المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (39): تحريف القرآن

majed algharbawi3خاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة د. ثائر عبد الكريم.

 

س68: د. ثائر عبد الكريم: استمر نزول القرآن الكريم 23 سنة، لكنه لم يجمع الاّ في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفّان (رض). فلماذا لم تُجمع (آيات القرآن والسنة النبوية) في عهد الرسول ليتأكد من كل شيء بنفسه؟  أليس (23) عاما كانت كافية جداً ليدوّن كل شيء بتفاصيله سنة بعد أخرى؟.

ج68: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأخ د. ثائر عبد الكريم، وشكرا لمشاركته في الحوار من خلال أسئلته الجديرة.

نبدأ بالكتاب الكريم أولا:

لا شك أن النبي أولى كتاب الله اهتماما استثنائيا. فكان يبلّغ ما يوحى إليه. ويأمر أصحابه بتدبّر ما يتلو عليهم، وطالبهم بتدوين نصوصه، ومراجعتها من قبله، لضبط مواضع آياته. فساهمت تلك المدونات (الرقاع، الحجارة الرقيقة، وجريد النخيل، والعظام) في حفظ نصوص الكتاب الكريم من الضياع في تلك الفترة بالذات. وهذا لا ريب فيه، فهو من صميم عمل النبي ومهامه الرسالية. لكن هل جُمع الكتاب الكريم بين دفتي المصحف في عهده وبإشرافه؟

هناك أخبار تؤكد تدوين بعض الصحابة لجميع ما أوحي للنبي، كالإمام علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود وآخرين. ممن تابعوا نزول الوحي وحرصوا على كتابة ما تلاه النبي الكريم. وهذا ليس مستبعدا مع ثبوت التدوين تاريخيا، خاصة بالنسبة للإمام علي بن أبي طالب الملازم للنبي، بحكم قربه وقرابته. لكن تدوين كل ما نزل من الوحي لا يدل على جمعه بين دفتي المصحف كنسخة رسمية معتمدة من قبل الرسول. ولا يوجد مايدل عليها تاريخيا. بل أن قرار جمعه من قبل الخلفاء دليل على عدم وجودها فضلا عن انتشارها. كما أن تدوينه من قبل بعض الصحابة، لم يغنِ عن تداوله شفاهية. بل كانت الحافظة هي الأصل في تلاوته وانتشاره، واقتصار القراءة على خصوص المتعلمين وهم قلة قليلة.

غير أن الغريب تجاهل الخلفاء للنسخ الكاملة، رغم ندرتها، وعمدوا إلى جمع القرآن، من الحفّاظ وما لدى الصحابة من نسخ متفرقة لمجموعة من آياته. وهذا موقف مثير، فليس الحفظ كالتدوين في حفظ آيات الكتاب!!، فكيف يعتمدون الحفظ ويهجرون التدوين؟. بل ونقلت الأخبار استبعاد نسخة الإمام علي التي جمعها بعد وفاة الرسول مباشرة، من قبل عمر بن الخطاب، إبان خلافة الأول، واستُبعدت نسخة عبد الله بن مسعود في عملية الجمع الرسمي للمصحف الشريف. واختلفت اللجنة المكلفة بجمع القرآن معه ولم تأخذ برأيه. والمعروف عن ابن مسعود أنه لا يقول بقرآنية المعوذتين. كما يتحفظ على صيغ بعض الآيات، وهوالصحابي الجليل الذي أمر الرسول أن يؤخذ القرآن منه. فهل أساسا لا توجد نسخة كاملة مدونة للقرآن الكريم أم هناك حلقات مفقودة في عملية جمع القرآن؟.

بعض برر عدم جمع القرآن في عهد النبي حاجته الدائمة للمراجعة والضبط مع كل نزول آيات جديدة. لكن هذا لا يبرر عدم جمعه مع خطورة بقاء القرآن بلا تدوين. ثم ألم تكن النسخ جاهزة، على فرض وجود مدونات، وبإمكانه جمعها بمصحف واحد بفترة قصيرة جدا بعد توقف الوحي عن الهبوط؟. لكنه لم يفعل. واستمر الصحابة يتداولونه شفاهية، وهي ثغرة، نفذت منها تهمة التحريف والنقص في بعض سوره. فليس الحفظ كالكتابة، مهما كانت درجة اتقانه. التدوين يضبط النص ويمنع تزويره، ويسمح بمطابقة النسخ مع الأصول متى شاء الباحثون والمحققون. فلماذا التساهل في الأمر، ولماذا لم يجمع في عهد النبي ويشرف على استنساخه وحفظه؟

لا يكفي لنفي الشبهة قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). لان القدر المتيقن من الآية حفظ جوهر الكتاب ومضمونه الكلي، لا تفصيلاته وكلماته، وتحدثت عن هذه النقطة مفصلا كما مر. ويقصد بالحفظ، حفظ حقيقة الكتاب في اللوح المحفوظ: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ). (إنَّه لقرآن كريم. فِي كِتَابٍ مَكْنُون). وأيضا مثلهما قوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ). حيث تحقق مصداقها بعد ضبط موقع الآيات داخل السور على يد النبي الكريم. فحفظ الحقيقة الكلية للقرآن ثابت في اللوح المحفوظ، ولا يضرعل أي تصحيف أو زيادة ونقصان، لأي سبب كان، سواء النسخ أو التنقيط أو غير ذلك، وليس في هذا خرق لمعنى الحفظ المشار له في الآية الكريمة، لأنها لم تتطرق لحفظ تفصيلاته.

يبقى السؤال مؤرقا، لماذا لم يبادر النبي لجمع القرآن في مصحف واحد بنفسه، وهو أدرى بخطورة تداوله شفاهية على المدى البعيد؟. وكيف يصدق إهماله مع أمانته وحرصه، وهو القائل: (أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا، كتاب الله، فاعملوا به)؟. وأين نسخته لو كان قد جمعه بنفسه؟ أسئلة حائرة تجعلنا نشك في كل شيء، ولا نستبعد عدمها أو وجودها مع ما يشي بالالتفاف عليها.   

من هنا ذهب الشيعة إلى قولين: أحدهما أن القرآن جُمع على عهد النبي فعلا، واحتفظ بعض الصحابة بنسخ منه. وأخر قال: أنه أوصى لعلي بن أبي طالب بجمعه، فامتثل لأوامره، وجمعه بعد وفاته، وقد احتفظ الأئمة من ولده بالنسخة الأصلية واحدا بعد الآخر.

لكن الرواية السنية الرسمية، تنفي جمعه على يد النبي، وتعتبر أبا بكر أول من تصدى لجمع القرآن، عندما عهد إلى زيد بن ثابت الأنصاري بذلك. فاحتفظ به الخليفة الأول ثم انتقلت النسخة إلى الخليفة الثاني، وبقيت عند زوجته حفصة، فاستعارها الخليفة الثالث عثمان بن عفان، عندما قام بجمع القرآن، في نسخة رسمية، مثلت الخلافة الإسلامية.

وهذه الروايات تؤكد جمعه في عهد أبي بكر، لكن لماذا لم تنتشر هذه النسخة بين المسلمين، ولماذا اكتفى أبو بكر وعمر وحفصة بالاحتفاظ بها، ولم تستنسخ وتوزع كما فعل عثمان مع النسخة الرسمية للقرآن؟ ولماذا يكتفي أبو بكر بالشاب زيد بن ثابت في مهمة جمع القرآن، ويستغني عن كبار الصحابة المشهود لهم بكتابة الوحي والصدق والأمانة؟ بل وهناك رواية تقول إن عليا جاءهم بنسخة من القرآن ضبطت على يد النبي، فقال له عمر: لا حاجة لنا بها!!!. ولماذا يكتفي الخليفة باشراف عمر بن الخطاب دون الصحابة، ولم يشكل لجنة تشرف على هذا العمل الكبير والخطير؟. ولماذا لم يتحفز، ويستشر باقي الصحابة حول هذا الموضوع الخطير؟.

ثم لماذا راح زيد بن ثابت كما تقول رواية البخاري يتتبع أجزاء القرآن من الرقاع وصدور الرجال؟: (فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع و الأكتاف والعسب وصدور الرجال). والمفروض أن المدونات الأولى متوفرة جميعها، فلم يمض على وفاة الرسول سوى أشهر؟. ثم ماذا نفهم من تكملة كلام زيد بن ثابت سوى أن القرآن كان يتعرض فعلا لخطر الضياع وربما التحريف، تقول الرواية: ("حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم  إلى آخرهما".). كل هذه الأسئلة وغيرها تبعث على الشك والحيرة، فهناك حلقات تاريخية مفقودة أوجدت مناطق معتمة حول قضية جمع القرآن على يد أبي بكر. فهل هي روايات موضوعة يراد بها جعل كرامة لأبي بكر على حساب الحقيقة، وأنه لم يقم بجمع القرآن أساسا؟.كل شي محتمل، ومفاصل التاريخ غابت وإلى الأبد أو تم تغيبها!!.

وأما عثمان فقد شكّل لجنة من ثلاثة أشخاص لجمع القرآن، هم: زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص. وأمرهم اعتماد لغة قريش عند اختلاف القراءات. لكن لماذا فقط لغة قريش؟ هل تماهيا مع الرواية المنسوبة لرسول الله، والتي حسمت الخلافة لقريش مدى الحياة؟ يبدو لي أن قريشا كانت سلطة، تتحرك من وراء الكواليس على أكثر من صعيد. والمجتمع بقي مجتمعا قبليا رغم إسلامه.

إذاً، فالرواية التاريخية الرسمية تقول: لم يُجمع القرآن كاملا إلا في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، رغم وجود نسخة متوارثة لم تخرج عن دائرة الشيخين. وبقى المسلمون يتناقلونه شفاهية لخمسة وعشرين عاما، فأتعب التداول الشفاهي ضبط النسخ عند جمعه، بعد موت عدد من الصحابة وتفرّق آخرين في الأمصار المفتوحة ومعهم نسخ من أجزاء القرآن، إضافة إلى مشكلة النسيان وتفاوت اللغات، مع اختلاف بعض النسخ مهما كان قدره. فالنسخة التي جمعها عثمان نسخة رسمية انتقائية، اتفقوا على كتابتها وضبطها بلغة قريش. سواء كان قرارا رسميا منه شخصيا أم باتفاق جميع الصحابة. وبالتالي، لا أحد يضمن تطابقها تماما مع الأصل، بعد أن أحرق الخليفة جميع النسخ الأخرى فتعذر على المحققين مطابقتها مع المدونات الأولى. واستعانتهم بحفظ الصحابة. والحفظ لا يعد مصدرا في التحقيقات العلمية، خاصة بعد ربع قرن من وفاة الرسول الكريم، لأن الذاكرة تتآكل مع طول العمر، وتنقلب إلى نسيان، لا سيما بعد 25 عاما. فكانت ضابطة عثمان في التدوين الاكتفاء بلغة قريش، أي ما يراه زيد بن ثابت، وبذلك حسم موضوع حفظ القرآن في نسخة رسمية نهائيا.

وتعود الأسئلة: لماذا أحرق عثمان جميع النسخ الأخرى، هل لحماية النسخة الأصلية أم هناك سبب آخر؟ ولماذا ثمة من كان يتهم عثمان بتحريف القرآن من قبل بعض الثوار الذين اقتحموا داره؟. لماذا استبعد كبار الصحابة من عملية جمع المصحف، أو لا أقل مراجعتهمم عند الاختلاف، كعلي بن أبي طالب وابن مسعود وكلاهما يحتفظ بنسخته منذ زمن النبي الكريم وحيوية ذاكرته؟.

إنها أسئلة واستفهامات كانت وما تزال وراء شبهة تحريف القرآن، ودعوى سقوط بعض آياته، فبعض الشيعة مثلا يؤكد سقوط آية الولاية، وتصحيف بعض الكلمات الدالة على فضل أهل البيت. كما أن المستشرقين راحوا يعزفون على وتر التحريف والتصحيف لزرع الشك في نفوس المسلمين.

نقل لي صديق، كان يعمل محققا علميا في مؤسسة مختصة بتحقيق التراث الشيعي، أن أحد رجال الدين المشرفين، طلب منه تغيير كلمة "أمة" إلى "أئمة" في آية: "كنتم خير أمة أخرجت للناس". لكنه رفض وهدد بترك العمل؟ وما زال الإخباريون وغلاة الشيعة يصرون على سقوط بعض آيات الكتاب رغم اعترافهم بصحة النسخة المتداولة من الكتاب الكريم. على الضد من فقهائهم وعلمائهم ممن يؤكدون سلامة النسخة المتداولة من الكتاب الكريم، وينفون أي زيادة أو نقص فيها.

لا شك أن الخطاب الشفاهي ليس كالخطاب المدون في ضبطه ودقته، فاحتمال التحريف في الثاني نادر، خاصة مع تعدد النسخ، فكلما زاد عدد النسخ المتزامنة قل احتمال التحريف، وقد تم في زمن الخليفة الثالث نسخ عدد كبير من القرآن الكريم، وزعت على الأمصار كافة، باعتبارها نسخة رسمية ممضاة من قبل خليفة المسلمين. فسكوت الصحابة على النسخة الرسمية إما دليل على صحتها فعلا، أو تحت ضغط وترهيب السلطة التي كان يديرها بنو أمية من خلف الستار. وهذا محتمل، لكن لماذا لم يثر الإمام على إبان حكمه مسألة تحريف الكتاب أو سقوط بعض أجزائه، وقد عرف بحرصه واهتمامه وتعظيمه لكتاب الله؟ فعدم إثارة الموضوع يقلل من قيمة هذا الاحتمال. فيستبعد تحريف الكتاب مع وجود عدد كبير من الصحابة. غير أن التصحيف محتمل في بعض كلماته بسبب اختلاف القراءات أو بسبب النسخ والنقل وقدم النسخ أو لردائة الخط. وهذا أيضا يختلف حسب الكلمة وموقعها، فبعض التصحيف وتغيير الكلمة يرفضه السياق العام للآيات، وهناك عكس ذلك. فللسياق دور في ضبط الكلمة عند الشك في تصحيفها.

مثلا: قد نحتمل حصول تصحيف كلمة "فاقتلوا" في قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم). ومبرر احتمال التصحيف في الكلمة هو ذات القتل. فكيف ينهى الباري عزوجل عن القتل ويأمرهم بقتل أنفسهم؟. ثم أي إله يأمر بقتل عباده لمجرد زلة عبادية؟ هل من المعقول من يصف نفسه بالرحمة الواسعة، ينظر متفرجا لعباده كيف يقتلون أنفسهم؟ ومن يجرأ على قتل نفسه بيده؟ حتى أن بعض الروايات حارت في تصوير مشهد قتل النفس. لهذا لا يمكن تعقله وفق آيات الكتاب الحكيم وما نعرفه عن الخالق وسعة رحمته. فقتل النفس يتنافى مع رحمة الله، وكيف يعاقب قوما في بداية إيمانهم بعقوبة مرعبة، وهم جزء من بني إسرائيل ممن حذرهم في آية أخرى: (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). فكيف يأمرهم بقتل أنفسهم وينهاههم عن قتل النفس؟ فكيف ينهى عن شيء ويأمر به؟ هذا من حيث المعنى.

وأما من حيث السياق، فكيف ينسجم القتل مع تكملة الآية: (فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم)؟. فما معنى التوبة مع القتل الذي هو عدم مطلق؟ فنهاية الآية تؤكد توبة الله عليهم، أي أنهم أحياء ولم يقتلوا أنفسهم، فما معنى القتل حينئذٍ؟. لذا اضطر بعض المفسرين إلى تشبيه الأمر بذبح اسماعيل، الذي فداه الخالق بكبش عندما هم إبراهيم بذبحة، فكانت عملية اختبار للتقوى، وهنا أيضا، فبعد أن باشروا بقتل أنفسهم حقيقة، تاب الله تعالى عنهم، فلم يقع القتل حقيقة. وهذا التوجيه لا دليل عليه، ولا تشابه بين القصتين حيث أن القرآن قد صرّح بالفداء عن إبراهيم. وهنا لا توجد إشارة تدل على الفداء.

وعليه أتساءل، ماذا لو  قرأنا كلمة: "فاقتلوا أنفسكم"، بـ "فأقيلوا أنفسكم"، من الإقالة، أي تدارك العثرة والخطأ؟ فتكون (.. فأقيلوا أنفسكم عند بارئكم)!!. فتأتي منسجمة مع التوبة، ومع نهاية الآية: فتاب عليكم. فلم يقتلوا أنفسهم بل بالغوا بالتوبة والإنابة، وقد تاب الله عليهم. و"أقيلوا" تأتي لغة من الإقالة (أقال اللهُ عثْرَتَهُ: صفح عنه وترك ذنْبَه، أنهضه من سقوطه). خاصة أن رسم الكلمتين واحد قبل تنقيط الحروف. فيحتمل التصحيف بوضع النقطتين فوق الركزة بدلا من تحتها.

هذا إذا استبعدنا المعنى المجازي للقتل، وهو المبالغة، وهذا شائع في اللهجة عندما يقال: فلان قتل نفسه من أجل الحصول على مراده. فالقتل هنا لا يعني الانتحار، بل المبالغة في طلب الشيء. فاستخدمت كلمة القتل مجازا للمبالغة في التوبة لتدارك خطأهم. فيكون التأويل من داخل معنى الكلمة، ولا نحتاج حينئذٍ لاحتمال التصحيف. فسياق الآية والإطار العام للكتاب الكريم يؤيد كلا الاحتمالين.

لكن تبقى الآية كما هي، تقرأ وتفسر. واحتمال التصحيف أحد تداعيات عدم جمع الكتاب في عهد الرسول وباشرافه. وإذا قيل قد جمع فعلا على يده، فهذا يعمق الإشكال، ويثير جملة تكهنات تطيح كحد أدنى بمصداقية بعض الصحابة، خاصة الخط الأول المتصدي للسلطة.

هذه مجرد ملاحظة لبيان كيفية انقلاب المعنى بسبب استبدال كلمة بأخرى، مع تأييد السياق، إذا احتملنا التصحيف. ولا أريد التلاعب بآيات الكتاب الحكيم معاذ الله، فالسؤال ليس كفرا، ولا محرما، ومن حقنا نسأل عن أي تناقض مع قيم ومبادئ الكتاب الحكيم، وهناك روح واحدة تحكم الكتاب الحكيم. فقتل النفس غير متعارف قرآنيا كوسيلة للتوبة. ولماذا لم تتكرر مع غير قوم موسى ممن أشركوا بالله تعالى؟ وهذا هو فارق الضبط بين التدوين والشفاهية.

ونعود للسؤال: لا دليل قطعي على جمع القرآن في عهد النبي الكريم، والنسخة المتداولة اليوم هي المصحف العثماني، بعد تنقيط مصحف عثمان وتشكيل كلماته. فتبقى علامات الاستفهام مشروعة، وتفتح باب التكهنات عن حلقات ضائعة عن تاريخ الخلفاء بل وتاريخ المسلمين بشكل عام. فثمة غموض يكتنف حياة الصحابة، والجو العام في عهد الخلفاء الثلاثة. ولا يبقى أمامنا لتسوية هذه الشبهات إلا تكذيب روايات جمع القرآن، وما قام به عثمان هو استنساخ للقرآن الذي جمعه رسول الله قبل مماته. غير أن المشكلة أن تلك الروايات وردت في صحيح البخاري. وهو عماد المسلمين السنة في تاريخ الإسلام وأحكام الشريعة.

الثابت عندهم أن الكتاب الحكيم ظل يتناقله المسلمون شفاهية، باستثناء بعض المدونات القرآنية المحدودة، فلا يمكن التخلّص من شبهات النقل الشفاهي وتداعياتها، خاصة أحكام الإعراب، وتشكيل بعض كلمات الآيات التي تأتي خلافا لقواعد اللغة العربية، فتضع المفسرين في دوامة التأويل. فإذا احتملنا التصحيف فلا داعي لكل هذا التأويل وتقرأ الآيات حسب قواعد اللغة العربية، في إطار المعنى العام للكتاب وسياقات الآيات. وليس في هذا عيب، فالتنقيط في اللغة العربية تأخر زمانه، واحتمال التصحيف في الاستنساخ ممكن قبل الطباعة.

بشكل عام لا يوجد ما يدل على تحريف الكتاب، أو سقوط بعض أجزائه، وهذا مهم جدا. فالكتاب الكريم واضح في معالمه الرئيسية، وفي أهدافه وغاياته وانسجامه وترابطه. كما يمكن تقديم تفسير أقرب لروح القرآن من خلال مناهج حديثة. فلا داعي للقلق من هذا الجانب. لكن المشكلة في تشبث بعض علماء ومفسرين وفقهاء المسلمين بفهم حرفي لآيات الكتاب، فيعمّق بأسلوبه الشبهات.

هذا بالنسبة للقرآن الكريم.

 أما بالنسبة لتدوين السنة في زمن الرسول فيأتي بيانه في الحلقة القادمة

 

............................  

للاطلاع على حلقات:  

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

تعليقات (12)

  1. صالح الرزوق

اعتقد ان الاستاذ الغرباوي يتحلى بالجرأة المطلوبة للكلام عن التصحيف و امكانياته، بشكل عام، و ضمنا نسخ القرآن المبكرة، فقد كان العرب بلا حركات اعراب و بلا حروف مد او حروف صامتة، و الواقع كتب التراث تحتاج لمترجم ليفك الغازها من العربية و خط النسخ الى العربية و خط الطباعة،
عموما المنهج مفتوح للنقاش،
كيف ننظر للقران الكريم،
بأدوات المعرفة ام بأدوات الادراك،
و المعرفة ظاهرة عامة و سكونية، لكن الادراك ظاهرة متحركة و تاريخية،
و يطيب لي هنا ان اضيف بالاستعارة من علماء الغرب الذين اخذوا عن الامام الشيرازي تفصيلاته في الهيولى و الروح و الماهية، ان الادراك تزامني و تزمني، و يتحقق بمحورين افقي و عمودي،
و لكل منهما خاصية في سبر تحولات المعاني و طرق تصويرها،
و شكرا
نحن لا ندعو للمساس بروحية ووجدانية القران و رموزيته و مكانته و انما ندعو الى عدم تحويله لحبر على ورق،

 

شكرا لثقتك وحسن ظنك د. صالح الرزوق، وشكرا لمتابعتك الحوار بكل تفصيلاته. القرآن يحتاج للاداة المعرفية والادراكية، لانه محكوم بروح واحده، واياتها بعضها يفسر بعض، فالعصي على الاداة المعرفية يتداركه الادراك والحس القرآني. كما في المقال في نهاية الحوار، فانها يرتكز في تبريره الى روح القرآن. وهناك اطار عام وكلي للكتاب الحكيم، به يمكن تحديد جملة من مداليل اياته، بل وحتى فهم الدين ودور الانسان في الحياة. دمت باخلاص ومحبة

 
  1. صالح الطائي

(غير أن الغريب تجاهل الخلفاء للنسخ الكاملة، رغم ندرتها، وعمدوا إلى جمع القرآن، من الحفّاظ وما لدى الصحابة من نسخ متفرقة لمجموعة من آياته)
هذه التفاتة في منتهى الخطورة لا تصدر إلا عن شجاع فقد سكت العالم الإسلامي عنها ولم يتجرأ أحد على البوح بها لنها تشكل خطرا للمذاهب وحتى لكثير من الرموز التي شملها التقديس
شكرا لك أبا حيدر فقد أثريت الموضوع

 

الشكر لحضورك وتعليقتك وشهادتك الباحث الاسلامي الجدير الاخ صالح الطائي. بالفعل بعض المعلومات تشكل خطرا حقيقيا، لكن جاء الوقت لنقول كل شي كي نكتشف الحقيقة. دمت مباركا نبراسا للمعرفة

 
  1. ثائر عبد الكريم

شكراً جزيلاً الى الاخ الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذا الجواب الشافي و المقنع و المتسلسل للاحداث و المراحل التي مرّ بها جمع و كتابة القرآن الكريم.

كفيت و وفيت؛ احسنت.
اول مرة في حياتي اعرف هذه المعلومات الغزيرة و الرائعة و المتعلقة بكتابة القرآن الكريم.

و لكن لدي سؤلين عن هذا الموضوع:
السؤال الاول متعلق بالنسخ الكاملة للقرآن التي جمعها الإمام علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود في زمن الرسول (ص). هل هي متوفرة؟؟. و هل تختلف في محتوياتها عن النسخة المتداولة حالياً؟.
و اعتقد ان هذه النسخ مهمة جداً لانها تعطينا التسلسل التاريخي المضبوط لآيات القرآن و هذا يساعدنا على فك الارتباك الموجود في القرآن الحالي الغير المتسلسل.

السؤال الثاني متعلق بالتنقيط لآيات القرآن. هل ان التنقيط كان موجوداً قبل نزول القرآن ام بعده؟. و ماذا عن شعراء الجاهلية قبل الاسلام؛ هل كان شعرهم يكتب بدون تنقيط؟؟.

شكراً لك مرة اخرى يا اساتذنا الفاضل على هذا الابداع الرائع الذي تستحق عليه كل الشكر و التقدير و الثناء. حفظك الله و رعاك ذخراً للعراق و للعرب و للمسلمين و للانسانية جمعاء.

ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير.

 
  1. ماجد الغرباوي

احترامي لتعليقك الاخ د. ثائر عبد الكريم، هي اسئلتك حرضتني على الجواب. لو كانت ثمة نسخة محفوظة لما حصل كل هذا التداخل والبس واللغط. اما عن موضع الايات فثمة اجماع ان تم ادراجها في السور بامر من النبي. وهذا لا يؤثر كثيرا، لان بعضهم يرفض حجية السياق القرآني.
واما عن التنقيط فاكيد تاخر كثيرا، ولدي صفحات غير منقطة، تقرأها بلا اي تلكأ بشكل واضح وجلي. لو عثرت عليها سابعثها لك
خالص احترامي

 

الأستاذ المفكر المرموق ماجد الغرباوي
لقد اثرت مسائل مهمة فيما يتعلق بالقرآن الكريم, ومجرد إثارة مثل هذه المسائل له أهمية في تقصي الحقيقة , التي لم تصلنا كما هي بسبب كثرة الرواة والحفاظ, وانقسام المسلمين الى معسكرين أحدهما يمثل الإستقراطيين من قريش وأصحب الأموال, وثانيهماالمعسكر الذي ضم عامة المسلمين من الفقراء والمسحوقين
فيما يخض ما ذكره السيدا صالح الرزوق والسيد ثائر عبد الكريم فيما يخص التنقيط في الخط العربي أودّأن أذكر الحقائق التالية:
ان الخط العربي تطور عن الخط النبطي والنبطية هي اللغة التي كانت متداولة في مملكة تدمر في الأردن وعاصمتها البتراء والتي حكمتها الملكة زنوبيا
والنبطية هي احدى المجموعات اللغوية الأربعة التي انحدرت أصولها من اللغة الآرامية , فاللغة الآرامية هي الأم وهي لغة السيد المسيح عليه السلام , وكان السيد المسيح يكثر من ذكر ( يا فتاخ) وهي نفسها كلمة ( يا فتاح) في العربية فالحاء تلفظ خاء في الآرامية
والمجموعات الأربعة هي:
الفينيقية والعبرية والسريانية والنبطية
وكما ذكرت ان الخط العربي تطور عن النبطي وكان الخط الكوفي هو الشكل الأول للخط العربي وكان خاليا من النقاط, فكانت حروف مثل الباء والتاء والثاء تكتب بنفس الهيئة ومثلها الحاء والخاء والسين والشين والضاد والصاد والظاء والطاء
وكان يميز بينها من معنى السياق وموضعها من الجملة ككل , وقد انتبه الإمام علي عليه السلام الى هذه الإشكالية في رسم بعض حروف الأبجدية العربية , فأمر تلميذه أبا الأسود الدؤلي بأن يقوم بوضع النقاط على الرسوم المتشابهة للتمييز بين الحروف الآنفة الذكر
فمثلا للتمييز بين حرف الباء والتاء توضع نقطة تحت رسم الحرف الأول وهو الباء وتوضع نقطتان فوق نفس الرسم ليعرف على أنه تاء
هذا ما وددت أن اوضحه
مع احترامي للجميع

 
  1. ماجد الغرباوي

مداخلة لغوية وتاريخية جاءت بوقتها من الشاعر الألق الاخ الاستاذ جميل حسين الساعدي. قرات نصوصا غير منقطة ،وفقا لسياقها ولم أخطاء بقراءتها، لكن الامر اشتبه على الموالي من غير العرب، فكان كما تفضلت اجراء التنقيط دفعا للخلط والاشتباه. تحياتي لك ولحضورك

 
  1. فوزية بن حورية

لم يجمع الرسول محمد صلى الله عليه و سلم القرآن في حياته لانه كان مشغولا بالوحي وما ترتب عنه من تغيير في شريعة الحياة مع تنفيذ اوامر الله و الشريعة الاسلامية في في وقت عصيب...زمن الظلمات في قوم كانوا لا يفقهون شيئا تقريبا من قوانين الحياة...يعيشون الجاهلية المطبقة... في عهد كل شيئ فيه تقريبا مباح كعبادة الاصنام ...وقت تصعب فيه توعية الناس...ان سيرته معروفة غنية عن التعريف لكم كانت حياته مليئة بالمشاكسات من طرف عرب قريش الكافرين. بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه و سلم . قرر أبو بكر جمع القرآن بمشورة من عمر بن الخطاب، فأمر زيد بن ثابت بجمعه في مصحف واحد ظل عند أبي بكر حتى وفاته، ثم صار عند عمر. وبعد وفاة عمر، صار هذا المصحف في حوزة حفصة بنت عمر زوجة الرسول محمد صلى الله عليه حيث انها لزمت بيتها، ولم تخرج منه، ولم يرد ذكرها سوى في حدثين هامين، الأول بعد حروب الردة، وما أصاب المسلمين من فقد الكثير من حفظة القرآن. ثم اختلف الناس في زمن عثمان بن عفان، لاختلاف القراءات حول أيها أصح، فأرسل عثمان إلى حفصة يطلب المصحف لينسخ منه عددًا من النسخ. والثاني لما أرادت عائشة الخروج إلى البصرة إثر الفتنة التي ضربت المسلمين بعد مقتل عثمان بن عفان، همَّت حفصة بالخروج معها، إلا أن أخاها عبد الله بن عمر حال بينها وبين الخروج..اذا فالقرآن لم يجمع في عهد عثمان ابن عفان. ان ذاكرة الانسان لا تتآكل بعد 25 سنة لان المدة قصيرة جدا على العكس تبق الذاكرة مخزنة للمعلومة حتى احيانا لاكثر 100 سنة اذا مد الله في عمر الانسان حيث ان 25 سنة ليست بالفترة الطويلة التي تعرض ذاكرة الانسان الى التآكل و الخرف و مرض الزهيمر و فقدان الذاكرة شيئا فشيئا...حتى الانسان الذي اصيب بمرض الزهيمر او الخرف لا ينسى النطق و لا الكلام...فما بالك بالقرآن الذي هو دواء و شفاء من كل داء...ارى ان هناك من يحاول التشويه او جعل القرآن في نفس مصاف التورات و الانجيل من حيث التحريف وذلك لبث الشك في قلوب المسلمين و التشكيك في المصحف الشريف و ما حتوى من السور الكريمة و الايات المبينات...الاديبة و الكاتبة و الناقدة و الشاعرة فوزية بن حورية

 

قلت ان هذا لا يكفي مبررا لعدم جمعه ارجو اعادة قراءة الحوار مع التقدير للاساذة فوزية

 

من أجمل وأرقى وأعمق ما قرأت في الموضوع، وكل ذلك مع جرأة علمية- إذا صح التعبير- نعني الجرأة غير القائمة على الكفر والخروج فحسب على المتواتر والموروث/ بل القائمة على (الشك) العلمي وليس التشكيك، وهي جرأة زاد من علميتها دقة التعبير ولغة البحث العلمي. ولهاذا جميع ما دخل فيه هذا الشك العلمي كان بصيغة التساؤل البحثي الذي لا يقطع بل يدعو إلى التأمل والبحث. والمفكر في هذا مثال للباحث الذي لا يمس ثوابت الدين، ولكن مع جرأة مناقشة كل شيء عدا ذلك مما صار عند البعض، مع الأسف، ثوابت. تقديري العالي لكم أستاذ ماجد الغرباوي.

 

الاستاذ الدكتور نجم عبد الله كاظم، سعدت بقراءتك الحوار والتفاعل معه، شكرا لحسن ظنك، شهادتك اعتز وافتخر بها من رجل جدير. لا بد من طرح الأسئلة من معرفة الحقيقة، والخروج من نفق الظلام. اكرر احترامي وتقديري

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4089 المصادف: 2017-11-15 01:30:51