المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (34): اشتغالات النص القرآني

majed algharbawi7خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يتحدث عن قيمة الأدلة القرآنية، وفقا لما جاء في كتاب: الشخصية المحمدية التي دارت حولها الحلقات الأخيرة.

 

اشتغالات النص القرآني

ماجد الغرباوي: تقدّم أن الجميع اعترف بمغايرة وتعالي وغرائبية القرآن، وقدرته على التحدي في حقيقته، وبراعته في ربط الإنسان باللامعقول، وانشداده للغيب، وتعبئته روحيا ونفسيا. وقد تفرّد بخصائصه منذ عصر الوحي، مما يؤكد تفوقه وصدق نسبته للوحي. وهذه نتيجة مهمة، تساعد على نقد أفكار الكتاب الذي نحن بصدده، مهما كان حجم الملاحظات التي تسجل ضده. فقد نتفق أو نختلف حولها، وفقا لمنهجنا في قراءة النص، وأدواتنا المعرفية في فهم مقاصده وغاياته. المؤلف لا ينكر عظمة ما جاء به محمد، ومنذ الصفحة الأولى راح يشيد به بقوة، لكنه يرمى بنقده سلب قدسيته وتكذيب نسبته للوحي. وهذا لا يتحقق له مع اعترافه ولو ضمنيا بأنه كتاب مختلف. وقد مر الحديث عن طبيعة تحدي القرآن، وقلنا إنه يتحدى بحقيقته ومغايرته وغرائبيته، وليس في تفصيلاته. وبينا حقيقة حفظه في آية: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).

واتضح أيضا ضعف أدلته التي استدل بها على صحة رأيه، حيث يرى أن مشروع محمد ليس دينيا محضا بل ديني سياسي اجتماعي يروم من خلاله احداث نهضة. وبالتالي تحقق البعد الديني أم لم يتحقق ليس مهما، ما برح الدين وسيلة وغاية لتحقيق تلك النهضة. بذلك نفى نسبة القرآن للوحي، واعتبره منجزا بشريا، كتبه محمد لهذه الغاية. بل وأنكر جوهر العقيدة الإسلامية كما سيأتي. لكن اتضح لم يتمكن نفي نسبة الكتاب للوحي، ولم يستطع إثبات صحة فهمه للدعوة المحمدية. فقد تلاشت حضارة المسلمين بعد القرن الرابع الهجري وبقي الإسلام يمثل هوية المسلمين، يتفاعلون معه، ويدافعون عنه. ويلتزمون بأحكامه وعباداته ولو نسبيا. فلماذا لم ينطفئ مع انهيارها؟

غير أن المؤلف لم يكتف بشواهد تأريخية كأدلة على صحة رأيه، بل راح يستعين بتفسير الآيات، وتقديم فلسفة جديدة لبعض الأحكام الشرعية تخدم فرضيته. إلا أنها مجرد وجهة نظر خاصة به لم ترقَ لمستوى الدليل المعارض، يمكن نقضها في ضوء سياق الآيات القرآنية الأخرى. فمثلا: استشهد بـ"الجزية" دليلا على صحة فرضيته التي يلخّصها قوله: (إن الغاية التي يرمى لها محمد من الدعوة إلى الله أو من النبوة ليست بدينية محضة، بدليل أنه قبل الجزية من غير العرب من أهل الكتاب والمجوس، إذ لا ريب أن أخذ الجزية منهم وتركهم على ما هم عليه من الكفر والضلال ينافي أنه لم يرسل إلا لدعوة الناس كافة إلى التوحيد. أي عبادة الله وحده لا شريك له).

من حق الجميع نقد القرآن، خاصة من يعتقد أنه منجز بشري، ولست بصدد مصادرة رأي المؤلف، بل ينبغي التحلي بالموضوعية في تحري صدقية استدلالاته. وقد بينت في حلقة سابقة بعض ثغرات منهجه النقدي، التي منها سطوة قبلياته على البحث. وما زالت تلك الأحكام الجاهزة تفرض نفسها وهو يحاكم نصوص الكتاب الكريم. فضلا عن انتقائيته في اعتماد الروايات التاريخية. المؤلف انطلق من فرضية مسبقة راح يعيد بها قراءة وفهم النصوص القرآنية، ويحشد لها شواهد تاريخية، وهذا خلاف التجرد والموضوعية. فنتيجة البحث مقررة مسبقا، بها يعيد قراءة الكتاب الكريم، ولم تأت نتيجة بحث ودراسة واستقصاء، كما هو مقتضى المناهج العلمية. بمعنى آخر، الرجل يتبني فكرة، لأي سبب كان، يبحث لها عن أدلة، فتارة يستعين بالسيرة والتاريخ بمنهج انتقائي، وأخرى يلوذ بالتأويل والابتعاد عن المقاصد الحقيقية للنص القرآني. وهذا أسلوب خاطئ، ينأى به عن الموضوعية، ويفقد البحث قيمته العلمية. ويصبح كتابه كتابا أيديولوجيا، بقصد الطعن بالدين بغطاء جميل اسمه النهضة العربية الكبري، كما يعبر. لذا لا يتردد بتبنى الفكر الاستشراقي وآرائه عن الإسلام ومحمد النبي.

إن استشهاده بمثال الجزية لم يكن موفقا لأنها غير منقطعة عن سياقها التاريخي. وليست حكما ابتدائيا خص به أهل الكتاب. بل ثمة أسباب فرضت الجزية، تنتفي بانتفائها. الجزية ضريبة مالية فرضها القرآن على خصوص من أصرّ على محاربة الرسالة والرسول من أهل الكتاب، وليست ضريبة مطلقة في كل زمان ومكان فلا تشمل غيرهم. بل أكثر من ذلك، لم تفرض الجزية بدلا عن حمايتهم وعدم تجنيدهم ضمن جيوش المسلمين، كما ذهب إلى ذلك كل من عجز عن فهم مقاصدها، وجميع فقهاء السلطة لشرعنة استيفائها.

الجزية ضريبة تأديبية مؤقتة، فرضتها ظروف الحرب آنذاك، فينبغي فهم ملابساتها التاريخية في ضوء سياق الأحداث وثوابت القرآن، الذي يفسّر بعضه بعضا، وفقا لنسق آياته ومنطقه الداخلي القائم برد المتشابهات إلى المحكم من آياته. بل يجب قراءة كل قضية قرآنية في سياقها التاريخي، وإلا ستصبح الأحكام الشرعية فوضى كما هي الآن. الفقهاء قاطبة إلا ما ندر لا يعتنون بتاريخ الحكم، ولا يتحرون فلسفته، لذا تضخمت الأحكام الشرعية، وغدت سياطا لجلد الناس وقمعهم في إطلاقاتها وتعميماتها وسعتها. وبات المتدين يتعثّر بين العنف والخرافة، لا يعرف كيف يسترد ذاته وحيثيته. مغمور في مستنقع العبودية ويحسب أنه تحرر من ربقة الأوثان.

ما تقدم عن الجزية ليس دفاعا ولا تبريرا للقرآن والإسلام، بل هي منهجية فهم النص، أي نص كان، والنص القرآني منها. فأحد مشاكل الفهم الديني هي تجريد النص القرآني من تاريخيته، والتعامل مباشرة مع ظاهره دون الرجوع لسياق الآية والظروف والقرائن المحيطة بها. وهذا يفقد النصوص مرونتها، وقابليتها على التجديد وفقا لضرورات الإنسان والمجتمع.

كل نص قرآني يشتغل في دلالته ضمن سياقه التاريخي وفي إطار ركائز الكتاب ومقاصده وغاياته. والجزية ليست حكما مطلقا ليستدل به الرصافي لتعزيز فرضيته حول الهدف الأساس من الدعوة المحمدية. بل هي حكم استثنائي، مقيد بموقف الإسلام من الآخر. وهو موقف واضح صريح في عدد كبير من آيات التسامح والرحمة والعفو التي تبقى ثوابت قرآنية تفرض نفسها مهما حاول الالتفاف على فعليتها القائلون بالنسخ، المولعون بسفك الدماء، ومنهم التكفيريون الذين أهلكوا الحرث والنسل بسبب اصرارهم على نسخ كل ما سبق آية السيف التي مر تفصيل الحديث عنها في الحلقة (28) من هذا الحوار.

إن أول خطأ وقع فيه المؤلف خلال استدلاله، أو كان يقصده، حينما فسّر مراد القرآن من "دعوة الناس كافة إلى التوحيد" بإرغام الناس على الإسلام عنوة. فساوق بين الدعوة والإرغام، وهذا يتعارض مع صريح الآية الكريمة التي قيّدت النبي في دعوته للناس كافة بأن يكون بشيرا ونذيرا: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). فكيف استفاد الإرغام والجبر على الإسلام من هذه الآية؟. فهل يفهم من الإنذار الإرغام، وهو الخبير باللغة العربية؟ أم أراد التمويه على القارئ ليصل إلى مراده؟. كان ينبغي له أولا أن يستدل أن المراد بالدعوة خصوص الإرغام الذي يلازم استخدام القوة والعنف، ثم بعد ذلك يرتّب على كلامه ما يريد. والآية كما تقدم واضحة في مفادها لا تحتاج لأي عناء، أن محمدا مرسل للناس كافة، بشيرا ونذيرا، وليس أكثر من هنا.

ثم إن الموقف من الآخر المختلف دينيا قائم على عدم الإكراه فصلا عن الإجبار والإكراه: (لا إكراه في الدين). و(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا). وهذا محدد أساس في الدعوة لا يمكنه الحياد عنه، لأنها آيات صريحة واضحة فهي من الآيات المحكمة التي بها نفهم ونفسّر الآيات المتشابهات التي يلتبس فهمها أو تتعارض مع آيات أخرى. كما أن أسلوب الدعوة القائم على الحكمة والموعظة، وليس الإرغام، محدد آخر لها، يتنافى صراحة مع فهم الكاتب: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). بعيدا عن العنف والقوة والإرغام. فينبغي عدم الخلط بين سلمية الدعوة، التي هي أساس وثابت قرآني، والدفاع عن النفس الذي اضطر المسلمين لحمل السلاح.

وبهذا يتضح حجم التناقض بين الآيات وقوله: (لا ريب أن أخذ الجزية منهم وتركهم على ما هم عليه من الكفر والضلال ينافي أنه لم يرسل إلا لدعوة الناس كافة إلى التوحيد. أي عبادة الله وحده لا شريك له). فالجزية لا تقايض بقاءهم على دينهم، لأنهم أساسا أحرار، ولم يجبرهم أحد على دخول الإسلام، لذا آية الجزية لم تتطرق لهذا الموضوع ولم تطالبهم بالتخلي عن دينهم. كما إن عقوبة الاصرار على الكفر عقوبة أخروية وليست دنيوية، ما لم يكن الكافر محاربا، فيجب الدفاع عن النفس بل وملاحقته مع اصراره على حمل السلام. كما هو الموقف مع مشركي قريش.

وأما الاشتباك العسكري مع أهل الكتاب في حينه أسبابه معروفة تاريخيا، ملخصها: (خيانة، تواطؤ مع العدو، حرابة وعدوانية). فالجزية كانت إجراء تأديبيا، لخيانتهم شروط معاهدة المدينة، التي ضمنت لهم حقهم في البقاء على دينهم، لكنهم نكثوا العهود والمواثيق وتواطؤوا مع قريش ضدهم. وبهذا التواطؤ والإصراردخلوا الحرب فعلا.  فمواصلة الخيانة تكشف عن وجود نوايا عدوانية، واصرار على محاربة المسلمين والدعوة المحمدية. فيصدق أنهم محاربون فعلا وبالقوة، فيستحقون الملاحقة العسكرية، لتكرر خيانتهم وعدوانهم، حتى بات من الصعب الوثوق بكلامهم ومواثيقهم.  فالجزية قصدت هؤلاء بالذات، لذا حددت أوصافهم في إجراء احترازي، كي لا تطال العقوبة غير المحاربين من أهل الكتاب. (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ).

الآية واضحة لم تقايض كفرهم وضلالتهم بالجزية كما يعتقد صاحب الكتاب أو أراد أن يلقي شبهة في سمع المتلقي. بل كانت الجزية مقابل الكف عن قتلهم وملاحقتهم حينما استجاروا بالنبي في كل خيانة ومواجهة مع المسلمين. فالجزية تأتي ضمانا لصدق تعهدهم. وبالضرورة سيكون عدم دفعها تمردا وإعلان حرب. بمعنى آخر: فرض الجزية يدل على عدم وثوق المسلمين بمواثيق أهل الكتاب ممن تكررت خيانتهم، ودفعها يدل على حسن نواياهم وصدق تعهدهم. وهي مرحلة تاريخية لم تشمل سوى الفئة المحاربة من أهل الكتاب (وهم اليهود).

إن تطبيق حكم الجزية فيما بعد من قبل خلفاء المسلمين على غير هؤلاء المحاربين يعد تعسفا لا دليل عليه سوى تشبث غير علمي بظاهر إطلاق الآية. بل هي إرادة سياسية، لا فرق بينها وبين إعلان الجهاد، الذي انتفت فعليته بانتصار الدعوة ووفاة الرسول لكنهم أصروا على تفعيله لبسط نفوذهم وسلطانهم. وإنما أقول غير علمي لأن الآية أدرجت أوصافهم ضمن تشريع الحكم، فهي جزء من موضوع الحكم. فتختص بهم دون غيرهم. فالحكم ليس مطلقا في جميع الأحوال والأزمان، بل هو مأخوذ على نحو القضية الخارجية كما يعبّر الأصوليون، أي أن الحكم ناظر لخصوص من خان المواثيق وحارب الرسول فعلا من أهل الكتاب. فلا إطلاق للحكم في غير هذه الحالات. فهو حكم مؤقت، مرهون بظرفه، يندثر بمرور الأيام. لكن للأسف استغل الحكّام المسلمون بعد عصر البعثة الجزية في اضطهاد أهل الكتاب، وأجبروهم على دفعها بشكل مذل لكرامتهم الإنسانية على الضد من قيم القرآن التي تؤكد على كرامة بني آدم بغض النظر عن أي توجه آخر. وصارت الجزية بالفعل موردا ماليا لخزينة الخلافة، على حساب أصحابه.

إن كلمة "صاغرين" المذكورة في آية (حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)، لا تعني إذلال أهل الكتاب مطلقا وإرغامهم على دفع الجزية على كل حال، وبطريقة مذلة تهين كرامتهم. بل هي وصف لهؤلاء المحاربين التي ذكرت الآية صفاتهم، فإنهم سيشعرون بالذل جزاء خيانتهم لعهودهم ومواثيقهم، فهي عقوبة نفسية أكثر منها مادية، ترافقهم مدى الحياة. فـ"صاغرين" جاءت لوصف حالتهم النفسية وهم يدفعون الجزية مجبرين، بما جنت أيديهم، حيث يشعرون بالذلة والمهانة. وليست هي أمرا وواجبا في موازة حكم دفع الجزية، كي يجبر على أن يدفعها بشكل مذل. هذا تفسير خاطئ، لكن للأسف أن بعض الفقهاء اللانسانيين، يفسرون قوله: "وهم صاغرين" بضرب أهل الكتاب بعد دفع الجزية، وتوبيخهم، وإهانتهم. فهل ينتمي هؤلاء لقيم الدين الحنيف، أم أدوات مأجورة في أروقة السلطة؟.

كم شوّه فقهاء الإسلام دين محمد بن عبد الله؟. فطالما قدموا الروايات وسيرة الصحابة بل والخلفاء على الآيات من أجل مكاسب سياسية وعدوانية. إنها الروح القبلية الدموية تجري في عروقهم. مخجل عندما تقرأ التاريخ في تعاملهم مع أهل الكتاب خاصة ما جرى عليهم في ظل الدولة العثمانية من تمييز وأحكام جارحة لكرامتهم وإنسانيتهم، فكانوا يستبعدون من وظائف الدولة والخدمة العسكرية إرتكازا لهذه الآية. لقد كان اضطهادا حقيقيا أعان عليه رجال الدين ومشيخة الإسلام بحجة تطبيق الشريعة فشوهوا معالم الدين وسماحته. لقد كان الجزية في زمن الدولة العثمانية ابتزازا مقصودا، تسبب في تأليبهم ضد سلطنة الخلافة وضد كل ما ينتمي للإسلام من أحكام وشرائع. فاضطروا لتشكيل جمعيات سرية سعيا للتحرر من قبضة الشريعة والسلطة العثمانية. فكانوا وراء أغلب حركات التحرر العربي، والدعوات التي ارتفعت ضد العثمانيين. وهذا رد فعل طبيعي يفعله كل مضطهد في العالم، لا يلامون عليه، ما لم يصل حد الخيانة والتواطؤ ضد الاستعمار.

كان ينبغي لرجل الدين اتخاذ موقف صارم ضد اضطهاد غير المسلم، وكان عليهم أيضا الاصطفاف معهم ليبينوا لهم حقيقة الموقف الإسلامي، وحجم تباينه مع السياسة العثمانية. إنه حديث مؤلم يجرح القلب. كان ينبغي اللجوء إلى القرآن لفهم مقاصده وأحكامهم، لكنهم يلوذون بالتاريخ والسيرة بما في ذلك سيرة الصحابة بل وسيرة خلفاء المسلمين من أجل شرعنة السلطة، ولو على حساب الدين وقيمه. "صاغرين" وصف لحالتهم خلال الدفع. ولو كان أمرا شرعيا لجاءت الكلمة بصيغة الأمر أو ما يدل عليه. وهذا منتفٍ، وهم يعلمون ذلك جيدا، لكنهم يتوسلون بروايات لا يمكن الجزم بصحة صدورها. وعمدة أدلتهم ما ينقل من سيرة الصحابة والخلفاء المسلمين.

ثم يقول صاحب الكتاب: (فقبول الجزية من هؤلاء دون مشركي العرب يدل دلالة واضحة على أن الغاية ليست بدينية محضة، إنما الغاية التي يرمي إليها محمد هي إحداث نهضة عربية دينية اجتماعية سياسية، تكون عربية المبتدأ عالمية المنتهى، أي يقوم بها العرب بدء الأمر ثم تعم وتشمل الناس جميعا في النهاية). وهذا فهم ينسجم مع قبلياته، وهو وجهة نظر خاصة به، أصرّ عليها لتأكيد صحة آرائه.

لكن لماذا لا نفهم الأمر بشكل مغاير؟. فالثابت تاريخيا أن النبي واصل حربه ضد قريش حتى فتح مكة. بينما اكتفى بالجزية دون ملاحقة أهل الكتاب، مراعاة لدينهم، وارتكازا للآيات التي حددت طبيعة العلاقة بهم. ولا شك أن دفع الجزية أهون من القتل رغم عدوانية العدو. وقد خفف على أهل الكتاب وشدد على مشركي الجزيرة العربية. كما له موقف مسبق حينما أجلى بعضهم دون حرب وقتال (بني قينقاع وبني النضير)، وهذا موقف مسالم، غير عدواني، مع قدرته على قتلهم. بل في وثيقة المدينة التي كتبها من أجل عيش مشترك دليل واضح على حسن نواياه، واحترام عقائدهم ودياناتهم. لكنهم خانوا العقد والانحياز للحرب مع قريش، فكانت الجزية إجراء لا بد منه تفاديا لسفك دمائهم.

فالكاتب جانب الحقيقة عندما رادف بين الدعوة إلى الناس كافة والإرغام، من أجل الظهور بنتيجة تخدم هدفه، ومفادها: أن الدعوة للناس كافة تقتضي إرغامهم عليها، لكنها تنازل عن هذا المبدأ وأخذ الجزية من أهل الكتاب لتأمين ميزانية النهضة العربية. لأنها بحاجة إلى مال، يقول: (ولا شك أن مثل هذه النهضة تحتاج في سيرها وتكاملها إلى المال، ففتح لهم هذه الموارد المالية).

ثم ما قيمة عوائد الجزية (آنذاك) قياسا بما غنمه المسلمون من حروبهم؟ وكم هو عدد الملزَمين بدفعها كي تصبح الجزية رافدا أساسيا لخزينة الدولة الإسلامية في زمن النبي؟. لقد ذكرت ضمن تحفظي على فتوحات الخلفاء المسلمين في كتاب: تحديات العنف، أن هدف الغزوات بعد النبي لم يكن دينيا، بل هي حروب توسعية، تهدف أيضا إلى إشغال المسلمين بالحروب، بعيدا عن مركز الخلافة، وملاحقة الخليفة بالنقد والمتابعة. والحصول على أكبر كمية من الغنائم، التي تعد مصدرا أساسا لميزانية الخلافة. ولماذا لم يكتف النبي بتشريع الزكاة رافدا للنهضة العربية، وهي ضريبة شاملة، تشمل حزمة واسعة من الأموال، ولا تستثنى أحدا. صاحب الكتاب عمم عائدات الجزية بأثر رجعي لتشمل ما تقاضاه النبي والصحابة من أهل الكتاب. والأمر ليس كذلك حيث توسعت الفتوحت وشملت الجزية أعدادا كبيرة فيما بعد.

وبالتالي لم يكن الرصافي موفقا في فهمه لتشريع الجزية، الذي هو تشريع مؤقت، مرحلي، فرضته ضرورات توتر العلاقة، ودخولها نفق المعارك العسكرية، مع اصرار الآخر على الحرب. ولا يمكنه الاستدلال به مع وجود تفسير موازٍ. وما ذكره لحد الآن من أدلة لا يدعم فرضيته: بأن غاية محمد إحداث نهضة شاملة يقودها العرب، بل احتمال أن دعوته دعوة دينية محضة ما زال هو الأرجح. ولا مانع أن يدفع الدين باتجاه نهضة شاملة، لكنه من حيث المبتدأ دعوته دعوة دينية لنبذ الشرك وتوحيد الخالق.

يتبع في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

تعليقات (4)

  1. صالح الرزوق

موضوع الجزية كان في الأساس لاختبار طاعة وولاء المحاربين الذين حملوا السلاح ضد الدعوة، و في المناطق المحررة،
نفهم من هذا الكلام انها اجراء مشروط، الشرط الاول من يدفع الجزية هو من اشترك في المعركة ضد المسلمين، الشرط الثاني انه في منطقة محررة، و عليه تقديم واجب الولاء بالماديات و المعنويات. لضمان شره.
و لكن تطبيق هذه القاعدة الذهبية عانى من قصور و خلل لاحقا.
فقد تحولت المسألة الى ضرائب خاصة على اساس التمايز بالدين او بالعرق او بكليهما.
و هذا يشبه تكاليف ادارة حياة الأغيار.
حتى الدول الاشتراكية في السبعينات كانت تعامل السائح بهذه الطريقة و تفرض عليه ضريبة يومية، لأن السلع لديهم معفاة من ضريبة الاستهلاك، بينما يدفع المواطن الغربي vat.
و كما اعتقد ان قانون الجزية بفهمه الحالي و الذي تراكمت عليه سوء فهم لسنوات لا علاقة له بالواقع، و لا سيما ان الشعوب المسلمة تعيش في دول اضعف عسكريا و حضاريا،
و فرض الجزية على الآخر لا معنى له و بالأخص اننا نشتري ادوات السيطرة و القوة من الآخر نفسه. و حدودنا رهن لتوازنات دولية يحددها الاخر و ليس نحن. كيفما فكرت بالمسألة تلاحظ انها غريبة و مدعاة للفكاهة، ان تأخذ بيد و تدفع لمن اخذت منه باليد الأخرى.
و لكن أسأل نفسي و انا لا اعرف الجواب: كان في بلاط بني امية و العباس و في قصور الاندلس الكثير من المستشارين اليهود و المسيحيين، كيف تم التعامل معهم، هل اقتطعوا الجزية من جعالاتهم ام ان الكيل بمكيالين هو الذي حكم هذا القانون المضحك.
اعتقد انه آن الأوان لاعادة كتابة تاريخنا الاسلامي و اعادة تبويب كتب التربية الاسلامية ، ما معنى ان تربي الأولاد على تاريخ قوة نتعلمه في فترة تدهور و انحطاط، ان لم يكن الاطار التاريخي واضحا لا يمكن تفسير الظواهر التاريخية و منها العقيدة، فاذا كنا نريد لها ان تكون صالحة لكل العصور لا بد ان نتعلمها بشكل واقعي،
و ان لا نشحن الصغار بمشاعر المجد الزائل، لان الاستيقاظ على غبار الواقع سيتسبب بحفرة نفسية و سرعان ما نسقط فيها، و ندخل في غيبوبة المعرفة، بمعنى اننا نعيش منومين مغناطيسيا و مؤمنين بفكرة الموت المجاني و الاعمال الفردية البطولية. و هذا لا يفيد احدا، او ننتقل للصف الآخر و نذوب فيه كلية و نرفد حضارته. و هذه هجرة نفسية و عرقية معاكسة كما حصل مع الخوارزمي و الشيرازي و الشهرستاني و الإمام جمال الدين الأفغاني، فقد رفدوا الثقافة العربية تحت شعار الإسلاميات.
و يكفي ان اسوق كمثال الدكتور نسيم طالب، و إيهاب حسن. فهما يبشران بالديمقراطية الأمريكية بلسان انكليزي، و نحن نتعامل معهما كبضاعة مستوردة.
و لا يوجد شيء غريب في ذلك لو وضعت بالحسبان فكرة جاذبية الأقوى، فما بالك بحالة كازو إيشيغورو الياباني الذي يتم تعليبه و تسويقه في بريطانيا، و بلغة انكليزية. و شكرا..

 

اعادة كتابة التاريخ سيكون عاملا مساعدا على انتشال المسلمين من واقعهم المأزوم، لكن متى وكيف؟ هذه هي المشكلة بعض الشعوب في تراجع مقيت، تحياتي لتعليقك د. صالح الرزوق المحترم

 
  1. Miloud benaicha

قال بعض المفسرون أن الجزية المذكورة في القرءان هي ،أسلوب من أساليب الدعوة إلى الاسلام واجبار الغير على دفعها مقابل عدم الدخول في الإسلام والاحتفاظ بعقيدته الأصلية،وضريبة يدفعها الذمي مقابل توفير الأمن والحماية والعيش الكريم داخل الدولة الاسلامية، كما أنها (الجزية ) أسلوب من الأساليب العسكرية التي اتخذها المسلمون ضد روما وفارس وغيرهم،التي تهدف إلى إضعاف الاقتصاد وانهاك ميزانية العدو الداعمة والممولة للجيش .أما القراءة الثانية لدفع الجزية ومرتكزاتها ،فهي أولا منافية لروح الاسلام والقرءان ، إذ أن هذه الغزوات كان يشنها أناس إعراب اجلاف معروفين بالغلظة والشدة ، ضد الشعوب الأخرى من اجل السلب والنهب للاموال وسبي النساء والذراري ،وتحطيم حضارات وحرق مكتبات وتراث الامم السابقة فقط ،يذكر البلاذري انه في عهد عمر بن الخطاب تم تقسيم أرض السواد (العراق ) بين المقاتلين المسلمين ،بحيث كان كل مقاتل مسلم مسؤولا على 03 فلاحين عراقيين ،يعني استعبادهم والاستيلاء على أرضهم وما ينتجونه، ظلما وعدوانا .
-البعض يذهب إلى أبعد من هذا ،بأن من واحب المسلمين اليوم ان يعترفوا وبعتذروا رسميا للأمم التي غزوها، وأن *استعمارهم* لا يختلف عن الاستعمارات الاورببة الحديثة (البرتغالي ،الإسباني، الهولندي ،الانجليزي ،الفرنسي، الخ).
-تحية وسلام الى أستاذنا العزيز د./ماجد.

 
  1. ماجد الغرباوي    Miloud benaicha

حقا يجب الاعتذار لتلك الشعوب التي اخذت منها الجزية عنوة, واضح الحكم لمن يمتلك ادوات البحث العلمي، فالاية وصفت من يدفع الجزية وضمن سياق ايات اخرى فكلاهما تاخذ بنظر الاعتبار شكرا لحضورك الاستاذ الجليل ميلود بنعيسى

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4065 المصادف: 2017-10-22 04:33:46