المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (35): القرآن ومواربات المنهج

majed algharbawi10خاص بالمثقف: الحلقة  الخامسة والثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وما زال الحديث عن مصداقية المشروع السياسي للرسول وفقا لأدلة كتاب: الشخصية المحمدية التي دارت حولها الحلقات الأخيرة.

 

مواربات المنهج

ماجد الغرباوي: ثمة عوامل وراء رسوخ الأديان، يقع على رأسها الإيمان التقليدي، المتوارث، الذي عليه غالبية أتباع الديانات في العالم. ويتراوح مستوى إيمان غيرهم بين الإيمان الواعي، ومطلق الإنكار، تبعا لزاوية النظر. وبشكل عام قوام الأديان بالإيمان والتسليم، واشتراكها في اللامعقول العصي على التعقّل: كالوحي، والملائكة والشيطان والجن والجنة والنار.

الدين أحد مصادر المعرفة بالنسبة لمطلق المؤمنين، رغم تفاوتهم في حجمها وسعتها وشمولها. وهناك من يقدّم المعرفة الدينية على المعرفة العقلية، وهذه إحدى المناطق الهشة التي يخترقها رجل الدين بسهولة، ليتحكم بوعي الناس، ويملي عليهم تصوراته. ومن يقتصر مصادر المعرفة على العقل، يرفض أية قضية تقع خارج العلم ومعطياته. وهذا ليس موضوعنا، ولست مع تفتيش العقائد، والناس أحرار فيما يعتقدون. بما فيهم صاحب كتاب الشخصية المحمدية، ولست أيديولوجيا يروم الدفاع عن عقيدته وإن كان حقا محفوظا للجميع. غير أن سؤال الحوار كان حول القيمة العلمية للكتاب. فالبحث معه حول المنهج والأدلة التي استدل بها على صحة أقواله، فيما يخص بشرية القرآن وسلب البعد الإلهي عن الدعوة المحمدية.

قلت سابقا قد يكون الرجل باحثا علميا، وهذا حقه الطبيعي، غير أن ثغرات منهجه وأسلوبه وتحيّزه وانتقائيته، يؤكد وجود هدف وراء تأليفه الكتاب، يتلخّص في تجريد الدعوة المحمدية من بعدها الغيبي، ونفي نسبة القرآن للوحي. ليلتقي بذلك مع جهود آخرين لهم ذات الهدف. بعضهم ينكر البعد الميتافيزيقي، ويتعامل مع القرآن باعتباره منجزا بشريا، يمارس على نصوصه مختلف المناهج النقدية بموضوعية وتجرد تام.

والقسم الثاني، يتصف بموقف مسبق من الإسلام ونبيه وكتابه، مثله مثل من يستهدف التوراة والأنجيل، فهو هادف، يبحث في القرآن والسيرة والتاريخ عن مؤيدات وأدلة تدعم أقواله وموقفه السلبي وربما العدائي. فهدفه زعزعة الثقة بالدين وقدسية الكتاب، وليس دراسة القرآن دراسة علمية وفق مناهج العلوم الأكاديمية، بما فيها تحليل الخطاب، والهيرمونطيقة، والسيمياء ومختلف العلوم اللغوية وغيرها. فهو قد يوظف هذه المناهج لكن بطريقة تخدم هدفه، بعيدا عن الموضوعية والتجرد المطلوب في الأبحاث العلمية.

فكلاهما يتعامل مع القرآن باعتباره منجزا بشريا، غير أن الأول يعمل على ذات النصوص القرآنية، يقارن بينها، ويدرس خلفياتها، ويتابع أصولها في الديانات الأخرى، فيكون عمله علميا. أما الثاني فيحشّد من أجل تعضيد مهمته أدلة وشواهد من خارج النص (السيرة النبوية والتاريخ) بمنهج انتقائي يخدم هدفه، ويقدم تفسيرات سسيولوجية وأنثربولوجية وسايكيولوجية بذات الاتجاه. ومؤلف الكتاب ينتمي للقسم الثاني، من خلال ما تقدم من أمثلة واستدلالات وما سيأتي.

منذ الصفحة الأولى يعلن المؤلف حكما مسبقا يسلب من خلاله الدعوة بعدها الديني والغيبي، فيقول: (إنما الغاية التي يرمي إليها محمد هي إحداث نهضة عربية دينية اجتماعية سياسية، تكون عربية المبتدأ عالمية المنتهى، أي يقوم بها العرب بدء الأمر ثم تعم وتشمل الناس جميعا في النهاية). فمهمة محمد ليست دينية (بشيرا ونذيرا)، لمحاربة الشرك، والدعوة لوحدانية الله، واشاعة العدل والقسط بين الناس، بل هي نهضة عربية دينية اجتماعية سياسية. نهضة قد تمتاز بخصوصيتها، لكنها تبقى نهضة قادها رجل اسمه محمد بن عبد الله بحدود سنة ٦١٠م.

واضح أن الكلام حول النهضة هو استقراء لواقع ما بعد البعثة على مدى أكثر من 1400عام، وليس ثمة أدلة نصية دلت عليها.  فالنهضة لم تكن مقصودة بالذات بالنسبة للرسول. ولم يتطرق لها الكتاب، سوى نصوص دينية، يمكن أن تكون أساساً متيناً لنهضة عالمية إذا أحسن المسلمون توظيفها. وأما من حيث المبدأ فلا توجد مفاهيم نهضوية ضمن آيات الكتاب. ولم يرفع الرسول شعار (نهضة عربية سياسية اجتماعية) إطلاقا، وقد اكتفى بشعار (لا إله إلا الله .. محمد رسول الله) دون غيره. وكان لنشوء الحضارة الإسلامية في القرون الأربعة الأولى أسبابها وظروفها، رغم أن الإسلام كان قاعدتها الأخلاقية، والفكرية. لكنها ليست الهدف الأساس للدين. والأمر ذاته بالنسبة لاستمرار قريش في السلطة، فإنها استمرارية سياسية، لا يوجد دليل على شرعيتها وارتكازها على مبدأ ديني، بل كانت ثمة أسباب ساعدت على استمرارهم بالحكم. فشرط القريشية ليس مبدأ قرآنيا. بل أفرزه صراع السلطة والحكم في سقيفة بني ساعدة. فهو مبدأ سياسي – قَبَلي، يتنافى مع عالمية القرآن: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). وقول الرسول: (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى). فلا تجد أي خصوصية لقريش أو للعرب، بل هي دعوة دينية عامة. لكن مؤلف الكتاب استعان بروايات لدعم رآيه رغم تحفظه الكبير عليها، دون الرجوع لآيات الكتاب الكريم، وهذا خطأ منهجي. القرآن هو المرجع الأساس للعقيدة الإسلامية، وتطرح كل رواية تتعارض معه. وهذا متفق عليهم لدى الجميع. فالتشريع منحصر بالله تعالى، والآية تخاطب الرسول: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ). كما أن القرآن قطعي الصدور على العكس من الروايات، فلا تتقدم عليه مطلقا إلا بيانا وتوضيحا وشرحا. وسبق أن بينت القيمة المعرفية للروايات التاريخية، فأغلبها إن لم يكن جميعها مرسلة، أي سقط راوٍ أو أكثر من آخر إسناده. أو مقطوعة من أولها أو وسطها. فلا يمكن الجزم بصدورها، خاصة مع تداولها شفاهية لمدة 180 عاما. وتأخر تدوين المصادر التاريخية مئات السنين. فكيف يمكن الاستدلال بهذه الروايات؟

الغريب أن بعضهم يشيد بمنهج معروف الرصافي ويصفه أول من حاكم النقل بالعقل، واعتمد منهجا مقارنا بين كتب السيرة والتاريخ. وهذا يكشف عن عدم خبرة بعلوم الحديث والرجال والدراية. فلا تصح المقارنة ما لم نجزم أولا بصحة صدور الروايات، ومطابقتها للواقع ونفس الأمر. فكيف لا نشك بها مع وجود دواعٍ كثيرة للدس والتزوير والاضافة والاسقاط، كالجهل، وعدم خبرة الراوي بالأحاديث والروايات. والعداء المرير للرسالة، والسلطة، التي راحت توظف النصوص لدعم هذا الطرف أو ذاك. فالوضع آفة الروايات الدينية والتاريخية، ومن الصعب اثبات صحة صدورها، خاصة بعد مئات السنين من التداول الشفاهي لها. لذا مقتضى المنهج العلمي الموضوعي تكريس النقد على ذات النصوص القرآنية. وإلا ستفقد الاستدلالات المستندة للسيرة والتاريخ قيمتها العلمية. فمثلا لا يمكن الجزم بما توصل له المستشرق الألماني "تيودور نولدكه" في كتابه "تاريخ القرآن"، رغم جهوده الكبيرة، لأنه استند إلى ذات المصادر التاريخية والروائية التي لا يمكن الجزم بصحة صدورها، ومطابقتها للواقع ونفس الأمر، مع تعدد دواعي الوضع والدس في التراث. فلا يكون كلامه حجة، حتى وهو يرجّح رواية على أخرى، فلا ترجيح مع غياب القرائن الحالية والمقامية، وبالتالي نعود للقرآن شاخصا لمحاكمتها. فما خالف كتاب الله فهو زخرف كما في روايات النبي. وما لم تؤيده آيات الكتاب نتوقف بالأخذ به. وأما رواية: "الأئمة من قريش"، التي رواها أبو بكر في سقيفة بني ساعدة، فسأتطرق لقيمتها ودلالالتها ومدى صحتها.

لقد كان المؤلف وفيّاً لهدفه من تأليف الكتاب، فكان البحث يتحرك باتجاه الاستدلال على صحة رأيه، وحاول سدّ جميع الثغرات قد المستطاع. فمثلا عندما سعى لنفى دينية الدعوة المحمدية، قدّم تفسيرا حضاريا معقول لها، مستعينا بالسيرة والروايات التاريخية، وما شهده المسار التاريخي للسلطة والمجتمعات الإسلامية. وقد ذكرت فيما سبق نموذجا لها، وسنستعرض مجموعة روايات أخرى تكرّس السلطة لقريش. لنتأكد مدى صحة هذا الإدعاء. فهو لا يمكنه إنكار دينية الظاهرة، مع انتشار الإسلام. فطرح تفسيرا، صاغه أو تمت صياغته بدقة، كخطوة أولى في مشروعه. يقول: (إن الغاية التي يرمى لها محمد من الدعوة إلى الله أو من النبوة ليست بدينية محضة). فكان مجبرا على الاعتراف ولو جزئيا، وبشكل مؤقت، بدينية الدعوة. لكن الدين لا يمثل تمام الحقيقة بل ثمة هدف آخر، هو: (إحداث نهضة عربية دينية اجتماعية سياسية). وهذا لا يمكن إنكاره. وبالفعل شيّد المسلمون حضارة، خلال القرون الأربعة الأولى. وبالتالي كانت الصيغة مدروسة بعناية فائقة. الشطر الأول لا يمكنه إنكاره فاعترف به جزئيا، والشطر الثاني لا يمكن للمتلقي إنكاره مع وجود شاهد تاريخي. وهذا النص كان خطوة تمهيدية ليواصل تجريد الدعوة المحمدية من بعدها الديني والإلهي. لكن ثمة سؤال قبل مغادرة هذه النقطة: لماذا واصل الدين دوره في الحياة بعد انطفاء الحضارة الإسلامية؟ ألا يدل على وجود مغايرة بين الديني والحضاري؟ ألا يؤكد أن دعوة  محمد دعوة دينية، سواء كانت هناك حضارة أم لم تكن؟.

لقد واصل المؤلف خطواته لسلب الدعوة المحمدية بعدها الغيبي، على مستويين: الأول من خلال الشواهد والأدلة مهما كان مستوى تناقضها وضعفها. والثاني، إيحائي، نفسي، من خلال سياق كلامه. وهو الأقوى تأثيرا رغم افتقاره للدليل، عندما ينجح بترويض صدمة المتلقي وانفعاله، ويقبل من حيث المبدأ مناقشة بشرية القرآن، بعد أن كان يرفض الفكرة رفضا نفسيا قاطعا. وهذا بحد ذاته هدف مهم للكتابات التبشيرية الهادفة. وقد يتبنى القارئ الفكرة ولو على نحو الاحتمال، ويتحدث بها أو ينقدها. لذا هو ينسب الكتاب لمحمد بأسلوب أدبي لا يشعر به القارئ، وكأنها بديهة متفق عليها، فيقول كما في ص17 مثلا: (وقد أشار محمد إلى هذه الحالة بآية من آياته القرآنية). فالجملة ليس فيها ما يخالف الواقع سوى النسبة في ضمير كلمة "آياته"، فتكون محدودة في وقعها المباشر على المتلقي. لكنها تترسب في لا وعيه، وهذا هو المطلوب، بل ويعد أنجازا كبيرا على المدى البعيد.

لكن لماذا يصّر على سلب الدعوة المحمدية قدسيتها؟ لماذا لا يتعامل معها كظاهرة دينية كما هو منهج الباحثين الأكاديميين، حيث يتعاملون مع الإسلام كدين، يمتلك مقوماته أسوة بغيره من الأديان، وأهمها قدرته على ربط أتباعه بالغيب واللامعقول، وتعبئتهم روحيا ونفسيا، واستجابتهم لأوامره وتشريعاته ولو نسبيا. وهي صفة جميع الأديان.

الكتاب يتحرك بأسلوب مدروس يهدف تفكيك البعد السماوي والإلهي في الدعوة المحمدية. ويتدارك كل مؤاخذة محتملة بأدلة احترازية، فمثلا، قدم مفهوما جديدا لمعنى الصدق والكذب، مخالفا بذلك القيم والاعراف الأخلاقية. فالصدق عنده ما وافق المصلحة، والكذب ما خالفها. وهذا قد يصدق جزئيا عندما يدور الأمر بين الموت والحياة، ولكن لا يصدق في النبوات والمرافعات القضائية والعلاقات القائمة على قيم أخلاقية. بل أن هذا التعريف يعمّق روح الشك، ويحطّم أواصر العلاقات الاجتماعية حتى بين أقرب الناس، فيتسرب الشك مهما كان صادقا قائله. وقد اضطر لهذا المفهوم لتفسير ما ينسبه محمد للخالق تعالى، وهو المعروف عند العرب بالصادق الأمين. فقال: هو لم يكذب لأنه يريد الخير لأمته. بمعنى أنه ليس نبيا ويتلقى الوحي، وأنما نسب ما يقول للخالق كذبا وزورا، لكنه كذب حميد!، فيه مصلحة الناس. وهذا التفسير قد يجد أصداءه في وعي بسطاء الناس، وهذا مكمن الخطر لولا إيمانهم التقليدي الراسخ، الذي لا تؤثر فيه هذه الاستدلالات.

وحينما يشيد في أول صفحات الكتاب بالدعوة ويصف صاحبها بالعظمة، ويتحدث عن خصائص شخصيته الفريدة، (أعظم رجل عرفه التاريخ. أحدث في البشرية أعظم انقلاب عام في الدين والسياسة والاجتماع...) يختتم كلامه بأن عظمته في حدود زمانه. فهو عظيم في وقته وليس دائما. (إلا أنه في هذه الناحية لا يفوق إلا المحيط الذي نشأ فيه .. أي إن عقليته لا تتجاوز في تفوقها إلا العقلية العربية في زمانه وبيئته). وهذا الكلام رغم تناقضه يقع في سياق تفكيك البعد الإلهي للدعوة. فهو بحاجة إلى تحجيمها، وتحجيم صاحبها، فهو عبقري في حدود زمانه وبيئته. ولازم كلامه نفاد القيمة الدينية لكتابه وأقواله. فهي نصوص محكومة بظرفها، وليس لها إطلاق خارج بيئتها.

يبدو أن الدعوة ببعدها الإلهي تشكل خطرا ما على صاحب الكتاب ومشروعه، فيسعى لنقده وتحطيمه. تتضح معالمه بشكل جلي، حينما يعتبر التوحيد مجرد فكرة مختلقة، جاء بها محمد لصالح مشروعه النهضوي يقول: (ما جاء به محمد من كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" وهي من مخترعاته، التي لم يُسبق إليها على ما آرى)!!. والسؤال ما هو الخطر الذي يشكله التوحيد على صاحب المشروع، فيسعى إلى تفنيده، علما أن التوحيد يعود في بعض الدراسات إلى عهود قديمة كما دلت على ذلك الألواح الطينية؟. وكانت هناك اتجاهات توحيدية في زمن البعثة تمثلت بالأحناف، والموحدين من النصارى. وكان الرسول يصرّ عليها باعتبارها ميزة الديانات الإبراهمية، وطالما اتهم أهل الكتاب بالانحراف عنها.  لكن الرصافي ينفي تبني اليهودية والمسيحية لفكرة التوحيد، رغم إيمانهما النظري بها. وكلاهما برأيه مشرك من الناحية العملية. فلا يصدق أنهما موحّدان.

ويعود السؤال ما هو الخطر الذي تشكله فكرة التوحيد على صاحب الكتاب؟. هل يخشى الإسلام كدين إلهي على دين أخر كالمسيحية مثلا؟ اعتقد أن الاعتراف بالتوحيد سيفضح العقائد المشركة؟. وهذا بحد ذاته يشكل خطرا كبيرا عليها. فنفي التوحيد يوفّر قدرا كبيرا من الشرعية لتلك الأديان، رغم شركها. لأنها أساسا تؤمن بوجود خالق، لكنه إله مرن، لا يحتكر الربوبية لنفسه، ويقبل بنوع محدود من الشراكة. فعيسى رب في العقيدة المسيحية الرسمية، اجتمع فيه اللاهوت والناسوت. ولهم تفسيراتهم اللاهوتية. فصاحب الكتاب عندما ينفي التوحيد وهي صفة الأديان الإبراهيمية يروم تأمين شرعية الديانات الأخرى. فالتوحيد عقبة، وعقيدة خطرة تصادر الأديان والمعتقدات التي لا تؤمن بوحدانية الله تعالى. وليس في هذا الكلام طعن في مصداقيته بل هي أدلة كتابه وأقواله، التي لا تقبل الشك لصراحتها.

لا شك أن الدعوة المحمدية شكلت خطرا جسيما على الديانات الأخرى، خاصة المسيحية التبشيرية، حينما تحدت عقائدها ونافستها في مساحات واسعة من الوجود الديني الذي كان حكرا عليها. ثم تفاقم الخطر مع كل انتصار عسكري في أرجاء الجزيرة العربية وغيرها. فتفكيك البعد السماوي والإلهي يعد استراتيجية لا يمكن التراجع عنها لدرء خطر التنافس الديني. لكنها جهود محدودة التأثير فالإيمان التقليدي، ليس وليد تفكير عقلي أو فلسفي، وأنما وليد بيئة وتربية، فيكون راسخا، لا يؤثر به الخطاب التبشيري، خاصة وهو يمارس الطقوس العبادية، اليومية والموسمية.

فالكتاب يتنافس على احتكار الحقيقة الدينية من خلال سلب الآخر شرعيته، وهذا حقه عندما يكون موضوعيا، لكن تحدثت طويلا عن القرآن كونه كتابا مختلفا، لم يأت أحد بمثله إطلاقا، مما يدل على تعاليه، وعدم نسبته للبشر. فثمة مرجعية ما فوق ينتمي لها، يعبر عنها القرآن بالوحي، ويعبر عنها الوضعيون بالإلهام، الشعر، الجنون. بهذا راحت زاوية النظر تؤثر في فهم الدين وتفصيلاته. أما بالنسبة لمؤلف الكتاب فالدين، دين محمد جاء به لخدمة مشروعة النهضوي المكرّس للعرب. والمشاريع النهضوية الكبيرة الطموحة تحتاج إلى وحدة حقيقية، وتماسك أبناء الأمة بشكل لا يتزعزع بنيانها عند الأزمات. فتحتاج لرابطة قوية تؤسس لهذا اللون من الوحدة. وليس كالدين كما يقول قادر على توحيد قلوبهم: (كان من الضروري لمحمد أن يجمع كلمتهم قبل كل شي، فيكون فيهم وحدة دينية ويربطهم برابطة الإخطاء الديني ... وإذا علمت ماذا يريد محمد من وراء دعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ...). وبهذا الشكل سلب الدين قدسيته ونسبته لله تعالى، وكرّسه لخدمة هدف محمد في إحداث نهضة. فهو رجل نهضة وليس نبيا. والكتاب قرآنه، وهو منتج للنص وليس قارئا له من مصدر علوي. لأنه ليس وحيا سماويا. و"لا إله إلا الله" أو التوحيد من مخترعات محمد، ليس لها جذر ديني أو تاريخي. ثم راح يستمر لتعزيز آرائه، وتوقف طويلا حول بعثته، متحدثا عن حقيقة الوحي، وهي ذات التفسيرات التبشرية والاستشراقية، وجميعهم اعتمد التراث مصدرا لآرائه وتفسيراته. وقد بينا ما فيه الكفاية حول القيمة المعرفية للتراث والروايات التاريخية. وهذا لا يخص معروف الرصافي أو غيره من الباحثين بل يشمل حتى علماء الإسلام وفقهائهم ومفسريهم. فلا حجية لأية رواية ما لم نجزم بصحة صدورها ومطابقتها للواقع ونفس الأمر وهذا هو المستحيل بعينه بعد أكثر من 14 قرنا. لذا تدارك الأمر فقهاء المسلمين فقالوا بحجية خبر الواحد، وفق أدلة عقلية ونقلية، ومن ثم حجية أخبار الآحاد مع ضمان وثاقة رواة سند الحديث. رغم أن كاشفية خبر الآحاد عن الواقع كاشفية ناقصة وليس تامة كالخبر المتواتر، لكن الشارع جعلها كما يقولون حجة في روايات الأحكام ولا تشمل الروايات التاريخية والعقائدية. وهو منهج رخو لا يصمد أمام النقد العلمي، خاصة مع كثرة تعارض الروايات، وعدم وجود مرجحات. بل حتى مع إمكانية رفع التعارض بينها قد يكون على حساب مقاصد الشريعة، عندما يخصص العام ويقيّد المطلق. فربما المصلحة في الإطلاق والعام وليس التقييد والخاص.

لا يمكن لمعروف الرصافي وغيره سلب البعد الديني للدعوة المحمدية مهما كانت حجم الأدلة والاستشهادات التاريخية والشخصية، لأنها نجحت في إثبات صدقيتها وانتشرت أنتشارا واسعا. لكن من حق الجميع مناقشة التفصيلات. ومن الكل نسبة القرآن لمصادر بعيدا عن الوحي، شريطة قدرة أدلتها على الصمود أمام النقد العلمي. وتقديم تفسير مقنع لتعالي الكتاب. والنقطة الآخيرة هي الهاجس الذي أرّق صاحب كتاب الشخصية المحمدية فعقد فصلا لمناقشة النص القرآني بلاغيا ولغويا، وقد نسى الكاتب ثمة فارق ذوقي بين المجتمعات قدرة 1400 عام. وكان الرهان في التحدي اللغوي والبلاغي على تلك الفترة بالذات. ومهما كان عدد الروايات التاريخية لا يمكننا تصور البيئة العربية آنذاك بجميع أبعادها. إضافة إلى ما تقدم حول حقيقة الإعجاز، فليس المقصود بإعجاز القرآن جانبه اللغوي والبلاغي، بل ثمة ملاحظات عليهما. وقدمت تصورا واضحا عن مفهومي الإعجاز، وحفظ القرآن. وقلت أن القرآن تحدى بحقيقته وتعاليه ومغايرته، والدليل عدم وجود كتاب ديني منافس منذ نزول الوحي. والمقصود بالحفظ حفظ الحقيقة الكبرى في اللوح المحفوظ، وليس حفظ جميع تفصيلات الكتاب، مع احتمال الزيادة والنقصان بسب النسخ، والتصحيف.

يتبع في حلقة قادمة

 

............................  

للاطلاع على حلقات: 

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

تعليقات (9)

  1. صالح الرزوق

في ص 63 من الرصافي يروي سيرة حياته: انه مولود من أب اصله كركوك من عشيرة الجباريينز و هي عشيرة كردية و سادتها يرتدون العمامات الخضر. و يتكلمون الكردية.
و لكن أمه من شمر و اسمها فطومة بنت جاسم الشيخ علي.
و قد عاش في الاستانة و لكنه عاد الى دمشق و بعدها الى القدس للعمل مدرسا في اللغة العربية.
و كان مدمنا على العرق.
مثل هذه المعلومات تؤكد أن لديه وجهة نظر و لكنها لا ترقى لمرتبة مشروع راديكالي لتفكيك فكرة الإسلام و الدعوة المحمدية.
و شكرا..

 

شكرا لحضورك د. صالح. لكن بماذا تفسر هذا الجهد الهائل على مدى 768 صفحة من الحجم الكبير، وقد تناول جميع القضايا؟ ولماذا التركيز على على تجريد الدعوة من دينيتها بضرس قاطع. ولماذا منذ البداية لم يحتمل ولو احتمال بسيط أن يكون محمد نبيا؟ رغم ان تعالى القران حقيقة وليس مجرد دفاع عاطفي او طائفي. ثم بماذا تفسر انتقائيته، واصراره على آرائه؟ لقد استعرضت خلال 7 حلقات الركائز الاساسية لمشروعه، وبينت اسلوبه في استدراج القارئ؟ فهل كل هذا يدل على نه مجرد باحث موضوعي مثله مثل اي باحث اكاديمي يتسلح بمنهاج علمية؟ احترم رايك يا صديقي، ولكن ما ذكرته من ادلة ومناقشات اعتقد تكفي لبيان الحقيقة ولو انك تقرا الكتاب ستهدي لنفسي النتيجة. تحياتي

 
  1. ثائر عبد الكريم

شكراً الى الاخ الدكتور ماجد الغرباوي على هذه المقابلات المهمة. و احب ان اضيف التعليق التالي:
انا اتفق معك في هذا التوضيح و الرد على الكتاب المدسوس. انني لم اطلع عليه بشكل مفصل.
و ان صاحب الكتاب يدعّي ان القرآن كتاب الفه محمد لرفع شأن العرب و ليس كتاب منزل من السماء!!!.

اذا كان ادعاء صاحب الكتاب ( سواء كان الرصافي او غيره) صحيح ؛ لماذا يهاجم القرآن العرب و يذمهم في 10 آيات؟؟؟. و لماذا يذكر ابا لهب بالاسم؟؟.

هذه قسم من الآيات التي تذم العرب في ذلك الوقت و هي صالحة المعنى لحد الان!!.

الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ التوبة (97)

وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ التوبة (101)

قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ الحجرات (14)

هل ان الانسان الذي يريد ان يرفع من شأن قومه يذمهم بهذا الشكل من دون الامم الاخرى؟؟؟.

ان الله يعلم بنفسية العرب المتقلبة و المنافقة و الانتهازية و فيها كل سمات العمالة و الخيانة للاجنبي و كل شيء رديء. بالرغم من كثرة الوقت الذي يصرفونه في طقوسهم الدينية مقارنة بالديانات الاخرى نرى الفساد و النفاق و الكراهية و البغض هي سماتهم البارزة.
اين يذهب تهذيب النفس الانسانية من خلال ممارسة الطقوس الدينية و قراءة القرآن؟؟؟؟. انه سؤال لا اعرف اجابته؟؟؟.

و نلاخظ كل شعوب العالم مترفهة و مستقرة الاّ الشعوب العربية. و اصبحنا حالياً نخجل من ان نقول نحن عرب نتيجة زج الدين في امور سياسية لا يقبلها لا الله و لا رسوله (ص). و النتيجة الدمار الشامل و حرق الاخضر و اليابس.

و ان الله انزل القرآن الكريم بلغتهم ليكون حسابهم حساباً عسيراً في يوم الحساب.

شكراً مرة اخرى الى استاذنا الفاضل الغرباوي و مزيداً من المقالات التنويرية.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

 

تحية ومحبة للدكتور ثائر عبد الكريم، وشكرا لتعليقك، هناك تفاوت بين مفهوم الاعراب والعرب. سنواصل الاجابة على هذه الاسئلة اجدد احترامي

 
  1. محمد شهيد متي

شكرا لك أيما الشكر الدكتور ماجد. بغض النظر عن قراءتك و نقدك المنهجي السديد للرصافي (و أوافقك) كلامك عن القرآن و عن محمد هو الذي وجدتُ فيه متعة علمية منهجية. قراءتك موضوعية من غير عاطفية أو طائفية لكن يفوح منه حب للقرآن و لمحمد حبا على أساس علمي (إن صح لي هذا الوصف) مرة أخرى لك جزيل الشكر و الإحترام و تحيات عطرة

محمد شهيد من جنوب إفريقيا

 

مرحبا بالاستاذ القدير محمد شهيد متي، وشكرا لمشاركتك، اجبني وصفك جميل جدا لك خالص الاحترام مع تقديري لمشاعرك الصادقة

 
  1. محمد شهيد

الدكتور ماجدو أود , إذا تكرمت و شرفتَني بالموافقة, أن أكون على التواصل معك من فضلك. إذ أنا مدرس بجامعة جوهانسبورج أقدم مقالاتك إلى الطلبة الكرام (بعد ترجمتها إلى الإنجلزية). عنواني الإليكتروني هو: smathee@uj.ac.za

طاب يومك و أرجو لك كل الخير و العافية

محمد شهيد

 

مرحبا بك مجددا اخي العزيز، شكرا لحسن ظنك وثقتك، يمكنك استخدام اميل المثقف الان وسارد عليك بانتظار رسالتك
editor@almothaqaf.com
تحياتي

 

تحية صادقة
اجبت على رسالتك الكريمة لكن الاميل يعود ، لا اعرف لماذا
ارجو ان تبعث لي اميلا اخر برسالة على اميل المثقف مع التقدير
وهذا رابط صفحتي بالفيسبوك للتواصل
https://www.facebook.com/majed.algharbawi

  التعديل الأخير على التعليق تم في قبل 3 اسابيع بواسطة admin admin
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4068 المصادف: 2017-10-25 05:02:41