدي، يرفض الاستسلام المطلق، ويتحرر من فخ الأيديولوجيا والاندفاع العاطفي، ويفهم التراث وما اشتمل عليه من علوم ومعارف، في إطاره التاريخي. فالعقلانية منهج معرفة الحقيقة، ورهان التطور الحضاري. بها نتخلص من الانبهار والاصغاء، ونكف عن الانقياد والتبعية، فكم من صورة ذهنية مقدسة ستنهار عندما يطال نشأتها المنهج العقلي، ويكتشف بشريتها، وعدم إمكان وقوعها. وبالتالي ستقوم العقلانية الشاملة بتفتيت اليقين السلبي، أي، ما يُعيق الفعل الحضاري من جزميات وقناعات راسخة، كما تحدثت عنه في كتبي. ويقع على الضد من اليقين الايجابي. وأقصد به: حزمة الجزميات والقناعات الراسخة، التي توجّه وعي الإنسان سلبا، فتضبط سلوكه وحركاته ومشاعره في إطار هذا اليقين.

وتعني العقلانية في بعدها الاجتماعي: اعتماد العقل مصدرا أساسا لنقد الواقع الاجتماعي وركائزه المعرفية، لتنقيته من أسباب التخلف في علاقاته ووشائجه وعاداته وتقاليده وطقوسه ومناسباته وسلوكه، ومن ثم تطوير النسق القيمي للفرد والمجتمع عبر انتقال مفاهيمي، من منظومة قيمية ترتكز لقيم البداوة والعشيرة والسحر والشعوذة، والتعصب الطائفي، والخرافة والأوهام التاريخية والتراث واللامعقول، إلى منظومة قيمية تعتمد العقل مصدرا معرفيا لتشخيص الأولويات، وترشيد الوعي والعقل الجمعي، ودراسة المقدس والظواهر الدينية، والرموز التاريخية، والطقوس المؤثرة في سلوك الفرد والمجتمع والعقل الجمعي، وفق سياقاتها وحواضنها وبيئتها وتحدياتها وإكراهاتها، ودور الأيديولوجيا والحس الطائفي، والتعصب الديني. أي الكشف عن عللها وأسبابها بأداة العقل والمعرفة العقلية، لإقصاء اللامعقول الديني والاجتماعي. وحينئذٍ ستختفي ثقافة الفرز التام بين أفراد الشعب على أساس انتمائهم الديني أو الطائفي أو القومي، كما هي لغة التنابذ والتكفير والإقصاء. وستحل قيم الإنسان والمواطنة، والنظرة الموحّدة لجميع أبناء المجتمع، وهذا  يتطلب حسا نقديا يحاكم ما راكمه الفرز من مفاهيم ومشاعر لا إنسانية، وسيكتشف أن الفكر الديني لا يختلف عن الفكر الإنساني، لولا ارتهانه لتراكمات فهم طائفي أو سياسي، أو أيديولوجي.

 بهذا ستساهم العقلانية في إعادة تشكيل مجتمع تقوم فيه العلاقات الاجتماعية على أسس مغايرة. فتتبنى إضافة للعقل، قيما أخلاقية تحفظ توازن المجتمع، لتخفيف وطأة العقل، والتعامل المادي، في العلاقات الاجتماعية، ليحتفظ المجتمع بحيويته الإنسانية، النابعة من قيمنا وأخلاقنا. فتارة يكون حكم العقل قاسيا اجتماعيا لولا وازع الخير الفطري عند الناس، والقيم الأخلاقية الدينية. من هنا تأتي أهمية الأخلاق إلى جانب العقل في العقلانية الاجتماعية.

فالعقلانية اجتماعيا، مجسّ عقلي - أخلاقي لتعضيد نقاط القوة في ثقافة الفرد والمجتمع بعد اكتشافها. ونبذ اللامعقول والخرافة والوهم والتقديس والأسطرة في مرجعياتها الفكرية والعقائدية. وتقويم ما هو ملتبس من المفاهيم، بعد تحديد دلالاته، وتنقيته من التراكمات والأوهام واليقين السلبي.

وكما لا يمكن التعويل على العقل مفردا في العلاقات الاجتماعية، لا نعوّل على الأخلاق منفردة في استعادة وعي العقل الجمعي، لأن قسما من الأخلاق (البراغماتية خاصة) منتج بشري، فرضته حاجة المجتمع للسلم الأهلي، وقيم العشيرة، والثروات، وضرورات السلطة والحكم، وسطوة المؤسسات الدينية، فهي قديمة قدم الاجتماع البشري وقبل نزول الأديان لتوفر دواعيها الاجتماعية. فاقتصر دور الأديان على تعزيز الأخلاق الإنسانية، ودعمها بقيم أخلاقية جديدة، إضافة إلى إضفاء معنى للقيم الأخلاقية تقاوم النزعات البشرية وجموح حب الذات، فتكبح النزعات الشريرة، وتخفف من وطأة العقل وأحكامه حينما تكون جافة، مادية، مجردة، من أجل قيام مجتمع الفضيلة المفعم بعقلانية شاملة. لكن العقل بدوره يضبط أداءها عندما تسترخي وتجافي إنسانيتها، المتمثلة بحب الخير والعطاء والتراحم والأخوة والصدق، ورفض الظلم والعدوان والاعتداء وسرقة حقوق الناس. وبالتالي لا يمكن تسرب الشك لقيم العقل حينما يكون محايدا، بينما يتسرب الشك لمنظومة قيم الأخلاق التي أفرزتها السلطة الاجتماعية أو السياسية أو الدينية. فكل سلطة تنتج منظومتها الأخلاقية التي توطئ لها، وتضمن بقاءها وشرعيتها، وقوة حضورها. وبذات الوقت تتقوّم بها القيم الأخلاقية، فتنشأ بينهما علاقة جدلية. الأخلاق تشرعن السلطة، وتضفي عليها صفة قدسية. والسلطة تعزز مكانتها والتمسك بها. ومثالها البسيط، أن شيخ القبيلة لا يمكنه السيطرة على أبناء قبيلته بالقوة وحدها، ما لم تكن هناك منظومة قيم تفرض طاعة الجميع لشيخ القبيلة في أطار فلسفة أخلاقية ترهن أمن الفرد والجماعة بأمن الشيخ وطاعته، فيندفع لطاعته ذاتيا، غير آبه بتداعياتها على المدى البعيد. لذا لا يعوّل على هذا النمط من الأخلاق بمفردها في ترشيد الوعي الجمعي، ما دامت تكرّس التبعية والاستبداد، فتحتاج لعقل يضبط أداءها، وعقل يحرر الوعي الجمعي من سجونها الغائرة، ومغاراتها التي تطمس تشوهاتها، وسلبياتها، فوراء أخلاق العشيرة وطاعة الشيخ مثلا إدمان الاستبداد والتبعية والانقياد حد التمرد على القيم الخير والصلاح، فيفكر بمنطق العشيرة، لا بمنطق الضمير والدين.

نعود للعقلانية وقيم الحضارة، فلا يمكن استنبات قيم ومبادئ في مجتمع غير مؤهل لها أساسا، سيرفضها أو يشوهها، فتفقد دورها في  في تطور المجتمع. من هنا يأتي دور العقلانية كمصدر معرفي ينافس سلطة التراث والخرافة، والعلوم الباطنية والسحر والكهانة. بل وحتى ينافس أوهام الأيديولوجيا والفهم الديني الخاطئ، من خلال فهم عقلاني لنصوص الكتاب الحكيم، وكشف بشرية الرموز التاريخية، وأسباب تطور الأحدث.

إن العقلانية ضرورة تفرضها ثقافة القطيع والانقياد اللاشعوري لرجل الدين والسياسة وشيخ العشيرة، وكل ثقافة منغلقة، ترفض العقل والاستدلال العقلي، وتقدم النص، مهما كانت مصادره ودلالاته على العقل. ثقافة تحتمي بالعاطفة والطقوس والتراث، وتستجير بالرموز التاريخية وتتوخى عودتهم. ثقافة تنقاد، تتنازل عن العقل لصالح الفتوى في كل حركات الإنسان وسكناته. ثقافة تحتمي بمقدسات خلقتها بنفسها ثم غدت سلطة توجه وعي الفرد، وأصبح التحرش بها كفرا وردة وإلحادا رغم بشريتها. ثقافة تهجر معطيات العلوم الطبيعية والإنسانية لصالح علوم تراثية لا تملك أي دليل علمي على صحتها، وتستدل على صدقيتها بأدلة نفسية وعاطفية.

لا يمكن انتشال العقل الجمعي من ثقافة القطيع، ما لم تنشط العقلانية في قدراتها النقدية، لتمهّد المجتمع ثقافيا وعقليا، فالعقلانية الشاملة تعد ضرورة للمجتمعات الصاعدة حضاريا. وهذا ما حصل لأوربا من قبل. فكل المفاهيم التي طرحت إبان النهضة كانت مفاهيم غريبة على المجتمع لولا سيادة العقلانية والمنطق العقلي الذي ساعد على قبولها وترسيخها حتى صارت جزءا من ثقافتهم. لذا تحتاج الشعوب المنغلقة على النص الديني والتراث، إلى عقلانية تهز أعماق الفرد والمجتمع، وتعيد تشكيل العقل والوعي، وفق منهج عقلي يعتمد المنطق والفلسفة والعقل للكشف عن أسباب الظواهر الخطأ، فتفضح تناقضاتها، وتقاطعاتها مع العقل، وترفض الاقتصار على التفسير والتأويل ارتكازا لقدسية مصادر ومفاهيم وقيم المجتمع، ولا تكتفي بالتفسير والتبرير، بل تمارس نقدا جذريا للتراث والتاريخ والكشف عن أسباب الظواهر، وقيمة الرمز والشخصية التاريخية ومدى قدسيتها وبشريتها، بعد هدم كل التراكمات الأيديولوجية والطائفية، وما راكمته الصراعات السياسية والمذهبية.

نحن نعوّل على عقلانية تقلص بالنقد والمراجعة مساحات المقدّس الذي غزا حياتنا، وتضع العقل فوق كل شيء. إنه هبة الله للإنسان، وركيزته عند وقوفه بين يديه يوم يلقاه، لذا تجد القرآن يرجع الناس للعقل والتعقل، ويحترم مآلاته ومنطقه وأحكامه. لذا يضع الكتاب الحكيم العقل فوق النص (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا)، فلماذا نتشبث بنصوص ليس لدينا دليل على صدقيتها، بل ومخالفتها للعقل أحيانا؟. وبالتالي فالعقلانية لا تهادن العقل السكوني، بل تستفزه، وتجرده من التعصب والجهل والأمية، وتعزز فيه قيم الخير والصلاح في منظومته العقائدية – الفكرية.

إذاً هناك مبرر للعقلانية الشاملة كتمهيد للتطور الحضاري، لأنها، ستنقلنا من إدمان تلقي المعرفة الجاهزة من خلال النصوص والتراث، إلى استخدام العقل والمنطق والتجربة والاستدلال لاكتسابها. وتنقلنا من التلقين إلى التعليل، ومن الانقياد إلى الاختيار، ومن العبودية إلى الحرية. وبهذا ستتولى العقلانية الشاملة، إعادة بناء الهوية، وتشكيل العقل، وترشيد السلوك الاجتماعي بمختلف تجلياته وعلاقاته، كالعادات والتقاليد والطقوس والمناسبات. وضبط إيقاع المشاعر والانفعالات.

عود للسؤال: فأنا أتوسم في العقلانية الشاملة، وأتفاءل بأمكانية سيادتها مستقبلا، لأنها ثقافة ووعي، سيساهم العمل الجاد المتواصل بمساعدة وسائل الاتصال الحديثة على انتشارها. وأجد في تبني العلمانية دستوريا تحديا، يؤلب الشعب ضد المشروع الحضاري.

ويبقى الرهان على عقلانية شاملة لتحرير العقل السلبي من أوهامه في التفوق، وأوهام الفرقة الناجية وأوهام قدسية التراث والموروث الفكري والعقيدي، وأوهام أسطرة الرموز التاريخية، وأوهام النجاة في اليوم الآخر، لا لعمله الصالح بل لموالاته مذهبا ما، أو شخصا ما. ذلك العقل المغيّب، الكسول، الذي يبتكر عقولا مطلقة تنوب عنه في التفكير، يضفي عليها كمالا بلا حدود، يجعلها قيّمة عليه، تفكر بالنيابة عنه، تستشرف له المستقبل، ترسم له حياته، يستمد من نصوصها التراثية كل ما يحتاجه في حياته، فتقتصر مهمته على التلقي والانقياد. وكلما داهمه الشك، يضفي علىيها مزيدا من القداسة يطرد بها شكوكه، ويهرب من الشك إلى التقديس. وكلما عجز عن الإتيان بدليل قرآني صريح يؤيد قداستها، يلوذ بالتأويل وباستدعاء روايات مكذوبة، أو يتشبث باللامعقول من أحلام وحكايات خرافية، أو يبتكر مزيدا من الطقوس لتعمّق إيمانه، وتغيّب وعيه. فمن هنا تبدأ الخطوة الأولى، من تفكيك العقل السلبي وإعادة تشكيله في ضوء عقلانية منتجة، كي يستعيد وعيه، ويتحمل مسؤوليته في الدنيا والآخرة.

 

س49: علي محمد اليوسف: ما قيمة وفاعلية الأفكار التنويرية في مجتمعاتنا، حينما جاءت في غالبيتها، فلسفات ومنهجيات ورقية معزولة عن واقع التأثير في حياتنا، وضعت رؤاها في بطون الكتب وحبيستها، هل السبب هو في كوابح الفهم الساكن للدين مجتمعيا ومخرجاته المنغلقة، أو الأسباب غير ذلك؟

ج: ماجد الغرباوي: هذه إحدى الإشكاليات المعقدة، سببها مجتمع يرفض التخلي عن قبلياته ويقينياته ومصادر معرفته حتى وهو يعيش عصر المجتمعات المدنية الحديثة ويشاهد عن قرب صدقيتها. فأحد الأسباب ما ذكرته في السؤال، هو كوابح الفهم السكوني للدين، أو كوابح المعرفة الدينية.

 لا أقصد التخلي عن قيم الخير والصلاح، بل التخلي عن مصادر المعرفة المتوارثة والتي يحصرها الناس بالمقدس بغض النظر عن صدقية قداسته وعصمته، خاصة أن دوافع التقديس ليست ذاتية كما بالنسبة للخالق وملائكته ورسوله، بل حاجة آيديولوجية أو مذهبية أو طائفية بل وحتى نفسية، بسبب الجهل والأمية. فمصادر المعرفة تنحصر عندهم بالنص، والروايات التراثية والتاريخية، وما يقدمه الوهم والشعوذة والسحر من حلول.

 فالمقدس (الأعم من المقدس الذاتي) بالنسبة لمجتمعاتنا مصدر العلوم، بما فيها العلوم المستقبلية. قد لا أبالغ مع كل حادثة كبرى أقرأ نصوصا تاريخية قد تنبأت بها، تتناقلها وسائل الاتصال الحديث بكل ثقة. أما لماذا لم تظهر هذه النصوص قبل وقوع الحدث؟ فهذا مسكوت عنه. وأغرب ما في الأمر التمسك بها على حساب الحقيقة أحيانا. وبالتالي لا رهان على مفاهيم وأفكار في مجتمع يقدم النص على العقل مهما كانت قيمة النص معرفيا، رواية تاريخية أو دينية أو فتوى اجتهادية. لكن الرهان سيكون ناجحا على المدى البعيد، مع استمرار ثقافة النقد بشجاعة تتحدى الموروث وتزويرات الخطاب الديني التي يتشبث بها رجل الدين لتمويه الحقيقة خدمة لأهدافه الأيديولوجية والطائفية. كما ستساهم ومختلف وسائل الإعلام والمؤسسات التربوية والأكاديمية في تسريع عجلة النهوض، وانتشال العقل الجمعي بعد تفكيك مصادره المعرفية من خلال العقل والنقد العقلي. وسيكون للحكومات الدور الحاسم حينما تتبنى التجديد والنهوض الحضاري، وهذا يتوقف على مدى صدقيتها في خدمة الشعب ولو على حساب مصالحها الانتخابية.

لا تنسَ أن مجتمعاتنا ضحية سياسات استبدادية تراهن في بقائها على الجهل والأمية كما تراهن على القوة والعنف، فتكرّس الخرافة والوهم والموروثات التاريخية حتى أصبحت ثقافة القطيع والانقياد والتبعية صفة غالبة له. ثم استكان العقل وخمد توهجه، فهو بحاجة إلى تأهيل يتخلى به تدريجا عن ثقافته ومصادر معرفته، ويستعد لقبول ثقافة ومفاهيم أخرى. فما علينا سوى مواصلة الطريق بحزم وشجاعة، وسيساهم الانفتاح الواسع على العالم الغربي وتجربة المجتمعات المدنية في تطوير ثقافة مجتمعاتنا، وكأني آراها حتمية ويبقي الرهان على الوقت وجهود المفكرين والمثقفين.

وبالتالي ينبغي، من أجل فتح الطريق أمام الإصلاح والتغيير، الوقوف بوجه رجل الدين والحكم والعشيرة ممن يراهنون في بقاء سلطتهم وتعزيز مكانتهم على الجهل والأمية والانقياد والتبعية وعدم الانفتاح على أفاق العلم والمعرفة والحضارة والرأي الآخر، خوفا من استفاقة العقل والتمرد على سلطاتهم. وإلا سيبقى الفكر والثقافة حبيسة الورق والكتاب، لا تؤثر في الواقع، فالنقد ثم النقد من أجل فتح آفاق الوعي.

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

majed algharbawi7ali mohamadalyousifخاص بالمثقف: الحلقة السادسة عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الكاتب والباحث الأستاذ علي محمد اليوسف.

 

س47: علي محمد اليوسف: المعاصرة والتراث إشكالية تضرب العمق الوجودي لمجتمعاتنا، نوقشت باسهاب تنظيري لعقود طويلة، وبقيت تلك الفلسفات تدور حول الإشكالية، وعجز تلك الاسهامات، أخذ حيز التنفيذ في تغيير، أو تخفيف صرامة المهيمن اللاهوتي- الديني في قيادة مجتمعاتنا، والعجز من إيجاد حلول شافية لهذه الاشكالية.

ماذا تقولون بذلك؟

ج47: ماجد الغرباوي: إشكالية التراث والمعاصرة، من أكثر الإشكاليات تداولا في الفكر العربي، إلا أنها بقيت مستعصية، رغم عدم استحالتها حينما تتوفّر على منهج قادر على تفكيكها، والتعامل بواقعية مع طرفيها.

تبلورت هذه الإشكالية في خضم الجدل الدائر حول سؤال النهضة بعد الصدمة الحضارية، الذي أطلقه شكيب أرسلان: "لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟"، حيث أَذهَلَ العربَ والمسلمين والشرق عموما حجمُ الفارق الحضاري بين الغرب وبينهم، فراحوا يتحرون أسباب التخلف وكيفية معالجتها من داخل التراث والثقافة، تمهيدا لقفزة حضارية يستعيدون بها أمجاد الحضارة الإسلامية، فتبلورت في سياق الوعي إشكالية التراث والمعاصرة في ظل انقسام حاد حول مفهوميهما وشروطهما وإكراهاتهما. وبقي سؤال النهضة يبحث عن إجابة تخرج به من نفق الإشكالية إلى رحاب نظرية تقدّم قراءة جديدة للتراث نتجاوز بها عقدة الأصالة والخوف على الهوية، في مقابل تشاؤم مرير من المعاصرة، مرده ذات الخوف على الأصالة والتراث. فانقسم الموقف من التراث بين التمسك به، والتحرر مطلقا منه، وثالث يسعى لموقف متوازن، فكانت ثلاثة اتجاهات أزاء التراث ودوره في تكريس التخلف:

الأول: كان منبهراً بالغرب حد الانسحاق والتبعية المطلقة، والتخلي عن كل ما يمت إلى الأمة من صلة، فدعا (وهم المتغرّبون) إلى نبذ التراث وانشاء قطيعة معرفية معه باعتباره المسؤول الأول عن التخلّف، ليحل النموذج الغربي محل النموذج السائد في حضارتنا بكل حمولته الثقافية. فجاء حلاً مبتسراً للمشكلة ساهم في تعميقها من خلال تبنّي مفاهيم جديدة تكوّنت في فضاءات ثقافية غريبة عن بيئتنا. جاءت لتطمس هوية الأمة ومعالمها الحضارية، وتُفقدها أصالتها وانتماءها. وهنا سيكون استدعاء النموذج الغربي بجميع حمولته الثقافية معيقا للتطور المنشود، لذا فشل هذا الاتجاه في تسوية الإشكالية، وتصدى له محافظو المجتمع، رغم أصدائه لدى طيف واسع من المثقفين.

الاتجاه الثاني: ارتد سلفياً رافضاً معطيات الحضارة الحديثة، منكباً على التراث لا يغادره. يصر على استنساخ النموذج الحضاري الإسلامي رغم تاريخيته. وقد غامر هذا الاتجاه في تجربته العملية بنفس أدوات الماضي، فكانت داعش والحركات الإسلامية المتطرفة، قد بسطت روح الرعب والعنف والإرهاب في أرجاء العالم لتثبت للبشرية جميعا فشل المشروع التراثي الديني. ويعتقد هؤلاء أن الخطأ في التطبيق دائما، ويرفضون أي اتهام يمس التراث والعقيدة والفكر والثقافة لانتمائها للمقدس الديني. فالسبب برأيهم في المسلم ذاته ومنهج التطبيق، لا بفكره وعقيدته ودينه، ويراهنون على طبقة مثالية في تدينها والتزامها واعتقادها ستعيد للتراث حيويته وقدرته على بناء دولة تنتشل المسلمين من التخلّف المرير. فلا نهضة إلا من داخل التراث، ولا مستقبل إلا من خلاله. فهؤلاء يعتقدون بقدسية التراث وإطلاقه وصلاحيته لكل زمان ومكان، رغم تاريخيته. لذا يهربون إلى واقع افتراضي يتمثلون فيه الماضي بكل وقائعه وشخوصه، ويسقطون عليه كل رغباتهم، وأوهامهم، فيختلط الواقع بالخيال بالطموح، ويتهمون الناس بالردة بل والكفر، وتنفيذ الحدود بهم، قياسا على الماضي وما يحملونه من صور عنه.

الاتجاه الثالث: عاد إلى التراث، يستنطقه، يبحث عن مصادر قوته، ليؤسس من عناصره القادرة على البقاء قاعدة تستوعب معطيات الحضارة الحديثة في إطار الإسلام وقيمه ومبادئه. فلا يلتصق بالتراث ولا يرفضه، بل ينقده ويقوّمه ليستلهم منهجا في الرقي الحضاري. ثم لا يرتمي في أحضان الغرب ولا يرفض معطياته الحضارية، مادام جزءا كبيرا منها نتاجاً بشريا، يمكن لأية حضارة استيعابه ضمن أطرها الدينية والحضارية. غير أن الاتجاه الثالث لم يتغلغل في أعماق الوسط الاجتماعي ليستنقذه من التردي الثقافي بل ظل همّاً محدود التأثير، يتعهده روّاد الإصلاح الواحد تلو الآخر، ولم يتحول بعد إلى تيار عارم، متمرد، يهز ضمير الأمة ويوقظ شعورها بالمسؤولية تجاه مستقبلها، ودعوتها إلى رفض السكونية الناتجة عن عدم وعي  الأزمات، أو الناتجة عن عدم إدراك خطورة التراكمات التاريخية والفكرية والسلوكية، على مستقبل الدين، لذا ظلت الدعوة إلى مراجعة الفكر والثقافة والإلحاح على دراسة الواقع ومكوّناته الثقافية دعوة مريبة، تستفز مشاعر فئة تكرّس خرافات وطقوس خالية من أي محتوى ديني. فيزعجهم الوعي، وتصدمهم الحقيقة، ويربكهم تعرية البدع المختلطة بالدين.

إن طموح إشكالية التراث والمعاصرة الخروج بمشروع ينتشل الواقعين العربي والإسلامي من حالة التراجع والتخلف والإنكفاء إلى أفق الحضارة والتقدم والتطور في جميع مناحي الحياة. غير أن نجاح هذه  الاتجاهات في تسوية الإشكالية تراوح بين الفشل والنهوض المحدود، لأنها إشكالية معقدة، مردها إلى إشكاليات أعمق تتطلب تسويتها في مرحلة سابقة، تتعلق بفهم الدين وسعة الشريعة، وقدسية التراث، وكيفية تراكمه، وحدوده وعلاقة الفرد والمجتمع والثقافة به، وتأثير الاستبداد، والاستعمار، والأيديولوجيا، والصراع الطائفي.

إن مقاربة الإشكالية تستوجب تحديد المفاهيم أولا، لتدارك التباس التداخل بين المقدّس وغير المقدس، وبين الديني وغير الديني. فثمة اختلاف حول مفهوم: الدين، السنّة النبوية، المقدّس، التراث، شرعية الاجتهادات الفقهية ومدى سلطتها وحجتها على الآخرين، وغير ذلك.

يقصد بالتراث: ما أنجزه السلف من دراسات وبحوث، فكرية وعقدية وثقافية وفقهية ما زالت تفرض نفسها مرجعيات تؤثر في وعينا وتفكيرنا وفهمنا، وتحتفظ بقدر كبير من الاحترام والقداسة، خاصة في الأوساط الدينية والتراثية المحافظة.

ومهما بالغوا بقدسية التراث لكنه يبقى منجزا بشريا في إطار ظرفه الزماني والمكاني، فيحتفظ بتاريخيته، وعدم تعاليه على النقد. ويبقى مرتهنا في إطلاقه وتأثيره لمتانة مبانيه ومبادئه وأسسه، بما في ذلك الفقه الإسلامي الذي يشتغل على نصوص الكتاب والسنة. رغم أن الفقه وفتاوى الفقهاء غدت سلطة مقدسة، يترتب على مخالفتها عقوبات دنيوية فضلا عن العقوبات الأخروية، وهي قدسية مريبة لا أساس لها سوى فهم خاطئ لفهم الدين في الحياة، ودور الإنسان فيها، ورغبة الفقيه في تحصين سلطته بالمقدّس، وتوظيف الفتوى لصالح مكانته الاجتماعية والسياسية، وتلبية لطموحاته المذهبية والطائفية. يؤكد ذلك موقف كل فقيه من الآخر المختلف مذهبيا، رغم وحدة مصادر التشريع، واتفاق فقهاء المسلمين على أكثر من 90 بالمئة من أحكام الشريعة.

لقد خسر الإنسان حريته، بسبب إصرار الفقيه على احتكار رمزية رجل الدين وقدسية سلطته الروحية، من خلال قواعد إصولية ابتدعها ثم صارت سلطة معرفية، لتدفق فتاوى راحت تطارد الفرد والمجتمع في في كل مكان، فأنتجت شعبا معاقا لا يهزه الشعور الإنساني لكنه ينقاد للنص والفتوى، حتى تضاءلت حريته وتخلى عن عقله، حدا صارت الفتوى تقوده حيث تطلبت أهدافها السياسية والطائفية، وتمادى بعضهم ففرض ولاية وقيمومة للفقيه على الإنسان ومصيره، بعد ضمان روح الإنقياد والتبعية في أعماق الفرد والمجتمع.

وعندما قاربوا التراث، للتخلّص من هيمنته كشرط أساس للمعاصرة ودخول الحداثة، باعتباره منجزا بشريا، اصطدموا بالمقدّس (الكتاب والسنة) ومدى شمول التراث لهما أو لأحدهما. أم تبقى مطلق النصوص المؤسسة (القرآن والسنة) سلطة فوقيه، تتعالى على النقد والمراجعة؟. فيختفي النقد ويقتصر عمل المسلمين على التفسير والتأويل والطاعة المطلقة؟.

بعض عمد إلى أنسنة النص الديني مطلقا بما في ذلك الكتاب الكريم، لنزع قدسيته، واعتباره منجزا بشريا، يقرأ ضمن تاريخيته (أغلب المستشرقين ومحمد إركون مثالا)، وسياقاته فيمكن التخلّص من سلطته. وهذه القراءة ممكنة في إطار ثقافة أخرى، ومناهج من خارج النص وفضائه المعرفي ومنطقه ودلالاته. لكنه غير ممكن بالنسبة لمجتمع يؤمن إيمانا قاطعا بقدسية القرآن الكريم، وانتسابه لله تعالى، ومستعد للتضحية دفاعا عنه.

إن الخطأ في فهم الواقع العربي – الإسلامي وعلاقته بالدين والمقدّس والتراث، من جهة. وعدم تشخيص مقاصد وغايات المنظومة العقيدية والفكرية من جهة ثانية، هي  جوهر الإشكالية. فيفشل من يراهن على شطب الدين واللاهوت والتراث والمقدّس والماضي بأسره، شرطا للمعاصرة ودخول الحداثة من أوسع أبوابها. وأيضا سيفشل من ينكفئ يراهن على قابليات التراث في التطور الحضاري، وينظر بريبة للمعاصرة ومناشئها. ويبقى الوسط محاصرا بين الخوف والإيمان. فالانقسام يختزل احتمالات التسوية في حل الإشكالية. فعلينا اعتماد رؤية أخرى تقارب التراث والحداثة من داخل فضائهما، كي تكون المقاربة منتجة، من خلال منهج تحليلي، يعود بالتراث إلى عناصره الأولية ودراسة سياقات التطور ضمن مسارها التاريخي، لتحديد دور الزمان والمكان ومختلف الظروف والعوامل المؤثرة. ولا مانع أن يطال المنهج مساحات المقدّس بحثا عن فعلية أحكامه وإطلاقات نصوصه. وفي غير هذه الحالة يبقى التراث يفرض نفسه بقوة تتحدى السياقات الثقافية للمعاصرة التي هي جزء لا يتجزأ منها. فتقديم قراءة مغايرة للتراث من داخله ستساعد على اكتشاف بشريته، أما القراءات من خارج التراث فتفرض شروطها التي تخل في فهمه. فحدود قدسية الكتاب والسنة، ومدى فعلية أحكام الشريعة الإسلامية تعد إشكالية أولى ضمن إشكالية التراث والمعاصرة، وتسويتها تمهد لفهم المنجز الفكري للمسلمين باعتباره منجزا بشريا لا تشمله قداسة الكتاب والسنة النبوية، فيمكن نقده والتخلي عنه كمرجعية نهائية، كما تفعل الاتجاهات السلفية وأهل الحديث.

ثم تأتي إشكالية أكثر تعقيدا عندما عمد المسلمون بدوافع سياسية وأخرى أيديولوجية إلى تقديس منجز القرون الأولى حد التعالي على النقد، حيث ذهب السنة إلى عدالة الصحابة مطلقا، لتحصينهم سياسيا وعقيديا. فأصبح قول الصحابي وفعله وتقريره حجة، وتحصّن الصحابة بحصون مقدسة، يستمد منها الفقيه شرعية بعض الأحكام. ثم تعمقت روح التقديس بمرور الأيام وتراكم أحاديث الفضائل والأخبار عن النبي الكريم في الثناء عليهم، ثم شاع حديث العشرة المبشرين بالجنة، ليمنحهم حصانة مطلقة، جعلت من نقدهم، مهما كان سلوكهم، تكذيبا لرسول الله، بل ومحاربة لله ولنبيه المرسل. وبهذا اتسعت رقعة المقدّس، ليمارس دوره السلطوي في توجيه وعي المسلمين خاصة في أجواء الصراع المذهبي.

في مقابل السنة راح الشيعة يُنظّرون ما بعد سنة 150 هـ إلى عصمة أئمتهم، حتى أمتد عصر النص عندهم إلى نهاية ما يعرف بالغيبة الصغرى. فتراكم لديهم تراث معصوم من الخطأ كما يعتقدون، أقتصرت فيه مهمة الفقيه، كما هو الفقيه السني بالنسبة لعدالة الصحابة، على التأويل والتفسير، وتسوية التعارض بين الأحاديث المتعارضة. وبهذا تضاعفت رقعة المقدّس لدى المسلمين من جهة، وتعددت مصادره مما سهل الكذب والافتراء والتلفيق في مجال العقيدة، والموقف من الند السياسي والمذهبي، بل وتعدى ذلك إلى مصادرة العقل وقدرته الابداعية خارج حدود التفسير والتأويل والاستنباط بعد أسلمة الحياة برمتها، وشمول الفقه لجميع حركات الإنسان والمجتمع، بشكل خسر الفرد حريته، وصار يدور داخل المدونة الفقهية، ويبقى في سجن الفقيه ما دام حيا.

فمقاربة الإشكالية تبدأ من هنا، لتحديد ما هو المقدّس؟ وما هي مصادر قدسية التراث خارج إطار الكتاب والسنة؟ بل ويمكن المناقشة في إطلاق حجية السنة النبوية، وكذا بالإمكان تقديم فهم أخر للدين وأحكام الشريعة.

إن خطورة التقديس في تلبّسه قداسة الخالق تعالى، عندما جعل الفقهاء حجية قول الصحابي وقول الإمام المعصوم بموازاة حجية السنة النبوية والكتاب الحكيم، فالرواية عندهم تقيّد وتخصص الآية، بشكل تتساوى قيمة كلا النصين من حيث حجيتهما. فرغم أن الرواية من خارج النص المقدّس لكنها تخصصه وتقيده. بينما اقتصرت مهمة الرسول قرآنيا على التبليغ والبيان والتفصيل، ولم يسند له دور تشريعي، فضلا عن غيره، فبأي دليل قرآني صريح استدلوا على مبانيهم الأصولية؟.

 

نعود لنسأل: ما الذي جعل العلاقة بين التراث والمعاصرة علاقة إشكالية؟ وأين هي المشكلة؟

المعاصرة نموذج حضاري لتطور الإنسان والمجتمع، أثبت جدارته على أرض الواقع، ونقل أوربا من مستنقع التخلّف إلى عالم الحضارة. فجاءت تتحدى النماذج الأخرى ومنها النموذج الديني والتراثي، فهي نظام وضعي في مقابل نظام ديني مفترض، يجد مقوماته داخل التراث والنصوص المقدسة. لذا كان ردة الفعل صارمة تجاه الحداثة، لا باعتبارها معطى علمي وتكنلوجي بل لأنها منظومة فكرية ثقافية كاملة. فجوهر الإشكالية في التضاد بين الإلهي والبشري. الديني واللاديني، المقدّس واللامقدس، السماوي والأرضي. الديني والوضعي. فكيف يمكن للبشري أن يتحدى الإلهي؟ وكيف يكون السماوي سببا لتخلّف المسلمين؟ خاصة مع عدم وجود نموذج تاريخي للسلطة يدين مقوماتها الفكرية والعقيدية من خلال سلوكها السلطوي، كما بالنسبة لسلطة الكنيسة وتعسفها إبان القرون الوسطى. فالسلطة الدينية انفصلت عن السلطة السياسية في بداية الدولة الأموية، فركزت الإشكالية على نقاط محسومة ابتداء، فلا يعقل التخلي عن الإلهي لصالح البشري، مهما كانت مصداقيته ونجاحه. لكن المقارنة استنبطنت مغالطتين معرفيتين كان يجب حلهما أولا، لرفع التضاد بين الإلهي والبشري:

الأولى: ينبغي التمييز بين الدين والفكر الديني. بين النص وفهم وقراءة وتأويل النص، فثمة مساحة واسعة من الفكر الديني اكتسبت قداسة بمرور الإيام أو من خلال أسطرة الرموز التاريخية. فلا تضاد كبير بين الدين والمعاصرة حينئذٍ إذا فرزنا الدين عن الفكر الديني، والنص المقدس عن فهمه. لأن الفكر الديني مجرد وجهة نظر اجتهادية في فهم النص المقدس، فلماذا تكون مقدسة تحول دون تحديث الفكر الديني لمستوى ضرورات العصر والزمان؟.

الثانية: ينبغي فهم الدين ومقاصد التشريع، وما هي إطلاقاته وعموماته، وتحديد مساحات الأحكام الفعلية. فلا تضاد بين الإلهي والوضعي حينئذٍ مع عدم ثبوت الإطلاق الزماني والأحولي لجميع الأحكام الشرعية. بل هي منطقة فراغ يمكن للمنجز البشري ملأها إذا لم تتقاطع مع مبادئ وقيم الدين الحنيف. ولا دليل على اختصاص الفقيه بملأ الفراغ التشريعي كما ذهب لذلك السيد محمد باقر الصدر، لعدم وجود دليل على ضرورة وجود حكم شرعي لكل حادثة وواقعة. كما أن أحكام الشريعة واضحة بينة في الكتاب الكريم. ولم يسند الباري تعالى تشريع الأحكام لأحد، حيث اقتصر مهمة الرسول الكريم على التبليع والبيان والتفصيل، وهذا ما اتفق عليه جميع المسلمين لكنهم استدلوا على حجية السنة بأدلة تأويلية - اجتهادية.

وأما في جانبها العلمي فباتت المعاصرة أمرا واقعا يتلبسنا ويفرض إرادته. وغدت المعطيات العلمية والتكنلوجية والمعلوماتية تتدفق من جميع الجهات، ولا خيار للإنسان والمجتمع سوى قبولها، بل أصبحت مناحي الحياة مرتهنة لمعطياتهم العلمية، فهذا الجانب لا جدال فيه، ولم يعترض عليه أحد بما فيهم السلفيون والتكفيريون. بل أكثر من ذلك،  تجد الوسط الثقافي والإعلامي والسياسي يلهج بمفاهيم الحضارة الغربية، كالديمقراطية، والتعددية، والتسامح الديني، والعلمانية والتداول السلمي للسلطة. فأي تناقض يعيشه المجتمع الإسلامي، يعيش المعاصرة عملا ويرفضها نظريا؟. إنها قبليات الإنسان والصورة الذهنية المثالية للتراث والفكر الديني، تجعله يرفض عجز التراث على التحديث، ويرفض التحدي وهو يتلبسه ويعيشه في جميع تفاصيله.

المشكلة أن التيارات المتقدمة فشلت في تسوية الإشكالية في بعدها الفكري - العقائدي. أما الأول فعمد إلى أنسنة الدين، ومصادرة قدسيته، داخل مجتمع مسكون بالتقديس، يستميت دفاعا عن مقدساته، ويضحي من أجل عقيدته. والسلفي شطب على المعطى البشري مطلقا، واعتبره كفرا عندما تصدى لسن قوانين وأنظمة في مقابل قوانين وأنظمة دينية. والثالث لم ينجح في توافقه. فالمجتمع لا يدخل الحداثة الحضارية بمجرد الاستفادة من المعطيات العلمية أو أسلمة العلوم، ما لم يعتمد نمطا ثقافيا يساعد على التفاعل معها. والآلة لوحدها لم توازن المجتمع الأوربي بل رافق تطورها تطورا فكريا وثقافيا من داخل بيئتها، وما زالت العلوم الانسانية تعضّد التقدم الحضاري في جميع المجالات، تلك العلوم التي لعبت دورا كبيرا في تحديث المجتمع الأوربي، بعد تجردها من موروثاتها الدينية القائمة على مفاهيم ومقولات تراثية ودينية تضر بالاجتماع البشري، وتخلق تمايزا لا يمت للإنسانية بصلة. واعتمادها مبادئ العقل والفلسفة في فهم مختلف مظاهر الحياة. وأي جهد في أسلمة العلوم لا يساهم في تسوية الإشكالية، ما لم تتم تسويتها من داخل ثقافتنا وتراثنا وبيئتنا، لذا لم تحقق جهود المعهد العالمي للفكر الإسلامي في أسلمة العلوم والمناهج، تقدما حقيقيا على هذا المستوى، رغم الجهود الكبيرة لعدد من لعلماء والمفكرين والمثقفين. ونقطة ضعف هذه الجهود أنها تريد استنبات قيم من خارج بيئتها، فتتجاهل شروطها ومقدماتها، فتفشل الإسلمة. الفكر الغربي انبثق من بيئته وظروفه، وما لم تتوفر نفس الظروف لا تؤدي المفاهيم دورها، ولا تحقق تقدما ملموسا. وكم حاولت إيران أسلمة النظام المصرفي لكنها بعد جهد 9 سنوات عادت للنظام المصرفي العالمي الربوي، بعد إعادة النظر في مفهوم الربا. الذي كان ينبغي لها إعادة النظر فيه من اليوم الأول. فالحل ليس في الأسلمة بل باعادة النظر في المفاهيم ومدى فعلية الأحكام. فهناك خصوبة في تراثنا تجاهلتها قوى الإصلاح يمكن توظيفها لبناء نهضة فكرية وحضارية حقيقية، إزالة التراكمات التراثية من حولها.

من هنا باتت تسوية الإشكالية واضحا، فالمشكلة الأساس تكمن في:

- قدسية التراث وعدم التمييز بين الدين والفكر الديني. وبين النص والتفسير أو الاجتهاد في إطار النص.

- الخلاف حول حجية السنّة النبوية خارج حدود الوحي القرآني.

- مدى فعلية الأحكام الشرعية، مع عدم فعلية موضوعاتها؟.

هذه النقاط الثلاثة ستفتح نافذة واسعة نلج من خلالها عالم الحداثة الحقيقية، شريطة التوفر على أدوات ومناهج علمية قادرة على تفكيك قدسية التراث، وفهم الدين، فليس الأمر سهلا لغير الاختصاص في هذه المجالات. وعندما نباشر النقد العلمي الموضوعي سنكتشف حجم المساحات المشتركة بين المقدّس ومنظومة القيم الحضارية الجديدة. تلك المساحات هي مفاهيم وقيم تراكمت فوقها رؤى تنتمي للتطرف الطائفي والديني، وعدم فهم الشروط التاريخية، وضروراتها، فحجبت مداليلها الحضارية كما بالنسبة لموقف الدين من الآخر المختلف، عندما نعي ضرورات الجهاد وآياته، فستكون العلاقة إنسانية وفقا لآيات الكتاب الكريم، ويكون الإقصاء لضرورات آنية، تنتفي بانتفاء العنف وضرورات الجهاد. ومبدأ المواطنة الذي يصطدم بالخطاب الديني القائم على ثنائية: مسلم / كافر. مؤمن / مرتد، سيكون مقبولا مع فهم جديد للدين بعيدا عن تراكمات الدوافع السياسية والآيديولوجية والتفسيرات الخاطئة للنص الديني، وفرز القضايا الحقيقية عن القضايا الخارجية في موضوعات أحكام الجهاد والقتال. فالكتاب الكريم مكتنز بمادئ الإنسان وحق المواطنة، وحرية الاعتقاد، وهي الأصل تشريعا، أما أحكام الردة والقتال فكانت ضرورة تاريخية تنتفي بانتفاء موضوعها، وقد انتصرت الرسالة فعلا: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) .

المهم في الإشكالية فهم ملابساتها، وطريقة معالجتها، وليس تسويتها نهائيا، لتجذر الاختلاف حد القطيعة التامة حول كثير من المفردات خاصة العقائدية وما يخص فهم الدين. فهناك بون كبير بين التنظير الفكري والواقع. فالفكر ليس انعكاسا تاما للواقع، والواقع لا يستجيب للفكر دائما. فما نصل له من رؤى تبقى في دائرتها النظرية بانتظار تفعيلها.

إذاً الخطوة الأولى على طريق تسوية إشكالية التراث والمعاصرة، العودة للتراث لرصد مساحات القداسة فيه، خاصة فترة ما بعد الرسول، فمن السهل جدا تحري الأدلة التي قامت عليها، والأسهل منها تفنيدها بمنهج نقدي عقلي يقوم على تحري الأسباب الحقيقة، وعدم الاكتفاء بالتفسير والتأويل نزولا عند قدسية التراث كما يراه الناس، وذلك للتخلص من ثقله، وسطوته وهيمنته، كي نتفرغ للمرحلة التالية، وهي سيرة النبي الأكرم لفرز المقدس عن البشري، فثمة من جرد السيرة من تاريخيتها، واعتبرها مطلقة في قدسيتها وشرعيتها، واعتبارها وحيا منزلا من السماء، فاختفى محمد الإنسان، وطمست معالمه الاجتماعية، فالرسول الكريم، تارة يكون مخبرا عن الله، فقوله وحي وحجة على المسلمين. وأخرى يتصرف كحاكم له ولاية وفقا لظروفه الزمانية والمكانية، فتنتفي أحكامه بعد مماته. وثالثة هو بشر مثلكم، له خصائصه، ورابع يكون محمد قدوة في أخلاقه، (إنك لعلى خلق عظيم).

اما بالنسبة للقرآن الكريم، فما نحتاجه هو التمييز بين العقيدة والشريعة، فاذا كانت العقيدة واضحة في كتاب الله، فإن الشريعة تحتاج إلى مهارة فقهية أصولية للتعرف على مدى فعلية الأحكام الشرعية، وقد تناولت هذا الموضوع مفصلا في دراسة بعنوان: (دعوة لانقاذ الدين من سطوة الفقهاء). حيث تحدثت عن شروط فعلية الأحكام ودور الزمان والمكان فيها، إضافة الى موجبات وغايات الشريعة ومقاصدها. واستعرضت هناك جملة من موضوعات الأحكام التي دلت الأدلة على عدم فعليتها، فلا تكون أحكامها فعلية لهذا السبب.

المقاربة النقدية للتراث بهذا المنهج، ستختزل المقدّس في حدود العقيدة والعبادات وما هو فعلي من الأحكام الشرعية، مع التمييز بين المقدس واللامقدس في سيرة الرسول الكريم. كما أنها ستكشف عن بشرية الرموز التاريخية، وقراءة التجارب السياسية في سياقها التاريخي، وفقا لظروفها الزمانية والمكانية، فيتعذر استنساخها أو استدعاءها لواقع آخر. كما ستكون الدولة وفقا لهذه القراءة النقدية ضرورة اجتماعية لا دينية، فتخضع لشروط الواقع وحاجته وتطلعاته.

والأهم أننا سنكتشف العناصر الحضارية المتجددة في الثقافة الإسلامية بعد تجريدها من رؤى وآراء قامت على نبذ الآخر واقصائه، وحينئذٍ سنتخلص من جميع التحديات التراثية التي تعيق التحديث. فتكون معاصرتنا من داخل مبادئ وقيم تراثنا، وترتكز عليهما. فندخل الحداثة، بعد التخلّص من سطوة التراث وإكراهاته، واختزال الرموز التاريخية وقدسيتها، ما عدا عناصر القوة التي تساهم في بناء نموج حضاري يمثلنا، ويمثل أصالتنا وهويتنا وانتماءنا.

نعود لنهاية السؤال، حيث يقول: إن المنجز التنظيري لإشكالية التراث والحداثة، لم يؤثر في الواقع ولم يحد من  صرامة المهيمن الديني.

تقدم ثمة فارق بين النظرية والواقع، وما يمكن تسويته نظريا لا يعني استجابة الواقع له، بل ولا يعني أنه مرآة للواقع، لأن الأخير يعمل وفق نظام السنن الاجتماعية والكونية، وما لم يحدث تغيير داخل المنظومة الفكرية والعقيدية للمجتمع يبقى الواقع كما هو خاصة حينما يوظف رجلا الدين والسياسي الدين لمصالحهما الشخصية والطائفية والآيدولوجية داخل مجتمع مسكون بالمقدّس، والغيب، ويعيش رهاب اليوم الآخر، والرهبة من رجل الدين والعشيرة. ويشكو رثاثة الوعي، فينقض على بوادر النهوض الحضاري لصالح أوهامه وخرافاته.

والحل يكمن في أداة التغيير الماضية وهي المؤسسات التعليمية، ومختلف وسائل الإعلام والسلطة حينما تكون جادة في بناء مجتمع مدني، معاصر، فبإمكانها اعادة تشكيل العقل الجمعي بشكل ينسجم مع قيم الحداثة، خاصة وبات لدينا فكر تنظيري يساهم في حلحلة الإشكالية بل وتسويتها، بعد أن ثبت عدم وجود تعارض بين التراث والمعاصر في بعدها الثقافي، الفكري، والعقيدي.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

  

majed algharbawi5ali mohamadalyousifخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة الكاتب والباحث الأستاذ علي محمد اليوسف.

 

 علي محمد اليوسف: المودة والتقدير: أسئلة أحببت طرحها على جنابكم الكريم، للإجابة عنها ضمن مشروعكم الفلسفي – التنويري، إذا ما كانت تشكل اهتماما ومداخلة عندكم، تسهم إجاباتكم عليها تنويرنا.

س46: علي محمد اليوسف: كاتب وباحث / العراق – الموصل: اتخذ الإسلام وجوده التاريخي منذ (المدينة)، دين ودولة، استمر متجليا في تجارب حكم سادت ثم أفلت، هل بالإمكان اليوم من وجهة نظركم، اعتمادنا نموذجا يحتذى من تلك التجارب، يكون معه وبالاسترشاد به، للإسلام دولة معاصرة تمتلك أسباب البقاء في مجتمعاتنا اليوم، أم أن تلك التجارب وليدة مجتمعات مختلفة عنا؟

ج46: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأخ الأستاذ الكاتب والباحث القدير علي محمد اليوسف، وشكرا لمشاركته من خلال أسئلة اتسمت بأهميتها، كما أشكر حسن ظنك وثقتك.

إن اعتماد أي نموذج تاريخي يتوقف على أحد أمرين، إما أن يكون نظاما دينيا مفترضا لا يمكن التخلي عنه باعتباره جزءا من التشريع الإسلامي، كما تعتقد بذلك الحركات الإسلامية. أو أن يكون نظام الحكم بذاته نظاما صالحا لكل زمان ومكان، بلحاظ مقوماته وأطره الفكرية.

أما الأمر الأول: فلا يوجد دليل شرعي صريح بوجوب قيام دولة إسلامية، وكل ما هناك اجتهادات شخصية تقوم على تأويل النصوص وتفسيرها بطريقة تخدم الهدف. فتبقى جميع تجارب الحكم في ظل الإسلام تجاربا بشرية تنسب للمسلمين أنفسهم وليس للإسلام.

فمن الخطأ نسبة دولة الخلافة الراشدة وما بعدها من دول الخلفاء إلى الإسلام، كما جاء في السؤال: (اتخذ الإسلام وجوده التاريخي منذ "المدينة"، دين ودولة، استمر متجليا في تجارب حكم سادت ثم أفلت).

الإسلام دين، محوره وحدانية الله تعالى، ونبذ الكفر .. دين ينظّم علاقة الإنسان بالله والغيب، ويؤكد على دوره في الحياة .. دين لا علاقة له بالسياسة، ولم يدعُ لقيام دولة، رغم وجود بعض التشريعات، إضافة إلى مبادئ وقيم يمكن لنظام الحكم الارتكاز عليها، بل يضبط أداء الفرد والمجتمع من خلال منظومة قيم ومفاهيم أخلاقية. وقد أهمل الكتاب الكريم عصبي الحياة: السياسة والإقتصاد باستثناء مبادئ أولية، ترتكز الى العدل ميزانا للحكم (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل). فلم يطرح القرآن الكريم نظرية سياسية في الحكم، وتبقى الشورى خيارا غير ملزم قرآنيا، على خلاف أداء المجالس النيابية. ولم يحدد القرآن المجيد نظاما سياسيا واضح المعالم وفق قواعد قرآنية. ولم يصف النبي الكريم بالملوكية أو الرئاسة، ولم يضع ضابطة لاختيار خليفة للمسلمين بعده. وكل ما صدر من كتابات حول النظام السياسي الإسلامي هي اجتهادات شخصية، ووجهات نظر، بل وأغلبها أسلمة لأنظمة سياسية غربية، هي تراكم لجهود فلسفية وفكرية وقانونية منذ عصر النهضة، فتم استبدالها بمضامين شوهت بعض معالمها، لأنها وليدة بيئة أخرى، وضمن ثقافة ومفاهيم مختلفة، لا يمكن تبيئتها بسهولة أو لمجرد رغبة شخصية أو حزبية.

لا يعقل أن يترك الكتاب العزيز قضية بمستوى السياسة والحكم بلا تشريعات تتناسب مع حجمها وخطورتها، لكنه تركها لمتطلبات المجتمع وحاجته للدولة وللنظام في إطار مبادئ وقيم محددة. فالدولة كيان يواكب تطور عقل الإنسان وثقافته، ويستجيب لضرورات السلطة والحكم، والصيغ الثابتة تعرقل حركته وتطوره، وأمامك تاريخ الدولة لتقف بنفسك على حجم التطور الذي طرأ على مؤسساتها، وصيغها، بل حتى مفهومها وأنظمتها ونظرياتها.

أما دولة الرسول فكانت استجابة إدارية تنظيمة فرضها تطور المجتمع المدني وحاجاته، ولم يتصدَ الرسول الكريم لتأسيسها بدافع ديني أو تشريعي. كما لا دليل قرآني صريح على وجوب الدولة باعتبارها جزءا من التشريع أو يتوقف عليها تطبيق الأحكام الشرعية. فهي ضرورة اجتماعية لا دينية. وهذا ما اعتقد به بعد دراسات مستفيضة دامت سنوات حولها.

واستمرت الدولة بعد وفاة الرسول ضمن ضرورات تطور المجتمع، وحاجة المسلمين للإمامة أو الخلافة، لسد الفراغ القيادي، والاستمرار في نشر الدعوة. فصفة إسلامية الدولة تعبير آخر عن التزامها بقيم الدين وأحكام الشريعة. وهكذا تجارب الحكم عبر التاريخ، فلا قداسة لها من هذه الزاوية، بل تم فصل الديني عن الدنيوي ابتداء من حكم معاوية بن أبي سفيان. فكل دولة تنسب في نجاحاتها وإخفاقاتها لحاكمها أو لعصرها.

من حق المسلمين إقامة دولة وفق قيم الدين وتشريعاته في ضوء رؤيتهم واجتهادهم وفهمهم للدين، فتكون دولة بشرية، غير مقدّسة، يحتمل فيها الخطأ والصواب، تتوقف شرعيتها على مدى التزامها بقيم الدين الحنيف ورعاية مصالح شعوبهم. وفي جميع الأحوال لا قدسية لدولة المسلمين، ولا قيمومة أو ولاية للحاكم المسلم مطلقا، بل ويحق للشعب معارضته، وعزله، ولا دليل صريح من الكتاب والسنة يحول دون محاسبته. ويبقى عقد البيعة ملزما شريطة تمسك الخليفة به. بل حتى الثورة ضده مبررة إذا اقتضت الضرورة، كما حصل مع الخليفة الثالث عثمان بن عفان، عندما قدّم الولاء على الكفاء، وفرّط بثروات المسلمين وآثر عشيرته في وظائف الدولة والعطاء.

غير أن فقهاء السلطان رسّخوا قدسية الحاكم وسلطته في أذهان الناس فأصبح الخليفة خليفة الله في أرضه، والسلطان حاكم باسم الله. واستماتوا في الذب عن شرعية سلطته، عندما حرّموا الخروج عليه، وفرضوا وجوب طاعته مطلقا عند بعضهم. فأصبح سيف الشرع مسلطاً على كل معارض يتهمهم بالفساد أو الجهل، وقد استخدموا (وأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم) على نحو يتضارب مع كل أبعادها المنهجية.

يعتبر عثمان بن عفان أول من أضفى طابع القداسة على خلافته، تشبثا بالسلطة، وقمع المعارضة، وسلب الثورة الشعبية شرعيتها، حينما قال: (لا أخلعُ قميصا ألبسنيه الله). وهذا تزوير صارخ للحقيقة، فالباري عزوجل لم يتدخل في تنصيب أي شخص، لا عثمان ولا غيره، بل وحتى الرسول لم يصرح لأحد بذلك، ولم يرو أحد نصا صريحا عنه. عثمان بن عفان جاء بالشورى ثم بايعه المسلمون، فهو ملزم بمضمونها شرطا لاستمرار شرعيته، وإلا ستنتفي عندما يتهاون بقيم الدين والعدل والإنصاف. لكن تزوير الحقيقة حقق أهدافه، عبر مفاهيم فضفاضة، تحيل على إرادة الله حينما تبدو مطلقة، كمفهوم (توفيق الله أو إرادة الله أو ميشئة الله)، فينسى الأسباب الطبيعية وراء تنصيب الخليفة، وينسبها لقضاء الله وقدره، وهذا ما حدى بالإمام علي بن أبي طالب أن يشترط البيعة علانية، وفي المسجد العام، كي يبقى المسلم مسؤولا عن بيعته، ويتصدى للحاكم حينما يزيغ عن صوابه. أما إذا كانت السلطة "قميصا من الله" كما ادّعى عثمان، فكيف يتحدى المسلم إرادة الله؟ وهذا هو تزييف الوعي الذي لم ينطل على الصحابة فثاروا ضده حد القتل للأسف الشديد.

لقد أدى التباس الأمر إلى انقسام الموقف الديني تجاه الاستبداد السياسي باسم الدين والسلطة الشرعية (الدولتان الأموية والعباسية)، فمن العلماء من وقف ضد الظاهرة الاستبدادية حتى تعرّض للاضطهاد والتعذيب، وربما الاستشهاد. ومن الفقهاء من كرّس حياته لشرعنة الاستبداد، وأوقف نفسه لتأصيل نظرية في الفقه السلطاني، لذلك ليس من الغريب أن تجد الفقه السياسي الإسلامي فقهاً سلطانياً على مر التاريخ، لأنه ولد في أحضان الاستبداد ووضع أساساً لشرعنة ممارسات الحاكم الجائر.

وقد تمادى بعض الفقهاء في تبرير الاستبداد حتى قبلوا بولاية الفاسق، وقالوا بوجوب الصبر على أوامر السلطان الظالم والفاسق، وعدم جواز الخروج عليه. فهذا ابن كثير - مثلاً- أكد أن يزيد بن معاوية (إمام فاسق) لكنه يقول مع ذلك إن (الإمام إذا فسق لا يُعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل ولا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة، ووقوع الهرج، وسفك الدماء الحرام، ونهب الأموال، وفعل الفواحش مع النساء وغيرهن، وغير ذلك مما كل واحدة فيها من الفساد أضعاف فسقه كما جرى مما تقدم إلى يومنا هذا...) .

وتبقى الآراء حول ضرورة الدولة دينيا مجرد اجتهادات وقناعات شخصية، رسختها شهوة الحكم، وحب السلطة. وكل ما ذكر من أدلة حول هذا الموضوع هي أدلة اجتهادية وتأويلات. بل لو كانت الدولة ضرورة دينية لتصدى الكتاب الحكيم لبيانها، ورسم حدودها، ومعالمها، وكيفية تداولها. لكن كل هذا لم يحصل، ما يؤكد أنها ضرورة اجتماعية وليست دينية.

وهكذا ظلت العلاقة بين الدين والسياسة علاقة اشكالية، ملتبسة، لانعدام النصوص الصريحة، سوى اجتهادات وتأويلات منحازة. فالدولة (بما هي دولة) لم تحظ بتشريعات تجسّد اهتمام الشريعة بها، لا على صعيد النظرية، ولا على صعيد النظام السياسي (إداريا أو اقتصاديا أو سياسيا)، ما عدا تشريعات لا تشكل بمجموعها نظاما متكاملا. وأغلب ما كتب عن النُظم الاسلامية هو تقليد لما كتبه الأكاديميون والمتخصصون مع إضافة رؤية إسلامية إجتهادية، فكل ما كٌتب يمثل وجهات نظر إجتهادية.

وما يؤكد هذا الكلام أن النص الديني لم يسعف أحد المتنازعين على السلطة في تعضيد موقفه السياسي بعد وفاة الرسول الكريم، رغم التشبث بنصوص ثانوية، وأخرى مكذوبة أو مزورة فيما بعد. وبقيت اللعبة السياسية تتحكم بمصير الأمة، حتى شهدت الخلافة ظلما وجورا واقصاء واستبدادا ودكتاتورية متطرفة. ولم تشهد تجربة الحكم تجسيدا لقيم الأسلام الحنيف إلا في فترات محدودة جدا، رغم تبنى الجميع لها.

وصارت السلطة هدفا للحركات الاسلامية الثورية خاصة في العصر الحديث، يتوقف عليها (كما يعتقدون) تطبيق الإسلام، كشعار: "القرآن هو الحل" " أو الاسلام هو الحل" أو "تطبيق الشريعة"، الذي ترفعه أغلب الحركات الاسلامية خاصة "الإخوان المسلمين". فواجهت تلك الحركات في مسيرتها الطويلة والشاقة تحديات خطيرة، أهونها السجون والمعتقلات، وأخطرها الاغتراب عن الأوطان والاعدامات. ولما خاضت بعض الحركات الدينية تجربة الحكم، تركت انطباعا سلبيا، وردة فعل مدهشة، بعد اخفاقات مدوية. إذ لم يكن سلوك المتدينين أفضل ممن سبقهم، بل استشرى الفساد والاقصاء والاستئثار بالسلطة. وتكرّس الاستبداد السياسي والديني، مع اقصاء أية معارضة ولو كانت دينية او سلمية. وهي تجربة تستحق دراسات مستفيضة لفهمها. لماذا الاقصاء باسم الدين؟ لماذا  القتل وسفك الدماء باسم الدين؟ لماذا اغلب الحروب باسم الدين؟

كانت هذه المقدمة رغم طولها ضرورية لفهم إشكالية الدين والدولة كمقدمة للإجابة على السؤال، وقد اتضح أنهم يقصدون بالنموذج الديني في الحكم: أن تكون مقاليد الحكم فيها (تشريعا وتنفيذا وقيادة وقضاء)، بيد الهيئات والمؤسسات الدينية.. وتعتبر قوانين الدولة أحكاما إلهية، ما دامت مشرعة في ضوء الشريعة الإسلامية أو وفقا لفتاوى الفقيه. وتستمد سلطة رجال الدين قدسيتها وشرعيتها من انتسابها لله تعالى، فيكون الحاكم ممثلا أو مجسدا لسلطة الباري تعالى. وبالتالي فثمة مؤاخذة وعقوبة دينية لكل من يخالف قوانينها، على العكس من الدولة المدنية. وعندما تنتسب السلطة لله تعالى تصبح الأحكام مفتوحة، ويكفي في وجوب قتلك شمولك بمفهوم (مفسد في الأرض)، وهي قضية مرنة وفضفاضة بيد الحاكم، الذي هو بشر تتحكم به قبلياته وتوجهاته الطائفية والسياسية. فلا نقد ولا جدال ولا اعتراض على السلطة وقيادتها في الدولة الدينية، وأي اعتراض يعد اعتراضا وحربا وتمردا على إرادة الله، فتشمله أية: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

نعود للسؤال، حيث جاء فيه: (هل بالإمكان اليوم من وجهة نظركم، اعتمادنا نموذجا يحتذى من تلك التجارب، يكون معه وبالاسترشاد به، للإسلام دولة معاصرة تمتلك أسباب البقاء في مجتمعاتنا اليوم، أم أن تلك التجارب وليدة مجتمعات مختلفة عنا؟).

أتضح مما تقدم أن جميع تجارب الحكم في التاريخ الإسلامي هي تجارب بشرية منزوعة القدسية، إلا وفق آراء تعمدت تزوير الحقيقة لحماية السلطة وتحصينها ضد المعارضة رغم فساد الحاكم.

والأهم أتضح عدم وجود دليل قرآني أو نبوي صريح، لا لبس فيه، يلزم المسلمين بإقامة دولة دينية. ومع عدم وجود تكليف شرعي تبقى جميع مساعي السلطة، طمعا في الحكم، أو رؤية اجتهادية، فهي وجهة نظر غير ملزمة إلا من يؤمن بها.

 بل توفى رسول الله ولم يوصٍ صراحة لأحد، هكذا اتفق الجميع، رغم اختلاف طفيف بين الروايتين التاريخيتين السنية والشيعية. لكنهم اتفقوا أن الرسول لم يصرح لأحد بالخلافة من بعده، وتعذر عليه كتابة كتاب وهو في أيام مرض (هذا على فرض أنه أراد أن يكتب كتابا بخصوص السلطة وولاية الأمر من بعده، ولا دليل على ذلك إطلاقا). بل لم يهتم النبي الكريم بموضوع الدولة، وكأن الأمر لا يعنيه. والصحيح أن موضوع الدولة خارج مهامه، حيث كان نبيا مرسلا، وقد نجح في تبليغ رسالة السماء، بشهادة الكتاب الكريم: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا.

وحتى لو قلنا بشرعية جميع أو بعض التجارب الدينية التاريخية في الحكم، فهي أيضا غير ملزمة لنا، لعدم وجود إلزام شرعي كما تقدم، ولأنها وليدة شروط تاريخية، تختلف زمانا ومكانا، فلا يمكننا استدعاء تلك التجارب والاعتماد عليها، لانها لا تنسلخ عن تاريخيتها. ونحن نعيش الآن ظرفا مختلفا من حيث وعي الناس حول حقوق الإنسان والمرأة، وتطور المعرفة، ومعطيات العلوم، ومختلف الاكتشافات، بل وتطور الأداء السياسي، ونظريات الحكم التي أثبتت نجاحا باهرا، خاصة الحضارة الغربية التي باتت تتحدى بنموذجها الحضاري. الدولة الدينية لا تنسجم مع مجتمع متعدد دينيا ومذهبيا وثقافيا، فلا تسامح حقيقي مع الآخر وفقا لمتبنياتها الفقهية.

ربما يقصد السؤال، أعتماد روح التجربة الدينية التاريخية، باسناد قيادة الدولة للمؤسسة الدينية، والالتزام بأحكام الشريعة. وهذا أيضا لا دليل عليه، فالالتزام بالشريعة لا يتوقف على وجود دولة دينية تنقاد لولاية وسلطة رجل الدين، بل بإمكان أية دولة تبني الشريعة الإسلامية.

 

وأما الأمر الثاني: هل هناك نظام حكم صالحا بنفسه في كل زمان ومكان، يمكن استدعاؤه واعادة تطبيقه ضمن شروطنا وضروراتنا؟.

تقدم أن هذا الأمر يتوقف على مدى صلاحية ذات النظام من حيث مقوماته الذاتية وأطره الفكرية. فعندما نراجع تجارب الحكم عبر التاريخ الإسلامي، نجد أنها تجارب سلطوية، وراثية، باسثناء فترة الخلفاء. أنظمة تكرّس الاستبداد ودكتاتورية الخليفة. وقد استمدت شرعيتها من شرعنة الفقيه لسلوك الحاكم. حيث استمرت لعبة شرعية السلطة بين الفقيه والسلطان، الفقيه يشرعن سلطة السلطان ويفتي بقمع المعارضة وحرمة الخروج على السلطة، والسلطان يعضّد مقام الفقيه وسلطته الدينية بحصر الفتوى به. يشهد لذلك الفقه السلطاني القائم على مصالح السلطان وشرعنة سلوكه، بل وتبرير سفكه للدماء، وقمع المعارضة، وتسلطه على الشعوب المسلمة وثرواتها.

وهذا النوع من الأنظمة لا يصلح لواقع يتطلع إلى دولة مدنية، وإلى شعب يروم الانعتاق من ثقافة القطيع والتبعية المطلقة للحاكم المستبد. فتلك التجارب تقرأ ضمن سياقاتها وظروفها الزمانية والمكانية ولا يمكن تجرديها من تاريخيتها كي يمكن استدعاؤها واعادة الحياة لها.

نحن بحاجة لدولة تحمي الدين من الاستغلال، وعدم اقحامه في الشأن السياسي إلا بقدر قيمه ومبادئة الإنسانية. بحاجة لدولة تستوعب التقاطعات الثقافية والدينية باعتبارنا مجتمع متعدد أشد ما يحتاج إلى التسامح الحقيقي، من أجل إرساء دعائم المجتمع المدني.

وبالتالي لا يمكن تجريد التجارب السياسية التاريخية من تاريخيتها، ولسنا بحاجة لنموذج لا يتناسب مع ظروفنا وحاجاتنا، ويمكننا المحافظة على قيمنا ومبادئنا وديننا ضمن دولة مدنية، تستلهم إيجابيات الدولة الحديثة، التي حققت نجاحا مشهودا في سعادة شعبها وتطورها.

 فهناك مانع ذاتي يحول دون اعتماد أي نموذج تاريخي للدولة، مرتبط بطبيعة النظام الذي يرتهن القرار السياسي وقيادة الدولة إلى رجل الدين والمؤسسات الدينية، في الدولة الدينية، لتحكم باسم الله ثيوقراطيا، وهي صيغ مرفوضة حضاريا، بل ومرفوضة دينيا، بعد أن ثبت افتقارها لأي دليل شرعي، كما هو الحالة بالنسبة لولاية الفقيه في ايران. حيث عجزت هذه النظرية عن الارتكاز لأدلة محكمة تبرر شرعيتها.

وأيضا الدولة غير الدينية، فالخليفة تاريخيا كرجل الدين أو أشد استبدادا ودكتاتورية، خاصة حينما يضفي صفة القداسة على ملكه بمساعدة فقهاء السلطة. وسبب آخر موضوعي يحول دون استدعاء أي نموذج تاريخي، يرتبط بالظرفين الزماني والمكاني، وتطور الحضارة الإنسانية ومعطيات علومها، ومفهوم حقوق الإنسان الذي تحول إلى شرعة عالمية، اثبتت نجاحها.

علينا الاستفادة من تجارب الحكم الناجحة، والاستفادة من منظومة القيم والمبادئ الإنسانية الكفيلة بنجاحها، وتراثنا زاخر بقيمه التاريخية إذا نجحنا بازاحة تراكمات الرؤى الطائفية، والتطرف الديني، والفهم القاصر للدين والكتاب الحكيم عنها. فليس ثمة نموذج مقدس يلزمنا استدعاؤه وتفعيله خارج سياقاته التاريخية. بل لكل مرحلة تاريخية ضروراتها، وتبقى المبادئ والقيم أساس يمكن الإرتكاز إليه في تشييد نموذجنا في السلطة والحكم.

والأخطر في نماذج السلف ولاية الحاكم أو رجل الدين وهو ما يتنافي مع قيم الدين وشرعة حقوق الإنسان راهنا، فلم يجعل الله تعالى ولاية لأحد على الناس، وتبقى الولاية مختصة به. لكن للأسف أجد استعدادا عند طيف واسع من الناس لتقبل ولاية رجل الدين أو ولاية الفقيه، من خلال الانقياد الواسع له بدلا من الانقياد للشعور الوطني والدستور والقانون. بل هناك من يراهن على ولاية الفقيه في تطور البلاد. ومكمن الخطر أن هذا الشعور يخفي تحته روح الانقياد والتبعية البائسة عند الناس، وهي صفة سلبية تهدد استقلال البلد، وسيادة السلطة، وتخلق مجتمعا يرتبك أمام المواقف التاريخية، فيتخبط على حساب الوطن ومصالحه العليا.

وبالتالي فليس للنماذج التاريخية ما يؤهلها، لا من حيث انتسابها للدين، ولا من حيث طبيعة نظامها والأسس التي يرتكز عليها، فلا مبرر لاستدعاء أي نموذج تاريخي مهما كانت درجة قدسيته ومستوى صلاحيته، لانه يبقى تجربة تارخية، تقرأ نجاحاتها وإخفاقاتها ضمن سياقاتها الزمنية والمكانية. فنحتاج لدولة عصرية تتناسب مع حاجاتنا وتطلعاتنا وضروراتنا. نحتاج لنظام ديمقراطي يتبنى تداول السلطة سلميا، عبر صناديق الأقتراع، والترشيح الحر ضمن الضوابط الدستورية. نحتاج لدولة مدنية، لا ولاية فيها لأحد من المسؤولين على الشعب والقوانين. نحتاج لقيم ليبرالية كالتعددية والتسامح الحقيقي، لنحظى بمجتمع مدني، يحافظ على قيمنا ومبادئنا الدينية والإنسانية، ويتوفر على نظام حكم يحفظ الحقوق والواجبات، وينمي الشعور الوطني، بتقديم ولاء الوطن على المصالح الشخصية، ويحصّن الفرد دون التبعية لأي دولة تحت أي عنوان أو ذريعة. نحتاج لدولة تضمن لنا عدالة اجتماعية من خلال قوانين الضمان كي يعيش الفقير الحد الأدنى من العيش الكريم، دون انسحاق أو إذلال.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi6abduljabar noriخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الكاتب والباحث الأستاذ عبد الجبار نوري.

  

س45: عبد الجبار نوري: إن إنجازاتك الفكرية والبحثية ثرّة، وترقى للموسوعية كما قرأت بطاقتك الشخصية، حيث اشتغل ماجد الغرباوي في مجالات عديدة، خصوصا في نقد الفكر الديني، والحركات الإسلامية، فما هو رأيك:

-  بالاشتراكية العلمية؟

- والحركات اليسارية في التأريخ الإسلامي؟

- والحراك الجماهيري الذي يشارك فيه اليسار الديمقراطي العراقي،

 في معالجة الغث السياسي والتباين الطبقي؟!

ج45: ماجد الغرباوي: السؤال يتحرى قدرة الأمثلة الثلاثة على مكافحة "الغث السياسي والتباين الطبقي" كما جاء في نهايته، فينبغي التفصيل، من أجل إجابة موضوعية، تساهم في معالجة تردي الأوضاع. وقد يشي السؤال أيضا أن الأستاذ الكريم جعل التفاوت الطبقي مطلقا سببا للغث السياسي والفساد، وهذا ما تذهب له الماركسية في تعليلها للمشكلة الاجتماعية.

الغث السياسي سببه دائما فساد السلطة، والاستبداد، وتفشي السرقات وهدر المال العام بتواطؤ قانوني، وانعدام الأمن، وتراجع الشعور الوطني، وترسّخ الطائفية، والمحاصصة، ودستورية الكيانات السياسية على حساب المواطنة، وانتشار المحسوبية والمنسوبية والجهل والأمية.

بينما تختلف أسباب التفاوت الطبقي فتارة يكون سببه، الطبقة الحاكمة والأحزاب السياسية المتنفذة حينما تستأثر بثروات البلد على حساب الطبقات المسحوقة، مع تخلي الدولة عن رعايتها وضمان حقها في العيش الكريم، فتتفشى مختلف الجرائم. وتختفي العدالة الاجتماعية، ويتفاقم التفاوت بين أفراد المجتمع، حدا تتلاشى فيه الطبقة الوسطى. فهو أحد تداعيات فساد الطبقة الحاكمة، وتتوقف معالجته على مكافحة الفساد والجريمة.

وتارة يكون اقتصاد الدولة اقتصادا رأسماليا، يتقوّم بالتفاوت الطبقي، ويتحكم به رأس المال، فيكون التفاوت جزءا من تكوين المجتمع.

 بل حتى في الدول غير الرأسمالية ثمة تفاوت طبقي لكنه معقول عندما توفّر الدولة ضمانا يحفظ للإنسان حيثيته وكرامته. وأنت في السويد وأنا في أستراليا وكلانا يعيش في ظل نظام رأسمالي، يكرّس الصراع أو التنافس أو التفاوت الطبقي الإيجابي، عندما يفتح الباب على مصراعيه للتطور والتنافس الحر، والإرتقاء حضاريا بمساعدة الدولة. فلا يوجد فساد مالي أو إداري ينعكس سلبا على الشعب،  حينما تكون الدولة مسؤولة عن توفير الحد الأدنى من العيش الكريم مع ضمان اجتماعي وصحي لجميع أبناء الشعب. فهذا النوع من التفاوت الطبقي حالة طبيعية، تحصل في جميع الدول. بل هي الأساس في دينامية حركة المجتمع وتطوره، حينما تكون المنافسة شريفة، غير حقودة، وغير فاحشة. لكن المشكلة حينما تنعدم المقاييس الإنسانية لصالح رأس المال على حساب العامل والمستهلك، فيتحول إلى عبء إجتماعي.

 ورغم وجود طبقة فقيرة في الدول الرأسمالية ذات الضمان الاجتماعي، لكنها لا تشكل ظاهرة اجتماعية محسوسة، لأنها مشمولة بالضمان الاجتماعي أسوة بغيرها، غير أنها تتمادى في نفقات كمالية تحتاج لمصادر مالية إضافية، وهي متوفرة مجانا، فتردي أوضاعهم المالية بسوء تصرفهم. فلا يقاس عليهم.

 أما إذا تخلت الدولة عن رعايتهم فلا شك سيتحول التفاوت الطبقي، خاصة عندما يكون فاحشا إلى وبال على الطبقات الفقيرة والمسحوقة. وفي هذه الحالة ينقلب اختلال التوازن إلى مشكلة إنسانية واجتماعية تبحث عن حل.

لقد شغلت مسألة النظام الاجتماعي الأفضل هموم الفلاسفة والمفكرين والمصلحين منذ قديم الزمان، بل أن أحد أهداف بعثة الأنبياء هي تأسيس نظام اجتماعي يحفظ للجميع كرامتهم وعزتهم، من خلال منظومة تشريعات وقيم ومبادئ إنسانية تحد من تراكم الثروة بيد حفنة من الأشخاص، وتضمن للطبقات المحرومة الحد الأدنى من العيش الكريم. فهناك أكثر من اتجاه ورؤية فكرية – فلسفية بشأن النظام الاجتماعي الأفضل.

نعود لأمثلة السؤال، لتقصي مستوى قدرتها ونجاحها في تحجيم التفاوت الطبقي السلبي كما جاء في نهاية السؤال، والبحث عن الأصلح بينها لمعالجة الوضع العراقي الراهن، بل معالجة كل مجتمع يشبهه في ظروفه السياسية والأمنية:

 

أما بالنسبة للاشتراكية العلمية أو النظرية الماركسية، فتعتقد أن التفاوت الطبقي هو أساس المشكلة الاجتماعية، التي ستنتفي بانتفائه.

 والاشتراكية العلمية، رؤية فلسفية للحياة والإنسان والمجتمع، وفهم مادي ديالكتيك له. يرتكز رهانها في إصلاح المجتمع، على اندثار التفاوت الطبقي، بعد خمود التناقض الاجتماعي، فينصهر المجتمع في طبقة واحدة، تتوحد فيها ملكية الفرد بالمجموع، وتتلاشى الدولة حينما تفقد مبرر وجودها. فتنعم البشرية حينئذٍ بالرفاه والسعادة، وتتخلّص من آثار النظام الرِأسمالي ومآسي التفاوت الطبقي. فيكون "من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته".

وبما أن حب الذات، أساس التفاوت الطبقي، شيء فطري مغروز في طبيعة الإنسان، لذا تفترض الاشتراكية العلمية تطور عقل الإنسان ماديا بشكل يندثر فيه حب الذات ويتلاشى التنافس غير الشريف في إطار نظام قيم جديدة، فينصب اهتمام الفرد بالمجموعة دون مصالحه الشخصية. فالنظرية تطمح أن يتخلى الفرد عن جشعه وحبه لذاته تلقائيا حينما يتطور عقله وشعوره الداخلي. وبالتالي فهي لا تحتاج لتشجيع الفرد ماديا أو تكييف مشاعره أخلاقيا، بعد أن تضمحل ذاته في المجموع، فلا تمايز لشخصيته خارج دائرة المجموع. لكن هل حقا يمكن للفرد أن يلغي حب ذاته، ويتنازل عن مصالحه الشخصية حينما يتطور عقله؟.

الاشتراكية العلمية، نظرية لم يحن بعد تطبيقها، وليس ثمة واقع  نحتكم له في تقييمها، فيبقى النقاش نظريا حول مصداقيتها مرهونا بنقد الأسس الفلسفية التي قامت عليها. على العكس من الاشتراكية التي يمكن تطبيق مقاييس النجاح والفشل عليها، من خلال تجربة الحكومات الاشتراكية في عدد من دول الاتحاد السوفيتي سابقا.

الاشتراكية  نظام سياسي - اقتصادي، اجتماعي في إطار فكري -أخلاقي، تتولى الطبقة العاملة (البروليتاريا) مقاليد الحكم، بعد الإطاحة بالرأسمالية. والاشتراكية مرحلة فرضتها ضرورة تعذر تطبيق النظرية الماركسية القائمة على إلغاء الملكية الشخصية مطلقا، فكانت مرحلة توطئة وتمهيد، تحتكر فيه الدولة رؤوس الأموال والصناعات الثقيلة، وتسمح للشعب بقدر من الملكية الشخصية والتفاوت في الأجور والتشجيعات. لكنها فشلت في تحقيق أهدافها، وتم التراجع عن النظام الاشتراكي، بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، رغم القبضة الحديدية للسلطة في هذه الدولة، لأنها اصطدمت بواقع الطبيعة البشرية، والنوازع الفطرية عند الإنسان كحب الذات، وحب مصالحه الشخصية التي هي جزء من كينونته، يطمح لتحقيقها بكل الوسائل ما لم تكن هناك كوابح أخلاقية وقانونية. ويبقى تنازله عنها مرهونا لمبادئه الأخلاقية والإنسانية والدينية. وهنا يأتي دور الإغراءات المادية والتشجيعات التنافسية، وأيضا هنا محل اختبار الأخلاق والميتافيزيقيا في ترويض جشع الفرد وطمعه والتنازل عن بعض حقوقه لصالح الآخرين أو المجموع.

فحب الإنسان لذاته، وحرصه على مصالحه الشخصية، وعدم قناعته بتضحيات مجانية،  شكل تحديا أجبر الاشتراكية على التراجع وإعادة النظر في مباني النظرية الماركسية وأسسها الفلسفية. إن قيم الخير كنكران الذات والتضحية لأجل الأخرين قيم إنسانية يتوقف عليها توازن المجتمع، غير أن طريقة معالجتها يتطلب رؤية فلسفية أخرى تضفي معنى لتضحيات الإنسان، تحول دون تكاسله واتكاليته.

فالاشتراكية لم تنجح في تحقيق واقع اجتماعي مثالي يؤهلها للانتقال إلى مرحلة الشيوعية، بل لم تستطع القضاء على الفساد المالي والاداري، وأخفقت في تشجيع العامل على العمل بدوافع ذاتية، خارج منظومة القيم البشرية، القائمة على حب الذات، من خلال التنافس، رغم أن الاشتراكية سمحت بتفاوت الأجور لخلق أجواء تنافسية تشجع على المثابرة والعمل والانتاج، لكنها لم تحقق ما كانت تصبو له.

إن مستقبل بلداننا لا يتوقف على تطبيق الاشتراكية، ولا حاجة لإلغاء الملكية الشخصية مع وفرة خيرات هذه البلدان، وكل ما نحتاجه عدالة اجتماعية، تحد من احتكار السلطة وتراكم الثروات بيد مجموعة من الناس، وتتبنى ضمان الشعب على  جميع المستويات، كما هو المعمول به في الأنظمة الغربية حاليا. إن أحد أهداف المرحلة الاشتراكية كبح التفاوت الطبقي تمهيدا لإلغائه في مرحلة لاحقة، وهذا لا ضرورة له في بلد مثل العراق. ويكفي معالجة التفاوت الطبقي فيه من خلال فرض ضرائب تصاعدية على رؤوس الأموال، ومكافحة الفساد ورعاية الطبقة الفقيرة في المجتمع، مع إشاعة قيم الخير والعطاء الإنساني.

وأيضا سيكون الرهان خاسرا على الاشتراكية العلمية، بعد فشل التجربة الاشتراكية التي هي مرحلة تمهيدية لقيامها، بل وعدم تحقق أيا من رهاناتها ونبوءاتها وحتمياتها، فلم تنهر الرأسمالية بل تطورت بشكل لافت، بينما انهارت الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي، ولم تقد البروليتاريا العالم بل قادت العالم حكومات رأسمالية. ولم يحدث أي تطور مادي في عقل الإنسان يؤهله للمرحلة النهائية، كشرط لنجاح الماركسية التي تراهن على تطور دماغ الإنسان تطورا ماديا، يفضي إلى إندثار حب الذات، في إطار قيم الجماعة، فيتلاشى الفرد داخل المجموع. فمشكلة النظرية الماركسية في مقدماتها الفلسفية ورهاناتها حتى بالنسبة لبعض قوانين الديالكتيك. فرهان التطور المادي للدماغ مثلا ينسفه التطور الهائل الذي طرأ على العالم علميا خلال القرون الأربعة الأخيرة، حيث لم يرصد العلماء تطورا ماديا ملحوظا فيه، رغم تطور العلوم، ونظام القيم ومناهج التفكير، بل أن تطور أجهزة الكامبيوتر خلال الخمسين سنة الماضية كانت قفزة علمية مذهلة، كشفت عن طبيعة أخرى لتوالد المعرفة، تقوم على أساس تراكم المعلومات في تطور المعرفة، بقطع النظر عن سعة الأجهزة ماديا، وأدل دليل الأجهزة اللوحية الحديثة التي تضاءلت فيها المادة قياسا لقدراتها الهائلة. بل الأدهى أن عمل الكمبيوتر عبارة عن دوائر كهربائية بسيطة (0 - 1)، ليس أكثر، فجهاز الكمبيوتر لا يتمتع بعقل كعقل الإنسان، بل يشتمل على ملاين الدوائر الكهربائية، لكنه مدهش في عطائه، عبر تراكم المعلومات، التي تعمل ضمن برامج خاصة، هو الآخر تم تنظيمه وفقا لتراكم المعلومات. فعمل العقل داخل فضاء المعلومات عمل إدراكي، يتطور مع كل عملية إركيولوجية داخل طبقات النصوص وتراكم المعلومات، وليست هناك معرفة خارج تراكماتها، بما في ذلك الخيال، فهو جزء من حركة العقل داخل فضاء المعلومات، وكتلها المعرفية، وكيفية إدراك الفرد لها وطريقة توظيفها. ثم أن المعرفة في تراكم مستمر من خلال المشاهدة، والإدراك، والتجربة، والخيال، والتصور المفاهيمي ضمن عملية تركيب النسق المعرفي. لهذا يحتاج المرء دائما لتراكم معرفي معلوماتي لتطوير قابلياته الفكرية والثقافية والابداعية.

وبالتالي تبقى الماركسية نظرية محترمة، ويبقى الجدل حولها نظريا من خلال محاكمة أسسها الفلسفية، وصحة مبادئها في المادية التاريخية، والمادية الديالكتيكية، ومدى صدقية قوانين الديالكتيك خارج حدود الطبيعة، ومدى صدقية تعميمها على عقل الإنسان والمجتمع. وإلا فلا يوجد واقع عملي يمثلها لنقدها وتحديد نجاحاتها وإخفاقاتها، وكل ما موجود نظرية ورؤية فلسفية.

إن ما تمر به بلداننا لا يطيق رهانات الاشتراكية العلمية بعد اخفاقات النظام الاشتراكي الماركسي، ووجود أنظمة حديثة قائمة تتحدى في نموذجيتها. بل وفقا للنموذج الحضاري القائم أن خلل النظام الاجتماعي لا ينحصر بالتفاوت الاجتماعي، إذا لم يكن ضروريا لتطور البلد اقتصاديا، وهناك عوامل متشابكة ترتبط بالفرد والنظام، والثروات، والثقافة، وتطور العلوم، وغير ذلك.

 

وأما بالنسبة للحركات الاشتراكية عبر التاريخ، كما جاء في السؤال، فلا يصدق عليها مصطلح الاشتراكية إلا بحدود شعاراتها التي تدافع فيها عن حقوق المظلومين، ومحاربة الفساد واحتكار الحكام للسلطة والثروات. فهي ثورة أو تحرك شعبي ضد الظلم لصالح المحرومين، يفتقر أغلبها إلى رؤية فلسفية – سياسية للمجتمع والدولة ونظام الحكم، فلم تحدث تغييرا جذريا في أنظمة الحكم التي قادتها تاريخيا، وتلاشت بمرور السنين. وهذه الحركات، بعضها كان عفويا بلا تخطيط، انفجرت تحت ضغط الفقر والحرمان، وأخرى انساقت مع السياسة وخداعها، خاصة الثورات التي رفعت شعارات براقة، حيث التف حولها الناس على أمل حصول تغيير حقيقي لصالح المحرومين، لكنها لم تجنِ سوى خيباتها بعد تهافت الشعارات حينما اصطدمت بمصالح السلطة العليا.

فهذه النماذج الثورية لا تنفع لمكافحة الفساد وترهل السلطة في بلادنا، فلكل ثورة تاريخية ظروفها، وخصائصها، ولا يمكن تجريدها من تاريخيتها، فاستدعاء أي نموذج تاريخي، يتطلب استخدام العنف ضد حكومة منتخبة، وهذا مرفوض دستوريا وأخلاقيا ما دامت أداة التغيير متاحة للشعب. بينما جميع الحركات التي تصفها بالاشتراكية تشبثت بالعنف لتحقيق أهدافها، وتمردت على القانون والسلطة المركزية، وبات هذا مرفوضا في ظل تطور المجتمعات حضاريا.

لكن يبقى جوهر هذه الثورات شعارا حيا، ويبقى الدفاع عن حقوق المظلومين مطلبا إنسانيا وأخلاقيا ودينيا. ولعل إغراءات هذا الشعار وراء شعبية المد الشيوعي في العالم، حينما نادت بالغاء الملكية الشخصية، لصالح الطبقة المسحوقة. فهو تأييد غير واعٍ، تهاوى بانهيار حكومات دول الاتحاد السوفيتي. وتخلى عنه أصحابه بعد اطلاع العالم الشيوعي على تجربة الغرب في نظامه الاجتماعي، حتى بات نموذجا يتحدى، ويطمح له الجميع.

لست ضد الدفاع عن حقوق الفقراء والمحرومين، بل هي جزء لا يتجزأ من مشاعري ومشاريعي، وأطمح إلى صيغ حضارية تضع معالجات ناجحة لأمد بعيد، وتحفظ توازن الفرد والمجتمع، أما الحركات العشوائية فمرفوضة مهما كانت شعاراتها، فالفوضى لا تنتج سوى فوضى وخراب، وضياع حقوق من ثاروا قبل غيرهم.

 

وأما سؤالك عن الحراك الجماهيري الذي يشارك فيه اليسار الديمقراطي العراقي، فمن حيث المبدأ العراق بحاجة إلى حركة وطنية تتبنى اطروحة المجتمع المدني، مجتمع المؤسسات. تدافع عن حقوق الشعب، تكافح الفساد، لكن الأهم أن تكون قادرة على طرح مشروع متكامل.

حاليا لا يمكن تقييم تجربة التيار الديمقراطي ما لم يخض تجربة الحكم فعلا. أما من خلال نشاطه خلال هذه الفترة، منذ تأسيسه، فهناك تحفظات على بعض مواقف التيار، حينما يصطدم بعقائد الناس وتقاليدهم بشكل ارتجالي متسرّع. إضافة إلى وجود ملاحظات حول مرجعية التيار الفكرية. فلا يكتب لأي تيار النجاح ما لم تكن منطلقاته ومرجعياته مدروسة بعناية فائقة، تتخطى تحديات وتقاطعات وحدة القرار عند الأزمات. التيار الديمقراطي في العراق بطبيعته متعدد في مرجعياته الفكرية والعقيدية، رغم غلبة الخلفية اليسارية، وهذا لا يعزز مسيرته ما لم توضع قواسم مشتركة بين الأطراف المشاركة تستوعب الجميع ولا تنفرد به جهة دون أخرى. كما ينبغي للتيار أن يأخذ بنظر الاعتبار خصائص الشعب العراقي وطبيعته، فبعض المواقف جاءت عجولة غير مدروسة فاصطدمت بعقائد الناس، وهذا ليس من صالحهم سياسيا. ثم أن التيار لم يفرز قائدا ملهما للجماهير لحد الآن، ولم يحقق حضورا شعبيا واسعا يؤهله كتيار له ثقل شعبي ينافس الآخرين. وهذه نقاط ضعف كبيرة، يجب معالجتها.

كم أتمنى أن يكون لدينا تيار يراقب ويحاسب وينقد ويسدد، يساهم في خلق وعي جماهيري، يساهم في بناء البلد على أسس قويمة، ويمهد لقيام مجتمع مدني، بعيدا عن الطموحات السياسية. لأن السياسة تفرض شروطها، وهي تقديم المصالح على المبادئ، فتستغل حركة التيار الوطني لصالح مجموعة من السياسيين. فنخسر مصداقيته.

ربما أراد السؤال من خلال الأمثلة التي ذكرها التأكيد على الاتجاه اليساري والاشتراكي في معالجة الوضع الراهن في العراق، فتكون الاشتراكية حلا حينما تحجّم أو تنهي التفاوت الطبقي. مما يعكس تبني الأستاذ القدير الفكر الماركسي الذي يعتبر التفاوت الطبقي أساس الحرمان والفساد. فتأتي الاشتراكية العلمية لتوفر لنا مجتمعا خالٍ من التفاوت الطبقي، الذي هو سبب التناقضات، التي ستختفي باختفائه، وتذوب الملكية الفردية في الملكية العامة. وكما تقدم تبقى هذه مجرد نظرية، وقد اصطدمت الاشتراكية، المرحلة الممهدة لها، بواقع الإنسان ونزعاته البشرية في حب الذات وعدم التخلي عن مصالحه إلا بوازع أخلاقي وديني، لكن الشيوعية أقصت الميتافيزيقيا التي تضفي معنى للتضحيات، مثلها مثل الضمير الحي إن لم تكن أقوى، بفعل الإيمان بوجود عالم آخر يثاب فيه المرء عن أعماله الحسنة وتضحياته الإنسانية.

أما وجهة نظري، فنحن بحاجة إلى عدالة اجتماعية، تمنح كل ذي حق حقه، تراعي الطبيعة البشرية وتوظفها من أجل خلق تنافس شريف، وتطور اجتماعي يصب في مصلحة الشعب والوطن. وأما التفاوت الطبقي فيمكن معالجته بفرض ضرائب تصاعدية على رؤوس الأموال الكبيرة، وسن قوانين رعاية اجتماعية لحفظ توازن المجتمع، كما هو المعمول به حاليا في الدول الرأسمالية ذات الضمان الاجتماعي، من أجل خلق توازن داخل المجتمع الواحد. ولا يمكننا إلغاء النوازع الذاتية عند الإنسان، فينبغي تقديم حلول لتهذيبها، لا قمع نوازعها الفطرية .

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi4abduljabar noriخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة الكاتب والباحث الأستاذ عبد الجبار نوري.

 

س43: عبد الجبار نوري: كاتب وباحث / السويد: كيف حصلت على وسام (الكاريزما) في محبة الجميع وأنت تدير أكبر مؤسسة ثقافية أدبية علمية تحوي خزينا من المتطلبات المشروعة وأحيانا غير مبررة؟.

- وكيف تتحمل أعباء تلك التحديات والتجاوزات لهذا الموقع الألكتروني وأنت تعاني من وخز جسدي مزمن كما نعلم؟

- من هم العاملون المتطوعون الذين يقفون معك في هذا العمل المضني؟.

ج43: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأخ الأستاذ الباحث والكاتب القدير عبد الجبار نوري، وشكرا لمشاركته القيمة في الحوار، ولمشاعره النبيلة التي أخجلت حروفي، فتبعثرت ألحاني، لا أدري بماذا أجيب!!.

يسعدني جدا رضاكم، خاصة الطبقة المثقفة التي تعي ما تقول، لموضوعية مقاييسها غالبا، رغم أن رضا الناس غاية لا تدرك. فشكرا لوسام (الكاريزما) في محبة الجميع، إنها شهادة ووسام سأفتخر به دائما من مثقف وكاتب وباحث جدير. وأتمنى أن أكون مصداقا حقيقيا لشهادته. محبة الجميع كنز ثمين، يعطي لعملك معنى، وقيمة، ودينامية تجعلك تواصل مسيرتك بثقة وحيوية أكبر. وأقصد بالمحبة ما هو أوسع من اختلاف وجهات النظر التي هي أمر طبيعي، فأنا أحب الأصدقاء رغم اختلاف وجهات النظر، وتقاطع الآراء.

أَنْ يُحبك الناس، دليل تفاعلهم الإيجابي مع طروحاتك ومشاريعك بقناعة عالية، وقد يتوسمون في رأيك أفقا جديدا لآمالهم ومستقبلهم. أو يجدون فيها صدى الحقيقة التي غيّبها الجهل وزيف المعتقدات الخاطئة. ولا يخفى ما يلازم هذا الحب من انطباع إيجابي عن إنسانية الإنسان وخُلقه وأسلوب تعامله. من هنا أعتقد أن حب الناس وسام يدعو للفخر والاعتزاز، فشكرا لكل من أحبني، فقد أدمنت حبهم حتى غدا يمازج دمي ومشاعري، أتلمّس ما هو مضيء فيهم، لأهتدي به في تقويم سلوكي، وأفكاري، وانطباعاتي.

أحيانا يود صاحب المشروع أن يعرف صدى مشروعه في نفوس الآخرين. فشكرا لباقات المشاعر التي أغدقتها على أخيك وسلاما لقلبك المفعم بالود والصدق، وأتمنى أن أكون مصدرا لسعادة الآخرين، فمنتهى السعادة أن تكون سببا لسعادتهم.

مبدئي في الحياة وفي عملي: إن الاحترام سيد العلاقة، وحق الآخر أن تحترم رأيه، وتدافع عن حقه رغم اختلاف وجهات النظر، ويمكن للتسامح أن يجمعنا ويقرّب مشاعرنا. هذه السياسة في علاقاتي كانت ومازالت ناجحة ومثمرة، وترى بعينك حجم التنوّع الفكري والثقافي والعقيدي على صفحات المثقف، فهو يعكس صفة حضارية يتسم بها كتّابنا وقرّاؤنا من السيدات والسادة، فتجد حقل التعليقات حقل محبة واحترام، وتبادل وجهات النظر. وهذا مدعاة للافتخار، وأنا سعيد جدا، وأتمنى أن تكون التعليقات أكثر ثراء من أجل بلورة أفكار ومفاهيم ورؤى متجددة.

لقد أفسدت الأيديولوجيات والتعصب والطائفية والفهم الخاطئ للدين العلاقات الاجتماعية، وحل الحقد والتنابذ بدلا من الحب والتسامح. فالمثقف مدعو للتجرد وعدم اسقاط قناعاته الفكرية والعقيدة على علاقته الاجتماعية، والبحث عن مساحة مشتركة للتفاهم من أجل عيش مشترك، يضمن للجميع كامل حقوقهم بأمن وأمان. كم هو مؤلم أن ينحدر المثقف إلى مستوى متخلف على صفحات التواصل الاجتماعي بفعل صراع الإيديولوجيات الدينية والمذهبية والقومية. لكن المثقف كصحيفة ما دامت تحتفظ باحترام الجميع، ما دامت العلاقة قائمة بين أفراد الأسرة الواحدة على الاحترام المتبادل. وهذا لا ينفي اختلاف وجهات النظر، بل أجمل ما في الحوارات اختلاف الآراء حول قضية ما.

كما أشكر شهادتك بحق مؤسسة المثقف كمشروع ثقافي طموح، حينما وصفته: بـ(أكبر مؤسسة ثقافية أدبية علمية). فهي وسام من كاتب وباحث جدير رافق المثقف منذ سنوات ورفدها بتنوع نتاجاته القيمة. بالفعل المثقف كمؤسسة خطت خطوات كبيرة وأثبتت جدارة على الساحة الثقافية العربية، سواء داخل أو خارج الدول العربية. وهذا بجهد كتابنا من السيدات والسادة، خاصة إصدارات المثقف، فربما المثقف المؤسسة الوحيدة أونلاين استطاعت أن تصدر مجموعة كبيرة من الكتب الأدبية والفكرية والثقافية، وما زال عطاؤها مستمرا، وأول من فتح باب حوار مفتوح ثم قلدته مواقع أخرى، وهكذا باقي الأبواب والنشاطات.

أما عن اشتمال المثقف على خزين من المتطلبات المشروعة وأحيانا غير مبررة، كما عبرت في سؤالك، فهو أمر طبيعي، ولعل قوة المثقف كصحيفة حرة في اختلاف وجهات النظر واحترام الآخر. فالمثقف أعدتْ نفسها منذ تأسيسها ساحة لتلاقي مختلف الآراء، وسمحت بهامش كبير من حرية الرأي والتعبير. فخزينها المعرفي تراكم لمنجزات طيف واسع من المفكرين والمثقفين والأدباء والكتاب، وهو جهد كبير وقيّم، حافظنا عليه بعناء وتعب حتى بات ثروة على مستوى المؤسسات الثقافية والفكرية، تجد ذلك واضحا من خلال إرجاعات الكتاب والمؤلفين في كتاباتهم ومؤلفاتهم حينما يشيرون للمثقف كمصدر توثيقي، مما يعطيها كصحيفة وآرشيف مصداقية توثيقية، وهذا مهم جدا بالنسبة لمشروعنا الذي يطغى عليه الجانب الفكري والثقافي، وفي جميع المجالات. لا تنس الجهود المخلصة وراء الحفاظ على الآرشيف، لكن رغم كل جهودنا أحيانا تعرض الآرشفة لمخاطر غير متوقعة. وحينما يتعرض موقعنا لأي خلل أو اختراق، فأول شيء يقلقني هو الآرشيف لأني أعرف مكانته ودوره، فأحرص عندما أتعاقد على تطوير الموقع، على ضبط عمل الآرشيف أولا.

تعرضت المثقف لأكثر من اختراق وكدنا نخسر أرشيفنا مرات عدة. لكن لا أنسى الانتكاسة الكبرى عندما خسرنا باختراق الموقع في 2009 م أرشيفا كبيرا، يمتد لـثلاث سنوات، من 2006م سنة التأسيس إلى 2009م. فكان ضربة موجعة، لم نجد لها حلا رغم كل الجهود المبذولة. ثم استأنفنا العمل بهمة الصديقات والأصدقاء الذين أحبوا المثقف ولم ينقطعوا عن التواصل معها حتى بات الآرشيف راهنا ينوء بحمله، بل ويرهقنا ماديا، مع تواضع إمكانياتنا التي هي ضريبة المشاريع المستقلة. بدأنا بآرشيف بسيط، كانت أجرة السرفر آنذاك ممكنة، أما الآن فندفع أضعافا مضاعفة شهريا من حسابنا الخاص. ولا أدري متى تنهار مقاومة هذا الضغط المادي؟ لكنني واثق بإذنه تعالى أن المثقف سيواصل مشروعه، معي أو مع غيري. فالمشاريع ليست شخصا بل هي تراكم خبرات ومنجزات مشتركة. لذا في جميع المناسبات أنوّه بجميع الكتّاب لأنهم رأس مال مشروع المثقف، بهم نجحت مشاريعه، وبهم يستمر ويواصل طريقه. لكن تواضع الإمكانيات تبقى تحديا خطيرا يهدد المشاريع الشخصية، خاصة حينما تتطور وتتسع مهامها، من هنا فقط يبدو القلق مشروعا، ويبقى حلم التطور أكثر هاجسا.

 

أما قولك: (وكيف تتحمل أعباء تلك التحديات والتجاوزات لهذا الموقع الألكتروني وأنت تعاني من وخز جسدي مزمن كما نعلم؟)..

أعباء الصحيفة والمؤسسة ليست بقليلة، وتارة تحتاج لجهد استثنائي، فهناك قائمة متابعات غير منظورة، وهي كثيرة في تفاصيلها، وتحتاج لوقت طويل على حساب راحتي ووقتي ومشاريعي الخاصة. غير أن قناعتي بالمشروع تدفعني لمواصلة العمل رغم كل الظروف والتحديات. أجد الوقت قصيرا، ومهامنا كبيرة، وتحديات الحياة لا تنتهي.

 كانت أشد فترة حرجة مرت خلال عملي في المثقف في 11 عاما، عندما كنت أرقد في المستشفى 3 أيام إسبوعيا، لخمس سنوات بمعدل 5 ساعات تحت جهاز الغسل الكلوي، ثم أعود مرهقا متعبا، لا أفيق إلا في اليوم الثاني مهموما بمتاعب يوم غد، فشكرا لكل الأصدقاء والصديقات الذين وقفوا معي في محنتي الصحية، حتى واصلت المثقف بجهودهم المباركة عملها ونشاطها اليومي. ولا أتذكر أنها توقفت لهذا السبب. وربما هذا هو الوخز الصحي الذي أشرت له في سؤالك الكريم.

لكن الحمد لله قبل أكثر من سنة امتدت يد الرحمة لتنتشلني من عذاب الغسل الكلوي، بعد عملية زرع كلية، تكللت بالنجاح، أسأل الله تعالى أن تستمر في عملها، وإلا فالعودة للغسل الكلوي أشد من الموت، مع تقدم العمر، وتداعيات الصحة العامة الملازمة له. إن محنة الفشل الكلوي، والعجز الكلوي شبه التام محنة كبيرة لا يعرف عنها الناس إلا القليل، لقد عايشت مختلف المرضى من رجال ونساء، وبمختلف الأعمار، كان الانهيار واضطراب الضغط، وعدم ضبط مستوى الماء والملوحة في الدم صفات ملازمة لهؤلاء المرضى، لكن ما يخفف الألم مستوى الخدمات المفعمة بإنسانية عالية من قبل الممرضين والممرضات، ومستوى النظافة، حتى لم تسجل أي حادثة تلوث في المستشفى على الإطلاق، إضافة للمتابعة الطبية المستمرة، كل هذا يخفف من أعباء المرض، ويمنحهم آملا في الشفاء.

كنت أضطر للعمل على جهاز الكمبيوتر وأنا على سرير المرض ويدي مربوطة لجهاز الغسل الكلوي، حتى أرهق من العمل بإصبع واحد مع انخفاض الضغط وانهيار القوى الجسدية، لكني مضطر لمواصلة عملي، خاصة عندما نحتاج لجهود إضافية، حيث اتسمت تلك الفترة بالذات بخصوبة مشاريع المثقف، على مستوى الملفات، والاستطلاعات، والجوائر والاصدارات، والنقد الأدبي، ومختلف أبواب الحوارات، والجدل السياسي، وباقي الأبواب. فالعمل كان يضغط من أجل مواصلة المثقف نشاطها على جميع المستويات. بل وأنجزت مجموعة من مشاريعي الخاصة وبالفعل أصدرت في تلك الفترة عددا من كتبي، كما قام الأصدقاء بعدد كبير من النشاطات في أكثر من بلد.

لقد تعلمت من محنتي الصحية الصبر ومكافحة اليأس بالتفاؤل والأمل والعمل، رغم هاجس الموت الذي رافقني منذ كنت يافعا، عندما زرت ابنة عمتي التي كانت طبيبة مشرفة على غرفة الغسل الكلوي في مستشفى اليرموك في بغداد في بداية سبعينيات القرن المنصرم، وكان عدد الأجهزة 3، وهي أجهزة قديمة وغريبة في تصميمها ومتعبة، وتختلف كليا عن الأجهزة الحديثة. والمرضى هم: شاب وامرأة وطفل، لكنها صدمتني حينما سألتها عن مستقبلهم، فأخبرتني بتوقعها لموتهم، فقالت هذا سيموت بعد سنتين، وهذا سيموت بعد سنة، وهذا تبقى من عمره ستة أشهرّ!!. لم يفارقني هذا المشهد الصادم طول حياتي، حتى عشته حقيقة، فكنت أشد ما أخشى أن أصاب بفشل كلوي. لكن العلم تطور والدول الحريصة على شعوبها، تسعى جاهدة لخدمتهم من خلال أفضل الأجهزة والرعاية الصحية، مع تعاطف الناس مع مشاريع الخير هنا. فطالما أسأل نفسي لماذا لا نتمتع بثقافة التبرع لمشاريع الخير ما عدا المساجد ودور العبادة؟ عندما كنت صغيرا كنت أرقب رجلا من مدينتنا، كأنه يقطع من جسده عندما يتبرع لفقير مسكين بخمسة فلوس ويداه ترتجفان!!.

عندما ذهبت لإجراء عملية جراحية في مستشفى زراعة الكلية والأعضاء البشرية اندهشت لحداثة الأجهزة واهتمام الكادر الطبي والصحي، لكن لفت انتباهي صورة كبيرة في بداية القاطع لأحد الشخصيات. فسألت أحد الأطباء من الأصدقاء ممن زارني، قال هذه صورة الشخص الذي تبرع ببناء هذا الجناح وبجميع أجهزته الحديثة بعد شفائه من العجز كلوي!!. وكنت أشاهد المرضى كيف يتعافون بعد زراعة الأعضاء البشرية وأتذكر صديقا مات بسبب إهماله للغسل الكلوي. كما قرأت رسائل لأحد الكتاب يحدّث فيها صديقه عن ثقته العالية بأحد الصالحين الذي سيعالج كليته بلا حاجة إلى أية عملية جراحية!! ولكنه ما زال مرابطا في المستشفى منذ سنوات طويلة. هذا هو التخلف، ولا شك عندي أن الأول مات آثما حينما فرط بصحته. للأسف روح الخرافة تستوطن شعوبنا حدا تستغني عن معطيات العلوم الحديثة.

متاعب الحياة لم تنته بحصولي على كلية جديدة، فقبل عام كنت أتابع عملي ومشاريعي بنفسية محطّمة وأنا أرقب زوجتي وهي تنوء بمرضها، وتخطو سريعا نحو عالمها الأبدي، حتى إذا عرجت روحها النقية شعرت بانهيار حقيقي، تلك المرأة التي حرصت على سعادتي بمثالية منقطعة النظير، حتى كانت تحجب عني كل تفاصيل العائلة خوفا على صحتي، وتقوم بجميع الواجباب بلا كلل أو ملل، وبصبرها وحلمها تحقق ما حققته في حياتي، فكانت توفر لي كل ما يساعد على مواصلة عملي ولو على حسابها. رحلت بعد أن ملكت القلوب بأخلاقها، ودعمها سنوات طويلة لمشاريع الخير والمؤسسات التعليمية، خاصة حينما تبنت مجموعة من يتامى العراق الغارق بالمحن والعذابات، والفضل في نجاح مشاريعها ثقة الناس بها. لذا أشرت في الحلقة الأولى من هذا الحوار إلى سبب تأجيله لسنة كاملة، وكان المقرر إجراءه لمناسبة مرور عشر سنوات على تأسيس المثقف.

الحياة متاعب يا سيدي، فينبغي قهرها بالصبر والأمل ومواصلة مسؤولياتنا التاريخية. المثقف شخص مسكون بهمّ الاصلاح والتغيير، والعمل والتطلع إلى مستقبل أفضل، فهو ليس شخصا عاديا كي يتوقف عند متاعب الحياة.

أحيانا تنقصني العبارة حينما أصف الأصدقاء والصديقات ممن تبنى المثقف، حتى واصلت طريقها ولم تتوقف رغم كل التحديات. وهم كثيرون، أذكر أسماءهم في كل عام عندما أتوقف لمناسبة صدور المثقف. وأيضا هنا أتقدم بجزيل الشكر لكل من بذل جهدا أو ساعد المثقف بشكل مباشر أو غير مباشر كي تواصل طريقها. فالمثقف هي مجموع كتابها، وقرائها، وهي جهد مشترك، يتطلع لمستقبل أفضل.

 

س44: عبد الجبار نوري: لقد طرقت أبوابا كثيرة، فهل جربت أبواب الشعر، ونعلم أنه مرآة الروح وترجمة مختصرة في أختزال الأرهاصات السوسيولوجية الجمعية؟

ج44: ماجد الغرباوي: لدي محاولات أدبية في القصة القصيرة وقصيدة النثر أو النص المنثور، ولم أحترف الكتابة الأدبية بعد. فمجموع ما كتبته لا يجعل مني أديبا بالمعنى الاصطلاحي. هي أفكار ومشاعر تنساب فجأة، فأكتبها مدهوشا بخمرتها، أطارد ظلي وهو يتقلب في عوالم ساحرة. كانت أفكارا وتأملات انسابت ترسم ملامحها، وتعبر عن ذاتها، فاستحسنها قراؤها، وأثنى عليها أخرون، فحصدت كثيرا من التعليقات الايجابية، ولا يخلو بعضها من النقد بل حتى النقد السلبي.

بعض ما كتبت تُرجم للغات أخرى، كالإنكليزية والألمانية والفرنسية والكردية. كما صدر عدد من النصوص ضمن كتب اشتملت على نصوص أدبية مترجمة إلى اللغتين الإنكليزية والألمانية. كما في ترجمات الأستاذ الدكتور بهجت عباس إلى الألمانية، وترجمات الأستاذة الدكتورة أنعام الهاشمي إلى الأنكليزية.

كما حظيت مجموعة النصوص بقراءات نقدية، تناولتها من زوايا متعددة، وهذا شيء مفرح، خاصة عندما يكون الناقد جديرا، موضوعيا، لا يجامل، فتقف من خلالها على نقاط قوة وضعف نصوصك، فكل قراءة هي إضافة واكتشاف يهتدي به الكاتب، وكل قراءة هي رحلة ضوء في خلجات النص ومنحنياته، فالناقد الحصيف يسلط الضوء عليها، ويقومها بأسلوبه النقدي، فتكون قراءته إضافة حقيقية للنص.

ولعل ما يبعث على الفخر وصول رسائل وتقييمات من شخصيات نقدية كبيرة، بل رموز في النقد الأدبي، حتى أشار بعضهم إلى وجود بصمة خاصة فيها. لا أحب الإفصاح عن أسمائهم. لأني لم احترف الأدب لأتفاخر بها علنا، وأرفض تصنيفي على الأدباء كي لا تختل موازين التقييم، وتحل فوضى مجانية الألقاب. لكنني أشكرهم شكرا جزيلا حينما اكتشفوا البعد الأدبي أو الإبداعي في نصوصي. الرأي النقدي يقوّم النص، يؤشر على ثغراته، يمنحه مشهدا تأويليا، تارة يتفاجأ الكاتب به فيضعه على المسار الصحيح حينما لا يكابر ويأخذه غرور الكتابة.

لدي رغبة في كتابة رواية، عن أحداث عشتها، وكنت شاهدا عليها، بعضها لم يطلع عليها غيري. لكن هل يسمح الوقت بذلك، وهو كالزئبق يفر من بين أصابعي؟. المشاريع الكتابية لا تنتهي وتبقى طموحات متروكه للزمن وكراهات الظروف الزمانية والمكانية.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi8خاص بالمثقف: الحلقة الثانية عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على سؤال الأديب الأستاذ د. أحمد فاضل فرهود.

 

 

س42: د. أحمد فاضل فرهود، شاعر وقاص / العراق: الأستاذ الباحث والمفكر ماجد الغرباوي ... تحية كبيرة لجنابكم ولمنجزكم الفكري... وفائق الشكر لفكرة الحوار المفتوح... التواصل الغير محدد بزمن.

كما تعلمون، الآن لا يحكمنا في العراق حاكم ولا برلمان ...من يحكم هو فكرة... فكرة ولود .. لا تنتهي بنهاية عمر حاكم ما، ولا يداخلها تغيير من استبدال وزير أو مسؤول.. فالفكرة (التي تستمد بقاءها من المقدس) باقية بقاءه في عقول الناس...

السؤال :ماهي أدوات المقاومة والتجديد لدى التنويريين لمجابهة الفكرة الحاكمة؟. 

ج42: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأخ الأستاذ الأديب د. أحمد فرهود، وشكرا لمشاركته عبر سؤال مهم وجدير بالبحث.

قبل الإجابة على السؤال، أتوقف قليلا مع مقدمته القيمة، حيث أشار الأستاذ القدير إلى دور الفكرة التي تستمد بقاءها من المقدّس في أزمة العراق، إذ قال: (من يحكم هو فكرة... فكرة ولود لا تنتهي بنهاية عمر حاكم ما، ولا يداخلها تغيير من استبدال وزير أو مسؤول). وهذا تشخيص دقيق لأسباب الأزمة وملابساتها، يؤكده عدم جدوى الحلول الفوقية، بل وتفاقمها. فتسوية الأزمة، وفقا لهذا التشخيص، تتوقف على نزع فتيل سطوة الفكرة الحاكمة، وتبديد أيديولوجيتها، التي تستمد شرعيتها وبقاءها من انتسابها للمقدس، والتخلّص من هيمنتها. ويقصد بالحاكمة أن الفكرة باتت سلطة فوقية توجه وعي الناس لا شعوريا، وما لم يتم تفكيكها، بعد نقدها وإعادة تشكيلها بشكل تخدم تطلعات الشعب في تقرير مصيره وبناء مجتمع مدني ستبقى تؤثر سلبا، وسيبقى البلد تحت رحمة منظومة أفكار وعقائد تكرّس الجهل والأمية والاستبدادين الديني والسياسي، والطائفية والاحتراب. فالانفراج على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية يتوقف على تخلي الشعب عن قبلياته ويقينياته، لصالح ثقافة جديدة، تواكب التطور الحضاري، وتمهد للإصلاح سياسيا واجتماعيا بعد إصلاح العقيدة والفكر. فإشكالية الوضع العراقي في مرجعياته الفكرية التي تتجلى من خلال جميع الأزمات، فثمة فكرة مركزية حاكمة تهيمن على جميع مفاصلها. وتكمن خطورة الفكر في انتسابها للمقدّس الذي يكسبها حصانة، وتعالٍ بفعل خصوبة تأويله بشكل عام، بما يخدم الديني والسياسي حينما يوظفها لصالح أهدافه ومصالحه الشخصية. فقدسيتها تقمع روح التمرد والنقد والمراجعة، وتعمق روح الانقياد والطاعة. وقدرتها التأويلية تمنحها قابلية التمدد في شتى مناحي الحياة السياسية والاجتماعية، عبر ثقافة تستمد مقاومتها من روح المقدّس. وبالتالي فتسوية الأزمة يتوقف على تفكيكها، وإعادة تشكيلها لصالح قيم ومفاهيم تساعد على بناء مجتمع مدني. وما دامت الإشكالية فكرية، لذا جاء السؤال:

 (ماهي أدوات المقاومة والتجديد لدى التنويريين لمجابهة الفكرة الحاكمة..)؟.

إن مسؤولية المستنيرين مسؤولية تاريخية، تستدعي مشروعا تنويريا يحد من سلطة الأفكار والعقائد الحاكمة التي تكرّس الجهل والاستبداد والاستخفاف بالعقل ومعطيات العلوم، بعد نزع قدسيتها والكشف عن زيفها، وبشريتها، وتثقيف الناس على النقد والمراجعة وعدم الانقياد، تمهيدا للتخلي عن قبلياتهم وقبول منطق العقل وشروط الحداثة الشاملة. وهذا يضعنا في مواجهة منظومة فكرية –عقيدية، تختلف في مرجعيتها ونسقها المعرفي .. تحتكر الحقيقة وتفرض سلطتها بانتسابها للمقدس. فما هي أدوات المقاومة والتجديد للتخلص من سطوتها، كما جاء في السؤال؟.

أعني بالتنوير تحرير وعي الإنسان من سلطة قبلياته التي تكرّس التبعية والانقياد والتخلف الحضاري، والخروج من نفق الجهل والخرافة واللامعقول إلى نور المعرفة والعقل والعلم. فلا يصدق التنوير إلا بعقلانية شاملة وخزين معرفي نقدي، ووعي قادر على تشخيص الواقع وملابساته، وموقف شجاع من الفكرة الحاكمة لانتزاع قدسيتها، وتقويض سلطتها المعرفية من خلال النقد، والملاحقة المستمرة لكل تجلياتها، لانتشال الوعي ومن ثم ترشيده باتجاه الحقيقة. من هنا يتضح أن أدوات المقاومة والتجديد لدى التنويريين لمجابهة الفكرة الحاكمة، هو النقد والموقف الشجاع بالكلمة الصادقة، والكتاب النافع، والمقال النقدي، والفن الهادف، والمؤسسات الإعلامية والثقافية الفاعلة. وأي نشاط آخر يخدم الهدف التنويري.

لكن قبل هذا ينبغي الإرتكاز لمقياس حضاري لتحديد مدى تخلف الفكرة الحاكمة، تحاشيا لأي تعميم يضر بالهدف الأساس من وراء التنوير بشكل عام. الشخص المستنير يطمح لرقي مجتمعه حضاريا فيلاحق أسباب التخلف لمعالجتها وفقا لمبادئ إنسانية وحضارية، فيحتاج لرؤية متكاملة وأدوات فاعلة، إضافة لموقف شجاع يتحدى المألوف والمتعارف والسائد من أفكار وعقائد.

الفكرة الحاكمة تكشف عن شروط ذاتية وأخرى موضوعية ساهمت في ترسّخها حدا يصعب معه زعزعتها فضلا عن هزيمتها، خاصة حينما تستخدم أدوات وأساليب تستدرج وعي المجتمع، فينساق معها العقل الجمعي بسهولة، ومثالها الفكر الخرافي في ظل شروط اجتماعية وعلمية متواضعة. أو الفكر الديني بسطوته حينما يستغل بداءة الوعي عند الشعب، فيخضع لسلطة رجل الدين وينقاد له طوعا، على حساب حريته وكرامته أحيانا من خلال شعارات برّاقة كـ"الإسلام هو الحل"، هذا الشعار الفضفاض والمخادع الذي به تمددت الحركات التكفيرية وسفكت دماء الإبرياء، وما زالت أحزاب الإسلام السياسي تضمره، خوفا أو تكتيكا، فعاثت في الإرض فسادا . أو أية فكرة أخرى تنتسب للمقدّس كسلطة متعالية، تستمد منه شرعيتها وبقاءها، وتمارس باسمه سطوتها في احتكار الحقيقة، دون الآخرين .

لكن الأخطر من الفكرة الحاكمة حجم اليقين بها وتبنيها والدفاع عنها، مما يشكل درعا حصينا يساهم في انتشارها والذب عنها. فعلينا نقد وتمحيص هذا اليقين من خلال مرجعياته وتجلياته، ومظاهره وتداعياته، ثم التمييز بين نوعين منه، حيث ينقسم اليقين (كما ذكرت مفصلا في مقدمة الطبع الثالثة من كتابي: إشكاليات التجديد)، إلى قسمين: يقين إيجابي وآخر سلبي.

 واقصد باليقين السلبي: "ما يُعيق الفعل الحضاري من جزميات وقناعات راسخة". ويقع على الضد من اليقين الايجابي. فإيمان الفرد بوجود الخالق ويوم الحساب يعد يقينا إيجابيا مادام يعزز التقوى ويعضّد وازع الخوف، ويحول دون إرتكاب المحرمات والموبقات، ويخلق دافعا للخير والعطاء فيساهم في تنمية المجتمع حضاريا.

أما اليقين السلبي، فهو: "حزمة الجزميات والقناعات الراسخة، التي توجّه وعي الإنسان سلبا، فتضبط سلوكه وحركاته ومشاعره في إطار هذا اليقين. ومثاله البسيط إيمان الفرد بقوى خارقة، يستعين بها لتحقيق مآربه، دون سلوك الطرق العلمية والطبيعية، كتسخير الجن وتحضير الأرواح، فيتقاعس عن العمل وطلب الرزق، بانتظار أن تقوم الجن بعمل خارق تلبي من خلاله جميع طلباته. أو إيمان الشخص بقدرة الأولياء والصالحين على معالجة المرضى وقضاء الحاجات، فيكتفي بأعمال تقربه لهم بدلا من مراجعة الأطباء وسلوك الطرق الطبيعية للتكسب. فهذا اللون من الإيمان واليقين يعيق تطور المجتمع. لذا تعشعش هذه الأفكار في المجتمعات المتخلفة والشعوب البدائية، وللأسف ما زال شطر كبير من شعوبنا يعتقد بكل هذه الخرافات، بينما العالم الغربي يقفز خطوات كبير في عالم السعادة والرفاه.

إن اليقينيات في ثقافتنا تتناسل بشكل مضطرد، لا تنتهي، ولا تقف عند حد، ولعل أخطرها مجال العقيدة والفكر، حينما يعتقد الإنسان أنه على حق مطلقا وغيره على باطل مطلقا، فيضطهده. وتارة الباطل يعني الكفر، مما يسمح بتكفيره، وربما استباحة دمه كما يفعل المتطرفون التكفيريون. أو يتجسد تناسلها من خلال الطقوس والبدع التي ما انفكت تنتشر أرجاء البلاد، وتصبح لها أولوية مطلقة على الأمن، والتنمية، وأداء السلطة.

لقد أفرز لنا اليقين السلبي نمطا من السلوك، أرهق وعي الفرد والمجتمع، وصادر حريته وإرادته، وسخّر كل إمكانياته، من أجل طقوس وتقاليد مزيفة، تنتسب للدين زورا وبهتانا. بل تمادى الخطاب الطقوسي القائم على اليقين السلبي، عندما فضّل الطقس على العمل الصالح، على الضد من الخطاب القرآني (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

اليقين السلبي وراء تناسل الأفكار وترسيخ سلطتها، التي انتجت تشوهات داخل النسيج الاجتماعي، وفرضت نفسها سلطة موجهة لوعي الناس، وتحديد مسار الولاءات السياسية والاجتماعية، وساهم في ظهور مراكز قوى تستمد شرعيتها من ذات اليقين.

نعود للسؤال عن آليات مواجهة الفكرة الحاكمة حينما تتحصن بيقين سلبي. ففي هذه الحالة ليس أمام الفكر المستنير سوى:

أولا - العمل على تفكيك المرجعيات الفكرية والعقائدية للفكرة الحاكمة، ونقد مفاهيمها ومقولاتها الأساسية التي يرتكز لها النسق المعرفي. من خلال مراجعتها والكشف عن تاريخيتها وزيفها، كي يكون المتلقي على بينة بحقيقة المرجعيات التي تنتمي لها الفكرة الحاكمة. مثال ذلك نزع الهالة القدسية عن الرموز التاريخية حينما تتحول بذاتها إلى مرجعية في الموقف والقرار، من خلال الكشف عن بشريتها، وبيان أخطائها، وأخطاء وعي القداسة، عندما يلتبس الديني بالبشري، عبر نقد يغور في أعماق النصوص الدينية والتاريخية، بحثا عن الحقيقة المجردة وما يطرأ عليها تاريخيا من فهم بشري، أو ما تفرضه المصالح الآيديولوجية والسياسية. أو بيان الموقف القرآني من السلطة، كي لا ينطلي شعار الإسلام هو الحل لصالح أهداف أحزاب الإسلام السياسي، حيث أن القرآن قد أهمل عصبي الحياة، السياسة والإقتصاد رغم أهميتهما.

إن نقد المرجعيات العقيدية والفكرية يساهم بشكل فاعل في تصحيح المعرفة وانتشال الوعي، وترشيد العقل الجمعي، خاصة العقل المسكون بالغيب والتاريخ، والخرافة، والتراث والرموز التاريخية. وبالتالي نقد المرجعيات العقيدية والفكرية عمل أساس للفكر التنويري، وهذا يتطلب عدة معرفية يتمكن من خلالها نقد الخطاب الديني والتراث، وموقفا شجاعا يفضح الفكر المخادع، المتستر بالدين والقداسة، ويتحدى ما يترتب على موقفه من تداعيات سلبية. وبالتالي ما لم تكن هناك تضحيات لا يمكن التأثير في العقل الجمعي، وتبقى الجماهير خاضعة لسطوة الفكرة الحاكمة، توجه سلوكها ومشاعرها. فانتشار الفكر النقدي والمراجعات الجادة يعد أداة ماضية في مواجهة الفكرة الحاكمة حينما تكون سلبية في مسار الحضارة الإنسانية.

ثانيا: العمل على تثقيف الشعب بكل الوسائل المتاحة وزرع روح النقد والتمرد ضد الفكرة الحاكمة وغيرها من الأفكار الظلامية، التي تعيق حركة المجتمع، وتكرّس الجهل والأمية والتخلف الحضاري.

ثالثا: وضع حد لالتباس المفاهيم، من خلال التمييز بين المقدّس وغير المقدّس، والفرز بين الديني وغير الديني، كي لا تلتبس المفاهيم حدا تختفي فيه الحدود لصالح رجل الدين وسلطته اللاشرعية عندما يسود المقدس كل خطاباته وسلوكه، فتنتشر الخرافة واللامعقول على حساب العقل والإدراك. خاصة في المجتمعات المسكونة بالغيب والخرافات، حيث يتحول كل شيء إلى مقدّس على حساب كرامة الإنسان ومستقبله.

رابعا: طرح مفاهيم وترشيد أخرى، تساهم في تحديث العقل والفكر من أجل مجتمع مدني تسوده العدالة وقيم الإنسان، ويضبط حركته التسامح، والاعتراف بالآخر، كمفهوم:

- الحرية، بمعنى التحرر من سلطة العقائد والأفكار والمفاهيم التي تعيق تقدم وتطور الإنسان، وليست الحرية سلوكا ينافي قيم الإنسان ومبادئ الدين الحنيف. إضافة إلى تعميق الثقة في النفس لإكتشاف الذات، والتفكير بطريقة حرة، مع التحلي بشجاعة للإعلان عن آرائه بحرية كاملة.

- التعددية، الدينية والثقافية، كحق عام لجميع أبناء الشعب، من أجل ترسيخ قيم المساواة، والتسامح على أساس تعدد الطرق للحقيقة. فليس هناك فرقة ناجية وفرقة هالكة كما يشيع الخطاب الديني البائس على الضد من قيم الدين التي تسمح بالتعددية الدينية: لا إكراه في الدين .. لكم دينكم ولي دين. وغيرها من النصوص والآيات الكريمة.

- حقوق المرأة، في مجالات الحياة التي لا تسلب كرامتها، وحيثيتها، والتعامل معها إنسانيا، بعيدا عن أي تمييز يتسبب في اختزالها.

- تنمية الروح الوطنية والشعور بالمسؤولية تجاه الواجبات والمسؤوليات، واحترام الأنظمة والقوانين، ورفض أي سلطة خارج سلطة القانون.

- التأكيد على التداول السلمي للسلطة، من خلال الآليات الديمقراطية، واستبدال الثقافة القبلية والعنف والإرهاب بثقافة مدنية، وطنية، متحضّرة، تعتمد الأحزاب السياسية والانتخابات طريق للسلطة. والتخلي عن مراكز القوى الموازية لسلطة الدولة، مهما كانت مصادر شرعيتها، دينية أو قبلية.

خامسا: ملاحقة الاستبدادين السياسي والديني، بكل تجلياتهما، وفضح ممارساتهما، وطريقة توظيفهما للمفاهيم الملتبسة للتشويش على وعي الناس. خاصة الاستبداد الديني الذي يعد علامة فارقة في التخلف الحضاري، لأن الدين وفقا للمنطق القرآني يسلب الاستبداد شرعيته.

سادسا: القضاء على روح التسليم التي تتصف بها شعوبنا، فيكرّس التسليم الخرافة واللامعقول، والتخلي عن العقل وبهذا نخسر أهم أدوات التحديث الحضاري وهو النزعة العقلية. ولا يمكن القضاء على روح الاستسلام إلا بسريان نزعة الشك بقوة، بحيث تصبح ملكة لدى جميع أبناء الشعب.

لقد قامت حضارة الغرب على الشك، وكان بداية النهضة شكا اجتاح فضاء المعرفة ومصادرها، وزلزل جميع اليقينيات الموروثة والمكتسبة، ثم اخضعوا كل شي للتجربة والبحث. وبقى الشك يدفعهم باتجاه البحث والتنقيب عن الحقيقة، فلم يحدهم يقين مطلقا. بينما حياتنا حقل ملغّم بيقينيات لا يسمح لك المجتمع بالتشكيك بها، بل ربما يعرّضك الشك إلى القتل من قبل المتزمتين. وهي حالة مرت بها أوربا ثم تجاوزتها، بعد صراع مرير مع الكنيسة.

والغريب حتى الوقائع التاريخية لا يسمح لك عندنا مقاربتها والبحث عن حقيقتها، وإنما عليك التسليم والإيمان بها مطلقا وفقا لعقيدة العوام. وإلّا ستكون خارجا على الدين والمذهب. من هنا تجدنا نتفاخر بأشياء نجهل حقيقتها، ونخشى مقاربتها خوفا من انكشاف زيفها، فتنهار آمالنا في ضمان السعادة الأخروية، ويتزلزل يقيننا باحتكار الحقيقة.

من هذا المنطلق نحن بحاجة ماسة لمراجعة ثوابتنا ومقولاتنا وتراثنا وفكرنا وثقافتنا، بحثا عن مصادر قوتها وتشخيص نقاط ضعفها. ومطالبون بتجديد رؤيتنا للحياة والموت والآخرة، وعلاقة الإنسان بما حوله. والعودة إلى مصادر وعينا وتفكيرنا، في ضوء الواقع، وتحكيم العقل في قراءة التراث ومصادره.

سادسا: الحد من سلطة التراث، واعتباره تجربة تاريخية بشرية، وعدم تجريده من تاريخيته أو بشريته، والأخذ بنظر الاعتبار ظروفه الزمانية والمكانية المغايرة لظروفنا من جميع الجهات، فلا يصح استفتاء الموتى حول قضايا تخصنا، ومن الخطأ اللجوء لهم في معرفة حاضرنا ومستقبلنا، والكف عن فرض أحكام جرت وفق شروط تختلف عن شروطنا. للأسف تجد التراث اليوم حاكما على عقلية الناس، يسترشدون به ويفترضونه سلطة فوقية مقدسة. ولا قدسية لتراث بشري، بل هي معارف تاريخية. إن لجوء الناس للتراث على حساب العقل يعد كارثة حضارية، فالعلوم تطورت تطورا هائلا، وباتت أسباب الظواهر معروفة ومشخصة، والتراث وليد بيئته ومرحلته التاريخية، فكان يهتدي بالغيب كمصدر وحيد للمعرفة، مع قدسية معارفه. لكن الأمر قد تغير بعد معطيات العلوم والكشوفات المعرفية الهائلة، وبات للعقل مركزيته حتى في فهم الدين.

سابعا - إعادة فهم الدين من مصدره الأساس لبيان حدوده، ومدى علاقته بالسياسة والاقتصاد والسلطة والحكم. ومعرفة مدى شرعية سلطة رجل الدين الذي راح يفرض ولايته وقيمومته على الشعب والقانون باسم الدين. فنقد المباني التي تقوم عليها ولاية رجل الدين يمهد لرؤية جديدة للدين، ويضع رجل الدين في نصابه الديني، بعد الحد من تمدده وسلطته، كما ستكون المفاهيم الدينية واضحة، تأبى الاستغلال أو توظيفها لمصالحه الشخصية أو الآيديولوجية.

ثامنا: الكف عن أدلجة الدين، وتفعيل البعد الثوري فيه، واسقاط أحداث الماضي على الحاضر، ومعاقبة الحاضر بجريرة الماضي، (ولا تزر وازرة وزر أخرى). وهذا يتطلب إعادة النظر في طريقة إحياء المناسبات الدينية والتاريخية، وما يصاحبها من شعارات، وخطابات ثقافية ودينية وسياسية. فطريقة إحياء المناسبات وما يرافقها يؤثر لا شعوريا في وعي الفرد، ونظرته للحياة والمستقبل.

بهذا يمكن زعزعة الفكرة الحاكمة وخلخلة أسسها، بعد تعرية قدسيتها، لنضع حدا لسلطتها في توجيه الوعي، وتحديد مساراته، التي طالما تأتي لصالح الخرافة واللامعقول وتكريس سلطة رجل الدين ورجل السياسة وشيخ العشيرة، على الضد من التطور الحضاري.

إن روح الانقياد لدى الفرد العراقي تثير الدهشة والاستغراب، فيبالغ في تقديس قيادة رجل الدين أو العشيرة أو السياسة، عندما يواجه نقدا يطيح بشرعيتها. فيهرب من النقد للتقديس لحماية مرجعياته، لذا يعد العقل الجمعي السلبي معضلة حقيقية تواجه البلد حضاريا. فنقد روح الانقياد لدى الشعب مهمة أساسية للمتنورين، شريطة التوفر على بدائل تكسب رهان التحرر من أي سلطة فوقية. وبالتالي إذا كان النقد المعرفي كفيلا بزعزعة الفكرة الحاكمة، والأقدر على تفكيكها، بعد فضح زيفها وعدم قدسيتها، فإن نقد روح الانقياد الشرط الثاني في عملية تحرير العقل، وإعادة تشكيله بعيدا عن هالة التقديس وتزوير المفاهيم، كي يمارس دوره في إرساء قيم التسامح وبناء مجتمع مدني يلبي طموحات الشعب بعيدا عن تشظيات زيف الأفكار والعقائد المصطنعة.

ويبقى طموح المستنيرين في فرض مناهج دراسية تنهل من معطيات العلوم الانسانية والعلمية الحديثة، وتعتمد مناهج وطرق تدريس حديثة، تمكّن الطالب من محاكمة الأفكار والمفاهيم، وتغليب لغة العقل، مع ممارسة النقد والمراجعة. بهذا يمكن خلق نشئ جديد يتحمل مسؤولية النهضة الحضارية. فالأفكار بحاجة إلى بيئة سليمة، تنمو وتزدهر في أجوائها، فالمؤسسات التعليمية، والأكاديميات العلمية تشجع على تفعيلها، وتنشيطها على جميع المستويات.

وما أجده ضرورة عاجلة الآن تكوين تيار وعي، تتضافر فيه جهود المستنيرين، يفرض وجوده داخل المجتمع العراقي، من خلال وسائل الإعلام المتاحة. تيار يتحلى بالشجاعة والالتزام، يتولى نشر ثقافة العقلانية الشاملة في جميع مناحي الحياة.

وأجد في الفنون وسيلة مؤثّرة، حيث استطاعت أوربا من خلال الفن والمسرح، وما تلاها من أدوات كالسينما والمذياع والتلفاز تفجير ثورة فكرية – ثقافية، ساهمت في بناء حضارتهم.

يكفي معالجة هموم الناس معالجة فوقية أو الإكتفاء باستعراضها، وينبغي توظيف وسائل الاتصال الحديثة، خاصة التمثيلية والمسرحية، لضخ ثقافة تشخّص أسباب التخلف والفساد والانحطاط والتبعية. فربما لقطة تلفزيونية تؤثر في الجمهور أكثر من تأثير أي خطيب أو كتاب. أو شعار ترسمه بطريقة فنية يفعل بالوعي بشكل مؤثر وإيجابي.

يجب الاستفادة من المناهج العلمية المختصة بالدعاية والتربية والتعليم لمعرفة الطرق الناجحة في مهمة التنوير.

  

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi7boutheina bouguerraخاص بالمثقف: الحلقة الحادية عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على سؤالي الأستاذة المحامية بثينة بوقرة.

 

 

س40: بثينة بوقرة: محامية وطالبة دكتوراه / تونس: تحية وتقدير للأستاذ ماجد الغرباوي. لقد قرأت كتابك إشكاليات التجديد، كما اطلعت على الحوار الذي أجرته معك الأستاذة هيام الفرشيشي، وهما ممتعان، لكن أسأل:

لقد تكلمت عن نقد الذات العربية في جميع تجلياتها وتمظهراتها (العقيدة، الثقافة، السياسة، الفكر، العقل، المجتمع، الأسرة ...).

- فهل ترى لخلق مجتمع متسامح هدم كل ما يمثل هويتنا وكينونتنا؟

- ألا ترى أن حل الهدم والزعزعة ضرب من الطوباوية ومن الحلم؟

- أليس من الأجدر التسامح مع ماضينا ومع ذواتنا حتى نتمكن من خلق أرضية للتسامح في المستقبل؟.

ج40: ماجد الغرباوي: شكرا للأستاذة القديرة بثينة بوقرة مشاركتها في الحوار من خلال أسئلتها القيمة، التي ارتكزت فيها على ما جاء في كتاب إشكاليات التجديد في طبعته الثالثة، وحوار قديم مع الأستاذة الأديبة هيام الفرشيشي. قلت هناك: (عندما تعي الذات العربية سر تخلفها ستضع التسامح في سلم أولوياتها. لأن تعدد الثقافات أمر طبيعي، فتارة تتصارع وأخرى تتحاور أو تتكامل، والثقافة القوية في أنساقها المعرفية تؤثر بالثقافة الضعيفة. فهناك ثقافة فاعلة قادرة على  التأثير وأخرى منهزمة. والأولى لا تؤثر ما لم تكن للثانية قابلية على التأثر. فمهما تكن الثقافة المقابلة قوية وفاعلة، إلا أنها ستنهزم أمامي عندما أكون متماسكا، قويا وفاعلا.). فربما هذه العبارة بالذات أساس السؤال، وهي جزء من إجابة على سؤال للأستاذة هيام الفرشيشي ضمن حوار أجرته معي لصالح صحيفة الحرية التونسية.

ينبغي أن نعرف أولا أن النقد لا يعني الهدم، بل يعني المراجعة والتقويم، للتأكد من صلاحية الأسس والثوابت والمقولات والمفاهيم التي شكلت نسقنا المعرفي ومدى قدرتها على التفاعل الإيجابي والعطاء. وما لم يتم نقدها ومراجعتها وفق منهج حفري، إريكيولوجي، يغور في أخاديدها وأعماقها لا يمكننا مغادرة خندق التخلف. وسنبقى ندور في حلقة مفرغة. فالنقد الفوقي لا ينفع، مع تجذّر قيم ومفاهيم أفضت إلى استباحة دماء الأبرياء، وقتل الآخر المختلف دينيا بل ومذهبيا، وعطّلت عجلة النهوض الحضاري.

هناك ثقافة تراكمت عبر سنين، تستبطن الإقصاء والتنابذ والعنف، ثقافة قابعة في أعماقنا، تتجلى عبر سلوكنا ومشاعرنا ومواقفنا، فعلينا تقصي مداراتها وصولا إلى نشأتها وكيفة تشكّلها لنقدها وتفكيكها، كي لا تؤثر سلبا فنخسر أنفسنا. هذه الثقافة هي مقولات ومفاهيم نشأت في ظرف معين وظلت تؤثر لا شعوريا، فعلينا استدعاؤها، ونقدها نقدا علميا لنبذ ما يعرقل نهضتنا والإبقاء على ما هو حيوي فاعل يدفعا باتجاه التقدم الحضاري. قد تكون هذه المفاهيم ذات جذر ديني، أو خرافي أو طائفي أو اجتماعي متأثر بظرفه الزماني والمكاني، أو غيرها. فالنقد مبدأ أساس لأي نهضة تروم التقدم والتطور حضاريا، وهذا ما فعلته أوربا في عصر النهضة بعد سريان الشك لكل اليقينيات والثوابت.

نعود للسؤال: فهل ترى لخلق مجتمع متسامح هدم كل ما يمثل هويتنا وكينونتنا؟ .

اتضح مما تقدم أن النقد لا يقوّض كل شيء. وبناء مجتمع متسامح لا يلغي مقومات هويتنا وكينونتنا، بل يعني تأسيس مفاهيم تساعد على نهضتنا، والمجتمع المتسامح هو ركيزة المجتمع المتحضر، بل لا يصدق التحضر بلا تسامح حقيقي مع الآخر المختلف، ولا يكفي التسامح الشكلي الذي يعني المنّة والكرم والفضل، لأن الثاني يفترض وجود طرف متفوق يمن بتسامحه على الطرف الآخر. فهو لا يعترف به حقيقة، وله في أعماقه صورة الخصم اللدود، فينبذه ويشعر بكراهيته، لكنه يتسامح معه تحت ضغط الظروف الاجتماعية والسياسية من أجل تهدئة المواقف والتوفر على أجواء تساعد على العيش المشترك. وهذا مكمن الخطر، لأن هذا اللون من التسامح سيتهاوى عند أول احتكاك بين الطرفين، كما حصل في العراق مثالا لا حصرا.

فينبغي التخلي عن معادلة: حق مطلق، في مقابل باطل مطلق. ليبقى كلا المفهومين نسبيا، مهما كان معدل هذه النسبة، ليشعر كل من الطرفين بأن الآخر شريك لنا بالحقيقة، ولا يوجد من يحتكرها كاملة دون الآخر. بهذا الأسلوب يمكن إرساء أسس تسامح حقيقة تمهّد لبناء مجتمع حضاري.

فمثلا يمكن من خلال فهم جديد للدين نقد كل ما يمت للدين من يقينيات راسخة في ثقافتنا حول علاقتنا بالآخر، فحينما نستبدل الفهم القديم بفهم جديد بلا شك سيؤثر في تصوراتنا وانطباعنا عن مجمل القضايا والتي منها التسامح. كما سيتيح لنا الفهم الجديد هامشا واسعا من الحرية، سواء حرية الرأي أو العقيدة. فعقوبة المرتد عن الإسلام، ستتغير عندما يقدّم الفقيه فهما متجددا لها في ضوء القرآن، الذي أكتفى بعقوبة أخروية للمرتد، وأما قتل المرتد، كما هو المتعارف لدى أغلب فقهاء المسلمين فليس له أصل قرآني، بل هي شهوة القتل والفهم المبتسر للدين دفعت فقهاء السلطان لتبريره، تقول الآية الكريمة: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ). وأيضا (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). وعندما يتغير فهم الفقيه ستتغير نظرة الناس عن حرية العقيدة، وتبدأ بتقبّل المختلف عقيديا بل والتسامح والتعايش معه. فالفهم الجديد يساعد على إرساء أسس المجتمع المتسامح الذي هو ركيزة المجتمعات الحضارية. ويتيح مجالا للتعددية الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية.

وليس في هذا الكلام دعوة لنبذ الدين بل تقديم فهم جديد للدين، لأن الدين مكون أساس لمجتمعاتنا، بل ويخالط نفوس الناس، ومشاعرهم، وثقافتهم، وسلوكهم، وكل شي في الحياة، فلا يمكن نبذه أو التخلي عنه. لكن بإمكان الفقيه أن يقدّم وبسهولة فهما متجددا للدين ومقولاته، بعد التخلي عن قناعاتهم وقبلياتهم، والانفتاح على الحاضر، وضرورات الزمان والمكان، وفهم الروايات والتراث وفتاوى السلف في سياقاتها التاريخية.

وأما بالنسبة للفرع الثاني من السؤال فبلا شك إن "حل الهدم والزعزعة ضرب من الطوباوية". خاصة بالنسبة لشعوب مسكونة بالماضي والغيب، وقد ورثت ثقافة تقدّس الرموز التاريخية، وتعتبر نصوصهم مرجعيات نهائية، لسلوكهم وتصرفاتهم وفهمهم، مهما اختلفت ظروف الطرفين. فالماضي يبقى مؤثرا جدا في الحاضر، من هنا تصدق الطوباوية. فنحتاج ثقافة بديلة تقدم فهما آخر للماضي ورموزه، وتضع حدا لقياس الحاضر على الماضي، والكف عن البحث عن مثال في الماضي لفهم الحاضر. لكن رغم ذلك تبقى الصدمات الفكرية والعقيدية مؤثرة، خاصة حينما تتحرش بالموروث لزعزعة ثوابته، وتتخطى الخطوط الحمراء، وتتوغل في الممنوع، وتقترب نقديا من المقدّس، والرمز التاريخي. هذه الصدمات تزلزل منظومة الأفكار والعقائد، وتحرّض على المراجعة، مع مراعاة مستويات الوعي ومدى تحمل الناس، واستيعابهم للنقد وضروراته. لأن الحقيقة صادمة .. تخلق خصومة تصل حد النبذ والإقصاء، لكن ماذا نفعل؟ لابد من الكشف عن الحقيقة وتحطيم الستائر والأسيجة الحديدية، مهما كانت تداعياتها، ما دامت ضرورة ملحّة، يتوقف عليها الفعل الحضاري.

نحن الآن نعيش بدايات النهضة الأوربية، حيث بدأ بعض الناس يتقبل نقد المفاهيم الدينية والاجتماعية، يتقبل نقد رجل الدين، يتقبل نقد الرئيس والقائد، بدأ يتخلى عن القائد الضرورة وغيرها، لكن ما زال الطريق طويلا، وربما وسائل الاتصال الحديثة، ووعي الشعوب ستدفع باتجاه الرقي الحضاري بوتيرة أسرع.

يبقى الفرع الأخير: أليس من الأجدر التسامح مع ماضينا ومع ذواتنا حتى نتمكن من خلق أرضية للتسامح في المستقبل؟

أجد الماضي أحد أسباب أزماتنا، والماضي المقدّس بكل حمولاته ونزعاته الطائفية والعدوانية، هو ماضي السلطات الظالمة، والحروب والدماء، والصراعات الطائفية. فإذا كنت تقصدين من التصالح قبول الماضي بكل حمولته؟ فهذا قنبلة موقوتة ستتفجر مع كل احتكاك، أو صراع سياسي، لأننا شعوب ماضوية، تجد فيه القداسة والمثالية ومصدر الحقيقة، في ضوئه يرسم الإنسان حياته ومستقبله، ولا يجد مصداقيته إلا من خلال الماضي، بل أن الصراع الأول بعد وفاة الرسول ما زال ماثلا يحدد علاقاتنا الاجتماعية فكيف نتصالح معه؟.

وأما إذا كنت تقصدين من التصالح نسيان الماضي تماما رغم ما به من ويلات وانتكاسات، فهذه أمنية، كيف تتحقق والماضي يخالط دماء الناس وشعورهم، ويوجه حياتهم ومستقبلهم؟

نحن بحاجة إلى عملين في آن واحد، تفكيك الماضي ونقده نقدا صارما وفق أسس معرفية صحيحة، وفي ضوء مبادئ الدين الحنيف ومبادئ حقوق الإنسان كي نسقط قدسيته وننتزع هالته. يصاحبه تفسير صحيح للأحداث، بعيدا عن المناهج الطائفية وعلم الكلام الذي راح يشوه الخصوم، ويضفي قدسية كبيرة على نفسه. فبالنقد والتفسير الموضوعي لأحداث التاريخ يمكننا تجاوز الماضي، وتفتيت سلطته، بعد اسقاط قدسيته. ثم ننطلق صوب التقدم الحضاري بعيدا عن الماضي واسقاطاته. بمعنى أخر علينا التخلي عن هيمنة الماضي كي نبصر الحاضر على حقيقته. والعامل الثاني هو اعتماد منهج جديد في التعامل مع الآخر، مهما كانت درجة الاختلاف، من خلال غض الطرف عن أخطائه، والتسامح معه في مواقفه، والبحث عن أوجه الجمال بدلا من ملاحقة أخطائهم، وعثراتهم، والكف عن محاسبتهم. بهذا الشكل سنتسامح مع أنفسنا، ومع التاريخ والآخر، ونتوفر على أجواء نقية تساعدنا على إرساء مجتمع متسامح هو الأساس لأي مجتمع طموح حضاريا.

 

س41: بثينة بوقرة: تعرضت في كتابك إلى أهمية المواطنة في التعايش السلمي والاعتراف بالآخر داخل الوطن الواحد، لكن ماذا عن غير المواطنين ممن لا يحملون جنسية البلد، أو (المحرومون من بعض أو كل حقوقهم المدنية والسياسية)، فهل هؤلاء، بناء على نظرية المواطنة، معنيون بالتسامح وهم لا يتمتعون بحقوق المواطنة؟

ج41: ماجد الغرباوي: لا شك أن بناء النظم الدستورية والقوانين المرعية في البلد على أساس المواطنة ضمان لإرساء مجتمع متسامح، يضع الجميع على قدر المساواة في الحقوق والواجبات بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والدينية، خاصة الدول المتعددة قوميا أو دينيا أو مذهبيا أو جميعها. والعكس عندما يسن دستور البلد على أساس مكونات المجتمع أو طوائفه وأديانه وقومياته.

في الحالة الثانية سيتحول الدستور الى قنبلة قابلة للإنفجار لأدنى إحتكاك، ما دام هناك شعور بالظلم والحرمان بسبب انتماء الفرد القومي أو الديني. ويكون التذمر أقوى عندما يشعر الفرد بالاقصاء اجتماعيا أو سياسيا، بل لا يشعر بانتماء حقيقي للبلد، وتختفي في نفسه مشاعر الولاء له.

فالتعامل الدستوري على أساس المواطنة يعزز مشاعر الولاء الوطني، بعد إقصاء ما يعمّق التفرقة من خصوصيات. المواطنة لا تلغي الخصوصية بل تحترمها وتحميها، بينما تحطم الخصوصية أواصر الوحدة الوطنية وتقضي على مقومات القوة في البلد، حينما تسود الواقع منفردة. فالمواطنة تضمن لجميع الشعب ذات المستوى من الحريات العامة، والحقوق الدينية والمساواة في الحقوق والواجبات. وبالتالي فالأقليات تتمتع بذات الحقوق في دولة المواطنة، ولا تشعر بالاقصاء، من هنا تجد هذه الدول أكثر استقرارا وأمنا.

نأتي للسؤال: ماذا عن غير المواطنين ممن لا يحملون جنسية البلد، او (المحرومون من بعض أو كل حقوقهم المدنية والسياسية)، فهل هؤلاء، بناء على نظرية المواطنة، معنيون بالتسامح وهم لا يتمتعون بحقوق المواطنة؟ ...

أما بالنسبة للقسم الأول فمن لا يحمل جنسية البلد فهو ضيف عليه، وبما أنه ضيف يجب عليه الالتزام الكامل بقوانينه كشرط أساس لاقامته فيه. ومن هذه الشروط الالتزام بجميع القوانين التي تخص التعددية الدينية والثقافية، واحترام الحريات، وعدم زعزعة النظام من خلال أي سلوك يخل بموازين التسامح. وبالتالي فهو معني بالتسامح ما دام على أرض هذا البلد. وربما هناك مثال أوضح هو الجاليات المسلمة في الغرب التي اكتسبت جنسيات تلك البلدان عليها الالتزام بجمع القوانين ولا يحق لهم المطالبة بأي حق على أساس عرقي أو ديني يصطدم مع قوانين البلد، بل هو معني بثقافة التسامح والتزام بقيمه كاحترام باقي الاديان والقوميات وعدم اثارة أية نعرات تخل بالنظام العام. وبالفعل اكتسبت هذه الجاليات روح التسامح، واحترام الآخر المختلف ثقافيا ودينيا.

والقسم الثاني، وأعني: "المحرومون من بعض أو كل حقوقهم المدنية والسياسية"، كما جاء في السؤال: هذا الافتراض غير ممكن في بلد المواطنة الذي يتساوى فيه الجميع بالحقوق والواجبات، وتتعهد القوانين بحماية الحريات المتفق عليها دستوريا. فمن أين يأتيه الحرمان كي يتمرد على منطق التسامح؟.

وإذا لم تكن الدولة دولة مواطنة فالظلم والحرمان يحرضان الناس ضد التسامح بنسب متفاوته. وقد يكون الشخص معذورا حينما يشعر بالظلم الشديد والاقصاء بسبب انتمائه الديني أو السياسي. وتبقى ردود الفعل خاضعة لثقافة الفرد ومدى شعوره تجاه بلده ومجتمعه ومستقبله. فالمثقف مثلا معني بالتسامح رغم عدم وجود ما يشجع على ثقافة التسامح، لكنها قيمة أساسية يقع التثقيف عليها ضمن مسؤولياته.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الحلقة العاشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على سؤالي الشاعرين: الأستاذ سامي العامري، والأستاذ يحيى السماوي.

 

 

samey alamriس38: سامي العامري، شاعر وكاتب - ألمانيا: سؤال موجه إلى الأستاذ الأديب الباحث الثّر ماجد الغرباوي وهو أقرب إلى الدردشة. وأقول الدردشة حتى أمتص من السؤال ما يبدو صدمة للمتعارف عليه من مفاهيم ودلالاتها. ففي واحدة من الندوات الأخيرة التي حضرها أو شارك بها الشاعر والمفكر العربي المجدد أدونيس سأله من يدير الندوة حول مفهوم التسامح، فكان جوابه مباغتاً بالنسبة لي على الأقل حيث قال:

ليست صائبة مفردة التسامح، فالتسامح يعني أني أَمُنُّ عليك فأتسامحُ مع معتقداتك وقناعاتك. والأصح أن ننادي بالمساواة! ........

إنتهى كلام أدونيس. وإذا جاز لي تقريب المعنى أكثر، المعنى الذي أراده الشاعر والمفكر هنا فهو التالي: إذا كنتُ أنا مسلماً وأنت مسيحياً وكلانا عراقي والأغلبية مسلمة فأنا حين أتسامح معك فهذا يعني أنك (وحاشاك) أدنى منزلةً مني. وأضيف ربما تطويراً أو توسعاً بفكرة أدونيس بأن التسامح قد يصحّ ولكن في حالة واحدة فقط وهي حين أكون أنا مغترباً في بلد أجنبي وأمارس طقوسي وعاداتي التي أعتز بها والتي قد تتقاطع مع تقاليد البلد الذي أعيش فيه أو حتى قد تكون على النقيض من معتقداته ومع هذا فالمجتمع الذي أعيش فيه يدعني أمارس هذه الطقوس بحرية وربما يقوم بمساعدتي في تهيئة الظروف الملائمة لممارستها!

مع التقدير والإعتذار

ج38: ماجد الغرباوي: شكرا لمشاركتك الأخ الشاعر القدير سامي العامري، وشكرا لسؤالك الحساس والمهم.

ما قاله الشاعر الكبير أدونيس حول معنى التسامح صحيح. أي كما نقلت عنه: (أني أَمُنُّ عليك فأتسامحُ مع معتقداتك وقناعاتك). هذا هو الفهم السائد عن التسامح في مجال الأديان، بل هو المعنى اللغوي للكلمة. فالتسامح عندهم تَفضّلٌ، ومنّةٌ وتكرّمٌ.. فهو يزدري عقيدتك ودينك ومذهبك في أعماقه، ويرميك بالانحراف والكفر أو الإلحاد أو الشرك، ولا يعترف بحقوقك العقيدية والفكرية لكنه يتظاهر بالتسامح معك منّة وتكرما، لضرورات سياسية واجتماعية، أو من أجل تعايش سلمي بعيدا عن التنابذ والاحتراب، أو تكون منطلقاته منطلقات دينية وأخلاقية من باب مهادنة الآخر، لكنه في جميع هذه الحالات ليس تسامحا حقيقيا، بل هو تسامح هش، سرعان ما يتفجر عند أول احتكاك بين الأديان أو المذاهب والطوائف، وشواهده كثيرة تاريخيا بل حتى راهنا قد عاصرنا بعضها، كما بالنسبة للصراع في لبنان في ثمانينات القرن المنصرم، وأفغانستان، أو ما حدث في العراق بعد سقوط النظام حيث تفجّرت الأزمة الطائفية بين المذهبين الإسلاميين، الشيعة والسنة، فتلاشى التسامح ركيزة التعايش السلمي داخل الوطن الواحد في أول احتكاك بينهما، وراحت دماء الأبرياء تتناثر في كل حدب وصوب. بل راحوا يثأرون للتاريخ، بعد استدعاء الأحداث، ومحاسبة الحاضر بجريرة الماضي.

وبالتالي فركيزة هذا اللون من التسامح رخوة، لا تقاوم الانفعالات فضلا عن الصراعات، فينهار التسامح، وتتلاشى لغة المودة والرحمة، لتحل محلها لغة التنابذ والاقصاء والتكفير، وتطغى لغة الموت على لغة الحياة.

إذاً فالدلالة اللغوية لمفهوم التسامح تستبطن المنّة والكرم، وتشير الى وجود فارق أخلاقي بين المتسامِح (بالكسر) والمتسامَح معه (بالفتح). فليس هناك مساواة بين الطرفين، بل يد عليا واهبة، ويد سفلى متلقية. وهو مقتضى المنّة والكرم دائما. وهذه هي نقطة الضعف التي أقلقت الفلاسفة والمفكرين الطامحين لمعنى آخر للتسامح، يستتب بموجبه السلم الأهلي، لذا راح المعنى الاصطلاحي للتسامح يأخذ بعدا آخر، يتضح من تاريخ تبلور هذا المفهوم ضمن بيئته الغربية. فمفهوم التسامح (toleration) ظهر في القرن 17- 18م، لتفادي تداعيات الحروب والصراعات بين المذاهب والأديان والاتجاهات الفكرية والعقيدية المختلفة التي شهدتها أوربا إبان القرون الوسطى. وأيضا من أجل التوصّل الى صيغ مناسبة تضمن حقوق الانسان وحرية الرأى والتعبير بشكل متساوٍ لجميع أفراد الشعب، وذلك بعد اقصاء سلطة الكنيسة وانهاء دور رجل الدين في الحياة السياسية. وقد مر تشكيل المفهوم بمرحلتين، الأولى كانت تنتمي الى الأصل اللغوي، بينما اكتسب المفهوم في المرحلة الثانية بعدا آخر.

 التسامح كما أفهمه وادعو له: موقف إيجابي متفهم من العقائد والأفكار، يسمح بتعايش الرؤى والاتجاهات المختلفة بعيدا عن الاحتراب والإقصاء، على أساس شرعية الآخر المختلف دينيا وسياسيا، وحرية التعبير عن آرائه وعقيدته، ما دامت الطرق إلى الحقيقة متعددة، وليس لأحد الحق في احتكارها، فيكون التسامح اعترافا حقيقيا بالآخر، لا منّة ولا تكرما، فيسود المجتمع مبدأ المواطنة في المساواة والتكافؤ في جميع الحقوق والواجبات.

كان المفهوم في بداية تشكّله يتضمن قيما أخلاقية اختيارية. فالمتسامح، وفقا لهذه الدلالة، شخص يتنازل عن حقه تكرما ومنّة على الآخرين، يقابله احترام من قبل الناس أو شعور بالمنّة والعطاء، وهي حالة نفسية إيجابية. إلا أن دلالة التسامح تطورت بفعل التنظير الفلسفي ليتحول إلى جزء من واجب تفرضه الحرية الشخصية التي يراد لها أن تكون متساوية بين الجميع. فلكل فرد حقه في الاعتقاد وحقه في التعبير عن رأيه، وليس هناك ما يبرر احتكار هذا الحق لجهة دون أخرى. فقبول الآخر، وفقا لهذا الرأي حينئذٍ، ليس منّة، وإنما واجب تفرضه الحرية الشخصية. وهو حق يرتكز أساسا إلى القول بنسبية الحقيقة وتعدد الطرق لها، التي ترى أن للحقيقة وجودا نسبيا لدى جميع الأفراد، ولا مبرر حينئذٍ لدعوى احتكارها والتفرد بها، ولا مبرر، أيضا، لاعتبار قبول الآخر والتعايش معه منّة وتكرما، أي اعتبار قبوله قيمة أخلاقية، بعد تبدد مفهوم الحقيقة المطلقة وتلاشي دعاوى احتكارها والاستئثار بها. فيكون قبول الآخر على أساس اشتراكه في وجود الحقيقة. أي تبقى الحقيقة محتملة في جميع الأطراف. وبالتالي فمن الواجب قبولك للآخر والتعايش معه. إذ مقتضى نسبية الحقيقة تفرض على كل فرد وجوب الاعتراف بحق الآخر في اختيار عقيدته وحريته في التعبير والدفاع عنها، آي ما يقع ضمن دائرة حريته الشخصية.

والجدير بالذكر أن التسامح بمعناه الاصطلاحي غريب على البيئة العربية والإسلامية، وغائب عن لغتها وانماط تفكيرها ، فهو بحاجة الى مزيد من التنظير والمواءمة، كي يتم (تبيئته) بشكل يحافظ على فاعليته وتأثيره ضمن الأنساق الثقافية والفكرية للمجتمع. وهذا لا يعني التماهي مع قيم التسامح على حساب قيم المجتمع أو بالعكس، بل يصار الى صيغ توافقية تبقي الاحتمالات مفتوحة لمراجعة جميع المفاهيم والمقولات التي تشترك في تكوين الأنساق المعرفية. أي يمكن اعادة النظر بمفهوم التسامح نفسه ومراجعة قيمنا ومفاهيمنا أيضا للتأكد من صحتها وشرعيتها. فربما سنكتشف خلال المراجعة ثمة أنساق فكرية وعقيدية لا تتمتع بأسس عقلية أو شرعية. وهي خليط من تراكمات ثقافية وموروثات تاريخية واجتهادات شخصية ومصالح استبدادية تبلورت وتحولت بمرور الأيام وبفعل التعهد والحماية المستمرة لها، إلى أنساق عقيدية ومعرفية تمارس سلطتها على العقل وتتحكم بسلوك الفرد والمجتمع.

 إذاً المراجعة فرصة جديدة لتفحص تراثنا ومعارفنا، ومحاولة جادة للوقوف على نقاط الضعف واكتشاف مراكز القوة. وبالتالي سندرك أننا أمام مفاهيم (كالتسامح والتعددية) ليست غريبة في روحها عن أصول ديننا وعقيدتنا، لكن القراءات الأحادية والفهم المتحيز للدين أقصاها لصالح قيم أخرى تخدم أهدافهم الأيدولوجية.

عندما نقدّم قراءة أخرى للنصوص المقدسة والأحكام الشرعية نجد أنفسنا أمام آفاق رحبة لتقبل القيم الإنسانية لكننا نتستر عليها لأسباب آيديولوجية وطائفية، فيتطلب الكشف عنها قدرا كبيرا من الصراحة والمكاشفة والتعرية الحقيقية للقيم السائدة والمفاهيم الحاكمة، وإلا فإن منهج التستر والمداراة والخوف والمواجهة من خلف الستار، حلول ترقيعية لا تنتهي الى نتيجة جذرية، وستعود الأمور إلى حالتها الطبيعية، أو تتخذ أشكالا جديدة بنفس القيم والمفاهيم. وبهذا الشكل ستستمر الإخفاقات الواحدة تلو الأخرى. لذا علينا اعتماد خطاب ثقافي وفكري يتناول جوهر الإشكاليات، ويتبنى نسقا جديدا من المفاهيم (كالتسامح والتعددية وحقوق الإنسان والحرية الدينية والفكرية) كي يتمكن المجتمع من تجاوز محنته، والدخول في مرحلة الحداثة الحقيقية وليست حداثة شكلية كما هو الحال لكثير من البلدان الاسلامية.

غير أن الأخطر في الأمر أن جميع المذاهب والفرق الدينية تؤمن بأنها الفرقة الوحيدة الناجية، دون غيرها، فالحق معها، والجنة قدرها، دون المذاهب والفرق الآخرى، فتتعامل مع الجميع كفرق ومذاهب ضالة، مغضوب عليها. بمعنى آخر أن الاجتهادات الشخصية انقلبت إلى فواصل تكفيرية بين المذاهب الدينية، والأمر لا يقتصر على المسلمين، بل حتى المسيحيين، يؤمنون به. فكيف يصار إلى التسامح بمعناه الاصطلاحي وهو يدعي احتكار الحقيقة، واحتكار الطريق الموصل لها؟ من هنا يأتي دور النقد ليثبت للجميع عدم وجود من يحتكر الحقيقة، ويحتكر الطريق إليها، بل أن الطريق للحقيقة متعدد، وأن الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق.

 

yahia alsamawiس39: يحيى السماوي: شاعر وكاتب - أستراليا: أخي الحبيب الأستاذ ماجد الغرباوي: عرفتك مفكرا إسلاميا تنويريا، دأبت على نشر ثقافة المحبة والتسامح وقبول الرأي الآخر، منطلقاً من وعيك لحقيقة أن الإسلام هو دين المحبة والتسامح وقبول الآخر تأسيسا على قاعدة أنّ الإختلاف لا يعني الخِلاف ..

سؤالي: ما رؤيتك للغد المنظور في ضوء ثقافة العنت بكل معانيه: عنت التشبث بالسلطة، عنت التمذهب، وعنت المحاصصة؟

ج39: ماجد الغرباي: مرحبا بالشاعر الرمز الأستاذ يحيى السماوي، شكرا لمشاركتك مع اعتزازي.

 هذه إحدى الإشكاليات الخطيرة التي تعصف بالعراق ومستقبله، باعتباره بلدا متنوعا دينيا ومذهبيا وقوميا. فعندما تكرّس الأطراف السياسية (عنت التشبث بالسلطة، عنت التمذهب، وعنت المحاصصة)، تضمحل مساحات الإلتقاء، بعد أن يتلاشى الشعور الوطني، ويتقدم الولاء القبلي والحزبي والطائفي على الولاء للوطن ومصالحه العليا، بل الأخطر حينما تساوم الأحزاب السياسية، من أجل ترسيخ مواقعها، على مصالح البلد والتمهيد لتدخل الدول الأجنبية، فيتشظى البلد بشكل يصعب معه التوافق بين الأطراف السياسية إلا على حساب مصالح الشعب والوطن. وهذا ما يحدث فعلا، ويكفي ما نشاهده من خراب على جميع المستويات، وما يؤكد هذا عدم الاتفاق على قوانين أساسية داخل البرلمان لتقاطعها مع مصالح الكتل والأحزاب السياسية بجميع توجهاتها الطائفية والقومية والدينية والمذهبية.

فأي مستقبل لبلد تحكمه أحزاب وطوائف لا تبالي بحاضر العراق فضلا عن مستقبله. ولا يهمها سوى مصالحها الشخصية. ولعل في الترشيح للبرلمان ما يكشف عن هذه الحقيقة. فالمرشح يتعامل مع عضوية البرلمان كوظيفة ومنصب يتمكن من خلاله تأكيد ذاته، واستغلال منصبه لتحقيق مآربه، ومصالح حزبه وطائفته. فهو يترشّح بلا هدف برلماني ولا رؤية مستقبلية، بل لا يتوفر على فهم حقيقي للبلد وتحدياته، بينما مقتضى الترشيح أن يكون للمرشح برنامج يسعى إلى تحقيقه، في ضوئه يتنافس في الانتخابات، ووفقا له يتم انتخابه. فإذا أضفنا لذلك أن أغلبهم بلا مبادئ ولا قيم تضبط سلوكهم السياسي والاجتماعي، فلماذا لا تحل الكارثة بوجود برلمان كسيح، متهافت لا يمكنه اتخاذ قرارات مصيرية لخدمة الشعب والوطن.

والبرلماني ما هو إلا فرد من بيئة ومجتمع لا يفهم سوى مصالحه الطائفية والحزبية في ظل صراع مرير بين الطوائف والمذاهب، بشكل علني وغير علني. فالجميع يبحث عن هويته، ويريد تثبيت وجوده، فينتخب على أساس الولاء لا على أساس برنامج انتخابي.

فـ (عنت التشبث بالسلطة، عنت التمذهب، وعنت المحاصصة)، هو انعكاس لواقع ثقافي، اجتماعي، سياسي، يعيشه الشعب العراقي. لذا فكل الاحتمالات بشأن البلد ممكنة، وهناك ما يساعد على تحققها خارجا.

عندما تقارن بين "عنت التشبث بالسلطة" في بلدنا بثقافة الاستقالة لدى الدول الأوربية تكتشف حجم الفارق الثقافي والشعور الوطني بين الشعبين. السياسي في العراق يستميت من أجل الكرسي مهما كانت أخطاؤه، بل ويعتقد بنفسه رجل الضرورة، لا يمكن أن تستقيم الأمور بدونه، وأن الأخطاء ليست أخطاءه بل هي تداعيات الوضع العام، بينما السياسي الغربي يعتقد أن عدم الاستقالة والاستمرار في منصبه خيانة، لأن خطأه، وهو في منصب رفيع، يضر بمصالح البلد، فيتخلى عن المنصب بكل رحابة صدر، ويفسح المجال لشخص آخر أكثر كفاءة منه.

وبالتالي فهناك مشكلة عميقة في الوعي والشعور الوطني. وهكذا الحالة بالنسبة لـ(عنت التمذهب، وعنت المحاصصة) فكلاهما يعكس واقع الثقافة ومستوى الشعور الوطني.

للأسف تجد الشعور الطائفي والقومي والمذهبي يتقدم على الشعور الوطني في حالة التزاحم، فولاء الكردي دائما لقوميته، وولاء الشيعي لمذهبه ومرجعيته الدينية، وولاء السني للسلطة، مهما كان الثمن.

أجد اليأس مبرر لدى الوطنين بسبب هذا العنت اللئيم، الذي مزق بلادنا وشظى الشعور الوطني. لكن رغم هذا اليأس ثمة أمل  في الأجيال الصاعدة، التي بدأت تتلقى ثقافة مغايرة، فربما بعد جيل أو جيلين تتلاشى أسباب التمزق، من خلال ثقافة وطنية ووعي حقيقي بالمصالح العليا للبلد.

لا يمكن الرهان على شعب يضع ولاءه للطائفة والقومية والحزب والعشيرة فوق ولائه للوطن، ويقدم مصلحته الشخصية على مصالح بلده وشعبه.

وملخّص رؤيتي لبلدي، أن العراق ستمزقه النزاعات اللاوطنية، وتعدد الانقسامات، خاصة إذا أصر الأكراد على الاستقلال رغم وجود رفض دولي وإقليمي، فمن يضمن عدم مطالبة السنة أو الشيعة باستقلال مماثل؟.

وبإمكان العراق أن يستعيد عافيته ووحدة أراضيه من خلال نظام سياسي يضمن للجميع حقوقهم بشكل عادل، وفق دستور يقوم على مبدأ المواطنة، بعيدا عن خطر تداعيات حقوق الكيانات، مع استتباب الأمن والتمسك بقيم الإنسان والمساواة والحريات العامة، ويبقى التسامح الحقيقي الإطار الجامع لوحدة الشعب رغم تنوعه القومي والديني والمذهبي.

وأما على الأصعدة الأخرى فالشعب بحاجة ماسة لنقد مرجعياته الثقافية والفكرية والعقائدية، التي باتت تشكل تحديات خطيرة على مستقبل المجتمع المدني الذي نحن بأمس الحاجة له. حيث باتت الخرافة باسم الدين تسود كل شيء، وانقلب رجل الدين إلى رجل دكتاتور مستبد لا يختلف عن رجل العشيرة، يحتفظ بتشكيلات عسكرية، ويتفاوض مع جهات أجنبية، ويستغل الظرف الاستثنائي للتمدد داخل المجتمع، حتى بات مألوفا وجود طيف من الناس موزع في ولائه، بل أن بعضهم يفتخر بولائه لجهات أجنبية باسم الدين والولاء المذهبي. وهذا أخطر ما يهدد البلد ومستقبله السياسي.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi9Ibaa Ismailخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على أسئلة الشاعرة إباء إسماعيل

 

 

س32: إباء اسماعيل: شاعرة / أمريكا: كيف يمكننا تفعيل دور المثقف العربي لإثراء حالة تنوير ثقافي صحيَّة مقابل حالات استلاب الأدمغة وتجهيلها لدى الجيل الجديد في زمن الحرب والإرهاب؟

ج32: ماجد الغرباوي: شكرا للشاعرة القديرة إباء اسماعيل مشاركتها في الحوار من خلال أسئلتها القيمة.

دعينا أولاً نتفق من هو المثقف؟ وما هي مشخصاته؟ لنمسك ببوصلة وعيه واكتشاف خلله حينما يتقاعس عن مسؤولياته. في كتاب إشكاليات التجديد أنتقلت في أحد فصول الكتاب من تعريف المثقف إلى بيان خصائصه ومكوناته، لتفاوت الآراء حول مفهومه وعدم وجود تعريف جامع مانع له.

من خلال السياق التاريخي لنشأة مصطلح (المثقف) وما يختزنه من دلالات يتضح أن مفهوم المثقف يتكون من ثلاثة عناصر(معرفة، وعي، موقف) تتشابك فيما بينها لتصوغ شخصيته، فيفقد المفهوم صدقيته عندما يتخلف أحدها، ويبقى إطلاقه على بعض الناس من باب المجاز، لتخلف الإطلاق الحقيقي عن شرطه الموجب لتحققه وانطباقه على موضوعه. فيمكن التأكد من صدقية أي شخص من خلال تفحّص مكوّناته الثقافية. علما أن مفهوم المثقف يتحقق بالحد الأدنى منها، تبعا لاستعداده، وخصائص بيئته وقدرته على استيعاب الواقع وتشخيص الأمراض وإدراك الحلول المناسبة له.

ففي مجال المعرفة يفتقر المثقف في ممارسة نقد الواقع ومحاكمة أنساقه الثقافية إلى خزين ثقافي، يمكّنه من فهم الواقع واكتشاف حيثياته. ويشكل الوعي نقطة انطلاق في مهام المثقف. والوعي يغاير المعرفة والاطلاع وخزن المعلومات. فربما يراكم الشخص في ذاكرته كما كبيرا من المعارف والعلوم، غير أنه يفتقر إلى وعي يفجر طاقة المعرفة ، لأن المعلومة حينما تستقر في لا وعيه لا تضىيء فضاءه المعرفي، ولا تحرّك المظاهر الخاطئة والمفاهيم المزورة فيه هَـمَّ الإصلاح والتجديد. والوعي يعني إدراك الواقع وفقه ملابساته وتشخيص أخطائه بعد تفكيك مكوناته ومحاكمة أنساقه. والشخص الواعي مرهف الحس، شديد الحساسية أزاء التزوير والمغالطات، فلا يتكيف مع الواقع المزوّر، بل يعيش في حالة من الغليان والثورة الداخلية ضد القيم المصطنعة، ويتطلع باستمرار إلى التجديد والإصلاح. أو يعيش حالة إغتراب داخلي، تعيق حركته.

وأما الموقف فهو العنصر الأساس في مصداقية المثقف في العصر الحديث. وقد أُرخ لهذا المفهوم من خلال حادثة تاريخية معروفة، اتخذ فيها مجموعة من المشتغلين بالفكر والثقافة موقفا تاريخيا سجلوا فيه نقطة انعطاف كبيرة، واكتسبوا عنوانا جديدا اسمه (المثقفون) . وظل المفهوم منذ ذلك التاريخ لا ينطبق على شخص المثقف ما لم يتمتع بشجاعة كافية لإعلان مواقفه. فماذا يترتب على المعرفة والوعي إذا لم يتحولا إلى موقف شجاع يعلن على رؤوس الأشهاد، وينفع في إصلاح واقع الأمة؟. فلا يمكن إطلاق مصطلح المثقف على شخص تخونه الشجاعة في بيان آرائه. ويخشى النقد إلّا همساً أو في خلواته.

نعود للسؤال في ضوء المكونات الأساسية لمصطلح المثقف. فالسؤال عن كيفية تفعيل دور المثقف العربي لإثراء حالة تنوير ثقافي صحيَّة مقابل حالات استلاب الأدمغة وتجهيلها لدى الجيل الجديد في زمن الحرب والإرهاب، يستبطن إدانة واضحة للمثقف الذي لا يرقى لمستوى المرحلة، رغم حاجة المجتمع لجهده التنويري لانتشال واقع المجتمع العربي من الاستلاب وتفشي الجهل والأمية الثقافية في أوساط الجيل الجديد.

وعليه ينبغي لأجل التوفر على مثقف فاعل، تقصي مكوناته، بحثا عن الخلل لمعالجته، فتشخيص الخلل يضعنا على الطريق الصحيح، فربما هناك عوامل موضوعية لا فقط ذاتية تحول دون رقي المثقف لمستوى المسؤولية التاريخية.

فلا نهضة حقيقية للمثقف العربي ما لم يتمتع بمعرفة نقدية غير أحادية تحجب عنه الحقيقة. معرفة ترتكز إلى العقل، يشخص من خلالها الواقع، بعيدا عن الخيال والمثالية المفرطة، فتارة تفتقر مواقف المثقف للعلمية بل للمعرفة بشكل عام فتضر في صدقيته، أو يعتقد باحتكار الحقيقة دون غيره فيكون أشد تعصبا من الآخرين. كما ينبغي له التمتع بقدر كبير من الوعي، من أجل مواصلة رسالته التاريخية، فكثير من المثقفين يخونه الوعي في اتخاذ الموقف الصائب، فتراه ينحاز للطاغية والمستبد ضد شعبه، أو ينجرف مع العقل الجمعي على حساب عقلانيته بل أن بعضهم يرتد أشد خرافية من الآخرين. وأما الموقف فهو صدقية المثقف، فما لم يتخذ المثقف موقفا أزاء الأحداث والمتغيرات يخون رسالته، ويخسر مصداقيته، فيحط من قيمته. فنجاحنا في تفعيل دور المثقف يعتمد على قدرة النقد كنقطة ضوء نكتشف بها خلل المثقف والواقع، ومعالجتهما. والتأكد من مدى قناعته بالمبادئ التي يؤمن بها، وعن جدوى الإيمان النظري بعيدا عن النشاط الاجتماعي. فمواصلة النقد بوعي معرفي، يساعدنا على تصحيح مسار المثقف كي ينهض ثانية ويمارس دوره. المثقف شخص نرجسي يمارس النقد ضد الآخرين، لكنه لا يطيقه، ويتذمر حينما يواجهه الآخرون بالحقائق، يتقاعس عن مسؤولياته التاريخية رغم حاجة المجتمع لوعيه وثقافته، لكن ينبغي مواصلة نقد المثقفين كي يكتشفوا بأنفسهم خلل تكوينهم الثقافي والمعرفي، ويراجعون مواقفهم وأساليبهم، لعلهم يعودون لرشدهم ويتحملوا مسؤولياتهم التاريخية التي نحن بأمس الحاجة لها. أحيانا تجد التخاذل صفة طاغية لدى طيف من المثقفين للأسف الشديد. فعلى مَن نعوّل في نهضتنا الحضارية حينئذٍ؟.

 

س33: إباء اسماعيل: أيّ المؤثرات الكتابية برأيك أكثر تأثيراً وجذباً للقارئ العربي حالياً؟: المقالة، الشّعر، أم العمل الروائي، ولماذا؟

ج33: ماجد الغرباوي: لكل حقل أدبي تأثيره ضمن شروط الواقع، والنص والمتلقي. هذه الثلاثية هي التي تحدد قيمة العمل الأدبي. الواقع العربي تتقاسمه هموم متباينة وأخرى محورية يشترك فيها الجميع كالإرهاب والعنف والاستبدادين السياسي والديني.

كما أن طبيعة الشخص وتوجهه العلمي التحليلي، أو العاطفي الوصفي يلعب دورا في تحديد اتجاهه الكتابي. فاستنهاض الهمم والتفاخر مثلا يكون الشعر أكثر تاثيرا، بينما يستأثر المقال بساحة الجدل الفكري والسياسي. غير أن تفاصيل الأحداث وكثرة التفصيلات في جانبها التراجيدي ومأساوية الأحداث التي انعكست على الشعوب العربية وضعت الرواية في أعلى سلّم الأولويات الأدبية والكتابية راهنا. وهناك رغبة عارمة للحديث عن المخفي والمستور من تفصيلات حياة الناس والشعوب خاصة المضطهدة سياسيا. كما أن كثيرا من أصحاب القلم تستهويه كتابة الرواية لوفرة الأحداث والتفصيلات التي يستطيع من خلالها تجسيد إبداعاته الأدبية، فيسعى جاهدا كتابة نص روائي مشوق كدالة على إبداعه، بينما الأجناس الكتابية الأخرى تحتاج لتكثيف الحدث، بشكل يتجسد فيه الإبداع وثيمة النص. فمال الغالبية باتجاه الرواية، لرحابة الحركة في فضائها الكتابي. كما أن الرواية عالميا وتاريخيا لعبت دورا إيجابيا في تحرير الشعوب واستنهاضها ضد الاستعمار حتى وضعت قدمها على سلم التطور الحضاري. السرد الروائي يحكي قصة مأساة وأزمات مرت بها البلدان العربية والمنطقة فصار للرواية دور للتعبير عن مشاهد البؤس والحرمان والصراعات، ويمكن من خلال السرد المشوق في الرواية تزريق أفكار تستعيد وعي الناس، وتحثهم باتجاه العمل.

وبالتالي فالمقالة لا يمكن الاستغناء عنها في أي وقت من الأوقات، وربما المقالة القصيرة أكثر تأثيرا وملاءمة مع وسائل الاتصال الحديث، وإلى جانب المقالة باتت الرواية تحقق نجاحا ملحوظا، ربما الاستمرار في هذين اللونين من  الكتابة يحقق انعطافة في وعي المجتمع، ويزرع عندهم روح النقد والمبادرة والارتكاز للعقل بدلا من الخرافة والانسياق اللامعقول مع العقل الجمعي. ساحتنا بحاجة لكل أنواع الكتابة حينما تجد قارئا حقيقيا.

 

س34: إباء اسماعيل: ما هو الحلم الذي كنت ترغب بتحقيقه منذ تأسيس مؤسسة المثقف ولَم يتحقق بعد؟

وهل ثمة مشروع إبداعي على الصعيد الشخصي تود تحقيقه؟

ج34: ماجد الغرباوي: بحكم تجربتي كانت الصورة واضحة أمامي وأنا أخطط لمشروع نحقق من خلاله أهدافنا في المضمار الحضاري. فرسمت للمثقف أهدافا عملية وممكنة التحقق بحدها الأدنى كخطوة أولى على المسار الجديد، هذا على المدى القصير، ثمة أهداف أخرى على المدى البعيد تركتها لرحمة الشروط الموضوعية، فالمشاريع الثقافية لا تحظى بأي دعم، بل يعتبرها بعض ترفا لا معنى له، وهذه إحدى علامات الجهل الحضاري. أساسا ما يعصف بالوطن العربي مشكلة ثقافية إضافة إلى مشكلته السياسية. ولعل جذر التخلف والجهل جذر ثقافي – معرفي.

كنت أطمح من اليوم الأول أن تساهم المثقف في ترشيد الوعي، وتشارك بقوة ضمن تيار يحمل مسؤولية النهضة الحضارية. وهذا مثبت ضمن مبادئ عمل المؤسسة التي أشرنا فيها إلى خارطة الأهداف التي نطمح لتحقيقها: ندعو للتعايش بين الأديان والثقافات. نتبنى قيم: التسامح، والحرية، والديمقراطية، وحقوق الانسان. نحارب العنف والتحريض والتكفير. نرفض الخطاب الطائفي والأيديولوجي المحرض. نساهم في تعميق لغة الحوار والتفاهم وفق الثوابت الأساسية المستمدة من تعاليم السماء وقوانين الأرض. نعنى بالمثقف ومواقفه إزاء الأحداث والتحديات، ونعرف بإنجازاته وأعماله ومشاريعه.

وبما أن المشاريع الناجحة لا تكتفي بالتنظير ما لم تكن هناك خطوات عملية، لذا كان طموحي أوسع من مؤسسة او صحيفة، بل أن تكون هناك مشاريع ترعى الثقافة والمثقفين، وتعمل على خلق تيار يحارب الجهل والأمية والتطرف والعنف، والعودة للعقل والعقلانية.

لا أخفيك أتألم حينما أعجز عن تحقيق خطوة عملية تعضّد عملنا الإعلامي والثقافي، رغم نجاح جميع الخطوات العملية التي أقيمت باسم مؤسسة المثقف في أكثر من بلد عربي خاصة العراق. كلها كانت بفضل مثقفينا من السيدات والسادة وبجهود شخصية، ولو كانت لدينا إمكانيات متاحة لكان صدى منجزنا أوسع انتشارا، خاصة مع ضعف المؤسسات الثقافية بالعالم العربي. فما لم استطع تحقيقه لحد الآن هي المشاريع العملية الكبيرة، التي كنت أعول عليها في نجاح مشروع المثقف، باستثناء إصدارات المثقف، فإنها خطوة كبيرة مقارنة بإمكانياتنا المادية، وكذلك نجحت المؤسسة في تكريم عدد من الشخصيات والرموز، بملفات وكتب وأيضا احتفالات. وأيضا نجحنا في إقامة حفلات لتوزيع جوائز المثقف في أكثر من بلد، وخطوات أخرى جميعها موفقة قياسا بامكانياتنا، إضافة للنشاط الإعلامي والثقافي على صفحات المثقف في جميع الأبواب.

أما على الصعيد الشخصي فهناك أكثر من مشروع فكري، أتمنى على الله تعالى أن يساعدني في إنجازها قبل وداع الحياة المريرة. أعتقد كما يعتقد كثيرون هناك حاجة ماسة إلى كتابات نقدية جادة تساهم في انتشال الوعي، بعد تفكيك العقل العربي والإسلامي وإعادة بنائهما بشكل ينسجم مع راهن الأمة حضاريا، وتطور العالم في عصر بات العلم يطغي والتكنلوجية سيدة الموقف، والمعلومة تتدفق من كل زاوية، والحضارة فارق الشعوب، فثمة فارق حضاري هائل بين شعوبنا وشعوب العالم، فما زالت شعوبنا تساعد المستبد والطاغية على استعبادهم وإذلالهم وسلب خيراتهم. وما زال الصراع على السلطة يطغى على التفاهم والتبادل السلمي لها، ومازالت المرأة تعاني من الفوارق الإنسانية، والنظرة البالية.

 

س35: إباء اسماعيل: هل تعتقد بأن نتاج المثقفين والمبدعين  يجب أن يلامس بالضرورة الوضع السياسي أم لا؟

ج35: ماجد الغرباوي: منجز المثقفين والمبدعين متعدد في أهدافه، فليس بالضرورة أن يلامس الوضع السياسي في كل عمل من أعماله، فقد تكون هناك مهام ثقافية أو فكرية أو إبداعية وراء منجزهم، فالهموم السياسية لا تستبد باهتمام المثقفين جميعهم دائما. لكن الوضع السياسي أحيانا يفرض نفسه على قلم صاحبه، رغم نسبية القضية تبعا لهموم الشخص ورؤيته وتوجهه السياسي والفكري والآيديولوجي، لكن بشكل عام تجد الوضع السياسي، خاصة تداعياته الاجتماعية على الشعوب، فإنها تفرض نفسها بقوة، لذا في الأحداث المهمة يكاد الحدث يوحد الجميع، كل يتناوله من زاوية خاصة.

 

س36: إباء اسماعيل: هل لديك رؤيا ما، عن أسباب التحولات السياسية  الخطيرة في عالمنا العربي؟ وهل تجد ضوءاً في آخر النفق؟!

ج36: ماجد الغرباوي: التطورات في منطقتنا لم تأت من فراغ، وليس حدثا آنيا أو بنت ساعتها، بل ساهم صراع المصالح والنفوذ في ظل انفتاح إعلامي كبير في تسريعها، كما مهدت لها الأنظمة الاستبدادية وسلوكها القائم على الفساد، واضطهاد الشعوب، وسلب الحريات، وقمع المعارضة السلمية، والانغلاق الثقافي، والتعصب السياسي والآيديولوجي. لذا تجد الربيع العربي شرارة بسيطة في بدايته ثم انفجر المكبوت وراح يعبر عن نفسه بتظاهرات سلمية استقطبت الشعب كافة، كما حصل في تونس ومصر وليبيا. ثم جاءت الحركات الدينية المتطرفة لتجر العالم العربي نحو عنف وارهاب مقيت باسم الدين وتطبيق الشريعة فأبادت طوائف من الأبرياء والعزل وأهلكت الحرث والنسل. ولما استغلت الدول الاستعمارية الفراغ السياسي راحت تتوغل في عمق هذه الدول لتمتص رحيق ثروات شعوبها وخيرات بلدانها، بأساليب لا إنسانية، خالية من المبادئ والقيم، فعمقت الخلافات، وشجعت الصراعات كخطوة باتجاه الفوضى الخلاقة فحطموا بنية هذه البلدان بأيدي شعوبها. ثم راحت تشجع هذه الدول على الديمقراطية دون أن تمر شعوبنا بمرحلة تثقيفية تمهّد لنظام لم تألفه من قبل، فكيف تفوضها هامشا كبيرا من الحرية بشكل مفاجئ، وهي شعوب أدمنت الاستبداد والدكتاتورية حدا لا يمكنها التحرر منهما، وتخفق في ممارسة حرياتها، ولم تشهد أي تداول سلمي للسلطة، فالحكومات تتوالى في بلداننا، إما بانقلابات عسكرية أو تآمر مع قوى أجنبية. فتسببت الديمقراطية اللاواعية في تشظي البلدان، خاصة الدول المتعددة قوميا ودينيا ومذهبيا، كما حصل في العراق.

 

س37: إباء اسماعيل: يقول أنطون تشيخوف "كلما ازدادت ثقافة المرء، ازداد بؤسه وشقاؤه".. هل توافق على هذه المقولة، ولماذا؟

ج37: ماجد الغرباوي: القضية نسبية، يتحكم بها عاملان: ذاتي مرتبط بالشخص، وهمومه، وآخر موضوعي، يرتبط بالحدث وأهميته وخطورته. فليس هناك تعميم، فكم من مثقف يعيش في برجه العاجي، لا يبالي بما يحدث، مسجون بين جدران أوهامه: يشطب، يؤشر، يفترض، يوبّخ، يطالب، ينتقد، لكن دون أن يتأثر، بل لا يتأثر وهو يشاهد مآسي الشعوب واضطهاد الحكومات ولم يتخذ أي موقف،  فهو شخص متعالٍ لا يتأثر إطلاقا. وسبق أن قلت: المثقف موقف، فما لم يصدر منه موقفا مبدئيا فليس بمثقف مهما كانت سعة معلوماته وثقافته.

لكن بشكل عام أجد أن مقولة الأديب الروسي أنطون تشيخوف "كلما ازدادت ثقافة المرء، ازداد بؤسه وشقاؤه" صحيحة، فالمثقف الرسالي، شخص حساس، يدرك الواقع وتناقضاته، فيتألم عندما يلتبس الوعي على شعبه حدا ينساق مع العقل الجمعي بلا وعي، فإما أن يمجد المستبد وهو يقهره ويضطهده، أو ينجرف في ممارسات خرافية تعيق تطلعاته الحضارية.

ويتألم ويتحرّق المثقف الرسالي حينما يرفضه الناس، أو يُرمى بالارتداد والانحراف وربما بالكفر. فكلما ارتفع وعي المثقف وإدراكه، كلما زادت معاناته ومتاعبه، خاصة عندما يتحدى المألوف ويفكر بطريقة تصطدم مع مصالح السلطة ورجل الدين أو قيم المجتمع البائسة.

 المثقف الحقيقي لا يهدأ إطلاقا، لا يستقر، طموح، لا يقنع بالواقع وملابساته. يسعى، يحاول، بلا كلل ولا ملل.

ثم من من جهة أخرى يعتبر موقف المثقف مسؤولية تاريخية نابعة من وعيه في ضوء تشخيصه للواقع وضروراته، وهي مسؤولية مرهقة جدا، وليست هينة. وتتأكد هذه المسؤولية عندما تلتبس الحقيقة، ويتداخل الدنيوي بالديني، لا سيما في الأزمات والظروف الاستثنائية، حيث يعلو صوت العنف، ويسود منطق القوة والمكر والخديعة، ولا ملاذ حينئذٍ للوعي إلا كلمة يطلقها المثقف، يفتت بها رواسب التخلف، وما تراكم في لا وعي الناس من قيم ومفاهيم.

فلا نبالغ حينما نقول إن المثقف رهان المجتمع المتحضر، ورهان المستقبل الواعد خاصة بالنسبة لبلدان عانت وما تزال من سيادة قيم العشيرة وحنينها لرجل الضرورة، وانصياعها لدكتاتورية الفرد والحزب الواحد، واستحواذ السياسي على قراراته المصيرية. فكيف يقر للمثقف الحقيقي قرار وهو بهذه المسؤولية؟.

 

.............................

للاطلاع على حلقات:

الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار ترسل الاسئلة على الاميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi3abdulelah alsauqخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على أسئلة ا. د. عبد الإله الصائغ

 

 

س28: د. عبد الإله الصائغ – أديب وناقد وباحث أكاديمي / أمريكا: ما هو موقفك من العلمانية؟ وهل هي واحدة أم هي علمانيات؟

ج28: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأستاذ الدكتور عبد الإله الصائغ، وشكرا لأسئلته الجديرة بالاهتمام.

العلمانية كما تعلم، موقف تاريخي من الحكم الكنسي وسلطة رجال الدين، إبان القرون الوسطى، فكانت ضرورة لتحرير الشعب والسلطة السياسية من هيمنة الإكليروس، وفك الارتباط بين الفكر الديني الكنسي من جهة، ومطلق الفكر والثقافة والعلوم من جهة أخرى. فمصطلح العلمانية كان ناظرا عند نحته، لتلك الحالة والفترة بالذات، وقد حققت نتائج مبهرة، لكن من الصعب الرهان عليها مطلقا، مع عدم وحدة الموضوع وتشابه الحالتين، وإلا سيبقى الشرط التاريخي مؤثرا في تحديد المصاديق. خاصة حينما يسرى الموقف التاريخي من سلطة رجل الدين إلى ذات الدين، فينقلب إلى مصطلح استفزازي. وهذا هو المتبادر الآن في أذهان الشعوب المسلمة، التي ترى في الدين ورجل الدين وجهين لعملة واحدة، فتعتقد أن العلمانية موقف عدائي من الدين، وخصم لدود لعلمائه، لذا نجد طيفا واسعا من المسلمين يتحسس ويتخذ منها موقفا صارما، فهي متهمة في نظره، مهما كانت ضرورتها في بلد يطمح لتأسيس مجتمع مدني خالٍ من الفساد والاستبداد.

نعود للسؤال: إذا كانت العلمانية تعني تحرير السلطة السياسية من هيمنة رجل الدين فهي ضرورة في بلد يتصف بالتعددية الدينية والمذهبية، لضمان حقوق المواطنة والحد من الاستبدادين الديني والسياسي، والتخلّص من الشعور الفوقي التي ابتلت به جميع الأديان والمذاهب حدا أدى إلى نبذ الآخر وتكفيره واتهامه.

وأيضا العلمانية بذات المفهوم ضرورة ملحّة في المجتمعات التي تعتبر رجل الدين مرجعية نهائية في كل شيء، منه تستمد الموقف الشرعي والسياسي، فتنقاد لا إراديا لفتاواه وآرائه ومواقفه، باعتباره ظل الله في أرضه. لذا تجد سذاجة الشعوب رهانا دائما لرجل الدين حينما يمارس سلطته التعسفية في مصادرة الحريات، وفرض قيم تخدم مصالحه السياسية والطائفية، فيقمع تطلعات الآخرين وفق معادلة (حق مطلق/ باطل مطلق)، التي تبيح للطرف الأول اضطهاد الطرف الثاني وسحقه تحت ذريعة (الانحراف / الكفر/ الردة/ الإلحاد). فيصبح رجل الدين وآرءه الاجتهادية مقياسا للحقيقة والحق مطلقا رغم أنه كغيره من البشر متحيز لطائفته وآرائه وعقائده، ويمارس الإقصاء ضد الآخر المختلف، وأمامك كتب الفقه، والكتب الدينية، لكافة الأديان والمذاهب، التي تفضح توجهاتهم الطائفية، فكيف يكون لرجل الدين سلطة وولاية وقيمومة على الشعوب وقرارتها السياسية؟. بل الحروب الدينية والطائفية شاهد أقوى على ما نقول.

السلطة في نظر رجل الدين حق إلهي، فتنحصر به شرعية الحكم، وحق الاستبداد بجميع السلطات. بل لا شرعية لأي عمل أو ممارسة وظيفية خارج إرادته. كولاية الفقيه في إيران، مثلا، لا حصرا، حيث يتمتع الولي الفقيه بسلطة مقدسة، تفوق سلطة القانون والدستور. فالتمرد على سلطته تمرد على إرادة الخالق، فتشمله عناوين الكافر والمرتد والمفسد في الأرض، وأحكام هؤلاء واضحة في جميع الديانات. وهذا مكمن الخطر، لذا تأتي العلمانية بمعنى فصل السلطة السياسية عن هيمنة رجل الدين حلا عمليا لإنقاذ المجتمع ودفع البلد باتجاه دولة مدنية تتطلع لمستقبل حضاري أكثر إزدهارا وتطورا.

ينبغي التأكيد أن استبعاد هيمنة رجل الدين عن القرار السياسي، لا يعني استبعاد الدين وتشريعاته وقيمه ومبادئة، ومن باب أولى لا يعني إتخاذ موقف سلبي أو عدائي من ذات الدين. بل العلمانية بهذا المفهوم حماية للدين وتحصينه من أهواء رجال الدين، وحماية للحقوق الدينية بشكل متساوٍ لجميع المواطنين رغم اختلاف توجهاتهم الدينية والمذهبية. فالعلمانية حماية للدين، وليست موقفا عدوانيا من الدين.

أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال: وهل "العلمانية" واحدة أم هي علمانيات؟:

رغم أن العلمانية مشتقة عربيا من عَلم، إلا أنها تعني في لغاتهم الشعب أو العامة، أي حكم وإرادة الشعب في مقابل الإكليروس، وطبقة رجال الدين ممن استبدوا بالسلطة والمال على حساب شعوبها باسم الدين والإله، وصادروا حريات الناس حتى في مجال العلوم الطبيعية بسبب معارضتها لمدونة الكنيسة. وضحايا سلطة الكنيسة في القرون الوسطى مقرفة، فجاء التمسك بالعلمانية حلا للخروج من سلطة الكهنوت والاستبداد الديني، والفصل بين الدين والدولة، وعدم تدخل الكنيسة بالشأن السياسي. فللدولة قوانينها المدنية بعيدا عن سلطة الكنيسة. فهي ليست ضد الدين بل تعد نفسها حامية للدين.

ثم في عصر النهضة راح المصطلح يستجيب لمختلف التطورات، وصار يتمدد أو يختزل وفقا للمواقف السياسية والمتبنيات الفكرية والعقيدية، بعد أن نظّر له الفلاسفة الغربيون كسبينوزا وجون لوك والمفكرون الأوربيون، في إطار حاجة الدولة لقوانين مرنة تواكب تطور الحياة والموقف السياسي، خلافا لثبات وقدسية النص الديني الذي يُعيق حركة الدولة ورقي المجتمع. وبالتالي فمفهوم العلمانية تطور من موقف مقابل الإكليروس، وسلطة رجل الدين المطلقة، ليشمل ذات الدين ومدى صلاحياته للمجتمع والدولة، وكيفية حمايته من الاستغلال وضمان حق الشعب في ممارسة طقوسه وشعائره الدينية. فكانت جملة أسئلة تتحكم في سعة وضيق مصطلح العلمانية، فراحت تتكيف وفقا لمتطلبات الدولة ونظامها السياسي وتركيبتها السكانية وتنوعها الثقافي والديني. فالتعدد في مفهوم العلمانية هو تعدد في الموقف من ذات الدين بعد الاتفاق على الموقف السلبي من رجل الدين وسلطته الاستبدادية. فبهذا المعنى تكون علمانيات لا علمانية واحدة.

والحقيقة أن الموقف الصارم لبعض الدول العلمانية من الدين بدأ بالتراخي، لتدارك تداعيات الرفض المطلق له والاستفادة من عطائه الأخلاقي. فالشعوب الغربية اليوم لا تتحسس من الدين ورجال الدين كما في القرون الماضية، بل وتتعاطف مع الأحزاب التي تتبنى المبادئ المسيحية في السياسة، أو ما تعرف بالديمقراطية المسيحية. بل هناك تبنٍ لكثير من المشاريع الدينية رغم علمانية الدولة، مما يؤكد عدم وجود موقف سلبي نهائي من الدين كما في الماضي. بل ما زال (النقاش يدور في الدولة المصنفة علمانيًا حول مدى الالتزام بفصل الدين عن الدولة؛ ففي فرنسا جدول العطل الرسمية مقتبس بأغلبه من الأعياد الكاثوليكية، وكذلك تقدم الدولة من أموال دافعي الضرائب تمويلاً للمدارس الدينية؛ أما في الهند وهي أيضًا دولة تنصّ على العلمانية الكاملة، تقدّم الدولة سنويًا إعانات للحجاج المسلمين وصل في عام 2007 إلى 47454 روبية عن كل حاج هندي. أما دستور أستراليا وهي دولة علمانية رغم عدم ورود العبارة صراحة، يذكر في المادة السادسة عشر بعد المئة، على عدم تقييد أي حرية دينية أو ممارسة للشعائر الدينية أو تمييز بين معتنقي مختلف الأديان في مناصب الدولة والحياة العامة، ومع ذلك فإن الدستور ذاته يبدأ بعبارة " بتواضع، نعتمد على نعمة الله المتعالي" (بالإنجليزية: Humble reliance on the blessing of Almighty God)، وسوى ذلك فإن الحكومة الأسترالية تدعم الصلاة المسيحية وغيرها في المدارس الحكومية وتمول المدارس الدينية التي تعدّ القسس الجدد وكذلك رجال الدين. الحال كذلك في سويسرا وفي الولايات المتحدة الإمريكية، وإن بدرجات متفاوتة لا تشمل في جميع الظروف تقييد أي حرية دينية أو ممارسة للشعائر الدينية أو تمييز بين معتنقي مختلف الأديان في مناصب الدولة والحياة العامة فهي من المبادئ المشتركة بين جميع الدول المصنفة كعلمانية).

 

س29: د. عبد الإله الصائغ: إذا كان المعنى المتداول للعلمانية هو الفصل بين الدين والدولة دون الحاق الأذى بواحد من الإثنين، فأنت ماذا تختار لو كان بيدك الإختيار: دولة ذات نظام علماني أو دولة ذات نظام ديني؟!

ج29: ماجد الغرباوي: العلمانية فرضتها ظروف تاريخية مرت بها أوربا تحت سلطة الكنيسة، وتعاليمها الدينية التي أقترف بسببها رجال الدين أبشع الجرائم بحق الشعوب، فقتلوا العلماء وأحرقوهم بالنار، وأثروا على حساب الناس البسطاء من خلال بيع صكوك الغفران، إلى غير ذلك من جرائم كانت تقترفها محاكم التفتيش. لكن الموقف من الأديان مختلف فلا يمكن تعميم الموقف السلبي منها جميعا. وليس بالضرورة أن تحقق العلمانية ما حققته في الغرب من نجاح، فلكل مجتمع خصائصه، خاصة أن المتبادر من مفهوم العلمانية راهنا بُعدها السلبي، أي موقف عدائي من الدين وعلمائه. فالعلمانية التي هي أسلوب في الحكم لا يمكن فرضها على المجتمع المسلم وهي بهذه الحمولة السلبية إلا بعد فترة طويلة من التثقيف على مبادئها وتجريدها من أبعادها السلبية، وهذا غير متاح لا أقل في وقتنا الراهن.

 لذا بدلا من العلمانية، أدعو إلى عقلانية شاملة، في السياسة والحكم، والدولة والمجتمع والفكر والثقافة والعادات والتقاليد والعلاقة بالدين ورجل الدين. فتحقق العقلانيةُ بهذا المفهوم ما تطمح له العلمانية التي تعني في بعدها الآخر غلبة العقل على العاطفة الدينية، وتضمن لنا مجتمعا عقلانيا متسامحا، بعيدا عن التطرف والخرافة واللامعقول. وبالفعل انطلقت الشعوب الغربية في تقدمها الحضاري بعد تحديد سلطة رجل الدين، فارتكزت إلى العقل بدلا من من تعاليم الكنيسة وشقت طريقها نحو التقدم الحضاري الهائل.

وأقصد بالعقلانية، اعتماد العقل مصدرا أساسا للمعرفة ونقد الواقع، وتشخيص الأولويات، وترشيد الوعي والعقل الجمعي، ومحاكمة الأنساق المرجعية للعقائد والفكر والثقافة، في مقابل مصادر معرفية أخرى لا تنتمي للعقل. تفرض نفسها سلطة مقدسة لا يطالها النقد من وحي اللامعقول والخرافة والغيب.

والمبرر لاختيار (العقلانية الشاملة) أن مجتمعاتنا مجتمعات دينية، تتخذ من الدين مرجعية مطلقة، فتستمد منه رؤية للكون والحياة، وتتخذ منه قاعدة لبناء منظومتها الأخلاقية فلا يمكن التخلي عن الدين مطلقا. كما أنها مجتمعات مسكونة بالغيب، تتناسل في أوساطها البدع، والخرافات، والشعوذات، والسحر، والجن والأرواح، كل هذا على حساب العقل، والمنطق العقلي، بل بعضهم يعرض عن التبريرات العلمية، ويلجأ للتراث والمرويات الدينية لتفسير الظواهر والأحداث. وما لم تستتب النزعة العقلية في مجتمعاتنا، وتمارس النقد والمراجعة على جميع المستويات، لا يمكن التمهيد لمجتمع مدني تسوده قيم العدل والمواطنة والحرية والتسامح والتعددية، الدينية والثقافية.

 لذا نحن بحاجة إلى عقلانية شاملة تتغلغل في كل شيء، وتغور في أعماق العقيدة والفكر والثقافة، وتميّز بين المقدس واللامقدس، والديني واللاديني. عقلانية شاملة نكتشف بها إنسانيتنا، ونحرر بها عقولنا من جميع التصورات والمفاهيم الخاطئة، عن الحياة والموت والآخرة وقدسية الرموز التاريخية .. عقلانية تغزو المعبد والمسجد والبيت والمدرسة والشارع، كي نحرر الشعب من هيمنة رجل الدين وسلطة التراث، والطائفية، وشعور الفرقة الناجية، اجتماعيا وسياسيا ودينيا، ليمارس العقل دوره في التطور الحضاري، على صعيد التسامح الديني والثقافي، والتعددية، والاعتراف بالآخر، بعيدا عن خرافات التراث وسلطة رجل الدين، تلك السلطة التي تفرض عليه تشجيع الخرافات، والسكوت على البدع الدينية لضمان أوسع قاعدة شعبية تحمي سلطته الدينية. وفي هذه الحالة لا وسيلة أخرى لانتشال الوعي وترشيده سوى العقلانية الشاملة. أما العلمانية فتقف على حدود فصل الدين عن السياسة، أو تحرير القرار السياسي من هيمنة رجل الدين. لهذا طوّر الغرب مصطلحات أخرى لتدارك نقاط ضعف العلمانية، كالديمقراطية والليبرالية.

نحن نشكو من أزمة وعي وثقافة وفكر، والتباس صارخ بين المقدس وغير المقدس، وهيمنة التراث، والتفسير الغيبي لجميع مظاهر الحياة. فالنزعة العقلية ستضمن لنا فهما صحيحا للدين ودوره في الحياة، وتساهم في إرساء قواعد علمية يمكن بواسطتها تفسير الظواهر والأحداث بشكل صحيح. والعقلانية ستصحح نظرتنا للآخر، وتضع المواطنة قبل كل شيء من أجل مجتمع متوازن خالٍ من العنف والإرهاب والتنابذ. نحتاج إلى عقلانية شاملة نكتشف بها ذاتنا، ونعيد الثقة لأنفسنا ونتخلص بها من رواسب الماضي والنظرة القاصرة للمرأة ونكف عن تقديس التراث والرموز التاريخية، ونعيد للدين بعده الإنساني. نحن مجتمعات قلقة بحاجة إلى عقل مستنير يوازن بين الروح والجسد.

وفقا للعقلانية الشاملة، لا مانع من تأسيس الدولة، وفقا لقيم الدين ومبادئه الإنسانية، ولا مانع أن يكون الكتاب الكريم أحد مصادر التشريع، شريطة أن لا تكون لرجل الدين سلطة ثيوقراطية، أو قيمومة على الشعب والقرار السياسي، لأن في ذلك مصادرة للعقل. رجل الدين يجد نفسه مسؤولا عن كل موقف وقضية (ما من حادثة إلا ولله فيها حكم)، فينقلب رأيه الإجتهادي الى مصدر شرعي مقدس يجب أن تستمد الدولة منه موقفها، ويجب على الفرد أن يتخذه مرجعية لبناء تصوراته وأفكاره، مهما كان خطأه.

بل لا مانع وفقا للعقلانية الشاملة، أن يخوض رجل الدين السياسة بصفته الشخصية، لا باعتباره قيما أو وصيا على الناس. شعوبنا شعوب مسكونة بالغيب والدين، وتقديس رجل الدين فينبغي عدم المساس بالدين، والحيلولة دون استغلال الدين من قبل رجل الدين، لهذا تبدو المعادلة صعبة عندما نتشبث بالعلمانية التي باتت تنوء بحمولتها السلبية في نظر الشعوب المسلمة، بسبب بساطة الوعي، وقوة تأثير العقل الجمعي الديني. فالعقلانية الشاملة تحقق لنا جميع الأهداف وأهمها انتشال وعي الفرد والعقل الجمعي، وتضمن لنا تحرير القرار السياسي من سلطة رجل الدين.

لهذا، جوابا على سؤالك الكريم، لو كان بيدي الاختيار ساختار العقلانية الشاملة لتحديث الدولة، وليس العلمانية المثقلة بدلالتها السلبية لدى شعوبنا. فأنا أتطلع لدولة مدنية، دولة المواطنة، دولة المؤسسات، دولة تحترم الدين ولا تزج به في أتون السياسة.

النظام العلماني سيؤدي دوره الإيجابي في مجتمعات أخرى، نحن الآن نعيش فعلا (أنت في أمريكا وأنا في أستراليا) في ظل دول علمانية، ونشاهد كيف تحترم السلطات الأديان، وتساهم في نشاطاتها ولو جزئيا، فتتخذ من العلمانية أسلوبا لحماية الأديان المتعددة، والمذاهب المختلفة. فجميع المسلمين وغير المسلمين يمارسون طقوسهم وشعائرهم بكل أمان وحرية، بينما لا يستطيع المسلم من مذهب آخر التجاهر بجميع طقوسه وشعائره، في دولة يحكمها مذهب مختلف. فأيهما أفضل دولة تحمي الدين أم دولة يتسلط عليها رجل دين ويضطهد كل من يخالف آراءه وعقائده؟. لكن المشكلة أن خصائص الشعوب مختلفة.

بالنسبة لشعوبنا تبدو العقلانية الشاملة أكثر إيجابية وفائدة، وستؤدي دور العلمانية الإيجابي في مجال السلطة السياسية، وتمارس دورها في ترقية الشعب ثقافيا وحضاريا.

أما بالنسبة للدولة، فأعتقد أن الدولة ضرورة اجتماعية وليست دينية، ويكفي إهمال القرآن الكريم لعصبي الحياة السياسية والاقتصاد. حتى دولة النبي الكريم جاءت استجابة لتطور مجتمع المدينة، وهذا لا يمنع أن تقوم الدول على قيم ومبادئ الدين الحنيف، فالكتاب الكريم لم يهمل القيم والمبادئ وقد بيّنها بما يكفي، وذكر مبادئ تضبط أداء الدولة ورجالاتها على أساس العدل وكرامة الإنسان مطلق الإنسان.

فالدعوة إلى إقامة دولة دينية رغبات شخصية، لتكريس سلطة رجل الدين، وليس ذات الدين وقيمه ومبادئه. رجل الدين بطبيعته متحيز لطائفته، ومذهبه، ودينه وحزبه فكيف يمثل إرادة الله وسلطته المطلقة؟ السلطة وفقا للمنطق القرآني يجب أن تقوم على العدل (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، ولا عدل مع التحيز والطائفية. والأمر لا يخص دينا دون آخر، ولا مذهبا دون سواه، فالجميع يرتكز الى حديث الفرقة الناجية: هو على حق مطلق والآخر باطل مطلق فيجوز له نبذه وإقصاؤه، بل واضطهاده ومصادرة حقوقه وحرياته.  ومهما تظاهر رجل الدين بالتسامح فهو يخفي في داخله خصومة مريرة للطرف الآخر، وهذا مكمن الخطر، وقد عانت الشعوب من الحروب الدينية بين المذاهب المسيحية والإسلامية.

وبالتالي مع وجود رجل يقاتل من أجل فرض سلطة مطلقة باسم الدين والتشريع، وفقا لمذهبه، ودينه ورأيه العقيدي والفقهي، تكون العلمانية سبيلا لحماية الدين من هؤلاء، وضمان مجتمع متوازن في الحقوق والواجبات، بما فيها الحقوق الدينية ووممارسة الشعائر.  لكن كما تقدم: أطمح إلى (عقلنة الدولة والمجتمع والثقافة والفكر) بدلا من دولة علمانية. ونحتاج إلى (عقلانية شاملة) بدلا من علمانية الدولة. فلا يكفي فصل الدين أو هيمنة رجل الدين عن الدولة ككيان سياسي، بل نحتاج إلى تحرير العقل مطلقا من اللامعقول ليحتل العقل مكانته في فهم الدين والحياة والدولة والمستقبل، ويكف الشعب عن التشبث بالخرافات التي أثقلت كاهل العقل العربي والعراقي خاصة.

 

س30: د. عبد الإله الصائغ: كيف ينظر مشروعك التنويري الى تخندق الناس معظم الناس مع المصلحة الذاتية والخرافة ذات الجذر الديني؟!

ج30: ماجد الغرباوي: تخندق معظم الناس مع المصلحة الذاتية، يكشف عن وجود خلل في نظام القيم لدى الفرد والمجتمع .. خلل أطاح بالقيم الدينية والوطنية والإنسانية وأرداها مشلولة خدمة لمصالحه الشخصية. ولا يمكن التخلص من الأنانية، وغلبة المصلحة الذاتية على المصلحة العامة إلا بقيم ومبادئ فاعلة، في إطار ثقافة وطنية تربّي الفرد على الولاء للوطن وتقديم المصلحة العامة على مصالحه الشخصية، وبيئة سليمة، وقدوة صالحة، وحينما يتجرد الإنسان من قيمه الدينية والأخلاقية والإنسانية، يتحول إلى كائن شرير. وللأسف الشديد المصلحة الذاتية باتت لا تعلوها مصلحة أخرى بفعل البيئة الاجتماعية والسياسية التي تواطأت على الأنانية واستبعاد المصلحة العامة، ثم يأتي القدوة الفاسدة، من إسلاميين وغيرهم، فيكرّس روح الأنانية في الوسط الاجتماعي، تحت ذرائع دينية مزيفة. فمن الطبيعي أن تستشري روح الأنانية، ويستشري الفساد على حساب الوطن والشعب. لذا فالقضاء على العناصر السياسية الفاسدة، وتطبيق القانون بصرامة، ومحاسبة من يقدم مصلحته الذاتية على المصلحة العامة سيساهم في زعزعة هذا الشعور اللا أخلاقي.

للأسف تراجع الشعور الوطني عرّض البلد للاختراق من قبل دول أخرى بعد أن مهّدت لها أوساط اجتماعية حسمت ولاءها لطائفتها وحزبها ومصالحها الشخصية.

أما بالنسبة للخرافة ذات الجذر الديني، فمردها إلى سذاجة الوعي، وانتشار خطاب ديني يكرّس الخرافة، بعيدا عن العقل. فعندما يتراجع الوعي حد السذاجة وتقديس رجل الدين والتراث مطلقا، بفعل الجهل والأمية، تنتشر الخرافة. إضافة إلى عوامل أخرى مساعدة، كالبطالة واليأس، وفقدان الأمل بالمستقبل، واستبداد قيم العشيرة، وتدني المستوى العلمي، وروح الانقياد، وغلبة الشعور العاطفي، والتعصب الديني والمذهبي، وأسطرة الرموز التاريخية والدينية، وعدم وجود فكر فلسفي يقدم رؤى حياتية مختلفة. فما زال الفكر عندنا مشغولا بالموت والآخرة بعيدا عن الإنسان والحياة، وتخلي المثقف عن مسؤولياته التاريخية في النقد والتوقيم واتخاذ الموقف الصحيح.

لكن يبقى للعامل الثقافي والفكري والعقائدي دوره البالغ في تحطيم بنية الوعي، لذا ينبغي اتخاذ جميع الخطوات اللازمة وبكل شجاعة من أجل انتشال الوعي، وأعتقد أن المراجعة والنقد الصارم لجميع المقولات الدينية والتراثية بات واجبا، لتحطيم مرجعية الخرافة ذات الجذر الديني التي راحت بفعل العقل الجمعي تفرض نفسها كسلطة توجه سلوك ومشاعر الناس البسطاء. فنحن بحاجة لتضافر الجهود من أجل مجتمع عقلاني، لا تخدعه الخرافة، ويبقى للعقل دوره في محاكمة الأفكار والعقائد وفق مرجعياتها الصحيحة.

 

س31: د. عبد الإله الصائغ: بات الناس يشكلون إرهابا على المفكر وهم ضحايا الإرهاب!. هل فات أوان إصلاح الفكر الجمعي المنحرف في منطقتنا أم أن ثمة ضوءا تراه آخر النفق المظلم؟!

 أكرر اعجابي بدأب المفكر ماجد الغرباوي

ج31: ماجد الغرباوي: شكرا لتواضعك واعجابك سيدي الكريم، الذي يشد على يدي لمواصلة طريق الإصلاح والتجديد، ومنكم نستمد روح المثابرة، وقد سبق جهدكم وعطاؤكم وابداعكم.

عندما تستقرئ تاريخ الأنبياء والمصلحين تجده سلسلة تحديات وعقبات وسلبيات، لكن الاصرار يفتح آفاق الأمل. فرغم تراكم الظلام على عقول شعوبنا بفعل الخرافة والخطاب الديني السلبي، ورغم كل الإرهاب الفكري والعقائدي، لكن ثمة أملا في انتشال العقل الجمعي، بفعل وسائل الاتصال الحديثة التي راحت تغذي الشعوب بمفاهيم جديدة، وتحرضهم على نقد الوضع السائد، ومحاكمة الأفكار والعقائد بحرية كافية، وهذه حالة جديدة لم نألفها، تبشر بخير، لكن ما زال الطريق طويلا، حيث استغل الغلو الديني والخرافي تلك الوسائل ليبث سمومه، ويوجه العقل الجماعي بما يخدم أهدافه. لذا استشرت الخرافة في بعض الأوساط الشعبية، رغم انتشار الوعي في صفوف المثقفين. فبين فترة وأخرى تظهر في العراق مثلا خرافة جديدة، وشخصية دينية تكرّس اليقين السلبي دون اليقين الإيجابي. نأمل أن نساهم جميعا في ترشيد وعي الناس. ويبقى الرهان على قدراتنا الفكرية، وشجاعتنا في نقد المقولات الدينية التي تتسبب في تكريس الخرافة، والجهل، والأمية، وتعمق روح العبودية للتراث والماضي. فالخطوة الأولى تحرير العقل من قيوده الموروثة والمكتسبة، التي تكبّل حريته وقدرته على المراجعة والنقد، وتجعل منه إنسانا منقادا لا إراديا. ويبقى الرهان على المثقف وقدرته على التغيير. فهل لدينا مثقفون بمستوى المسؤولية التاريخية؟.

 

.............................

للاطلاع على حلقات:

الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار ترسل الاسئلة على الاميل أدناه

 almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi8saleh alrazukخاص بالمثقف: الحلقة السابعة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق4) من أسئلة د. صالح الرزوق.

 

س25: د. صالح الرزوق: توجد عودة وجدل لمسألة الواقع المادي والواقع الرمزي، حتى بابا الفاتيكان بدأ يشكك بمشكلة جهنم والجنة، واعتبرهما مقولات تدل على الثواب والعقاب، رمزيا، وليس بالضرورة بطريقة حرفية. هل برأيك أن نار جهنم وأنهار العسل والغلمان إحالات لعقل مادي لا يفهم بالتجريد أم أن المسالة مقصودة بذاتها وليس لذاتها باللغة الهيغلية المعروفة؟.

ج25: ماجد الغرباوي: طالما كانت هذه المسألة مورد خلاف بين علماء اللاهوت والكلام بل وغيرهم: هل المعاد جسماني أم روحي ونفسي؟. وهل سيعذب جسد الإنسان بالنار حقيقة أم تتعذب روحه عذابا نفسياً؟ .. ظاهر الآيات يعضّد النعيم والعذاب الجسماني، فهناك نار، وحجيم وسعير بتفصيلات مختلفة، كما في قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا". فظهورها في العذاب الجسماني واضح، حينما تؤكد أن جسد الإنسان يتعرّض للعقاب مباشرة (سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ). وأيضا بالنسبة للنعيم، يتنعم الإنسان ماديا بجسده وروحه وجميع مشاعره، فهناك جنة، ونعيم، وأنهار من الخمر والعسل إلى غير ذلك، والقرآن أفاض في بيان مشاهد يوم القيامة، لهدف أهم من الجانب الحسي والمادي.. وأيضا بإمكان الرافضين للمعاد الجسماني الاستعانة بتأويلات قرآنية للاستدلال على صحة رأيهم، خاصة أن العذاب النفسي – الروحي أشد وأعنف من العذاب الجسماني.

أما عن الشق الثاني من السؤال: "هل برأيك أن نار جهنم وأنهار العسل والغلمان إحالات لعقل مادي لا يفهم بالتجريد أم أن المسألة مقصودة بذاتها؟" ..

تعلم أن أحد أهداف الأديان تنمية الوازع الذاتي وروح التقوى عند الإنسان المؤمن، من خلال الترغيب والترهيب، من أجل مجتمع عادل فاضل. فالخطابات القرآنية تستهدف عقل الإنسان ووعيه، وبالتالي فهي بحاجة الى زخم من النصوص لمكافحة النزعة المادية الشرهة عند الإنسان، واستنبات قيم الفضيلة مكانها. بحاجة الى وازع داخلي يردع الإنسان عن اقتراف المعاصي، ويدفعه باتجاه عمل الخير والمعروف، خاصة وأن مشاريع الإسلام قائمة على التعاون والبر والمساعدة والعمل التطوعي، وهذا بحاجة الى قوة دافعة بالاتجاهين، من هنا كان عدد آيات الترهيب والترغيب هي الأكثر في القرآن من أجل خلق شعور حقيقي لدى المؤمن، وإلا يتعذر على الإسلام مواصلة مشاريعه وتنفيذ استراتيجيته على جميع الأصعدة. وقد جاءت مشاهد يوم القيامة قرآنيا مترعة بأحاسيسها المادية، لتحقق هدفها. أي خلق وازع ذاتي رادع وفاعل باتجاه الخير والصلاح. والأمر لا يقتصر على العرب خاصة كي يقال كما جاء بالسؤال إن العقل آنذاك مادي لا يفهم بالتجريد، لأن الترميز هنا لا يحقق المطلوب كما هي المشاهد المادية، لذا استغرقت الآيات في بعض التفصيلات لتقريب الفكرة للمتلقي. فالمشاهد الوصفية للجنة والنار جاءت لتعبر عن حجم العذاب والنعيم، فراحت ترسم صورا من زوايا مختلفة تشد الناس لها بشكل مذهل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر.

من جهة ثانية: إن الأمر مرتبط بفهمنا للوحي ومداليله، فالوحي ليس كلاما أو صوتا إنما هو إيحاء ينبثق داخل النفس فجأة، فيكون مسددا حينما يكون مصدره إلهيا، كما بالنسبة للمرسلين والأنبياء. فالمشاهد هي تجلٍ للوحي على شكل سرد أدبي باذخ في بلاغته وصوره الشعرية الموحية والآسرة. فهي تهدف إلى ما هو أبعد من جانبها المادي.  فهذه القضايا ليست مقصودة بذاتها، لذا تذهب الآيات بعد وصف الجنة لتقول: (ورضوان من الله أكبر)، في إشارة لمن يفهم الترميز أن المسألة لا تتوقف عند ثواب الجنة وعذاب الآخرة، بل هي أبعد من ذلك. أو قول الرسول في وصف الآخرة: "ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على بال بشر". فالآية الكريمة والحديث الشريف تمنح الآخرة أو يوم الحساب بعدا آخر تتلاشى معه قيمة الجنة والنار. فمثلا ما قيمة العذاب أمام عذاب أكبر هو غضب الإله، ونبذ المجرم رغم سعة رحمته؟ أو ما قيمة العذاب الجسماني أمام غضب الله جبار السماوات والأرض، حنيما يشعر المذنب أنه منبوذ، مغضوب عليه؟ فالقرآن يوازن بين البعد المادي والجانب التجريدي، فمن يتمتع بحس تجريدي ففي القرآن ما يشبع نهمه، ومن يقف عند الحس المادي فلديه ما يرتوي به من مشاهد مادية مسكرة، خاصة والقرآن بخطابه البلاغي يجعلها تنساب مع المشاعر لتخلق حالة شعورية غريبة، هي تلك الحالة التي كان يندفع بها المقاتل المسلم لا يبالي بالموت، أمام نعيم ينتظره: إما النصر أو الشهادة.

وملخّص الكلام، إن مشاهد يوم القيامة في القرآن الكريم تعبير آخر عن رضا الله تعالى وغضبه، سواء كان لها واقع مادي أم لا، لأن ما يتمخض عن الجنة والنار بكل تفصيلاتهما، هو الشعور بالسعادة والشقاء، فهما أساس الترغيب والترهيب، وهما نهاية الطموح. لكن مهما كان مستواهما لا يرقيان للسعادة والشقاء الروحي والنفسي، فحرارة الحب تنطفئ على صخرة المادة والزواج، بينما تتوهج قبل ذلك، وتلهب خيال العاشق فيعيش أجمل اللحظات، لذا يحن الناس لأيام الحب العذري. وكذلك حرارة العذاب والخيبة والبؤس بسبب غضب الحبيب أو عدم رضا عزيز عليك أو شخصية مهمة. بل أن معاناة العزلة أشد على الإنسان من الآلام الجسدية حينما يعيش عزلة اجتماعية خانقة. من هنا جاءت عقوبة السجون ليتعذب المجرم نفسيا بسبب العزلة الاجتماعية وقيود الحرية الشخصية. فالسعادة والشقاء دليل الرضا والغضب وخيبة الأمل.

وبالتالي فإن نفي العذاب الجسماني لا ينفي الثواب والعقاب، لأنه ظلم، ومقتضى العدل أن ينال الإنسان جزاء أعماله، فينصف الله المظلومين، ويجازي الظالمين والمفسدين، ممن سفكوا دماء الأبرياء أو ضللوا الناس باسم الدين وتطبيق الشريعة. وأما على الصعيد الدنيوي فإن إيمان الإنسان باليوم الآخر كفيل بخلق وازع يمنعه من ارتكاب الموبقات، ويدفعه باتجاه عمل الخير.

 

س26: د. صالح الرزوق: كيف تنظر لسياسة استيعاب المشركين التي اتبعها النبي في فتح مكة؟. ألم تسهّل على المنافقين تهديم العقل الإسلامي وتلغيمه من الداخل؟. وهل هي من عنديات الرسول أم أن أحدا أشار عليه بها؟. وهل هي جزء من خطة فتح مكة وفق اتفاق سري أبرمه نواب ووسطاء الرسول مع رموز المجتمع الوثني؟. أعتقد أن الفتح لم يكن عفويا وسهلا كما نروج له. ففتح الموصل على يد داعش وسقوط الرقة أيضا بيدها لم يكن إلا نتيجة عمليات استخبارية ومكائد وخطط مسبقة. أين يقف فتح مكة من المشهد؟. وهل هناك بنود سرية مصموت عنها؟. ولماذا هذا التساهل مع أعداء النظام الجديد؟.

ج26: ماجد الغرباوي: تعلم أن محمدا نبي مبعوث، هدفه تبليغ رسالة الإسلام، والإسلام كدين يعني: منظومة عقائدية، أخلاقية، عبادية، تشريعية، ترتكز على وحدانية الخالق، على الضد من تعدد الآلهة، واستبدال التشريعات والنُظم الأخلاقية بأخرى ترتبط بالإله الواحد، من هنا تصادمت مصالح العرب وقريش خاصة مع الدين الجديد. ولما تضررت مصالحهم الإقتصادية ومقاماتهم الاجتماعية، راحوا يترصدون الدعوة الجديدة، حتى رفعوا السيف بوجه الرسول الكريم وأصحابه.

طوال الفترة التي قضاها في مكة كان هدف واحد يتحكم بمسار النبي ورسالته، هو توظيف ما هو متاح من تدابير لتفادي قريش وكيدها بالدين الجديد، ثم اضطر للهجرة وهو يحمل الهدف ذاته: الدعوة إلى الإسلام، غير أنه اصطدم بقريش مرغما، فنازلهم الحرب وانتصر عليهم. فالحرب ليست هدفا للنبي، لذا عندما أتيح له مهادنة قريش وفق شروطه، بحيث يستطيع تحقيق هدفه كاملا، استجاب لذلك (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). وكانت سياسة حكيمة، وموقف تاريخ، تفادى به الرسول الكريم سفك الدماء، ووضعت الحرب أوزارها وعاش الناس بسلام، ثم بدأت القبائل تدخل الدين الجديد، بلا حرب وقتال، وهذا ما كان يصبو له النبي الأكرم، حتى وصف القرآن دخولهم بالدين الجديد قائلا: (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا). وبالتالي يأتي التقييم لهذا الحدث على أساس الهدف الأساس للنبي محمد ورسالته.

أما بالنسبة لسؤالك: ألم تسهّل (سياسة الاستيعاب) على المنافقين تهديم العقل الإسلامي وتلغيمه من الداخل؟

لا شك أن الإسلام عانى طويلا من المنافقين، جميع المنافقين، بما فيهم من تخندق مع أبي سفيان، من قريش وأهل مكة، بل أن بعض الصحابة في أعماقه كان منافقا بل ومرد على النفاق، أي أدمن عليه، حسب تعبير الآية، وهم بعض صحابة الرسول في المدينة، لكنه عجز عن تشخيصهم لولا إخبار الوحي بذلك، تقول الآية: "وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ". علما أن القرآن مدح الصحابة لكن أيضا كشف نقاط ضعفهم.

ما أريد قوله إن النفاق مشكلة عانى منها الإسلام والرسول وليست مختصه بقريش بعد الفتح، بل أن خطر من كان مع النبي أكبر وأقوى، لأنه يجهلهم. وقد ظهرت تداعيات حالة النفاق بعد الرسول بشكل مفضوح. وبالتالي فحساب الربح والخسارة في فتح مكة يقاس من زاوية أخرى، فنجد أن كفة المهادنة وعقد صلح الحديبية جاءا لصالح المسلمين، وهذا نصر حقيقي. وما أقوله ليس دفاعا، بل مقاييس الربح والخسارة في الحروب يرجح كفة الفتح.

ثم لا تنس قوة الرمز القبلي آنذاك، لذا عندما جعل النبي بيت أبي سفيان آمنا، كسب ود القبائل القرشية إضافة الى توطيد الأمن في مكة. وأبو سفيان شخصية كبيرة بإمكانه تجييش الجيوش من موقع قوة حضوره القبلي. وأخيرا لو أن محمدا نازلهم، وسفك دماءهم داخل مكة، الحرم الآمن لجميع الناس، لكانت نكسة تاريخية، ولمّا تحقق من أهدافه شيء يذكر بل سيبقى متهما على طول التاريخ.

أما ما تبقى من تفريعات السؤال: فالثابت تاريخيا أن الرسول قصد مكة للعمرة، ولم يكن راغبا بحرب فلم يأخذ من عدتها إلا مقدار الضرورة، وعندما نزل الحديبية كانت قريش قد سمعت بقدومه فأرسلت تستطلع الأمر، ثم أرسلت ثانية سهيل بن عمرو للتفاوض، فأسفر وجوده عن إبرام عقد تاريخي معروف بصلح الحديبية، عاد بنتائج طيبة على المسلمين، والدعوة الإسلامية. وكان قبل وفود قريش قد ذهب عثمان بن عفان مندوبا عن الرسول لقريش وقد أخبرهم أنهم يقصدون العمرة وليس الحرب، غير أن قريش جيشت الجيوش لولا إبرام الصلح. لا توجد تفصيلات كثيرة، لكن لا يستبعد أن شخصيات مناصرة للنبي داخل مكة ساهمت في ترويض عنجهية قريش وإجبارها على قبول الصلح. أما بالنسبة للمقارنة بين فتح مكة ومطاردة داعش في الموصل والرقة، أعتقد الأمر مختلف وتقنيات الحروب قد اختلفت بشكل كامل، وأصبح الاستخبار والتفاوض والخداع تقنية ناجحة حاليا، بواسطتها يمكن اختراق المجاميع التكفيرية المتطرفة، وبالفعل اندحرت داعش وكان للمعلومة دورها في اندحارهم والقضاء عليهم.

 

س27: د. صالح الرزوق: لا يوجد لدى العرب قبل السادس للميلاد حياة ذهنية غنية، فالخيال فقير جدا، والأساطير والخرافات ليست بمستوى المعتقدات القديمة للإغريق والرومان، وهذا يضعنا أمام مفارقة غريبة حقا: إن القرآن والسنة لهما نشاط خيال سردي ارتبط في أذهان العامة بعنوان معروف وهو أحسن القصص، فقصص القرآن معين لا ينضب لعدد من القاصين المعاصرين ناهيك عن السينما والرواية المعاصرة ولا سيما التي تدمج الإسلامي باللاهوت اليهودي. وأضرب على ذلك مثالا بأعمال الفنان المصري المعروف يوسف شاهين. الكتب السماوية كلها قصصية، سواء الإنجيل أو التوراة والقرآن الكريم. لكن "مونوسمرتي" وهو كتاب الهندوس المقدس و" الدامابادا " وهو كتاب بوذا المقدس عبارة عن تعاليم وعظات بلا سرد، لا يوجد هنا وجود للسيرة والحكايات، ولكن إنشاء ديني بلا ترنم ولا أناشيد وبلا كنايات أو مجاز.

السؤال: ما السبب علما أن الحياة الروحية لأهل المشرق أغنى من الحياة الروحية للبدو في شبه الجزيرة، لماذا هذه الانعطافة من المباشر الى المجاز والخيال الرمزي عند العرب المسلمين وهذه الردة من النشاط الروحي الى المواعظ السلوكية عند أبناء المشرق؟. هل من تفسير ديني أم أنها مشكلة في العقل والحضارة؟. وما الفرق بين حضارتنا وحضارتهم؟ وهل لعب ذلك دورا في إنضاج فكرة الجوهر الإلهي عند المسلمين مقابل انفصال الروح عن الصورة، فتماثيل بوذا برأس واحد لكن بعدد لا يتناهى من الأيدي والعيون؟.

ج27: ماجد الغرباوي: المعروف أن معاجز الأنبياء أثبتت صدقها من خلال تحديها للسائد والمتداول، فلما كان السحر هو السائد في قوم فرعون تحداهم موسى بالعصا والحية، فذعن له السحرة على الضد من فرعون وجبروته. وكذا بالنسبة الى معجزة عيسى، يُحيى الموتى وَيُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فكانت تحد لبيئة معروفة بالطب ومعالجة المرضى. وهكذا بالنسبة للقرآن، إنما تحدى قريش أن يأتوا بسورة من مثله، كان يلحظ الجانبين البلاغي وعمق المعنى. وبالتالي لا يصح التحدي ما لم تكن البيئة بيئة بلاغة وأدب وشعر وعاطفة. وهذا هو المعروف عن العرب وقريش خاصة، فهي حضارة جانحة في الخيال أكثر منها حضارة عقلية، وكان الشعر ديوان العرب ومحركهم. فالبيئة بيئة أدب وشعر، بيئة خيال جامح. فليست هناك انعطافة من المباشر الى الخيال والمجاز الرمزي. بل هذا من صميم لغتهم وحضارتهم، لذا كان وقع المعجزة قوية، وإلا لو كانت البيئة العربية بيئة عقلية لما نجح القرآن في تحديه لها، فكان النص القرآني يعزف على مخيلتهم ومشاعرهم ويفعل فعله، لذا استطاع النبي تعبئة المسلمين لمواصلة الدفاع عن حومة الإسلام وحياض عاصمتهم.

ثم بودي أن أسال عن مدى صحة مقارنة: الـ"مونوسمرتي" و"الدامابادا" بالكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والقرآن الكريم، رغم قدسية جميع هذا الكتب لدى شعوبها. فهل تشترك جميعها بجذرها السماوي؟. فربما الأسلوب يؤكد اختلاف المصدر، فتكون الكتب المنزلة ذات خصيصة أدبية تنسجم مع هدفها.

تقول في سؤالك: "العرب قبل السادس للميلاد حياة ذهنية غنية، فالخيال فقير جدا، والأساطير والخرافات ليست بمستوى المعتقدات القديمة للإغريق والرومان".

 هناك رأي آخر يعتقد بوجود خيال ذهني غني، وهناك أساطير وديانات ومعتقدات قديمة، حتى لو لم تكن بمستوى الإغريق والرومان، فمكة كانت مركزا مهمة، تجاريا وحضاريا ودينيا وثقافيا، وكانت هناك عدة ديانات نشطة، فهناك تثاقف بالضرورة، لازمه وجود نشاط عقلي وفكري مهما كان مستواه. لكن الذي حصل أنها أبيدت جميعها بعد فتح مكة، تحت عنوان تطهير مكة من الأصنام ومن الثقافة الوثنية، فلم يطلع العالم على تلك المدونات العقائدية إلا من نجى من التطهير الثقافي. فمثّل القرآن نقطة بداية، فكرا وعقيدة، بعد إقصاء كل المدونات العقيدية والدينية والأساطير. أتمنى الاطلاع على موسوعة السرد العربي للدكتور عبد الله ابراهيم، هناك تفصيلات وأرقام وشواهد كثيرة. إذن ثمة ثراء يسمح بالتحدي، وهذا بذاته دليل واضح. فما جاء بالسؤال بحاجة الى إعادة نظر مع احترامي لوجهة النظر.

أما الشق الآخير من السؤال، فلا شك أن (البيئة الثقافية – الدينية، مصالح المجتمع، التطور الحضاري، التجارب الدينية للشخصيات والرموز)، كلها عوامل تساهم في إعادة تشكيل العقل الديني باستمرار، فهو في جدل مستمر، هدم وبناء. بل وإعادة بناء الإنسان ثقافيا ودينيا، خاصة عندما تنعدم التحديات على العكس من الوقت الحاضر، حيث شكّل التطور الحضاري تحديا كبيرا، باعتباره شكا متواصلا يخضع كل شيء للعقل والتجريب.  وعليه فإن الاختلاف طبيعي بين البيئات المختلفة، وتجليات الاختلاف أيضا متباينة، لذا من الطبيعي ما ذكرت في السؤال: "هل لعب ذلك دورا في إنضاج فكرة الجوهر الإلهي عند المسلمين مقابل انفصال الروح عن الصورة ".

 فهم الدين تاريخيا، مرّ بمراحل تطورت فيه مفاهيم وبادت أخرى على أعقاب مفاهيم تولّدت في ظل فهم وثقافة أخرى، وهذا الأمر يختلف أيضا من دين إلى آخر. لاحظ كيف تطورت مفاهيم الدين المسيحي وتعددت مذاهبه، وما تمخض عن فهم الدين الإسلامي من مذاهب وفرق كلامية، وهكذا بالنسبة للديانات الشرقية. والفن – كما جاء في تمثيلك في السؤال – يعكس فهم الفنان للدين، ويعكس عقيدة المجتمع، وتمثال بوذا يعكس ذلك الفهم، بينما العقيدة الإسلامية تجريدية، ونصية، لا تجسد الإله، ولا يمكن أن تضع له تمثالا ولو كان رمزيا، لعدم وجود تجسيد في العقيدة الاسلامية.

وبالتالي فطبيعة البيئة الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية تفرض نفسها على النص الديني، فيأتي النص بشكل مؤثر عندما يوظف خصائص البيئة لصالح رسالته، وهذا أحد أسباب التباين في الديانات، سواء كانت إلهية أو وضعية. لكن تبقى الديانات السماوية بالأخص الإبراهيمية تحمل ذات الروح والهدف والركائز العقائدية.

 

.............................

للاطلاع على حلقات:

الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار ترسل الاسئلة على الاميل أدناه

 

 

majed algharbawi7خاص بالمثقف: الحلقة السادسة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة د. صالح الرزوق.

 

س22: د. صالح الرزوق: تناول الأدب العربي ولا سيما الرواية سيرة النبي (ص) في عدة مناسبات، في المقدمة ملحمة سيد قريش لمعروف الارناؤوط السوري صاحب القلم الرومنسي، وتلاه علي الطنطاوي في قصص من تاريخ الاسلام.

- هل يجوز تفسير سيرة الرسول بأساليب فنية غير موثقة؟

- هل تنظر لهذا الميتا نص على انه جزء من بعثة جديدة او رسالة متخيلة ترمم الفراغات بنتاج الذهن؟ بتعبير آخر، هل يمكن اعتبار هذه الكتابات جزءا من السيرة ومتمما لها ام انها موضوعة ولا يجب الأخذ بها في مجال الحقيقة؟.

ج22: ماجد الغرباوي: لنتفق أولا ان كتب السيرة قد دونت حياة الرسول الكريم، وما اكتنفها من أحداث ووقائع، فسجلت مراحل الدعوة، موقف قريش منه، هجرته، حياته في المدينة، علاقاته مع أصحابه، حروبه ومغازيه .. الى آخره. واقول لنتفق اولا، لان كتب السيرة شأنها شأن الكتب التاريخية اعتمدت الرواية مصدرا في تدوين الأحداث والوقائع، وأنا لا اثق دائما بالروايات، بفعل التزوير والتحريف الذي طرأ عليها. إضافة إلى تأثر المؤرخ بخلفيته ومواقفه وعقيدته واتجاهه السياسي والاجتماعي، فهو متحيز دائما لها، بل ويتقصد أحيانا طمس الحقائق لصالحه. وإذا كان القرآن عصيا على التحريف، لتواتر نصوصه، فالروايات نبع لا ينضب، لذا يستشهد بها الجميع، ويتخذ منها مصدرا لتأكيد أقواله، رغم تقاطع الآراء واختلافها.

نعود للسؤال: هل يمكن اعتبار الكتابات الأدبية عن السيرة متمما لها، أم أنها موضوعة، لا يجب الأخذ بها في مجال الحقيقة؟ .. بلا شك لا يمكن اعتبارها متمما لها في مجال الحقيقة، لأن المعني بها كتب السيرة والتاريخ حصرا، فأي اضافة تحتاج الى دليل قاطع، والأدب لا يهتم بالأدلة قدر اهتمامه بايحاءات السيرة، التي تثري الخيال الأدبي فينطلق في صياغة مشاهد وأحداث مستوحاة منها. وهذا فارق شاسع، لا يصدق أنه متمم للسيرة في مجال الحقيقة. لكن يبقى له دور كبير في تصدير السيرة بلغة أخرى. فالأدب ناقل للسيرة عن مصادرها، ويعرف بها بطريقة أدبية وفنية.

أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال: هل يجوز تفسير سيرة الرسول بأساليب فنية غير موثقة؟ نعم يجوز متى ما حافظت الوسائل الفنية على روح الحقيقة، بلا تزوير. يجوز لأنك تقول تفسيرا، والتفسير بيان وشرح وهو متاح للجميع بما فيهم الأدباء، لكن ضمن الضوابط التاريخية في تسجيل حقائق السيرة. فمثلا يجب اعتماد مصادر موثوقة، خاصة مع تعدد المصادر حول بعض الحقائق. أيضا ينبغي الانتباه الى حجم التزوير في كتب السيرة النبوية، بفعل السياسة والمصالح المذهبية. أو بفعل العداء التاريخي لليهود، حيث عمدوا الى تسريب كثير من الأحداث الكاذبة بهدف تشويه سيرة النبي أو بهدف تعضيد ما يخص دينهم، وسمي هذا النوع من الروايات المدسوسه بالإسرائيليات.

أنا مع الأعمال الفنية والأدبية المستوحاة من السيرة لأنها أكثر تأثيرا في المتلقي، وأسرع في رسم صورة واضحة عنها في ذهن المشاهد والسامع. فكونها كتب مستوحاة لا يعني أنها اضافة على مستوى الحقيقة رغم أنها اضافة على مستوى التوظيف والتسويق والشرح والبيان، وهذا عمل جليل ومهم نحن بحاجة ماسة له. ففرق شاسع بين قراءتك لقصة تاريخية تعكس حجم ما يتمتع به الرسول من أخلاق حميدة، وشعور إنساني كبير تجاه صحابته، وبين مشهد تمثيلي يجسّد تلك الحقائق، عبر قصة أدبية أو فلم سينمائي. الثاني أكثر تأثيرا، لأن مشاعر الانسان تتفاعل أكثر مع الصياغات الأدبية والمشاهد التمثيلية.

 

س23: د. صالح الرزوق: في الادب ايضا كتب جرجي زيدان سلسلة روايات تاريخ الاسلام، وهي مليئة بقصص الغرام الممنوع والدسائس والقتل والاغتيالات، والخيانة الزوجية احيانا، كان زيدان يبحث عن التشويق، فما هو حكمها من وجهة نظر تربوية، هل نقبلها على علاتها ام نمنعها؟ وهل المنع أسلوب جائز شرعا والاسلام لم يضع حدودا واضحة بين الافتراء والمخالفة، ولو منعناها الا تعتبر خطأ تراجيديا مثل الخطأ التاريخي لحروب الردة؟.

ج23: ماجد الغرباوي: قرأت هذه السلسلة مبكرا، وكنت أصغي لأختي الأكبر وهي تقرأعلى مسامعنا هذه القصص قبل النوم، بأسلوب مشوق، فأتفاعل مع تراجيدية السرد، وأتعاطف مع البطلة أو البطل، وأحيانا أبكي لبكائها. كانت تستوقفني بل أشك في بعض المشاهد والأحداث، خاصة ما يخص الشخصيات المعارضة للحكم الأموي، فالتشويه مقصود. كما بالنسبة لرواية غادة كربلاء وغيرها.

إذاً لا يمكن اعتماد هذه المجموعة من القصص التاريخية مصدرا تاريخيا، لكن لا إشكال في تناولها عملا أدبيا، فالمؤلف غير مسؤول عما ورد من وقائع تاريخية ما دام قد اعتمد في نقله على مصدر معتبر حسب رأيه. نعم بالإمكان نقل الخبر الوارد في هذه الروايات مع ذكر المصدر لتفادي تضليل السامع.

العمل الفني والأدبي لا يبرر الكذب والاضافة