المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (33): القرآن وهدف الدعوة

majed algharbaw10خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يتحدث عن مصداقية المشروع السياسي للرسول وفقا لما جاء في كتاب: الشخصية المحمدية التي دارت حولها الحلقات الأخيرة.

 

القرآن وهدف الدعوة

ماجد الغرباوي: قبل تقصي الفكرة الأساسية في كتاب الشخصية المحمدية. نؤكد أن الجميع بما فيهم القائلون ببشريته اتفقوا بأن القرآن كتاب مختلف، متعالٍ، يعجز عن الإتيان به بشر عادي، لذا وصفوا محمدا بالعبقرية، والذكاء الخارق، وشخصية مؤثرة، وعصامية. وهذا متفق عليه، مهما بلغ حجم التشكيك في بعض تفصيلاته، لذا لم تستطع نسف مكانته الدينية جهود المنكرين منذ البعثة النبوية إلى يومنا هذا. واستمر الإسلام يتحدى، كدين سماوي، من خلال قدرته الهائلة على تعبئة أتباعه في إطار علاقة راسخة بالغيب والمطلق اللامتناهي. وبراعته في تأثيث المخيال واللاوعي الديني برمزية اللامعقول والمتواري، وتصوراته عن الحياة والكون واليوم الآخر، فخلق فيهم روح التضحية والفداء والاندفاع، وهذا بحد ذاته دليل صدقيته التي يشارك فيها جميع الأديان. فامكانية ربط الفرد باللامعقول مهمة تتفرد بها الأديان جميعا، وتتفاضل في حجم المشاعر والسلوك قياسا بسعة تصور اللامعقول الديني وقدرته على رسم أفق المخيال وترسيخ الإيمان به.

وأما نسبة القرآن للوحي، وشرعية أحكامه وتعاليمه فتتوقف على إيمان الفرد بنبوته. فالمنكر لقدسية الكتاب لا يلتزم بتشريعاته وهذا أمر بديهي، لكنه يعترف بتعاليه، وسموه بحد ذاته، ويكفي وصف صاحبه بالعبقرية والخروج عن المألوف. فالاتفاق حول تعاليه، وسيادة الظاهرة القرآنية دليل اعجازه. فقد ظهر خلال خمسة عشر قرنا كثير من العباقرة والمصلحين والفلاسفة والمفكرين، تركوا منجزات علمية وفكرية غيّرت مسار التاريخ، خاصة أوربا، لكن لم يترك أحد كتابا مشابها في روحه وحقيقته وتفصيلاته ومنظومته المعرفية وأسلوبه. فثمة مغايرة في الخطاب القرآني، لا تجدها في غيره من الخطابات.

أسوق المقدمة أعلاه لأضيف: إن الاتفاق على تعالي القرآن لا يمنع وجود ملاحظات بل حتى تحفظات ومؤآخذات، قد تصل حد التناقض والاضطراب، سببها لغة الوحي والتصحيف والتداول الشفاهي لنصوصه. فينبغي تناوله بعلمية وموضوعية تراعي ضوابط قراءة النص، وتستعين بمنطقه الداخلي القائم على رد المتشابه من الآيات إلى المحكم منها، مع الأخذ بنظر الاعتبار ظروف النص وأسباب نزوله، وموقعه في سياق الآيات وهدف الرسالة من وجود الإنسان على الأرض. ورغم اختلاف نتائج البحث تبعا لزاوية النظر، بين من يؤمن بنسبة القرآن للوحي، ومن يعتبره منجزا بشريا، لكن الباحث الموضوعي يلتزم الحياد والتجرّد، ويراعي الضوابط العلمية في قراءته للنص القرآني، على خلاف الكتابات الآيدولوجية التي تذهب بعيدا في تأويل النصوص، وتركّز على ما يبدو متناقضا ومضطربا في ظاهره. وتستعين بالسيرة والأحداث التاريخية رغم ضعف مصادرها. وهذا ما تلاحظه جليا في كتاب الشخصية المحمدية محور السؤال (67) في هذا الحوار.

لقد شكك معروف الرصافي في كتابه: "الشخصية المحمدية أو حل اللغز المقدّس" بالمشروع الديني للنبي، واعتبر دعوته مشروعا سياسيا بغطاء ديني، مكرّس لقريش والعرب من بعدهم. وهو بصدد نهضة عربية شاملة. وهذه هي الفكرة الأساس في الكتاب. يقول المؤلف: (إن الغاية ليست بدينية محضة، إنما الغاية التي يرمي إليها محمد هي إحداث نهضة عربية دينية اجتماعية سياسية، تكون عربية المبتدأ، عالمية المنتهى، أي يقوم بها العرب في بدء الأمر ثم تعم وتشمل الناس جميعا في النهاية). فراح يفسّر النصوص والسيرة وفق قبلياته، التي ترى أيضا أن محمدا كان في قمة العبقرية والذكاء، يتمتع بشخصية كارزمية، وإرادة قاهرة، وكان متفوقا على كل من جايله، وليس مطلقا. ومفهوم الجملة الأخيرة واضح. أنه لم يحافظ على كارزميته إلى حد النهاية!!. لكن جميع هذه الآراء وغيرها التي سنشير لأهمها أو ما يشكل المعالم الرئيسية لأفكاره قابلة للنقض، لأنها مجرد وجهات نظر تخصه، واسقاط واضح لقناعاته وأحكامه المسبقة حول النبي ورسالته. فحشّد أدلة تاريخية انتقائية، واستنتاجات شخصية لاثباتها. ويتجلى الاسقاط واضحا في تفسيره للآيات التي يروح تطويعها لخدمة هدفه.

النهضة مفهوم متطور لا تساعد البيئة والظروف التي عاشها النبي على بلورته وظهوره، غير أن الخطاب التبشيري دأب على قياس الماضي على الحاضر. فالنهضة الأوربية وليدة ظروفها التاريخية، وتراكم جهود جبارة استمرت قرون عدة، في ظل تطور الوعي الجمعي، والمعرفة البشرية، والاكتشافات العلمية المتلاحقة. فثمة محفزات كثيرة بلورت المفهوم في سياقه التاريخي. بينما البيئة القرشية كانت بيئة دينية – ثقافية، مجردة من أي محفز نهضوي بمفهومه الحديث. فكيف يفكر محمد بنهضة "عربية دينية اجتماعية سياسية، تكون عربية المبتدأ، عالمية المنتهى"؟.

كل مفردة من هذه المفردات تحتاج لمسار تاريخي وخلفية تساعد على التفكير بها، فهي تعني حدوث تحول جذري على المستوى الديني والاجتماعي والسياسي، يعيد للفرد مكانته وقيمته الإنسانية. تحول ينبثق من أعماق المجتمع، فيحتاج إلى تطور مرحلي وتراكم جهود مشتركة لا يقوم بها فرد واحد، مهما كانت قدراته،. فمحمد لم تسبقه جهود نهضوية ليراكم فوقها، ولا يوجد مثال حضاري يقتدي به، بل كان بنفسه بداية دين جديد، حقق حضورا كبيرا، رافقته تحولات اجتماعية وسياسية وثقافية. ومن يقرأ القرآن يجده مكرّسا لتوحيد الخالق ونبذ الشرك والكفر. وجميع معالم رؤيته تدور حول عقيدة التوحيد وتحرير الوعي من عبادة الأصنام والأوثان وما يرتبط مهما. ولم تعثر على معالم نهضة عربية كما يتحدث عنها المؤلف.

وأما التاريخ الحضاري للمسلمين فهو تراكم لجهودهم عبر 4 قرون ثم دخلوا مرحلة الانحطاط ، وعاشوا أسوء مراحلهم، ولم يفيقوا من سباتهم حتى الصدمة الحضارية. والحقيقة لم يحقق المسلمون سوى نهضة محدودة.  وللأسف، نتفاخر دائماً بما أُنجز في العصور الأربعة الأولى في مجال العلوم، وننسى، أو هكذا أرادوا لنا أن ننسى أن الحضارة الإسلامية قامت على العنف، والسيف وقطع الرؤوس، وقمع المعارضة، واقصائها. من يقرأ التاريخ يعجز عن إحصاء عدد قتلى المسلمين بسيوف المسلمين فضلا ًعن غيرهم. هذا هو الجانب المسكوت عنه في الحضارة الإسلامية. فعن أي حضارة يتحدث الكاتب. البعد الحضاري ليس تطورا ماديا وحياتيا فقط، بل هو تطور يعيد تشكيل العقل وفق مبادئ إنسانية. وما جرى على يد الخلفاء المسلمين لا يمت لقيم الدين ومبادئ الإنسانية والأخلاق، بل هي صراعات على السلطة، بدأت بعد النبي ولم تنته.

ثم لماذا لم ينطفئ الإسلام بانتفاء حضارة المسلمين بعد القرن الرابع الهجري؟ وما زالت الشعوب المسلمة تتفاعل معه، تتعهد قيمه وتلتزم بأحكامه ولو نسبيا. تستميت بالدفاع عنه. وما زال الإسلام يمثل هويتهم، والرافد الثقافي والفكري والعقيدي للمسلمين. كل هذا يؤكد أن دعوة محمد دعوة دينية وستبقى.

لا شك أن الرسول يتمتع بلياقات سياسية في علاقاته العامة، لكن سلوكه ومواقفه في مجال العقيدة والدين لا تدل على أنه صاحب مشروع سياسي، يروم توظيف الدين لأهدافه النهضوية. بل واضح من سيرته أنه نبي، تقتصر مهمته على التبليغ: (قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ). (إنما أنا مبلغ). فلم يهادن أو يتنازل أو يداري أحدا على حساب دينه. عصامي في مواقفه أزاء الكفر والشرك. كان بإمكانه مهادنة قريش، ومساومتهم بدلا من توتر العلاقات لأكثر من عشرين عاما. لكن الخطاب القرآني كان حاسما عندما راودته نفسه: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا، إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا).

ثم راح المؤلف يستدل على صحة رآيه بأدلة تاريخية، فاستشهد بروايات لا يمكنه الجزم بصحة صدورها ومطابقتها للواقع ونفس الأمر. وتقدم الحديث عن القيمة المعرفية للروايات بشكل عام والتاريخية بشكل خاص. وقلت: لا قيمة معرفية للروايات بشكل عام، ما لم تثبت صحة صدورها في المرتبة الأولى. فقد تكون الرواية موضوعة، خاصة مع وجود دواعٍ للوضع والكذب والدس في تراث المسلمين منذ فجر الإسلام. وهناك من يسعى لتشويه سيرة الرسول، والعبث بأحكام الشريعة، والحط من قيمة الدين الجديد، وهذا ثابت تاريخيا، وعدد الكتب المعادية لا تعد ولا تحصى. فالرواية ما لم تصل حد التواتر لا يمكن الجزم بصدورها، وهذا مستحيل. فالغالبية المطلقة من الروايات الدينية والتاريخية أخبار آحاد. أغلبها ضعيف، وأسانيدها مرسلة أو مقطوعة. فكيف نطمئن بصدورها ونستدل بها على صحة أرائنا وهي بهذه الدرجة من عدم الوثاقة؟. إضافة إلى أن هذه الروايات تعاني من اضطراب مضامينها إلى درجة التضارب والتقاطع، فكيف نرجّح أحدهما على الآخر مع عدم وجود قرائن حالية ومقالية؟ ثم كيف يعتمد مصادر تاريخية دونت بعد مئات السنين، وبعد أن أثقلها الوضع والتزوير والتحريف؟. ثم لماذا يستدل بالروايات المؤيدة ويهمل المعارضة. أليست هذه انتقائية مخلة بالمنهج الموضوعي؟ فالروايات التي ارتكز لها هناك ما يعارضها. والثابت تاريخيا أن قريش عرضت على محمد المُلك، وقال قولته الشهيرة لعمه أبي طالب: "يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته". وهذا الموقف تؤيده مواقف أخرى وآيات الكتاب الكريم. فلماذا لم يستغل الفرصة ويتفاوض معهم حول السلطة، ثم يفرض آراءه ومتبنياته، ويباشر بمشروعه النهضوي؟.

ثم لو لم يكن محمد نبيا، فهل يعقل أن يتلو صاحب المشروع البشري آيات تشي بتوبّيخه، فيحط من مكانته، وهو بأمس الحاجة لأن يبدو كبيرا عملاقا في نظر أتباعه؟: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ)، (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ)، (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ). كيف يخيّب آمالهم بانقطاع الوحي، ويبقى بموقف لا يحسد عليه؟.

محمد لم يمارس تزوير الوعي، ولم يدع الربوبية أو أنه ابن الله أو حلول الله فيه، لترسيخ مكانته الاجتماعية والسياسية، وأصر أنه عبد الله ورسوله. ولم يتخلَ عن صفة العبودية لله تعالى طول حياته، حتى اقترن بها اسمه في الصلاة: "أشهد أن محمدا عبده ورسوله". بينما صاحب المشروع السياسي مليء بالنرجسية والتعالي وحب السلطة والاستئثار بها. لا يكف عن تزوير الوعي وتضخيم الذات. لكن الغريب أن الرصافي رغم وضوح الأمر يصر بأن محمدا عبقري، صاحب مشروع سياسي، يهدف إلى تكريس سلطة قريش والعرب من بعدهم، وقد اكتفى بخلود ذكره عندما أضاف لشهادة الصلاة: "أشهد أن محمدا عبده ورسوله"، وللآذان الذي يرفع كل يوم خمس مرات: "وأشهد أن محمدا رسول الله". فيعتقد أن القضية مخخط لها، وتسير ضمن خطة محمد في مشروعه النهضوي.

إن ما يقوله المؤلف مجرد تكهنات وتفسيرات شخصية تأتي في سياق الاستدلال على صحة نظريته في نبوة محمد. فهو رجل هادف في كتابه، لذا كان انتقائيا رغم موقفه السلبي من التاريخ كما تقدم. واعتمد أخبار آحاد لا دليل له على صحة صدورها، سوى وجودها في بعض المصادر التاريخية التي تم تدوينها بعد البعثة بفترة طويلة جدا. فهو يعلم جيدا بقيمتها الحقيقية وقد صرح مفصلا بذلك، لكنه ستدل بها واستشهد بها، لتفسير مقاصد النبي ونصوص الكتاب الكريم. وهذا نقطة ضعف قاتلة، لا يمكن التهاون معها.

وأما عن القرآن، الوثيقة المعتمدة من قبل الجميع، فلا يوجد ما يؤكد تكريس الرسول لأي سلطة سياسية. ولم يرفع النبي في السلم والحرب سوى راية "لا إله إلا الله". وقد أهمل الكتاب الكريم الحديث عن عصَبَي الحياة، ولم يتطرق للسياسة والاقتصاد سوى مبادئ عامة. ولم يتحدث صراحة عن أي مشروع سياسي، لا نظرية، ولا نظاما، ولا مبدأ في الخلافة. ومات النبي ولم يوص لأحد من بعده. وهذا متفق عليه من قبل الجميع. وفي حياته واصل الحرب ولم يركن للتفاوض على السلطة مطلقا. ورفع شعارا واحدا: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ  فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

هذه أسئلة من حق الباحث أن يطرحها لمعرفة الحقيقة وليس تحيزا لطرف دون غيره. فهو مطالب بأدلة تثبت مدّعاه، ومن حقنا نقدها وتمحيصها، ومعارضتها بأدلة أخرى. والفرضية التي اعتمدها معروف الرصافي تكشف عن خلفيته القومية، وهذا واضح في كتابه، فالاسلام في نظره مكرّس لخدمة القومية العربية لعظمتها بين القوميات الأخرى. غير أن فرضيته اضطرته لتفسيرات خاطئة تتناقض مع آيات الكتاب، فكيف يكون عبقريا، ذكيا، وهو يتناقض مع كتابه؟ وكيف يفسر الرصافي موقف النبي الكريم من غير العرب؟ وكيف يقدم سلمان الفارسي، ويقول فيه: سلمان منا أهل البيت؟ وماذا عن بلال، وصهيب وعمار وباقي الصحابة من غير العرب؟. بينما نزل قرآن بحق عمه أبي لهب. وحارب قومه وعشيرته الأقربين. كل هذا لا يستقيم مع فرضية صاحب الكتاب. وما استشهد به من روايات لا يمكن الركون لها، على فرض صحتها، بمعزل عن ظرفها وقرائنها الحالية والمقامية. ولا يوجد ما يؤكد إرادة النبي الجدية (في الشواهد التاريخية التي ذكرها المؤلف)، فربما كانت أقواله تكتيكا لاستدراج قريش، وتشجيعهم فجاء بكلام ينسجم مع مذاقهم وتوجهاتهم، ولا يضر بالدين الحنيف ومبادئه وقيمه. قريش المسكونة بالعظمة، والملك، والسلطة، والتكبر والعنجهية.

فآيات الكتاب الحكيم تخلو من أي توجه سلطوي للرسول، ولا يوجد ما يشي بذلك فضلا عن التصريح. ولو كان يقصد السلطة حقيقة، لعبأ قريش بسهولة، لكن مطالبه دينية، ترتبط بعقيدة التوحيد، والتخلي عن عقيدة الشرك وعبادة الأصنام. فرفض حتى مهادنة من قالوا: (ما نَعْبُدُهُمْ – أي الأصنام - إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ).

ثمة حقيقة: إن ما تقدم لا ينفي البعد السياسي للإسلام كدين يطمح لبناء مجتمع مغاير في قيمه ومبادئه، يرتكز على قاعدة دينية. لكن القرآن لم يفرض على المسلمين تكليفا شرعيا بإقامة دولة دينية. ولا توجد ركائز أساسية لنظرية إسلامية – سياسية، أو معالم نظام حكم. وكل ما موجود مبادئ وقيم يمكن الارتكاز لها في مسار السياسة والسلطة، يستطيع المسلمون الارتكاز لها في تشييد دولتهم، لا كواجب ديني وتكيلف شرعي يبرر إباحة الدماء لأجلها. الدولة ضرورة اجتماعية وليست دينية، ودولة الرسول في المدينة جاءت نتيجة لتطور المجتمع المدني، وضرورات تنظيمه وقيادته. فالدولة ليست مقصودة لمحمد النبي، بل فرضتها ظروف اجتماعية وتنظيمية. فكيف استنتج معروف الرصافي رآيه بشأن دعوة النبي من بضعة روايات نقلت تصريحات للرسول في مناسبات لا نعرف شيئا عن ظروفها وقرائنها الحالية والمقالية؟. كان ينبغي له الاستشهاد بالكتاب كمدونة تاريخية مجمع عليها من قبل المسلمين وغيرهم، وسيسعفه التأويل كما أسعف الإسلام السياسي في تأويل حزمة آيات للاستدلال على وجوب قيام دولة دينية، تقيم الشريعة، وتحكم باسم الإله. لكنه يعلم جيدا لا توجد نصوص صريحة فلجأ بالفعل لتفسير الآيات بشكل يخدم هدفه كما سنرى لاحقا.

ثمة بماذا يفسر معروف الرصافي فشل المشروع السياسي الديني منذ أن فصل معاوية السلطة السياسية عن السلطة الدينية؟ وما هو سر بقاء الدين وحيويته إذا كان متقوما بالسياسة؟ إلا يدل على عدم وجود مقومات أساسية، وإن المبادئ القرآنية أطر أخلاقية لضبط أداء السلطة، كي تغادر منهج العدل والحق؟.

الصحيح أن السياسة قد توظف الدين لصالح أهدافها، وأما الدين فيبقى دينا سواء وظف السياسة لترسيخ وجوده أم لا؟. وهناك أديان عديدة ما زالت حية ولها أتباعها، أسوة بالأديان الثلاثة ولم تلجأ يوما للسياسة ولم تبشر بمشروع نهضوي. فثمة عامل مشترك بين جميع الأديان، هو سر خلودها وبقائها وديمومتها وتجددها، والإسلام منها. وهذا يرفضه الرصافي رغم وضوحه بل بداهته.

الدين مشروع روحي أساسا، هدفه تحرير وعي الإنسان من عبودية الأصنام، وتكريس كرامة الإنسان، وسيادة العدل والإنصاف، وإشاعة قيم المحبة والوئام والسلام، من أجل مجتمع فاضل، يربط الفرد بخالقه لتعميق روح التقوى والخوف من الله في تعامله مع الناس. كما جاء الإسلام ليحرر المجتمع العربي من قيم البداوة والجاهلية، أي القيم اللإنسانية التي تضطهد الطبقات المستضعفة والمرأة. وهذا ما تدل عليه نصوصه وسلوك النبي وصحابته.

يتبع في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

تعليقات (10)

  1. صالح الرزوق

لا يوجد هيكل اجتماعي واضح و لا سياسي في الدعوة المحمدية،
كانت الفكرة ثورة البسطاء على ظروفهم القهرية و الاستفادة من رحمة الله و الوحي و المنزل من السماء بشكل ايات متفرقة،
لا يمكنني ان اعزو اي نظام او دستور للحركة الاسلامية، و لم تكن هناك دواوين و لا سعاة و لا حاجب طوال فترة البعثة بشطريها، مكة و المدينة، و الحواريون الذين نعرف انهم الصحابة، كانوا يتطوعون لخدمة العقيدة بمختلف مشاربهم، بينهم الغني و الفقير، و العربي و الاغيار،
و هذا ضد ابسط مبادئ التكوينات ذات العقل المركزي،
ان ما رغب به الاسلام هو نقل الواقع الروحي للمنطقة بشعوبها و بنظامها المعرفي من طور الى اخر تكون فيه الغلبة لتحسين مستوى الحياة الانسانية،
و هذه الرافعة لم تستعمل ادوات غريبة، كانت تعمل من داخل المنظومة و من ضمن البديل لطابعها الروحي الذي انقلب على إله متحجر و قلبه محروم من الاحاسيس و العواطف و تراكمت عليه غبار السنوات،
و ما كان يتحقق بالتكافل، سرعان ما بدأ يتحقق بالمحاصصة، لكل حسب جهده، و لكل محتاج نصيب.
لكن هذه المرحلة الذهبية و بعقلها غير المتمايز و بروحها المتعالية لم تستمر طويلا، و تلك حكاية مختلفة.
فالانتقال من طور الدعوة الى طور دولة البلاط كان ثمنه تحقيق انقلاب على الاسلام، مثل انقلاب عارف على قاسم، مع انه من اذاع البيان رقم واحد للثورة على الملكية،
لقد اذاع الامويون بيانهم الاول ضد اسلام الدعوة، و عادوا بالبلاد لسابق عهدها البيزنطي، و كل ما حصل هو تعريب للبلاط و الدواوين، و بقيت الهياكل على حالها،
و الأدلة موجودة في الكتب و ليس هنا مكان ذكرها.
استاذ ماجد، انت قلم جريء، و لذلك اود ان افتح لك جزءا من باب قلبي،
العجيلي عرب بلزاك و زولا، و محفوظ عرب ثاكري و ديكنز،
لقد استعملا ادوات غربية للإعراب عن مشاعر طبقة بورجوازية صاعدة و طبقة اقطاعية تتعرض للتجريف و الانهيار،
و هذا هو حال الامويين،
عربوا الادوات البيزنطية و افسحوا المجال لبورجوازية تجارية نامية على حساب شبكة تجارية كومبرادورية تسمى البورجوازية الكبيرة ( ماكرو).

 
  1. ماجد الغرباوي    صالح الرزوق

صديقي العزيز الاخ الاستاذ الدكتور صالح الرزوق شكرا لمشاعرك وحسن ظنك، يكفيني رضاك وانت الناقد والكتاب القدير. شكرا للمداخلة القيمة. وشكرا لقلبك ينبض مودة

 
  1. ابو سجاد

شكرا للاستاذ والمفكر والعالم ماجد الغرباوي على هذا الشرح المفصل والرد الوافي على اسالة الاستاذ الفاضل والشاعر والاديب نور الدين صمود حول كتاب الشاعر معروف الرصافي الشخصية المحمدية الذي قراناه وكانت لنا هناك وقفات كثيرة حول ماطرحه الكاتب ولكن بعدما فاض علينا الاستاذ الغرباوي تبين لنا الكثير واصبح الامر يسيرا في فهم مغزى وهدف الكاتب من خلال شرحكم والادلة التي سقتموها من خلال مقالاتكم ونتمنى منكم المزيد
ودمتم سالمين

 
  1. ماجد الغرباوي    ابو سجاد

مرحبا بالاخ الاستاذ ابو سجاد، شكرا لمطالعتك الحوار، اسعدني رضاك. نحن بحاجة للموضوعية والتجرد في تناول القضايا العقائدية، التي تسببت البحوث الايديولوجية الى تشوييها، وتطورها بشكل ابعدها عن حقيقتها ووظيفتها في الحياة ، لك خالص الاحترام

 
  1. جمعة عبدالله

هذا المتوقع من استاذنا الكبير . التحليل العلمي الرصين والهادئ في رحابة الصدر . في تعرضلأخطر القضايا الحساسة والمهمة , وكذلك في تفنيد مزاعم كتاب الشاعر معروف الرصافي ( الشخصية المحمدية ) , وتبطيل ذرائعه , بتأني ورؤية علمية موضوعية , يثبت فيها , براعة الاعجاز القرأني ومعاني الرسالة النبوية , بالبراهين المقنعة , وبالشرح الوافي . بقلم علمي صريح وجريء
اطال الله في عمركم بالصحة والعافية

 

تحياتي للاخ الكاتب والناقد جمعة عبد الله، وشكرا لمشاعرك وحسن ظنك باخيك. مع خالص الاحترام والتقدير

 
  1. ثائر عبد الكريم

شكراً للاخ الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على تناوله لهذه المواضيع المهمة.
انها مقابلات شيقة جداً تطرح امور و معلومات لم نكن نعرفها من قبل عن ديننا.
و رغم انشغالي في العمل لكن خصصت وقتاً لمتابعتها و البحث في امور الدين.

بالنسبة الى كتاب معروف الرصافي لا اعتقد انه مؤلفه؟. و فيه الكثير من التناقضات و الانحياز التي شخصها الدكتور الغرباوي؛ بالاضافة الى مصادره حيث ان الكتاب انجز في سنة 1933 و لكن توجد به مصادر لسنة 1943 و 1966. انا اعتقد ان وراءه جهة معينة لها اهدافها و تحاول ان تنال من القرآن و تثير الشكوك فيه.

انا اعتقد انه توجد لدينا مشكلة كبيرة جداً في فهم سور و آيات الدين الاسلامي ؛ و السبب يعود بشكل رئيسي الى ان آيات القرآن الموجودة لدينا في كتب القرآن المتداول يومياً ليست متسلسلة حسب تاريخ نزولها . و هذا يقود الى عدم الوضوح في فهم الآيات القرآنية بشكل معمق و فهم الظروف التي انزلت فيها في وقتها . و السبب لان افكارها متبعثرة و لا نعرف اين بداية القرآن و اين نهايته؟؟؟. و هذا الموضوع يولد الشكوك عند الكثيرين في صحة القرآن الكريم. و حتى من المسلمين نسمع اسئلة يطروحونها و هي كيف ان القرآن يدعو الى القتال و الجهاد و الجزية و كيف في نفس الوقت يدعو للتسامح؟؟؟.
اعتقد ان هذه الامور تتوضح بشكل جلي اذا عرفنا تسلسل نزول السور و الايات القرآنية و ظروف نزولها.
و حالتنا تشبه حالة كتاب يتحدث عن موضوع معين و مرتب بشكل غير متسلسل في افكاره. مثلاً الفصل الثاني يأخذ مكان الفصل السادس و السادس يأخذ مكان الفصل الثالث -- و هذا. و هنا تضيع فكرة الكتاب و تصعب متابعتها.

نحن نعرف ان هنالك آيات مكية و آيات مدنية ( او تسمى هجرية) و لكن لا نعرف تسلسل الايات المكية ضمن البعد الزمني و ظرف نزولها و كذلك لا نعرف تسلسل الايات المدنية و احياناً نخلط بين الاثنين. و لا نعرف لماذا اهمل تدوين الآيات القرآنية الى زمن الخليفة عثمان؟؟. هل كان هنالك مدونين (كتبة للقرآن) في زمن الرسول او زمن ابو بكر و زمن عمر ابن الخطاب؟؟؟.

و انا شخصياً لا اعرف هل ان سور القتال و الجهاد قبل او بعد آيات التسامح مثلاً ( لا اكره في الدين ---- ) و فمن شاء فليؤمن و من شاء فيكفر---الخ.
وهل ان آيات النسخ اي نسخ الاحكام الشرعية تقع بين هذين النوعين من الايات؟؟. و هل هي سور مكية ام مدنية؟؟؟.

اذا عرفنا تسلسل الايات حسب بعديها الزماني و المكاني نستطيع بشكل سهل جداً ان نرد على كل الشكوك المتعلقة بالقرآن. و كذلك يساعدنا هذا في فهم تطور نشوء الدين الاسلامي من بداية نزول القرآن الى نهايته.

توجد الكثير من المصادر في الانترنت و لكن كلها مختلفة عن بعضها البعض في السرد التاريخي لسور القرآن و لا نعرف من هو الصحيح و من هو الخطأ. ؟؟؟؟.

المصدر التالي احد المصادر التي وجدتها ( PDF File ).

عنوانه: القرآن الكريم: بالتسلسل التاريخي وفقًا للأزھر
المؤلف: الدكتور سامي عوض الذيب أبو ساحلیة
مدير مركز القانون العربي والإسلامي

اربعة انواع من التسلسلات و هي:
1- تسلسل الآيات في القرآن الحالي قرآن عثمان- القرآن الحالي المتداول
2- تسلسل الازهر الازهر
3- تسلسل بلاشير
4- تسلسل نولدكه

مثلاً سورة الفاتحة -بداية القرآن. تسلسل قرآن عثمان اعطاها رقم (1)؛ تسلسل الازهر اعطاها رقم (5) ؛ تسلسل بلاشير اعطاها رقم (46) ؛ تسلسل نولدكه اعطاها رقم (48). سورة مكية. ؟؟

سورة البقرة تسلسلها هو : 2 ؛ 87؛ 93؛ و 91 في كل من قرآن عثمان؛ الازهر ؛ بلاشير و نولدكه على التوالي. هجرية؟؟؟؟. كيف تكون هجرية و هي في بداية القرآن؟؟؟.
ارجو من الاخ الدكتور ماجد الغرباوي ان يسلط الضوء على هذه الامور لانها تجيب على الكثير من الاسئلة و تضعنا في المدار الصحيح في فهم ديننا .
آسف على الاطالة
تحية مرة اخرى الى استاذنا الفاضل و مزيداً من العطاء التنويري
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

 

شكرا لك الاخ الاستاذ الدكتور ثائر عبد الكريم، وشكرا لحضورك الفاعل، في الحلقة 29 حديث مفصل عن النسخ. وترتيب تاريخ الايات رغم اهميته لكن ينبغي ان لا يعمل بالية النسخ، كأن ينسخ المتاخر المتقدم، والا لن يبقي شي، لان اخر ما نزل على النبي سورة التوبة التي اشتملت على اية السيف، والتي يحتج بها السلفيون والتكفيريون على شرعية النسخ، وبها يقتلون المسلمين قبل غيرهم. وسناتي الى جوانب اخرى، تحياتي

 

احيانا اتساءل في تعجب لماذا ننظر الى حضارتنا الاسلامية بالمنظار الاسود؟!!! لماذا هذه النظرة الدونية!!! لماذا نفقد الاعتزاز بحضارتنا و على الاسس التي اقيمت عليها؟؟؟...لو تعمقنا في الحضارات بصفة عامة عبر العصور والتاريخ لوجدنا الحضارة الاسلامية ارحم بكثير من الحضارات الاخرى و ذلك من الناحية الاستبدادية ان صح التعبير و من الناحية الانسانية و من الناحية الدموية الحضارة الاسلامية كانت رحيمة بالنساء او بالمراة بصفة عامة وبالاطفال و الشيوخ و ذلك في الحرب و السلم لم نقرا يوما ان الحضارة الاسلامية حرقت بلادا حين غزتها او اقتلعت اشجارها او خربت معمارها بل حسنت من كل شيئ. الحضارة الاسلامية لما دخلت صقلية مثلا ادخلت اليها جل الاشجار المثمرة والقانون الاسلامي وغير ذلك من المحاسن في السلوك العامة و الخاصة و المبادئ و القيم و الاخلاق وهندسة الري التي الى الان معمول بها في حين ان الحضارة الرومانية لما دخلت قرطاج دمرتها ماديا و معنويا حرقت المزارع و اشجار الزيتون بل اقتلعتها قلعا وغيرها من الاشجار لنقل باختصار هي صحرت قرطاج وقتلت واغتصبت النساء و الحضارة الصينية هي الاخرى كانت المقصلة الاشد فتكا و قساوة و ضراوة على الانسان بل هي السلوك العادل و الرابض على الرقاب لا تترك للانسان نفسا يتنفسه و الحضارة المغولية ليست خيرا منها و الحضارة الفرنسية و الثورة البلشفية ولحضارة الاماريكية هذه الحضارة المعاصرة الكل ينظر الى نفسه صاغرا ظنا منه انها اعدل الحضارات على الاطلاق ماذا فعلت بالعراق و العراقيين و جيشها المستتر تحت مسمى داعش و الدولة الاسلامية ورئيس كوريا الشمالية ماذا فعل بزوج عمته وبوزير دفاعه ذكرت ما ذكرت على سبيل المثال لا الحضر. عرف التاريخ حضارات همجية جهنمية اشد و انكل و اقسى من الحضارة الاسلامية.لكننا نحن العرب و المسلمون دائما ننظر الى حضارتنا بالنظرة السوداء و نقذفها لانها لا تعجبنا و لاننا نطمح الى ان نكون احسن الحضارات على الطلاق و اكملها. الاديبة و الكاتبة و الناقدة و الشاعرة فوزية بن حورية

 

لا ادري بالضبط ماذا تقصد الكاتبة بهذا التعليق، فليس في الحوار تزكية للحضارات الاخرى، و كلامي في سياق الحوار، مع كتاب يريد سلب الدعوة المحمدية قدسيتها بدعوى انها دعوة من اجل قيام نهضة حضارية عربية. اتمنى اعادة قراءة الحوار مع الاحترام

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4061 المصادف: 2017-10-18 08:05:43