حوار مفتوح

majed algharbawi5خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

سياقات التأويل

ماجد الغرباوي: إن موضوعية الباحث شرط أساس في تفسير وفهم النص، وشروطها في الحقل الديني، هي:

أولاً: النأي عن إملاءات التراث والروايات التي تُسقط رغباتها على تفسير النص، وتقوّل القرآن ما لم يقله، وتسعى جاهدة لعصمة مصادرها، لتكتسب قدسية تحول دون مساءلتها. وأما حقيقتها فمراكمة شواهد قرآنية لإثراء الرصيد الرمزي في الصراع المحتدم بين الخصوم السياسيين وامتداداتهم حول أحقية الخلافة، فيفقد التأويل بعده الإيجابي المتمثل بموضوعيته. فاستبعاد التأويل السلبي بهذا المعنى شرط في فهم قصة وفلسفة الخلق، كالتصورات التي تختزل مفهوم "خلافة الإنسان" بالإنسان الكامل، المتعين ببضعة أفراد، وفقا لسياقات عقدية، تخضع الناس لرغباتها. بينما النص مطلق، لا قرينة على تخصيصه أو اختزاله بهذا أو ذاك. والكلام يدور في قصة الخلق عن خلافة النوع الإنساني، وما آدم سوى مصدق له.

ثانياً: عدم تبعيض النص تفاديا لأي انتقائية أو تحيّز أيديولوجي لا شعوري، يخرج المتلقي عن موضوعيته. فثمة سياق يحكم مشاهد قصة الخلق، وعلى الباحث استيعابه، في ضوء الهدف الكلي لوجود الإنسان ومحوريته.

ثالثاً: تقديم العقل والفهم العقلاني من خلال دراسة جميع العوامل المؤثرة فيه، رغم صعوبة الانسلاخ عن قدسية النص. ولازمه طرح جميع الروايات الدينية والتراثية التي تقدّم تفسيرات مسكونة بالخرافة واللامعقول والتأويلات الغرائبية. بل حتى التفسيرات المعتدلة والمعقولة يجب عدم  تعاليها، مادامت تعكس وعي المفسّر وقبلياته ومرجعياته، فتبقى نصوصا تنتمي لبيئتها وإكراهات العقل الجمعي. لذا ينبغي توظيف كافة المناهج الحديثة الممكنة لتدبّر القرآن وتأويله لتفادي أي تعارض بينه وبين العلم، وعدم انجراره للخرافة ومجافاة العقل والقيم الإنسانية الرفيعة. أو استغلاله لتكريس الاستبداد ومصادرة الحريات، وسلب الفرد إنسانيته وحيثيته. فينبغي بقاء النص مفتوحا لتأتي القراءة زاخرة بالتأويل، حينما تنقّب في أعماقه، وتكتشف طبقاته المتوارية في طياته. فما من نص إلا ويخفي عدداً كبيراً من النصوص والأنساق المضمرة. إن سلطة العقل لا تتجاوز سلطة النص بقدر ما تقدم فهما مغايرا له، وقراءة جديدة في ظل معطيات العلوم والمعارف الحديثة، فلماذا الحساسية المفرطة لدى الاتجاه التراثي من العقل واكتشافاته المعرفية؟.

رابعاً: ينبغي التمييز بين هدر القداسة وتعاليها. الأول يقطع النص عن سياقاته، ويهمّش سلطته. فقصة الخلق تبدو خرافة أو مجرد نص أدبي يمكن تأويله. أما تعالي النص أو قداسته فتعني كما مرَّ: "صدور النص عن مصدر متعالٍ محيط وعالم وعارف بكل شيء، فيشرّع ويهدي وفقا لملاكات ومصالح، يمكن للإنسان إدراكها لتحديد مدى فعلية النص المقدس". وأضيف ترابط النص وانسجامه مع فلسفة الخلق ودور الإنسان في الحياة. ولازمه أن  قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرّد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. وقد تقدم أن القداسة سلطة معرفية موجّهة، تحد من حرية الباحث الديني، تسلبه خيار القراءة المفتوحة للنص، ويخضع لا شعوريا لسلطته وقدسيته، باعتباره مطلقا. بل تارة رهاب القداسة يحول دون التعرف على تاريخ النص وفلسفته وشروط فعليته، مخافة المساس بقدسيته، فتغدو القداسة حجابا يحول دون رؤية المتواري والمضمر في متاهات النص، حينما ينحاز للتبرير دون النقد والتفكيك. ويعود ثراء النص إلى ثراء دلالته، وإمكانيات تأويله، فيما يضمره ويستبعده، من خلال تقنيات اللغة وقدرتها على توظيف المجاز والتورية. كما تلعب قداسته دورا كبيرا في توجيه فهم النص، بحكم سلطتها وهيمنتها، حداّ يستبعد المتلقي كل ما يتقاطع معها، ويغفل عن كثير من الدلالات التي يمكن استدعاؤها لولا قداسة النص. ولعل في النصوص الغرائبية مثالا واضحا للفرق بين القراءتين، حيث يبالغ الباحث الديني في قداسة النص ومصدره، هروبا من جحيم أسئلة العقل واستفهاماته. بينما ينتزع الباحث المتحرر قدسية النص، ويرفض غرائبيته المستهجنة عقلاً ومنطقاً، ويتجاهل القضايا التي يتعذر اختبارها تجريبيا. فالعقل لا يتخلى عن دوره أمام المقدّس، ولا يكف عن أسئلته واستفهاماته. ويطالب بأدلة مقنعة يستدل بها على غرائبية النص. وبالتالي فالنص المقدّس يفرض حقيقته على الباحث الإسلامي، ويرغمه على الإيمان بها. بينما يرتهن الإيمان بقبول النص بالنسبة للباحث المتحرر على أدلته ومدى صدقيته ومطابقته للواقع ونفس الأمر.

شروط المنهج

هناك شرطان منهجيان لفهم دلالات النص الديني:

الشرط الأول: فهم النص ضمن الإطار العام للقرآن ولغته ورمزيته وتعاليه وقصديته، لا خارجه. وهذا لا يحد من حرية الباحث بل يمهّد لقراءة منتجة في ضوء منطقه الداخلي، فعندما يأمر القرآن برد المتشابه إلى المحكم من الآيات فهو يعترف ضمناً بعجز اللغة الدينية عن استيعاب المعاني المفارقة، فتأتي النصوص متشابهة، وليس أمام الباحث سوى الآيات المحكمة لاستنطاقها، تفاديا لأي تعارض بحكم التعارض القائم بين ظواهر الآيات، كما بالنسبة للآيات التي تجسّم الخالق مثلا، فتعكس صورة لجبار متغطرس، تشبيها بجبابرة الأرض، بينما الآية المحكمة تقول ليس كمثله شيء!، وحينما نرتكز لها نفهم أننا أمام آيات متشابهة فرضتها ضرورة اللغة الدينية لتقريب معنى مجرد لذهن بشري مادي، لا يدرك معاني الأشياء بعيدا عن مصاديقها المادية أو تمثّلاتها بينما يعجز عن إدراك القضايا الماورائية. فاشتراط التقيّد بالمنطق القرآني ينير الفضاء المعرفي للباحث الموضوعي، لتكون قراءته منتجة، لا تتراجع أمام استفاهامات القرآن نفسه. فكل تعارض ظاهري بين آيات الكتاب هو علامة استفهام أمام الباحث، وتحدٍ لمنهجه في تفسير الكتاب. وليس من حق الباحث أن يقوّل النص القرآني ما لم يقُل، لذا نحن لسنا مع شرطية حضور الروايات الدينية والتاريخية إلا بقدر ما يساعد على فهم أجواء الآية، ويبقى الباحث واجتهاده في فهمها وتفسيرها وتقصي الممكن من  آياته عقليا. فيكون العقل فوق النص، قادرا على مقاربته وفق شروطه. لكن هل العقل معيار لكل شيء؟ ومن ثم نقع في إشكالية ماهية العقل وأحكامه ومرجعياته ومدياته؟.

والجواب بما أن القرآن نص مفتوح للقراءة، ومن حق الباحث استنطاق آياته، شريطة أن يكون متمكنا من أدواته، خبيرا بلغة الدين، يؤمن بوجود قضايا نسبية ماورائية لا حقيقة لها خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي. يكون الإيمان بها متفرعا على الإيمان بصدقية النص ومصدره لا بدليل خارجي. فهي قضايا مفارقة غير خاضعة لأحكام العقل كي يبت في حقيقتها، وبالتالي من حق الباحث الحرث والتنقيب في الممكن من النص، دون المتعذّر لوجود امتناع ذاتي، كماهية الخالق وحقيقة الملائكة أو الجن. فهو عالم محجوب عنا، وعالم مفارق، ويبقى الإنسان حرا (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ). ومن يرد مقاربة النص الديني يلتزم بشروط فهمه، مادام يتحدث عن قضايا غيبية مجردة ومفارقة، لا يمكن التحقق منها بأي دليل، سوى تكهنات وتمثلات. وقد أضاع اللاهوت الديني قرونا في مسائل دينية عصية على الفهم، لأنها قضايا مفارقة، الموقف منها هوالتسليم المطلق بالنسبة للمؤمن أو الرفض لغيره.

الشرط الثاني: القراءة التأويلية، المحكومة بذات المنطق الداخلي، لعجز اللغة المتداولة والعرفية عن استيعاب القضايا المفارقة والماورائية، وفهم الدلالات الرمزية للنص الديني. وهذا اللون من القراءة يتطلب التعرّف على طبيعة النص المقدس، هدفه، روحه الكلية، سياقاته التاريخية، علاقته بالواقع، كل هذا يبدو شرطا لفهم الدلالات التأويلية. التأويل لا يعني فقط إطلاق اللفظ وإرادة معنى مغاير لظاهره، بل يقصد به التوغل في أعمق النص لاكتشاف دلالات جديدة، تتناسب طرديا مع حجم ثرائه الدلالي، من خلال سياقاته وتحديد تقنياته اللغوية واكتشاف أسلوبه في تمرير رسالته. والغاية الأساسية هي الكشف عن مداليل النص، بما ينسجم مع إطاره الكلي وترابط آياته، خاصة النصوص القصصية كقصة الخلق، التي تنطوي على معان عميقة ترتبط بإنسانية الإنسان، ويخطئ من يحط من إنسانيته وعقله خلال تفسيره لها، إذ ثمة آيات محكمة وصريحة تعتبر محددات لفهم القصة كقوله وكرمنا بني آدم. وما تصرّح به ذات قصة الخلق بأن الغاية الأساس من خلق الإنسان هي خلافة الأرض، وهي منزلة عظيمة أن يواجه الإنسان بعقله وإرادته واستقلاليته تحديات الظروف، ويواصل تقدمه الحضاري.

تنبيهات

النص أي نص ليس منقطعا عن سياقاته التاريخية، ولا يتعالى على تاريخيته، لكن ثمة نظرة خاطئة، واضحة في المنهج الفقهي حينما يتعامل مع النصوص منفصلة عن سياقها القرآني والتاريخي، فلا يخرج عن التقليد دون الاجتهاد، لأن الثاني لا يقف على حدود المعنى اللغوية الذي يعني بذل الجهد لمعرفة دلالة الدليل الشرعي، بل يعني بذل الجهد لفقه النص ضمن سياقه التاريخي وظرف نزوله. النص جاء ليقدم رؤيته عن الواقع الموضوعي، فهو استجابة لسؤال واقعي أو مقدّر، لذا لا يمكن فهم قصة الخلق وتحريرها من سجون اللفظ إلا بهدر الفهم التراثي والسلفي، وتوظيف المناهج الحديثة لفهمه، فينبغي مراعاة ما يلي لمعرفة سياقات قصة الخلق وهدفها وغاياتها وقصديتها، فثمة قضايا مهمة، تصلح منطلقات، تتوقف عليها القراءة التأويلية المنتجة، هي:

أولاً- تختلف نتائج أي مقاربة تأويلية لنصوص القرآن باختلاف مفهوم الوحي:

- بين من يرى القرآن وحياً من الله لفظاً ومعنى، وما الرسول سوى واسطة في النقل والتبليغ والبيان والتفصيل. وبعض يتسامح فيمنح النبي دورا محدودا كتعليم الكتاب. لكنه خارج مفهوم الوحي.

- وبين من يقصر الوحي على المعنى دون اللفظ. وما يوحى للنبي معاني الآيات دون ألفاظها. وهو ما يؤكده القرآن، أن ما يتلقاه الأنبياء وحي. وللوحي دلالاته بعيدا عن المباشرة والأصوات المسموعة، لوجود امتناع ذاتي بين الموحي والمتلقي / الأنبياء. (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ). وكان النبي يتلو فهمه للوحي، لا نقلا حرفيا لألفاظه ومعانيه. وفهم الرسول حينئذٍ فهمّ بشري يتأثر بقبلياته وثقافته وبيئتة. وهذا لا يخدش قدسية الوحي، ويسمح بهامش كبير لتقصي دلالات النص وعلاقته بالواقع. وبالتالي فأية قراءة لذات النص / القرآن تتأثر بقبليات القارئ وثقافته وبيئته وحجم التطور الحضاري، خاصة أن النبي كان يرتكز لثقافة المجتمع في تلاوته للكتاب، ولم يعمد لتفسيره إلا القليل من آياته. فالمرونة العالية صفة النص المقدس، مما يؤهل المتلقي لفهمه وفقا لثقافته وقبلياته، لكن لا يعني إسقاط رغباته على فهم النص. وبالتالي، لا جمودا على حرفية النص ولا خضوعا مطلقا للعقل التراثي، وسيكون الملتقي شريكا في فهم النص ودلالالته. وسبقت الإشارة: "يمكن تناول النص بمعزل عن مؤلفه، لاكتشاف إيحاءاته ومضمراته، وما يبدي ويخفي من دلالات، وإحالات مرجعية، مهما تعالى. لكن لا يمكن تجاهله عندما يتعلق الأمر بتحديد سلطة النص، لتوقف حقيقتها وفعليتها على معرفة مصدره. وهذا يختلف تبعا لزاوية النظر، ومضمون النص، وما يريد أن يقوله ويؤسس له... لا دلالة للنص وسلطته خارج الفضاء المفاهيمي للمتلقي. فينبغي للنقد، كي يكون نقدا معرفيا منتجا، أن لا يكتفي بتفكيك النص، وتحليل ثوابته، ومقوماته، ومعرفة طبيعة علاقته بالمتلقي، بل يجب عليه التوغّل أيضا في أعماق المتلقي، وتقصي مداراته المعرفية، وكشف تقنياته وأدواته في وعي النص، والأسباب المؤثرة فيه. فخلفية المتلقي لا تنفك عن النص وتقنياته في وعي حقيقته وسلطته.

- وثالث يعتقد ببشرية الوحي، وفي أفضل الأحوال عبقرية النبي أفضلأفشضأأ. يتعامل مع النصوص على أساس بشريتها، فتخرج لغة النص من كونها لغة دينية رمزية تتحدث عن قضايا مفارقة إلى لغة عرفية يحاكم على أساسها النص، فتبدو القضايا الغرائبية هلوسات، لا معنى لها، خارج التجربة والدليل العلمي، لا فرق بالنسبة له بين القضايا الممكنة والممتنعة ذاتا. وحينما يكون منصفا يقبل ما وافق عقله، دون الغيب وعوالمه. وتقدم أن الإيمان بعالم الغيب مرتهن بإيمان الشخص: (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)، فالتقوى مأخوذة شرطا في هدايته. ولا قناعة خارج الهاجس الديني والخشية من اليوم الآخر، فتجد الكتب المقدسة تؤكد على الجانب الشعوري لترويض تمرد النفس البشرية، وتهيئتها للإيمان بعوالم الغيب.

- ورابع يعتقد أن النبوة تجربة روحية، والوحي اشراقات تفتح للنبي آفاقا معرفية، وما يتلوه من آيات تجل لتلك الإشراقات. وهذا يختلف عن سابقه. الثالث، يعتقد ببشرية النبوة جملة وتفصيلا (وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلً)، وهو إشكال قديم عاصر نزول الوحي. وهنا الأمر يختلف فالقرآن ليس مدونة بشرية، وليست وحيا من الله للنبي، وإنما اشراقة روحية تطل على عوالم الغيب وتنهل من معارفها، كعالم الذر عند بعضهم، والعقل الفعّال عند غيرهم. وبالتالي فنتائج البحث تختلف باختلاف مفهوم  الوحي لدى الباحث.

ثانياً: أن قصة الخلق جاءت في سياق سؤال الوجود، الذي أرق الإنسان، وتركه في حيرة عبرت عن نفسها بقلق وجودي وسؤال الحقيقة الذي لازمه طوال حياته، للبحث عن نجاته وخلاصه، وفهم ما يحيطه وما وراء الطبيعة، فهو بحاجة ماسة لخطاب متعالٍ يرسم له طريق الخلاص. وعندما نمعن في قراءة قصة الخلق تلوح الأسئلة الوجودية، عندما يزيح الملتقي غشاوة ظواهر الألفاظ، ويتوغل بعيدا في أعماقها. فثمة عالم تتحدث عنه قصة الخلق، هي قصة الإنسان ووجوده على الأرض، وما هي المهمة التي تنتظره. وما لم تقرأ قصة الخلق في سياق الأسئلة الوجودية التي تناولتها، يجفو النص ويتمرد ويترك المتلقي نهما لتفسيرات تراثية، تجافي الحقيقة.

ثالثاً: ينبغي فهم قصة الخلق في ضوء الإطار الكلي للقرآن، والهدف الأساس من بعثة الأنبياء، وإمكانيات التأويل التي تستفيد من مرونة النص وثراء دلالاته، ليدور التأويل مدار هدفه. وعندما نتدبر مشاغل الكتاب الكريم نجدها تركز على: وجود الله، وحدانيته، واليوم الآخر، وهي خلاصة العقيدة الدينية التي استعرضتها آية: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ)، فيكون الإنسان محورها، وهذا تحصيل حاصل لا يحتاج إلى دليل، لأنه المقصود بالخطاب أساسا. فقصة الخلق نزلت في ظل مجتمع (كافر، وثني، مشرك، لا ديني، حنفي، ..) وكان النبي منذ أن صدح بدعوته دعا إلى الإيمان بالله ووحدانيته واليوم الآخر، الذي قد يبدو غير مهم لغيرهم غير أنه رهان وازع التقوى الذي هو هدف أساس للأديان، ضمن مجموعة أهداف. فالواقع يفرض نفسه، وهو ما يفسّر المساحة التي تحدثت عن وجود الله ووحدانيته واليوم الآخر. فلا يحق للباحث الابتعاد عن مشاغل القرآن في فهم النص، لأنك ستقوّله ما لم يقله وما لم يصرّح به، وهذا ما تفعله التفسيرات التراثية والطائفية التي راحت تركز على قضايا هامشية أو لا علاقة لها بقصة الخلق، كخلق حواء من ضلع آدم، والحية التي أغرته، والأسماء التي علمها الله تعالى لآدم، وطبيعة الجنة.

ثمة ملاحظة جديرة أيضا أن الآيات تعكس صراعا مريرا بين العقائد والأديان، وصعوبة إيمان قريش ومن حولها بوحدانية الخالق ويوم المعاد. أما الأول فلأن أغلبهم وثنيون، لا يجدون مبررا للتخلي عن أصنامهم وأوثانهم التي فيها عزتهم وتميزهم وشرفهم، والتوحيد يسلبهم إحدى خصائص التفاضل القبلي، الذي هو رصيد رمزي يصعب التخلي عنه، فهو قيمة اجتماعية فضلا عن قيمته الدينية والرمزية، لذا استماتوا في الدفاع عنها. وأما العدد الكبير من الآيات التي تحدثت عن اليوم الآخر فسببها عدم وجود أرضية وثقافة قبلية تؤهل للإيمان به. والفرد إبن بيئته ووليد ثقافته، وعندما يتقبل شيئا جديدا يتقبله بقدر ما يحمل حوله من ثقافة. واليوم الآخر كما يبدو لم يكن مطروحا ضمن المنظومة الدينية. الأصنام وجودات محسوسة يلجأ لها في حاجاته، يقدسها ويقدم لها قرابينه ونذوره، ويمارس في حضرتها طقوسه، فتنعكس آثارها الروحية والنفسيه عليه مباشرة، لا يوجد شيء مؤجل مه الثواب والعقاب، لأنها ترافقه دائما. بينما تحيل آيات المعاد على واقع غيبي، يتطلب استعدادا ثقافيا لقبلوله، لا بمعنى التصديق به فقط، بل الجزم والاعتقاد الذي يضبط الأداء السلوكي للفرد والمجتمع.

رابعاُ: ثمة تراث لاهوتي زاخر بنصوصه الدينية سبق نزول القرآن، لها رؤيتها الكونية وتفسيراتها الماورائية، وهي بجملتها تتقاطع مع دعوة النبي التوحيدية. بينهما عموم وخصوص مطلق، كما يعبّر أهل المنطق، فثمة نقاط التقاء، وهناك نقاط اختلاف. وكان الصراع على أشده حول احتكار الحقيقة وسبل الخلاص، ومن الطبيعي أن يثير الطرف الآخر أسئلة واستفهامات لاختبار مدى صدقية نبوة محمد، وأيضا من الطبيعي أن تكون له رؤيته الكونية لمظاهر الطبيعة وماوراء الطبيعة. فتأتي الآيات لتكذيب بعض ما يدعون وتصحيح بعضها الآخر، مع الإبقاء على المشتركات، كأرضية للتفاهم (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ). فقصة الخلق القرآنية تأتي في مقابل قصة الخلق التوراتية، لتصحيح مفهوم فلسفة الخلق. إذ المعلوم أن قصة الخلق في التوراة متهمة في انتسابها للوحي ولموسى النبي، لوجود تطابق بينها وبين قصة الخلق في الألواح السومرية، وقالوا إنها نسخة مترجمة من قصة الخلق البابلية. فالقرآن طرح رؤية تتضمن فلسفة وراء خلق الإنسان، وبيان مكانته ومحوريته ودوره الذي عبرت عنه القصة بالخلافة.

وبالتالي عندما نراعي ما تقدم سنتوفر على رؤية مغايرة لقصة الخلق.

يأتي في الحلقة القادمة.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi4خاص بالمثقف: الحلقة السابعة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

نموذج قرآني

هناك ثلاثة مستويات لتحري دلالات الدليل الشرعي لدى الأصوليين:

الأول: أن يكون اللفظ نصا صريحا في معناه، عندما يقتصر على معنى واحد لا يصدق على غيره ف لغة. فيُحمل اللفظ على معناه، ويكون الدليل نصا صريحا فيه.

والثاني: عندما تتكافأ معاني اللفظ، حداً يتعذر تحديد خصوص المعنى المراد منه، فيسمى مجملا، كما في المشترك اللفظي مع عدم وجود قرينة صارفة لإحدى معانيه.

والثالث: أن يكون للفظ أكثر من معنى، وأحدهما أقرب لدى السامع، فيكون حجة لحجية الظهور، التي تعني تبادر هذا المعنى دون غيره، فيكون هو المتعيّن في كلام المتكلم. لكن يبقى السياق والقرائن حاسمة في تحديد دلالته، لتعدد معانيه. سواء كانت القرائن متصلة أو منفصلة. وهذا معنى القاعدة الأصولية التي تقول: (إن ظهور القرينة مقدّم على ظهور ذي القرينة، سواء كانت القرينة متصلة أو منفصلة). وتسقط حجيته عندما يختلف تبادره من ثقافة وبيئة إلى ثقافة وبيئة غيرهما، باستثناء بيئة المتكلم. بل حتى هذا الشرط قد ينخرم، فتجد المذاهب والفِرق تختلف حول دلالات بعض الألفاظ، رغم انتمائهم لذات البيئة اللغوية والثقافية، وبالتالي ففهم النص يتأثر بقبليات المتلقي وقصديته من تفسيره وفهمه، ويختلف من شخص لآخر، لكن لا يعني الفوضى وأسقاط جميع قواعد الفهم العرفي.

ثم رغم صحة المستويات الثلاثة منهجيا لكنها لا تسمح بزعزعة المعنى القاموسي لصالح التأويل الذي يمثّل منهجا في فهم النص. فيصدق أنها إرهاب لغوي أو رمزي، وأنها سجون لغوية لضبط المعنى الذي ترومه، خاصة القضايا الخلافية بين المذاهب الإسلامية، والاتجاهات السلفية في تفسير القرآن. غير أن المناهج القديمة راحت تتراجع أمام مناهج العلوم الإنسانية، كالنقد الثقافي والهرمينوطيقيا، التي تتحرى فهما مغايرا للنص، من خلال مقاربة جميع العوامل المحتملة، بما فيها البيئة الثقافية وظروف مؤلف النص وشرعية سلطته. وقد بات للنص معنى مختلف، مرَّ الحديث حوله في كتاب "النص وسؤال الحقيقة"، وقد اقترحت فيه تعريف النص اصطلاحا: "النص: ما تعددت دلالاته بتعدد قراءاته وتأويلاته المحتملة". فيتناسب ثراء النص طرديا مع حجم إيحاءاته. ويتوقف الكشف عن المضمر من أنساقه المعرفية والثقافية، على مرونته، وأسلوبه في التعامل معه. فالنص حقل للحرث والتنقيب في أعماقه معرفياً، بحثا عن ممكناته التأويليه والمتوارية التي يتستر عليها مكر النص لغوياً.

وبهذا سيَخرج هذا التعريف الدلالات الثلاث للدال والمدلول: الدلالة التطابقية، والدلالة التضمنية، والدلالة الإلتزامية... وبالتالي ثمة فرق بين النص واللانص، رغم أن كليهما نسيج لغوي، يتكون من كلمات وجمل، ومعانٍ وألفاظ، وتراكيب لغوية، ودوال ومداليل. إلا أن النص يتصف بثراء تأويله، وقابليته للكشف عن المضمر من أنساقه. واللانص ليس كذلك، فالتأويل يشتغل على النص، لثراء حقله الدلالة وإمكانيات تأويله.

وقد تقدم هناك آيات يتوقف فهمها على تأويلها والتأمل في آفاقها، والعبور من ظاهر اللفظ إلى ما هو أعمق وأبعد، بشكل تنفتح آفاقا جديدة للتأمل، كالقضايا الغيبية التي تعجز اللغة العرفية عن إدراك حقائقها، لغياب الوسط الممهد لحركة الفكر بين المجهول والمعلوم. كما هناك آيات يرتهن فهمها على نقلها من المستوى الديني إلى المستوى السوسيو لوجي والأنثربولوجي، لدراسة القوانين والسنن التي يتحرك في سياقها النص من جهة، وفهم الآثار الاجتماعية، وظرف نزوله، وما هي انعكاساته. أي أثر الوضع الاجتماعي في صدور النص / الآية، ومدى تأثيره بعد صدوره. بل يعمل التأويل على كشف ما تستر عليه النص واستبعده، من خلال سياقه أو طريقة تعبيره، فهناك معنى يتستر عليه النص، يريد التأويل استدعائه، وإعادة قراءته وفهمه، وبيان ما طبيعة علاقته بالنص، وما هي تقنياته في تمرير رسالته.

ونقصد بالتأويل هنا، خصوص الموضوعي الذي تقدم بيانه، كي لا نعود لأحضان الرؤى الأيديولوجية والمذهبية المتحيزة التي أوّلت كثيرا من الآيات لصالحها أو لتوهين خصومها. ويقصد بالتأويل الموضوعي كما مرَّ: "إرجاع النص إلى ما هو أبعد من المعنى الحرفي، لتحري دلالاته وممكناته التأويلية". فالتأويل أحد مناهج فهم النص، لا يمكن الاستغناء عنه لمقاربة مجموعة من الآيات. لا نقصد أن التأويل سيكشف عن دلالات النص كما هي في الواقع ونفس الأمر، أو تطابق الدال والمدلول. أو أن للتأويل طرقا خاصة لاختراق الغيب. كل هذا غير مقصود. هدف التأويل الكشف عن مداليل أخرى لظاهر النص من خلال التنقيب في أعماقه، وتوظيف تقنيات للكشف عن مضمراته، وما يريده وما يستبعده. أو الكشف عن ممكناته التأويلية من خلال إيماءاته وإشاراته، فقد يشير النص المقدس لشيء من خلال إشارة داخلية أو مقارنة خارجية. أو من خلال سياقه وبناء جمله. فالتأويل اشتغال داخل حقل اللغة، باعتبارها مفتاح التأويل للكشف عن دلالات يستبطنها النص ولا يصرّح بها. والغاية منه مقاربة النص للتوفر على فهم مغاير، نستبعد به التأويلات الكلامية المتحيّزة للفِرق والمذاهب الإسلامية، التي اسقطت قبلياتها عليه، ووظفته لتعضيد متبنياتها العقدية والفكرية والسياسية. ومن يقرأ التراث يستغرب حجم الروايات التي فسّرت المفاهيم المبهمة في القرآن وأحاطتها بقصص من وحي الخيال، خاصة الجمود على حرفية النص وظواهر اللغة، الذي يفضي للتجسيم، وهو القائل: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).

والهدف الثاني، أن فلسفة الخلق تستدعي فهما تأويليا لقصة الخلق، تساعد على فهم دور الإنسان في الحياة، بعيدا عن العقل التراثي اللاعقلاني. الخالق حكيم، وأنزل كتابه للناس: (هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)، ومن حقهم أن يفهموا مضامينه، وما يريد قوله.

المنهج القرآني

يبقى القرآن نصا لغويا، يمكن مقاربة آياته، مهما كان متعاليا ومقدساً، شريطة التوفر على مناهج قادرة على استنطاقه ضمن قوانين اللغة. وقد أستخدم الكتاب الكريم آليات لتمرير رسالته وبيان مقاصده كالحوار والقصة والمباشرة والمتخيل الرمزي، ومنها أيضا: التأويل والأمثال، التي هي نوع من التأويل، يختزل المعنى بمثال، يكون أقوى تأثيرا ودلالة لدى المتلقي، والأمثال كثيرة في الكتاب، مما يؤكد أهميتها في اللغة الدينية، غير أن شرطها قدرة المتلقي على فهم دلالتها، كما أن رهان تأثيرها الاستعداد الذاتي للاستفادة منها:

(وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)

(وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)

وكنموذج للأمثال:

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)، فمهما تحدّث عن الكلمة الطيبة وآثارها الاجتماعية والنفسية على الفرد والمجتمع لا يؤثر ويفي بقصديته كالمثال. المتلقي يفهم ماذا تعني الشجرة المثمرة الوارفة، وعندما يضرب الله بها مثلا يتبادر لذهنه طبيعة المقارنة، ويفهم أن إيجابيات الكلمة الطيبة كشجرة دائمة الثمر والعطاء. وما عليه سوى تأويل المثل، وإدراك دلالاته. لكن المهم بالنسبة للغة الدين، عندما يضرب مثلا لبيان مفاهيم وقضايا مفارقة، يتعذر على اللغة العادية إدراكها، كما في قوله تعالى:

 (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). فما ذكره مجرد مثلا يقرب القارئ لمفهوم الله، ولا يعني أنه نور في مشكاة، رغم أنه يقول في آية أخرى: ليس كمثله شيء. غير أن المثل يساعد على تمثّل صفاته وقدراته المطلقة، دون إدراك ماهيته وحقيقته وكُنهه، لأنها ممتنعة ذاتا. وبالتالي فالاستشهاد بالمثل كمنهج لفهم النص الديني يؤكد ثمة قضايا ومفاهيم عصية على اللغة العادية، غير أن اللغة الدينية توظف المثل لتحقيق مآربها.

وفي آية أخرى: (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، ولا يخفى حجم الدهشة وهي التي تتحدث عن خشوع كائن جماد / الجبل، وماذا يعني نزول القرآن عليه؟. وهنا يتعذر فهم الآية بعيدا تأويلها، خاصة وهي تؤكد أنه مجرد مثلا، لمعنى أعمق يصعب على اللغة استيعابها، لكن يبقى المثل، كالرمز، يتجدد في دلالالته، ويثري بقبليات وثقافة ووعي المتلقي: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). فدلالة المثل تتطلب جهدا فكريا يقارن، من خلال حركته بين المثل والواقع، ليصل إلى دلالات مغايرة. فاللغة الدينية تتسلح بآليات تنقل المتلقي إلى آفاق بعيدا عن ظاهر النص، لتبحر في عالم المعنى، تتقصى مداراته وآفاقه، لا فقط بالتدبّر، الذي هو آلية مهمة كما مرَّ بيانه، ولا بالمثل فقط، بل الاستعانة بثراء الخيال، وقدرته على رسم معالم القضايا المفارقة، فترى القرآن يحقق من خلال استعراض مشاهد القيامة مثلا، ترسيخ يقين الفرد، وتخصيب خياله لتمثّل القضايا المفارقة. من هنا لا نستغني عن أي منهج علمي حديث يساعد على استنطاق النص الديني، وكلها مشروعة: تحليل الخطاب، التفكيك، الحفر المعرفي، التأويل، الهرمنيوطيقيا. لأن النص، أي نص، له أسلوبه في تمرير رسالته، وله سلطته، وقبلياته، ويصدر استجابة لظرفه الزمكاني. ولا أجد مبررا لرفض المناهج العلمية الحديثة، بل أعتقد جازما أنها تعمّق وعي المتلقي بالنص الديني، وفهم رسالته، وتفتح له آفاقا معرفية، غيبتها المناهج التراثية لتفسير الكتاب، واعتمادها على روايات، لا تمثل سوى آراء بشرية، تصيب وتخطئ، والدراسات العلمية في تقدم مضطرد. وعدم استخدامها من قبل السلف أو من قبل الفقهاء ليس عذرا مقبولا.

نموذج تأويلي

سأستشهد بقصة يوسف، لثراء نصوصها في مجال التأويل، كنموذج قرآني يعزز القيمة العلمية للمنهج التأويلي في اللغة الدينية. وبالتالي لا يمكن الاستغناء عنه لصالح تفسيرات تراثية تريد فرض تحيزاتها الطائفية والسياسية على النص القرآني. وثمة خصائص للتأويل يمكن إدراكها من خلال آياتها.

السورة تسرد قصة نبي الله يوسف، وقد نوّه الكتاب في بدايتها: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ). فمادامت قصة فلها أسلوبها السردي وتقنيتها في التعبير عن ثيمتها. والثمية الأساسية للقصص القرآني كما ذكرته سابقا: أن غاية السرد القصصي هي العبرة والموعظة، لا تفصيلات الأحداث، وبالتالي سيدور التأويل مدار الهدف الكلي: "لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَبِ". وما دام اكتشاف العبرة غير متاح إلا لأولي الألباب، فهذا يؤكد رمزية بعض جوانب القصص ودور التأويل في الكشف عنها. وأيضا: "لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَبِ .." تؤكد على استخدام العقل وتمضي  أدواته التأويلية من أجل اكتشاف العبرة والموعظة التي هي الهدف الأساس من السرد القصصي في القرآن الكريم. فلا يهمنا الحدث فيها، ونركز على التأويل كمنهج أكّدت عليه الآيات من خلال القصة. منهج يتوقف عليه النص الديني، وتعتمده اللغة الدينية ضمن آلياتها، لمقاربة النص وتمثّل مفاهيمه. وقد تقدّم الكلام عن معاني التأويل، فبعضه يبقى في حدود التفسير وبيان مبررات الحدث، كما في: (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا). وهذا لا نقصده هنا. المهم التأويل الذي يتناول قضايا مفارقة وغرائبية، وهو ما حفلت به قصة يوسف، وأكدت على شروط تأويل النص، كدور الزمان فيه. وأشير هنا بعض خصائص التأويل الموضوعي.

- من خلال الآيات نفهم أن التأويل جهد فكري وتأمل عميق. أو جهد فكري، وتقصي معرفي، بين النص وممكناته التأويلية، التي تثرى بثراء قبليات المتلقي ونباهته ووعيه وقدرته على التشخيص، من خلال ممارسة دؤوبة في نقد النص. تقول الآيات: (وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)، (وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)، فهو علم كسبي أو مكتسب، ينمو ويتطور في رحاب مرونة النص الديني. وليس التأويل تأملا عفويا، أو رغبة شخصية لاسقاط قبليات المتلقي عليه، وهذه نقطة مهمة، خاصة من يشجبه دون دراية بخصائصه، وطريقة عمله.

- أن تأويل النص قد يتطلب وقتا لإدراك حقائقه. كما في قوله: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)، غير أن والده لم يقدّم تفسيرا أو تأويلا لرؤياه، رغم أنه نبي، ويعلم من الله ما لا يعلمه غيره وفقا للنظرية الدينية، ولعل في قوله: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)، ما يؤكد عدم معرفته بتأويل رؤيا ولده يوسف، لكنه توجّس خيفة، لأنها دالة على مستقبل كبير، حدا يسجد له الآخرون، مما يثير حسد أخوته، لذا حذره: (قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ). غير أن يوسف أوّل رؤياه بعد أن أصبح ملكا، وسجد له وأبواه وأخوته: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا). وبالتالي لم يستطع أحدهما تفكيك شفرة الرؤيا، وفهم دلالاتها ولو تأويلا، لأنها بحاجة إلى مرور وقت كافٍ، ليكون الواقع شاهد صدق عليها. وهذا ما حصل بعد وصول القصة إلى نهايتها. وهذا ينطبق على قضايا غيرها، وتجد القرآن يرتهن معرفة الحقيقة لليوم الآخر.

- أقرّت القصة من خلال تأويلات يوسف بضرورة المنهج التأويلي للقضايا المفارقة، فيوسف قام بتأويل رؤيا الملكة ومن رافقه السجن، وهي رؤيا مرمّزة، تتطلب جهدا استثنائيا لإدراك معانيها، لذا قالت حاشية الملك عندما استفتاهم: (قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ)، ردا على رؤياه، التي تضمنت قضايا غرائبية غير مألوفة: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ). بينما كان جواب يوسف جوابا تأويليا ناضجا، يدل على علمه وسعة معرفته بتأويل الأحاديث: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ، قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ).

وأيضا بالنسبة لصاحبيه في السجن: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.. يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ). والقارئ العادي لا يجد أي ربط بين الرؤيا وتأويلها من قبل يوسف لولا أن يصدّقها الواقع، لا رؤيا الملك ولا رؤيا صاحبيه. وهذا يشجع على الإرتكاز للتأويل في فهم غرائبية بعض النصوص، ومنها قصة الخلق التي هي مدار بحثنا، والتي هي الأخرى غزيرة في دلالتها.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi3خاص بالمثقف: الحلقة السادسة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

لغة الدين

ماجد الغرباوي: يمكن من خلال تحديد ماهية ووظيفة لغة الدين التوصّل إلى فهم، نرفع به التعارض بين الحقيقة العلمية والحقيقة القرآنية في قصة الخلق. فرب ما نعتقد به حقيقة قرآنية حسب ظاهر الآيات هو ليس كذلك، فنتحرى تأويلا للنص ودلالالته في إطار فلسفة الخلق، ودور الإنسان في الحياة، وفق منهج تأملي - تأويلي لا يقف عند ظاهر الألفاظ، ولا ترعبه قداسة النص. النص أساسا مكتوب لنا: (هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)، ونحن مدعوون إلى التفقه به وإدراك مقاصده، للكشف عما يتستر عليه ويخفيه. فثمة رسالة يحملها الخطاب، من المُرسِل إلى المرسَل إليه تضيق بها اللغة، فتلجأ إلى تقنيات تساعد على تمريرها ضمن نسق لغوي موحٍ بدلالات أعمق. تترك لنا فك شفرتها. وقد أشرت سابقا: "إن قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرّد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. القداسة تعني صدور النص عن مصدر متعالٍ محيط وعالم وعارف بكل شيء، فيشرّع ويهدي وفقا لملاكات ومصالح، يمكن للإنسان إدراكها لتحديد مدى فعلية النص المقدس".

والتفقه كمفهوم أشارت له الآيات ضمن مفهوم التدبر، كقوله: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ)، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). فمفهوم التدبّر يتضمن معنى التفقه والتأمل والاستغراق في فهم النص من خلال قرائنه وسياقاته أو من خلال الأطر الكلية للنص، وغير ذلك. ويعني التدبر لغة: (تدبَّر الأَمرَ / تدبَّر في الأمرِ: تأمَّله وتفكّر فيه على مَهَلٍ، ونظر في عاقبته). وبالتلي، الآيتان تكشفان عن أمرين مهمين وخطيرين:

الأول: أن القرآن بشكل عام يحتاج إلى تدبّر، بمعنى التأمل والتفكير في آياته، خاصة القضايا الغيبية والغرائبية التي لا يمكن إدراك حقائقها؟. فلا شك أن التأويل أهم الآليات للكشف عن مضمراته، وما يخفي من معان يؤثّر في فهم النص. فالآيتان لا فقط إمضاء للتأويل بل إمضاء للهرمينيوطيقيا كمنهج جدير، مادام التدّبر والتفقه يمثلان جوهره وحقيقته.

والثاني: أن الآية المتقدمة، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، قد أكدت على صفاء القلب شرطا في فعلية التدبّر والتأمل. ويعني صفاء القلب، التحرر من تراكمات الأغلال وسجون الأيديولوجيا والقبليات المسبقة التي تفرض سلطتها على النص، والنظر إليه ضمن أطر قرآنية كلية. وهو ما تعبّر عنه الآية بالرين: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، الذي يغلق آفاق المعرفة، ويرتهن فهم النص لقبليات المتلقي، فيخرج فهم النص من الموضوعية إلى فهم أيديولجي يطيح بقصديته.

لغة الدين

إذاً، تنشد لغة الدين، (الإخبار عن قضايا مفارقة للمادة بلغة بشرية. وحكاية مشاهد ووقائع تضيق بها اللغة العادية. فتكتفي بالتلميح دون التصريح، وبالإشارة دون البيان). فثمة امتناع ذاتي في عالم الغيب تفرضه غرائبيته وطبيعته التجريدية، وعدم وجود مشتركات تساعد على تمثّله. واللغة تستدعي وجود مشتركات تخلق وسطا ثقافيا أو منظومة مفاهيمية تساعد على تفكيك غرائبيته واستيعاب حقائقه. والقضية مرتبطة باللغة وطريقة أدائها وكيفية اشتغالها. فمثلا: عندما يحدّثك شخص عن فاكهة متوفرة في بلادك، تتبادر لذهنك بكل خصائصها مادمت قد تذوقتها. وأيضا يسهل عليك تصور فاكهة من خلال مثيلاتها، بينما ستعاني في إدراك حقيقة نوع ثالث تجهله، ولا توجد مشابهات تستعين بها على تصوره. بل حتى محدثك سيعاني في وصفها، فيضطر لتوظيف لغة تقرّبها، كأن يصف طعم حموضتها أو حلاوتها، وماذا يحدث للإنسان عند تناولها بطريقة تمثيلية. أو كيفية أكلها بأسلوب أدبي أو أداء مسرحي، يراهن في ذلك على خصوبة خيالك، وقدرتك على التحليق في عالمه، لكن كل ذلك لا يعني أنك قد تذوقتها فعلا، ومازلت في حدود التصور، تتردد بين الخيال والوهم، ولم تصل حد الجزم والاعتقاد، الذي هو شرط صدقية العلم. بهذا نفهم معنى الحديث المشهور عن الرسول حول وصفه الجنة، رغم كثرة الآيات التي وصفتها، حدى تلهب مشاعر القارئ. حيث قال النبي عنها: "ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر".!!، متجاوزا بذلك كل الأوصاف المذكورة في الكتاب. لا يريد تكذيبها، بل يؤكد من خلال حديثة على قصور اللغة، وما جاء من أوصاف لا تمثّل تمام حقيقتها.  فالأسلوب البلاغي وتقنيات اللغة في الآيات الكريمة جاءت لتقريب المعنى، لكنها لا تنقل الواقع كما هو، لتعذر نقله بلغتنا، فتنتفي الدلالة المطابقة بين الدال والمدلول. وما يتلقاه الأنبياء وحي، يتطلب لغة خاصة لبيانه، عندما تعجز اللغة عن استيعاب معانيه.

وبالتالي، لا يمكن للغة العادية إدراك حقائق القضايا الغيبية، وإدراك معانيها، لأنها عالم مفارق، لا يفصح عن نفسه، يكتفي بالإشارة والتلميح، دون البيان والتصريح. الفارق الجوهري بين العالمين فارق بين: الغيب والشهادة، المجرد والمحايث، السماوي والأرضي، الإلهي والبشري. إنهما عالمان مختلفان، وما تقوله اللغة رغم قداسة النص هو تلك التلميحات والإشارات بلغة تتميّز بمرونتها وقوة إيحاءاتها وإيماءاتها، وثراء دلالاتها ورمزيتها وتنوع تقنياتها وأساليبها، لخلق أجواء تعين المتلقي على تمثّلها، ومقاربتها شعوريا. فالترميز والإيحاء والإيماء وكافة تقنيات وأساليب التعبير اللغوي، توظف لتتجاوز ظاهر اللفظ إلى أعماقه، لنتوفر على رؤية مغايرة للدين، يمكن توظيفها لصالح الإنسان. ولعل خير مثال في لغة التصوف، وكيفية تأويلها للنص القرآني بدلالات بعيدة. وهنا التأويل يختلف عن التفسير الباطن، الذي يستبدل الألفاظ بمصاديق رمزية، لتبجيل الذات وهجاء الآخر.

ومعنى الإبهام والمفارقة أن القضايا التي تتحدث عنها لغة الدين قضايا نسبية لا وجود لها خارج النص والفضاء المعرفي للفرد، ولا دليل على مطابقتها للواقع ونفس الأمر سوى الإيمان. كالملائكة والجن والقلم والكرسي والعرش والمعاد واللوح والأسماء، ومنها أيضا قصة الخلق، وما زخرت به من مشاهد ومعلومات عصية على الإدراك لولا تقنية النص الديني في توظيف مختلف الأجناس الأدبية، لتمرير ما يريد تمريره، فهي تتحدث عن عوالم غريبة، يتعذر إدراك حقائقها، فتلجأ للمجاز والترميز والقصة والحوار. فالقضايا الغيبية تفرض لغة تتدارك فائض المعنى بأساليب موحية.

تجدر الإشارة، أن لغة الدين تؤسس لوعي تشد من خلاله المتلقي، فردا وجماعة، لعالم الغيب والمعاد والتماهي مع عوالمها، وتضفي على الوجود والحياة والموت معنى، وقيمة دينية. وهي ميزة تختص بها الأديان. فهي لغة خاصة، لها تقنياتها ومنطقها وأساليبها وطريقة اشتغالها وتأثيرها على المتلقي عندما تمسك بمشاعره وتتحكم بإرادته، وتفسح مجالا للهيام والوجد بالمطلق، حد يذوب المتهجد في محراب التأمل. تربط عالم الشهادة بعالم الغيب، وتوصل الدنيا بالآخرة، وتجعل من الإنسان جزءا من الكون، لا ينفصل عنه، تتولى وجهته، وتتحكم بمصيره، وترسم له طريق الخلاص، لذا تؤسس لوعي مختلف، يراهن على مشاعر الإنسان وعقله.

وعدم إدارك القضايا الميتافيزيقية لا يعني إنكارها البتة، بل يعني عدم قدرة اللغة العرفية على استيعاب حقيقتها، فتهرب من التصريح إلى التلميح، تخفي أكثر مما تظهر، وتشغل المتلقي بدهشة أساليبها لتمرر ما تريده، فتقول ما تدركه القلوب قبل العقول، ويهيم بها الوجد دون الوعي. ولعل في عبارة النفري أفضل تعبير عن اللغة الدينية: (كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة). فمفهوم العرش مثلا مهما عرّفته أو وصفته لا يطابق حقيقة العرش الإلهي كما هو واقعا، لكن يصفه بالعرش لتقريب المعنى، حيث ينصرف الذهن إلى مفاهيم متداولة كعرش السلطان، وما تحيطه من أبّهة وجبروت وعظمة وحراسة مشددة. أو يتبادر معنى السلطة مطلق السلطة، وهو وعي أكثر تطورا، لكن  كل هذا لا يعني إصابة الواقع ومطابقته مع مفهوم العرش، كما في الكتب المقدسة، وإلا كيف تتصور استواء الله على عليه؟؟!!. فحمل اللفظ على معناه الظاهر أو الملازم يصدق في اللغة العرفية، أما اللغة الدينية فتستدعي التأمل والاستغراق في تقمّص المعنى في إطار ذات المجال التداولي لتلك المفاهيم. وحتى التراث لا ينفع في هذه الحالة، مادام  تصورات مسبقة، وتأملات صوفية وروحية، لا تعني المطابقة، مهما كان مصدرها، ولو أن الأنبياء أدركوا معانيها كما في الواقع ونفس الأمر لاختلف التعبير عنها بشكل أوضح، أو مقارن مع مفاهيم متداولة، يمكن للمتلقي تمثلها من خلال مشتركاتها. لكنه لم يوحَ له أكثر مما أوحي، ونقله كما هو وترك للعقل البشري يتدبر ألفاظها، لذا يكفي التسليم بعوالم الغيب، كحقائق إيمانية، تذعن لها النفس بفعل الإيمان بالكتب المقدسة، وأما حقائق الأمور فمرجعها لمصدرها: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ).

والآية تؤسس لمنهج يساعد على تدبّر الكتاب، بإرجاع المتشابه من آياته إلى المحكمات. فثمة آيات تعمل موجّهات لضبط الآيات المتشابهة، التي تلتبس على المتلقي، كي لا يتمادى ويسقط في الكفر، ويقول ما لا يعلم. غير أن ظاهر المقطع الأخير يشجب التأويل الذي هو عماد القراءات التأملية وأحد روافد المنهج الهرمينيوطيقي، وقد أكد الكتاب التأويل وضرورته  في آيات أخرى، فكيف نرتكز له في فهم النص؟

الظاهر من الآية أنها نزلت في واقعة، تخص قوما يتشبثون بالمتشابه رغم صراحة الحكم الشرعي كما جاء في أسباب النزول، لغرض الفتنة وصرف الناس عن الدين، والخروج من صراحة الحكم إلى تأويله، فختمت الآية بالحديث عن تأويلٍ لا يعرفه سوى الله تعالى، وفي هذه الحال يقتصر موقف المؤمنين على التسليم، دون تأويله بما تشتهي أنفسهم، وهذا لا علاقة له بالتأويل كمنهج أكد عليه الكتاب.

التأويل الموضوعي

التأويل من المفاهيم التي اختلف حولها العلماء، ويراد به لغة: الإرجاع. وتأويل الكلام هو الرجوع به إلى مراد المتكلم. ويقصد به أيضا: تفسير باطن اللفظ. وهو غير المجاز، الذي يعني صرف اللفظ عن معناه الظاهر لوجود مناسبة، والمجاز اللغوي، هو لفظٌ استُخدمَ لغير معناه الحقيقيّ لعلاقة معيّنة. فالمجاز هنا بسيط، تدل عليه كاف التشبيه، ووجود المناسبة وغيرها من شروط مذكورة في محلها.

ويمكن تعريف التأويل اصطلاحا: "إرجاع النص إلى ما هو أبعد من المعنى الحرفي، لتحري دلالاته وممكناته التأويلية". وإنما جعلت النص موضوعا للتأويل، لأنه حقل خصب للحرث والتنقيب في أعماقه معرفياً، بحثا عن ممكناته التأويليه والمتوارية التي يتستر عليها مكر النص لغوياً. فيتناسب ثراء النص طرديا مع حجم إيحاءاته. ويتوقف الكشف عن المضمر من أنساقه المعرفية والثقافية، على مرونته، وأسلوبه في التعامل معه. بالتالي ثمة فرق بين النص واللانص، رغم أن كليهما نسيج لغوي، يتكون من كلمات وجمل، ومعانٍ وألفاظ، وتراكيب لغوية، ودوال ومداليل. إلا أن النص يتصف بثراء تأويله، وقابليته للكشف عن المضمر من أنساقه. وبهذا تخرج الدلالات الثلاثة للدال والمدلول ومفهوم الوصف، كما بينت مفصلا في كتاب: النص وسؤال الحقيقة.

التأويل منهج قرآني تؤكده آيات عدة:

 (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله ويقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق). وهنا يراد به التفسير والبيان.

(سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا). بيان مبرراته ودواعيه فهو أيضا تفسير وبيان. (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك).

(إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)

(ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا).

 (وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر واخر يابسات يا أيها الملا أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا إلى أن قال: قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون)

(ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نريك من المحسنين إلى أن قال: يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الامر الذي فيه تستفتيان)

(ولنعلمه من تأويل الأحاديث)

 (وعلمتني من تأويل الأحاديث)

(بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله).

من خلال الآيات ثمة تأويل مختص بالقضايا الغيبية لا يعلمه سوى الله، باعتباره: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول). وهناك تأويل متاح شريطة أن يكون تأويلا موضوعيا، غير متحيز، رغم استحالة عدم التحيز، وهي قضية مرتبطة بنظام اللغة، وكيفية انتاج المعرفة، وكل إنسان يتأثر بقبلياته وثقافته. وما قصدته بالموضوعية هنا هو التأويل الناتج عن تدبّر وتأمل في أعماق النص، وتحري أنساقه وامتداداته ومضمراته، بعيدا عن أي اسقاطات عقدية أو فكرية. فيكون الفرق بين التأويل الموضوعي والأيديولوجي:

- أن الأول يبغي استنطاق النص من خلال التأويل، والثاني يسعى لتطويع النص تأويلا لتعزيز أيديولوجيته. وهذا واضح جدا في الاتجاهات المذهبية والطائفية حينما تتنافس حول تأويل بعض الآيات لصالح هذا الطرف أو ذاك، على خلاف ظاهر النص وتأويله الموضوعي. لا شك أن الأول يتأثر بمضمراته وقبلياته، غير أنه يختلف عن الثاني في طريقة توظيفها.

- الأول تفتح له المعارف والعلوم الإنسانية والمناهج الحديثة آفاقا جديدة لاستنطاق النص، بينما الثاني انتقائي، يختار ما يخدم النتيجة التي يطمح لها من تأويل النص.

- التأويل الموضوعي يمضي مع المنهج مهما كانت نتائجه، بينما الثاني مستعد للتخلي عنه عندما يتقاطع مع هدفه.

وهذه فروقات جوهرية تختلف معها نتائج التأويل. ونحن نؤمن بالتأويل الموضوعي، الذي من خلاله نستنطق النص، ونتحرى مضمراته وأنساقه. إن التأويل الأيديولوجي غير الموضوعي لا يخدم تأويل قصة الخلق بل يوجهها الوجهة التي يؤمن بها، خاصة إذا كان عقلا تراثيا، يأتي مثقلا برؤى مقدسة يسقطها على النص. نحن نطمح لتأويل موضوعي يتحرى قصة الخلق للكشف عن دلالالتها الأعمق من ظاهر النص، حينئذٍ يمكننا التأكد من التنافي بين الحقيقتين الدينية والعلمية. وهنا سنضيء البحث بنموذج قرآني، نوظفه لاستنطاق قصة الخلق، في ضوء لغة الدين والهدف الأساس من وجود الإنسان في الحياة. لذا نستعرض النموذج التأويلي أولا:

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

ماجد الغرباوي1خاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

تعارض الأدلة

ماجد الغرباوي: كان الافتراض: لو دلت الأدلة أن أصل الإنسان حيوان، وأن التطور حقيقة علمية، لا تقبل الشك بعد بلوغها درجة اليقين المنطقي. حينئذٍ يأتي السؤال المتقدم، كيف نفهم التعارض بين نظريتي التطور والخلق، على فرض وحدة المصدر وفقا للنظرية الدينية، التي تؤكد أن الله خالق كل شيء، وقد استودع في كونه أنظمة وقوانين تضبط حركته وأداءه. بيده كل شيء، وعلمه محيط بكل شيء، فيكون التطور أحدها؟: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ... الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ). فكيف نفهم التنافي بين الحقيقة العلمية والحقيقة القرآنية، ومدى إمكانية التوفيق بينهما دون هدر قدسية الكتاب والإذعان للعلم ومعطياته؟.

لا ريب لا يمكن تسوية التعارض المستقر بين الأدلة، كما هو مقرر عندهم أصوليا. فثمة تنافٍ بين تطور الإنسان وأصله الحيواني. واستقلالية خلقه وأصله الترابي: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ)، (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)، (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ). فأصل الإنسان وفقا لهذه الآيات يعارض ظاهرا ما تقوله النظرية الوضعية. ولا يخفى أن الحقائق العلمية تزعزع قدسية النص عندما يتعارضان. وتفضي إلى تهميشه وسلبه سلطته وهيمنته والتعامل معه كنص تأريخي. واستبدل زاوية نظر المتلقي من المطلق إلى النسبي، ومن الإطلاق إلى الشك، ومن الشرح والبيان إلى النقد والمراجعة، ومن الجزم إلى احتمال الصدق والكذب في كل قضية خبرية فيه. وهذا ما ترفضه الأديان والكتب المقدسة، التي تمثل القداسة جوهرها: (أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)، (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)، (َإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ). قداسة الكتاب رهان الأديان، فكيف يتخلى المؤمن عنها لصالح رأي بشري، مهما كان حقيقة علمية؟.

ويكفي أنك تعرف أن النص آية قرآنية للتراجع عن فهمك وبعض قبلياتك، وتصوراتك، لتدور في أروقة المقدّس، ومداراته ومرجعياته. بل تكون أكثر استعدادا لشطب قناعاتك أو بعضها. فمصدر النص سلطة تجبر المتلقي على التماهي معها. وبهذا تتضح قوة تأثير الروايات النبوية، رغم أن بعضها موضوع، لكنها مؤثرة، تستمد سلطتها من سلطة مصدرها، الذي يستمد بدوره السلطة من نبوته، واصطفائه من قبل الله تعالى. فقدسية المصدر وسطوته حاضرة خلال سماع الرواية. فيصدق أن سلطة النص ترسم مسار التفكير، وقداسته تخضع المتلقي لإكراهاتها.

إن سلطة النص سلطة معقدة، من خلالها تتجلى قوة النص وقدرته على فرض حقيقته. فالنص ليس مجرد نسيج لغوي بل يتمتع بسلطة يستمد بعضها من قوة بيانه، وقدراته البلاغية التعبيرية، وأسلوبه في توظيف المجازات داخل النسق اللغوي. وحجم الإحالات المرجعية في إيحاءاته ورمزيته وقدرته على استغفال القارئ. لذا تجد النصوص الدينية أثرى وأقدر على مقاومة النقد والتفكيك، حينما تستجيب لكل قراءة، وتتجدد مفاهيمها مع كل مقاربة نقدية. فثراء النص لا ينفد بنقده، بل تتطور دلالاته. والجزء الثاني من سلطته يستمدها من طبيعة النص وتقنياته الدلالية والتعبيرية. فيعمل ببراعة على مستويين ويحقق كامل أهدافه في التأثير. (كتاب: النص وسؤال الحقيقة)

فالتعارض يشكّل تحديا لا تنفع معه أية تأويلات سلبية. فينبغي فقه النص، وعدم الاكتفاء بشرحه وتفسيره، ما دامت القوانين والسنن والحقائق العلمية ثابتة لا تتغير، لكن فهم النص نسبي، يمكن تداركه بمنهج مغاير. وعليه يبقى الرهان على قدرتنا على تقديم فهم مختلف للنص القرآني وفقا للغة الدين ومعطياتها ووظيفتها، يزعزع استقرار التعارض، حينئذٍ، يمكن تسوية التعارض من خلال فهم تأويلي، داخل ذات الحقل الدلالي للغة الدينية.

الخلق والحقيقة

إن مطابقة الواقع في الجمل الخبرية هو المائز بين القضية المطلقة والنسبية. الأولى يمكن الاستدلال عليها حسيا أو برهانيا أو رياضيا. وتعني منطقيا: (دوام ثبوت المحمول لذات الموضوع أو سلبه عنه مادام الموضوع بذاته موجودا) (كتاب المنطق). وأيضا تقع في مقابل المقيّد والمشروط، فتكون متحررة من إكراهات القيود والشروط. والإطلاق في هذه الحالة يسلب القضية تاريخيتها. فالنتيجة واحدة في القضايا المطلقة، هو (ثبوت المحمول للموضوع). بينما يختلف الحكم في القضية النسبية تبعا لزاوية النظر، فتختلف من شخص إلى آخر. مثال الأولى جميع القضايا التي تخبر عن الواقع الموضوعي، بدليل حسي أو برهاني ورياضي. ويمكن للذهن انتزاع مفهوم عنها. أما القضايا النسبية، ومثالها الواضح القضايا الدينية الميتافيزيقية / الغيبية. أو اللامعقول الديني، الذي يتعذر الاستدلال على صدق قضاياه خارج النص والفضاء المعرفي للفرد. وقد فصلت الكلام حول القضايا في كتاب "النص وسؤال الحقيقة"، يمكن استدعاء بعض المقاطع لأهميتها هنا:

إن صدقية المفاهيم الدينية الغيبية، مرتهنة في حقيقتها لوجود نص يدل عليها. وخطاب يسعى لإقناع المتلقي بها. فتفتقر الحقيقة في وجودها وصدقيتها لوجود نص مؤسس. لذا يصدق أن الحقيقة الدينية وليدة النص، ولا وجود لها خارجها، لأنها قضايا غيبية، لا تخضع للتجربة والدليل الحسي. وبما أن سلطة النص هي الأخرى لا وجود لها خارج ذهن المتلقي، فالحقيقة أيضا تستمد حضورها من الفضاء المعرفي للمتلقي. فاتضح مما تقدم أن إطلاق الحقيقة يتوقف على مدى مطابقتها للواقع بدليل حسي أو برهاني، دون الدليل الحدسي والظني كالقياس المنطقي ما لم تكن مقدماته يقينية، جزمية. ولا الاستقراء القائم على الاحتمال مهما كانت قيمته، ما لم نكتشف سبب الظاهرة المشتركة، وننسبها لعلتها. فإطلاق الحقيقة رهن الدليل وحجيته الذاتية. وأما الحقائق الدينية فتستمد وجودها من النص ومن إيمان الفرد ومستوى وعيه وثقافته التي تختلف باختلاف مناشئها، فهي نسبية دائما.

وهذا لا ينفي وجود حقائق ميتافيزيقية، فقد تكون ثابتة في الواقع ونفس الأمر. لكن الكلام عن المتلقي وكيفية تصوره لها والإيمان بها. فالحقائق الدينية يتعذر الاستدلال عليها خارج النص وتقنيات الفهم البشري التي قوامها الإيمان والتصديق والتسليم وليس الدليل والبرهان. ولا يُعد الإيمان بعوالم ما ورائية ضرورة عقلية وفلسفية لولا الكتب السماوية. بل حتى النص المقدّس غير قادر بمفرده على فرض صدقيتها، لولا ثقافة المؤمن وعقله المؤثث بمفاهيم تذعن للنص الديني، كحقيقة مطلقة. فوجود أرضية معرفية، وحاضنة ثقافية ملائمة شرط لتأثير الخطاب الديني في هذا الخصوص، وشرط لتصور الحقيقة الدينية. فيكون الإيمان بها إيماناً نفسياً، قائماً على مفاهيم ومقولات نسبية، تختلف من شخص إلى آخر. فالقضايا الميتافيزيقية تتشكل حقيقتها داخل الفضاء المعرفي وليس خارجه كما هي الحقائق المطلقة. لا فرق في ذلك بين الحقيقة البسيطة والمركبة. بل ما من حقيقة إلا وتنطوي على حقائق، وما من نص إلا ويخفي تراكما نصوصيا، يتولى العقل تفكيكها وتحليل مفاهيمها ومقولاتها الأساسية. ويعيد تشكيلها وفهمها. فالفارق الجوهري بين الحقيقتين، أن الحقائق المطلقة لا يختلف أحد حول وجودها، ما دامت شاخصة يمكن الاستدلال عليها، ويذعن العقل لدليلها، كالقضايا التي يمكن الاستدلال عليها حسيا، أو الحقائق الرياضية. أما الحقائق المجردة والحقائق الدينية فتخضع لتأثيرات ثقافية ونفسية، فلا تكون إلا نسبية. وهذا سر تفاوت الإيمان بها. والاختلاف حول أصل وجودها، وخصائصها، ومصاديقها. (كتاب: النص وسؤال الحقيقة).

والنص بطبيعته مستغرق في صمته، يخفي دلالاته، وأسراره ورمزيته، لا تستنطقه سوى القراءة الموغلة في نقدها، وتفكيكها لتراكم طبقاته المتوارية، بحثاً عن ركائز سلطته وطريقة أدائها ضمن نسيجه اللغوي. فالنص، خاصة النص الميتافيزيقي، يخشى الفضيحة المعرفية، حفاظاً على سلطته، وهيمنة مفاهيمه، فيرتكز في أدائه وسلطته إلى بُنيتين، ظاهرية تستمد وجودها من نسق دواله، وترابط كلماته وجمله، وأسلوبه التعبيري، وطبيعة المرجعيات التي تحيل عليها، والمراوغات التقنية التي توظفها في تمرير مداليلها. وبُنية مضمرة يرتكز لها عادة في تمرير ما يريده دون أن يبوح بها. (المصدر نفسه)

إن جميع المفردات الغيبية تصنّف ضمن القضايا النسبية التي لا وجود لها خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي، لأنها تنتمي لوجود مغاير، وعالم ميتافيزقي، لا يمكن الاستدلال عليه وإثبات صحة وجوده بدليل حسي أو برهاني. والمصدر الوحيد لثبوته إيمان الفرد بقدسية الكتاب الكريم. كما بالنسبة للملائكة والجن والشيطان وإبليس والجنة والنار، وما جاء في قصة الخلق. وبما أن هذه القضايا جزء من  عالم آخر فإن اللغة المعبّرة عنها هي لغة دينية وليست لغة عرفية، يمكن الوقوف على حقائقها بقراءة تأويلية لفك شفرة الترميز.

إن تفسير القرآن حرفيا أو تراثيا يفقد قيمته، ويتحول إلى عبء على الدين والوعي، وما لم يمارس التأويل دورا واسعا سيفضي إلى إنغلاق العقل، كما في آية: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ). التي تكرّس العبادة هدفا أساسا لخلق الإنسان. أو تظهر الخالق بمظهر الضعف فيحتاج لمخلوق يكشف عن عظمته كما في الرواية المتداولة: (كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف). والأغرب الخطاب الشيعي، والمغالي منه خاصة يعتقد أن وراء فلسفة الخلق التعريف بالأسرة المقدسة، محمد وآل محمد. وقد مرَّت الإشارة إلى بعض الشواهد الروائية: (يا محمد وعزتي وجلالي لولاك ما خلقت أرضي ولا سمائي ولا رفعت هذه الخضراء، ولا بسطت هذه الغبراء). ويعرفون الكلمات التي علم الله آدم هي أسماء محمد وآل محمد، وبها تاب الله على آدم!!!. ولا يخفى خطورة هذا اللون من التفكير، ومدى خطورته اتجاه العبودية وقد بينت كثيرا من خصائصه، وطرحت في قباله نظرية الخلافة أو نظرية الإنسان، ومازلت أؤصل لها، كي نخرج من دوامة التراث إلى نور العقل والعقلانية، ونواصل مسيرتنا بعيدا عن الخطاب التراثي والطائفي والخرافي.

لغة الدين

لا ريب أن اللغة وعاء الفكر، وأنها أداة للتواصل والتفاهم بين الناس، ووسيلة لنقل الأفكار والمشاعر والأحاسيس. ولكل لغة في جانبها الأدائي أسلوبها الخاص في التعبير عن مضامينها، فاللغة العلمية، لغة صريحة، واضحة، تستخدم  لغة الأرقام والرياضيات أو المعادلات، لبيان حقائقها، التي هي حقائق كونية تريد إيصالها للمتلقي حرفيا، بعيدا عن المجاز والاستعارة والتمثيل والكناية والإشارات والإيماءات. بينما اللغة الأدبية تستهدف مشاعر الإنسان، فتلجأ للصور البلاغية للتعبير عن مضامينها، دون الصريح والواضح. استجابة لطبيعة النفس البشرية التي توقظها الصور الأدبية، وتنقلها لأفق الخيال، حيث تستغرق في تمثلاتها لتمتلئ وتتوازن وتروي حاجة عميقة. والصور الشعرية لا تقتصر على الخطاب الأدبي، وبإمكان الفرد انتزاع مختلف الصور من مشاهداته اليومية وأحلامه وطموحاته، وهذه إحدى أسباب ثراء اللغة الأدبية وقدرتها على تسويق الثيمة الفكرية بأداء أدبي زاخر بصوره الشعرية. وبالتالي فإن أداء اللغة تحددها قصديتها والغاية من توظيفها. فهدف اللغة العلمية بيان الحقائق العلمية، وهدف اللغة الأدبية النفس الإنسانية ومشاعرها وأحاسيسها. وهكذا هي لغة التاريخ واللغة الفلسفية والعلوم الإنسانية.

وبالتالي فالجامع بين هذه اللغات أنها أداة للتعبير عن الواقع، تارة بألفاظ وتركيبات لغوية واضحة صريحة ِأو وصفية وأخرى مختزلة وثالثة مجازية ورمزية. وجميعها تعبّر عن حقائق واقعية أو مفترضه يمكن إدراكها وتمثلها من خلال مشتركات يدركها الوسط الثقافي للغة عبر أحد وجودين: خارجي أو ذهني، من خلالهما ينتزع المفاهيم ويحكم عليها.

لكن الأمر يختلف بالنسبة للغة الدينية، فهي لغة رمزية، ولغة إشارة وإيحاء، تسخدم المجاز، تستثمر ثراءه للتعبير عن معاني مفارقة، لا يمكن للعقل البشري إدراكها، فيكتفي بتمثلها، من خلال مشتركات، لا تفك أسرارها تماما، وتبقى معانٍ هلامية يصعب الإمساك بها، وهو سرّ نسبيتها وارتهانها في دلالاتها لخلفية الفرد وثقافته ومضمراته العقدية وأنساقه المعرفية، فتختلف من شخص إلى آخر، ومن فضاء معرفي إلى ثانٍ. وللغة خصوصيتها وقدرتها على تجريد النص من تاريخيته، فيوحي بإطلاقه، بعيدا عن غياهب سجون اللغة والتاريخ. وهو أسلوب فذ، تعجز عن بلوغ مستواه لغات أخرى توظّف ذات التقنية، غير أن هيمنة القداسة وأسلوب التعبير تتجاوز حدود اللغة المألوفة، لتنقلك إلى عولم، تعيشها بكامل أحساسيسك.

وبالتالي فماهيّة اللغة الدينية تختلف في أدائها عن اللغة العرفية، وطريق تعبيرها عن مضامينها وما تريد أيصالها للمتلقي. فهي أبعد ما يكون عن اللغة الصريحة الواضحة بالنسبة للقضايا الغيبية والرمزية. فيتصف المجاز والتشبيه والاستعارة والترميز بقوة حضوره داخل الحقل التداولي للغة الدينية، فهي لغة رمزية، يتوقف فهمها على تأويل خطابها أو تقلب الحقائق، وتتقاطع مع معطيات العلوم التي هي معطيات علمية، وقوانين كونية.  بل قد يقع المتلقي في فخ التجسيم حينما يعرض عن لغة التأويل، وهناك آيات صريحة بنفي جميع الصفات الجسدية للخالق على الضد من الآيات التي تجسمه. وحينما نحمل المتشابه على المحكم، نضطر لتأويل الآيات المتشابة لتتوافق مع الآيات المحكمات، فتحمل اليد على القوة ومجيئ عرشه، مجيء سلطانه، وغير ذلك. وهنا نؤكد أن موضوع النص تارة يكون قضية خارجية محددة، يمكن الاستدلال عليها بالدليل الحسي. وهي جميع المفردات الصريحة في معناها في سياق استخدامها، متداولة ومتفق على دلالتها، تأبى الاختلاف، كالإنسان، الرجل، المرأة، الشجر، الجبل، النهر والبحر عندما يكونان مطلقين، أما إذا دلت القرائن على إرادة معنى آخر، فينصرف له بفعل القرينة، كنهر من عسل. أو عندما يقصد بالبحر، غزير العلم، فيقال عالم بحر. لكن الأمر مختلف بالنسبة للمعاني المفارقة التي لا يمكن تصور حقيقتها، ومعرفة ماهيتها تماما، باستثناء مقاربتها من خلال خلفيتنا الثقافية، وما تختزن من حقائق مشابهة يمكن القياس عليها.

وأجد في القرآن ما يؤكد خصوصية اللغة الدينية، باستخدامه كلمة (يفقهون) التي تعني بذلك بذل الجهد لإدراك ما وراء ظاهر الألفاظ. أو التنقيب في أعماق النص لتحري معان ومفاهيم، تتطلب جهدا تأويليا لإدراكها. وقد وردت كلمة "يفقهون" في آيات عدة، بعضها واضح من خلال سياق الآية، والآخر يحيل إلى ما هو أبعد من ظاهر اللفظ:

 (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا)، والآية كما مر تؤكد عدم قدرة التفسير على بيان مضمونها، وتتطلب جهدا تأويليا لفقه النص وفك رموزه.

(انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ)

(قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ)

(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)

ومثال آخر: تجد الآيات تصف الخالق بصفات الكمال، حدا يتوهم المتلقي بتجلي الذات، لا فقط الصفات، ثم فجأة تأتي آية وتقول: ليس كمثله شيء، للتلاشى جميع الأوهام حول حقيقته، ويبقى يتجلى من خلال صفاته وهيمنته. فاللغة الدينية تحتفظ بمرونة عالية، وقدرة على أداء وظيفتها التأويلية والرمزية بمهارةً يتعذر معها سجن الآيات في سجون اللغة المتداولة. فهي لغة مرنة، تهدر جميع أسيجة اللغة العرفية لتنقل المتلقي إلى عوالم مغايرة.

ومثال ثالث: لقد استعرض الكتاب الكريم مئات الآيات حول يوم المعاد، والجنة والنار، بأساليب بلاغية مدهشة، تشد القارئ لها، وتجعله يعيش أجواءها، ويتوق لها، خاصة وهي تصف الحور العين والخمر والعسل والجنان وكل ما يشتهي الإنسان المحايث. أو يتزلزل عند قراءة آيات العذاب، ويخشى أن يقترف سيئة، تودي به إلى النار. لكن فجأة تأتي الآية لتقول: ورضوان من الله أكبر. (وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). فالفوز العظيم ليس الجنة وما فيها بل رضوان الله، فتتلاشى المعاني المادية، لترقي بالمؤمن إلى رضوان الله حدا يستهين بكل ما عداه، فنفهم أن الوصف جاء لتقريب مفاهيم يتعذر فهمها بدونها، فيستعين الكتاب بالمثال والتشبيه والكناية والإيماء والترميز. وهنا سنفهم أن رضوانه هو الفوز العظيم، وما الجنة والنار سوى تعبير رمزي عن رضى الله. فسواء كانت هناك جنة ونار حقيقية أم لا. وسواء كان المعاد جسماني أم روحاني، لا يؤثر في الحقيقة الكبرى. غير أن العقل التراثي، عقل مغلق يدور حول نفسه، وحول ظواهر النصوص، ومحكوم لعقول أضفى عليها صفة العصمة لتحقيق مآربه. وبالتالي  فعندما نتعاطى مع ظواهر النصوص ننتهي إلى نتيجة لا تتفق مع آيات أخرى، محكمة واضحة صريحة.

فينبغي تحديد ووظيفة لغة الدين، كمقدمة لمعرفة ماهيتها. فما هي وظيفتها؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawiخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

ماجد الغرباوي: إن الفهم التراثي للقرآن، والجمود على ظواهر الآيات، بات عبئا على الوعي العقلاني، وتسبب في كوارث دموية نسبت للدين. مثاله تمسك الحركات الإسلامية المتطرفة بآيات القتال، رغم عدم فعلية موضوعاتها، وانصرافها لقضايا خارجية محددة، فأهلكوا الحرث والنسل. ومثلها، تمسّك العقل التراثي بظواهر آيات تكرّس الاتكالية والتنصّل عن المسؤولية عندما تنسب الفعل لله، كقوله: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا)، (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا). فيبدو الإنسان وفقا لهاتين الآيتين مجبرا، لا مخيرا في أفعاله وسلوكه، وبالتالي فهو غير مسؤول عنهما، باعتبارهما أمرا إلهيا مكتوبا لا يمكن مخالفته، فيقع الفعل مهما كان قبيحا تحت إرادة خارجة عن إرادته، فلا معنى لمؤاخذته. وقديما أستُغل مفهوم الجبر من قبل الحكومات الاستبدادية القديمة التي ترى في الملوك آلهة أو ظلاً لها أو خيارها. ثم استغل الحكم الأموي ومن جاء بعده، الجبر لتبرير سلوك الخليفة، والارتفاع به فوق النقد والمحاسبة، في الدنيا والآخرة، بعد أن أصّل له المتكلمون، وغدا من مسلمات العقل التراثي لطيف واسع من المسلمين. فالتراث المثقل بالتبعية والاستبداد ليس أقل خطرا حينما يعطّل العقل، ويشل إرادة الفرد والمجتمع، ويكرّس التخلّف باسم الدين وآيات الكتاب. قرأت لطبيب أمريكي يتحدث عن تجربته في المستشفيات السعودية، يقول: عندما كان يموت شخص، أسأل، ما سبب وفاته؟ يقولون: جاء أجله من عند الله ومات. فأسألهم ثانية، لا بأس، لكن ما سبب موته؟ وما طرأ عليه قبل وفاته، فيردون: لا اعتراض على أمر الله. لقد جاء أجله ومات!!!!. ثم أخذ يقارن الوضع في المستشفيات الأمريكية، وكيف يدرسون حالة المريض للبحث عن أسباب الوفاة، لتداركها في المرات اللاحقة. فجواب الموظف السعودي، جواب عقل تراثي منغلق، أدمن التلقي، بعيدا عن العقل والنقد. إن قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. القداسة تعني صدور النص عن مصدر متعالٍ محيط بكل شيء، فيشرّع ويهدي وفقا لملاكات ومصالح، يمكن للإنسان إدراكها لتحديد مدى فعلية النص المقدس. وقد مرّ التفصيل كيف يمكن تحديد الملاك من خلال مبادئ ومقاصد الجعل، والتفصيل في محله.

مَن لا يعرف حقيقة العقل التراثي، يدين النص القرآني، ويحمّله مسؤولية تخلّف المسلمين، وهذا تسرّع، ما لم يدرك آياته، وفق منطقه الداخلي. فثمة آيات محكمات، تحدد فهم المتشابه منها. كالآيات التي تصفه: "ليس كمثله شيء"، وحينئذٍ أي قياس بشري لصفات الله وأفعاله يتقاطع مع آيات الكتاب المحكمات. وكذا الآيات التي تقول: إن كل شيء خُلق بقدر، وكل شيء قدرناه تقديرا. وهي آيات تعكس صرامة الأنظمة والقوانين الكونية. وبالتالي ما ينسبه الله له، لا يلغي علله المباشرة والثانوية، وعندما ينسب خلق الإنسان له، يؤكد أيضا مراحل خلقه صريحا كي لا يلتبس الأمر على المتلقي، فهو علة أولى، تنتهي إليه جميع العلل، وبإمكانه أن ينسب الشيء له أو لإحدى علله. فكل الأمور تسير وفق سننها وقوانينها، سواء سنن إلهية أو تكوينية. يؤيد هذا المعنى قوله: (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا). فالآية هنا لا تتحدث عن الحسنة والسيئة بما هي فعل بشري، لأن كل نفس بما كسبت رهينة، وكل إنسان يوم القيامة مرتهن لعمله، فلماذا يحسابه أساسا إذا كانت الحسنات والسيئات من عند الله؟ لكن الآية تتحدث عما هو أبعد من ذلك، لذا لم تقل: ما لهؤلاء القوم لا يعلمون أو لا يعرفون، بل عبرت بـ"ما لهؤلاء القوم لا يفقهون حديثا". والفقاهة غير المعرفة والعلم الظاهري. تعني الفقاهة إدراك ما وراء النص، في إطار ذات المنطق القرآني. وفقه آياته، يتطلب عدة معرفية وأدوات تساعد على فقهه. فالآية ناظرة إلى الأسباب التكوينية، وتبقى الحسنة والسيئة فعلا مسؤول عنه فاعله. فالآية تقصد حتميات السنن والقوانين الكونية، فمن يُطلق النار على شخص يرديه قتيلا حينما تصيب منطقة حساسة في جسده كالقلب والدماغ. وهذه حتمية لا تتخلف، وعندما ينسب الفعل لله، فباعتباره علة أولى لجميع العلل، فيصدق نسبة الفعل له. أي نسبة ذات الحتمية الكوينية، لا عملية إطلاق النار، فهي إرادة شخصية مسؤول عنها فاعلها.  وبالتالي ما لم تفقه الآيات تنسب كل شيء لله، وتستدل عليه بهذه الآية وغيرها. وتُرمى بالكفر حينما تنفي الفهم المبتسر لكتاب الله وآياته. لست أدافع عن القرآن، بل أقاربه بمعزل عن العقل التراثي، في إطار رؤية مغايرة، تأخذ بنظر الاعتبار الهدف الكلي للدين، ومركزية الإنسان في الحياة، وردّ المتشابه من الآيات إلى المحكم منها، وفقا للمنطق القرآني، ودراسة موضوعات الأحكام وشروط فعليتها، والسعي لإدراك ملاكاتها ومصالحها. وكل هذا من خلال العقل والأدوات المعرفية اللازمة لفقه النص، المقدس وغيره.

ومن الآيات التي يحتج بها بعض الناس لتبرير سلوكه السلبي تجاه تحديات الطبيعة والحياة، هي: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا). فالآية ظاهرا تؤسس لمفهوم الجبر، وأن الإنسان مسير وفق ما كتب الله له. والكتابة سابقة على وجوده، فيقتصر دوره على تنفيذ إرادة الله في حسناته وسيئاته، وسلوكه وأفعاله. لا يبالي ولا يتحرز من الأمراض والمخاطر، فإنها ستصيبه إذا كانت مكتوبة عليه، ولا تضره إذا لم تكن كذلك، وهو وقوع آخر في فخ التخلّف، يكرّس الجهل والأمية واللامبالاة والبطالة والتنازل الطوعي عن العقل والمعرفة وترك الأمور على عواهنها، فيدان الكتاب من جديد. وهذه الآية تجدها على الألسن عند كل نائبة وكارثة طبيعية. وقد يغامر في المعركة وفقها ويقتل من جراء فهمه السقيم حينما لا يكون مستعدا لها بالطرق الصحيحة. ومن السهولة معرفة سذاجة هذا الرأي عندما تقرأ سياقها، فقد جاءت الآية في سياق المعركة بين المسلمين وقريش: (وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ، قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا). الآية تشير إلى السنن الإلهية والكونية التي تحكم سير الأحداث. فالرسول قد خسر معركة أُحد، وكاد يخسر حياته، عندما أنشغل المسلمون بالغنائم، وتركوا ظهورهم مكشوفة للعدو، فسارت المعركة وفقا للسنن الطبيعية، ألتف العدو وتوغل من ثغرة الجبل، فيجب أن ينتصر. والسنن لا تعرف نبيا أو شخصا عاديا، فهي قوانين صارمة تسري على الجميع. وعندما أخل المسلمون بتوازن القوى خسروا الحرب، وعادوا منكسرين. وهذا ينطبق على جميع الحتميات التي ذكرت في الكتاب. كقوله: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً)، عندما تكتمل شروطها، وليس مطلقا، فما لم تتسلح بالإيمان والصبر والثبات والسلاح والتدريبات اللازمة، لا تغلب الفئة الكبيرة، ولا تهزمها. فثمة سنن تتحكم بمعادلة الفوز والخسارة في الحروب. لذا مع تفاوت موازين القوى العسكرية لا يمكن الاستشهاد بالآية، كمن يريد محاربة الأسلحة المتطورة جدا بأسلحة قديمة، ارتكازا لهذه الآية. فيصدق هناك شرط مضمر في المعادلة القرآنية، مفاده: يجب أن لا يكون تفاوت موازين القوى مخلا جدا بالمعادلة العسكرية، فهنا تأتي الآية كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. حيث كانت الأسلحة آنذاك محدودة، والقوى الجسدية للمتحاربين متكافئة، أما بموازين اليوم فالأمر مختلف تماما، ولا فعلية للآية في المقام لعدم فعلية موضوعها وشروطها وقيودها. كمن يعرض نفسه لنيران كثيفة أو أسلحة كيمياوية بحجة لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. الآية لا تسلب عقل الإنسان، ولا تغامر به، وتتحدث عن شيء أعمق من ظاهرها، ينبغي إدراكه قبل الارتكاز لها.

كانت تجربة معركة أُحد قاسية استفاد منها النبي والمسلمون في معاركهم اللاحقة واستعدوا ولم يتقاعسوا بحجة لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا. فعندما تستعد لعدوك تكسب المعركة وفقا للسنن الطبيعية، وهي ما كتبه الله لنا نحن البشر. فإذا كان هناك جبر فهو جبر السنن الإلهية والكونية، وليس جبر الإرادة المباشرة، بمعنى وجود صحيفة أعمال جاهزة للإنسان يسير وفقها، لا يخالفها. بل يبقى الإنسان مخيرا في سلوكه، محكوما للسنن والقوانين الكونية. ويكون مسؤولاً عن عمله. فمفهوم كلمة "الكتابة" لا يسلب إرادة الإنسان، كما يشيع العقل التراثي متأثرا بالفقه السلطاني، الذي أصّل عدم محاسبة الخلفاء، فتمادوا بطغيانهم وظلمهم وجورهم. وهذا مبرر حديثي عن الآية، لأهميتها وارتباطها بموضوع الخطئية، التي وظفت بشكلٍ أدى إلى استغلال الناس واضطهادهم باسم الأديان. فنحن نسعى لتحرير العقل من بؤس التفسيرات التراثية، والانفتاح على العقل في فهم ما يدور حولها. المهمة الأساس للدين ترشيد وعي الناس، لا سلب عقولهم، فالدين يمثل النضوج العقلي ضمن شروطه الموضوعية، ويرقى بالإنسان إلى مستوى الاعتماد على النفس ومواصلة حياته من خلال عقله وتجربته. الدين لا يكون بديلا عن العقل. ويبقى دوره إرشاديا، حتى في أوامره ونواهيه، فقد يجد الخالق أن من مصلحة الإنسان العبادة للتوفر على مستوى من التقوى تقوم سلوك الفرد والمجتمع.

لا يخفى أن كلمة (كَتَبَ) ومشتقاتها كثيرة في القرآن، فقد تأتي للتوكيد

(كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)، وهنا لا يشترط بالغلبة الغلبة المادية، فقط تكون مادية معنوية أو فقط معنوية. باعتباره قويا عزيزا، وقادرا على كل شيء.

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ، كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ)، في جميع هذه الآيات تأتي كلمة كُتب بمعنى فرض. من الفرض والإلزام والوجوب.

(وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ)، يُحصي، يضبط، يسجل

(ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ)، (وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ). بمعنى الهبة والمنحة.

(كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)، أوجب على نفسه الرحمة بعباده وخلقه.

(وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً)، بمعنى العطاء، واعطنا

(أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ)، رسّخ وثبت، فتجلت آثاره سلوكيا.

(قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا)، أي ما قدره وقضاه من سننه الكونية والإلهية، فهي تسري على الجميع. لذا تجد القرآن يتدارك ما يترتب على السنن من خسائر، يتداركها بثواب أخروي. فعندما يتصدق المؤمن ويدفع حقوق الفقراء، فستنقص أمواله بالضرورة، وهي حتمية الإنفاق. تؤثر سلبا على الإنسان، فيصاب بالبخل، لكن الله يشجعه عندما يطالبه بعدم التبذير، وأن ينفق العفو من أمواله، أي الزائد والقليل، وله في مقابل إنفاقه ثواب الآخرة. فالنسبة لله رغم أنها سنن كونية، تأتي في سياق النظرية التوحيدية، التي تربط كل شيء بالله، ولأنه علة العلل، وعلة أولى. وهذا لا يلغي كونيتها وحتميتها، لذا يسعى العلم للكشف عن القوانين التي تتحكم بالظواهر الطبيعية، سواء كان العالِم مؤمنا أم ملحدا، فهو أمام منظومة قوانين يمكنه اكتشافها من خلال التجربة والدراسات الحديثة في الفيزياء والرياضيات. فالمسلمون ليسوا عاجزين عن الدراسات العلمية، غير أن ثقافة التخلف راسخة برسوخ الفهم التراثي لآيات الكتاب.

لا يمكن للمسلمين النهوض ما لم تتحرر عقولهم من سلطة النصوص والتراث، ويفهمون الدين ومقاصده وأهدافه وغاياته، بعيدا عن الروايات التي تعكس فهماً آخر، يمثل زمن الرواية بأبعادها المختلفة. فهي روايات محترمة إلا أنها تعبّر عن ظروف وبيئة وثقافة مختلفة. فللرواية ظروفها ولنا ظروفنا، وبإمكاننا العودة للكتاب الكريم وفهم رسالته فهماً صحيحا.

للأسف لم أجد من يهتم بآيات الخلق التي ترسم معالم هدف الرسالات والأديان، وهذا خطأ كبير في فهم الدين. بل وأحد أسباب جميع الانحرافات العقائدية والسلوكية، خاصة ما تمارسه الحركات الإرهابية باسم الدين والقرآن. وما تبثه حركات الغلو من ثقافات تكرس الجهل والأمية والتكاسل في الحياة الدنيا.

فلسنا بحاجة للروايات إلا بشكل محدود، وعلينا الاقتصار عليه، وعدم التمادي في التمسك بجميع الروايات، لأنها تعكس فهماً للدين والكتاب المبين في ضوء ظرفها، وحاجات وتطلعات زمن الرواية. ثم لا يوجد نص عدا القرآن وبعض الأحاديث النبوية الصحيحة فوق التاريخ، أو عابرة للتاريخ والأزمان، فلماذا الاصرار على التمسك بالتراث في فهم الكتاب، وهو نص مفتوح للقراءة والتأويل. وهذه ليست دعوة للقطيعة التامة مع التراث، بل التخلي عن التراث غير المنتج، الذي يكرّس التبعية والانقياد والتخلف، ويغلق آفاق التأمل في الكون والنفس البشرية: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ).

بين نظريتين

استعرضنا فيما سبق نظريتين حول أصل الإنسان وفلسفة الخلق، وهما النظرية الوضعية التي لا تؤمن بحياة ما بعد الموت، ولا بوجود فلسفة وراء خلق الإنسان، ويبقى الفرد مسؤولا عن مصيره وخَلاصِه، فشق طريقه وبنى حضارة بعيدا عن الدين. وهي تعتقد أيضا أن أصل الإنسان قرد، تبعا لدارون في كتابه: (سلف الرجل وعلاقة الإنتقاء بالجنس) المنشور عام ١٨٧١. في مقابل النظرية الدينية التي استغرقنا في تفصيلاتها، حيث تعتقد أن الإنسان مخلوق من طين، وأن وراء خلقه فلسفة وهدفا، ولم يأت للدنيا اعتباطا بل كان مخططا له في السماء. وهي تعتقد بمركزية الإنسان في الحياة، مثلها مثل النظرية الوضعية لكنها تختلف عنها جوهريا، حيث أن الإنسان وفقا للنظرية الثانية خليفة الله في أرضه، ليقيم العدل، وأن خلاصه يوم القيامة مرتهن لعمله، ثوابا وعقابا. أما النظرية الأولى فترتهن مصيره له، لذا كرّس جهده لتطوير حياته في الدنيا، بعيدا عن تعاليم الأديان باستثناء ما هو مشترك إنساني. ليس بالضرورة أن يكون موقفها سلبيا من الدين، لكنها لا ترهن مصيرها بمعارفة، بل وحتى لا تعد المعرفة الدينية جزءا من مصدار المعرفة. وتعتبر الدين قضية شخصية بين الإنسان وربه، وله حق ممارسة طقوسه وشعائره، دون المساس بالآخرين.

مازالت الجهود مستمرة لإثبات أو نفي نظرية دارون، وهناك جملة اعتراضات عليها، منها: لا أثر للأدلة الافتراضية، غياب الحفريات الوسطية، عدم تكرر التجربة، العثور على آثار بشرية تعود لملايين السنين وغيرها يمكن مراجعتها في مظانها. (أنظر مثلا: ويكبيديا). ومع ثبوت تطور الخلايا تصاعديا، فلماذا لا نفترض أن  كل نوع خُلق مستقلا، وحينئذٍ لا تضارب بين النظريتين؟ ولماذا الاصرار لى التطور والقفزات الوراثية، ولا يوجد دليل قطعي عليه لحد الآن؟. وكل هذا خارج عن الموضوع، وجاء استطرادا. لكن لو ثبت التطور بأدلة علمية، وثبت أن الإنسان ينحدر عن أصل حيواني، القرد أو السلالة الأعلى، أو حلقة مفقودة بين القرد والإنسان، فهل ثمة تقاطع بين النظريتين؟ وكيف نفهم الآيات الصريحة في المقام؟ وكيف تتقاطع المعرفة الدينية مع المعرفة العلمية؟. هذا ما سأتناوله في موضوع لغة الدين والقراءة التأويلة.

يأتي في الحلقة القادمة 

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed al gharbawi

خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

منطق الخطيئة

اتضح أن النهي في قصة الخلق نهياً إرشاديا للآثار التكوينية المترتبة على أكل الثمرة، وبالفعل (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ)، فهو لم يرتكب عملا يستحق العقوبة عليه. وقد تاب الله عليهما، غير أن التوبة لا تسقط الآثار التكوينية، مما يستدعي فهم دلالات الخطيئة في إطار فلسفة الخلق، ومركزية الإنسان. حيث كانت مؤشرا على استخدام  العقل كشرط أساس لخلافة الأرض، وأنها سلوك بشري، يمكن تداركها بالتوبة التي تعني الندم والاقلاع عن الخطئية بسلوك قويم. وهذا ما فعله آدم: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى). بلا شفاعة ولا واسطة، بل قضية خاصة بين الإنسان وربه أو بينه وبين نفسه. الشفاعة لا تُسقط الآثار التكوينية المترتبة على ارتكاب المعاصي، ولا علاج لها سوى تداركها بفعل يقوّم سلوك الفرد، كي يواصل مسيرته. ويفترض أن لا يستغل من قبل رجال الدين، لكنه استسلم لغوايتهم، وسقط أسيرا للعبة الشفاعة. وبالتالي يفهم من القصة أن العقل والحرية والإرادة يقابلهما وسوسة النفس البشرية / الشيطان، وثمة عداء ينشب ما لم يتدارك الإنسان نفسه. وكل عنصر من هذه العناصر سيكون ضروريا لاكتمال المشهد البشري، أو مسيرة الإنسان التي هي مسيرة تضاد وصراع دؤوب بين الخير والشر. الحق والباطل، وليس صراعا طبقيا ماديا فقط. ولما تاب الله على آدم، طالبه بالخروج من الجنة لتبدأ مرحلة الخلافة على الأرض، وقد بين له أو غرز في فطرته حتى قبل بعثة الأنبياء حتميات دينية: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى). بهذا رسمت الآية ضابطة، حددت دور الهداية عنصرا فاعلا لتقويم سلوك الإنسان، وتركت له حرية الحركة واتخاذ ما يراه مناسبا. فوفقا للآية بات الإنسان يعي ذاته ويعي ثمة محددات لسلوكه بعضها يمكن للعقل البشري إدراكه فطريا، وآخر يتوقف على وجود هداية وقيم أخلاقية. وهناك هداية داخلية يعبّر عنها بالفطرة أو العقل الباطني، ويعني بها الخطاب القرآني قدرة النفس البشرية على التمييز ما لم تحيطها الوساوس. إضافة إلى مصادر معارفه الطبيعية: الحس والعقل والتجربة والخطاب الإلهي (والأخير وفقا للنظرية الدينية التي تجعل منه مصدرا للمعرفة). فالله في قصة الخلق يشير للخير مطلقا كما أن الشيطان يشير للمراوغة والتحايل على النفس البشرية، التي هي خليط من النزوات والرغبات، تعلو وتهبط: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّ)، ومن جهة أخرى فالنفس قادرة على تدارك نفسها من خلال النقد والمراجعة المستمرة، فتجدها تلوم صاحبها وتسعى لتدارك ما صدر منها: (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)، شريطة التحرر من نوازع الشر، التي لها انعكاساتها السلبية على الإنسان وفقا لقوله: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ). فتصل النفس حد الانغلاق: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). فعبّرت الآية ضمن قصة الخلق عن الخير بانتسابه لله، ينبغي الإلتزام  به أو تحمّل عواقب مخالفته، لإحاطته بكل شيء: (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ). فالأوامر والنواهي تابعة لملاكاتها، وعندما نهاه عن الشجرة، فثمة مصلحة وراء نهيه، وآثار تكوينية لم يدركها آدم.

ثم الخطيئة في بعدها الثالث خط تمايز بين المقدس والمدنس، فقبل اقترابه كان آدم كائنا ملائكيا مؤهلا للعيش في الجنة، التي ترمز للكمال الإنساني المجبول على الطاعة وعدم اقتراف المعصية. وبعد اقترابه منها أصبح مؤهلا لعالم آخر يمارس فيه حريته، ويواصل سيره التكاملي. كما أن ارتكاب الخطيئة تجاوز لخطوط القداسة الإلهية، التي تمثلت بآوامره ونواهيه. كما أنها تفرز المؤمن عن العاصي، وقد اختلفوا حول مرتكب الكبيرة، هل هو كافر أم لا. فإن الالتزام الواعي وفاء لقدسية المقدس، يلزم منه السمو والرفعة، بينما ينتج عن الخطيئة الاستبعاد عن ساحة القداسة. فنخلص أن خطيئة آدم / الإنسان تضمر ثلاث دلالات:

1- الخطيئة، بمفهومها اللغوي: ارتكاب ذنب يستحق العقوبة، سواء عقوبة تشريعية أم تكوينية.

2- الخطيئة كدالة على نضوج العقل البشري، بعد خروجه من ملائكيته ليغدو إنسانا يتحمل مسؤولية عمله.

3- الخطيئة باعتبارها مائزا بين المقدس والمدنس، بين الملائكي والبشري.

يفهم من قصة الخلق أن آدم لم يُخلق ليعيش حياة مثالية بلا جهد ولا شقاء، بل خُلق ليصنع جنته بيده، ويسمو بجهده ومجاهدته، ويرقى لمنزلة تحسده عليها الملائكة: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ). فهو مخلوق لحياة دنيوية وستأتي دلالات القصة رمزيا.

الخطيئة والفكر الديني

لا تختلف الديانتان اليهودية والمسيحية عن القرآن حول جوهر قصة الخلق، فآدم والخطيئة عناصر أساسية فيها، غير أن الخطاب الكنسي شيّد قاعدة الاعتقاد المسيحي على مفهوم الخطيئة. وأن البشر قد توارثوا خطيئة آدم، وأرجعوا ضمن متبنياتهم العقدية كل شيء للخطيئة، وما من ظاهرة سيئة إلا وسببها الخطيئة الأولى، هكذا الحال بالنسبة للأوبئة والكوارث الطبيعية والحروب فهي عقوبات، يمكن دفعها بالاعتراف بين يدي الكاهن، وشموله ببركته بعد شراء صكوك الغفران ومشاركة المؤمنين طقوسهم، وحضور القدّاس في أيام الآحاد. وهو مبدأ الوساطة بين العبد المذنب وربه، فالكنيسة وبابا الكنيسة وسيط بين الله وعبده، ووسيلة لغفران الذنوب، ولا طريقا آخر للخلاص. فغدا الفرد يلهث لضمان رضا الله بشراء صكوك الغفران والانهماك بطقوس الكنسية. فكانت قداسة الطقوس قد وفّرت للكنيسة مصدرا ماليا راكم ثروات هائلة اختصت بها الكنيسة ورجالها.

تعتبر العقيدة الكنسية أن سبب خطيئة آدم ما خرج من أعضائه الجنسية، وراح بعد أن أكل من الثمرة يستر عورته. وخطيئة آدم موجودة لدى كل إنسان يضمر شهوته، وقد ولد من "منيّ يمنى"، باستثناء عيسى الذي لم يولد من سائل منوي. لذا لا مخلّص سواه. وللخطيئة في الفكر الكنسي مستويات، بعضها بسيط وبعضها قاتل، وبينهما من الكبائر. ومكمن الخطر في هذه العقيدة أنها تحمّل الإنسان وزر عمل لم يرتكبه ظلما وعدوانا، ولا يعرف عن تفاصيله شيئا. كما أنها تكرّس عقدة الذنب لدى الإنسان، وتقتل فيه روح التفاؤل والأمل، ويصبح الذنب مهما كان بسيطا شبحا يقوض طمأنينته. وما من كارثة إلا وسببها الذنوب، وكل شر يلحق به بفعل ارتكاب المعاصي. وهذا اللون من التفكير قد قتل روح التطلع للحقيقة واكتشاف الأسباب الحقيقية للأمراض. غير أن النهضة الأوربية بدأت حربا ضد الفكر الكنسي ومحرماته، فشقوا طريقا للعلم والمعرفة وانتصروا على خرافاتها.

كما أنها تكرّس سلطة الكنيسة ورجل الدين، وتجعل منهما الممثل الوحيد للرب، وواسطة خلاص ثمنها استعباد الإنسان وارتهان إرادته وتفكيره، خاصة أن الكنيسة تحتكر تفسير النص المقدس، وتوظفه لتكريس مصالحها، وأهدافها، ومشاريعها، بهذا الشكل توغّلت الكنيسة وحكمت قرونا طويلة، وزجت الشعوب في حروب دينية طويلة، راح ضحيتها خلق كبير.

وقد سادت الكنيسة الكاثولكية الديانة المسيحية حتى انشقاق البروتستانتية التي كانت ثورة ضد العقيدة الكاثوليكية، وتعاليم البابا، ودوغمائيات الكنيسة، تعود أصولها إلى حركة الإصلاح في القرن السادس عشر، وكان هدفها إصلاح الكنيسة في أوروبا الغربية، على يد مارتن لوثر. وأبرز مقومات فكر البروتستانت اللاهوتي هي:

- الخلاص هبة إلهية تتأتى بالإيمان بيسوع المسيح المخلّص، ولا يتأتى من الكنيسة وطقوسها.

- لا يتوقف الغفران على عمل صالح أو تكفيري، كمباركة البابا وصكوك الغفران وغير ذلك من طقوس الاعتراف والتكفير.

- رفض احتكار الحقيقة وسلطة تفسير النص بالكنيسة الكاثوليكية واعتبرت تفسير الكتاب المقدس أمرا متاحا للجميع.

- أن الكتاب المقدس المصدر الوحيد للمعرفة الدينية، وبهذا سلب اللاهوت الكاثوليكي سلطته وقدسيته، باعتباره تفسيرا بشريا للكتاب.

- أن جميع المسيحيين يتمتعون بدرجة الكهنوت المقدسة، ولا خصوصية لسلطة الكهنوت.

- إباحة الزواج وممارسة الجنس للقس.

وبهذا الشكل حررت البروتستانتية العقل المسيحي من سلطة الكنيسة، وارتهانات الإيمان اللاهوت الكاثوليكي ليعيش الفرد إيمانه منفردا بعيدا عن أية سلطة دينية. وبالتالي فالخطيئة كانت أس العقيدة الكاثوليكية، ونفي تداعياتها أس العقيدة البروتستانتية.

في مقابل الخطاب الكنسي هناك الخطاب القرآني الذي ينفي وراثة الخطئية: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). ويبقى الإنسان مرتهنا لعمله وفق ضابطة قرآنية: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ). فسواء عمل صالحا أو سيئا هو المسؤول عن عمله، ولا يؤخذ أحد بجريرة غيره، مهما كانت درجة القرابة بينهما. (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ. ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى). ولم يكلف الله الإنسان أكثر من طاقته: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)، وقد اعتبر فقهاء المسلمين القدرة على الفعل شرطا في فعلية العبادات والتكاليف الشرعية.

الخطيئة والعقوبة الإلهية

مع كل كارثة تحل في العالم ينقسم المسلمون حول تفسيرها، بين من يعتبرها كارثة طبيعية ومن يعدها عقوبة إلهية، ويبقى الجدل محتدما بانتظار كارثة جديدة. وبعض ممن يقول بالعقوبة لا ينكر الأسباب الطبيعية، لكن تبقى عقوبة ومؤاخذة دنيوية بما كسبت أيدي الناس،.يستدلون على ذلك بمجموعة آيات، مما يجعل الأمر ملتبسا، بحاجة إلى تحري مداليلها. وهل العقوبة سنة كونية أو إلهية، وكيف تفسّر الآيات التي اعتبرت الكوارث عقوبات إلهية؟.

وتقدم أن الخطاب الكنسي قد سبق المسلمين بتفسير الكوارث وما يحل بالناس بأنها عقوبات إلهية، يمكن دفعها بالاعتراف وضمان تكفيرها بشراء صكوك الغفران. وبشكل عام جميع الأديان تشير لذلك بشكل وآخر. مما يعني توقف فهم الحدث على فهم النص الديني.

عندما نعود لآيات الكتاب وأحكام الشريعة نجدها تتحدث عن أربعة أنواع من العقوبات:

1- دنيوية فقط: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

2- أخروية فقط: (وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)، (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ).

3- دينيوية وأخروية: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

4- عقوبات جماعية: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). وهناك آيات تفصّل ما حدث كما بالنسبة لقوم نوح وصالح وهود وسبأ: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ).

واضح أن العقوبات الدنيوية عقوبات تشريعية، كأحكام السرقة والزنا والقتل، لا تسقط وهناك تفصيلات مرّت بنا. وأما المؤاخذات الأخروية فهي أيضا جزائية: (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا). لكن قد يشملها العفو الإلهي. فكما هناك جزاء للكافر هناك جزاء للمؤمن: (أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ).

وفي جميع الحالات فهي عقوبات مشرّعة، يتوقف ثبوتها على وجود نص صريح بشأنها، لا يمكن القياس عليها، كأن تقطع يد الزاني مثلا. فالحكم وموضوعه كلاهما محدد. لذا يلجأ القاضي حينما يريد قمع المعارضة السياسية إلى آيات مرنة في مفاهيمها، كمفهوم محاربة الله ورسوله، ومفهوم الفساد في الأرض، وكلاهما يجيز هدر دم الجاني. والجناية هنا مرنة، يمكن للحاكم الشرعي البت بها وفقا لأيدلوجيته، فيعتبر المعارض السياسي مفسدا في الأرض في مقابل شرعية سلطته مطلقا، كما في الدول الدينية: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). لذا أدعو دائما لوجود ضوابط صارمة لتحديد مفهوم المحارب لله ورسوله ومفهوم الفساد في الأرض وأن لا تبقى الآية عصا لقمع الرآي الأخر.

وأما بالنسبة للعقوبات الجماعية التي وردت فيها مجموعة آيات فهي ليست من صنف الأحكام الشرعية، بل حلول كارثة كالزلازل ومطر السوء والأمراض والسيول: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ). فهل هي  حتمية تكوينية أو قانون تكويني، تتوقف فعليتها على فعلية موضوعها. أو لا هذا ولا ذاك بل سنة إلهية، كما في قوله: (وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً، سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً).

ذهب الذين قالوا بالعقوبات الإلهية إلى وجود بعد آخر في  الكارثة هو تخويف الناس (يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ). فتكون من قبيل الفتنة (أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ)، تأتي من باب التنبيه، لعلهم يعودون لله ويتوبون. أو تأتي اختبارا لإيمان المؤمن، فيكون بديلها أجرا عظيما: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ). وهناك آيات استدل بها القائلون بالعقوبات الإلهية، كقوله: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). (قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا). (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ).

وهنا ملاحظات مهمة تتضح من خلالها الإجابة:

أولاً: إن الكون ومساره منضبط وفق سنن تكوينية، وقوانين كونية صارمة، حتى في مفاجآتها، فتجد ثمة أسبابا وراء كل حادثة، كالمنخفضات الجوية، والتيارات الباردة في طبقات مرتفعة تتسبب في غزارة الأمطار أو حركة الغازات داخل الأرض. وحتى غير المكتشفة منها. فاليوم يلعب الاحتباس الحراري دورا سلبيا في تغيّر المناخ ورفع درجة حرارة الأرض. أو التجارب النووية والبايلوجية التي تركت آثارا تكوينية، فيصدق عليها قوله: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). فما تطرأ من آثار تكوينية يصدق عليها مفهوم الفساد، وهي بما كسبت أيدي الناس، حينما لا تراعي الدول الكبرى مصالح الشعوب، وتغامر لاختبار أسلحة محرّمة على حساب صحة الناس. أو تستمطر السماء كيمياويا فتغرق أراضٍ واسعة وتسبب في موجة من السيول، أو تستخدم أسلحة تبيد البشرية. وكل هذا بات متوفرا في ترسانات تلك الدول. فأي كارثة تحصل بسبب الإنسان يتحمل وزرها، بعيدا عن العقوبة الإلهية، ويصدق أنها فعله. كمن يطلق النار على نفسه ويموت،  فهنا لا توجد عقوبة  إلهية بل هي حتمية لإطلاق النار. فالكوارث قد تحصل بسبب الإنسان، ولا علاقة للعقوبة الإلهية بها، لأن آثارها تقع ضمن حتميات تكوينية، خارجة عن إرادته. وبالتالي: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ).

ثانياً: إن الكوارث التي حلت بأقوام سابقة بسبب كفرهم ومحاربتهم للأنبياء والرسل يتوقف تصديقها على الإيمان بالله وبكتابه، فتختص بها ولا يمكن القياس عليها، لأن تشخيصها ومعرفة موضوعاتها يحتاج إلى كشف تام، يختص به الله المحيط بكل شيء والعالم بكل شيء. بمعنى أدق أن حصول الكوارث يتوقف على فعلية أسبابها التكوينية، وعندما يكون السبب غير تكويني كالموقف من الرسالات، فيحتاج إلى دليل قرآني صريح في مورده كي نرفع به اليد عن الأصل. وفي هذه الحالة لا يخترم القانون الكوني، بل ربما سرت الأمور بموجب قوانين نجهلها.

ثالثاً: ما يؤكد خصوصية تلك الحالات التي ربطت بين الكفر والكوارث قوله: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ). وبهذا لا يجوز تفسير أية كارثة طبيعية بالعقوبة الإلهية، مع وجود آية تنفي أي عذاب جماعي: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ). وهاتان الآيتان آيات محكمة صريحة لا لبس فيها، فتكون حاكمة على الآيات المتشابهة وفقا للمنطق القرآني: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ).

رابعاً: لا شك إن كل شيء يجري وفقا للمشيئة الإلهية، وأن الخالق هو علة العلل، لكن ذلك لا يلغي تسلسلها، فعندما ينسب لنفسه فعلا من الأفعال، لا يعني حصوله من غير سبب تكويني. غير أن من  يقل بالعقوبات الإلهية يُسقط علل الحدث، والأسباب الطبيعية للكارثة. وأيضا لا يمكن تعميم الأسباب والمسببات، ولا تفسير أية كارثة على أنها عقوبة إلهية ما لم يستدل بآية صريحة، وهي مفقودة بالضرورة.

خامساً: يبقى مفهوم الوحي قضية حاسمة في هذه الأمور، بين من يعتقد بإلهية القرآن لفظاً ومعنى، ويقتصر دور النبي على التبليغ والبيان، وبين من يعتقد أن القرآن وحي، كما تنص الآيات، وما موجود بين دفتيه فهم بشري للمعنى، فيخضع لشروطه الموضوعية، وحينئذ يختلف تفسير الكوارث بين الإخبار والتفسير. ففي الحالة الثانية يكون تفسيرا بشريا لما حدث، بعد وقوعه. ولا يقدح هذا اللون من فهم الوحي بقدسية القرآن وإلهية مضامينه.

وبالتالي، ثمة أبعاد مضمرة في قصة الخلق، وتوظيف للنص لغايات أيديولوجية، ينبغي ملاحقتها ونقدها.

يأتي في الحلقة القادمة

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi13خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

سؤال الوجود

ماجد الغرباوي: كان سؤال الوجود وراء استعراض قصة الخلق في الكتب المقدسة. ذلك السؤال الذي لازم الإنسان، يستفزه بدهشة، ويطرح عليه أسئلة مصيرية، تارة تكرّس التشاؤم والعدمية واللاجدوى حد اليأس والإنكفاء. وأخرى تدفع باتجاه التأمل والبحث والتنقيب، لمعرفة حقائق الأشياء، فكان ينبغي للخطاب الديني تقديم رؤية وافية تبدد شكوكه، وتجيب على أسئلته، حول حقيقة الوجود والإنسان والموت وحياة ما بعد الموت والخلود، مبدأ الخلق ونهايته وغاياته، وغيرها. فهو قلق يعبّر عن نفسه بأسئلة واستفسارات فلسفية. وقد وصفت الآية قلق الإنسان بالهلع: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً). اختزال مكثف لمعنى القلق المصيري، وهواجس النفس البشرية، التي هي صفة عامة تتفاوت من شخص لآخر. والأنبياء أشد قلقا حول حقيقة الوجود والخلق ومصير الإنسان، وكان كل نبي قد قطع مراحل من الشك والحيرة والاندهاش قبل بلوغه مرحلة النبوة والانفتاح على آفاق الغيب، وطالما اعتكف يبحث ويتأمل، يقلب وجهه في السماء والأرض، وكانت تجاربهم تجارب إنسانية عميقة، تكابد من أجل معرفة الحقيقة وبلوغ مرحلة اليقين والاطمئنان الذي يوازن قلقه المصيري عبر معارج الروح. هذا إضافة إلى همومه الاجتماعية والسياسية، وما يحيط بالناس من ظلم وجور. فالأنبياء لهم تجاربهم، لكن رغم دوام المجاهدة والرقابة الأخلاقية الصارمة وقوة الإرادة والصبر على العبادة، يعصف بهم الشك أحيانا، غير أنه شك في عين المعرفة، وقد استعرض القرآن مشاهد من شكوك دفينة للرسل كإبراهيم وموسى، كي نتمعن بتجاربهم ونفهم أن الشك ظاهرة بشرية تعكس يقظة الوعي، وقدرة فائقة على التأمل والتركيز. يشترك فيها الأنبياء والفلاسفة، غير أن النبوة ترقى بالروح الإنسانية، وتسمو بها في عالم مختلف، فيكون دليلها روحيا وجدانيا راسخا ومشاعر يقينية بفعل مشاهداتها وما تحققه النفس من فتوحات على صعيد الحقيقة والاقتراب من العقل الكلي. ورغم منزلة إبراهيم إلا أنه طرح سؤال الشك: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)، وشكه يمثل أعلى درجات اليقين، فهو مؤمن يتوق لتجلي قدرته في الخلق. وأيضا موسى الرسول الكريم: (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ). ولعل أوضح الأمثلة حياة محمد قبل البعثة حيث كان التأمل والتعبد والتحنث يستغرقه، تارة بمعزل عن الناس وهو معهم، وأخرى في خلواته مع نفسه وخالقه، وقد مر بحيرة عاصفة، ذكّره بها القرآن: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ). ولا يعني الضلال الزيغ بالضروة، بل يقصد به خصوص الحيرة، بدليل "فهدى". والحيرة يصدق عليها مفهوم الضلال بمعنى عدم الهداية وقد يفهم منها ذلك بقرائن.

ولما كانت الكتب السماوية رسائل السماء إلى الأرض، ورسائل الخالق لمخلوقه لهدايته وترشيد وعيه، فهي معنية بتساؤلات الإنسان، خاصة سؤال الوجود. فتجد القرآن صريحا لا يقفز على الحقائق، حيث شغلت مسألة وجود الله ووحدانيته والإيمان باليوم الآخر مساحة كبيرة منه في 4000 تقريبا. وكل آية تعالج إشكالا ما. ولم يصدر عن الكتاب توبيخا لغير المعاندين، ممن لخصتهم الآية: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ). واعتبر القرآن جميع الأسئلة والشكوك مشروعة، ينبغي التصدي للإجابة إليها.

فسؤال الخلق عميق في وجدان النبي، وهو سؤال مركزي في جميع الأديان، والشغل الشاغل لجميع التجارب الدينية والروحية. سؤال الحقيقة سؤال إنساني، ينبغي مقاربته برؤية مستنيرة، (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ). فثمة حقيقة متوارية، من الصعب الإمساك بها بعيدا عن الروح واشراقاتها الوجدانية، أو يبقى الإيمان بها نظريا باهتا، لا يتجلى في سلوك وأخلاق الفرد، وهنا يأتي دور الشعائر والطقوس الدينية. وبالتالي فقصة الخلق جاءت صدى لتساؤلات تطفو وتغور. تعصف بالنفس البشرية، وقودها دوامة الشك، وحُجُب الحقيقة. فالكتب المقدسة إذاً معنية بها، باعتبارها مصدر المعرفة الدينية، رغم التفاوت بين التوراة والقرآن، غير أنها جاءت في الثانية مكتنزة بدلالاتها الرمزية، ولم تقف عند مبدأ الخلق ومنتهاه (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى). ولم تكتف بإضفاء معنى لحياة الإنسان ومماته ودوره في الحياة، وتناولت موضوع المعرفة الإنسانية، وكيفية تراكم المعلومة.

وقد اختار القرآن لعرض قصة الوجود أسلوب القصص الرمزي، لضمان أداء دلالي حيوي، يثري تأويل النص، ويحرره من سجن اللغة والتاريخ. والأسلوب القصصي أسلوب قرآني فريد في قدرته على توصيل الأفكار كقوله: (ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)، فهو حوار رمزي، يؤكده افتقارهما لمَلَكَة الكلام. غير أن التأويل قادر على استنطاقهما، وهكذا هو العرض القصصي الحواري لقصة الخلق. لأن الغرض الأساس هو بيان  فلسفة الخلق، فيكون الرمز أوفى وأقدر على كشف أبعاده.

إن سؤال الوجود ليس عبثا بل هو طاقة فكرية - تأملية هائلة عندما يجيد الفرد توظيفه لملاحقة الحقيقة. وهو سؤال النبوة، عندما يستغرق النبي قبل بلوغها في التأمل والتفكير، ويشغله سؤال الوجود، ويستفزه قلق المصير. فسؤال الوجود يحفّز لمواصلة التأمل والاستغراق بحثا عن أجوبة تعمّق روح الإيمان، وتكرّس الشك طاقة روحية تتطلع للمزيد من السمو والابحار ماوراء ظواهر الأشياء. وهذا يفرض فهم قصة الخلق في سياقها القرآني، وعدم ارتهانها لتفسيرات أيديولوجية، فهي تأبى سجون اللغة والتاريخ استجابة لحيويتها.

الخطيئة

جاءت خطيئة آدم في سياق قصة الخلق كدالة على تطور العقل، من التلقي المطلق لدى الملائكة (لَا يَسْبِقُونَهُۥ بِٱلْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِۦ يَعْمَلُونَ)، ثم بوادر العقل المريد مع آدم ومعرفة الأسماء كلها، وهي مرحلة وعي الذات وأبعادها الوجودية حينما أنبأهم بالأسماء. وكان قبل ذلك قد تعلمها من الله. وأخيرا مرحلة التجلي الإنساني قبل هبوطه إلى الأرض، وهي مرحلتا الإدراك والإرادة الفعلية. حيث أدرك جوهر التمايز بين الأشياء، الشجرة المحرمة، التي تعني الضد النوعي للإباحة، لسبب ما أثار فضوله، وقد خمّن أنها شجرة مباركة، تفيض عليه وجودا ملائكيا وخلودا دائما، من وحي معارفه المحدودة، مهما كانت درجة احتماله بسبب نقص الخزين المعرفي. ثم قرر بإرادته وتحمل مسؤولية قراراه، وبهذا تجلت بشريته. فكانت الجنة مكانا لاختبار حريته وإرادته كشرط أساس لتحقق إنسانيته ووجوده. وقد عبرتا عن نفسهما بالخطيئة. فالخطيئة ترجمة عملية لحرية الفرد وإرادته المسؤولة. كما أنها تعكس قلق النفس البشرية حينما تواجه مسؤولية قراراتها الشخصية حدَ معصية الخالق.

لقد مثّل آدم دور الطفولة البشرية، وكان استعدادا خالصا، تنقصه المعلومة التي يتمكن من خلالها تشخيص الحقيقة. وكان في مرحلة تأسيس المعرفة من خلال ما يتلقاه من معلومات ليبدأ في ضوئها العقل بممارسة دوره. فكانت أول تجربة حياتية هي تجربة اختبار لإرادته وحريته ومسؤوليته. فهو لم يعرف شيئا عن الشجرة، ولم يعرف لماذا حذّره الخالق من الاقتراب منها: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ). فليس لآدم تصور عن الموضوع سوى ما أخبره به الخطاب الإلهي. بما في ذلك الإيمان، الذي كان هشا بسيطا، لم يصل حد الجزم واليقين الذي يحول دون معصيتهما للآوامر الإلهية. ولو لم يخرجا من الجنة لم يعرفا شيئا عن معنى العقوبة، فقد هبطا للأرض بتجربة غنية جدا رغم بساطتها، حدها الأدنى هناك حسن وقبح، وخير وشر، ثواب وعقاب. فكانت تجربة ضرورية، عاشها آدم مع هواجسه، التي وصفت بالشيطانية لسلبيتها في مقابل هواجس الخير: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى). فآدم لم يعرف شيئا عن حقيقة الشجرة سوى أنها منهي عن أكلها، وقد لا يعرف شيئا واضحا عن مفهوم النهي وعواقبه الوخيمة عندما يكون نهيا إلهيا. والآن قدم لهما الشيطان أو التصورات النفسية معرفة جديدة عنها، معرفة مغرية: "خلد، وملك لا يبلى". فكانت التجربة السبيل الوحيد أمام آدم للوقوف على حقيقة الأمر: (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ). فالتجربة كانت مصدرا لمعرفته حينما عجز العقل عن إدراك الحقيقة سوى تخمينات أولية، وبعد أن ذاق ثمرها عرف ثمة آثار تكوينية تترتب على أكلها، فكان النهي إرشادا لهذه الآثار، حيث أخرجته من الجنة، عندما تفجرت مشاعره وأحاسيسه وغرائزه الجنسية، وصيرورته إنسانا ببعديه العقلي والعاطفي. فهو لم يرتكب عملا يستحق عقوبة جزائية كما في كثير من الآيات التي ترتّب عقوبة أخروية على إرتكاب المعاصي، وكان النهي تحذيرا من عواقب ما يطرأ عليه من تحولات فسيولوجية. لذا فإن القائلين بعصمة الأنبياء ذهبوا إلى أن آدم ترك الأولى ولم يرتكب معصية حقيقية. ومن يرد ظاهر اللفظ يمكنه ذلك، لأن القرآن يصفه بـ"غوى"، "عصى". وللتأويل دلالاته، فالخطاب السماوي لم يقل إذا اقتربت فجزاؤك كذا، بل كان خطابا تحذيريا مما سيترتب عليه من آثار تكوينية، تنتقل به من فضاء اللجنة، التي تتطلب وجودا ملائكيا، إلى الأرض التي تستدعي إنسانا يواكب الحياة ويتطور، وسيكون مقامه مختلفا ند الله وفقا لما جاء في الخطابات القرآنية.

فالخطيئة جاءت في سياق تطور العقل البشري، وكان يجب أن تقع، لتعبر عن حقيقة الإنسان، غير أنها غدت ركيزة الفهم التراثي لمفهوم الدين. وصار مفهوم الخلافة رغم ثرائه ورمزيته وقوة دلالاته، اختبارا بسيطا لآدم، لكنه غوى، وكان جزاؤه الخروج من الجنة. هذا الفهم لا يريد التدبر في آيات الكتب السماوية، فقد جاء في القرآن الكريم: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ). فالتوبة قد تحققت قبل الهبوط وتولي مقام الخلافة، بل في آية ثانية الأمر أوضح:

(وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا، وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى، فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى، إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى، فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى، فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى، قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى). فرغم خطيئته تاب الله عليه واصطفاه ليكون خليفة فعليا للأرض، وهي المهمة الكبرى له. وهذا لا يتنافى مع قوله: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى). لأنك سترتكب المعصية باختيارك، فتتحمل وزرها، وهي الخروج من الجنة، وهذا لا يعني بالضرورة أن هبوطه للأرض جزاء معصيته، مهما كانت رمزيته، فقد تاب الله عليه واصطفاه. لتبدأ مرحلة جديدة في حياته، ويتعلم من أخطائه كيف يتصرّف مستقبلا.

وبالتالي فالتوقف عند حدود الخطيئة لا ينسجم مع مفهوم الخلافة. إذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة. والخليفة هو آدم الإنسان، بكل ما تعنيه كلمة إنسان، واستعداده الفطري لعمل الخير والشر (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). فالخليفة لا يتعالى على شرطه الإنساني، ولا تضر بصدقيته الخطيئة، ولن تكون هي المقصودة في الآية، لأنها بصدد بيان كيفية ممارسة حريته وإرادته كشرط أساس لصدقية مفهوم الخلافة الأرضية. فهو لم يستبعد من الجنة لخطيئته بل هبط إلى الأرض ليمارس دوره الخلافي، بعد خوضه تجربته الإنسانية. وبالفعل أن لازم الخروج من الجنة الهبوط إلى الأرض، ومهمة شاقة، وسيشقى فيها الإنسان: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). فالهبوط للأرض شرط خلافة الإنسان. بل ليس المقصود بالجنة جنة الخلد أو جنة أرضية، كما شغل الخطاب التراثي نفسه بها، وألف ووضع قصصا عجيبة حولها. فهي هنا تعني كمال البقعة التي استوطنها آدم وزوجه، كما هو دارج لدى الناس حينما يصفون بيتا يقولون: بيت كأنه جنة، وصف لمثاليته في خدماته وإمكانياته: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى، إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى، فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى). أي أن كل هذا مشروط بعدم المعصية، التي تعني استخدام العقل وهامش الحرية والإرادة التي هي لوازم وجودة للإنسان، فيخطئ عندما يستجيب لرغباته ونزواته.

المعرفة البشرية

ثمة بعد آخر في قصة الخلق متعلق بالمعرفة يمكن رصدها من خلال سياق حركة آدم، فتعّلم آدم للأسماء كلها، تعبير آخر عن استعداده التكويني للتعلم واكتساب المعرفة، التي هي عملية مركبة، ليست بسيطة تقف عند حدود التلقي والطاعة المطلقة. فهي تلقٍ وإدراك لمعاني الأسماء، وطريقة استخدامها، مما يتطلب تشخيص الواقع وتحديد اللفظ المناسب. أو تحديد المفهوم كصورة ذهنية وتخصيص لفظ منتزع من ذات الصورة، قياسا بغيرها من الصور الذهنية الأخرى. وهي عمليات تلقائية لا شعورية، تقف وراء معرفة الإنسان وكيفية توظيفها. وهذه هي مرحلة وعي الذات، حينما يعي الإنسان ذاته.

ليس هناك خصوصية للأسماء وما هي حقيقتها كما هو دأب العقل التراثي الذي يهتم بجزئيات لا علاقة لها بجوهر الأشياء. وكل الأسماء لا تعني بالضرورة كل مفردة من أسماء الوجود أو أسماء ما يحيطه من أشياء وصور ذهنية، بل تعني القابلية والقدرة على التحليل والتشخيص وانتزاع الصفات وتسمية الأسماء. نفهم هذا من كلمة "علّم"، ولم يقل أخبره بالأسماء كلها، فيكون دوره دورا مرآتي، يردد ما سمعه. بل كان ينبئهم بها من خلال ما أودع الله فيه من قابليات المعرفة، وتعدد الطرق لاكتسابها. والعمليات الإدراكية تعمل لا شعوريا بشكل معقد جدا، حيث تترابط المعرفة، وتنتقل من المجهول إلى المعلوم، لتبدأ مرحلة الشعور.

وأما في الجنة، فكان آدم بكامل استعداداتها الفطرية والإدراكية فعلا. إضافة إلى استعدادات كامنة بانتظار شرطها لتنتقل من القوة إلى الفعل. وهذا ما حصل بعد أن مارس آدم حريته واختار بإرادته.  فالجنة كانت مثالية في شروطها المادية، وله أن يعيش رغدا بلا عناء ومسؤولية وشقاء، كما تصف الآية. لكنها لم توفر له المعرفة التي تشبع فضوله، وتجيب على أسئلته، فالإنسان مجبول على التفكير، توّاق لمعرفة حقائق الأشياء، واكتشاف المجهول، وهي نزعة إنسانية، ساعدت على تطور الإنسان في الحياة الدنيا.

لا شك أن الجنة أدهشت آدم بتنوعها وغناها، لكنه عاش نوعا من الاغتراب بفعل النهي عن أكل الشجرة، فأراد التحرر من أسره واكتشاف الحقيقة بنفسه، فبدأ تلقائيا يدرس أطراف القضية، ويضع احتمالات ممكنة لمبررات النهي، فانتهت هواجسه / الشيطان إلى أن النهي ليس نهيا تحريميا، بل هو حرمان من تكامل بشري، قياسا على الملائكة ومكانتهم: (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى). فسقط في فخ الحيرة والامتحان. هل يلتزم بالنهي أم يأكل الثمرة ويحقق آماله في الخلد وملك لا يبلى؟. أما بالنسبة للنهي، فتقول الآية: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا). سواء كان النسيان بمعنى عدم التذكّر، أو نسى ما ينطوي عليه التحذير من تداعيات. وبما أنه في بداية المعرفة فربما كان يعرف أنها منهي عنها، لكن لا يدرك مآلات النهي حداً تنقطع معها هواجسه وشكوكه ودهشته. فلجأ للتجربة سبيلا لمعرفة الحقيقة، بعد أن أخبره الشيطان أو هواجسه النفسية إنه أمام شجرة الخلد. فالتجربة كانت ثاني مصادر معرفته بعد الحس. فاتخد من التجربة دليلا لمحاكمة معارفه الحسية. وبهذا يتضح دور التراكم المعرفي في تطور المعرفة لدى الإنسان، وهو درس مهم جدا في قصة الخلق. وهنا آدم لم يكتف بالمعرفة الدينية ودشن التجربة دليلا لمعرفة الحقيقة!!. والكلام حول المعرفة، لا حول الخطيئة.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com


 

 

majed algharbawi11خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

مفهوم الخلافة

ماجد الغرباوي: يقصد بالخلافة لغة: (الخلافة: النيابة عن الغير، إما لغيبة المنوب عنه، وإما لموته، وإما لعجزه، وإما لتشريف المستَخلَف، وعلى هذا الوجه الأخير استخلف الله أولياءه في الأرض). أنظر (المفردات  في غريب القرآن). ولا يختلف معناها الاصطلاحي عن المعنى اللغوي كثيرا. الخلافة: هي أن يخلف شخصٌ شخصاً آخر. يقوم مقامه ويمارس صلاحياته عند غيابه. فيكون غياب المنوب عنه شرطا عرفيا في المعنىى الاصطلاحي، لذا لا يرجع الناس للخليفة مع وجود المنوب عنه وعدم وجود مانع. أو هكذا تعارفوا عليه. بينما الغياب ليس شرطا في المعنى اللغوي، مادام يصدق على التشريف، كما بالنسبة للأنبياء.

وأما الخلافة الربانية التي تحدثت عنها الآيات، فإنها أعمق دلالة من المعنيين اللغوي والاصطلاحي. لا تفويض ولا نيابة ولا حاكمية عن الله. فلا يرد كيف يكون الإنسان خليفة مع وجود الخالق أو المنوب عنه. الإنسان في الخلافة الربانية قائم بذاته، لديه استعداد فطري لعمل الخير والشر. الهداية والضلال. الحب والكره. وفي جميع الأحوال يتحمل مسؤولية قراراتها وتداعيات سلوكه. لذا حتى  لذا حتى النبي الذي يصدق عليه مفهوما الخلافة، قد يتمرّد على الله، كما في قوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).

إن مفهوم الخلافة اصطلاحا يتطلب وجود: منوب عنه، خليفة، ووسط اجتماعي يمارس فيه خلافته. وعندما ينوب نائب المدير عنه، يمارس صلاحيته داخل دائرته، بعد تفويضه بذلك. أما بالنسبة للخلافة الربانية، فلم تصرّح الآيات بخلافة آدم عن الله، كي يخلفه في صلاحياته. تقول الآية (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)، فهو ليس تنصيب لمقام الخلافة بل جعل بمعنى الخلق والإنشاء، فيكون كيانا مستقلا. يمارس خلافته بمفهوم التدبير والإدارة والاستثمار والاستخلاف باستقلالية محكومة بالسنن الإلهية والكونية، ويكون مسؤولا عن سلوكه وأفعاله. فيُخلف خالقه بما وهبه من حرية وإرادة وقدرة على الخلق والإبداع، ولم يفوض له سوى الأرض وما فيها ورسم له طريق الهداية وكيفية الخلاص، ولم يخلفه بحاكميته، وهذا القدر من الصلاحيات يحتاج لجعل شرعي صريح. فالخلافة الربانية فعل متحرك وجهد مضنٍ، خلاصته أن يتولى الإنسان بنفسه مهمته الحياتية، وقد جسدت الآية التالية خطورة المسؤولية وعظمة تداعياتها ببلاغة مدهشة، حينما صورت حالة الخوف من مسؤولياتها عندما عرضت على السماوات والأرض، بينما تصدى لها الإنسان ارتكازا لمقوماته الفعلية: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)، (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ). فهي اختبار عسير متواصل، أشفقت من مسؤوليتها الكائنات. وهو تعبير رمزي. لكن الإنسان كان الأجدر بها، وتحمّل مسؤوليتها، لسر كامن فيه، هو عقله وقدرته علة مقاومة تحديات الخلافة. وهو الأقدر على استتباب الأمن والاستقرار وقيام العدل حينما يلتزم بقيمه الدينية التي هي قيم إنسانية أساسا، ويتخلى عن نوازعه الشريرة: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)، ولا يخفى رمزية الآية وهي تؤكد على العدل قيمة أساسية مقومة للحياة السوية، مبدأ في الحكم لتفادي ظلم الناس. وبهذا يتضح معنى آية: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، وقد سبق بيانها تفصيلا. ينبغي أن تفهم في إطار فلسفة الخلق ودور الإنسان في الحياة. فالعبادة هنا لا تعني حرفية المفهوم، ولا تعني فقط المعرفة كما جاء في بعض التفاسير، بل تعني ما هو أعمق، أن ينتظم الإنسان ضمن قوانين الكون وسنن الخلق، والتي منها استثمار قدراته العقلية لفعل الخير (فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ) شرطا لخلافته واستمراره. فالخلافة التي تعني في بعض أبعادها الحضارة، هي تفاعل مستمر بين الإنسان والطبيعة. فيراكم من خلال تجاربه ما يقوم بناءه الفكري وأسسه الفلسفية، ويوظف معطيات العلوم لخدمة مجتمعه.

فالخلافة الربانية خلافة متقومة بالعقل، وهو تجلٍ للعقل الكلي / الله.وما برر صدقية مفهوم الخلافة عليه وجود مشابهة بين المخلوق وخالقه في العقل والتعقل والحرية والإرادة والقدرة على اتخاذ القرار والخلق والإبداع. وهذا لا علاقة له بمفهومها اصطلاحا، والذي لازمه أن يقوم الخليفة / آدم / الإنسان مقام الله تشريفا أو عند غيبته، كما هي آراء بعض المفسرين، وجعلوا الحاكمية أحد مهمامه، لكنهم خصوها بنفر من الاصفياء. أما الآيات فكان تعبيرها دقيقا، ولم تنسب الخلافة لله، وإن كانت بإرادته وجعله، فجاءت بمعنى الخلق: إني جاعل في الارض خليفة. ولم يقل خليفة عني، ولم يقل لقد خولتك صلاحياتي وحاكميتي، لكني خلقتك تشابهني بصفات تقوم بها خلافتك (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ). وآية ثانية: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً). فالخلافة تشبيه، باعتبار نفحة الحق، ومن روح الله، ولديه مهمة وجودية، لذا شاءت القدرة الإلهية تهيئة الحياة الدنيا بكل ما يحتاجه الإنسان: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). وترك للإنسان حرية الحركة واتخاذ القرار، وهديا من الدين والفطرة والعقل، كما تؤمن النظرية الدينية. أو بهدى من العقل كما تذهب لذلك النظريات الوضعية. فالنظرية الدينية تؤسس بعدا ميتافيزيقيا لخلافة الإنسان، يرتهن له مصيره وخلاصه.

وعليه فالخلافة في بعدها الآخر، تعني الكائن البشري المؤهل لاستخلاف الأرض واعمارها، من خلال ما استودع الله فيه من قابليات وعقل جبار، مجبول على الإبداع والعطاء. فمفهوم الخليفة في الآيات يساوق مفهوم الإنسان، وكأن الآية تقول "إني جاعل في الأرض إنسانا"، وإنما اكتسب صفة الخلافة في قدرته على التصرّف: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ). وبالفعل عاشت البشرية أمة واحدة قبل إرسال الأنبياء، كانوا يتصرفون من وحي فطرتهم وعقلهم، حتى راكموا خبرة حياتية كبيرة، بلغوا بها مرحلة الاختلاف فيما بينهم. فالاختلاف من زاوية يعتبر نضوجا عقليا، دالا على حيوية العقل وقدرته على التطور والتشخيص ومن ثم الاختلاف: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ). فالاختلاف وتعدد الآراء، يضع الإنسان في معرض الاستغلال بسبب تفاوت الوعي، وحينئذٍ لا بد من الإرشاد والتوجيه للحيلولة دون استغلاله وظلمه. فالإنسان ليس كالملائكة، التي يقتصر دورها على تنفيذ الأوامر الإلهية، باعتبارها مجبولة على الطاعة (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)، لذا كان اعتراضهم المقدر: (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ). فالحياة الدنيا تحتاج إلى عقل أولاً وبالذات، والإيمان صفة شخصية، يكتسبها الإنسان بعقله، ثم تكرّس بالتقوى والعمل الصالح. العقل دليل الإيمان. فكانت المشيئة الإلهية بصدد مخلوق يتناسب مع مهمته الأرضية، مهمة الخلافة، مخلوق يختلف عن مخلوقاته الأخرى كالملائكة. والإنسان هو المؤهل الوحيد لها، وقد تحمّل أعباء الخلافة بعقله وحريته وإرادته. وزاوية النظر هنا تتجه للنوع الإنساني، الذي جسده آدم، فكما كان هناك إنسان ضال، هناك من تأهل للاصطفاء، كالرسل والأنبياء. لكن المهم ترى من خلال عقل الإنسان وفتوحاته المذهلة قدرة العقل الكلي / الله. فالعلم يفضي للإيمان بوجود قوة وراء الكون وعظمته، فيأتي الالتزام بأوامره ونواهيه قارب نجاة للفرد في خضم الحياة وتناقضاتها. لذا يعتبر الخطاب الديني الخلافة خلافة عن الله لتطبيق أحكامه والالتزام بقضائه وتنفيذ أوامره. وهذا ليس تمام ملاك الخلافة كما تقدم، فثمة فترة زمنية عاش الإنسان لوحده، وكان الناس أمة واحدة، لم يصفها بشيء، حتى وقع الاختلاف وبعث الأنبياء.

الإنسان الوارث

في موازاة آيات الخلافة الربانية تحدد آيات أخرى مصير الخلافة الربانية، بمعنى الاستخلاف وورثة الأرض، وتقرر حتمية تاريخية، أو بالتعبير القرآني "سنة إلهية"، وهي مجموعة قوانين وصفها القرآن بأنها: (سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً)، كقوله: (َوأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا). فثمة شرط، يغدو المشروط فعليا بفعليته. فالاستقام وفقا لهذه السنة الإلهية شرط لوفرة الماء. وإنما نقول إلهية لأنها تتقوم بالإيمان الذي يربط كل شيء بالله. وفي موازاة السنن الإلهية هناك القضاء والقدر، وقد قدر الله أن يرث الصالحون الأرض: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ). فثمة سنة إلهية يستبطنها النص القرآني تربط مصير وراثة الأرض بوجود عباد صالحين، وليس خصوص المؤمنين. وفي هذا المورد خصوصا يراد بالصلاح، إعمار الأرض وتسخيرها لخدمة البشرية. وهذا لا يمنع وجود مصاديق أخرى للمفهوم فهو مشترك لفظي: كإصلاح النفس، وإصلاح المجتمع إلى غير ذلك. فالآية ناظرة إلى خلافة الإنسان بما هو إنسان، وهو مقتضى سياقها. إذ لم تشترط سوى "الصلاح" في وراثة الأرض. وصلاحها اعمارها وفق سنن الكون والعقل، بما يخدم البشرية، بالعدل والإحسان، بعيدا عن الظم والجور. وهي المهمة التي خُلق لأجلها الإنسان.

في مقابل آية: (وَعَدَ اللّه الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ). الناظرة إلى خلافة خصوص المؤمنين، وشرطها الإيمان والعمل الصالح، لا فقط الصلاح. فقد يصلح الإنسان الأرض لكنه لا يعمل صالحا بالمعنى الأخص، وهو إتيان الطاعة بداعي "القربة لله" أو "التقرب لله تعالى". فثمة خصوصية في الآية الثانية، تشي بمهمة تتعلق بالرسل والأنبياء، وهي مهمة الهداية والقيام بالعدل والقسط. فالآية الأولى قضاء إلهي، هبط بموجبه الإنسان إلى الأرض ومارس خلافته فعلا، شريطة الاصلاح لديمومتها واستمرارها. أما الآية الثانية فمصاديقها استخلاف الأنبياء والرسل: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض. وقد تحققت مع كل مع الرسل والأنبياء، وتتحقق عندما تتوفر شروطها، ومهمة هذا النوع من الاستخلاف ليس الحاكمية الإلهية التي هي ولاية حصرا له، بل وضحتها آية: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بالعدل.

لقد تناولت الآية الأولى في كتاب مدارات عقائدية ساخنة، أجد من المناسب إعادة بعض فقراتها بما يناسب المقام، وكان الحديث حول حصر مصداق الآية بالمهدي المنتظر وفقا للنظرية الشيعية، غير أن البحث بعد النقد والتحقيق انتهى لأمر آخر:

ليس لآية (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)، علاقة بموضوع المهدي وظهوره، لتعدد مفهوم الإصلاح وتعدد أبعاده ودلالاته من خلال سياق الآيات. فالإصلاح هنا ناظر للأرض بجميع أبعادها بقرينة: (يرثها، والأرض، وعبادي الصالحون). فشرط وراثتها إصلاحها، والاصلاح مساوق للاعمار، واستثمار خيراتها وطاقاتها. ولا مانع من وجود شرط الاستقامة في الوراثة الخاصة. فالآية الكريمة تفترض وجود مصلح يرث الأرض ويستعمرها. والإنسان الصالح من دأب على فعل الأعمال الصالحة، وهي غير محصورة بالعبادات، بل تشمل كل عمل فيه صلاح للنفس والناس والمجتمع، فتجد مفهوم العمل الصالح في القرآن مطلقا في أغلب موارده. ومعنى وراثة الأرض وفقا لهذا الفهم، القدرة على استثمارها من خلال اكتشاف قوانين الكون وتسخيرها، والاستفادة من خيراتها، فإنها ستكون دالا على وجود خالق حكيم هو الله.

إن معنى ورثتُ الشيء، أي انتقلت ملكيته لي، أو صار في ملكي وتحت تصرفي.  وهنا لا يصدق حرفيا مفهوم انتقال الملكية، لأن الأرض لا تملّك لأحد سوى الله عزوجل خالقها، فالمراد بورثة الأرض القدرة على التحكّم بها والاستفادة من خيراتها، ولا تعني خصوص السلطة والحكم كما يرى بعض المفسرين، رغم أن السلطة مشمولة بها، لكن لا دليل على الاقتصار عليها. فيرثها من كان صالحا، أي قادرا على إعمارها وإصلاحها بعد اكتشاف قوانين الطبيعة، من أجل إصلاح الحياة والإنسان والمجتمع، وهذا أحد أهداف خلق الإنسان: (أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا). وقد ورث الغرب الأرض منذ مئتي عام بعد اكتشاف قوانينها، فاستثمر خيراتها وطوّر حياته، وحققت الآية بعض مصاديقها. فالآية الكريمة لم تشترط في وراثة الأرض أن يكون الوارث مؤمنا أو مسلما أو أي صفة دينية أو روحية إنما اشترطت الصلاح. غير أن المسلمين ركزوا على السلطة، بينما الغرب راح يتفوق من خلال تجاربه وعلومه واكتشافاته وصناعاته، بعد أن أدرك أن الكون ينتظم بقوانين، واكتشافها سيساهم في استثمار الأرض وتسخيرها.

الحضارات بنيت بتراكم جهود جبارة هائلة أثبتت قدرة الإنسان بما استودع الله تعالى فيه وفي الكون من قوانين وقدرات هائلة. فكان رهانه تعالى مع الملائكة على قدرة الإنسان في خلافة الأرض وإعمارها، الذي سيفضي إلى الإيمان المطلق بخالق هذا الكون، من خلال العقل والتجربة، وهو المطلوب. وسيثبت الزمن مستقبلا مفاد الآية المباركة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً  قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). فكان سبب استغراب الملائكة زاوية النظر عندما قالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)؟. ثم احتجوا عليه: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ). فكأنهم قالوا: كيف تجعل من يسفك الدماء خليفة ونحن نسبح بحمدك؟

 وهي نظرة محدودة عندما جعلت الإيمان والتقوى ميزانا وملاكا لخلافة الأرض، من وحي وعيهم وعلمهم. فأجابهم الخالق جوابا يؤكد وجود ما لا يعلمونه: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). وهو ما تجهله الملائكة حول فلسفة الخلق ومتطلبات مهام وجود الإنسان على الأرض. فالاقتصار على البعد الإيماني كان أمرا طبيعيا يتناسب مع وعيها، فهي لا تتعقل وجود من يشارك الخالق ببعض صفاته، ولو كانت مشاركة نسبية، فهي صفات خاصة. بينما تتطلب خلافة الإنسان وجود عقل فعّال، هو مقتضى ملاكاتها، وقد أشار له تعالى في بداية محاورته حينما عبر بلفظ الخليفة، فقال: "إني جاعل في الأرض خليفة"، لكن الملائكة لم تدرك مراده. لأنها لم تعاصره، فلا تعي حقيقته وجوهره، لذا لم يتبادر لذهنهم سوى سفك الدماء. مما يؤكد بساطة وعيهم لمفهوم الإنسان. فهو وعي إجمالي لا تفصيلي، قياسا على ما هم عليه من خصائص وصفات وإمكانيات مطبوعة على الطاعة، وعندما تتمرد على إرادة الله تفسد وتسفك الدماء.  بينما أثبتت الإنسانية قدرتها على مواجهة تحديات البيئة والحياة، واستطاعت استخلاف الأرض بجدارة، وما زال الطريق أمامها للإيمان بخالق الكون عن طريق العلم وذات العقل المتمرد. ففي كل اكتشاف تزداد نسبة الإذعان لوجود خالق لهذا الكون، وهو المطلوب.

ليس بالضرورة وجود مخلوقات سابقة  قاست الملائكة فساد الخليفة / الإنسان، عليها، لكنه تعبير عن وعيها لذاتها والآخر ضمن قبليات مفاهيمية تحصر الفعل الإرادي بين الطاعة المطلقة / الملائكة (المقربون من الله). أو الفساد وسفك الدماء / غيرهم (المبعدون من الله). ولا توجد حالة ثالثة، فجوابها ثمرة وعي محدود، لا يعرف شيئا عن العقل وعن قيم ومبادئ إلهية لم تطلع عليها من قبل، فقد شاء الله بعد أن وهب الإنسان العقل أن يكون مسؤولا عن سلوكه وأفعاله، وشاءت رحمته أن يغفر له خطاياه عندما يتوب لبارئه، ويعفو عنه ليتقوم سلوكه ويواصل حياته ومسيرته الكونية.

ربما لم يقل بهذا الرأي أحد، لكنه اجتهاد شخصي واستنطاق للآيات الكريمة، فليست الأمور كما تشتهي الفرق والمذاهب الكلامية بل هناك قرآن وعقل، هما المحددان الأساسيان في صياغة أية عقيدة دينية، وأي خروج عليهما لا قيمة له مهما كان عدد الروايات والأخبار، بعد تعمد المسلمين الكذب على الله ورسوله. وقد كذبوا على النبي الكريم في كل شيء، وما من فكرة أو عقيدة أو فضيلة، إلاّ وادعوا وجود روايات وأخبار عن الرسول الكريم كذبا وافتراء. محمد بن عبد الله هو الصادق الأمين، وهو المؤتمن على القرآن والرسالة والوحي، وهو الأعرف بكتاب الله وآياته، فكيف يقول ما يعارض الكتاب الكريم والعقل؟ هذا مستحيل، بعد أن وصفه القرآن بالأمانة والصدق وحسن العقل، وقد أدى رسالته بنجاح كبير. (ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين ...).

رؤية مفهومية

خلاصة ما تقدم، ليس في مفهوم الخلافة الربانية سلب لإرادة الإنسان. ولم يكن مجبرا، سوى ما تفرضه القوانين الكونية باعتباره بشرا محكوما بها، فيخضع للجبر التكويني بفعل قوانين الكون، وهذا خارج عن إرادته. ولا يصدق السلب على التفويض، حيث فوض الله للإنسان حريته وإرادته وجعلهما لوازم لوجوده من وحي عقله وقدرته على التحكم بسلوكه، فيكون مسؤولا أمام اختياراته. وعلى هذا الأساس يمارس الفرد حريته. وحينما يلتزم بشريعة السماء أو يتمرد عليها يفعل ذلك بكامل إرادته. والكلام حول حقيقة الفعل وليس التمظهر الخارجي، فقد يجبر الإنسان على سلوك لا يؤمن به خوفا من سلطة الدول أو المجتمع. (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). وعلى العكس فإن مفهوم الخلافة الاصطلاحية خلافة مقيّدة بحدود التفويض والصلاحيات الممنوحه له من قبل المنوب عنه. فيتضمن المفهوم السلب. وهذا لا تجده في الخلافة الربانية لأنها تعني تفويضا للإنسان بوراثة الأرض وتشييد حضارته بفعل قدراته العقلية، المقوم الذاتي للإنسان، وهو الفصل المميز في الحد التام منطقيا. فالتفويض يتمثل بالعقل. وكان العقل شرطا لوراثة الأرض، ومن يتخلى عن عقله، يتحمل وزر عمله، فكانت آخر وصية للخالق قبل هبوط آدم للأرض: (ُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). فالقيود والسلب شرط الإيمان. فمن يؤمن بشريعة السماء يتقيد بتعاليمها، وهذا شرط في العقد. ويكون بإرادة الإنسان. وجميع هذه التصورات أطرحها ضمن نظرية الخلافة أو نظرية الإنسان التي أسعى دائما لتأصيلها، وقد كتبت عنها كثيرا. في مقابل نظرية العبودية التي أنهكت الإنسان فقهيا وعباديا. الأولى تحرير للوعي، والثانية تكريس الوعي السلبي.

يأتي الحديث في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 


 

majed algharbaw10

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (150):  فلسفة الخلق

خاص بالمثقف: الحلقة الخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: احمد مانع الركابي.

 

احمد مانع الركابي: مدرس وشاعر / العراق: الأستاذ الفاضل ماجد الغرباوي، حين قرأت الحلقة (79) الفقيه ومنطق العبودية، وجدت فكرا قيمته الوعي والإخلاص لكسر قيود الجمود الفكري وتحفيز العقل للحركة بخطى التجديد الفكري. فدارت في مخيلتي عدة أسئلة أود أن أبدأها بسؤال حول العبودية وفلسفة خلق الإنسان، وهذه الأسئلة تشكل هاجسا وجوديا طالما تناوله العقل الجمعي، وأوجد لها فلسفات عدّة، وهنا أحببت أن أطرحها على جنابكم الكريم لبيان وجهة نظركم:

فلسفة الخلق

س137: احمد مانع الركابي: ماهي وجهة نظركم لخلافة الإنسان للأرض؟ حيث أن المعنى اللغوي للخليفة، هو أن يخلف شخص شخصا آخر في حال غيابه، مع العلم أنّ الله سبحانهُ وتعالى موجود وحاضر!؟.

ج137: ماجد الغرباوي: أرحب بالأخ الأستاذ الشاعر القدير احمد مانع الركابي، وأشكره على تفاعله وأسئلته المهمة.

الحديث عن الإنسان تارة يكون عن أصله ومنشأ وجوده. وأخرى يُقتصر الكلام على فلسفة خلقه، وبيان هدفه في الحياة الدنيا، باعتباره كائنا بشريا تميّز بعقله وقدرته على تطوير حياته. أو بامتيازه بعقل خلاق مبدع. فتكون الحرية والإرادة والمساواة لوزم وجودية في ضوئها يواصل مسيرته، ويرسم هدفه.

أما بالنسبة للأول، فثمة اختلاف بين النظريتين الدينية والوضعية حول أصل الإنسان. الثانية "نظرية التطور" تعتقد أن أصل الإنسان من القرد (دارون). وثمة من يعتقد بانحدارهما من أسلاف سابقة.

 في مقابل النظرية الدينية التي تؤكد استقلالية البشر في أصله الترابي (الكتب المقدسة): وجاء في القرآن: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ)، فكان آدم وكانت حواء، ثم تناسلت البشرية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً). وتحري هذا البعد خارج عن موضوع السؤال.

النظرية الوضعية

وأما البعد الثاني: "فلسفة الخلق وهدف الإنسان في الحياة"، فإن النظرية الوضعية لا تؤمن بما وراء الطبيعة. أو تؤمن لكن ترى أن أصل الإنسان حيوان، وثمة ثالث يعتقد بوجود خالق يختلف عن إله الأديان، فيكون الإنسان مسؤولا عن مصيره (سبينوزا). لا يرهن وجوده لوصايا فوقيه أو ميتافيزيقية. ولا أولوية سوى أولوية مصالحه، وليست هناك فلسفة محددة وراء خلقه، وهناك عوامل عدة تتحكم بمصيره، ليس الدين أحدها، حتى وإن كان مؤمنا بوجود خالق. وكان قدر الإنسان أن يجد نفسه محاطا بالحياة وتحدياتها، فانطلق بدوافع حب الذات لتأمين أمنه وسلامته ومواصلة حياته، عبر مراحل تاريخية معروفة، بدأت بالمرحلة البدائية والآن يخوض الإنسان فتوحات علمية وتكنلوجية مهولة. وقد سنَّ أنظمة سياسية واقتصادية وتعليمية تكفل سعادته، حينما تستوفي شروطها. وتصدى بنفسه أيضا لتشريع قوانين يعتقد أنها تضمن آمنه واستقراره، من وحي تجاربه، ومحاولاته الجادة لفهم ما يدور حوله، بعد أن جرّب الأنظمة الدينية ردحاً طويلا من الزمن. فانتهى إلى فصل الدين عن السياسة، واعتباره أمرا شخصيا، لا علاقة له بالحياة.

وبالتالي فهذه النظرية لا تؤمن بالخلاص الأخروي، ولا ترهن مصير الفرد لعالم ميتافيزيقي. ترفض سلطة المؤسسات الدينية، وتؤمن بمركزية الإنسان وقدرته على اتخاذ القرارات الصائبة كي يواصل المجتمع مسيرته، ثم تنتهي حياته بالموت، كقدر محتوم على البشرية جمعاء. وبهذا أوصدت الثقافة العلمانية الباب أمام وصايا رجل الدين، وأية وساطة يدعيها بين الإنسان وربه، وتركت الفرد يواجه مصيره بنفسه، اعتمادا على عقله وتجاربه العلمية، لا تثنيه المقولات الدينية عن مواصلة اكتشافاته وفتوحاته المعرفية. ومن ثم طوّر مناهجه ونظرياته، وغدا الغرب الذي يتبنى النظريات الوضعية نموذجا للرقي الحضاري، من خلال تكريس ثقافة التسامح، والاعتراف الحقيقي بالآخر وحقه في الحياة وممارسة حرياته بما فيه الحريات الدينية.

وهناك من فسّر التاريخ تفسيرا ماديا بعد اكتشافه لقوانينه (ماركس)، الذي يعتقد ثمة صراع طبقي يقود الإنسان، ووسائل انتاج تتحكم بمستقبله، وعليه المكابدة لإلغاء الملكية الشخصية التي هي سبب الصراع، وسبب تعاسته وشقائه في ظل نظام رأسمالي يتبناها ويوفر لها الحماية اللازمة. ليعيش الناس مساواة حقيقية وحياة مثالية بعد إضمحلال حب الذات!!. والنظرية مفرطة بمثاليتها. كيف يتخلى الإنسان عن نوازعه الفطرية، كحب الذات؟. ولماذا ينظر إلى بعده المادي دون بعده الروحي؟. وهناك آراء ترتهن التطور التاريخي لعوامل أخرى.

النظرية الدينية

تُقدم الأديان تفسيرا دينيا لفلسفة الخلق، وهدف الإنسان في الحياة، في إطار نظرة كونية، تؤمن بوجود خالق حكيم لهذا الكون، وتؤكد وحدته وقصديته وخضوعه لإرادة وعناية إلهية. (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا)، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ). والآية تؤكد ترابط أجزاء الكون، ترابطا عضويا، فيكون وجود الإنسان شرطا ضمن حركيته وقصديته، (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ). وهذا لا يسلب الفرد حريته واستقلاليته، ولكن يؤكد وجود دور وجودي للإنسان، ينتظم في حركة الكون، ضمن شرطه الوجودي.

وتعتقد النظرية الدينية أيضا بوجود حياة ثانية بعد الموت، يحاسب فيها الفرد عن جميع أعماله وسلوكه في الدنيا، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ). فهي فلسفة  تربط الحياة الدنيا بالآخرة، وترهن مصير الفرد أخرويا بعمله، لامتصاص تداعيات النظرة المادية للحياة، بدلا من مكافحة الملكية الشخصية وتفتيت حب الذات، الذي هو قضية مستحيلة، لأنها قضية فطرية. وبهذا الشكل يضفي الدين معنى على حياة الإنسان حينما يعده بيوم الجزاء جزاء لاستقامته ومشاركته في استباب العدالة الاجتماعية، من خلال تضحياته بجهده وماله ورغباته. فالإيمان بخلود الفرد بعد الموت، وارتهان مصير الإنسان لعمله في الدنيا، يدفعان باتجاه العمل، وتحرير النفس من اليأس والقنوط والكآبة. تضمحل في أعماقه مشاعر اللاجدوى واللامبالاة. ودائما ثمة آمل يرتهن له مصيره، فثمة حياة خالدة، هناك توفى كل نفس بما كسبت: (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). ففكرة الحياة الأخرة (إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا)، تخلق مشاعر إنسانية تحد من جشع المال والسلطة والظلم والاستبداد، ولا حاجة حينئذٍ لإلغاء حب الذات، الذي هو نازع فطري لدى الإنسان. فالنظرية الدينية تراهن على التقوى والإيمان في مقابل النظرية الماركسية التي تراهن على إلغاء حب الذات، وهو مستحيل. لذا فالأولى تؤمن بأن الصراع تاريخيا كان وما يزال صراعا فكريا – عقديا. صراع بين الحق والباطل. بين الله والطاغوت. فتجد الكتب المقدسة تتحدث عن تاريخ الرسالات، ومكابدات الأنبياء مع أقوامهم، ومشاهد انتصار الحق على الباطل، وفق ثنائية مؤمن / كافر. فالخلاص ينحصر بالإيمان بالله ورسوله وملائكته وكتبه، وتبني قيم السماء وتشريعاتها وفق نظرة كونية توحيدية. فثمة فكرة تحرك التاريخ وليس الصراع الطبقي كما تذهب لذلك النظرية المادية.

وترى النظرية الدينية ثمة فلسفة وراء خلق الإنسان: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ)، (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ)، (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ). ويراد للإنسان أن يحقق غاية الخلق، كما تبيّنها مصفوفة آيات زاخرة برمزيتها ودلالاتها التي لا تقف عند حدود الماديات، بل قد يؤثر التفسير الحرفي سلبا عليها: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ). ثم راح يستعرض قدرات وإمكانيات خليفته / آدم / الإنسان (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ). ثم طلب من الملائكة السجود لآدم (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، في إشارة بليغة جدا، إذ معنى السجود الخضوع لمبرر رمزي أو مادي، وآدم بعد أن تعلم الكلمات، التي هي تجلٍ للعقل، استحق التبجيل لا تشريفا واعتبارا فقط، بل بمعنى الإذعان للعقل وقدراته الخارقة. وقد جاء في الخبر: (لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك، بك آخذ، وبك أعطي، وعليك أثيب). وفي خبر آخر: (بك أثيب وبك أعاقب). فالإذعان للعقل ليس تشريفا بل هو حقيقة الإنسان / آدام، فسجود الملائكة يرمز للتفاعل الإيجابي مع العقل ومعطياته، في مقابل إبليس الذي تنكر للعقل: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ). فالاستكبار مكابرة من وحي غطرسته وتشبثه بأولويات لا تمت للحقيقة، لذا عبرت الآية: وكان من الكافرين. والكفر هو الإنكار والستر. هو يعرف حقيقة العقل، لكنه استعلى. فهو يرمز هنا للمغالطة، حينما رفض الإذعان للعقل. كل هذا يدل عليه، مجيء طلب السجود بعد أن أنبأهم آدم بالأسماء، فالإنباء تجلٍ للعقل الذي فرض عليهم الإذعان، بعد الاعتراف بحقيقة جديدة اسمها الإنسان العاقل، الذي يشبه العقل الكلي / الله.

وكان الحوار في جزئه الأول متقدما على الخلق الفعلي. حوار على مستوى التصور، تناول اعتراضات وإشكالات محتملة، لتعذر الحوار المباشر بين الله والملائكة، باستثناء من جوّزوا رؤية الخالق. أو أنه حوار بلسان الحال، وعلى لسان الملائكة، وكأنه حوار مباشر: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ). فكان سرّ عظمة آدم / الإنسان في عقله، وهي قدرة خارقة،  لم تألفها باقي المخلوقات باستثناء الإنسان، الذي بعقله المطلق يمكنه استخلاف الأرض وإعمارها. بل ويصدق أنه تجلٍ للعقل الكلي / الله، (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ). فهو نفحة الله، لذا لم يستعرض من أبعاد شخصيته أمام الملائكة حتى أذعنوا وسجدوا له سوى بعده العقلي. لم يشر لإيمانه، ولا لتقواه، ولا لعبادته، بل تباهى بعقله، القدرة التي تستوفي شرط الخلافة. فالإنسان نال شرفها بعقله أولا وقبل كل شيء. ويبقى العقل رهان نجاح الإنسان، حينما يرتكز له الإنسان ويتخلى عن الخرافة واللامعقول.

لقد كان قوله: (فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) مفاجئا للملائكة، فهو يعلم عجزهم عن ذلك، وقالوا: لا علم لنا إلا ما علمتنا. فلما(أَنبَأَهُمْ [آدم] بِأَسْمَآئِهِمْ)، أذعنوا لحقيقة مفادها أنهم أمام مخلوق يتمتع بعقل هو تجل للعقل الكلي / الله. فسجدوا جميعا، بمعنى الإذعان والإقرار. وبسجودهم للعقل، الذي هو تجلٍ للعقل الكلي فقد سجدوا لخالقه. ولم يسجدوا لآدم الشخص، إذ لا يجوز السجود لغير الله. وبالعقل كرّم الله الإنسان: وكرّمنا بني آدم. وعلى أساسه يثيب ويعاقب.

ثم بعد ذلك حرص الكتاب على استعراض مراحل خلقه، ليبين لنا رمزياً قيمة الحرية في صدقية فعلية إنسانية الإنسان، وإرادته التي تعبر عنها، كي لا ننسى ذلك: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ). وهي مرحلة حضانة، عبّر عنها بالجنة، في إشارة إلى مثاليتها، ليغلق الباب أمام أي مبرر مادي لارتكاب المعصية، سوى نفسه. فالجنة أو الحياة المثالية كانت أرضا خصبة لاختبار العقل، وإرادة الإنسان، وهما شرطا الخلافة، التي كانت الهدف الأساس وراء خلق الإنسان. لذا بعد (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا)، تجلت عظمة الله في خلقه، واستخدم المخلوق البشري عقله بحريته وإرادته، وتحمل مسؤولية عمله واختياره، وغدا مؤهلا للنزول للأرض، لمواجهة تحديات الواقع، والقيام بدوره المنشود: (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) لكنه  ليس هبوطا آمنا، فالعقل لا يؤدي دوره الحيوي بمعزل عن عقلانية توازن الحياة وفق مصالح مشتركة، وإرشاد رباني ينبع من فطرته أو من خلال كتبه ورسله، لذا استبقت الآية نزولهما بتوضيح: (وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ). ولم تكن الخطيئة هي التي أخرجت آدم من الجنة كما يصرّ على ذلك العقل التراثي، بل نضوجه العقلي وقدرته على مواجهة الحياة واتخاذ قراره بحرية تامة وراء ذلك، وقد تحمّل وزر عمله، فقد عصا بارادته، لذا سرعان ما تاب عليه الله: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ). بل كيف تنسجم العقوبة مع الخلافة. إذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة. والخليفة هو آدم الإنسان، بكل ما تعنيه كلمة إنسان، واستعداده الفطري لعمل الخير والشر (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). فالخليفة لا يتعالى على شرطه الإنساني، ولا تضر بصدقيته الخطيئة، ولن تكن هي المقصودة في الآية. المقصود بيان كيفية ممارسة حريته وإرادته كشرط أساس لصدقية مفهوم الخلافة الأرضية. فهو لم يستبعد من الجنة لخطيئته بل هبط إلى الأرض ليمارس دوره الخلافي.

إن آدم وزوجه قد نالا جزاءهما، حينما أخرجهما الشيطان مما "كانا فيه"، حيث كانا في بحبوبحة العصمة عن الخطأ قبل استخدامهما للعقل وممارسة حريتهما: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ)، والإخراج هنا باختيارهما، الذي تمثل بعصيان تحذير الخالق: ولا تقربا هذه الشجرة. ومهما قلنا فهي تحسب معصية، وقد تاب الله عليه بعد أن تلقى منه الكلمات وانتهى الأمر. فالخروج مما كانا فيه، ليس بالضرورة أن يكون المقصود بها الخروج من الجنة. وحتى مع هذا الاحتمال فإن المقصود بالجنة هو الحالة الملائكية والقدسية قبل اقتراف المعصية.

فالمعصية تجلٍ للحرية والإرادة شرطا الخلافة  الأرضية. وعلى أساسهما يجزى المرء على عمله وسلوكه في الحياة الدنيا. أما مسألة الهبوط في الآية فمستأنفة، لها علاقة بمسألة الخلافة، لأن الإنسان / آدم مخلوق للأرض، ويجب أن يهبط لها، وكان بانتظار نضوجه العقلي، وبالتالي فهنا مسألتان، منفصلتان. ثم بدأت حياة الإنسان الفعلية، بعد اختبار العقل والمعصية: (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.). فمصفوفة الآيات تبين بوضوح هدف خلق الإنسان، ومراحل خلقه، ومهمته في الحياة الدنيا وما هي رهاناته التي يتحدد وفقها مصيره في الدار الآخرة. وقد عبّرت الآية عن هذه المهمة بالخلافة. إني جاعل في الأرض خليفة. فالإنسان هو رهان الخالق مع ملائكته عندما احتجوا على خلافته خوفا من فساده وسفكه للدماء (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ). واحتجوا أيضا أنهم أولى بها يسبحون بحمده ويقدسونه (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ)، لكنه: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). وهو ما تجهله الملائكة حول فلسفة وجود الإنسان على الأرض ومدى قدراته وقابلياته، فاقتصر نظرها على البعد الإيماني. بينما خلافة الإنسان أبعد، وقد أشار لها تعالى في بداية محاورته حينما عبر بلفظ الخليفة، فقال: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، لكنها لم تدرك مراده. فهم لم يعاصروا الإنسان ولا يعرفون عن قدراته الخلاقة سوى سفك الدماء قياسا على تجربة سابقة أو تصور له مبرراته، بينما أثبتت الإنسانية قدرتها على مواجهة كثير من تحديات البيئة والحياة، واستطاعت استخلاف الأرض بجدارة، وقد حققت تطورا حضاريا كبيرا. وكان المؤهل الوحيد بين مخلوقاته لمهمة الخلافة، وتحمّل أعباء الرسالة الربانية: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). فالإنسان للأسف يجهل حقائق الخلق، ويظلم نفسه حينما يتخلى عن رسالته. تلك الرسالة التي عبر عنها في قوله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ). فالربوبية تشير هنا إلى منظومة القيم والمبادئ الدينية والأخلاقية النابعة من الرؤية الكونية التوحيدية. فالاشهاد إشهاد بفطرة الإنسان باعتبارها جزءا من الكون، تدور في مدارات قصديته، والدوران ضمن مساراتها التكوينية. فالآية تشير إلى لحظة الخلق ووحدة الأصل التكويني، حيث كل شيء يدل فيها على وجود قدرته المتمثل بنظام الخلق. فالإشهاد داخلي، ضمني،  نابع من صميم النفس البشرية في دورانها التكويني، لا يمكن تكذيبه، لكن قد يغفل الإنسان وينسى. والأمر دقيق ولطيف يحتاج إلى تدبر وتأمل عميق.

وبالتالي، فمفهوم الخلافة الربانية

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi10خاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على ما تبقى من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

وجوب معرفة الإمام

س136: جابر علي مرهون: ما مدى صحة الحديث القائل: (من مات ولَم يعرف إمام زمانه مات ميته جاهلية). وكيف ينسجم هذا القول مع الإمامه السياسية ووضعنا الراهن؟!

ج136: ماجد الغرباوي: ورد في المصادر الشيعية مرسلا عن الرسول: (من مات ولَم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). كما في كتاب الكافي، للشيخ الكليني، والبحار والمحاسن وغيرها. بينما ذكرت المصادر السنية أحاديث مغايرة، كحديث مسلم أن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية). وحديث: (من مات مفارقا للجماعة، مات ميتة جاهلية). والاختلاف واضح بين الحديثين، رغم تأكيد بعض الكتب الشيعية على وحدة مضمونهما وشهرتهما. مفهوم الإمامة لدى الشيعة، مفهوم عقدي، له دلالات أوسع من البيعة وشؤون الحكم، وقد انبثقت عنه منظومة مفاهيم كالعصمة، وعلم الغيب، والولاية التشريعية، وبعضهم أضاف الولاية التكوينية أيضا. بينما الروايات السنية تتحدث عن وجوب بيعة الخليفة، والتحذير من خلعها، لأسباب تتعلق بالسلطة، وضرورة حفظ النظام، وعدم وقوع الفوضى، مما يشكل قرينة لفهم حديث آخر ورد في المصادر السنية أيضا: (في كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 489: "من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية"..). فثمة اشتراك بين موضوعي الحديثين، عندما يكون الإمام في السلطة، ويفترق الحديث الشيعي، ليؤسس لنفسه منظومة مفاهيم عقدية في ضوء مجموعة أحاديث هذا أحدها. ولا يخفى أن الحديث يستبطن موقفا دينيا وسياسيا، يؤكد شرعية الإمام المعصوم، وعدم شرعية خلافة غيره في السلطة، وهو الفهم الذي تأسس عليه المفهوم كما مرَّ الكلام. وهناك رواية في كتاب الكافي: (عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية، قال: قلت: ميتة كفر؟ قال: ميتة ضلال، قلت: فمن مات اليوم وليس له أمام، فميتته ميتة جاهلية؟ فقال: نعم.). ولا يخفى دلالة الحديث على الإمامة بمفهومها الشيعي من خلال قرائنه الداخلية. الإمامة السياسية لا تقتضي كفر وضلال من خلع بيعة الخليفة. كل ما في الأمر سيكون معارضا سياسيا. أو غير مهتم بالسياسة أساسا كأغلب الناس. (أصول الكافي، ج1،ح2، ص282، طبعة: دار المرتضى)

فقه النص

لا تخفى دلالات النصوص. كلاهما تفوح منه رائحة السياسة، وتوظيف الديني لصالح السياسي. أما الرواية التي تتحدث عن البيعة، وتحذّر من خلعها، فإنها تجرّد البيعة من مضمونها الذي يعني فسخها في حالة الإخلال بشروطها. فبيعة الخليفة تعاقد على شروط ملخصها "أن يلتزم المبايع ببيعته متى ما التزم الخليفة بها، وهي أن يحكم بالحق والعدل، ولا يستأثر بالسلطة، ولا يقدّم الولاء على الكفاءة، وعدم الظلم والجور ومراعاة مصالح الناس". ولازمها فسخ العقد إن أخلَّ بالشرط. وقد ذكر الرسول شروطه عند بيعة العقبة وبيعة الرضوان، وقد بايعه الصحابة عليها. بينما الرواية تريد تمضي البيعة الشكلية التي جرت للخليفتين الأول والثاني، حيث حسمت السقيفة بيعة أبي بكر، وعيّن أبو بكر عمر خليفة من بعده. فكانت بيعة الصحابة للأول والثاني بيعة إمضاء. وهي بيعة شكلية، أَلزم الصحابي نفسه بشروط فرضت عليه، دون استشارته وأخذ رأيه، فلم تطرح خلافة للأوَلَين للتصويت المباشر، ولم يشارك الصحابة بانتخابات حرة، نزيهة، وفق شروط محددة. وكانت العملية السياسية برمتها جديدة عليهم، غير أن ثقافة المجتمع سهّلت الأمر، إذ جرت العادة، مبايعة اللاحق بعد وفاة السابق، بدون أي استشارة قبلية. فالروايات جاءت لتدارك تداعيات هشاشة البيعة، خاصة بيعة الثاني، التي كانت مرشّحة للانفجار لولا صرامة شخصية عمر وسطوته وخشونته. فجاءت الرواية لتجعل من البيعة مصدرا لشرعية الخلافة، بشكل ينتهي دور الفرد بالبيعة، وتتحول إلى عقد بين الفرد وخالقه، حتى إذا خلع بيعته "لقي الله يوم القيامة ولا حجة له"!!!، كما تقول الرواية. لكن ماذا لو خلع بيعته نتيجة لإخلال الخليفة بشروط بيعته، فهل ينتقض العقد، ويصبح من حق المتعاقد / الناخب فسخه؟. هنا الرواية لا تسمح بذلك، وتحذّر مَن "خلع يدا بايعتها"، وتعتبر ميتة من فارق الجماعة ميتة جاهلية. وهذا واضح جدا في ثنايا الروايتين: (من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية)، (من مات مفارقا للجماعة، مات ميتة جاهلية). فالرواية تقمع المعارضة وتضمن استمرار سلطة الخليفة. والإنصاف أن عمر بن الخطاب كان أعدل من الرواية، وألصق بروح العدل، فقد قام خطيبا، وطالب تقويمه بالسيف إذا انحرف عن شروط البيعة، وهي القيام بالحق وعدم استغلال المنصب. (أيها الناس من رأى فيَّ اعوجاجا فليقومه..). وعندما اعترض عليه سلمان الفارسي: (من أين لك هذا البُرد الذي ائتزرت به، وقد نالك بُرد واحد كبقية المسلمين، وأنت رجل طوال لا يكفيك بُرد واحد)، لم يغضب عمر بل نادى على  ولده ليشهد بعائدية القطعة الثانية له. وهذا هو الفهم الحقيقي للبيعة الفعلية والإيجابية. والغريب أن راوي الحديث عن الرسول هو ابن عمر!. وبالتالي الرواية تتدارك إشكالية السلطة، وعدم شرعيتها، وتريد فرضها أمرا واقعا. فعمر الذي اعتبر بيعة أبي بكر "فلتة". وأوصى: "لا تعودوا لمثلها"، يقصي شرعية خلافته عن المساءلة، فكان سكوته إمضاء لهذا اللون من البيعة بنظر التابعين ومن جاء بعدهم. ويكون الأمر أكثر وضوحا في عصر الدولتين الأموية والعباسية، حيث تجاوز الخلفاء قيم الدين، واستغلوا السلطة وثروات المسلمين، واستباحوا الدماء وهتكوا الأعراض، والتاريخ شاهد بأرقامه المرعبة. فمقتضى الروايات حرمة خلع البيعة، ومن باب أولى عدم جواز محاسبته، ووجوب طاعته مطلقا.

ولو صح صدور الرواية عن النبي فهي ناظرة لبيعة: "العقبة الاولى والثانية والرضوان"، وفق مفهومها العرفي: التزام الطرفين بمضمون العقد، وفسخه عند الإخلال بشروطه. ولا يقصد شرعنة السلطة من خلال البيعة مطلقا، حتى مع عدم وفاء الخليفة بشروطها. لان العقود عرفية، متفق عليها، وقد حث القرآن على الوفاء بها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ). وليست البيعة السياسية أول عقد كي يختلف حول مفهومه الناس. بل أن الحياة قائمة على العقود والمواثيق، خاصة آنذاك. والمسلمون أيضا يفهمون هذا المعنى من البيعة، فتخلوا عن بيعتهم وخلعوا عثمان عن الخلافة، بعد عدم وفائه بشروطها، وطالبوه بالتنازل عن الخلافة فرفض، وسعى لشرعنة خلافته خارج حدود البيعة، عندما قال: (لا أخلع قميصا سربلنيه الله)، وأيضا فشلت محاولاته، وانتهى الأمر بخلعه قتلا. السلطة بعد الرسول مثلت إشكالية، فراحت الروايات تتدارك هذه المشكلة، بروايات منسوبة للرسول، وبالتالي فالرواية تصنّف ضمن الروايات الكثيرة التي ظهرت فيما بعد لتعضيد السلطة، ونزع مشروعية المعارضة، ابتداء من السلطة الأموية، مستفيدة من سلطة النص، وهيمنة الرواية على الوعي، فما أن ينسب الحديث للرسول يمتثل المسلم تلقائياً. أو لا أقل يتوقف عن رفضه، ويخشى رده، ثم يأتي العقل الجمعي، ليسوّقه ثابتاً دينياً، فيغدو حقيقة دينية، تترتب عليها أحكام تصل حد القتل. لقد لعب النص دورا هائلا في توطيد السلطة، منذ وفاة الرسول، ومازال يلعب دورا مستقلا أو بضميمة مقدمات تمهّد لشرعيته وهيمنته.

وأما الإمامة بالمفهوم الشيعي وفق رواية: (من مات ولَم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). فلها دلالتها، التي تشترك مع الأولى عندما يكون الإمام في السلطة، وتفترق عندما يكون خارجها، بمقتضى إطلاقها، سواء كان في السلطة أم خارجها، فالحكم واحد لمن لا يعرف إمام زمانه، أن ميتته ستكون ميتة جاهلية. فالرواية تؤسس للإمامة في موازاة الخلافة، فتكون معرفة الإمام فرضا لتفادي ميتة الجاهلية، التي تسلب المرء إسلامه فضلا عن إيمانه، وتحبط أعماله، مهما كانت صالحة، بحيث تكون معرفة إمام الزمان شرطا في قبول الأعمال، وهذا أحد لوازم الرواية. بل أن ظاهر الرواية باستخدامها كلمة "معرفة"، تذهب إلى ما هو أبعد من معرفة اسم الإمام، أو الإكتفاء بكونه إماماً، وتطالب بمعرفة يعي من خلالها الفرد مدى شرعية سلطة غيره، على الصعيد السياسي. ودلالات أكبر على الصعيد العقدي، نقاربها في ضوء محددات دينية وعقلية، هي:

- إن مفهوم الإمام الوارد في الرواية مفهوم مبهم، غير معروف في زمن صدور النص (عصر الرسالة)، باستثناء دلالاته اللغوية في سياق الآيات التي ذُكر فيها لفظ الإمام. ولم تحدد الرواية معالمه وخصائصه وصفاته وآلية معرفته.

- تشتمل الرواية على بعد تشريعي، فهي تؤسس لمفهوم الإمامة، وتشرعن سلطات الإمام. والتشريع وفقا لمنهجنا مقتصر على الله تعالى، وليس لأحد أية ولاية تشريعية، كما ذكرت ذلك بأدلة مفصلة.

- إذا كان مفهوم الإمام مبهما في الرواية، فهي إما أن تحيل على الإمامة السياسية التي تعني إمامة أمور المسلمين، أو أنها تحيل على مفهوم الإمامة ضمن نسق عقدي خاص، فتكون حجة على من يؤمن به، وهم خصوص الشيعة، فلماذا نعممها لغيرهم؟. وأما إذا كانت تحيل على المعنى العرفي، فلا يعدو معناه السياسي في أحسن الأحوال. وأما دلالاته اللغوية المتداولة عندهم: الإمام من أمَّ الناس، قادهم، وتزعمهم. بينما مفهوم الإمام في الفكر الشيعي شيء مختلف وإن تضمن دلالته اللغوية.

- الإمامة اصطفاء، كما مرَّ الكلام مفصلا، ولم يتحدث القرآن عنها، سوى إشارة مجملة لإمامة إبراهيم. ولا معنى أن تحيل الرواية عليها، لأنها تتحدث عن إمامة يعيشها المسلم فعلا.

- لم يعتبر القرآن الإمامة جزءا من العقيدة، ولم يشترطها النبي على من بايعه، سوى أن يشهد المسلم بالشهادتين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. فكيف يموت المرء ميتة جاهلية إذا لم يعرف إمام زمانه؟. (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ). وكتبه لم تتحدث حولها، كما هي مفهوم ومتداول الآن.

- لم يعتبر القرآن الإمامة شرطا في قبول الأعمال، بينما تحبط أعمال العباد إذا جهلوا الإمام، ويموتون ميتة جاهلية وفقا لهذه الرواية وغيرها. "وما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار"، كما جاء في بعض الروايات.

- لو صح صدور الرواية جدلا، فهل الرواية شاملة لعصر النبي؟ فلماذا لم يشترطها الخلفاء من بعده بما فيهم علي بن أبي طالب، عندما انهال عليه الناس يبايعوه؟. ولماذا لم يتذكرها الصحابة خلال بيعة الخلفاء من بعده؟.

- تحيل الرواية الثانية، رواية عبد الله بن أبي يعفور عن الإمام الصادق، على قول للنبي لم يذكر مصدره. لكن قد تكون مسلّمة عند الإمام الصادق فتفاعل معها، وأبدى رأيه فيها: (عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية، قال: قلت: ميتة كفر؟ قال: ميتة ضلال، قلت: فمن مات اليوم وليس له أمام، فميتته ميتة جاهلية؟ فقال: نعم.). وهي تختلف مضمونا عن الروايات الشيعية التي تفتتح بعنوان "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية". رواية بن أبي يعفور تتحدث عن ارتباط فعلي بالإمام فضلا عن معرفته، فـ"من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية". وهو ارتباط أعم من الحضور والبيعة المباشرة. وقد يشمل انعقاد القلب على إمامته ولو بمعرفة اجمالية، وإلا سيهلك الشيعي قبل غيره.

الملاحظة الأساس على هذه الرواية أن عبد الله بن أبي يعفور ليس شخصية عادية ليسكت على مضمون الرواية. بل هو من كبار أصحاب الإمام الصادق، وقد انتسبت له فرقة اليعفورية، المعتدلة والعقلانية، التي تم قمعها فور ظهورها، بسب رؤيتها للإمامة والإمام. إذ الثابت تاريخيا أن عبد الله بن أبي يعفور، معروف باعتداله، ورفضه للغلو بكل تفصيلاته، ولا يزيد على بشرية الإمام وعلمه كفقيه، ومن العلماء الأبرار لآل محمد. وقد ذكرت في مناسبة، مناظرته مع المعلى بن خنيس شيخ الغلاة، بحضور الإمام الصادق وقد تعالت الأصوات والإمام يتبسّم!!، ولو لم ينحز في نهاية الأمر لعبد الله بن أبي يعفور، لكان شرخا كبيرا في صفوف أصحابه، حيث كان المعلى بن خنيس يضع الإمام موضع الرسول، ويمنحه جميع خصائصه، وكان بن أبي يعفور يرفض ذلك بقوة، ويبرهن على بشرية الإمام. (كان بن أبي يعفور يقول: "الأوصياء علماء أبرار أتقياء". وكان المعلى بن خنيس يقول: "الأوصياء أنبياء"... أنظر الكشي، ترجمة بن أبي يعفور: 125).

وفي حينها سجلت ملاحظة: كيف يجالس الإمام المعلى بن خنيس وكبار الغلاة، ويعتبرهم من كبار أصحابه، وعلى ماذا يدل هذا؟؟. وغيرها من أسئلة استفزازية. والسؤال هل يعقل عدم اعتراض عبد الله بن أبي يعفور على الرواية التي تصادر أعمال الناس مهما كانت صالحة، بسبب الإمامة التي يعلم هو والصادق أنها ليست شرطا في قبول الأعمال؟. يبدو لي أن نسبة الرواية لعبد الله بن أبي يعفور، كانت محسوبة جدا من قبل الغلاة، حيث كان أحد أساليبهم لتسويق الروايات الضعيفة، استبدال السند الضعيف بسند صحيح. كل هذا اضافة على ما يسجل على سند الروايات في باب: من مات ولم يعرف إمام زمانه. فقد ورد في سند رواية عبد الله بن أبي يعفور، "معلى بن محمد". قال عنه النجاشي: "مضطرب الحديث والمذهب"!!!. وقال الغضائري، "يُعرف حديثه ويُنكر". ولا يلتفت لتوثيق الخوئي في كتاب رجال الحديث، لانه اجتهاد عبد 1400سنة لا رواية. والنجاشي حجة في توثيق الرواة لدى الشيعة، وكتابه مدار التوثيق، بل ويقدم على غيره في حالات التعارض. ووجود راوٍ مضطرب الحديث والمذهب في قضية عقدية، يجعل منه متهماً.

دلالات ضمنية

ثمة دلالات ضمنية في رواية عبد الله بن أبي يعفور، تكشف دقة صياغتها، لتعكس اتجاها عقديا، يرتهن كل شيء للإمام. ولا ريب فالتشيع موقف سياسي، ثم غدت الإمامة محوره التي شغلت جميع المناظرات السياسية والكلامية فيما بعد. بل أن الإمامة أحد أهم إشكاليات السلطة السياسية في موازاة الخلافة. وقد اضطر الجدل المحموم حول شرعية السلطة / الخلافة / الإمامة إلى تأويل الآيات، ومن ثم التشبث بروايات الفضائل، ونسبة روايات للرسول، وعندما بدأ التأسيس للمقولات الكلامية، كانت الإمامة في صلب موضوعاتها، ابتداء من خلافة معاوية. يقول الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل: (وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُل على الإمامة في كل زمان).

لقد واكب مفهوم الإمامة كل التطورات التاريخية، وفي كل مرة يعيد تشكيل العقل الشيعي، وراحت الإمامة تفرز فِرقاً ومذاهب، اختلفت حول: شخص الإمام، قدسيته، مكانته، عصمته، علمه، شرعيته، إلوهيته، غيبته، ولايته السياسية ومن ثم الدينية، دوره السياسي والديني، وكيفية انتقال الإمامة، وماهي شروطها، وهل هي نص وتعيين أم انتخاب؟. والأكثر تعقيدا الاختلاف حول: صفات الإمام، ومدى علمه وقدراته وخوارقه، ودوره التشريعي والوجودي. فشكلت الفِرق الشيعية غالبية الفرق الإسلامية، رغم اندثار أغلبها. وبالتالي فجميع هذه الاجتهادات أثرت وتأثرت بمفهوم الإمام والإمامة. فخط الاعتدال الذي لم يرتفع بالإمام فوق بشريته، ولم يمنحه عصمة أكثر من العصمة السلوكية، ولم يشهد له بعلم الغيب والخوارق والخرافات، كان في موازاته خط الغلو الذي راح يرتفع بالإمام إلى مصاف الخالقية ويرتهن له الوجود فضلا عن التشريع، وكانت الولاية التكوينية بالنسبة لهم تحصيل حاصل. ورغم قوة رموز خط الاعتدال، وهم الفقهاء وكبار أصحاب الأئمة كـ(زارة بن أعين، محمد بن مسلم، عبد الله بن أبي يعفور ويونس بن عبد الرحمن، وغيرهم)، لكن تاريخ التشيع سار بعد الغيبة الصغرى مغاليا بشكل وآخر، وبات الخط المعتدل من الفقهاء يتكلم همسا، رغم أنهم لا يتنازلون عن عصمة الإمام وعلمه، كخط فاصل بين قدسية الإمام والإنسان العادي، وهو فارق رمزي أكثر منه حقيقيا، وقد تناولت مفهوم العصمة وبينت حقيقته، وعدم إمكانيته بذاته. غير أن الفقه الشيعي بات مرتهنا لها فلا يمكنهم التخلي عنها. فضلا عن الجانب العقدي الذي جعل من الإمامة مشروع خلاص، فيتطلب مثالية الإمام التي تتقوم بالكمال والعصمة.

وبالتالي، عندما يطالب الحديث بمعرفة الإمام لا يقصد معرفة اسمه فقط. أو معرفة مشخصاته كونه إماما ابن إمام، بل يريد خط الغلو من خلال هذا النمط من الأحاديث ارتهان كل شيء للإمامة، بما فيها، وهو الأخطر، مصيره الأخروي، الذي يخشى عليه الشخص المؤمن دائما، فيضعه في حرج، ويضطر للتنقيب عنه، حتى يتلبّس قداسته، وتغدو المفاهيم حقائق في مخياله. فرمزية الحديث أقوى من ظاهر ألفاظه. لذا بدأت الإمامة سياسية، وعندما يئس الشيعة من السلطة، بعد توالى الثورات والانتفاضات، ظهر مفهوم دولة العدل الإلهي، ودولة المهدي المنتظر، وهي دولة مثالية، محرّمة على غير الشيعة، حيث تلبي جميع رغباته وأمنياته، والتي منها الاقتصاص من خصوم أهل البيت، وبالفعل يعادون ويحاسبون ويقتلون مرات عديدة، وفق مفهوم "الرجعة"!!. وكإجراء احترازي لتدارك مفهوم الإمامة التي راحت تفقد بريقها، بل ومضمونها، بدأ التأسيس لمفهوم الولاية الدينية، ولم يعد مفهوم الإمامة مرتهنا بالسلطة، بعد ترحيل مشروعها لما بعد ظهور المهدي، وأصبح مدار الإمام ولايته الدينية، سواء كان في السلطة أو خارجها. حاضرا أم غائبا. ثم تطرف الغلاة ليقولوا بولايته التكوينية. (أنظر كتاب النص وسؤال الحقيقة).

أرى أن خط الاعتدال، خط الفقهاء من أصحاب الأئمة، هو الأقرب للواقع، وأكثر التصاقا بالدين، بعيدا عن الغلو، فينبغي إحياؤه، وتقديم فهم جديد للتشيع، واقصاء كل مفهوم يتقاطع مع الدين والعقل، رغم صعوبة المهمة، لسببين:

الأول: أن الارتفاع بقدسية الإمام إلى درجة المثل الأعلى والإنسان الكامل رسم صورة مثيولوجية ارتهن لها العقل الشيعي. فالإمام اليوم مشروع خلاص، لا يحتاج إلى أدلة وبراهين بقدر حاجته إلى إيمان نفسي، فكانت الطقوس والشعائر الخاصة وهيمنة العقل التراثي على منابر الخطابة، كفيلة بترسيخه. وهذا أحد الأسباب وراء نقد عقيدة الغلاة، فيحتاج إلى ثقافة نقدية متواصلة، تجرأ على اقتحام الأبواب الموصدة، للكشف عن حقيقة تفصيلات العقيدة، ومدى صدق ما يشاع من خوراق وقدرات فوق بشرية عنهم.

الثاني: مثّل الإمام منذ بداية الانتفضات الشيعية رمزا للعدل في مقابل ظلم السلطات، وملاذا للمحرومين في مقابل المسرفين، وأملا مستقبليا في مقابل مستبد يضطهدهم. فكان الإمام رمزا يستلهمون منه روح الثورة والفداء والاصرار على المبادئ. ويستلهمون من الحسين شهادته في سبيل الحلق، وصبره ومواصلته للثورة والفداء.

أما عن: كيف ينسجم هذا القول مع الإمامة السياسية ووضعنا الراهن، كما جاء في السؤال؟!.

بلا شك أن الإمامة السياسية راهنا، والتي تتمثل بولاية الفقيه، تتشبث بكل دليل لتعضيد متبنياتها العقدية والفقهية، لأن الولاية نيابة عامة عن المعصوم، وللولي الفقيه ذات صلاحيات الرسول كما مرَّ بنا، وأي تعزيز لمقام الإمام مهما كان مثيولوجيا يصب في صالح الولاية. لكنك عرفت قيمة الحديث متناً وسنداً، ولا يمكن الاستدلال به في المقام، غير أن لخطاب الغلو والعقل التراثي ضروراته، فيتنازل عن ضوابط صحة الحديث لغرض هدف أكبر، وهذا ما يحصل حاليا بالنسبة لأدلة ولاية الفقيه، التي "دونها خرط القتاد" كما يصف استحالتها الشيخ مرتضى الأنصاري، كبير فقهاء الشيعة وما يزال.

مرجعية الإمام

اتضح مما تقدم، كما تصدق الإمامة السياسية، تصدق الإمامة الدينية بمعناها البسيط (بيان الأحكام، وتطبيق كلياتها على مصاديقها، والدعوة إلى الله)، بعيدا عما تطرحه نظرية الإمامة الشيعية، التي تقدم تصورا للإمام يتداخل فيه اللاهوت بالناسوت، وتمتد ولايته على السياسة والتشريع والتكوين. لكن هذا لم يثبت بعد مناقشة مستفيضة لحديث الغدير. ولم نجزم بوجود نص على إمامة علي بن أبي طالب، الذي لازمه سلب شرعية خلافة الخلفاء. فعلي ترشّح للخلافة وفقا لمبدأ القرشية وكفاءته الشخصية، وهو أهل لذلك. وأما الأئمة من بعد علي فعلماء أبرار وفقا لرؤية خط الاعتدال، يتعاملون مع الأئمة بإجلال واحترام وتقدير. لا يقولون بعصمتهم ولا بولايتهم التشريعية فضلا عن التكوينية. وكانوا يجادلونهم في بعض المسائل الفقهية، ويعارضونه بوجهات نظرهم، والأدلة متعددة، ذكرت بعضها سابقا. فجميع الشواهد الموثقة تؤكد عقيدة الاعتدال الشيعي. وبالتالي فدور الإمام ينحصر بالهداية، التي يتطلبها المجتمع في كل وقت وزمان (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، وهي تارة هداية سلوكية من خلال أفعاله وتعامله مع الناس (سلوكية أخلاقية)، وأخرى من خلال علمه ومعرفته، فهم علماء أبرار، وقد اعترف لهم جميع من ذكر سيرتهم، بما فيهم مخالفيهم، خاصة الإمام الصادق، يقول: (قُلْ لِشِيعَتِنَا كُونُوا دُعَاةً إِلَيْنَا بِالْكَفِّ عَنْ مَحَارِمِ اَللَّهِ، وَ اِجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ وَاِتِّبَاعِ رِضْوَانِهِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا كَذَلِكَ كَانَ اَلنَّاسُ إِلَيْنَا مُسَارِعِينَ). (كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ لِيَرَوْا مِنْكُمُ اَلْوَرَعَ وَاَلاِجْتِهَادَ وَاَلصَّلاَةَ وَاَلْخَيْرَ فَإِنَّ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ). ولا يوجد دليل قرآني صريح يجعل ولاية على فهمه وتفسيره، بعد أن وضع مبادئ وضوابط لهما، كرد المتشابه للمحكم من  الآيات. فهو بلاغ للناس.       

لكن السؤال الإشكالي: هل يلزم من حاجة المجتمع للهداية حصرها بمجموعة أفراد هم الأئمة؟ أم هي مطلقة؟. وهل يلزم من الهداية أن تكون للهادي صفات خارقة، كالعصمة وعلم الغيب وغير ذلك؟

لا شك أن الآية مطلقة فلا يمكن حصر الهداية بالإمام. بل وتفترض تعدد الهداة استجابة لظروف الناس وحاجاتهم: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، فمهمة الرسول الكريم هي الإنذار والتبليغ، أما الهداية فلا تنحصر بشخص، ولا تختص بمصداق واحد، ولا تتوقف على وجود إمام. بل يتعدد الهداة بتعدد الأقوام، ولكل قوم هادٍ، مراعاة لظروفهم، وثقافتهم، وعاداتهم وتقاليدهم، ومستوى وعيهم. ويستحيل أن يحيط شخص واحد بظروف جميع الأقوام والمجتمعات، فالهداية متجددة بتجدد المجتمعات ووعي شعوبها، ويتجدد الهداة مع تجددها. فالآية لم تقل لكل أمة هادٍ، كي يقتصر مصداقها على واحد بعينه، بل لكل قوم هاد. فالأئمة مصاديق للهداة، لكن لا يلزم منه عصمتهم، وتفرّدهم بالهداية. (أنظر كتاب: مدارات عقائدية ساخنة)

غير أن بعضا أراد الاستدلال بآية: "إنما أنت منذر ولكل قوم هادٍ"، على ضرورة وجود إمام معصوم هادٍ، حاضر أم غائب. وبهذا الشكل يكون الإمام مرجعية لفهم النص، وتحديد دلالاته، لا يمكن تجاوزه أو معارضته. وقد ذكرت أن الآية مطلقة، كما ذكرت في الحلقة السابقة، لا يمكن ربط  فهم وتفسير وبيان القرآن الذي هو نص مقدس متحرك، يواكب الحياة والرسالة بعقل زمني محدود، "السُنة أو العترة"، والقضية مرتبطة بنظام اللغة وقبليات المتلقي. الهداية تختلف عن التبليغ. وفي كل مرحلة هناك فهم للقرآن وفقا لقبليات المتلقي وظرفه وثقافته والمهيمنات الفكرية والعقدية، ولا استثناء لأحد في هذه القاعدة، بل هي طبيعة التلقي المعرفي، وارتباطه باللغة وكيفية تكوّن المعلومة.  وبهذا نفهم أن مرجعيات فهم النص تختلف عن مرجعيات العلوم الطبيعية، كما أن الحقيقة بالنسبة للعلوم الطبيعية حقيقة ثابتة، بينما الحقيقة في فهم النص حقيقة نسبية، تتأثر بقبليات المتلقي وأيديولوجيته وزاوية نظره. (أنظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة).

وبالتالي فتعدد وجهات النظر في فهم وتفسير النص مرتهنة لقبليات المتلقي وزاوية نظره، وهي تتجدد باستمرار، والمعصوم مهما قيل في قداسته، يبقى بشرا محكوما بقوانين فهم النص، فينظر للواقع، ويفهم النص وفقه. يتضح هذا  من وجود أكثر من 800 تفسير للقرآن، تتباين في بعض الآراء، ووجهات النظر رغم وحدة الروايات التي يرتكزون لها. ويكفي الاختلاف في الوضوء دليلا، وغيره من الآيات. كما يكفي وجهات النظر والاجتهادات المختلفة في فهم الآيات، فهناك تفسير ثوري للقرآن، بلاغي، لغوي، صوفي، علمي، وغير ذلك. وهنا ملاحظات:

- لا معنى للاجتهاد في مجال العلوم الطبيعية، مادامت مجموعة قوانين وقواعد علمية مرتهنة للدليل العلمي، فيكون المتخصص دالة عليها. آراؤه ملزمة ولا يمكن الاستغناء عنه. بينما الاجتهاد هو الأساس في فهم النص، فتتعدد وجهات النظر، فلا معنى لاقتصار فهم النص على مجتهد دون آخر، بما في ذلك الأئمة والصحابة والتابعين. فالحاجة للمتخصص في مجال فهم النص حاجة محدودة ومؤقتة.

- الحقائق في القضايا العلمية مطلقة، بينما الحقيقة في القضايا الميتافيزيقية نسبية، ليس لها وجود خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي، فتتأثر بقبليات الفرد وتحديات الواقع، وضرورات الزمان والمكان، فهي بحاجة إلى مرجعية متحركة تواكب العصر ومتطلبات الواقع، وهذا يؤكد الحاجة إلى تجدد مرجعيات فهم النص، عكسا للعلوم الطبيعية. (أنظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة).  

- لو كان القرآن بحاجة إلى تفسير آياته كلها، لكان النبي أولى بتفسيره، والجميع يعلم أنه لم يترك تفسيرا للكتاب، سوى بيانات بسيطة.

- لوكان النص القرآني بحاجة لتفسيرات محددة، لكان القرآن أولى  بذلك، لكنه لم يتنزل منه سوى ما موجود بين دفتيه. بل عدم ضمّ السيرة النبوية إليه يدل على وجود مغايرة جوهرية بين  آيات الكتاب وأحاديث النبي، فضلا عن غيره. مغايرة تقتضي استقلالهما. نص قرآني ثابت. وفقه متحرك تمليه حاجات الواقع وضروراته وتحدياته، وتطور مفاهيم اجتماعية وثقافية بمرور الوقت.

- القائلون بضرورة وجود مرجعية ثابتة محصورة بأئمة أهل البيت، عليهم الكف عن مقولة الإسلام صالح لكل زمان ومكان. لأن مقتضى تحديد مرجعيات فهم النص المكوث في القرون الأربعة الأولى. وللزمان والمكان أحكامهما التي تفرض على المتلقي فهما يتناسب معهما.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi9خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق14من س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الغدير والعترة

ماجد الغرباوي: تقدم أن حديث الغدير قد اشتمل على فقرتين، الأولى قول النبي: (من كنت مولاه فعلي مولاه)، والتي استدل بها الشيعة على أحقية علي بن أبي طالب بالخلافة، واعتبروا الإمامة السياسية نصا وتعيينا من قبل الله تعالى على لسان النبي، وعلى هذا الأساس قامت نظريتهم في السلطة والحكم، بعد أن حكموا بغصبية سلطة الخلفاء، غير أن سيرة علي مع الخلفاء، لا تدل على تشكيكه بشرعيتها، وكان يتعامل مع الخلافة كأي نظام شرعي ديني، يجب الدفاع عنه ومساندته، يمارس حياته اليومية كغيره من المسلمين. وقد تزوج من جواري حروبهم، وله كما لغيره حقوق من بيت المال هو وأبناؤه وعياله، فكيف يتصرف بأموال مغتصبه؟ وكيف يمارس حياة طبيعية في ظلها؟ ما يهوّن الخطب أن التراث الشيعي تراث متأخر، ونتاج فترة صراع مرير مع الأمويين والعباسيين. وقد مرَّ الحديث مفصلا عن موضوع فقرة الولاية، "من كنت مولاه فعلي مولاه". ولم يعد هناك مزيد من البحث بعد التطرق لجميع أبعادها وتفصيلاتها ومحتملاتها، وسنغادرها إلى الأبد، دون الالتفات إلى الوراء ثانية، (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ). فما لم نتخلص من سلطة التراث، سنبقي ندور في حلقة مفرغة، يتحكم بنا عقل تراثي دائري مغلق على نفسه، يجافي العقل والعقلانية، التي هي سر تقدم الأمم. ليس هناك ما يتوقف على التراث، ولم يرتهن القرآن العقل المسلم له إلا بحدود القيم الإنسانية والأخلاقية. إضافة إلى بعض تفصيلات الأحكام، ليست السلطة وشؤون الحكم من ضمنها، سوى مبادئ وقيم تضبط أداءها. وهذا لا يعني التنكر للظواهر الإيجابية، والجهود الفكرية، والمنجز العقلي لعلماء المسلمين، بل يعني الوقوف مع التراث موقفا ناقدا، يتحرى ما يعزز نهضتنا والتخلي عن مطلقاته التي ترتهن إرادتنا ووعينا.

ثانيا: العترة

الفقرة الثانية في رواية الغدير تتحدث عن العترة ودورها إلى جانب الكتاب الكريم، وهي قضية مهمة، تتوقف عليها جملة آثار تشريعية، وليس عقدية فقط. قال النبي، بعد قوله "من كنت مولاه فهذا علي مولاه": (إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله و"عترتي" أو "وسنتي"). وقد اختلفت الروايات حول هذه الفقرة بالذات،  هل المراد بعِدل الكتاب عموم سُنة النبي أم سُنة أهل البيت خاصة؟. وهل قال النبي: (إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وسنتي) أم قال: (إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي)؟. ولا يخفى الفارق وحجم الآثار المترتبة عليه. وبالتالي فكلا الفريقين  قد أهمل رواية ثالثة لم يرد فيها سوى القرآن: "إني تارك فيكم كتاب الله ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا"، كما تقدم بيانه. وهذا يدفعنا للسؤال عن إمكانية أن يكون للقرآن عِدل، تتوقف عليه حجيته، ومعرفة مقاصده. وهو سؤال يتفرع على سؤال يسبقه: هل القرآن مكتفٍ بذاته أم لا؟ وما معنى اكتمال الدين حينئذٍ في ضوء حديث العترة؟ وما هو دور السُنة النبوية في ضوئها؟.

الحديث أحد الأدلة على حجية السُنة أو حجية سُنة أهل البيت، بل وولايتهم التشريعية، كما هي النظرية الشيعية، التي تعتقد بامتداد عصر التشريع حتى نهاية الغيبة الصغرى (329 هـ)، وتتعاطى مع روايات أئمة أهل البيت بمستوى روايات النبي. وبالتالي فتتوقف على هذه الفقرة من حديث الغدير قضايا عقدية مهمة، تدعو للتمسك به والدفاع عن صحته وحجيته، مما يتطلب رؤية تأملية، لتحري دلالته، بناء كما أكدت مرارا على صحة صدور الحديث عن النبي، وأنه فعلا، صرّح بهذه المضامين. وحتى لو لم نقطع بصحة صدورها فنتناولها لقوة حضورها، وهذا يكفي وفقا للمنهج المعتمد. وينبغي التنبيه إلى وجود ثلاثة نسخ من الحديث، بعضها جعل السُنة عِدلاً للكتاب، والآخر جعل العترة عِدله. وثالث اكتفى بالقرآن!!!. ويمكن الاستعانة بقرائن الروايتين لحسم الجدل الدائر حول الصيغتين (العترة / السُنة): فهناك روايات سنية بصياغة أخرى تدعم الصيغة التي تروي خصوص العترة عِدلاً للكتاب. وهو ما تصرّ عليه الرواية الشيعية، التي اكتفت بجملة "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا". وفي رواية "فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض". وجاء في رواية الشيخ المفيد المتقدمة: فقال عليه وآله السلام: (إني قد دعيت ويوشك أن أجيب، وقد حان مني خفوف من بين أظهركم، وإني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). وصيغتها مغلقة، تحد من تأويل النص. بينما الروايات السنية أوردت الخبر بشكل آخر، وقد ذكرتها سابقا، نأخذ منها محل الشاهد:

-  (عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فينا خطيباَ، بماء يدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: «أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به». فحَثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي"..). (رواه مسلم في صحيحه (2408)، وأحمد في مسنده (19285)...). ولا يخفى اختلاف الدلالة بين قوله "إني تارك فيكم  كتاب الله وأهل بيتي"، التي تضع أهل البيت في موازاة الكتاب، ومرجعية لا يمكن تجاهلها لمن يعتقد بصحة صدور الرواية، ويعتقد بحجية قول النبي. وأما قوله "أذكركم الله في أهل بيتي"، فهي رجاء والتماس، تكشف عن هواجس تراود النبي حول مستقبل أهل بيته، وكأنه يخشى الثأر والانتقام منهم. أو استضعافهم، وهدرهم حقوقهم، فهو يوصيهم بهم بعد وفاته، فيكون مدلول الرواية احترازيا، ومن باب ذكّر إن نفعت الذكرى.

من جهة أخرى، فإن قول النبي في كما في الرواية الأخيرة: (وأهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي)، أتت منسجمة مع أسباب صدور الحديث، الواردة في الروايات السنية، والتي ربطت قول النبي "من كنت مولاه فعلي مولاه"، برواية بُريده، وموقفه التشكيكي بمصداقية علي بن أبي طالب، الذي وصل اليمن لاستيفاء خمس غنام غزوة خالد بن الوليد، فكان بُريدة حانقا عليه، يعتقد أنه أخذ أكثر من استحقاقه، وتصرف بطريقة إستعلائية بسبب قربه من الرسول. ولم يَخفِ انزعاج النبي من كلام بُريده، حينما سأله النبي: "أتكره علياً يا بُريده؟". قال نعم. قال الرسول: "لا تكرهه". وبقى ممتعضاً، حتى اعتلى المنبر وخطب بالناس، معرّفاً بمكانة علي التي مرَّ الحديث حولها. وهذه الرواية إذاً لا تتحدث عن عترة النبي باعتبارهم عِدلاً للكتاب، بل أن قوله: "الله الله في أهل بيتي"، يكشف عن قلق عميق يراوده أزاء مستقبل أهل بيته من بعده، ويخشى الانتقام منهم حقدا أو ثأرا أو حسدا، وهو يعلم أن أهل بيته الحلقة الأضعف بين بيوتات قريش. مما يؤكد أن كلام بُريدة شكل صدمة للنبي، رغم رحابة صدره، وتعامله بهدوء معه. يعلم النبي أن السلطة ستكون محورا لتقاطع الإرادات، وسببا لتحالفات قَبلية، ويعلم جيدا أن القوم  يرفضون اجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم، كما صرح بذلك فيما بعد عمر بن الخطاب للعباس بن عبد المطلب حينما عاتبه، فقال عمر: "تكره العرب اجتماع النبوة والخلافة فيكم". وهو كلام دقيق، عبر عن وجهة نظره، ولو باسم العرب. وقد أكد النبي لعمه العباس حين سأله عن مستقبلهما السياسي، هو وعلي، فكان جوابه واضحاً في حديث الرزية الرزية: حيث أجابه بصراحة: (أنتما المستضعفان بعدي). النبي يتوقع كل هذا، فهو خبير بالعرب وتوجهاتهم وتحالفاتهم، لكن يخشى الانتقام والثأر والاقصاء التام لأهل بيتهم، خاصة علي الذي تربى في مدرسته، وربما كان  يعوّل عليه فعلا للخلافة من بعده، فضلا عن أهليته للإمامة الدينية. وكل هذا يبرر للنبي قلقه، ويبرر قوله: الله الله بعترتي. وهذا يذكّرنا بقول النبي: "الله الله في الأنصار". فهو يعلم جيدا، ماذا يعني وجود قريش إلى جانب الأنصار، ويعلم أنهم سيلتفون على السلطة، ويستبعدون الأنصار، عمق النبي في المدينة، ورهانه المستقبلي. وسبق أن نزل قوله تعالى على لسان النبي: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَ). بل أكتشف من أجواء بعض الروايات حساسية قريش من النبي وآله، حتى في حياته.

من هنا نستنتج أن النبي بحكم القرائن، وفي ضوء ما تقدم من تفصيلات حول آية التبليغ ودلالات كلمة مولى، كان بصدد بيان منزلة أهل بيته، ويطالب بحمايتهم من عداء يتستر تحت غطاء الصحبة. ولم يقصد بكلامه تأسيس مرجعية موازية للكتاب الكريم، لأنه مكتف بذاته، يهدي للتي أقوم، وتبيان لكل شيء.

ولو سلّمنا أنه كان بصدد الإعلان أو  التشريع لعدِلٍ مع القرآن، أو أنه كان بصدد تأسيس مرجعية ثانية مع القرآن، سواء سُنته أو عترته، بشكل تكون صنواً للكتاب الكريم في حجيتها، وربما تتقدم عليه في حالات التعارض، ماداما على مستوى واحد من الحجية، فهنا تبرز علامات استفهام، وفقا لآرائي، التي أختلف في بعضها مع علماء الكلام والفقهاء، ولا ريب في ذلك لا ختلاف المرجعيات، وزاوية النظر ومقدمات الاستدلال.

1- يلزم من اعتبار السُنة أو العترة عِدلاً للكتاب ثبوت جعل الولاية التشريعية للنبي، فضلا عن أهل بيته، ممن يعتقدون باستمرار عصر النص إلى نهاية الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر عندهم، ولازمه حجية جميع روايات أئمة أهل البيت، متى ما استوفت شروط الحجية. وقد عرضت الأدلة القرآنية في أكثر من مناسبة، وبينت بما لا يقبل الشك، أن الولايتين التكوينية والتشريعية لله أصالة، ولم يجعلهما لأحد بنص صريح واضح لا ريب ولا شك فيه إطلاقا. وما أدلة القائلين بحجية السُنة سوى تأويلات، لا تقوى على مقاومة النقد المعرفي، خاصة أن آيات الكتاب بشأن وظيفة النبي صريحة، محكمة، يُرجع لها في فهم الآيات الملتبسة أو المتشابهة كما في المصطلح القرآني، وليس العكس كما يفعل الفقهاء!!. وبالتالي لا حجة للروايات النبوية إلا ما كان له جذر قرآني، فيكون من باب البيان، أو من باب تطبيق الكلي على مصاديقه. ومع انتفاء الولاية التشريعية للنبي فضلا عن أهل بيته وصحابته، فلا دليل على إرادة تأسيس مرجعية تشريعية ثانية مع الكتاب. وعلينا تقصي دلالات أخرى من كلام النبي في حديث الغدير.

وخلاصة ما تقدم لا يمكن الاستدلال بحديث العترة على إرادة تأسيس مرجعية ثانية مع الكتاب، سواء كانت العترة أو السُنة. ولا يمكن الاستدلال بها على حجية أي منهما. ولا يمكن رفع اليد عن أصالة الولاية التشريعية لله وحده، ولا يمكن دعوى جعلها لغيره بدون آية صريحة واضحة بينة وبالاسم، وإلا يبقى الأصل عدمها.

2- إذا كان المقصود من كلامه جعل الحجية لسيرته أو سيرته وسيرة أهل البيت، فهنا نسأل عن حدود المفاهيم؟

- ما المراد بكتاب الله في قوله: إني تارك فيكما كتب الله؟، هل قصد عموم القرآن، أم بعضه، فتكون السيرة حجة للثاني دون الأول؟ إذ أن مفهوم الكتاب في القرآن يختلف وفقا لسياق الآيات، والقرآن بعدُ لم يُجمع بين دفتين في حينه، كي يشير له بدلاً عن الكتاب!!. ولماذا عبّر بالكتاب ولم يذكر القرآن؟ ثم إن اختلاف دلالة الكتاب وفقا لسياق الآيات لا يدل على ترادفه مع لفظ القرآن.

- ما المراد بالسُنة، هل مطلق سُنة النبي أم خصوص السنن التشريعية؟. ورغم أنهم حكموا بحجية مطلق السُنة، وقد تطرف السلفيون حينما قالوا بحجيتها حتى فيما يخصه. علما أن سُنة النبي تنقسم إلى خمسة أقسام، فيها أحكام تشريعية، لبيان أحكام الشريعة وفقا لمتطلبات الزمان والمكان، فتكون حجة في موردها. وبعضها أحكام ولائية، تنتهي بموته، وهناك أحكام أخلاقية، باعتباره مثالا للأخلاق، وإنك لعلى خلق عظيم. وهناك سلوكه كبشر، يحب هذا اللون من الغذاء واللباس ويكره ذاك، وهناك أحكام قرآنية خاصة به كوجوب صلاة الليلة. فالقسم الأول هو الحجة متى كان له جذر قرآني، وفقا لرأينا في المقام. فأي أقسام السُنة هو عِدل للكتاب؟.

- عندما جعل العترة عدلاً للكتاب وفقا للرواية الشيعية، فمن هي العترة؟ هل أطلق اللفظ وأراد خصوص علي، كما هي مناسبة الحدث، وبقرينة قوله: "من كنت مولاه فعلي مولاه".؟ وهذا ممكن إذ لا معنى لإقحام غيره، ولا مناسبة لشمولها للزهراء، مهما كانت منزلتها، لأن العِدل القرآني لا يتعالى على شروطه، والزهراء غير معروفة بروايتها عن النبي. على عكس علي الذي رافقه قبل وبعد البعثة، يستمع الوحي، ويتلقى من النبي مباشرة. ولا معنى لإقحام الحسن والحسين، فكلاهما كان صغيرا، غير مكلّفٍ. والنبي لا يقحم نفسه بالقضايا المستقبلية، ويحكم بموجب ظواهر الناس، كما في حديث القضاء، وتصريحه: أنه لا يعلم الغيب، ويحكم بين المتخاصمين وفقا للبينة والشهود، وحذّر من أكل مال الناس بالباطل لهذه الأسباب لعدم علمه بالغيب. وأما غير الدائرة الخاصة من أهل بيت النبي، فلا دليل على ذلك، ولم تتطرق الروايات لهم. وغاية ما جمعته الكتب الحديثية السنية عن علي 500 رواية في القضاء، إضافة لعدد آخر. وأما الكتب الشيعية، فحديث علي قليل فيها. فكيف سرت الولاية التشريعية إلى باقي أئمة الشيعة؟ وهذا إشكال مهم، لأن حديث العترة هو عمدة الأدلة في المقام. ومع انتفائه ينتفي الدليل.

- إذا استبعدنا إرادة الولاية التشريعية من حديث العترة، واستبعدنا رواية بُريدة، تبقى أن الرواية بصدد جعل الولاية والقيمومة لعترته، الأعم من علي، على شؤون الدين والكتاب الكريم، بل راح بعضهم يستدل بهذا الحديث على عصمتهم، رغم أن مفهوم العصمة ظهر متأخرا مع هشام بن الحكم بعد سُنة 150 هـ. وهنا نسأل ما المراد بولاية وقيمومة علي. أو ما المراد بهيمنة علي على الكتاب، ومن ثم هيمنة باقي الأئمة؟ أما الشيعة فقد اعتبروا أئمة أهل البيت بما فيهم علي بن أبي طالب مرجعية نهائية لمعرفة الأحكام الشرعية وتفسير آيات الكتاب واختصاصهم بالإمامتين الدينية والسياسية. أو كما يعبرون: علي شريك القرآن. وهي دعاوى، لا تدعمها آية صريحة، سوى رغبات وتأويلات كلامية وظفت الحديث لتعزيز قبلياتهم. فهم لم يستدلوا به على آرائهم ومعتقداتهم، إذ لا دلالة له على ذلك بمفرده. غير أنهم استدلوا على ما يبغون بضميمة مقدمات كلامية أو روايات ضعيفة. ثم في مرحلة لاحقا غدا وكأنه دليل على عقيدتهم بالأئمة، والصحيح أنهم أسقطوا رغبتاهم عليه، وتم توظيفه. ولو سلّمنا جدلا بدلالة حديث العترة، فتختص بعلي أو به ومن عاصر النبي من الدائرة الخاصة لأهل بيته، لكن كيف تم تعميم هذه الأحكام لباقي الأئمة؟. الأسئلة تلاحق الباحث الموضوعي، ولا مجال للمجاملة والتحيّز هنا، فالرواية واضحة لا تتحمل أكثر من دلالتها، إلا بدليل جديد وهو مفقود بالضرورة. الروايات الضعيفة لا تعني لنا شيئا، فهي تلبي كل ما تحتاجه الفِرق والمذاهب الكلامية آنذاك، بلا وازع وخوف من الله تعالى. حيث كان الكذب على الله ورسوله أقصر الطرق لبناء العقائد، وإفحام الخصم. وهذا الاستدلال لا ينقص من شأن ومكانة وعلمية وورع علي بن أبي طالب، والكلام حول دليلية الدليل، وما يترتب عليها من نتائج ملزمة للفرد المؤمن.

- لو كان النبي بصدد تأسيس مرجعية يرتهن لها فهم الكتاب من خلال حديث العترة، فكيف يكتف برواية واحدة غير صريحة؟. أليس مقتضى خطورتها وأهميتها، أن يواصل التبليغ حولها؟. ومن باب أولى أن نقول لماذا لم يبين الكتاب الكريم ذلك، ويرتهن فهمه لهم؟. ولماذا لم يلتزم علي قبل غيره بذلك ويعلن عدم جواز الرجوع لغيره في تفسير القرآن وبيان الأحكام؟ وكيف تصدى "العبادلة" الثلاثة المعاصرون له لتفسير الكتاب وبيان الأحكام ورواية سنن النبي، وهم عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، وآثارهم تملأ التراث؟. هناك أسئلة لا يمكن القفز عليها لمجرد وجود رواية، مهما كانت صحيحة. ولا قيمة لتراث يعجز عن رد الأسئلة المطروحة.

العترة والرسالة

لا أحد يلتفت لنقطة خطيرة جدا، تنخرم معها حجية حديث العترة لو ثبت صحة صدوره تواترا كما يقولون، لأن هذا الحديث يربط القرآن الذي هو نص مقدس متحرك، يواكب الحياة والرسالة، يربط فهمه نهائيا بعقل زمني، محدود، فليس من الممكن ربط القرآن بسُنة النبي مطلقا، ولا يمكن ربطه بعقول بشرية محدودة كأهل البيت رغم جلالتهم وعلمهم وتقواهم وورعهم، لكن المسألة أعمق بكثير مما يتصورون، مادامت ترتبط بنظام اللغة والمعرفة البشرية. ففي كل مرحلة هناك فهم للقرآن وفقا لقبليات المتلقي وظرفه وثقافته والمهيمنات الفكرية والعقدية، ولا استثناء لأحد في هذه القاعدة، بل هي طبيعة التلقي المعرفي، وارتباطه باللغة وكيفية تكوّن المعلومة. فينبعي تأويل الحديث وفهمه ضمن ظرفه، وضروراته. وهذا رأي خاص يعتمد، على فهم فلسفة الدين، وعلاقته بالعقل والمعرفة البشرية، وليس بالضرورة أن يقتنع به العقل التراثي، بل يتوقف قبوله على اختراق جملة يقينيات. من هذا المنطلق تبدو مقارنة نسخ الحديث ضرورية، للتعرف على خصوصيات كل منها، ومدى توافقها مع الشرط المتقدم، فكما هناك نسخه تربط القرآن بالسُنة، وأخرى تربطه بعترتي أو أهل بيتي، هناك نسخه ثالثة، لا تخدم أحدا، تستبعد دائما. نسخه مجردة، تكتفي بالقرآن: (تركت فيكم كتاب الله ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا)، وهي النسخة التي تربط القرآن بظرفه الزماني، وبمتغيرات ضرورات الإنسان ومواكبة العصر. وهذه النسخة التي يجب التركيز عليها ودراستها. بل حتى نفس الروايات تجد الاهتمام بالقرآن مميزا، وكأن الجملة التالية، مقحمة أو منفصلة عن فقرة القرآن.

إشكالات دلالية

تقدم أن الفهم المتداول للحديث يدفعنا للسؤال عن إمكانية أن يكون للقرآن عِدل، تتوقف عليه حجيته، ومعرفة مقاصده. وهو سؤال يتفرع على سؤال يسبقه: هل القرآن مكتفٍ بذاته أم لا؟ وما معنى اكتمال الدين حينئذٍ في ضوء حديث العترة؟ وما هو دور السُنة النبوية في ضوئها؟. وقد تقدم مرارا أن آية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، تؤكد كمال الدين، وهو شامل للعقيدة والشريعة، فهو مكتفٍ بذاته، (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)، (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ). وليس في الآية إطلاق خارج حدود الدين بمعنى العقيدة والشريعة، وهو بيان لهما. ويقتصر دور النبي على ما حدده الكتاب الكريم: بشير، نذير، مبلغ، هاد، مفصل، شارح، مبين. وترك له هامشا لفهم النص وفقا لظرفه الزماني والمكاني، وما يفرضه الواقع عليه، كما في تفصيلات الصلاة. وإذا كان هناك دور بعد النبي فهو في حدود بيان الأحكام وهداية الناس لله وللدين، فينحصر بالهداية: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ). فنخلص إلى نتيجة نهائية أن وجود عِدل للقرآن غير متصور في حد ذاته، لاكتمال الدين، واكتفاء الكتاب بنفسه. فيكون الحديث مع صحة صدوره بيان أهمية الكتاب كمرجع حجة على الناس، مكتفٍ بذاته، فأغلق النبي بذلك أية ولاية تشريعية قد تُدعى من بعده، فهو حبل الله الممدود بين السماء والأرض كما جاء في النص، فيتفرّد بمرجعيته.

وعندما أوصى النبي بأهل بيته في ذات الحديث فلسببين: الأول التشكيك بمصداقية علي بن أبي طالب، وصيه ومعتمده، خضع لتربيته الخاصة، واعتنى به. كما أن الطعن بمصداقيته، مؤشر خطير حول الموقف من أهل بيته مستقبلا، مما اضطره للقول: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". فهو وصيه من بعده، وحافظ سره، وقدوة للناس في سلوكه وأخلاقه. ومن يطعن بعلي يطعن به، ومن لا يحترم علي لا يحترمه.

والسبب الثاني: دفع شبهة محتملة، لمن يعتقد بشراكة أهل البيت للنبي بنبوته، التي هي أمر ألهي، فطالبهم بموقف إيجابي منهم، وحفظ مكانتهم من بعده. ولم يفصّل القول حول دورهم. فالكتاب الكريم واضح دوره لدى المسلمين وأما دور أهل البيت فغير واضح، كي يقول تركت فيكم كتاب الله وأهل بيتي ويسكت. وكان ينبغي له أن يفصّل للناس ما هو دورهم بالضبط بالنسبة للقرآن، فالمسألة ليست مسألة عواطف، كي يتحدث بهذه اللغة، وهو أجلى مصاديق قوله: (ولا يخافون لومة لائم). لكن الرواية لم تتحدث سوى عن إشارة عابرة، وكأنها تحيل على على قضية ناجزة، مثلها مثل القرآن، وهذا منتفٍ بالضرورة، فلم يتحدث الرسول عن أي دور ديني لأهل بيته في هذا الشأن خلال حياته. ولازم الحديث نفي أي دور مرجعي لهم بموازاة الكتاب باستثناء الهداية والإمامة الدينية بمعناه البسيط، وليس بمعناها وفقا للعقيدة الشيعية. وبالتالي يكون علي وأهل بيت النبي قدوة في السلوك، ومرجعا فكريا، لكن لا بمعنى القيمومة وارتهان تفسير وفهم القرآن بهم. بل باعتبارهم علماء والأقرب لفهمه، بحكم صلتهم الرسالية بالرسول.

فالحديث بعد تحليل دلالاته، يفضي إلى عكس دعواهم. وبهذا ينتهي البحث حول حديث الغدير. وللمرة الأخيرة أؤكد أن حجية الحديث مرتهنة لصحة صدوره، وعلى هذا الأساس تمت مناقشته، إضافة إلى قوة حضوره التي تستدعي وفقا لمنهجنا دراسته وتحليل دلالته أيضا.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi8خاص بالمثقف: الحلقة السابعة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق13من س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الصحابة والشورى

ماجد الغرباوي: كما حصل في أحداث السقيفة سنة 11 هـ نزاع حول السلطة، تكرر في وقائع الشورى، مع اختلاف أطراف اللعبة السياسية باستنثاء علي بن أبي طالب، الذي أقحمه عمر بن الخطاب في الشورى إسوة بالآخرين دون استشارتهم. كما لم يكن طرفا مباشرا في أحداث السقيفة عندما حُسمت الخلافة لأبي بكر، واقتصر الأمر على الأنصار والمهاجرين.

وأيضا كما في السقيفة حدث تراشق بالألفاط بين صحابة الرسول، وتجلّت القَبلية على لسان المتحدثين بشكل واضح وصريح، حتى نسوا القيم والمبادئ الإسلامية، كما في خطاب رجل من مخزوم مع عمار بن ياسر، الصحابي الجليل الذي قال فيه رسول الله: "عمار تقتله الفئة الباغية"، حيث خاطب المخزومي عمارا: (لقد عدوت طورك يابن سمية، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها)، باعتباره أدنى نسباً، لا يحق له التدخل بشأن قريش!!. والمنطق القَبلي الذي ضبط مسار السقيفة عاد ليفرض سلطته على الشورى بشكل فاضح لا مواربة فيه.

 والأخطر من كل ذلك ضابطة عمر مع الشورى، حيث أوصى بقطع رأس من يعترض، إذا اتفق خمسة على شخص، وكذلك يقتل الإثنين إذا اتفق أربعة منهم. وهي ضابطة دموية، تفتقر لأبسط مبررات الشرعية والأخلاق. فمتى حَرَمَ الإسلام الناس حق المعارضة السياسية؟. لم يكن عمر شخصا عاديا، وكان ثاني خلفاء المسلمين، والسؤال عن شرعية قراراته سؤال عن مرجعياته التي أباحت له قرار قتل المعارض السياسي، الذي قد يُدرك أبعاد لا يدركها غيره.

 ثم أن عبد الرحمن بن عوف لعب دورا أساسا في مبايعة عثمان، أشبه بدور عمر مع أبي بكر، وقد نبّه لذلك علي حينما قال له: (والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر اليك، والله كل يوم هو في شأن). والسبب عندما تقصّى عبد الرحمن آراء الشورى بدأ بالزبير فقال له: خل ابني عبد مُناف وهذا الأمر، قال: نصيبي لعلي، وقال لسعد: أنا وأنت كلالة، فاجعل نصيبك لي فاخاتر. قال أن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان فعلي أحب إلي. فلما ضمن علي ثلاثة أصوات "الزبير وسعد وهو"، غيّر عبد الرحمن خطته، وعدل عن عدد الأصوات للمرشح، كآلية في الانتخاب لتحقيق العدالة التي هو مؤتمن عليها، وفرض مبدأ الالتزام بسيرة الشيخين أبي بكر وعمر كشرط للانتخاب. وهو مكر وخداع، خالف حتى شروط سيده عمر بن الخطاب. وهو يعلم جيدا أن عليا يرفض ذلك، فعلي أساسا تحفّظ على بيعة أبي بكرلأنه يحمل وجهة نظر أخرى، ويؤمن بمبادئ دينية وأخلاقية تحقق قدرا كبيرا من العدالة، ليس فيها محاباة قَبلية، ولا تقديم للولاء على الكفاءة. لهذا استطاع عبد الرحمن أن يضمن البيعة لعثمان الذي يمثل امتدادا لأبي بكر وعمر، وأقصى عليا، دون أن يعترض على ألية الترشيح أحد من الصحابة، سوى عمار والمقداد، مخالفا بذلك وصية عمر في إحصاء عدد الأصوات كشرط للفوز بالخلافة. ويبقى سؤال: هل شرط الالتزام بسيرة الشيخين متفق حوله مسبقا لتدارك أي موقف طارئ. أم وليد عبقرية اللعبة السياسية؟ تبقى طي الكتمان حينما استبعدتها المداولات السرية للسلطة. ولم يشترط أحد من قبل سيرة الشيخين شرطا في الخلافة، فبعد قريشية السقيفة التي أضحت شرطا في صحة الخلافة، جاء شرط سيرة الشيخين، مما يؤكد عدم وجود مرجعيات كافية لتبني نظام سياسي موحّد للمسلمين، لاكتفاء القرآن بمبادئ وقيم كفيلة بضبط الأداء السياسي على أساس قيم الحق والعدالة والعقلانية والرحمة وكرامة الإنسان، ومنع الظلم والجور والعدوان. والسبب الثاني عدم تصدي النبي لمسألة الخلافة، بما فيه حديث الغدير، وهو ما نود تحريه منذ بداية البحث. كانت السقيفة ومن ثم الشورى فرصتين كبيرتين لاختيار خليفة يتمثل قيم الدين والإنسانية، لولا المنطق القَبلي، الأبوي الذكوري الاستبدادي، الذي تعامل مع السلطة بمنطق الغنيمة التي تبرر الوسيلة والمكر والاحتيال لاحتكارها .

لكن لماذا الموقف من علي، وهو ابن عم النبي القرشي، ومن وجهاء قريش وبطونها؟. هذا ما أجاب عنه علي حينما قال: (إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها، فتقول: أن ولّي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم). (المصدر نفسه، ص81). فالمسألة واضحة، صراع عنيف حول السلطة، والملأ يدرك تماما مكانة أهل البيت، ويدرك مبدئيتهم في السلطة والحكم، وهذا يفضي إلى حرمانهم، وهم ما كادوا يصدقون عودتها إليهم بعد أن حرمهم الدين الجديد سلطانهم. وهنا نخلص إلى نتائج مهمة:

نتائج الموقف الثاني

جاء الموقف الثاني لعلي بن أبي طالب من الشورى، معزِزا لموقفه الأول، الذي يرى أولويته في الخلافة. وكشف في موقفه اللاحق عن بعد فكري وإصرار مبدئي، تعبيرا عن نضوج رسالي، بعد معاصرته لخلافتي الأول والثاني، وكان في قلب الأحداث، قريبا من دوائر القرار، وتنتهي له أخبار الطموحات السياسية والتحالفات الأسرية، لذا كان قلقا على مستقبل السلطة، تؤكده شروطه التي اشترطها على عبد الرحمن بن عوف حيث كشفت عن هاجس استغلال السلطة، وتقديم الولاء على الكفاءة بما يعرفه عن عثمان وشبكة علاقاته مع بني أمية. وبهذا استطاع علي أن يبلور اتجاها آخر في السياسة والحكم، ويرسّخ التشيّع من خلال موقفه من الشورى، وبهذا يتضح لماذا يصر عليٌ على دخول المعترك السياسي إذا كانت مهمته أن يكون قدوة في السلوك ومرجعا في الفكر. فعلي بات يحمل رسالة، كما هو واضح من شروطه، ويرى في نفسه الكفاءة. وأعني أن سلوك الإمام يقوم على مبادئ دينية وأخلاقية، ترتكز للعدالة وإنصاف الناس وعدم المحاباة، وهذا لا يكون دليلا على نقض المبدأ القَبلي، كآلية في الخلافة، والذي ارتكز له الجميع كما تقدم. ونكتفي هنا بتلخيص نتائج الشورى:

1- أسس علي بن أبي طالب عبر مواقفه لمبدأ عدم الخلاف لتفادي أي انشقاق في صفوف المسلمين، وتمزق الموقف الموحّد، خاصة الموقف من القضايا المصيرية. وهو  ما قاله صراحة في رده على عمه العباس، حينما اعترض على موافقته دخول الشورى:

 (فقال العباس لعلي: لا تدخل معهم، قال: أكره الخلاف. قال: إذا ترى ما تكره). والفارق أن منطق العباس كان منطقا سياسيا براغماتيا. وكان منطق علي منطقا مبدئيا. الأول لا يفهم المنطق المبدئي، ويحسب السياسة حساب براغماتيا. "آل البيت مقابل قريش"، وفق منطق الغنيمة. هذا ما يفهمه في ضوء قبلياته القَبلية. ولا يمكنه إدراك ما هو أبعد من الخلافة وفق منطق الغنيمة، ولا يهمه مستقبل الدين، كما يفهمه علي.

2- أفصح الإمام علي من خلال خطبه أيام الشورى عن مبادئة والخطوط العريضة للتشيّع، ولم تكن قبل ذلك معروفة وواضحة. وقد أطّرت طروحاته التشيع بإطار عقدي – فكري – سياسي، وغدت معالمه واضحة، وهذا أحد أسباب وصف التشيع بـ"الرافضة"، مادامت مبائ علي تستبطن رفض ما يتقاطع مع قيم الدين:

ا- في رواية أنه قال: (الحمد لله الذي بعث محمدا منا نبيا، وبعثه إلينا رسولا، فنحن بيت النبوة، ومعدن الحكمة، وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب، لنا حق أن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السُرى. لو عهد إلينا رسول الله عهدا لأنفذنا عهده، ولو قال لنا قولا لجادلنا عليه حتى نموت. لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق وصلة رحم .. ). (المصدر نفسه، ص83). وهنا يتحدث عما هو أبعد من العلاقات الأسرية. وقد بيّن بوضوح أنهم إضافة إلى قربهم من الرسول يتمتعون بخصائص الإيمان، وتصديق الرسالة، حدَ التضحية في سبيل الله، ولازم كلامه أن الخلافة تستدعي وجود المؤمن، المضحّي، المخلص الذي يعي معنى الدين وأهدافه المقدسة.

ب- عندما سأل عبد الرحمن بن عوف أعضاء الشورى: أيكم يخرج نفسه .. فقال القوم: قد رضينا، وعلي ساكت. فقال عبد الرحمن: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أعطني موثقا:

- لتؤثرن الحق،

- ولا تتبع الهوى،

- ولا تخص ذا رحم،

- ولا تألوا الأمة ..

ج- عندما سأل عبد الرحمن بن عوف الإمام علي في المسجد: (هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفِعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا. ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي ...). وهنا يتجلى منهج علي الذي يختلف فيه مع غيره من الصحابة، رغم اتفاق الجميع على العمل بكتاب الله وسنة نبيه، لكنه يختلف معهم في تقليد الشيخين أبي بكر وعمر. فعبد الرحمن بن عوف أراد إحراج علي (على خلفية تحفظاته القديمة حولهما)، لكنها جاءت لصالحه حيث أعلن عليٌ أمام الملأ صراحة عن مبادئه في السياسة والحكم. وأكّد أن التمسك بسيرة الشيخين لا تقع ضمن أولوياته، بل يعمل وفق اجتهاده، وفقا لمتطلبات الموقف السياسي المحكوم بظرفه، وهذا يتنافى مع تقليد سيرة الشيخين، التي هي اجتهادات محكومة بظرفها. ليس بالضرورة أن تكون لعلي تحفظات على سياسة الشيخين، لكن تقليد سيرتهما لا معنى له مع تقلبات الظرف السياسي، كما أنه يؤسس لسابقة خطيرة، تفرض السابق على اللاحق في السياسة والحكم. ثم إنه يرى صواب رأيه الذي ينطلق عن رؤية سياسية متكاملة. وقد عبّر عنها في إحدى خطبه: (اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شئ من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك. فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك. اللهم إني أول من أناب وسمع. (نهج البلاغة: 131)...). وأيضا ما جاء فيما بعد من خطب ورسائل، مازالت محفوظة في كتاب نهج البلاغة.

هذه هي مبادئ علي بن أبي طالب في السياسية والحكم عندما يقال بأفضليته. فهو يملك رؤية ونظرية تقوم على مبادئ دينية وإنسانية، قوامها العدل والانصاف وعدم تقديم الولاء على الكفاءة، بها افترق عن غيره من الصحابة، وربما لأجلها تحفّظ على بيعة أبي بكر، وقبل بالشورى، مادام يعتقد أنه الأصلح والأفضل والأقدر. وهذا لا يعني عصمته في ممارسة السلطة، وقد تصدر منه مواقف خطأ، والسياسة تعتمد على المتغيرات والمفاجآت، بعيدا عن الأخلاق والقيم عادة، وهذا ما يرفضه علي ويتمسّك بمبدئيته، مهما كانت تقلبات السياسة ومفاجآتها. وقد كلفته مبدئيته ثلاثة حروب داخلية، قوامها الصحابة والتابعين لهم، وهو أمر يؤرق الباحث عن جدوى هذا اللون من الحلول، ولماذا غابت الحلول السلمية، واختفى منطق التسامح، ليحل العنف محل المعارضة السلمية؟!!.

3- وقف إلى جانب علي كل من عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود وكلاهما صحابي جليل، دافع عن حق علي كأفضل خليفة للمسلمين، وقد طرحا مبررات الترشيح والدفاع عنه بكل وضوح. فأكدا على قربه من النبي، انسجاما مع المنطق القبلي الذي ارتكز له الجميع. وأيضا بيّنا خصائصه، كشخصية إسلامية مميزة، وكصحابي له ما يميزه من الصفات. (فقال المقداد: يا عبد الرحمن، أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون).

وبهذا استطاع علي وأصحابه أن يفصحوا عن معالم تشيّع فكري – عقائدي، عبر مواقفهم من الشورى وما أفضت له من نتائج تعمدت إقصاء علي. وهي كما ترى نتاج تربية نبوية، وممارسة سياسية وفهم حقيقي للدين في آنه. وليس للموضوع علاقة بالوصية، وأن الإمامة منصوص عليها كما يصرّ على ذلك التراث الشيعي، مما يدل على عجزه على استخدام المنطق السياسي العقلاني في الدفاع عن علي كمشروع سياسي - ديني. واصرارهم على قضايا لم يتفق عليها المسلمون. والتالي، وهذا ما يهمنا، لم ترد أية إشارة لحديث الغدير والوصية والنص على إمامته، وكان يؤكد على استقلاليته حينما رد على عبد الرحمن: (قال: اللهم لا. ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي). فهو مؤهل لها وفق المنطق السياسي، ولم يتوسل بأي نص ضدهم. ولم يؤكد التاريخ أنه حاجج القوم بوصية عن النبي. أو بحديث الغدير، ولم يدع ترشيحه من قبل النبي، وكان يظهر لهم دائما بقوة شخصيته وحضوره وسابقته.

4- ظل علي مرابطا في خندق المعارضة السلمية كمبدأ أساس في العمل السياسي، الذي أسس له في أحداث السقيفة، فالمعروف أن عليا لم يتحرك ضد بيعة أبي بكر رغم وجود ثلة من الأنصار المميزين بمكانتهم الدينية والاجتماعية، وأكتفى بالمعارضة السلمية.

5- اتضح من خلال مواقف الإمام وصحبه في الشورى حجم التطور الفكري في رسالة التشيّع، فخلال 11 عاما من أحداث السقيفة مر عليٌ بتجربة اجتماعية وقضائية أكسبته خبرة مضاعفة، ومنحته عمقا سياسيا. فهو لم يخرج تماما عن المنطق القبلي الذي تشبّث به المهاجرون في أحداث السقيفة، لكنه تريّث وتراخى رغم وجود الأنصار والدعم الكبير من قبل أهل بيته وبعض الصحابة.  وتريثه يكشف عن وجود رؤية وهدف يمضي لتحقيقه. وكان ينتظر دورا أوسع لأداء رسالته. أما خلال وقائع الشورى فقد اكتفى ببيان معالم خطه الرسالي، والمبادئ التي يؤمن بها، بعد أن يئس من الخلافة. وقد بينت خطبته الرقم (3) في كتاب نهج البلاغة المعروفة بالخطبة "الشقشقية". ولا يمكن الجزم بصحتها.

6- رغم قساوة رد العباس بن عبد المطلب حينما قال لعلي: (لم أرفعك في شيء إلا رجعت إلي مستأخرا بما أكره، أشرت عليك بعد وفاة رسول الله "ص" أن تسأله فيمن هذا الأمر، فأبيت. وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت. وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى ألا تدخل معهم فأبيت. احفظ عني واحدة: كلما عرض عليك القوم، فقل لا، إلا أن يولوك، واحذر هؤلاء الرهط، فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا، وايم الله لا يناله إلا بشر لا ينفع معه خير). وعلي لم يرد عليه، لأنه عمه وأكبر منه سنا، وله مبادئه وقناعاته في قراءة المشهد السياسي، وفهمه للأحداث، فلم يجادله. وإنما رفض البيعة لحفظ وحدة المسلمين، وعدم شق عصاهم، خاصة ومآرب أبي سفيان لا تخفى عليه. كما أن عليا كان ينتظر فرصة أكبر ودورا أوسع فلماذا يفرّط بها. وأما لماذا دخل في الشورى فقد ذكرنا أن عليا لا يحب الخلاف والفِرقة. وإنما خسر الشورى لأنها أديرت بحذاقة وتخطيط عمري يفضي إلى إقصائه، فقد أكد علي حينما قال قُرِن بي عثمان، وقال كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلا، ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف. فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان، لا يختلفون، فيوليها عبد الرحمن عثمان، أو يوليها عثمان عبد الرحمن. فلو كان الآخران معي لم ينفعاني، بله إني لا أرجو إلا أحدهما. فالقضية محسومة سلفا، ومخطط لها بدقة وفق حسابات قَبلية.

الإمامة وولاية الفقيه

بهذا نخلص إلى عدم وجود ما يؤكد أن الإمامة السياسية نص وتعيين من قبل الله تعالى، ولم تنص الروايات الواردة عن النبي صراحة بذلك، والروايات ليست بحجة، ما لم نقطع بصحة صدورها. وأن تكون الرواية متفرعة على حكم قرآني، كي تكون شارحة ومبينة، وفقا لذات المنطق القرآني، الذي حدد مهام الرسول. وقد اتضح من خلال السرد التاريخي، أن منطق الغنيمة والمبدأ القَبلي قد سادا مفاوضات السلطة بين الصحابة، وتحكّما بمفاصل النزاع حولها، باستثناء الأنصار، ممن رأوا أنفسهم خارج السلطة، تحت ضغط التوجهات القبلية المدعومة بثقافة راسخة، تقدم الولاء على الكفاءة.

وتبقى الدولة ضرورة اجتماعية، وليست دينية، بمعنى التكليف الشرعي. ولا جزءا من أصول الدين وفروعه، ولم تتطرق لها أحكام الشريعة في المدونة القرآنية. وهذا لا يمنع أن يقيم المسلمون دولتهم وفق تعاليم الدين الحنيف، لكنها ستكون دولة المسلمين أنفسهم، لا دولة دينية، ولا دولة إلهية مقدسة، ولا ولاية وقيمومة للخليفة أو الإمام، إلا ما يقتضيه منطق السلطة، وهي ولاية قانونية محدودة وليس ولاية دينية مطلقة، الراد عليهم كالراد على الله تعالى. إنما دولة بشرية تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية، فتقع تبعاتها وأخطاؤها عليهم، وهم يتحملون مسؤوليات تداعياتها. وليس للخليفة أو الإمام فيها أية ولاية، بمعنى القيمومة والسلطنة، سوى عقد البيعة وشروطها. وفي هذه الحالة تستمد السلطة شرعيتها من بيعة المسلمين. بينما على أساس الإمامة المنصوص عليها، ستكون للخليفة ولاية وقيمومة وقدسية، منها تستمد الدولة مشروعيتها، ويمثل فيها الإمام أو الخليفة سلطة الله، لا يجوز الرد عليه أو محاسبته إلى غير ذلك. والسلطة بمعنى الولاية والقيمومة هي الركيزة الأساس لنظرية ولاية الفقيه، المتفرعة عن ولاية الأئمة. وهو مبدأ ظهر حديثا، وتمسك به روح الله الموسوي الخميني، وأقام دولته، بتصور غير مألوف لدى فقهاء المذهب الشيعي. ونظرية ولاية الفقيه لا تمثل جميع فقهائهم، وبعضهم يرى "دونها خرط القَتاد" مثالا على استحالتها دينيا، رغم أنها فكّت الحصار حول السلطة التي يرى الشيعة أنها من مختصات الإمام المعصوم، وهم ينتظرون إقامة دولة العدل الإلهي على يد الإمام المهدي، ويرون: (كل راية قبل المهدي راية ضلال)، فجاء الفقيه ليمنح نفسه صلاحيات الإمام المعصوم، ويمارس السلطة بنيابة عامة وليست خاصة كما بالنسبة للسفراء الأربعة. وقد أصّلها فقهيا من خلال أدلة لا تصمد أمام النقد الفقهي، يطاردها ضعف وندرة الروايات، واختلاف موضوعاتها، كـ"مقبولة" عمر بن حنظة، عمدة الأدلة. ولو سلمنا جدا بالدليل العقلي، فلا يلزم منه نيابة الفقيه عن الإمام المعصوم، والبحث في محله. وتقدم بيان أبعادها.  يقول الخميني في جانب من كلامه حول صلاحيات الولي الفقيه: (الحكومة فرع من ولاية رسول الله المطلقة، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام، وهي مقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج. ويمكن للحكومة أن تفسخ من جانب واحد كل عقد تعاقدته مع أفراد الأمة إذا رأت في ذلك مصلحة للدولة والإسلام). وكون ولاية الفقيه فرع من ولاية رسول الله أول الكلام. وحتى لو سلمنا بولاية النبي المطلقة، فإن انتقالها إلى الفقيه يحتاج إلى نص صريح، وهو مفقود بالضرورة، كما أن مفادة ولاية المؤمنين لا تنفع وتم الحديث عنها سابقا. غير أن التصريح الأخير للسيد علي السيستاني، وهو المرجع الشيعي الكبير حاليا، مثّل قفزة كبيرة في الوعي السياسي الشيعي حينما أكد من خلال خطيب الجمعة في  مدينة كربلاء - العراق: (إن الحكومة إنما تستمد شرعيتها ـ في غير النظم الاستبدادية وما ماثلها - من الشعب، وليس هناك من يمنحها الشرعية غيره، وتتمثل إرادة الشعب في نتيجة الاقتراع السري العام إذا أُجري بصورة عادلة ونزيهة). وأكد في يوم 20 – 12- 2019م، (وقد أشرنا في خطبة سابقة أن الشعب هو مصدر السلطات ومنه تستمد شرعيتها كما ينص عليه الدستور).

حان الوقت للتخلص من الاستبداد الديني، الذي عمد الفقه السلطاني والعقيدة الشيعية، إلى شرعنته وتقديسه، وفك الارتباط بماضٍ لا يعرف شيئا عن مشكلاتنا وإشكالياتها، ولا يصلح حلا لواقعنا، مادام نتاجا لظروف مختلفة، وثقافة ترتبط بواقع مغاير. ويمكن للمسلمين الارتكاز لقيم الدين ومنظومة القيم الأخلاقية، وإقامة دولة الإنسان، بعيدا عن الاستبداد ومنطق الولاية الذي يكرّس التبعية والانقياد والعبودية ويألف لا شعوريا عبادة الأوثان.

يكفي ولاية الفقيه خطرا أنها ترتهن إرادة الفرد، وتصادر موقفه، ولو على حساب شعبه ومصالح وطنه... تحتكر الشرعية السياسية والدينة، ولازمه إدانة جميع الحكومات. وتعتبر طاعة الولي الفقيه طاعة لله ورسوله، والولاء له ولدولته واستراتيجيته واجب ومقدم على ولاء النفس والوطن. ولا يخفى حجم التزوير في هذا الفهم، فولايته مهما كان دليلها، لو سلّمنا بصحتها، لا ترقى لولاية الله ورسوله. لأن الولاء لهما ولاء للحقيقة المطلقة، وولاية الفقيه نظريه اجتهادية آمن به بعض الفقهاء، وبعض آمن بها على مضض، وألغالبية المطلقة من فقهاء الشيعة لا يؤمنون بها، فضلا عن صلاحياتها المطلقة. وهذا النوع من الولاء يشبه ولاء الحركات الإسلامية المتطرّفة التي ترى نفسها حقا مطلقا، وتفرض على الناس طاعتها والانقياد لها، مهما أسرفت بالقتل والظلم والجور!!!. إن ولع السياسة وحب السلطة، يبيحان تؤيل النصوص لصالح شرعنة سلطة الفقيه ومن يقوم مقامه بالنسبة للحركات الإسلامية. وهذا ما يحصل فعلا. قد لا تظهر تداعياته الآن، غير أن الوعي والمستقبل كفيلان بالكشف عنها مستقبلا.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawiخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق12من س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الموقف من الشورى

ماجد الغرباوي: لمّا اقتربت وفاته، انتدب عمر بن الخطاب ستة من الصحابة أناط بهم مسؤولية اختيار الخليفة الثالث، وقد اختارهم بشكل يفضي إلى إقصاء علي بن أبي طالب عن الخلافة، مما يؤكد أن عليا ظل يمثّل قلقا وهاجسا كبيرا لعمر بن الخطاب، ربما تراكمات عداء غير مرئي يعود لأيام الجاهلية. وربما صراع قَبلي وموقف عدائي من بني هاشم عامة. أو ديني، حيث كان عمر من أشد المعارضين لدعوة النبي، بينما كان علي متطرفا في نصرة الدين الجديد، فلا شك تحدث حساسية وتوجّس. ولا أعتقد أن الإسلام قد شفى نهائيا صدور من أسلموا بعد حقبة عداء مرير للإسلام (سواء عمر أو غيره)، فضلت بعض أحقاد جاهلية كامنة تتحين. وهي طبيعة بشرية، لا تندثر بسهولة إلا بترصّدها وملاحقتها نقديا، بما يفضي إلى إعادة تشكيل وعي يجافي القيم القَبلية والنوايا الشريرة. وإذا أضفنا حمى التنافس على السلطة بعد ظهور الإسلام، تتضح المواقف الحقيقية من علي بن أبي طالب. فقول عمر بن الخطاب بأن "فيه دعابة"!!!. (تاريخ الطبري، ج5، ص78)، يمثل موقفا من علي، خاصة أنه معروف بمبدئيته وجديته حينما يقتضي الأمر، يشهد لذلك سلوكه في السلطة، وصرامته في العدل. وعندما طالبوا الخليفة الثاني باستخلاف من يراه مناسبا للخلافة، قال: (قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر فأوّلي رجلا أمركم، هو أحراكم أن يحملكم على الحق – وأشار إلى علي)، (المصدر نفسه، ص77). وأكّد أن في عثمان ليناً. واللين ضعف مضر بالسلطة، التي تقتضي قائدا حازما وشخصية قوية. فكانت نتيجة خلافته ثورة عارمة مزقت أحشاء الدولة الإسلامية وأطاحت بمقوماتها، ومهدت لحكم بني أمية، الذين ابتعدوا عن المنحى الديني في السلطة.

وقال عمر: (وما أظن أن يلي إلا أحد هذين الرجلين: علي أو عثمان، فإن ولي عثمان، فرجل فيه لين، وإن ولي علي ففيه دعابة، وأحر به أن يحملهم على طريق الحق). (المصدر نفسه، ص78.).

وبشكل عام هناك انطباع أعلن عنه الإمام علي قائلا: (إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها، فتقول: إن ولّي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم). (المصدر نفسه، ص81). وهذا نص تاريخي، يؤكد قوة حضور مبدأي: القريشية والولاء. وليس للدين أي علاقة بالسلطة، مما يؤكد عدم صدور أي نص عن النبي يمثل  بوصلة الحق عند النزاع حول السلطة، سوى روايات الفضائل. وبهذا يتضح مضمون حديث الغديرجليا.

وقائع الشورى

نعود إلى الشورى وتفصيلاتها، لتحري دور المقدّس في اللعبة السياسية. ورصد حركة علي بن أبي طالب فيها، وهل كان حقا يتحرك من وحي عهد معهود له من قبل النبي؟ أما كان يناور سياسيا كغيره من الأشخاص. وهذا لا يمنع أن تكون له مبادئه وشعاراته التي يمتاز بها على غيره. لأن مهمتنا الكشف عن أصداء الغدير في اللعبة السياسية، وأحداث الشورى في هذه المرحلة، بعد أن لم نعثر على أثر واضح له خلال أحداث البيعة، عندما آلت الخلافة إلى قريش، المناوئ اللدود للبيت الهاشمي، وامتداده في العصر الأموي. تقول الرواية:

( ... عليكم هؤلاء الرهط الذين قال عنهم رسول الله "ص": إنهم من أهل الجنة: سعيد بن زيد بن عَمرو ابن نُفيل منهم، ولست مُدخله، ولكن الستة: علي وعثمان إبنا عبد مناف. وعبد الرحمن وسعد خالا رسول الله "ص". والزبير بن العوام حواري رسول الله "ص" وابن عمته. وطلحة الخير بن عبيد الله. فليختاروا منهم رجلا، فإذا ولّوا واليا فأَحسِنوا مؤازرته وأعينوه، إن إئتمن أحدا منكم فليؤد إليه أمانته.

وخرجوا، فقال العباس لعلي: لا تدخل معهم، قال: أكره الخلاف. قال: إذا ترى ما تكره.).(المصدر نفس، ص77). ومازالت السلطة تسير وفق منطق قبلي براغماتي، لا علاقة لها بالدين، ولا تنتمي لأي نص مقدس، سوى إرادة شخصية لعمر بن الخطاب، وسطوة قريش، وسجال بين الطرفين، وفق ذات الموازين السياسية، القريشية والولاء.

ثم يعود عمر ليضع ضابطة لهؤلاء الشورى وكيفية اختيارهم للخليفة، وهي ضابطة تعسّفية لا تنتمي للدين الحنيف، ضابطة مفعمة بالعنف، تبيح قتل المعارض، وصاحب الرأي الآخر، ولا تسمح بالتحفّظ، وتطالب بالانصياع، بحكم القوة والسيف. يقول عمر في ضابطته: (وقال – أي عمر- للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم. وقال لصهيب: صل بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليا وعثمان والزبير وسعدا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة أن قَدِم، وأحضر عبد الله بن عمر ولا شي له من الأمر، وقم على رؤسهم، فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فاشدج رأسه – أو اضرب رأسه بالسيف – وإن اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبى إثنان، فاضرب رؤوسهما، فإن رضي ثلاثة رجلا منهم وثلاثة رجلا منهم، فحكّموا عبد الله بن عمر، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس). (المصدر نفسه، ص78)، وهو خطاب رعب، عنيف، يجرى وفق قيم العبودية، وقيم المجتمع الأبوي. والرجل معروف بغلظته وخشونته. لكن كيف يحكم على أصحاب رسول الله وفق هذا المنطق و(الإيمان قيد الفتك)؟.

ربما عدم وجود مرجعيات دينية لحسم الخلافة حول السلطة، وخشية عمر من انفراط السلطة، وتشتت الصحابة، وراء قسوته وشدته، فكان في مقام التهديد لردعهم وتقويم سلوكهم. وقد يقال بصواب هذا التبرير، لكن هل يبيح له هذا السبب سفك دماء الصحابة لمجرد اختلافهم بالرأي؟. وسأبقى أتساءل بأي مبرر شرعي يشرّع عمر قتل المخالفين له بالرأي؟ حتى لو أن أحد السياسيين خالف إجماع الأمة فهل سيكون مصيره القتل؟ ما هو الدليل والمبرر الشرعي على ذلك؟. ثم متى كان الاختلاف مدعاة لقتل المعارض في آية: "وشاورهم في الأمر". وآية: و"أمرهم شورى بينهم"؟.  فهل الشورى فخ لاستدراج المعارض ومن ثم استباحة دمه؟ أم أن مقتضى الشورى احترام رأي المستشارين، اتفقوا أم اختلفوا؟. بل أن معنى الشورى والتشاور اختلاف الآراء، والجلوس للتقريب بين وجهات النظر. سبق أن كتبت عن القيم القَبلية، واستمرارها بعد الرسالة، بغطاء شرعي، وهنا أؤكد أن موقف عمر بن الخطاب في هذه الحادثة بالذات، يعد مصداقا واضحا لما قررته في محله، بأن المسلمين لم يغادروا خلفياتهم القَبلية تماما، وإن اختيار الخليفة جرى وفقا للمنطق السائد آنداك، وهي مبادئ قبلية، استطاع الخليفتان الأول والثاني ترسيخها (القريشية) شرطا في خليفة المسلمين.

تضيف الرواية: فخرجوا – أي رجال الشورى- (فقال علي لقوم كانوا معه من بني هاشم: إن أطيع فيكم قومكم لم تؤمروا أبدا.

 وتلقاه العباس، فقال: عدلت عنا، قال وما علمك؟

قال، أي علي بن أبي طالب: قُرِن بي عثمان، وقال كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلا، ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف. فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان، لا يختلفون، فيوليها عبد الرحمن عثمان، أو يوليها عثمان عبد الرحمن. فلو كان الآخران معي لم ينفعاني، بله إني لا أرجو الا أحدهما. وعلي هنا يقرأ الحدث وفق المنطق السياسي. يدرس جميع الاحتمالات، ثم يخطط ويتخذ الموقف المناسب.

فقال العباس (مخاطبا علي): لم أرفعك في شي إلا رجعت إلي مستأخرا بما أكره، أشرت عليك بعد وفاة رسول الله "ص" أن تسأله فيمن هذا الأمر، فأبيت. وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت. وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى ألا تدخل معهم فأبيت. أحفظ عني واحدة: كلما عرض عليك القوم، فقل لا، إلا أن يولوك، واحذر هؤلاء الرهط، فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا، وأيم الله لا يناله إلا بشر لا ينفع معه خير.

 فقال علي: أما لئن بقي عثمان لأذكرنه ما أتى، ولئن مات ليتداولنها بينهم، ولئن فعل ليجدني حيث يكرهون ..)، (المصدر نفسه).

ثم بدأت مداولات الشورى برئاسة عبد الرحمن بن عوف على مدى ثلاثة أيام، إلا أن الجميع كان يريدها لنفسه، فخاطبهم عبد الرحمن: أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم؟ فلم يجبه أحد. فقال أنا أنخلع منها. فقال عثمان: أنا أول من رضي فإني سمعت رسول الله "ص" يقول "أمين في الأرض أمين في السماء". فقال القوم: قد رضينا، وعلي ساكت. فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أعطني موثقا: لتؤثرن الحق، ولا تتبع الهوى، ولا تخص ذا رحم، ولا تألوا الأمة ..). (المصدر نفسه، ص79.). وفي لباقة عالية حكيمة استطاع علي أن يحرج محاوره، ويفرض شروطا، تعارض تكريس الولاء والتوجهات القَبلية، (ولا تخص ذا رحم)!!. فحدد بشروطه متبنياته السياسية، وأعلن عن معالم مشروعه، مما يؤكد ثمة مشروع سياسي قد نضج واكتمل، يجلّي معالم التشيّع في مرحلة التأسيس. ويصدق كما مر أن عليا، كما أفهم من روايات الفضائل واهتمام الرسول به ومواقفه ومبدئيته، أفهم أنه قدوة في السوك، ومرجعا فكريا وسياسيا، ومؤهلا بامتياز للسياسة والحكم. وهذا هو مسار التشيّع قبل أن تطرأ عليه الخرافات والأسطرة المرّة، التي شوهّت معالمه، وصفق لها أعداؤهم، لتكون حجة ضدهم. وربما والله العالم، هذا ما كان يطمح له محمد بن عبد الله صاحب الرسالة.

ثم جاءت مرحلة اختيار الخليفة الثالثة فحضر وجوه المسلمين في المسجد، جاء في الخبر: ( فدعاهما – عبد الرحمن – فبدأ بالزبير في مؤخر المسجد في الصفة التي تلي دار مروان، فقال له: خل ابني عبد مُناف وهذا الأمر، قال: نصيبي لعلي، وقال لسعد: أنا وأنت كلالة، فاجعل نصيبك لي فأختار، قال أن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان فعلي أحب إلي. (المصدر نفسه، ص80.). فمازالت المشاورات تدار بذات المنطق السياسي السائد، بعيدا عن مرجعية أي نص ديني مقدس. تستمد شرعيتها من الصحبة ومن ضرورة وجود خليفة للمسلمين، ومن ورائهم وصية عمر بن الخطاب، مما يؤكد أن المراد بأحاديث الفضائل وحديث الغدير  خاصة، أفضلية علي، وليس النص على خلافته، كي يحكم بغصبية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان فيما بعد، كما يذهب لذلك فقهاء الشيعة. وهذه نقطة مهمة جدا، تترتب عليها أحكام شرعية.

فلما صلوا الصبح جمع الرهط، وبعث إلى من حضره من المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار وإلى أمراء الأجناد، فاجتمعوا حتى التج المسجد بأهله، كما تقول الرواية.

فقال سعيد بن زيد: إنا نراك لها أهلا، فقال: أشيروا علي بغير هذا.

فقال عمار – ابن ياسر- إن أردت ألا يختلف المسلمون فبايع عليا.

فقال المقداد بن الأسود: صدق عمار، إن بايعت عليا قلنا: سمعنا وأطعنا.

قال ابن أبي سريج: إن أردت ألا تختلف قريش فبايع عثمان.

فقال عبد الله بن أبي ربيعة: صدق، إن بايعت عثمان قلنا: سمعنا وأطعنا

فشتم عمار ابن أبي سريج، وقال متى كنت تنصح المسلمين؟. فتكلم بنو هاشم وبنو أمية.

فقال عمار: أيها الناس، إن الله عزوجل أكرمنا بنبيه، وأعزنا بدينه، فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم؟.

فقال رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يابن سمية، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها.

فقال سعد بن أبي وقص: يا عبد الرحمن، أفرغ قبل أن يفتتن الناس، فقال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت، فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا. ودعا عليا فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده؟ قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي. ودعا عثمان، فقال له مثل ما قال لعلي، قال نعم، فبايعه.

وهو أسلوب ماكر، لاستبعاد علي الرقم الصعب في المعادلة السياسية، فكان يستبدل خططه خلال مداولاته مع الشورى، حتى فرض شرطا، خمن بدهائه، رفض علي له، وقد صدق ظنه، ورفض علي، واكتشف خطته.

فقال علي: حبوته حبو دهر، ليس هذا أول يوم تظاهرون فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر اليك، والله كل يوم هو في شأن.

فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله.

فقال المقداد: يا عبد الرحمن، أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون.. ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم. إني لأعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول أن أحدا أعلم ولا أقضى منه بالعدل. أما والله لو أجد عليه أعوانا .. فقال عبد الرحمن: يا مقداد، اتق الله، فإني خائف عليك الفتنة، فقال رجل للمقداد: رحمك الله من أهل هذا البيت، ومن هذا الرجل؟ فقال: أهل البيت بنو عبد المطلب، والرجل علي بن أبي طالب.

فقال علي: إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها، فتقول: أن ولّي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم). (المصدر نفسه، ص81)

وفي رواية أخرى: (ثم تكلم، أي عبد الرحمن بن عوف: .. فقم إلي يا علي، فقام إليه، فوقف تحت المنبر، فأخذ عبد الرحمن بيده، فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي ...). (المصدر نفسه، ص84).

كان ذلك سنة 23 هـ، عندما توفي عمر بن الخطاب، وعقدت الشورى جلساتها التداولية، فانتهى الأمر بإقصاء علي وتتويج عثمان بن عفان خليفة ثالث للمسلمين. وقد اتضح جليا أن القريشية والولاء القَبلي كانا المبدأ في الخلافة، وليس ثمة وصية ونص عليها. وأنظر إلى دقة تعبير الإمام علي: (إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها). وهذا ما أكدت عليه طوال البحث، إذ لا يمكن لخلافة أبي بكر أن تتم مع وجود الأنصار لولا وجود أرضية وقبليات قَبلية مهدت للقريشية مبدأ للحكم، يؤكده كل من كتب في النظام السياسي الإسلامية، ولا يتجاوزه الفقه السلطاني. فعن أي شريعة يتحدثون، وأمامنا أحداث ممسرحة، جسدت مرجعيات القوم في السلطة والحكم. إنها مبادئ قَبلية وولاء قبلي، تنتمي إلى قيم العبودية. كما أن عليا بقوله: (ليس هذا أول يوم تظاهرون فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون)، أكد عمق الصراع على السلطة، واحتدامه بين بيوتات قريش وفق مبدأ الولاء، في عهد عثمان خاصة، وهذا ما كان يخشاه علي، ويعلم أن الأمر سيخرج من بني هاشم، إضافة إلى خوفه أن تؤول السلطة لمن هو ليس أهل لها، لذا هدد في كلامه: إنك ستجدني حيث تكره. فلم يكن صراعا بين الحق والباطل، بل صراعا أي رموز قريش أحق بها، إذ لا أحد شكك بتقواهم ورمزيتهم وعدم تمسكهم بالحق. ولا أخذهم أحد بعمل سيء أو تهمهم بجريمة. كل ما في الأمر مجموعة رموز قريشية يتصارعون حول السلطة بحكم قربهم من رسول الله. فالقرابة / القريشية هي المبدأ ثم فرض الولاء القبلي نفسه بقوة، لذا خاطب علي عبد الرحمن بن عوف: (والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر اليك). وفي كلامه إضافة إلى التشكيك بمصداقية عبد الرحمن وصدقه، تأكيد على خطورة مبدأ الولاء، فقد وضع عبد الرحمن خطته محكمة لتؤول إليه بعد عثمان لا محال!!!!!. فهم عصبة تتحكم بهم مصالحهم الشخصية، وولع قريش بالسلطة. وإلا لو كان هدفهم إقامة خلافة دينية مثالية، فيكيفهم ما يعرفونه عن علي وما شهد به عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود، حيث تألم إذ لم يجد معه من يناصره (... أما والله لو أجد عليه أعوانا)، فحذره عبد الرحمن من الفتنة. فالمقداد وهو صحابي جليل معروف، كان مستعدا للحرب من أجل انتزاع السلطة، وتقليد الخلافة، والسبب كما ذكره في خطبته المتقدمة: (أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون.. ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم). فكان التوجس من مستقبل السلطة وانحراف مبدئية الخلافة واضحا في كلام علي وعمار والمقداد، رموز المبدئية الدينية العقدية الإسلامية، والطامحين بدول العدل الإلهي وضمان عدم عودة سلطة الملأ من قريش على حساب المعدمين والمستضعفين. 

وأخلص أن مبدأ القريشية والولاء القبلي ومنطق الغنيمة وإرث الأباء، قد طغى على تصريحات الصحابة. وهو منطق براغماتي بشكل أساس، لا يمنع من وجود أجندة مبدئية كما بالنسبة للإمام علي، الذي كان يحذر كما تقدم من تقديم الولاء على الكفاءة، وهذا ما حصل مع عثمان. وتحققت نبؤته، لأنه خبير بقريش وولعها بالسلطة، واعتزازها بنفسها وكبريائها ونرجسيتها. فعلي يريد سلطة وفقا للمبادئ الدينية، فخسر معاركه السياسية، وقريش فهمت السلطة فهما براغماتيا، ومِلكا عضوضا، فكانت على رأس السلطة دائما. ومازالت خطاب الخلافة يندب قريشا لخلافة المسلمين!!!!!.

المنطق القبلي الحاكم

أنظر للمنطق القَبلي، والزعامة المقدسة لقريش في كلام (رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يابن سمية، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها.)، فهل ساهم الخطاب الدينيفي تكريسها؟ هناك عدد من الروايات تنسب للرسول إشادته بقريش وكفاءته وقيادتها: خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام. غير أني ناقشت رواية أبي بكر: "الخلافة أو الإمامة في قريش" وبيّنت نقاط ضعفها وتعارضها مع الكتاب الكريم.

وأنظر لكلام علي "ليس هذا أول يوم تظاهرون فيه علينا"، إنه يعكس بوضوح صراع السلطة بين بيوتات قريش. مع الاتفاق على مبدأ القريشية في السلطة. فعلي هنا لم يتكلم باسم المسلمين كما فعل عمار بن ياسر والمقداد حينما قالا: "إن أردت ألا يختلف المسلمون فبايع عليا"، بل تكلم وفق الواقع الموضوعي، أن السلطة للبيت الهاشمي، وسرقتها قريش. وهذا يؤكد ما أكدت عليه مرارا بأن صراع السلطة كان صراعا بين بيوتات قريش. وليس صراعا بين نص مقدس بتنصيب علي، وتمرّد قريش، ليتحول كما في الخطاب الشيعي المغالي، إلىى صراع بين الإسلام والكفر. بين الحق والباطل. إنه صراع بين قريش. قال الرجل المخزومي مخاطبا عمار، كما تقدم:" وما أنت وتأمير قريش لأنفسها". عمار لا ينتمي لقبيلة تتنافس على السلطة فيفكر بالمسلمين، ويرى عليا المؤهل الوحيد لها، لأنه يعرف أنه رجل مبدئي، والقريشية ليس عيبا، يتقبلها الذوق القَبلي السائد. وهو ذات الذوق الذي تقبّل رواية أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، وحسم الخلافة لقريش مدى الحياة، حينما روى عن النبي: "أن الخلافة أو الإمامة في قريش"، رغم لم يروها أحد غيره، غيرأن ثقافة الصحابة والذوق القَبلي السائد أمضاها، وعمل بها. فعمار يجهل لعبة السلطة القَبلية، وكيفية إدارتها، لكنه لا ينكر ثوابت الوعي القبلي السائد، لذا قال المقداد: " إني لأعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول أن أحدا أعلم ولا أقضى منه بالعدل". فالرجل لم يتمرد على القريشية لأنها خط أحمر، وهو يدرك ذلك، فقال إني لأعجب من قريش، ولم يقل إني لأعجب من المسلمين، ولا إني لأعجب من الأمة الوسط!!!. المسلمون هم الهامش وسيبقون ما لم يتداركهم الوعي، يطوفون حول قريش / المركز،/ العائلة المقدسة!!). وقداسة قريش تابو، والاختلاف حول سعتها، فهل القداسة شاملة لكل بيوتات قريش، أم خصوص أهل البيت؟. وهكذا توزعت العقائد  وسفكت الدماء واختلفت الآراء الكلامية تبعا لصراع السلطة بين بيوتات قديسة لا يطالها النقد، ولا تقاربها المراجعة النقدية. وهكذا كانت قريش وراء دكتاتورية القبيلة، والسبب الأساس وراء ترسيخ قيم الاستبداد والتبعية والانقياد داخل المنظومة القيمية للفقه الإسلامي.فاكتسب الاستبداد قدسية استمدها من قدسية قريش أولا ومن ثم من الشريعة وفقها السلطة الثانية بعد كتاب الله وسنة نبيه.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed al gharbawiخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق11من س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الموقف من البيعة

ماجد الغرباوي: لا شك أن تحفّظ الإمام علي على بيعة أبي بكر مثّل اتجاها آخر، في رؤيته للخلافة ومصداقها، لكن الاتجاه المعارض لم يتحوّل إلى حزب أو تيار سياسي معارض، رغم وجود مجموعة من الأنصار المؤيدين، كعشيرته وكبار الصحابة، مثل: العباس بن عبد المطلب، والزبير بن العوام، والمقداد، سلمان الفارسي، ابو ذر الغفاري، عمار بن ياسر. بل كما سيأتي في رواية أن الأنصار أو بعضهم هتفوا لعلي في سقيفة بني ساعدة، إما باعتباره الأقرب لرسول الله، أو لأنه الأفضل. وأيضا في رواية، كان في بيت علي مجموعة من الصحابة عندما جاء عمر مهددا عليا بحرق بيته إذا لم يبايع. وكأن موقف علي من أحداث السقيفة موقف عابر، لم يردفه بأي موقف أو فعل طوال خلافة أبي بكر وعمر، سوى موقفه من الشورى التي نصّبها الثاني لاختيار الخليفة الثالث. ولم يحدّثنا التاريخ عن أي مواجهة أو خلاف إلا بحدود الاجتهادات الشخصية بشأن القضايا المطروحة سواء كانت سياسية أو فقهية أو قضايا عامة. وقد أُستدل الستار على هذه الأزمة بعد بيعته لأبي بكر وعاد علي مستشارا ووجيها ضمن كبار الصحابة. يحضر اجتماعاتهم، ويشاركهم في مناسباتهم، ويصلّي جماعتهم وجمعتهم، ويؤيد غزواتهم، وتصاهروا فيما بينهم. وهذا لا ينفي احتمال مراعاته المصلحة العامة في مواقفه (لأسلمَنَ ما سلمت أمور المسلمين)، لكن لا دليل قاطع عليه. وعلي مبدئي، لا يداهن، ولا يؤمن ببراغماتية رجل السياسة. وشخصيا لا أرتاب بمواقفه، ولا يوجد ما يبرر تقيته. لكن لا أنفي احتمال أنه كان يخطط لما هو أبعد من الخلافة. وقد أبالغ إذا قلت أن مواقفه مع الخلفاء كان تكتيكا ضمن استراتيجية  شاملة.

الغريب عدم تفاعل المسلمين مع كلا الحدثين (السقيفة والشورى) بقوة، تكشف عن وجود قاعدة شعبية تنحاز لعلي. ولم يرصد التاريخ أي تحرك سري أو علني له بهذا الاتجاه. فلماذا لم يتحوّل موقفه إلى حزب أو تيار سياسي، رغم مكانته في الإسلام وقربه من رسول الله وثقله القَبلي؟. ولماذا لم يتحرك بهذا الاتجاه، إذا كان يرى أحقيته باعتباره منصوصا على إمامته؟. والنص يعني حكما شرعيا تم تبليغه من قبل الرسول، وضمن سماعه من قبل عدد من الصحابة يتناسب مع أهميته. بل ويجب أن تنزل فيه آية صريحة، تكون حجة عليهم. لكن لنتخلى عن موضوع الآية. وتقدم الحديث عنها.

 وإذا أضفنا أن الرسول قد أوصى لعلي بالخلافة على مرأى ومسمع من الصحابة في يوم الغدير، كما يؤكد ذلك الشيعة عموما، ويعتقدون أن خلافته أمر إلهي (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك)، فستكون علامات الاستفهام أكبر. إنه أمر يثير جملة أسئلة، تتوقف عليها معرفة حقيقة التشيّع. وتقتضي تسليط الضوء على مرحلة التأسيس، لنتحرى:

- هل كان موقف الإمام من البيعة، وتحفظه على بيعة أبي بكر، موقفا سياسيا أم انطلاقا من رؤية عقائدية؟

- هل أن موقفه كان تكليفا شرعيا من قبل الرسول الأكرم، أم موقفا شخصيا؟

- هل احتج الإمام علي لأحقيته بالخلافة بأي نص قرآني أو نبوي (سواء كان حديث الغدير أو غيره)؟.

- هل سكوته عن حقه بالخلافة (وفقا للنظرية الشيعية) مراعاة لمصلحة المسلمين، أم لسبب آخر، وما هو؟.

- كيف نفسّر اهتمام الرسول الاستثنائي بعلي بن أبي طالب من خلال أحاديث الفضائل المروية عن طريق الفريقين؟

- هل كان دوره مقتصرا على استلام السلطة أم كانت له مهام رسالية أخرى، كأن يكون قدوة في سلوكه ومرجعا فكريا، إضافة إلى أهليته للسياسة والحكم؟. ولازمه نفي الإمامتين السياسية والدينية المنصوصتين عليه، كما تذهب لذلك النظرية الشيعية، التي بدأت تترسخ معالمها في القرن الثالث الهجري. والمقصود بالإمامة كوصية عن الرسول الكريم لا كتكليف شرعي لمن يتصدى لها، أو لمن تتعيّن فيه، ولا باعتباره الأصلح والأكفأ. لأن الإمامة قد تكون وصية عن النبي بخصوص علي. وكلا الإمامتين لم تثبت بدليل صريح واضح لا لبس ولا شك فيه. أو تكون الإمامة تنصيبا حينما ينتخبه المسلمون، ويكون الشعب مصدر شرعيته، كما بالنسبة للإمامة السياسية. وقد انتُخب بالفعل خليفة رابعا للمسلمين. أو قد تكون الإمامة متعينة فيه باعتباره مرجعا دينيا "فقها وفكرا وقضاءً"، وهذا واضح في سيرته منذ وفاة الرسول حتى استشهاده.

غير أن ثبوت ما تقدم يتطلب تفكيك المنظومة العقائدية للشيعة، واعادة بنائها لوضع أسس جديدة للتشيّع، "كاتجاه مبدئي، فكري وعقدي وثوري، ينتصر للحق، ويدافع عن المحرومين"، بعيدا عن الإمامتين الدينية والسياسية، وبعيدا عن أسطرة الإمام، من خلال مفاهيم أسطورية لا تمت للحقيقة بصلة سوى التطرف والتقديس وشعور التفوق، وهلوسة الأفكار الغنوصية والميتافيزيقية. وتفكيكها يتوقف على ملاحقة الأحداث التاريخية، ورصد مواقف الإمام بالنقد والتحليل، بعد نزع قدسيتها، وقراءتها وفق منطقها، باعتبارها فعلا بشريا، يتأثر بقبلياته ومصالحه وتحيزاته الأيديولوجية، ويطمح بالسلطة، ويدافع عنها.

جدير بالذكر أن ما تقدم بناء على صحة الروايات التاريخية، وشروط الصحة عندي صعبة، لا تثبت إلا للحديث المتواتر، وهو أشبه بالمستحيل بعد تمادي القرون، وكثرة الوضع والكذب والتزوير، وضياع الأسانيد، وصراعات السلطة، وثقافة الغلو. لكن نتعامل معها وفق شرطنا الثاني القاضي أن كل رواية غير صحيحة فهي محتملة الصدور ما لم يثبت وضعها بدليل. وحينئذٍ، تكون لقوة حضورها دلالة، تتطلب تحري مدلولاتها، وأبعادها، وما يتستر خلفها من مناسبات وضرورات، خاصة ضرورات السلطة، وصراع المذاهب الدينية.

الصحابة والبيعة

لنفترض أن خلافة أبي بكر أصبحت أمرا واقعا، بدهاء عمر بن الخطاب، وانشغال الإمام علي بتجهيز رسول الله، وتسرّع الأنصار في حسم الخلافة لصالحهم، مما أثار حفيظة المهاجرين، فسارعوا أيضا لانتزاعها، لكن رغم كل هذا نسأل لماذا لم يجد موقف الإمام أصداء واسعة، ولم يتحوّل إلى تيار معارض، خاصة مع القول بالوصية والتعيين وفقا للنظرية الشيعية؟ ولماذا لم يحصل تمرّد في صفوف الصحابة، انتصارا لعلي وحديث الغدير، الذي ينص كما هو المفترض وفقا للعقيدة الشيعية، على إمامة علي حصرا؟.

المؤكد من خلال الأحداث التاريخية أن الصحابة تعاملوا مع موضوع الخلافة بآليات سياسية براغماتية، بعيدا عن أي مبدأ ديني، وأدار عمر بن الخطاب دفة الصراع على السلطة بطريقة لبقة مهّدت لمستقبله السياسي بعد أن حسمها لأبي بكر. فاستخدم الخصوم السياسيون (مهاجرون وأنصار) كل الأدوات المتاحة آنذاك، من خداع وتهديد وعنف ومراوغة، وركن المهاجرون في احتجاجهم على الأنصار للمنطق القبلي، وهو منطق ينتمي للنظام الاستبدادي الأبوي، لسحب البساط من تحت أقدام الأنصار الذين نادوا بالخلافة لعميدهم سعد بن عُبادة، وفي رواية أنهم أو بعضهم نادى بالخلافة لعلي بن أبي طالب، كما نقل ذلك الطبري في تاريخه، حيث قال: (فقال عمر "في السقيفة": أيكم تطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما النبي "ص"، فبايعه عمر، "أي بايع أبا بكر" وبايعه الناس. فقالت الأنصار، أو بعض الأنصار: لا نبايع الا علياً!!!). (تاريخ الطبري، ج3، ص254)

هناك مجموعة أدلة تؤكد أن المنطق السياسي كان يسود مفاصل الصراع على السلطة بين الصحابة، بدءا بالمنطق القَبلي وتشبث المهاجرين به لانتزاع البيعة من الأنصار. أو طبيعة العبارات التي كان يستخدمها عمر بن الخطاب خلال الجدل المحتدم في سقيفة بني ساعدة، لتزوير الوعي، واستفزاز الصحابة البسطاء من الأنصار، فمثلا، كان يقول: "أيكم تطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما النبي"!! ويقصد أبا بكر. أو يقول: "لا أعصي أمر خليفة رسول الله في يوم واحد مرتين"!!!. وأبو بكر بعدُ لم يُنتخب للخلافة!!، لكن أراد أن يوحي للمستمع أن الأمر محسوم، أو أن الرسول قد جعله خليفة. وبالفعل أثّر هذا المنطق، وشجع الحاضرين على اختيار أبي بكر خليفة لهم.

كما استخدم عمر بن الخطاب أيضا العنف مع أهل بيت النبي لانتزاع البيعة لأبي بكر. يقول الطبري: (أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير، ورجال من المهاجرين، فقال: والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة!!. فخرج عليه الزبير مُصلتا بالسيف، فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه). (المصدر نفسه، ص254).

وكانت آليات الصراع على السلطة تختلف وفقا لبراغماتيتهم، فالمعروف تاريخيا أن أبا بكر أوصى لعمر بن الخطاب من بعده دون استشارة أحد من الصحابة، رغم أنه مأموربها بموجب قوله تعالى: وأمرهم شورى بينهم. وقد قبلها الأخير رغم أنه حذّر من تكرار بيعة أبي بكر، وقال: "لا تعودوا لمثلها"، ووصفها بأنها "فلتة وقى الله المسلمين شرها". وكانت مؤآخذته الأساسية على بيعة أبي بكر أنها بيعة متسرّعة، استغلت الأحداث فسارع عمر لمبايعة أبي بكر ومن ثم بايعه الناس. وكان الأمر يتطلب استشارات مستفيضة لتنصيب الأفضل بين الصحابة، والأكفأ منهم، لتفادي أي انشقاق بينهم. أو لا أقل انتظار كبار الصحابة ومنهم علي وأهل بيت النبي. فما جرى بين عمر والأنصار في سقيفة بني ساعدة لا يتناسب مع مقام الصحبة، ويندى له جبين التأريخ، والرسول ما زال مسجّى، لم يُدفن، وأهل بيته منشغلون بتجهيزه. وكادت أن تقع مذبحة عظيمة في سقيفة بني ساعدة. يقول الخبر كما في الطبري: (قال عبد الله بن عبد الرحمن: فأقبل الناس من كل جانب يُبايعون أبا بكر، وكادوا يطؤون سعد بن عُبادة، فقال ناس من أصحاب سعد: اتقوا سعدا لا تطؤوه، فقال عمر: اقتلوه قتله الله. ثم قام على رأسه، فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تند عضدك، فأخذ سعد بلحية عمر، فقال: والله لو حصصت منه شعره ما رجعت وفي فيك واضحة .. أما والله لو أن بي قوة ما، أقوى على النهوض، لسمعت مني في أقطارها وسككها زئيرا يجحرك وأصحابك، أما والله إذاً لألحقتك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع ...). (تاريخ الطبري، ج3، ص266). والغريب في تشبث عمر بن الخطاب بالعنف، فتارة يطالب بقتل سعد بن عُبادة، وأخرى يهدد بحرق بيت علي إن لم يبايع أبا بكر. وفي الشورى التي عيّنها لاختيار الخليفة الثالث أوصى بقتل من يعترض!!. ولا أفهم بأي مبرر ديني يشرّع عمر بن الخطاب لقتل معارضيه، وهم رموز الصحابة؟. الاعتراض حق مكفول للجميع، وليس من المعقول أن يجتمع الناس جميعا على شخص واحد، فلماذا يُقتل المعارض وفق منطق الخليفة الثاني؟. إن قيم الدين الحنيف لا تسمح ولا تبيح قتل أي إنسان لمجرد معارضته لهذا الشخص أو ذاك. وهذه هي فائدة المناهج النقدية حينما تنتزع القداسة، وتقرأ الواقع قراءة موضوعية بعيدا عن التبرير والتقديس، كي نشّخص الأخطاء ولا نفتتن بهالة القداسة. من حق عمر بن الخطاب أن ينافس على السلطة، ومن حقه التشبث بكل الوسائل السلمية والأخلاقية، لكن ليس من حقه استخدام منطق العنف والقتل، حتى صار سلوكه سيرة يتشبث بها الإرهابيون من الإسلاميين المتطرفين، فجلبت للمسلمين ويلات عظيمة في هذا الزمان.

وعندما تقرأ الأحداث بروية ستلاحظ بوضوح هاجس عمر بن الخطاب وحساسيته المفرطة من علي بن أبي طالب وموقفه من الخلافة، وهذا الموقف السلبي يبعث على التأمل في الأسباب الكامنة وراءه. فعمر تمكن من انتزاع الخلافة من أيدي الأنصار، لكن فشل في تطويع أهل بيت النبي، حتى كاد يحرق عليهم بيوتهم. وظل طوال خلافة أبي بكر وخلافته حذراً من علي، حتى اختار الشورى بطريقة تفضي لغيره.لأنه يعتقد متى ما استلم آل بيت النبي السلطة فلن تخرج من أيديهم أبدا، لأنهم أحق بها وفقا لمنطقه القبلي، أو لأن عليا الأفضل، يعرف ذلك من سيرته ومدى اهتمام الرسول به، ويعرف مدى قدرته على تأليب الناس حينما يرفع شعار مظلومية أهل البيت إذا تراخى معه. فيريد لجمه بالبيعه، لذا لم تهدأ الأمور إلا بمبايعته بعد ستة أشهر. لا أريد الاستغراق في مثاليات لا دليل عليها، ويبقى علي إنسانا، غير أنه إنسان مبدئي، خسر بسبب مبدئيته السلطة، لكنه نجح في تأسيس رؤية تقوم على الحق، ونصرة المستضعفين، وتقديم الكفاءة على الولاء، وترسيخ قيم العدل والإنصاف. وبالتالي أخلص: رغم طموح علي بالسلطة، وهو حق مشروع، وهو أهل لها، غير أن طموحاته كانت طموحات مبدئية، لا سياسية فقط، لذا بايع الخليفة، رغم قدرته على تعبئة المسلمين ضده، حينما يرفع شعار مظلومية أهل البيت، خاصة وقد تعهد له أبو سفيان بتعبئة مئة ألف مقاتل، شريطة ان يبسط يده للبيعة، غير أنه رفض العرض، ولم يفرّط بوحدة ومستقبل المسلمين، وهذا يكفي للتأمل في طموحاته السياسية، فهي طموحات سياسية لغايات مبدئية. وهذا ما أفهم من سرد الأحداث، بعيدا عن أي تحيز نفسي. خاصة لا يمكننا الاحتكام للواقع، وقد مضى عليه قرابة 15 قرنا. فنبقى نحن وفهمنا للنصوص التاريخية، بعد دراستها بمناهج نقدية منتجة.

نتائج الموقف الأول

ما تقدم هو الموقف الأول لعلي بن أبي طالب من السلطة، ويُعد لحظة انطلاق التشيّع، من خلال تحفّظه على بيعة أبي بكر، وقد درسنا الموقف في ضوء الأحداث التاريخية، فتبين جليا أن موقفه لم يصدر عن نص صريح بخصوصه، بآية أو رواية عن الرسول الكريم، بل كان موقفا سياسيا، إلا أنه عبّر عن رؤيته، ووجهة نظر مختلفة رغم استنادها لذات الأسس القبلية التي ارتكز لها الأنصار والصحابة في سقيفة بني ساعدة، أي منطق القبيلة، والقرابة من النبي محمد بن عبد الله القريشي.

واتضح أيضا أن موقف علي  من بيعة أبي بكر، لم يخلق أجواء سياسية مناهضة لبيعة الخليفة الأول، واقتصر تأثيره في حدود أهل بيته وأصحابه المقربين، وهم المستضعفون من الصحابة، رغم أن أحداث السقيفة وما تلاها، غدت فيما بعد أحداثا مدوية، ظلت تتردد على مدى التاريخ، مزّقت المسلمين وحرّضت ضدهم، منها استمد بعضهم شرعيته في السلطة والحكم لاحقا. بل حتى اليوم، مازال الحاضر يستمد شرعيته من الغائب. وهنا تبرز علامة استفهام كبيرة، لماذا لم يجد موقفه الأول من الخلافة أي صدى بين الصحابة طوال ستة أشهر؟ ولماذا لم يمده بمواقف جديدة؟ ولم يغذّه بأفكار تبلور أهدافه وغاياته؟. وأما تصريحاته خلال اجتماعات الشورى، وإبان حكمه، فقد جاء بعد نضوج أفكاره، ومعاصرته لخليفتين، وتعمقه في فهم نفوس الصحابة، وتطلعاتهم السياسية، وولاءاتهم وتحالفاتهم ومواقفهم وهواجسهم من أهل البيت.

واخيرا، عندما نرصد سلوك علي نلاحظ التريث والتراخي سمة واضحة في موقفه من الخلافة، رغم اصراره على طرح نفسه مرشحا لها، والدليل قوة الدعم التي حظي به من قبل بني هاشم وأبي سفيان وبعض الصحابة المقربين، إلا أنه لم يتخذ أكثر من موقف المعارضة السلمية، مما يعني إما أنه كان يفكّر أبعد من الخلافة السياسية. أو أنه أقتنع بدور الإمامة الدينية، لأنها تلبّي حاجة اجتماعية وتشريعية. وعليه لم تكن وصية الرسول لعلي وصية سياسية، ولا وصية دينية بمعنى الإمامة الدينية بمفهومها الشيعي المنحاز للأسطرة، والقداسة. وإنما وصية شخصية، كفعل ديني ملزم لجميع المؤمنين، قبل وفاتهم. ولا يمنع أن تتضمن تعاليم ووصايا دينية، فمحمد بن عبد الله نبي مرسل، ويخشى على رسالته الانحراف، كما حصل بالنسبة للأقوام السابقة، وعلي وصيه وثقته. لكن رغم جنوح الإمام علي للسلم ومبايعة أبي بكر إلا أنه حقق بموقفه من خلافة الأخير مكاسب كبيرة جدا، وهي:

1- فضح المبدأ القبلي في تنصيب الإمام أو الخليفة، وكشف أنه مجرد خدعة لكسب السلطة، وليس وفاء حقيقيا لهذا المبدأ. فقد احتجوا على الأنصار بقرابتهم من الرسول وبأنهم من قريش، فأحرجهم علي حينما طرح نفسه الأقرب لرسول الله، فهو ابن عمه، وزوج فاطمة الزهراء، وأبو الحسن والحسين، وهو الصحابي الجليل والمقرب جدا من النبي الكريم، وصاحب المواقف التاريخية في الإسلام بشجاعته وكرمه، وهو وصي رسول الله بعد وفاته.

قال علي مخاطبا أبا بكر: (الله الله ، يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ولا تدافعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت، ونحن أحق بهذا الأمر منكم)، المنطق القَبلي يقتضى تنصيبه وتقديمه عليهم أجمعين. وبهذا فضح علي هذا المبدأ، من خلال تبنيه بمدأ القرابة من الرسول. رغم أن المبدأ القبلي لا ينسجم مع قيم الدين الحنيف، لكنه كان مرجعيتهم في السلطة والحكم قبل وبعد الإسلام. فليست المسألة مسألة قرابة من النبي وإنما كفاءة وقدرة وأفضلية في السياسة والحكم، خاصة والكل يعرف أن "أقضاكم علي"، والقضاء يستبطن العدل والإنصاف، والقدرة على تشخيص الموضوعات، وهذا أهم ما يحتاجه الحاكم السياسي. إضافة إلى مبدئيته، وتقواه وسلوكه المتوازن، وتربيته في أحضان النبي الكريم، بل هو خريج مدرسة الرسول، وتلميذه الوفي. وإذا كانت الضرورة قد فرضت عليه التماشي مع القوم في شعارهم القبلي فطرح نفسه باعتباره الأقرب لرسول الله، أو كان حقا يفكر بنفس طريقتهم القبلية، فإن موقفه اختلف مع أحداث الشورى، حيث تألق في طرحه الرسالي والإنساني بعد نضوج تجربته الاجتماعية والسياسية والفكرية، حيث المعروف عن علي حكمته، يشهد لها الجميع. فبيّن أهدافه ومبادئه بكل وضوح، ليؤكد أفضليته لقيادة المجتمع الإسلامي. وهنا ينبغي التذكير، ثمة من يسجل على علي ملاحظات، تبرر موقف عمر منه. وعدم تنصيبه للخلافة، وهذا لا يقدح بجلالة قدره، والحكم منزلق، يقع الجميع في أخطائه.

2- التأسيس للمعارضة السلمية، ليؤكد دوره كأسوة في السلوك، ومرجعا في الشريعة والفكر، وأفضليته في السياسة والحكم. وهذا موقف تاريخي يسجل للإمام علي، خرج فيه عن أعراف العرب بالركون للعنف والسيف، بل المتعارف لدى جميع الشعوب آنذاك هو التمسك بالقوة في حالة المعارضة والاختلاف، لكن عليا تمسّك بمبدأ المعارضة السلمية. وبهذا استطاع تحقيق مكاسب كبيرة، أسس من خلالها لمبادئ جديدة في السياسية والحكم. وهذا هو معنى أفضليته.

لا شك بوجود نظرة مثالية تبجيلية، غير أنها مبررة بالاتفاق بين المذاهب الإسلامية حول جلالة علي بن أبي طالب وقربه للرسول وفهم الرسالة. بشكل عام أشجب منطق التبجيل، غير أني بصدد إعادة تشكيل الوعي الشيعي خارج النص والتعيين، وخارج الإمامة الربانية. وهذا لا ينفي وجود ملاحظات حول سياسته وخلافته، وكيفية تعامله مع أنداده السياسيين، لكن اشترط مناقشتها وفقا لظروها، وعدم قياس الغائب على الحاضر، أو محاكمته وفقا لمبادئ وقيم تبلورت بعد أكثر من ألف عمام.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi7خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق10من س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

بدايات التأسيس

ماجد الغرباوي: لا شك أن الإيمان الأيديولوجي إيمان نفسي موروث، لا يتأثر بالنقد والمراجعة ونفي الواقع، مهما كانت قوة أدلة النقض، إلا مَن له استعداد للنقد والمراجعة. الأدلة العقلية والكلامية تتطلب جهدا عقليا لفهمها ومراجعتها. قد تؤثر وقد لا تؤثر، بينما الطقوس والمناسبات ومنابر الخطابة ترفد الإيمان النفسي وترسخه، من خلال خطابات عاطفية، تقصي العقل، وتحاصر الوعي بخرافات وأساطير، تكرّس اليقين السلبي، وتعبّئه ضد أية استنارة عقلية، من هنا أجد الأسئلة المستفزة أكثر قدرة على زعزعة اليقينيات والثوابت، كما أنها تمنح المتلقي قدرة على النقد والمراجعة، عندما تفرض نفسها عليه، فيضطر للتفكير بها، وربما قبولها بعد حلحلة قناعاته ويقينياته الموروثة. وهذا أحد أسباب عدم الارتكاز للمنهج المتداول في الدراسات الدينية، لأنه منهج دائري، غير منتج، يرتكز للمقدس في قمع الأسئلة العقلية والفلسفية، فيبقى الفرد في دوامة وهم الحقيقة، يرتبط بها مصيريا، ويبني عليها مستقبله، ويفني حياته وجهده لخدمة أوهامه وموروثاته. بهذا خسر المسلمون أكثر من ألف سنة، ومازال سؤال النهضة لم يحسم بعد. ومازال التراث والنص المقدس يستأثر بالمعرفة. يحرّم النظر العقلي، ويكفّر الدليل الفلسفي، ويدعو للتمسك بالعقود الأربعة الأولى، وما صدر عنها من روايات وآراء كلامية.

من  خلال هذا الاستعراض نروم تقصي آليات الخلافة تاريخيا، وكيف تم توظيف الدين والنص الديني لشرعنتها وحمايتها، للكشف عن بشريتها، وعدم قدسيتها، وتعريتها من الأوهام التي لحقت بها أو نُسجت حولها. أو نسبت لها بدوافع أيديولوجية. إذ كان الخلفاء بما فيهم علي يمارسون لعبة السلطة بمنطق سياسي براغماتي، وبذات الآليات المتاحة آنذاك. فكانت القريشية مبدأ تسالموا عليه لتكريس مصالحهم، وحصر صراع السلطة بين بيوتات قريش!!. وقد أقصت القريشية كل كفوء، مهما كان مستواه ومنزلته، وبذلك خسر المسلمون حكماء الصحابة، وبقي الصراع بين قريش، غير أن الشيعة، يكابرون حينما يضفون قدسية خاصة على أئمة أهل البيت، يحسبون أن هذا يكفي للخروج من دوامة  الصراع القريشي، وليس الأمر كذلك، فلم ينازعهم أحد السلطة من خارج قريش سوى الأنصار الذين فشلت محاولاتهم، وخمدت تطلعاتهم السياسية، واستمر الصراع بين بيوتاتها، وكان الضحية أبناء المسلمين، الذين تحزّبوا حول بيوتات قريش، وانقسموا على أنفسهم، وراحوا يتصارعون من أجل قريش حتى يومنا هذا. يدفعون لهم أموالهم ويقدسونهم ويبررون أخطاءهم. يستميتون من أجلهم ويخضعون لهم عبودية ورقة. مازالت قريش تحكمنا، تفرض علينا قيمها ونظامها الأبوي، والمنطق الذكوري، ونبقى نبرر ونسدد ونؤول لتبقى قريش فقط وفقط. قريش التي نزلت من السماء، وستعود لتمسك بزمام اليوم الآخر، تقصي وتدني ما تشاء، تحيطها ملائكة الرحمن. وفي ظل غياب الوعي، نبقى محاصرين بالتاريخ والتراث ورثاثة الوعي، وتبقى قريش رمزا يتحدى إرادتنا. فقريش التي تحكمّت بمصيرنا السياسي في الدنيا، ستتحكم بمصيرنا في الآخرة. إنها روح الرق التي تبرر العبودية والانقياد. العقل التراثي يهيم بالتقديس وأوهام الحقيقة، عندما يخلق رموزا تتأرجح بين الاهوت والناسوت. لكن القداسة كالغيم ما إن ينقشع تظهر الحقيقة، وهنا تظهر جدوى النقد، وأهمية الأسئلة الإشكالية، إنها تهدف يقظة العقل، واستعاد الوعي المغيب في رثاثته.

لم يكن الإيمان والتقوى والكفاءة معيارا للخلافة، ولم تكن موضوعا للخلاف، وقد تعاملوا مع جميع المرشحين على مستوى واحد من الإيمان والقرب من رسول الله، وكان جوهر الصراع هل النبوة كانعطافة تاريخية، تكرّس سلطة أهل بيته، أم محمد نبي لا علاقة له بالسلطة وميراثها، فتعود لقريش بعد وفاته؟ فكان الصحابة مع الثاني، وكان أهل البيت ومن شايعهم مع الأول. وبالتالي لم يكن الصراع صراع إيمان وكفر، ولا صراعا بين السماء والأرض، ولا بين المقدس والمدنس. كان الصراع صراعا على الخلافة بين بيوتات قريش. وبهذا سيتاح لنا عندما نجرد الخلافة من قدسيتها، التعرّف على الواقع ورصد أخطائه دون حاجه للتأويل والتبرير، كي نستفيد منها، لكن الأمر مضى!!!. وحصل ما حصل، وسفكت دماء بريئة، ومازال عبيد قريش حطب أحقاد تاريخية، كل يدعي احتكار الخلاص والنجاة في الآخرة.

ثمة حقيقة، رغم كل ما أنجزته القرون الأربعة الأولى من تاريخ المسلمين من تنظيرات عقدية وكلامية لشرعنة الصراع السياسي، لكن يبقى السؤال عن جدوى التحزب بعد مرور أكثر من ألف عام، ولو تحت عناوين أخرى كالمذاهب والفِرق؟ ولماذا يستمر المسلمون بالتراشق والتنابذ والإقصاء والتكفير، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ). ولماذا التمسك بفكر قام على موقف سياسي؟... الموقف السياسي للخلفاء لم يقم على قاعدة فكرية أو عقدية، والعكس هو الذي حصل، طول القرون الأولى. لماذا المسلم قابع في أوهام الحقيقة، وهي صناعة بشرية، ليس عليها دليل سوى رغباته ودوافعه الأيديولوجية والتحديات المذهبية؟

كل ما تقدم يدعونا لاستدعاء فترة الخلافة الراشدة كما يصطلح عليها، لتتبع حركة التشيع من خلال علي بن أبي طالب، للوقوف على خلفياتها السياسية والديينة، تمشيا مع من يجعل من موقف علي بداية للتشيع. خاصة مواقفه من الخلافة، مادام الحديث عن الإمامة السياسية، ونقف بأنفسنا على حدود المقدس، ومدى صدقية من يدعي ذلك. وهل كان علي يطالب بحق شرعي، أم كان يتصدى بكفاءته وأهليته للسلطة؟. وهذا لا يعني عدم التأكيد على علاقته النَسَبية بالرسول. غير أن الفارق واضح بين النص وعدمه، ومدى تأثيره على مسار الأحداث. فثمة آثار كبيرة جدا نتوخاها بعد مناقشة فكرة الخلافة المقدسة. إذ المعروف أن الفكر السياسي الشيعي، يعتبر السلطة حكرا على الأئمة، ويحكم بغصبية كل سلطة خارج سلطتهم. ثم يأتي صاحب ولاية الفقيه ليرتب على هذا الكلام شرعية سلطته. فلسنا بصدد استعراض أحداث، وإنما تفكيك شرعية السلطة، وتحديد مصدرها. وهل الشعب مصدر السلطة أم الله / النبي / الإمام / الفقيه؟. فثمة نتائج وأحكام تترتب على كلا الرأيين. ولا ننسى أن التشيع يمثل هوية الشيعة، أو مكونا أساسا لها، وصار يرمز لمظلومية أهل البيت، بدءا من إقصاء علي واستبعاد الحسن ومقتل الحسين. والاقصاء في الذاكرة الشيعية ثأر قريش من أهل البيت، الذين لا ذنب لهم سوى انتمائهم لمحمد بن عبد الله. فالذاكرة الشيعية، ليست حيادية، لذا سيكون أول عمل للمهدي بعد ظهوره هو الانتقام من الخلفاء، بعد إحيائهم!!، وكل من شارك بقتل أهل البيت!!!. والقصة معروفة.

الإمامة السياسية

المعروف تاريخيا أن الإمامة السياسية كانت محور الخلاف بين الصحابة. والمعروف أيضا أن الإمام علي قد تحفّظ على بيعة أبي بكر، فشكّل موقفه في الذاكرة الشيعية نواة أولى لنشأة التشيّع تاريخياً، وكاد أن يكون موقفه عاديا لولا مصادرة أرض فدك من قبل الخليفة الأول، حيث ألقت بظلالها على المشهد السياسي، وأسست لاتجاه معارض استقطب رموز الصحابة، كسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، وأبي ذر الغفاري وأخرين. وعضّده موقف الزهراء الصارم من أبي بكر وعمر، حتى جاء في الروايات أن الزهراء ماتت وهي غاضبة عليهما، ولم تغفر لهما. فتحوّل الموقفان إلى قضية، استقطبت أنظار الصحابة، وألقت بظلالها على الوسط السياسي، حتى جاء أبو بكر إلى بيت الإمام علي في محاولة لرأب الصدع.

إلا أن موقف علي تغير بعد ستة أشهر لصالح وحدة المسلمين. واستمر في موقفه الإيجابي وتعاونه مع الخليفة الأول والثاني، حتى بدأت مرحلة جديدة من الصراع السياسي، عندما أناط الخليفة الثاني مسؤولية انتخاب الخليفة من بعده بستة أشخاص، فخسر علي بن أبي طالب الجولة، بتدبير مسبق، قادته حنكة عمر بن الخطاب، كي تفضي الخلافة لعثمان بن عفان دونه. ثم بايعه الناس بعد وفاة عثمان، فمارس في خلافته السياسة والحكم. وبوفاته انتهت حقبة التأسيس، وكان تأسيسا سياسيا، يهدف إلى استلام الحكم، وترأّس السلطة، وقد لخّص الإمام علي معالمه يوم انتخاب الخليفة الثالث: (التزام بكتاب الله وسيرة نبيه واجتهاده)، بعد أن رفض ما اشترطه عبد الرحمن بن عوف في اختيار الخليفة الثالث: (التمسك بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر بن الخطاب). وجميع الأحداث كما ترى سارت وفقا للمنطق السياسي البشري، لا علاقة لها بالنص المقدس، وكانت ممارسات سياسية، وتخطيط مسبق، وكان التحيّز لقريش دون أهل البيت واضحا. وقد تم انتخاب الخليفة الرابع من قبل الناس، وكانت بيعة مشهودة، لم يدع التنصيب أو الوصية. رغم أن هذا لا ينفيها، فهي واجبة على الرسول كبشر وإنسان مؤمن، وقد مرَّ بيان غاياتها ومقاصدها بعيدا عن السلطة.

ليس هناك إعلان رسمي عن تأسيس اتجاه بعنوان التشيّع، لكن مواقف الإمام علي أسفرت عن تأسيس اتجاه جديد له ملامحه ووجهات نظره، ثم راح يتطور مع كل إمام من الأئمة فيما بعد. فهي بذرة أولى يمكن من خلالها فهم ما حدث، وفي ضوئها نقرر مصدر شرعية السلطة، من خلال موقف علي بن أبي طالب خاصة، باعتباره محور الخلاف بين المذهبين الشيعي والسني. وهكذا يؤرخ الشيعة للتشيع. وبعضهم يرجعه إلى زمن الرسول. لكن المتيقن أن التشيع موقف سياسي، إذا سلّمنا أن بدايته كانت مع علي بن أبي طالب، ولا ريب في ذلك، وخارطة الأحداث تؤكده. والتنظير للعقائد جاء لاحقا على مدى ثلاثة قرون، شارك فيها أصحاب الأئمة، وساعد عليها الجدل الكلامي بين الفِرق والمذاهب الإسلامية. وكان التحدي محفزا أيضا.

ولم يذكر التاريخ ثمة خلاف بين الصحابة حول الإمامة الدينية بمعناها البسيط، حيث كان النظر يتجه في تلك المرحلة صوب مجموعة من الرواة، ممن حفظوا القرآن، وفقهوا الأحكام في ضوء الكتاب والسنة. وكان الإمام علي أحدهم، ومن فضلائهم، باعترافهم، بأن "أقضاكم علي"، وهو ما أكده عمر، كما جاء في صحيح البخاري. إضافة إلى قول الرسول بحق علي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وغيرها من أحاديث الفضائل التي ينقلها كلا الفريقين في كتبهم. وبالتالي لم يتأثر وضعه الديني بوضعه السياسي، بل بقي رمزا كبيرا محترما من قبل الجميع، وهذه حقيقة تاريخية، تشهد لها سيرته مع الخلفاء الراشدين. لهذا يصدق أن الإمام مارس دوره الديني (الإمامة الدينية بمفهومها البسيط) طوال حياته، ومارس كلا الإمامتين خلال حكمه. وينبغي الانتباه، ليس المقصود بالإمامة الدينية كما هو مفهومها في العقيدة الشيعية، والتي تعني الاصطفاء والولاية التكوينية وعلم الغيب وقدرات خارقة ترتفع به فوق البشر، وقد مرّ تفصيل الكلام. وأكدنا عدم وجود دليل قرآني على الاصطفاء الإلهي، بل تعني بمفهومها المتداول آنذاك، الاستحفاظ، والتصدي لبيان الكتاب وآياته، وسيرة النبي وتفصيلاتها والوعظ والارشاد، وكونه قدوة صالحة للمؤمنين. وهذا النوع من الإمامة الدينية البسيطة لا تتوقف على وجود نص أو وصية، وحتى مع ثبوتها فتفيد الأفضلية، وليس التعيين.

لكن ثمة أسئلة انبثقت لاحقا حول الإمامة وإمامة الإمام علي لها علاقة  بالجانب النظري: فهل الإمامة نص وتعيين ام شورى؟ ثم هل إمامة علي بن أبي طالب، لو ثبت وجود نص عليها، سياسية أم دينية أم سياسية دينية؟ ومنشأ الأسئلة، ثمة من يعتقد أن الإمامة نص وتعيين وأن الرسول قد نص على إمامة علي، بنصوص خاصة، أو بنص حديث الغدير، وبالتالي فهو إمام منصوص عليه، فهل ستنتهي إمامته بانتخاب أبي بكر خليفة للمسلمين؟ أم تستمر باعتباره امتداداً لرسالة الرسول؟ وبالتالي فهي أسئلة متأخرة، لم تستطع الاستدلال بسيرة علي وموقفه من السلطة، وهذا يضع جميع ما جاء من ردود في دائرة النقد، لفهم مصدرها وحقيقتها.

هناك جوابان، الأول ما تمسّك به علي بن أبي طالب عندما تحفّظ على بيعة أبي بكر. والثاني ما بلورته المدرسة الشيعية أو التشيّع التراثي فيما بعد خلال وبعد حياة الأئمة. وهذا يتوقف على معرفة أصحابهم، والتعرّف على أفكارهم وعقائدهم ومصادر معرفتهم، سواء كانت معتدلة أم مغالية، والظروف التي أحاطت بهم، وخلفياتهم الفكرية والعقدية، ودراسة بيئتهم الثقافية.

وقد برر علي ترشيحه للخلافة، وفق المنطق القَبلي الذي ساد الخلاف على السلطة في سقيفة بني ساعدة وخارجها، فاحتج بنفس ما احتج به المهاجرون على الأنصار. أي القرابة من رسول الله، ما يؤكد أن الموقف كان سياسيا، كما أشرنا سابقا، وهذا لا يمنع أن تكون لدى الإمام أهداف دينية من خلال تصدّيه للخلافة في موازاة أبي بكر، لأن المهمة الدينية وظيفة أساسية، باعتباره أحد رموز الصحابة، ومعني بالدعوة الإسلامية والحفاظ على أحكامها وتشريعاتها. الإمامة الدينية وظيفة الصحابة وعلي رمزهم، وقد تربى في مدرسة الرسول على الشعور بالمسؤولية الدينية، فليس هناك حاجة لوصية بالإمامة الدينية بمفهومه البسيط، بل هي واجبة على المسلمين وجوبا كفائيا، وتتعين بمن تصدى لها، وعلي كان متصديا وهي وظيفته الأساس، بحكم منزلته وقربه من مصدر التشريع. ولم يذكر التاريخ أنه تخلى عنها، وكانوا يلجأون له في القضاء وبيان الأحكام وتفسير القرآن. وهذا يكشف أن الخلافة والإمامة التي تعني عندي: "ديمومة الرسالة في بعدها التطبيقي"، هي غير السياسة والحكم، وأنها مهمة دينية رسالية، يصدق أنها إمامة دينية. سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار حداثة الرسالة، وحداثة المجتمع بالإسلام وقيمه، فكان دور علي دور الإمام الهادي سواء تصدى للإمامة السياسية أم لا (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ). ولعل اختلاف المسلمين بعد الرسول في بعض الأحكام الشرعية يؤكد الحاجة إلى مؤتمن ومحافظ على الرسالة، يكون مرجعا في حالة الاختلاف. صحيح أن باقي الصحابة يشارك عليا بهذه الصفات إلا أنه أقضاهم كما شهد عمر، وربما سمع ذلك عن الرسول. كما لعلي ميزة القرب من الرسول منذ نعومة أظفاره، وقد تربّى في مدرسته  ونهل من أخلاقه وعلمه، واعتماده عليه في مهام عسكرية واجتماعية، لشجاعته، وإيمانه وتقواه، حتى قال الرسول الكريم يوم خيبر: غدا أعطي الراية لشخص يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله، ثم سلّمها في اليوم التالي لعلي، وهذا ما روته كتب الفريقين، خاصة صحيح البخاري. كما أن سيرة علي فيما بعد قد أثبتت جدارته، وحكمته، وعلمه، ومبدئيته. فأصبح ملاذا فقهيا وقضائيا (إمامة دينية) ومستشارا سياسيا كبيرا، لا يستغني عنه صحابة الرسول والخلفاء. وهذه الصفات تمنحه صفة الأفضلية، وهذا يؤكد  كفاءته الشخصية، وصواب ترشّحه للخلافة بهذا الاعتبار، لا لأنه منصوص عليه، كما تذهب لذلك النظرية الشيعية.

ثم أن الإمامة الدينية لا تمنع من التحرك سياسيا، إذا كان المجتمع صالحا، بل ربما يكون متعيّنا لمن يجد في نفسه الكفاءة والأهلية لذلك. فرأى علي نفسه الأقدر على تحمّل أعباء السياسة والحكم، بل والأقدر بينهم، فرشّح نفسه خليفة للمسلمين، وهو حق طبيعي لكل من يجد في نفسه الكفاءة مع عدم وجود وصية خاصة من الرسول بهذا الشأن. وبالتالي فالتحرّك السياسي لا يكشف (وهذا هو المهم) أن إمامته إمامة سياسية، بل وظيفته الأساس هي مهمة دينية، دعوية وفقهية وتبليغية. فالإمام تصدى للإمامة الدينية بهذا المفهوم، داخل السلطة وخارجها. فكان يمارس دوره إماما دينيا للمسلمين، مبلغا للرسالة السماوية، راويا لحديث رسول الله، حافظا لسيرته، متمسكا بسننه، لكنه ليس مشرّعا كما يعتقد التشيّع التراثي، لأن التشريع منحصر بالله تعالى، غير أن عليا كان يمثّل العقل الاجتهادي في قدرته على فقه الأحكام وتطبيقاته في ضوء القرآن الكريم وما يحتفظ به من أحاديث الرسول الكريم. وبهذا الشكل تكون للإمامة وظيفة مستمرة، لا تتوقف على السلطة إطلاقا. وبهذا ينتفي حصر الإمامة بالإمامة السياسية، لأن الإمامة بشكل عام لا تتوقف على المنصب السياسي، فعلي لم يمارس السلطة سوى بضع سنين، وباقي الأئمة لم يمارسوا السلطة. قد يقول ثالث أن إمامة علي دينية وسياسية، ونحن أيضا نقول ذلك، لأن كلاهما ممكن بل ومتعيّن على من يتصدى، لذا استمر بإمامته الدينية عندما خسر الإمامة السياسية.

لا يقصد بالإمامة الدينية معنى الاصطفاء، إذ تقدم نفي الولاية الدينية بمعانيها الثلاثة، وإنما يقصد الاستحفاظ والهداية العامة. وما يؤكد هذا الأمر هو عدم تحرك الأئمة من عهد الإمام زين العابدين حتى الإمام العسكري، مع إمكان ذلك سيما في الفترة الانتقالية بين الدولتين الأموية والعباسية.

يبقى سؤال: هل تحدّث الإمام علي عن دور وجودي للإمامة؟ أو منح نفسه خصائص فوق بشرية، أو قال أنه معصوم لا يخطئ أو لديه علم "لدني أو حضوري" دون غيره من المسلمين أو يعلم الغيب؟ أو قال أن الإمامة الدينية أسرار وألغاز، لا يدركها الناس؟. أم كل ذلك تم التنظير له فيما بعد على يد التشيّع التراثي ثم تطور في نسخته الحالية، وهي تراكم اجتهادات وقراءات لعلماء الشيعة خاصة. وهذا السؤال ينسحب على باقي الإئمة. وأما ما يرويه التراث من روايات حول خوارفهم فلا قيمة علمية لها، لضعفها وتعارضها مع العقل ومنطق الكتاب الكريم.

وقبل مغادرة مسيرة الإمام علي السياسية نؤكد أن ما أسفرت عنه السقيفة، كانت بداية الصراع، الذي استمر أكثر من ألف وأربعمئة سنة، وكان السبب وراء الصراع والجدل والكلامي بين الفرق الإسلامية. والآن نعود لمرحلة التأسيس، لنتابع من خلال تفصيلاتها التاريخية، ما يؤسس لرؤية شيعية فاعلة، بعيدا عن الغلو والارتفاع بالإمامة إلى مستوى الخالقية كما تفعل الاتجاهات الشيعية المغالية استمرارا لجهود الغلاة عبر التاريخ.

مرحلة التأسيس

نقصد بمرحلة التأسيس: "اللحظة الزمنية لانبثاق التشيّع كاتجاه له معالم مغايرة، من خلال سلوك ومواقف الإمام علي ثم امتداده مع مواقف وسلوك الإمامين الحسن والحسين". فمرحلة التأسيس الأولى تقتصر على موقفي علي من بيعة أبي بكر والشورى التي اختارها عمر بن الخطاب لاختيار الخليفة الثالث. ثم مرحلة الحكم التي أَثرَتْ التشيّع بزخم مفاهيمي كبير، إذ كان علي حاكماً وقائداً وإماماً وخليفة. وفي جميع مراحل التأسيس سنلاحظ أن الإمام كان وفيا لدوره الرسالي الذي ساهمت تربية النبي الأكرم، ومقوماته الذاتية، في رسمه وتقويمه، وكما يشهد لذلك نهج البلاغة أيضا. فدوره الرسالي انبثق كما تبين عن تربية نبوية مميزة، ومقومات ذاتية اتسمت بآفاقها المعرفية. يتلخّص هذا الدور، كونه: "قدوة في السلوك، ومرجعا في الفكر، وأهليته للسياسة والحكم". وهذا ما سندرسه تباعا، ونسلّط الضوء على مفاصله لنؤكد الدور الرسالي للإمام علي، على الضد من المنظومة التراثية للتشيّع، التي ارتفعت بالإمام إلى مستوى الخالقية في دوره الوجودي، وطرحته شخصية أسطورية خارقة، وأصرّت على فرضه إماماً منصوصاً عليه للإمامتين السياسية والدينية.

وسنسلّط الضوء قبل ذلك على المفصل الزمني الممتد من وفاة الرسول حتى انتخاب علي خليفة للمسلمين مرورا بأحداث السقيفة في ضوء موقفه من بيعة أبي بكر، ومن ثم عمر وثالثا عثمان. وسنتابع المنعطفات التي ساهمت في إرساء معالم نظريتنا في الإمامة، وهما موقفان تاريخيان كشف من خلالهما علي عن وجود اتجاه آخر، له رؤيته وثوابته في الحكم والسلطة: "موقفه من بيعة أبي بكر، وموقفه من الشورى". وخلال هذين الموقفين استطاع الإمام على أن يكشف عن معالم اتجاه رسالي بعيدا عن السلطة والسياسة. ويرسم صورة أولية عن أهدافه ومهامه الرسالية. من هنا تأتي أهمية استعراض هذين الموقفين التاريخيين بشكل يساعد على فهم التشيع من زوايا مختلفة بحثا عن المغيّب والمهمش، وتحديد مصادر قدسيته أو بشريته. لأنهما يمثلان لحظة تأسيسية، ولنفس السبب تمت مناقشة مجموعة أحداث ومواقف من خلال طرح تساؤلات وعلامات استفهام تقوّض الفهم السائد عن التشيّع، أو ما أصطلح عليه بـ "التشيّع التراثي" الأعم من تشيّع الغلو. لأننا نسعى لكشف الحقيقة مهما كانت تبعاتها، لتحرير الوعي من عقدة التفوق المذهبي والطائفي، وعودة الإمام قدوة في الأخلاق والسلوك، ومرجعا في العقيدة والفكر، والمبدئية في السياسة والحكم، في بعده التنظيري والمبادئ السامية التي ارتكز لها، مهما كان مستوى الأداء، ومهما سجل عليه مناوئوه من ملاحظات.

يأتي في الحلقة القادمة

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

majed algharbawi6خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق9- س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

أدلة النقض (2)

ماجد الغرباوي:

تاسعاً: خطب النبي في عرفات خطبة الوداع، ولم يشر فيها لموضوع الخلافة، ومن ينوب عنه بعد وفاته، فلماذا أجّل الإعلان عن الموضوع حتى افترقت القبائل، ولم يبق معه إلا أهل المدينة ومن حولها لو كان حديث الغدير نصا على الإمامة السياسية؟. أليست الخلافة شأنا عاما، يُعنى بها الجميع؟. مما يرجح وجود مقتضي طارئ برر كلامه، وربما موقف بُريدة كان سبباً رئيساً أو أحد الأسباب المحفزة له.

عاشراً: كان التخبط واضحا في سقيفة بني ساعدة، ومن خلال الجدل بين المهاجرين والأنصار، لعدم وجود مرجعية واضحة لحسم النزاع حول الخلافة، وهذا يؤكد عدم وجود نص أو تعليمات بخصوص الإمامة، مع قرب عهدهم بيوم الغدير، فاضطر القوم للتعامل معها وفقا لقيمهم في تفاضل القبائل العربية، وهي قيمة أصيلة بالنسبة لهم، وثمة أرضية قبَلية لتقبلها، شرعنها أبو بكر بروايته التي انفرد بها عن النبي!!!: الخلافة في قريش. فراحوا يتبارون أيهم أقرب وأولى برسول الله؟ فجميع الفرقاء ارتكز لقيم العشيرة والقرابة من رسول الله، لاسكات الأنصار وانتزاع الخلافة من فئة لها ثقلها الإيماني وقوة حضورها واعتزاز النبي بها. إذاً هي فلتة كما عبّر عمر بن الخطاب، استغلت الفراغ السياسي وعدم وجود تعليمات تخصها، فكانت خطأ جسيما والتفافا لاستباق الأحداث. قال خطيب الأنصار في سقيفة بني ساعدة: (يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب.. فشدوا أيديكم بهذا الأمر فإنكم أحق الناس وأولاهم به)، (الإمامة والسياسية، ج1، ص5). وقال المهاجرون على لسان أبي بكر: (نحن عشيرة رسول الله "ص"، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنسابا، ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة)، (الطبري، ج3، ص256). مما يؤكد طغيان المنطق القَبلي.

بل أن تحرك أبي بكر وعمر دليل واضح على وجود فراغ سياسي، لعدم وجود وصية واضحة، لهذا سارعا لحسم الموقف لصالحهما: (قال عمر بن الخطاب: فقلت لأبي بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فأنطلقنا نؤمهم فلقينا رجلان صالحان قد شهدا بدرا فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلت: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. قالا: فارجعوا فاقضوا أمركم بينكم فقلنا: والله لنأتينهم فأتيناهم وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة. قال: وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت من هذا؟ قالوا سعد بن عُبادة. فقلت: ماشأنه؟ فقالوا وجع. فقام رجل منهم، فحمد الله وقال: أما بعد، فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر قريش رهط نبينا، وقد دفت إلينا من قومكم دافة - بادرة – قال: فلما رأيتهم يريدون أن يختزلونا، ويغصبونا الأمر..)، ( تاريخ الطبري، ج3، ص256.).

فالحديث أعلاه يؤكد أن موضوع الخلافة كان موضوعا خاضعا للمساومات السياسية، ولم يستشهد أي منهم بآية أو رواية، ولم يسند أحدهم منصب الخلافة لله تعالى، حتى ثار المسلمون على الخليفة الثالث فقال: (والله لا أنزع ثوبا سربلنيه الله)، في محاولة لإضفاء شرعية إلهية على حكمه، غير أن الصحابة والتابعين لم يعبأوا به، وقتلوه. غير أن أدلجة الخلافة وتأصيلها شرعا بدأ فيما بعد، عندم اشتد الصراع الكلامي بين الفِرق والمذاهب الإسلامية.

ويؤكد عدم وجود نص على الخلافة والإمامة أيضا طرق تنصيب الخلفاء، وبيعة الصحابة لهم، فقد عهدها أبو بكر لعمر، دون استشارة أحد من الصحابة، لسطوة الثاني وهيمنته على القرار السياسي والموقف العام للمسلمين. كما عهدها هو لعثمان بشورى تفضي له، بخطة محكمة. وانتخب الناس عليا مباشرة، فكان الناس مصدر سلطته. وهذا يؤكد عدم وجود اهتمام بالموضوع لا من قبل الله ولا من قبل رسوله.

حادي عشر: عندما نتابع مفاصل الحدث، لا نجد ما يؤكد احتجاج الإمام علي بأي نص عن النبي، رغم أن حديث الغدير يرقى لحد التواتر وفقا لكثير من المصادر التاريخية، بل احتج الإمام عليهم بنفس المنطق القَبلي الذي احتج به المهاجرون على الأنصار في سقيفة بني ساعدة. فكان يؤكد قرابته من الرسول، وأحقيته وفقا لهذه القرابة، ولم يحتج بآية أو رواية. فلو كان لحديث الغدير دلالة صريحة كان يفترض الاحتجاج به، لهيمنة النص المقدّس، ولقوة تمسك الصحابة بسنة وأقوال الرسول الكريم.

تقول الرواية: (أُتي به "أي علي بن أبي طالب" إلى أبي بكر وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله، وقيل له بايع أبا بكر. فقال أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي. أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي "ص" وتأخذونه منا أهل البيت غصبا، ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لمّا كان محمد منكم فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الإمارة، وأنا أحتج عليكم بمثلما احتججتم به على الأنصار: نحن أولى برسول الله، حيا وميتا، فانصفونا إن كنتم تؤمنون، وإلا فبوؤوا بالظلم وأنتم تعلمون. فقال له عمر إنك لست متروكا حتى تبايع ... وقال له أبو بكر: فإن لم تبايع فلا أكرهك. فقال أبو عبيدة بن الجراح: يا ابن عم، أنت حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك وأشد احتمالا واضطلاعا به، فسلّم لأبي بكر هذا الأمر .. فقال علي: الله الله ، يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته الى دوركم وقعور بيوتكم ولا تدافعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت، ونحن أحق بهذا الأمر منكم).(الإمامة والسياسة، ج1، ص12)

فالإمام علي وفقا لهذه الرواية لم يحتج بأي نص، سوى قرابته برسول الله، فكان منطقه منطق القوم في سقيفة بني ساعدة عندما احتجوا على الأنصار بقرابتهم من الرسول. وكان يفترض به الاحتجاج بنص عن النبي. أو لا أقل يحتج على أفضليته بغير قرابته من الرسول. سيما أن سلطة النص سلطة مؤثرة، يذعن لها المسلمون فورا، دون أي اعتراض أو تردد، فكان بإمكانه إسكات جميع معارضيه لو كان لحديث الغدير ما يؤيد أحقيته بالخلافة، أو كانت بيده روايات تؤكد تعيّنه للخلافة دون غيره. فلماذا لم يحتج على الصحابة بحديث الغدير أو أي نص آخر، رغم كثرة من شهد الغدير من الصحابة، وكثرة من سمع قول الرسول "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"؟. والجواب مع فرضية صحة الصدور وتعدد رواة هذا الحديث من الفريقين، أن الصحابة بل حتى الإمام علي لم يفهم من الحديث النص والتعيين على إمامته خليفة لرسول الله، كما تقول النظرية الشيعية منذ القرن الرابع الهجري. وإنما فهموا شيئا آخر، فينضم الحديث لجملة الأحاديث التي قالها رسول الله بحق الإمام علي. وهي أحاديث لها مقاصدها التي مرَّ بيانها. علي تلقى تربية نبوية خاصة منذ نعومة أظافره، وإذا كانت له مهام محددة، فلا شك أن الخلافة أحدها، لكنه لم ينص عليها.

ثاني عشر: ينبغي عدم التشكيك بطاعة الصحابة للرسول محمد، فطاعته فرض من الله (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)، (خذوا ما آتاكم)، فكيف يعصي النبي هذا العدد الكبير من الصحابة ممن حضر الغدير؟ ومع فرض عصيان بعضهم لوصية النبي، فأين باقي الصحابة؟ أين الأرواح التواقة للقاء الله بوجوه بيضاء؟، اين الذين امتدحهم كتاب الله؟ كيف يسكت الجميع عن أمر الهي – نبوي؟ ولماذا لم ينحز عدد كبير ممن سمع حديث الغدير إلى خلافة علي، ضد التوجه السلطوي لقريش؟ لذا نؤكد ثانية أن الصحابة بما فيهم علي لم يفهموا النص والتعيين على خلافته، ربما فهموا أفضليته، أو فهموا شيئا مختلفا. وبالتالي فالصحابة يؤاخذون لتركهم الأفضل. كان ينبغي التأني حتى يفرغ علي وأهل بيت النبي من تجهيز جنازة الرسول ثم يُطرح موضوع الخلافة على جميع الصحابة ليختاروا من هو أفضل وأجدر، لذا وصف عمر بيعة أبي بكر بأنها "فلتة وقى الله شرها" ثم حذر منها. (الطبري، ج3، ص256).

وهناك من يدعي أن جميع الصحابة ارتدوا بعد رسول الله إلا سلمان الفارسي وأبا ذر الغفاري وعمار بن ياسر وهم الحلقة الخاصة من أصحاب علي بن أبي طالب. وهذا بهتان لا دليل عليه، ويتقاطع مع آيات الفضائل التي خص بها الصحابة. التعميم خطأ فادح، يتعارض مع روايات يؤمن بها الشيعة، كحديث الرزية، ولماذا طلب الرسول قرطاسا، كما مرِّ؟ وهذا لا يمنع وجود من كان يتربّص بالخلافة، ويخط ويسعى لها، وهذا أيضا دليل على عدم وجود نص صريح يؤكد أن الخلافة نص وتعيين، كما تذهب لذلك النظرية الشيعية.

ثالث عشر: إن العهد بالخلافة، بموجب حديث الغدير وغيره، تكليف إلهي شرعي، فكيف نتصور عليا، وهو المعروف بالتزامه وصرامته في أحكام الله، يتخلى عن تكليفه الشرعي، ولا يعلن العصيان عليهم؟ فهل من مصلحة المسلمين، وهم في اليوم الأول من بيعتهم لأبي بكر أن يتخلى علي عن مهمته الشرعية؟ لا يمكن تصور ذلك في علي، بل لا يمكن تصوره إطلاقا خاصة وقد توفرت له إمكانية الانتفاض شرعا من خلال نص واضح وصريح (كما يعتقد الشيعة)، ومعه بنو هاشم ومجموعة من الصحابة، بل أن أبا سفيان قال له: (أبسط يدك حتى أُبايعك، والله لأن شئتم لأملأنها خيلا ورجالا) (الطبري، ج3، 258ص). لكن الإمام رفض ذلك!!. وفي رواية أخرى: (قال له العباس بن عبد المطلب: أبسط يدك أبايعك فيقال: عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله (ص) ويبايعك أهل بيتك.. فأجابه علي: ومن يطلب هذا الأمر غيرنا). وتضيف الرواية: أن العباس سأل أبا بكر وعمر إن كان الرسول قد أوصى بشيء، فأجابا بالنفي. (الإمامة والسياسية، ج1، ص4). وفي كتاب الكافي عن علي: (أتاني رهط يعرضون علي النصر وهم ابنا سعيد والمقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والزبير بن العوام، والبراء بن عازب فقلت لهم إن عندي من النبي صلى الله عليه وآله وصية لست أخالفه عما أمرني به، فوالله لو خزموني بأنفي لأقررت لله سمعا وطاعة)!. فأين الرهط من العدد الكبير ممن حضر يوم الغدير؟

رابع عشر: لنفترض أن الوضع السياسي لم يسمح للإمام علي الاحتجاج على خلافته بحديث الغدير أو أي حديث آخر عن النبي، فلماذا لم يتمسك بتلك الأحاديث عند مبايعته بل صرّح لاثبات شرعيته، إنه انتخبه الذين انتخبوا الخلفاء من قبله، أهل الحل والعقد من الصحابة. جاء في نهج البلاغة من كتابه عليه السلام إلى معاوية: (إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار. فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضا، وإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن قاتلوه على إتباعه غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى)!. قد يقال لا يلزم منه عدم وجود نص وعهد من رسول الله، وأنا أيضا أقول ذلك، لكن لماذا لم يحتج به علنا ويسكت الجميع بما فيهم معاوية وغيره؟.

خامس عشر: لماذا لم تنتصر فاطمة الزهراء لعلي وتحتج على القوم بحديث الغدير أو أي حديث آخر على خلافة الإمام علي، فتكون شاهد صدق، بينما تمسكت فقط بقضية فدك؟ جاء في رواية الطبري عن عائشة: (إن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يطلبان ميراثهما من رسول الله "ص"، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: أما إني سمعت رسول الله يقول: "لا نورث، ما تركنا فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال". وإني والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله يصنعه إلا صنتعه. قال: فهجرته فاطمة فلم تُكلمه في ذلك حتى ماتت، فدفنها علي ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر).(الطبري، ج3، ص57). ولم يرد أي ذكر لحديث الغدير وغيره، ولم تتطرق لموضوع الخلافة أو الإمامة ولم تذكّرهم بحق علي فيها. ولو كانت تملك أي مستمسك نبوي لأشهرته على رؤوس الأشهاد.

سادس عشر: لماذا لم يوصِ الإمام علي لابنه الحسن بالخلافة من بعده كحق شرعي منصوص عليه من قبل النبي؟ علما أن وصية الإمام علي لابنه الحسن تخص شؤونه الشخصية لا غير. (إنظر كتاب الإرشاد للشيخ المفيد).

سابع عشر: لماذا لم يذكّر الإمام الحسين الناس يوم عاشوراء بحديث الغدير وغيره كنص نبوي على وجوب خلافته؟ ولماذا رفع شعارا آخر لثورته، وكان الأَولى أن يحتج عليهم بحديث الغدير، بل ويحتج عليهم بحديث الأئمة الاثني عشر لو كان هناك حديث صحيح ويعلم به الحسين؟ لكن رفع شعار: (ما خرجت أشرا ولا بطرا .. إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله لأمر بالمعروف وأنهى عن المنكر). كما هو الشائع في التراث الشيعي. (أنظر الإرشاد)

ثامن عشر: كل ما تقدم لا يعني أن ما جرى في سقيفة بني ساعدة كان نزيها، غير متهم وغير مدان، بل استغل بعض الصحابة الفراغ السياسي، وسارع لاعلان البيعة لأبي بكر بن أبي قحافة، ليضيّعوا الفرصة على الأنصار وبني هاشم. وهذا ما لخصه عمر بقوله: (كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها). (الطبري، ج3، ص256). فيبدو أن الصحابة تقصدوا إهمال علي وتعمّدوا عدم استشارته بأمر الخلافة، فاستغلوا انشغاله بتجهيز جنازة رسول الله وعقدوا البيعة لأبي بكر ثم بايع الناس، ساقهم العقل الجمعي، أو القبلي وربما لا مبالاتهم بموضوع الخلافة، أو أسباب أخرى خافية علينا، فثمة حلقات تاريخية مفقودة، كان لها أن تسلط الضوء أكثر على هذا الموضوع.

تاسع عشر: الإمامة السياسية جاءت في أعقاب تطور المجتمع المدني وحاجته الى من يدير ويدبر شؤونه، فجاءت الخلافة كحاجة وضرورة اجتماعية، لكنها خلافة قائمة على شريعة الإسلام، وأحكامه في القضاء. وهذا ما فهمه الصحابة فوقع الصراع حولها، وإلا لو كانت أمرا دينيا، لا يمكنهم مخالفته، خاصة أن القضايا الدينية تفصيلية، إما قرآنيا أو قرآنيا ونبويا. أما موضوع الإمامة فلا تجد له أثرا في كلاهما.

عشرون: عندما يفرض الرسول شخصا على صحابته وأمته سيتحمل كل تداعيات ذلك، فليس هناك إنسان معصوم، وستحسب كل سلبيات وأخطاء الخليفة عليه، لهذا قرر إهمال الموضوع، معولا على ما في الكتاب الحكيم من مبادئ، مثل المؤمنون بعضهم أولياء بعض، أو ما جعل الله للكافرين على المؤمنين، وأمرهم شورى بينهم، وغيرها من الآيات. وربما لهذا السبب لم يخلّف الرسول ولدا يتشبث بالسلطة من بعده بحجة انتسابه له!!.

لا يمكن للرسول أن يتبنى أحدا في السلطة، لأن تبنيه تزكية مطلقة، تصادر حقوق الناس وقد تفرض عليهم قرارات تعسفية، وهذا لا يفعله نبي ورسول مرسل. السلطة منزلق خطير، وموقف تتحكم به المصالح والأيديولوجيات، وتختلف حوله الأهواء والاتجاهات. وهذا موقف عام لا يخص صحابيا دون آخر: (ولو ثبت الإطلاق فستدور تزكية الصحابي مدار استقامته، نفيا وإثباتا. فمن مات مستقيما في سلوكه، شملته الآية كقوله تعالى (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ). ومن انحرف عنها بعد وفاة النبي لا تشمله. ولا يوجد ما يدعو لتبرير سلوك الصحابة مطلقا، والاستماتة في تزكيتهم، ويبقى مصيرهم، كأي إنسان مرهونا بعملهم واستقامتهم. فالاستقامة هي ملاك الثناء والتزكية القرآنية، وليست الصحبة وشخص الصحابي. والأهم أن الثناء لا يعني كفاءة الصحابة سياسيا، ولا يعني أولويتهم في السلطة والحكم، لكن خداع السياسة، مرر هذا الفهم من أجل إمضاء سلوك بعض الخلفاء والحكام)،(كتاب النص وسؤال الحقيقة).

***

كل الاسئلة المتقدمة مشروعة، ويبقى ما ذكرته الكتب الشيعية (أو التشيّع التراثي) تأويلات، ودفاعا كلاميا، ولو كانت المسألة واضحة كما يقولون لما احتجنا مئات الاطنان من الكتب حول هذا الموضوع الذي استنزف جهودنا وطاقاتنا وعرضنا للامتهان وسفكنا من أجله الدماء، كل ما نحتاجه أن نكتشف دور علي المناط به حقيقة من قبل النبي وعدم الانجرار لاحتدام طائفي أمتد لأكثر من ألف عام بلا جدوى.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi5خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق8- س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

أصداء الغدير لدى الصحابة

ماجد الغرباوي: تذهب الأخبار التاريخية إلى كثرة من حضر خطبة النبي يوم الغدير من الصحابة، ومرّت إشارة لذلك في رواية الشيخ المفيد. وهؤلاء جميعا أو أغلبهم قد تابع أحداث الخلافة، وبايع الخليفة الأول أبا بكر، دون علي المنصوص على إمامته السياسية حسب الفرض. إذاً فكيف فَهم هؤلاء قول النبي: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، وهم بهذا العدد الكبير؟. إن فَهم الصحابة هنا سيكون حجة في تحديد معنى كلمة مولى، لأنهم المقصودون بالخطاب أولاً وبالذات. كما أنه قصد إفهامهم بمراده، واختار من الكلمات ما يتناسب مع مقاصده. وهذا هو مقتضى مقدمات الحكمة كما يعبرون. فهل فهموا من كلام النبي النص على الإمامة السياسية أم لا؟ وكيف حينئذٍ يخالفه الصحابة، وهم الذين بذلوا مهجهم من أجل نصرته ونصرة دينه؟. ما عاد المنهج القديم يكفي لشرعنة أقوال الرسول، ولا تكفي صحة الروايات لاكتشاف الحقيقة. ويجب دراسته في سياق تاريخيته دراسة مستفيضة. ومقاربة أسباب صدوره، وما هي خلفياتها، وتحديد مقاصده، وفق منهج هرمنيوطيقا، يقترب من واقع المتكلم والسامع، وما يحيطهما. يتحرى كل شيء، ويتقصى مدارات الحدث، بما فيها الدوافع النفسية والأيديولوجية والمؤثرات الذاتية والموضوعية. يحلل ويفكك ويقارن وينقد ويراجع. وهذه الأسئلة وغيرها تستحق التأمل، لحسم هذه القضية ولن نعود لها ثانية، كي نلتفت لحياتنا ومستقبلنا بعيدا عن سطوة التراث والسلف، (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ). من هنا سيتناول البحث نقطتين أساسيتين، الأولى أصداء حديث الغدير في وسط الصحابة، والأسئلة التي تدور حول صدقيته. والثاني، دراسة بدايات تأسيس التشيع. فما حصل في السقيفة، لم يقف عند حدود مبايعة علي للخليفة الأول، وعدم خروجه على إجماع الصحابة، بل راح يتبلور تدريجيا اتجاه يعلن ولاءه لعلي، ويرفع شعارات المعارضة السياسية، محتاجا ولو بعد حين بحديث الغدير وغيره من روايات الفضائل، اسمه التشيع له خصوصياته العقدية والفكرية والفقهية والكلامية. وقد ترك آثارا كبيرة عبر مسيرته التاريخية. فلا يمكن تجاهله ما لم نسلّط الضوء على بدايات التأسيس. لنخرج بنتيجة نهائية، تبرر تخلينا عن حقبة الخلفاء وما تلاها. والعودة لقيم الدين والقيم الإنسانية العادلة، لمواصلة حياتنا بعيدا عن تجاذبات منطق الفِرقة الناجية، التي كلفّت المسلمين دماء غزيرة جدا، وخزينا من الكراهية والتنابذ، يتشظى مع كل احتكاك بين الفِرق والمذاهب الإسلامية. وتجدر الإشارة أن مناقشة البيعة وولاية علي بن أبي طالب عبر ما نطرحه من أسئلة، لا ينقص من شخص علي شيئا، ولا يختزل ثقة الناس وحبهم له. المسألة وما بها مقاربة الحقيقة، ورفع القداسة عن الروايات التاريخية، التي تسببت بكل هذه التداعيات. وعلي يبقى رمزا كبيرا، وأحد المرشحين الأوائل للخلافة، وهناك من كان يثق به، ويلتف حوله، ويؤمن بأولويته وأفضليته وكفاءته على الآخرين. فثمة فرق بين علي المرشح للخلافة لكفاءته، وبين علي المنصوص عليه. ويعني التنصيص التوريث، وقداسة الفعل السياسي، وعصمة السلوك الشخصي، وشرعنة الاستبداد، وقمع المعارضة، وكفر من يتمرد عليه، وغير ذلك من آثار جسام. وهذا لا يوافق عليه المنطق الديني فضلا عن المنطق الإنساني. هذه الملاحظة ضرورية لمن يود معرفة ماذا نريد من خلال هذه الإجابات. فهي بحوث علمية، غير متحيزة، تبغي مقاربة الحقيقة، والكشف عن ملابساتها، للتخلص من آثارها السلبية، وعبئها الفكري والعقدي. وعندما أحتج بروايات وأخبار تاريخية، لا يعني القطع بصحة صدورها، أو الجزم بوثاقة مصادرها، خاصة وفق منهجي الصارم في تصحيحها، إنما استشهد بها لأهميتها عندهم. بعضها لترتيب نسق الأحداث أو الاستفادة من مضامينها. أو من باب إلزموهم بما ألزموا به أنفسهم.

أسئلة الحدث التاريخي

من أجل التوفّر على نتيجة مقنعة سنثير جملة أسئلة حول الحدث التأريخي، لأننا أمام قضية مر عليها أكثر من 1400 سنة، تخللتها أحداث جسيمة تركت بصمتها، ولوّنت التاريخ بلون الظلم والقهر والدماء الزكية، فبات من الصعب اقناع الشيعي برؤية أخرى، مهما كانت حقيقية ومعززة بالأرقام، لذا نحن أمام مهمة شاقة، نتوخى فيها مرضاة الله تعالى أولا، وتقديم قراءة للتشيع في ضوء أحاديث المصطفى محمد وسلوك أهل بيته الكرام. لذا سنكثّف من علامات الاستفهام والأسئلة من أجل زعزعة القناعات الراسخة، واستبدالها بمفاهيم جديدة تنسجم مع المهمة التاريخية، وعليه سنتابع ما حدث تاريخيا ونطرح الأسئلة التالية:

نعود لحديث الغدير وما يحيط به من استفهامات، ظلت محيّرة، لا نجد لها أي جواب ينهي حالة الشك والريبة بشأنه. فعندما نفترض صحة صدور حديث الغدير وصراحته بالنص على الإمام علي خليفة للمسلمين بعد رسول الله، نسأل: 

أولاً: مهما كان معنى كلمة "مولى" في حديث الغدير، وعلى فرض صحة صدوره، وصحة واقعة الغدير تاريخيا، إلا أن الحديث لم يترك أثرا في نفوس الحاضرين يمكن الاستشهاد به. ولم يطرأ على الصحابة ما يؤكد وجود حدث هام، شغل بالهم أو أثار أسئلة واستفهامات حوله. فكما رافقوا النبي للحج، عادوا معه، ولم يرو التاريخ أحداثا مهمة ترتبط به، مما يرجح رواية بُريدة، وكرهه لعلي، مما أبغض النبي، كما حدّث هو، فارتقى المنبر، يؤكد على شخص علي المؤمن والأمين والصادق ووصي النبي على ماله وعياله وممتلكاته، الذي شكك بصدقيته بريدة، واتهمه بالتصرف بالخمس، وتقاضيه كثيرا على حساب الآخرين. كان ينبغي لحدث بحجم تنصيب خليفة رسول الله أن يعيد تشكيل وعي المسلمين بمعنى الخلافة والخليفة، مباشرة بعد خطبة الرسول، وهذا هو سلوكهم معه عندما يهبط عليه الوحي أو يحدثهم بحديثه. ولَكَثُرَتْ أسئلة الصحابة، عن شروط الخليفة، صلاحياته، حدود سلطته، كيفية تنصيب نائب عنه، وأسئلة كثيرة تتعلق بالسلطة وإدارة شؤون المسلمين ومدنهم وتوزيع مسؤولياتهم. وكل هذا لم يحصل، وأمامكم الفقه السلطاني شاهدا. وهذا سؤال مهم لمن يعرف مكانة السلطة لدى القبائل العربية وقريش خاصة، ومدى ولعها بها، حيث تفرّدت بالزعامة والسلطة، فكيف يسكت القريشيون وهم صحابة رسول الله والمهاجرين في سبيل الله وقبيلة النبي؟. لكن كل هذا لم يحصل، وهو أمر يثير الاستغراب، وأدل دليل عليه اختلاف الصحابة حول الخلافة وما حدث في السقيفة وبعدها. فالتصدي مع كثرة من حضروا من الأنصار، يصدق دليل نقضٍ على إرادة الإمامة من حديث الغدير. بل أن رواية أبي بكر عن النبي: الخلافة أو الإمامة في قريش هي التي حسمت موضوع الإمامة وغدت شرطا في الخليفة وفقا للفقه السلطاني.

ثانياً: إذا كان الإمام علي منصوصا على خلافته من قبل الله تعالى، بحديث الغدير أو بغيره، فلماذا لم يُذكر ذلك صريحا في القرآن؟. إذ ينبغي أن تحظى الإمامة المنصوص عليها بنص قرآني صريح واضح لا شك ولا ريب فيه، يشرعنها ويؤكد إلهيتها؟. أو لا أقل ينص على أصل الخلافة، كموضوع ديني، ينبغي تفقّه المسلم به أسوة بغيره من  مفردات العقيدة. وهل الإمامة أقل شأنا من الذبابة والكلب ودم الحيض والنفاس، وكلها ذكرت في القرآن؟. فلماذا لم يتعرّض للإمامة رغم خطرها وأهميتها؟. ولماذا لم ينص على خصوص علي، كما نص على خلافة هارون؟ سيما أن عليا في العقيدة الشيعية، شخصية غرائبية، معصومة، ومقدسة، ومقدمة على الأنبياء والرسل جميعا إلا رسول الله، ألا يستدعي كل هذا وجود آية، تحسم النزاع حوله؟

ثالثاً: لماذا استخدم النبي مشتركا لفظيا يبعث على الريبة والشك، ولم يصرّح علانية بشكل لا مواربة فيه بخلافة علي، لأهمية الإمامة وتبعاتها الكبيرة؟ هي ليست قضية عادية يكفي معها حديث أو حديثين، أو موقف عابر من هنا وهناك، فلماذا لم ينص النبي على خلافة علي بجموعة أحاديث تقطع الشك وترسّخ فكرة الخلافة لدى المسلمين؟ أليست هذه مسألة مهمة وخطيرة؟ فهل يعقل أن يقصّر النبي في تبليغ أمر إلهي، أو يخجل أو يتوانى فيه؟ وهل يعقل لنبي حكيم مرسل من قبل الله تعالى، أن يكتفي بكلام موارب لتأصيل قضية بحجم الإمامة والخلافة؟ إنها أسئلة موضوعية، يقتضيها البحث العلمي، ولا يحل الإشكال وجود رواية ضعيفه هنا وهنا، لأنها ستكون متهمة بالوضع مع هذه الحيثيات. القضية خطيرة جدا، وتسببت في سفك دماء غزيرة، ومازالت تفرض نفسها على العقل التراثي، وترتبت عليها آثارا دينية، كالقول بولاية الفقيه، وولاية الفقيه المطلقة، التي تمنحه ذات صلاحيات الرسول!!!.

رابعاً- بين خطبة يوم الغدير ووفاة النبي مدة كافية لأن يرسّخ النبي أمر الخلافة في أذهان المسلمين من خلال خطبه وأقواله، ومن خلال ممارسة الإمام علي لمنصبه الجديد تحت إشرافه ورعايته، كما يفعل شيوخ القبائل، ورؤساء الدول. غير أن المدونات التاريخية لم تذكر أن الإمام علي مارس دوره كخليفة في ظل الرسول، ولم يسند له النبي أي مهمة تؤكد خلافته. فلماذا لم يتخذ النبي أي إجراء خلال هذه الفترة؟ أليس سؤالا مشروعا؟. قد يستشهد بعضهم بواقعة من هنا أو هناك، وهذا لا يكفي، لأن أمر الخلافة خطير، مثار للفتنة والانقسام ويحتاج الى تثبيت وترسيخ في نفوس المسلمين، من خلال إنابته في الصلوات مثلا، أو قيامه بمهام قيادية، بصفته خليفة لرسول الله شرعا. وكل هذا لم يحصل. خاصة وأن الإمام علي ابن عمه وزوج ابنته فاطمة، فيثير حساسية القبائل ويُتهم بالمحاباة ما لم يصدر عن النبي ما يحول دون أي احتجاج أو اعتراض بعد وفاته، وهذا لم يحصل. بل أجاب الإمام علي والعباس عندما سألها عن الخلافة بعده، قال: "أنتم المستضعفون بعدي". علما أن المدة بين يوم الغدير 18 – ذو الحجة، سنة 10 هـ إلى وفاته 28 – صفر، سنة 11 هـ، تكفي لأن يبيّن النبي كل شيء، ولن يترك ثغرة، تكون منشأ للخلافات حولها. بل ويجب أن ينسب صراحة كل ذلك لله تعالى، كي يقطع الشك باليقين.

خامساً- إذا كان مؤدى حديث الغدير الاعلان عن خلافة الإمام علي وتعينه نصا، فيفترض أن الأمر قد انتهى وقد شهد الغدير مئة الف أو يزيد كما تذكر بعض الروايات. فما الداعي لان يطلب الرسول دواة وقرطاسا ليوصي بالخلافة ثانية (هذا إذا قلنا أن النبي أراد فعلا أن يكتب نصا صريحا لعلي، ولا قرينة واضحة على ذلك، فربما كان يبغي كتابة ضابطة للخلافة أو شيء يخص مستقبل الرسالة)؟. وهذا يؤكد كحد أدنى أن حديث الغدير لم ينص على إمامة علي، أو أن الصحابة لم يفهموا ذلك صراحة، بما فيهم علي والعباس، لهذا احتاج النبي لتوضيحه بكتاب (إذا كان يقصد ذلك بكتابه).

سادساً- المفروض أن حديث الغدير كان واضحا وصريحا لدى المسلمين، فما حاجة علي  بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب للسؤال عن الخلافة ومستقبلها؟ ولماذا دخلا عليه وهو في آخر يوم من حياته ليسألوا عن دورهما بعد وفاته؟ (وفقا للروايات الشيعية). أو طلب العباس من علي أن يدخل عليه ويسأله، فرفض (وفقا للرواية السنية)؟. الأهم والأخطر أن جواب الرسول لم يؤكد خلافة علي. تقول الرواية، كما في كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (مج11، ج1، ص184-185.)، وهو زعيم الطائفة الشيعية في حينه: (ثم أُغمي عليه –أي على الرسول الكريم- من التعب الذي لحقه والأسف، فمكث هنيهة مغميً عليه، وبكى المسلمون وارتفع النحيب من أزواجه وولده والنساء المسلمات ومن حضر من المسلمين.

فأفاق عليه وآله السلام فنظر إليهم، ثم قال: "اِتوني بدواة وكتف، أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا"، ثم أغمي عليه، فقام بعض من حضر يلتمس دواة وكتفا فقال له عمر: ارجع، فإنه يهجر، فرجع. وندم من حضره على ما كان منهم من التضجيع، في احضار الدواة والكتف، فتلاوموا بينهم، فقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد أشفقنا من خلاف رسول الله.

فلما أفاق عليه وآله قال بعضهم: ألا نأتيك بكتف يا رسول الله ودواة؟ فقال: "أبعد الذي قلتم!!. لا، ولكنني أوصيكم بأهل بيتي خيرا". ثم أعرض بوجهه عن القوم فنهضوا، وبقي عنده العباس والفضل وعلي بن أبي طالب وأهل بيته خاصة.

فقال له العباس: يارسول الله، إن يكن هذا الأمر فينا مستقرا بعدك فبشّرنا، وإن كنت تعلم أنا نُغلب عليه فأوصي بنا، فقال: "أنتم المستضعفون من بعدي". وأَصمت، فنهض القوم وهم يبكون قد أيسوا من النبي صلى الله عليه وآله). والرواية واضحة في مقطعها الآخير، فإنها تفيد النفي بما يتقاطع مع حديث الغدير إذا قلنا بصراحته نصا على ولاية امير المؤمنين علي، كما يذهب لذلك التشيّع التراثي.

سابعاً- على فرض صحة أن عمر بن الخطاب أو أحد الصحابة تصرّف بطريقة غير لائقة في محضر الرسول الكريم، فحال دون كتابة الكتاب، فلماذا لم يكتب الرسول الكتاب ويسلّمه لآخرين من الصحابة، ما دام الأمر يهم المسلمين،؟ أو يضع عليه ختمه وتوقيعه ويسلّمه لأهل بيته؟ هل الرسول طفل يزعل من الصحابة فيتخلى عن مسؤوليته الشرعية، أم هو نبي ورسول من قبل الباري عزوجل ووظيفته الأولى هي التبليغ مهما كان تبعات ذلك؟.

إن حديث الرزية الرزية عن ابن عباس أو حديث الكتف والدواة فيه إدانة كبيرة وتجنٍ على النبي الكريم، حيث يظهر الرسول بمظهر لا يتناسب مع مقامه. هو لم يخش الكفار والمنافقين والمشركين فكيف يخاف من شخص أو شخصين فيمتنع عن أداء وظيفته؟ كما أن صحة هذا الحديث يثير الشك في مؤدى حديث الغدير على فرض صحته. فما دام حديث الغدير صريحا واضحا، فما الداعي لكتابة الكتاب ثانية؟؟ ثمة أسئلة يراد إقصاؤها، ينبغي للباحث إثارتها، وتسليط الضوء عليها، لمقاربة الحقيقة، والتعرّف على الأجواء المحيطة بالنبي من يوم الغدير حتى وفاته، وما تلاها.

ثامناً: إن نظرية المؤامرة التي يتمسك بها الشيعة، ويتهمون رموز المهاجرين بالتخطيط للاستيلاء على السلطة، وإقصاء علي، خصوا بذلك قريشا وشيوخهم، ممن حضر السقيفة، أبو بكر وعمر، واعتبار الثاني المخطط والمنفذ، وهذا سبب التقابل بينهما في كتب التراث والخطابات الطائفية والكلامية "عمر / علي". "علي / عمر"، كرمزين للخلافة  والصراعات السياسية. لكن كيف نفهم موقف الأنصار، الذين سبقوا المهاجرين إلى سقيفة بني ساعدة، واتفقوا على مبايعة شيخهم سعد بن عُباده . هل في الصحابة كالأنصار في تضحياتهم ونصرتهم للنبي ورسالته؟ هل كالأنصار ممن اهتم بهم الرسول، وأوصى بهم خيرا؟ وخاطبهم الرسول بعد أن وجد في نفوسهم شيئا بسبب حجب غنائم معركة حُنين الكثيرة عنهم، بقوله: (ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم، فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا، وسلكت الأنصار شعبًا؛ لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار”. فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: “رضينا برسول الله قسمًا وحظًا“).

بدأ الصراع حول السلطة داخل سقيفة بني ساعدة، حينما تصدى لها الأنصار، كاستحقاق طبيعي لجهادهم وتضحياتهم، وكان خطاب الصحابة في بداية الأمر وديا، إسلاميا، بين طرفيه المهاجرين والأنصار، مما يؤكد وحدة الموقف من الغدير والخلافة: "يا معشر الأنصار"، "يا معشر المهاجرين". ثم انقلب إلى منطق قَبلي: قريش وغيرها، عندما طرح الأنصار ضمن مفاوضات السلطة شعار: "منا أمير ومنكم أمير". حيث رفض أبو بكر بن قحافه وعمر بن الخطاب وأبو عبيده مشاركة الأنصار في السلطة.

وهنا يبدو السؤال شرعيا جدا عن موقف الأنصار، ممن حضروا يوم الغدير واستمعوا لخطبة الرسول كاملة. كيف يخالفون قول الرسول في التنصيص على خلافة علي، ويتصدون لها؟. الأنصار لهم وزنهم الإيماني والجهادي، وقربهم من رسول الله، ومنزلتهم في الإسلام: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).

لا يمكن لمثل الأنصار التصدي للخلافة لو كان حقا قد فهموا من حديث الغدير النص على خلافة علي. فيكون تصديهم دليلا على عدم إرادة الإمام السياسية. وثمة حادث وقع اقتضى أن يخطب الرسول، فيبقى مرتبطا بظرفه، ولا علاقة له بالخلافة إلا على نحو الفضيلة العامة التي تجعل من علي الأفضل، وليس نصا وفرضا، لأن الحديث عن الخلافة فرع ثبوتها دينيا، ومحمد نبي وليس زعيما سياسيا، وقد مرَّ الكلام مفصَلا.

تاسعاً:

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi4خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف.. حيث يواصل إجابته في (ق7) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الإمامة السياسية

ماجد الغرباوي: اتضح مما تقدم لا يوجد ما يدل على إرادة الإمامة الدينية في قول الرسول: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". سواء كان المراد بها خصوص الإمامة الإلهية أو التشريعية أو الوزارة. وغاية ما يدل عليه كلام النبي تأكيده وصاية علي بن أبي طالب من بعده في خاصة شؤونه، والإشادة بمنزلته، وأنه يهدي للحق، وقدوة في سلوكه وأخلاقه، ومرجعا فكريا لفهم الدين، وأن مواقفه السياسية تنبثق عن رؤية ترتكز إلى مبادئ الدين والقيم الإنسانية. وكل هذا باستثناء الوصية، ليس مصرحا به، لكن يمكن استفادته من أحاديث الفضائل، والمواقف الرسالية لعلي، وحكمته التي تجلت من خلال خطبه ورسائله. فهو من الهداة والمستحفظين على الدين (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ). وهذه شهادة ومنزلة عظيمة. لكن الشيعة أو الغالبية المطلقة يؤكدون أن حديث الغدير نص على استخلاف علي بن أبي طالب من بعد الرسول. والإمامة والإمام نص وتعين من قبل الله تعالى، وكل ما جاء من تنظيرات كلامية فيما بعد يرتكز لحديث الغدير أولاً. وهنا نسأل: هل الدولة شأن ديني، كي يتولى الرسول النص على الإمام أم شأن اجتماعي متروك للأمة وتقديراتها؟

 الدولة بين ضرورتين

إن استفادة إرادة الإمامة السياسية من قول النبي: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، يتوقف على دلالة كلمة مولى أولاً. وقد اتضح عدم دلالتها على إرادة الإمامة. وثانيا أن تتفرع الإمامة على أصل ديني، وهو مفقود بالضرورة، إذ لم يتناول الكتاب الكريم إلا إمامة إبراهيم، وقد مرّ الكلام، أنها اصطفاء إلهي، يتوقف على وجود آية صريحة. بل وقد أهملت آيات الكتاب السياسة والاقتصاد سوى مبادئ يمكن توظيفها في تأسيس نظام سياسي. الإمامة ليست أصلا من أصول الدين متفق عليه بين المذاهب الإسلامية، وليس لها أصل قرآني عقدي: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ). واعتبرها الشيعة امتدادا للنبوة وليست أصلا مستقلا، رغم وجود روايات دلت عليها. كما في (أصول الكافي، ج2) قال الإمام الصادق: "بني الإسلام على خمس على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية ولم ينادى بشيء كما نودي بالولاية". والمراد ولاية علي بن أبي طالب وإمامته. وأيضا: "بني الإسلام على خمسة أشياء على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية قال زرارة فقلت: وأي شيء من ذلك أفضل فقال: الولاية"، وهي كما ترى عند مقارنتها بالآية المتقدمة.

منهجي لا يسمح بالخوض في الروايات التاريخية لسبب علمي، هو عدم الإطمئنان لأية رواية بعد قرون متمادية. كما أن الشواهد والقرائن لا تكفي لترجيح الأخبار، مهما كان عددها. وكل رواية تجد ما يعارضها. بل حتى حديث الغدير وأهميته وخطورته، هناك ثلاث صيغ للخبر، مما يجعل الباحث يتوقف ويبحث عن مرجحات من خارج الروايات. لذا لا أخوض كثيرا في التاريخ، وأركز على دراسة القضية من حيث إمكانياتها أولاً، فإذا لم تكن ممكنة، فلا طائل من البحث التاريخي والروائي. فما هي علاقة الدين بالسياسة؟ وهل كان النبي بصدد تأسيس دولة ونظام حكم يتطلب وجود من يخلفه في ممارسة السلطة؟ أقصد هل تأسيس دولة دينية تكليف شرعي، يتطلب الإتيان بمقدماته؟ هذا هو السؤال المهم الذي تتفرع عليه جميع القضايا. أو يبقى الأمر لو صح مجرد إرشاد ووجهة نظر غير ملزمة.

أكدت مرارا أن الدولة ضرورة اجتماعية وليست ضرورة دينية. أي ليست من ضمن التكليفات الشرعية المنصوص عليها قرآنيا، ولا مانع أن يتصدى المسلمون لقيام دولتهم، ويمدهم الكتاب الكريم بقيم ومبادئ وتشريعات يلتزمون بها. والفرق واضح. في الحالة الأولى يجب التحرك سياسيا، بل وحتى عسكريا من أجلها، وأسقاط كل سلطة يقع ضدها. وهذا ما تؤمن به داعش وقد أراقت دماء غزيرة، وهو مبنى الحركات الإسلامية السياسية قاطبة. وما دولة المدينة سوى استجابة لتطور المجتمع إداريا. ولو كانت الدولة ضرورة دينية ينبغي أن ينظّر لها الكتاب الحكيم من خلال منظومة مفاهيمية وتشريعية. بينما أهمل القرآن عصَبي الحياة، السياسة والاقتصاد، سوى مبادئ لضبط الأداء السياسي. وما تقرأه من تنظيرات المسلمين، خاصة التنظيرات الحركية، فهي وجهات نظر اجتهادية محترمة، لكن لا يمكن أن تكون تكليفا شرعيا. القرآن قد حدد مهام الرسول بالتبليغ والبيان والشرح والتفصيل والتبشير والإنذار وتعليم الناس الكتاب والحكمة، وأن يكون أسوة له. فكان بصدد بناء مجتمع يدين بدين التوحيد، ويلتزم بقيم الإسلام وأخلاقه. وعندما يبلغ هذا المستوى سيختار شكل الدولة التي تنسجم مع مبادئه، وتحقق أهدافه في الاستقرار والأمن السلمي. إن الخلافة قضية مهمة ومصيرية، وإهمالها من قبل الكتاب والنبي دليل على ترك موضوع السياسة للتطور التاريخي، لتتكيف مع متطلبات العصر والزمان..

ونخلص، أن لازم القول بوجوب النص على الإمامة والإمام، انتقال صلاحيات أو أغلب صلاحيات الرسول إلى الإمام، ومنها قيمومته وولايته، وهذا ما تقول به الشيعة، فللإمام حق التصرف في كل شيء، وله تعود ملكية الأرض وثرواتها، والحاكمية المطلقة، أسوة برسول الله. أي نقل جميع صلاحيات الرسول في الحاكمية الإلهية للإمام، بل ذهب القائلون بولاية الفقيه انتقالها للولي الفقيه. يذهب لذلك الخميني، المنظّر الأول لحكومة ولاية الفقيه، حيث جاء في معرض حديثه الذي نقله التلفزيون الإيراني في حينه: (أوضح أن الحكومة شعبة من ولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم، المطلقة، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج). فهي صلاحيات مطلقة. ولا يخفى أن هذا النوع من الولاية كما تقدم بيانه يحتاج إلى نص قرآني صريح، نرفع به اليد عن الأصل. كما أن الصلاحيات المطلقة تأسيس ديني للاستبداد السياسي. أو الديني والسياسي. يقمع المعارضة، ويشرعن أخطاء الدولة والإمام أو الخليفة. وهذا لا يقول به أحد، ويتطلب تسديدا وترشيدا إلهيا مستمرا، تحاشيا لأي ظلم واضطهاد باسم الدين، كما بالنسبة للرسول ونزول الوحي عند كل واقعة. وبوفاته خُتمت النبوة. وقد فصّلت موضوع الولاية والسلطة، عند مناقشة آياتها، كقوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)، (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ). وقلت بعد نفي الولاية بمعنى القيمومة والسلطنة المطلقة، لو ثبت جدلا وجود ولاية بهذا المعنى فهي من مختصات الرسول، تنتهي بوفاته. ولا ولاية مطلقة للمؤمنين، وتختلف جوهرا عن ولاية الله ورسوله. حدودها التنازع، مما يؤيد اختصاصها في القضايا الإدارية والتنفيذية.

والإمامة التي يقول بها الشيعة لا يدّعون أنها أصل من أصول الدين إلا من شذ من غلاتهم، بل هي أصل من أصول المذهب، ينفون كونها ضرورة دينية، كالسيد محمد باقر الصدر والإمام الخميني في كتبهم الفقهية، في باب (كتاب الطهارة). الأول يقول: (فمن الجلي أن هذه القضية "أي الإمامة" لم تبلغ في وضوحها إلى درجة الضرورة ولو سلّم بلوغها حدوثا تلك الدرجة، فلا شك في عدم استمرار وضوحها بتلك المثابة لما اكتنفها من عوامل الغموض). وقال الثاني: (إن أصل الإمامة كانت في الصدر الأول من الضروريات الإسلام والطبقة الأولى المنكرين لإمامة أمير المؤمنين "ع"... ثم وقعت الشبهة للطبقات المتأخرة). وهذه مجرد أمثلة. نفهم منها عدم الاتفاق على إرادة الإمامة السياسية من قول الرسول "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". لكنهم يستدلون عليها بالعقل وبروايات الفضائل، التي تضمّنت النص على علي وإمامته وخلافته. والمراد بالعقل هنا خصوص العقل المذهبي، وليس المبادئ الكلية للعقل البرهاني. وعندما يعبّر المسلمون بأن الإمامة ضرورة، يقصدون بمقتضى الضرورة الاجتماعية، وضرورة الحكم والسلطة كي لا تقع الأمة بالفوضى، ولكي تستمر تطبيق الأحكام الشرعية، وتبليغ الرسالة. فبما أن السياسة والدولة وشؤون الحكم ضرورة اجتماعية في كل زمان ومكان، فيكون نصب الإمام وفق شروط متفق عليها، ضرورة أيضا. لكن هذا النوع من الإمامة لا يمنحه الولاية وحق التصرّف بموجب اجتهاده، إلا وفقا للنظرية الشيعية، لذا قالوا أن حجية روايات الأئمة كحجية روايات الرسول. تخصص وتقيّد آيات الكتاب. ويتعامل معها المجتهد بذات القدسية. مما يعني امتداد عصر التشريع حتى نهاية الغيبة الصغرى للمهدي (329 هـ).

وأما من يقول بنظرية اللطف، وأن من اللطف على الله أن ينصب إماما يواصل وظائف الرسول، وليس الرسالة، فكلام ينقصه الدليل اللفظي، وهو مفقود بالضرورة، سوى رغبات مذهبية وسياسية. وأساسا نظرية اللطف في تعيين الإمام تتفرع على ثبوت أصل الإمامة قرآنيا في المرتبة السابقة، وقد عرفت بما لا مزيد عليه، أن الكتاب الكريم لم يتطرق لموضوع الإمامة والسياسة وخلافة الرسول، وصرّح بكمال الدين وتمام نعمة الإيمان والهداية، وختم النبوة إيذاناً بممارسة الإنسان دوره الخلافي المرسوم له قرآنيا. ونظرية الخلافة هي ما نسعى لتأصيلها، لتحرير العقل المسلم من التبعية والانقياد، وتحمل المسؤولية التاريخية، على هدى من مبائ حقوق الإنسان العادلة، والعقل والعقلانية، وإلهام من الدين، كتجربة روحية هدفها رفد الحياة بقيم ومفاهيم تعزز الروح الإنسانية، حتى في فهمها للخالق والخلق والحياة وما بعدها. فثمة هدف للدين أهم من السياسة والحكم، وهذا لا يعني إهمالهما، بل تركهما للتطورات الحياتية، المهم قيام الدولة على العدل وعدم الظلم.

وأما الآيات التي يستدل بها على ضرورة الدولة دينية، فلا تدل على المطلوب، وموردها خصوص القضاء، كقوله تعالى في سورة المائدة: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50).

هذه هي المصفوفة التي يسشهدون بها في المقام، وإنما أتيت بجميع الآيات المحيطة بالآيات المقصودة لبيان مورد نزولها، والسياق دال على اختصاصها بالقضاء.

لكن توجد آيات تصلح مبادئ للسياسة والحكم، كقوله تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)، (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ)، (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلً)، (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، والآيتان الأخيرتان، تصلحا شرطا للحاكم الأعلى: (أن لا يكون كافرا، وان يكون مؤمنا). وأما ما تلى عصر الخلافة من تنظيرات الأحكام السلطانية فأغلبها اجتهادات ووجهات نظر، لتبرير شرعية السلطة، وشرعنة قراراتها. ولا مانع أن يكون لبعضها جذر ديني، بل وحتى قرآني عام. ولا شك أنهم استفادوا من أحكام الشريعة في مجال الجهاد والقتال. كما أن السيرة النبوية حاضرة، والتي راحت تتفاقم باضإفة سيرة الصحابة التي هي سيرة بشرية تم شرعنتها لضرورات سياسية. ولا يخفى دور الفقه السلطاني، كما مرَّ بيانه، في شرعنة الاستبداد، والدفاع على الظلم والجوار، وهذا يتعارض مع آيات الكتاب، وهدف الرسالة السماوية. وإلى جانب الفقه السلطاني، هناك علم الكلام الذي كرّس جهوده لتأصيل السلوك السياسي للخلفاء المسلمين. سواء السلطة أم المعارضة، وكان وراء المقولات السياسية كالإمامة والجبر والاختيار والقدر وحرمة الخروج على الحاكم المسلم، إلى غير ذلك. فكانت مهمة علم الكلام القديم الدفاع عن معتقداته، لا مراجعتها ونقدها، وإفحام الخصم، مهما كان على حق. وهذا من تداعيات النزاع على السلطة، الذي حطم البنية العقدية للمسلمين، حتى التبس الإلهي بالبشري، والسماوي بالأرضي، والمقدس بالمدنس، وراحت تتناسل العقائد والفِرق الكلامية. ويكفي للاطلاع عليها مراجعة كتاب الملل والنحل للشهرساتاني.

إن هذه المذاهب والفرق لم تعد مجرد اختلافات إجتهادية حول المسائل الفقهية بل مثّلت قراءة وفهما للدين له خصائصه ومعالمه وقدرته على التنافس لاحتكار الحقيقة وسبل النجاة في الآخرة. وقد أعادت قراءة الدين وفقا لرؤيتها، ومن يتابع تطور الفكر العقائدي عبر القرون الأربعة، و يدرس ظروف نشأتها، يصاب بالذهول حينما يكشف خداعها وأوهامها وبشريتها، ويكفي العودة لتاريخ الفرق والمذاهب الإسلامية بموضوعية وتجرد تام، ليرصد كل ذلك، تأسيسا ووجودا واستمرارا.

تجربة المدينة

مثلت تجربة المدينة دليلا أساسا لكل من نظّر للنظام السياسي الإسلامي، فهل وجود النبي على رأس السلطة يدل على أن الدولة تكليف شرعي وضرورة دينية أم تبقى الدولة ضرورة اجتماعية؟ وإذا نفينا الأولى فكيف كان النبي يسيّر أمور دولته؟ ما هي مرجعياته؟

إن وجود الرسول على رأس السلطة في المدينة لا يجعل من الدولة ضرورة دينية. محمد بن عبد الله نبي. نبي مرسل لقومه لغايات دينية وإنسانية، ودعوته قد خلت من أي صيغ وتشريعات سياسية، والكتاب شاهد على أهدافها التي كرسها النص القرآني لتأكيد وحدانية الله تعالى، ولم يتطرق للحكم وشوؤن السلطة، ولم تخاطبه بألقاب السياسة والحكم كرئيس أو ملك أو سلطان. وأما تصريح بعض الآيات بإتيان طالوت وداود الملك، فلا يدل على أن الدولة ضرورة دينية (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ).

تعني كلمة ملك في اللغة: (مُلْك: مصدر ملَكَ. واِلمُلْكُ: ما يُمَلك ويُتصرّف فيه.. أَرْضٌ فِي مُلْكِهِ: مَمْلُوكَةٌ لَهُ، يَمْلِكُهَا، يَتَصَرَّفُ فِيهَا عَقَارٌ فِي مُلْكِهِ)، فلا ملازمة بين الملك والسلطة. ولما اعترضوا على ملك طالوت احتجوا بالمال: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ)، فالمتبادر لغة من كلمة الملك هو المال والثروة والأملاك الثابتة والمتحركة. وذات الأمر بالنسبة لداود: (وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء)، وأيضا: (فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا)، دون الإشارة إلى ما يدل على إرادة السلطة. بينما في قصة يوسف تصرّح الآيات بإرادة السلطة: (قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ)، حيث عبر هنا بالملك  وليس الملك. ويوسف عندما حمد الله حمده لاعطائه الملك وليس الملوكية: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ). وهذا لا يمنع الجمع بينهما. لكن لا ملازمة بين الاثنين. ولو صح إرادة السلطة من مفهوم الملك، فأيضا يحتاج إلى اصطفاء وتصريح قرآني بخصوصه، كما في قصة طالوت، حيث صرّحت الآية بالاصطفاء: (قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ). لأن الملك أصالة لله، ويمن على من يريد، هذا هو المفهوم الديني، بموجب الكتب السماوية عامة،  والإسلام خاصة: (وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، (لَهُ الْمُلْكُ)، (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

 فكان النبي يدير المدينة وفقا للسياقات المعروفة آنذاك. أولا أنه لم  يعلن عن تأسيس دولة إطلاقا، ولما أخذت الدعوة بالتوسع، ودخل المسلمون في حروب، واتسعت جغرافية الرسالة، استلزم الأمر تطور وسائل إدارة المجتمع، فالضرورات الاجتماعية هي وراء تطور الجهاز الإداري، وتوزيع المسؤوليات. وهذا يتطلبه أي مجتمع، وليس حكرا على مجتمع المدينة. وكانت تجاور الجزيرة العربية دول عامرة، لكن الرسول لم يتخذ منها قدوة لتأسيس دولة.

إن هدف النبوات هو إقامة مجتمع الفضيلة، مجتمع إنساني، تسوده العدالة والقيم الإنسانية العادلة. وقد قارع الأنبياء والرسل عبادة الأوثان والأصنام، فكيف يشرعن النبي الاستبداد الديني والقيمومة على الناس من خلال تشريع الولاية والإمامة؟ إن في ذلك نقضا لغرض الرسالة، لتحرير الإنسان من كل سلطة فوقية، عدا الله والعقل القادر على حماية نفسه، بإلهام من الدين وقيمه ومبادئه الإنسانية.

وبهذا نفهم عدم وجود أصل قرآني للإمامة والولاية بمعناها السياسي، فضلا عن المعنى الديني. ولو ثبتت جدلا فلا تستلزم القيمومة، ووجوب الطاعة والانقياد على كل حال، ويبقى الإنسان مسؤولا عن مصيره، وليس لأحد حقق تقرير المصير نيابة عنه.

لكن كيف يمكن تفسير تصدي علي بن أبي طالب للخلافة، وموقفه من خلافة أبي بكر، الخليفة الأول؟ وكيف نفهم قضايا سبقت ورافقت أحداث السقيفة؟ كل هذا وغيره

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi3خاص بالمثقف: الحلقة الأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق6) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الإمامة والوزراة

ماجد الغرباوي: إضافة إلى ما تقدم من دلالتين للإمامة الدينية، وهي الإمامة الدينية بمعنى الإمامة الربانية، والإمامة الدينية بمعنى التشريع: نضيف:

ثالثاً- الإمامة الدينية بمعنى الوزراة:

هذا احتمال ثالث لمفهوم الإمامة الدينية، وهي أن يراد بالإمامة الدينية الوزارة، كوزارة هارون لموسى النبي الكريم. ويكون قول الرسول: "من كنت مولاه فعلي مولاه"، تنصيبا لعلي بن أبي طالب وزيرا، بصلاحيات قد تشابه صلاحيات هارون وزير موسى النبي. وعليه فبقاؤه في المدينة خلفا للرسول، عندما قرر الخروج إلى تبوك، سوف يأخذ صفة الخلافة بمعنى الوزارة، قياسا على  استخلاف موسى لهارون خليفتة له عند غيابه: (وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ). ولا دليل على هذا الاستنتاج، إذ أن سلطة وصلاحيات هارون إلهية، منصوص عليها، إضافة إلى كونه نبيا ورسولا، فلا يمكن قياس أحد عليه، إلا بجعل قرآني صريح، وهو مفقود بالضرورة.

ولا ملازمة بين الإمامة والوزارة، إلا إذا اقتضت الضرورة كما بالنسبة لموسى، حيث استجاب الله لدعوته واصطفى هارون ليشد به عضده، فوصفته الآية بالرسول: (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ). وصرّحت آية أخرى بنبوته: (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا). ولا يمكن القياس عليها لأن موسى قد ذهب إلى ربه يلتمسه الاصطفاء لهارون، بعد أن بيّن الأسباب والضرورات: (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي.. قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ)، فنفهم أن الوزارة والإمامة والاصطفاء كلتاهما مناصب مرتبطة بالمشيئة الإلهية، ولم يفوض جعلهما لغيره، وهما شأن إلهي لا شأن نبوي. وبما أنها كذلك فيتوقف جعلهما وشرعيتهما على وجود نص قرآني صريح. ولو كانتا شأنا نبويا لاتخذ موسى قرارا شخصيا دون الرجوع إلى ربه. لكنه يعلم أن الله لا يشرك بقرارته وأحكامه أحدا: (مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). وله يعود الاصطفاء يهبه لمن يشاء، وفق ضوابط محددة: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ). 

لا يخفى دلالة وسلطة الوزارة، ولو أنها ثبتت لأحد غير هارون، ستنتقل جميع صلاحيتها له. وهذا ما يريده الشيعة من حديث المنزلة. يبغون المماثلة بين علي بن أبي طالب وهارون في المنزلة والمنصب والمقام والصلاحيات، وأهمها نيابته عن الرسول بعد وفاته، بكامل صلاحياته الرسالية. بل وفهموا منه أو هكذا أرادوا أن يفهموا: أن منزلة علي كمنزلة الرسول والنبي قياسا على هارون ولو بالقوة لا بالفعل. بل فضّلت بعض الروايات علي بن أبي طالب على جميع الأنبياء باستثناء رسول الله!!. دون الالتفات إلى مفهوم الاصطفاء وصلاحية جعلها، أو مشاركة الرسول لله في هذا الخصوص، اعتمادا على روايات متهالكة سندا ومتنا، كحديث: (علي خير البشر فمن أبى فقد كفر). ورواية صعصة التي يسأل فيها عليا: أنت أفضل أم آدم؟. ويأتي بجميع الأنبياء وعلي يقول أنا أفضل منه. ومن يقرأ حياة علي وسيرته سيحكم على هذه الروايات بالافتراء والكذب عليه. ثم هل يعقل أن يكون علي أفضل من إبراهيم وهو خليل الله؟ وأفضل من موسى، وهو الوحيد الذي كلمه الله؟ وأفضل من عيسى ومعاجزه التي لا مثيل لها؟. إضافة إلى أدلة استحسانية تعبر عن رغبات أيديولوجية وطائفية مغالية، لا تقاوم النقد، فضلا عن تعارضها مع الكتاب الكريم، ومنطق العقل: (ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ ٱلنَّاسِ). فهارون نبي ورسول، وهما منزلتان عظيمتان، بختص بهما الله من يشاء (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، ولا يمكن أن يتقوّل الرسول على الله: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ). وقد حفظ الكتاب جميع ما أوحي له. لكنهم يؤكدون أن ما صدر عن الرسول يعتبر توزيرا رسميا، حتى وإن لم يذكر في كتاب الله. وتقدم أن صلاحيات الرسول محدودة قرآنيا، وليس بينها الولاية التشريعية، ولا صلاحيات الاصطفاء.

حديث المنزلة

يعتبر حديث المنزلة من الأحاديث المشهورة، وقدر رواه الفريقان، وصنفته كتب الأحاديث صحيحا. وسبب قول النبي لعلي أنت مني بمنزلة هارون من موسى: (عندما أراد الخروج إلى غزوة تبوك، وكان قد استخلفه على المدينة بعد أن استنفر الناس للخروج معه، فلم يبق بالمدينة إلا النساء والصبيان وأصحاب الأعذار، فشق ذلك على علي، فجاء للنبي وقال له: أتخلفني في النساء والصبيان. فقال له النبي: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى"..). وتضيف النسخة الشيعية: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي).

أجد في الزيادة الموجودة في نسخة الرواية الموجودة في المصادر الشيعية، ما يساعد على إزالة اللبس حول هذا الموضوع، وبظني لا أحد قد انتبه لهذه النكتة بالذات. فالرواية في جزئها الأول تؤكد منزلة علي بن أبي طالب من النبي، وقد شبهها بمنزلة هارون من موسى عند غيابه عن المدينة المنورة. وهارون أخ لموسى: (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا)، وقد استخلفه في قومه عند غيابه. فضَمِن علي بهذا التصريح منزلة الإخاء بكل دلالاتها النفسية والروحية والمقامية، وجميعها يبقى في حدود العلاقات الأخلاقية، وأصدائها ضمن بيئتها الاجتماعية. لكن هل ستنتقل جميع مقامات النبوة وصلاحيات الرسالة بموجب هذه الرواية لعلي؟. كلا، لأن النبوة اصطفاء، يستدعي أدلة نصية، ومعجزات تثبت صدقية دعواه. إضافة إلى أن نبوة محمد هي خاتم النبوات، بصريح الكتاب: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). وتنتفي جميع صلاحياتها الربانية، بانتفاء النبوة.

ثم لماذا قال النبي: "إلّا أنه لا نبي بعدي؟". إنها جملة بليغة تكشف عن دلالات حاسمة. فالنبي يفهم أن الوزارة منصب إلهي، واصطفاء رباني له شروط، أهمها ما ذكره موسى عندما دعا ربه، وطلب منه تنصيب هارون وزيرا، حيث بيّن قصده من تنصيبه: (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي). فمهمة هارون مهمة رسالية، متفرعة على النبوة، لذا اصطفاه تعالى نبيا: (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا). فنفهم من ذلك أن الوزارة معادل موضوعي للنبوة، وهذا سبب ترقية هارون نبيا، بل ورسولا: (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ). وبالتالي، قوة ثراء هذه الزيادة يعوّل عليها دليلا كاشفا عن دلالات حديثي المنزلة والغدير وكل أحاديث الفضائل. فليس وزراة علي اصطفاء إلهي كي تأخذ ذات الصلاحيات، لأنها مهمة نبوية، ومحمد بن عبد الله خاتم النبيين، والوزارة متفرعة على النبوة. فلا إمامة دينية كما يقول بها متكلمو الشيعة. كما نفهم من الزيادة أن حركة الاصطفاء والصلاحيات الربانية تسير في إطار واحد، هو وحدة الخالق، وتفرّده بالحكم والاصطفاء.

وكل هذا لا ينقص من شخصية علي شيئا، ويبقى مصداقا لجميع آيات الفضائل في كتاب الله، وربما يختص ببعضها. ويبقى علي يتمتع بشخصية إيمانية وروحانية وعلمية ناصعة. ولكن الكلام حول الاصطفاء الرباني المصرّح ويكون ملزما وحجة على جميع المسلمين. ولازمه بطلان خلافة الخلفاء الثلاثة. ولا دليل على كل هذا، سوى تأويلات، ورغبات نفسية وأيديولوجية.

رابعاً- الإمامة الدينية بمعنى الهداية والقدوة

رغم أن الاقتداء والهداية ليستا من معاني "المولى"، غير أنهما تستبطنان المفهوم. أو لازمتان بالنسبة للخالق والرسول. وهي في صميم عمل الرسول: (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا)، والسراج هو الهدى. وفي قول النبي: من كنت مولاه فعلي مولاه، يمكن استفادة مفاهيم أخرى أكثر من كونه ثقته ووصيه من بعده، خاصة بمعية حديث المنزلة، وأحاديث أخرى، فأراد الرسول بتشبيهه أو مماثلته به، أن يقول: وكما أنا قدوتكم فعلي قدوتكم، وكما أنا هادٍ، فعلي مثلي. ويستمد الأخير صدقيته من قوله تعالى: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، وعلي سيكون مصداقا للهداة، من بعده. وما يؤكد هذا المعنى حاجة المسلمين للقدوة والهادي، المستحفظ للرسالة وقيمها ومبادئها، كي تواصل فاعليتها. ولا يخفي دور القدوة في الرسالات والحياة الاجتماعية. كما سيكون مرجعا فكريا للمسلمين لنضوجه وفهمه الرسالة حيث تربى في أحضانها. ولبيان أوضح:

- إن المراد بعلي القدوة، أن يمثّل علي بسلوكه وأخلاقه الإنسان المؤمن، التقي، الورع، لا تأخذه في الله لومة لائم، والشخص المتوازن بعيداً عن المغالاة والتطرّف في عبادته وأخلاقة. فهو إسلام يمشي على الأرض، وقرآن يتجسّد في سلوكه وعمله. فعلي سيكون بوصلة الالتزام الديني، من خلال اعتداله وتوازنه، وسيكون المنقذ من الضلال، والتطرف في العبادة، وضد من يهجر الدنيا ويتخلى عن مسؤولياته تجاه عائلته ومجتمعه بحجة التفرغ للآخرة، فيعتكف يصلي ويصوم، ويحرّم على نفسه الطيبات التي أحلها الله. إن القدوة حاجة بشرية، يشاهد الإنسان من خلالها معالم شخصيته، تبعث فيه روح الأمل، وتمنحه قوة واندفاعاً باتجاه العمل الصالح، وتحطّم أغلال الخوف والتراخي القابعة في النفس البشرية. فالقدوة أشد تأثيراً في حياة الإنسان من الأقوال والتصريحات، لأنها تجسيد عملي للقول، وهي الفعل النموذجي للعمل الصالح، فالشخصية القوية المتوهجة أو الكارزمية تؤثر في سلوك الناس لا ارادياً، وتتحول الى قدوة في السلوك والأخلاق والمواقف، وقد تصل حدا يقلد الناس حركات وسكنات الإنسان القدوة. بل أن ارتداد الناس عن الدين، أو الانحراف عنه يعود لغياب القدوة الصالحة، فتبقى المفاهيم مجردة، معلقة بالهواء. لكن مع وجود القدوة تتحول المفاهيم الى سلوك عملي تنعكس على أخلاق الفرد، وطبيعة تعامله مع الآخرين. إن أشد ما تعانيه المجتمعات الإسلامية اليوم غياب القدوة الصالحة، غياب الشخصية الإسلامية المتوازنة، غياب الإسوة في الأخلاق والسلوك، بل للأسف الشديد نجد مخالفات سلوكية صارخة لكل قيم الدين والإنسانية، خاصة رجال الدين، الذين يمثلون القيمة العليا للتدين، غير أن سلوك كثير منهم يفتقر لأدنى مستوى من الالتزام الديني، تجد ذلك واضحا في مجالي السياسة والقضايا المالية. فالإنسان بطبيعته يحتاج للقدوة الصالحة، خاصة مع تعدد القراءات وتعدد المذاهب والفرق، وتناسل البدع والطقوس.

- والمراد بعلي المرجع الفكري، هو الفهم الحقيقي للدين، الفهم الواضح له، خاصة ان الدين بعد وفاة الرسول سيخضع لتعدد القراءات والتأويلات، ويصبح الانحراف الفكري محتملا، فعلي سيكون مرجعا في فهمه للدين، وفقيها في أحكام شريعته، ومفكّرا في جانبه الفكري. أو أنه سيكون بوصلة الفكر المستقيم، والتأويل المتوازن، والقضاء العادل، والفقه الموضوعي.

- والمقصود بأفضليته في السياسة والحكم، أن مواقفه السياسية تنبثق عن رؤية ترتكز إلى مبادئ الدين والقيم الإنسانية. ورغبته في الحكم لا تنطلق عن حاجة نفسية بقدر انطلاقها عن مبادئ وقيم قد آمن بها. فهناك فرق بين شخص يحكم بهواه، فيتسلط، ويستبد، ويشط عن العدل والانصاف، وآخر يحكم وفق مبادئ عادلة، دينية وإنسانية، وينطلق في رؤيته عن نظرية متكاملة في السياسة والحكم. وهذا لا يعني أن يكون مثاليا في الجانب التطبيقي، فهو ليس معصوما، والسياسة تحكمها الظروف والمواقف المفاجئة، والتقلبات السياسية، والمطامع الشخصية. فقد يُصيب أو يخطئ، لكنه بلا شك ينطلق عن رؤية سياسية متكاملة، ونظرية واضحة في السياسة والحكم، وهذا هو المهم. أما الجانب التطبيقي فكل إنسان معرّض فيه للخطأ. وهذا رسول الله يخاطبه الباري عزوجل: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ)، وهو نبي مسدد، وترعاه الإرادة الإلهية مباشرة. من هذا المنطلق نجد لا ضروة للتشبث بالعصمة لاثبات صحة كل مواقف الإمام علي السياسية، لأنها تتقاطع مع موضوعية البحث التاريخي.

الإمامة الدينية تاريخيا

سبق أن تناولت موضوع الإمامة الدينية تاريخيا، وأجد من المناسب استدعاء ملخصه، للوقوف على تاريخية هذه الإمامة، ودواعي تبنيها عقديا من قبل الشيعة، حيث جاء في سياق الحديث المفصّل عنها:

كان ظهور مفهوم الإمامة الدينية نوعا من التعويض لإثراء الرأسمال الرمزي للتشيع، وتعزيز الرصيد الروحي والعقدي، بعد نكبات الشيعة واضطهادهم وإقصائهم. فهي في بعض أبعادها محاولة للتستر على الهزائم العسكرية المتلاحقة للإمامة السياسية، وعدم قدرة اتباع أهل البيت إثبات النص على خصوص خلافة علي بن أبي طالب، بنص صريح يصلح أن يكون مرجعية لحسم النزاع بين الأطراف المتنازعة على السلطة تاريخيا. فالإمامة وفقا للرؤية الجديدة ما زالت تمارس دورها الديني رغم فداحة خسائرها السياسية. وهي إمامة تم تأصيلها كلاميا عبر تأويلات قرآنية، إضافة لروايات بدأت تتدفق بعد وفاة كل إمام تتحدث عن الإمامة ومقامها وضرورتها. وهو تدفق متهم لا يمكن ضمان براءته، فالعقيدة محددة قرآنيا، ولا قيمة لأية عقيدة لا يدل عليها دليل صريح من الكتاب الكريم. فخطاب هذا الاتجاه خطاب فكري – عقدي، ارتكز لمقولات كلامية، ونجح في تأسيس مفاهيم جديدة، منها الإمامة الدينية. التي أحيت مفهوم الإمامة ومنحت مَن تبقى من الأئمة شرعية كاملة، رغم اختلاف مواقفهم. فعدم اعتراض الإمام على الاستدلال الكلامي أو موافقته الضمنية يُعد إمضاء يكرّس مصالحه الدينية والسياسية. حيث تطور هذا المفهوم ومارس أدوارا مختلفة خلال مسيرته. رغم حاجته الماسة في بعض أبعاده لأدلة قرآنية صريحة، وهي مفقودة بالضرورة. علماً أن مفهوم الإمامة تاريخيا مفهوم سياسي، وكان أصحاب الأئمة قبل التنظير لعصمتهم، يتعاملون معهم كزعماء سياسيين، أو كبار آل محمد، أو علماء أبرار أو فقهاء الشيعة. صراع الصحابة كان صراعا سياسيا، وقد طُرحت الإمامة في مقابل الخلافة طرحاً سياسياً. وأما الإمامة الدينية فجاءت لتدارك الفشل السياسي. ينظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة.

لكن ماذا عن الإمامة السياسية؟

يأتي في الحلقة القادمة

  

..........................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

ماجد الغرباويخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق5) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الإمامة ومنطق الوصايا

ماجد الغرباوي: قبل التطرّق لدلالات الإمامة بموجب حديث الغدير، أنبّه إلى أن مفهوم الإمامة كما تطرحه البحوث الكلامية الشيعية ويتعهده اتجاه الغلو، يكرّس منطق الوصايا والاستبدادين، الديني والسياسي، ويشرعن التبعية والانقياد، ويقمع الرأي الآخر (الراد علينا كالراد على الله)، على حساب العقل والإبداع وحرية الإنسان. لقد كان ختم النبوة اعترافا صريحا بقدرة الإنسان على مواصلة حياته على المدى البعيد، وعدم حاجته مستقبلا للوحي أو أي ولاية دينية. وهذا سرّ توقف هبوطه، وانقطاع بعثة الأنبياء. إن حاجة الإنسان للعقل باتت أكثر من حاجته لأية وصايا دينية، بعد ختم النبوة، واكتمال الدين، وصار  مسؤولا عن حياته ومصيره، وقد قطع شوطا كبيرا جدا على سلم الحضارة البشرية. إن النظريات التراثية وليدة حاجات تاريخية، وضرورات سياسية، والتمسك بها وإعادة انتاجها بصيغ جديدة كولاية الفقيه، لا تفسير له سوى روح العبودية الثاوية في أعماق الفرد، وقيمها التي حرص التراث على رفدها، وتعزيزها بمختلف الدواعي، الدينية وغيرها. من هنا بات تفكيك الولاية أمرا ضروريا لمعرفة مدى شرعيتها وحدود صلاحياتها، للتخلص من هيمنة الخطاب الديني، حينما يتقاطع مع العقل ومبادئ حقوق الإنسان العادلة. الإنسان رهان الخلق بقدراته العقلية الفائقة، وعليه المعوّل في إعمار الأرض، والتعرف على خالق الكون بذات العقل.

دلالات الإمامة

المتتبع للمنهج القرآني يلاحظ اهتمامه بالقضايا العقائدية، التي تتوقف عليها صدقية إيمان الناس، كوجود الخالق ووحدانيته واليوم الآخر، وتأكيده على النبوة وتاريخها، لكنه لا يولي اهتماما كبيرا بقضايا قد تبدو عقائدية، كقوله: (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا). فيكفي في هذه الحالة أنك عرفت أن الإمامة اصطفاء وجعل إلهي، وأنه جعلها لإبراهيم خاصة، دون التفصيل في جوهرها وخصائصها وصلاحياتها (قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، فالأولوية في المنهج القرآني تعكس أهمية القضايا وأولويتها عقديا. ويفترض أن تأخذ الإمامة، إذا كانت شرط الخلاص، اهتماما قرآنيا يعمّق الإيمان بها. وما تقرأه في تراث المسلمين عنها، مجرد رؤى تأويلية وتفسيرات تنتمي لمقدمات كلامية، يراد لها الدفاع عن متبنيات عقدية. وهكذا منهج القرآن بالنسبة للغيب، فلم يتوغل في تقصيلاته، لأنه عصي على الفهم. سواء قلنا بإلاهية الوحي أو قلنا ببشريته في حدود التلقي والفهم. وقد إستأثر موضوع الخالق ووحدانيته مساحة كبيرة من الكتاب، وجميعها آيات محكمات لا تقبل التأويل كثيرا. بيّنت وتساءلت واستفزت فضول القارئ بمختلف الأساليب، كي يصل درجة اليقين الموجب للتقوى، واكتمال الحجة عليه. وأيضا بالنسبة للنبوة والأنبياء، باعتبارها قضية يمكن التحقق منها، بالنسبة لمن عاصرهم، لذا تطلبت معجزة. وبذات المنهج تناول موضع المعاد، حيث ربط حقيقته بأفعال الفرد، فجاء الخطاب القرآني ترغيبا وترهيبا، ليحقق أهدافه بخلق وازع من التقوى، تتوقف عليه مصداقية الإيمان في جانبيه الشعوري والسلوكي. وارتهن صدقية الجنة والنار لإيمان الفرد، وهذا سرّ نسبية هذ النوع من القضايا الدينية.

اللافت رغم قوة حضور الإمامة في الواقع والتراث، حتى عدها الفكر العقدي الشيعي أصلا من أصول الدين، لكن لم تجد لها أية إشارة صريحة في  كتاب الله، لا هي ولا مصاديقها، باستثناء آية مجملة، خص بموجبها الإمامة لابراهيم، دون تفصيلات تذكر، وأما موارد استعمال لفظ الإمامة الأخرى، فليست دالة على الإمامة المعهودة صراحة، ولو ثبتت فهي مختصة بالأنبياء حصرا: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)، عطفا على آيات تتحدث عن قصص الأنبياء. ولا يمكن شمولها لغيرهم، إلا بدليل قرآني صريح، لأنها جعل، تتطلب آية صريحة، نرفع بها اليد عن الأصل. يقول الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل: (وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُل على الإمامة في كل زمان). فكيف تدرج الإمامة ضمن قائمة العقيدة، ولم يشر لها القرآن؟. وهذه ملاحظة مهمة يجب الأخذ بها  في نظر الاعتبار ونحن نتحرى دلالات قول الرسول: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه".

الغدير والإمامة

المتفق عليه شيعيا أن قول النبي: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه" نص على استخلاف علي من بعده، وحكموا في ضوء حديث الغدير بوجوب النص والتعيين في الإمامة. وكان ذات الحديث دليلا على غصبيتها من قبل الخلفاء، مادام كلام الرسول كان صريحا وحجة تامة على كل من سمعه، ولا استثناء للخلفاء ممن حضروا معه.

إذاً، فالشيعة ينفون ظهور معنى آخر لكلمة "مولى" سوى النص على خلافة علي، وعززوا قولهم بآية التبليغ، واستشهدوا بآية "الرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم". ورووا مشاهد تفصيلية، توحي بصحة الحديث من خلال مشاهد ما حصل بعد الخطبة. وقد مرَّ تفصيل الكلام، حول كلمة "مولى" ودلالتها ضمن سياق الحديث، وفي ضوء ما ذكره بُريدة أمام الرسول. ولم تشكّل القرائن المذكورة في المقام قناعة دلالية كافية، فضلا عن تبادر الكلمة في هذا المعنى. وسقطت عن الاعتبار بعد مناقشتها. وهنا سنأتي على أدلة، تساعد أكثر على فهم مبررات نفي النص على الإمامة في الحديث بالذات، حتى مع ثبوتها بأدلة غيره. وهذه المرة نتناول مفهوم "الولاية" ضمن الإطار العام للدين والإسلام، لنتحرى إمكانية الإمامتين الدينية والسياسية، حيث استدل بعضهم بحديث الغدير على الإمامة السياسية، في مقابل من اقتصره على الإمامة الدينية، وثالث قال بكلتيهما. فهل الإمامة ضرورة دينية أم اجتماعية؟، وهذا يتفرع على ضرورة الدولة. فهل الدولة ضرورة دينية أم اجتماعية. وبالتالي نحن والأدلة.

مرات عدة تناولت موضوع الدولة في الإسلام، وأكدت من خلال ما طرحته، أن الدولة ضرورة اجتماعية، فرضتها الحاجات الآنية لتنظيم شؤون مجتمع المدينة، الذي تطوّر بحكم وجود النبي وانتشار الإسلام في المناطق المحيطة بها. والقرآن شاهد على ما نقول فليس ثمة آية صريحة واضحة تناولت موضوع السياسة والدولة، أو خلافة النبي، سوى مبادئ يمكن اعتمادها، كقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا). والآية وإن كانت واردة في القضاء بشهادة بدايتها، لكن العدالة كمبدأ أساس في الحكم على مستوى الدولة لا غبار عليه. أو آية: (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلً)، التي قد يستفاد  منها شرط الإيمان في الحاكم الأعلى. وغيرها من مبادئ قرآنية وإنسانية. ولا يوجد أكثر من هذا، بل وحتى النبي الكريم لم يتحدث عن موضوع الدولة والسلطة والخلافة، كما سيأتي الكلام. وبالتالي هل أن إهمال القرآن لعصبي الحياة، السياسة والاقتصاد، دليل على عدم اهتمامه بهما، بينما أولى اهتمامه بقضايا أقل أهمية منهما؟. أبداً... أما الاقتصاد فكان موقف الكتاب إمضائيا، مع تنقيح بعض القواعد كالتجارة بالتراضي. وحرمة بيع الربا. وأما السياسة، فهنا شيئان: المادة الدستورية والقانونية، وقد شرّع مجموعة أحكام، تخص الفرد والمجتمع، وبإمكان المجتمع تبنيها مادة قانونية لدولتهم. وأما نظام الحكم ونظريته، فتركها لهم، ليتحملوا مسؤوليتها وفقا لمتطلبات الزمان والمكان، كي لا تجمد على صيغ تفقدها قيمتها. ولو كانت الإمامة نصا وتعيينا، ماذا يفعل المجتمع مع فقدان النص، الذي كان مقتصرا على علي بن أبي طالب، ثم تمت زحزحته ليشمل 11 إماما، بعد ترميم النسق العقدي للتشيع؟.

وبالتالي لم تكن الإمامة موضع اهتمام القرآن والنبي الكريم. ولا يوجد ما يكفي للتعاطي معهما وفق أدلة شرعية. سوى اجتهادات فقيه تلت مرحلة الخلفاء، بعد اشتداد الصراع حول السلطة ومشروعية الخلافة. ويبقى الاصطفاء والولاية الجعلية من خصائص الباري تعالى، ولم يجعلهما لأحد بآية صريحة. بما في ذلك النبي، حيث حددت آيات الكتاب وظيفته، وليس من بينها التشريع، وخلصنا إلى حجية قول النبي فيما له جذر قرآني، وليس للإمامة جذر قرآني، ولا يكفي إجمال المفهوم في إمامة إبراهيم، دليلا على ثبوتها لغيره.

الإمامة الدينية

هناك أكثر من نحو يمكن تصور الإمامة الدينية من خلاله، هي:

أولاً- الإمامة الدينية بمعنى الإمامة الربانية:

ومثالها إمامة إبراهيم النبي الكريم. كي تستمد إمامة علي بن أبي طالب من شرعيتها، وتكون دليلا عليها. ولا دليل على الملازمة، لأنها إمامة قائمة على شروط لم تتوفر لعلي كالنبوة. ويشملها مفهوم الاصطفاء، الذي هو خاص بالله تعالى، ولم يفوضه لأحد، بل حصره بمشيئته: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). فالقرآن طرح مفهوما جديدا، وقطع الطريق أمام دعاوى الاصطفاء، القائمة على أسس عنصرية وتوريثية، بل ونفهم أنه منصب إلهي، يتوقف على مشيئة الله والتصريح به قرآنيا، فيبقى الأصل الأولي عدم ثبوته لأي شخص.  فيشترط في صدقيتها وثبوتها – كما تقدم بيانه وهذا ملخصه - وجود آية صريحة بيّنة لا لبس فيها، تدل عليها كإمامة إبراهيم، التي لم يرفدها الكتاب العزيز بتفصيلات كافية سوى قوله: (إِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). فالإمامة تأتي بعد مرحلة من الاختبار الرباني المباشر، "إذا ابتلى الله ابراهيم بكلمات". لا نعرف ما هي الكلمات التي أتمها، لكنها تبدو على درجة رفيعة من الأهمية اقتضت تنصيبه إماما. ورغم أن ذرية إبراهيم أنبياء، لكن الآية أجابت بشكل عائم: "قال لا ينال عهدي الظالمين". وبالتالي هذا النوع من الإمامة يحتاج لتصريح رباني. ثم لا يمكن تزكية أحد، مهما كان ظاهره الصلاح، ولا يدرك أسرار النفس البشرية إلا الله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا). وقد يجهل حتى النبي أن من حوله ظالم لنفسه: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)، فظاهر هؤلاء الصلاح، وربما تعلوهم سيماء الإيمان، لكنهم في علم الله "منافقون". من هنا أشترط نصا قرآنيا لثبوت الاصطفاء، لانه يورث الجزم  واليقين، مادام حتى النبي لا يمكنه الجزم بتزكية أي شخص مطلقا إلا حسب ظاهر سلوكه وتقواه.

ثمة ملاحظة لو كانت الإمامة شأنا نبويا أو رسوليا، فلماذا يسأل إبراهيم عن إمامة ذريته وهل هناك بمنزلته خليل لله؟ لكنه (إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌ مُّنِيبٌ)؟ ويعلم أنها مناصب إلهية، تتوقف على الاصطفاء الصريح، كإمامته ووزارة هارون.

ثانياً- الإمامة الدينية بمعنى التشريع:

المتتبع لكلماتهم حول الولاية الدينية، يجد أنهم تارة يقصدون بها ذات الإمامة القرآنية. وهي أعلى مقاما. تنطوي على أسرار إلهية، وحكمة ربانية، تتوقف عليها تمامية الدين، واستمراره من خلال أئمة أهل البيت الذين نصبهم الله أئمة لدينه وعباده. وبهذا المعنى يكون للإمام ولاية تشريعية، استمرارا لولاية الرسول التشريعية، وستكون سيرة الإمام (قوله، وفعله، وتقريره) حجة كحجية سيرة النبي، يمكن أن تخصص أو تقيد إطلاقات وتعميمات الكتاب، لذا قال الشيعة باستمرار عصر النص حتى نهاية غيبة الإمام المهدي الصغرى (329 هـ)، وتعاملوا مع روايات أهل البيت باعتبارها نصوصا تشريعية حجة، مقدسة، تتعالى على النقد والمراجعة، يقتصر دور الفقيه على فهمها وتفسيرها أو تأويلها، وإذا تعذر عليه (يعيدها لأهلها فَهُم أدرى بها!!)، كما يردد ذلك أساتذة بحوث الخارج في مادة الفقه، للدلالة على قدسية مصدرها وحكمته وعلمه.

وجواب هذا واضح، أن التشريع مختص بالله تعالى، وتمت مناقشة هذا الكلام مرات عدة. وما يهمنا تشريع الأحكام. تقول الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا..)، وتقصد تمامية الدين بشقيه العقدي والتشريعي، وما يدل على الثاني أن الآية مسبوقة ومتبوعة بآيات الأحكام، ومع وجود هذه القرينة لا يمكن صرفها لأية دلالة أخرى. إذ يرى المفسرون الشيعة أنها نزلت بعد حديث الغدير، لتصرّح بتمامية الدين بعد إعلان ولاية علي بن أبي طالب. وهذا غير ظاهر في الآية إطلاقا، وحملها على تمامية الدين بمعنى التشريع يساعد عليه سياق الآيات، حيث سبقها مجموعة أحكام تشريعية: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ). كما تلتها مجموعة أحكام تشريعية: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، ويستمر السياق يستعرض أحكاما أخرى. وبهذا نفهم بمعية آيات ذكرتها في بحث حجية السنة النبوية، أن التشريع مقتصرا على الله تعالى، ولا دلالة لحديث الغدير وجملة: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه" على إرادة الإمامة الدينية بهذا المعنى. ومن هنا أيضا تعرف مدى صدقية استمرار عصر النص حتى نهاية غيبة الإمام المهدي، ليعاد بموجب الفهم القرآني تشكيل وعي جديد بالأئمة ووظيفتهم الدينية، فهم كغيرهم من الفقهاء المعاصرين لهم رأي اجتهادي. وميزتهم شهد لعلمهم وتقواهم وفقههم كثيرون، وكانت الإشادة العلمية بمدرسة الإمام الصادق لا يدانيها إشادة بعالم وفقيه في عصره. فنظرية "الأئمة علماء أبرار"، كما ذهب لذلك جملة من علماء الشيعة، يجنّب العقيدة الشيعية كثيرا من المشاكل والتقولات، التي تفتح باب تكفيرهم ورميهم بالضلال من قبل خصومهم التاريخيين. كل ما جاء بعد النبي تراكم فقهي، ووجهات نظر اجتهادية، لا فرق في ذلك بين المذاهب الإسلامية، رغم الجذر القرآني والنبوي للنصوص التي يشتغل عليها الفقيه، لكنه رأيه، ووجهة نظر شخصية، مرتهنة لقبلياته ونسقه العقدي ومنهجه وأدواته.

وأما ثالثا: الولاية الدينية بمعنى الوزارة وهي موضوع مهم وحاسم في تحديد دلالات الولاية...

يأتي في الحلقة القادمة

 

..........................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com