المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (40): محنة التداول الشفاهي للنصوص

majed algharbaw10خاص بالمثقف: الحلقة الأربعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة د. ثائر عبد الكريم.

 

السنة النبوية والتدوين

ماجد الغرباوي: جاء في سؤال (68) للدكتور ثائر عبد الكريم، كما مر في الحلقة السابقة: لماذا لم تُجمع (آيات القرآن والسنة النبوية) في عهد الرسول ليتأكد من كل شيء بنفسه؟  أليس (23) عاما كانت كافية جداً ليدوّن كل شيء بتفاصيله سنة بعد أخرى؟.

جرى الحديث في الحلقة السابقة عن تفاصيل رحلة جمع القرآن، منذ زمن الرسول حتى صدور النسخة الرسمية من الكتاب الكريم، بعد (25) عاما، على يد الخليفة الثالث عثمان بن عفان. وهنا سنتقصى سبب عدم جمع السنة النبوية بين دفتي مصاحف أو كتب خاصة بها في عهد النبي وباشرافه. وقبل ذلك سنتعرّف على موقفه من كتابة غير القرآن بشكل عام، وكتابة أحاديثه وأقواله بشكل خاص. وهل حقا كان يمنع صحابته من تدوين سنته؟. والمراد بالسنّة: قول النبي، وفعله، وتقريره. لكن المهم خصوص أقواله وأحاديثه التي هي توأم الكتاب المجيد.

لا شك في حرص النبي على تدوين القرآن وضبط آياته وسوره، حفاظا على قدسيته وتعاليه، ليبقى مرجعية ثابتة للعقيدة والفكر. ومعرفة الأحكام والتشريعات. ومصدر إلهام للمؤمنين في مشاعرهم وسلوكهم ومواقفهم. فالعناية بالقرآن وقداسته يساهم في تعزيز سلطته، وهي مسؤولية أساسية بالنسبة للنبي الكريم. بل أن الأسيجة القدسية، وتنزيهه من مخالطة المدنس البشري (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)، يعد بذاته هدفا أساس للدين، الذي يتقوّم بمقدساته، وفرض هيبتها وسطوتها،(وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا). المقدس رأس مال رمزي، يستمد وجوده من وجود الخالق وعظمته في خلقه. ويتقوم بنسق الخطاب وإيقاعاته، وما يَعد به من نعيم وعذاب. فتعزيز قدسية الكتاب في مخيال المؤمنين، استراتيجية لتعزيز رصيد الرأسمال الرمزي للدين: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله). لذا فرضت الآية آدابا تكرس قدسيته المقدس يتكفل بتعبئة المؤمنين نفسيا وشعوريا، فالاهتمام به وتعزيز مكانته، إحدى مهام الخطابات الدينية. فلا يسمح للعقل بمقاربة المقدس، الحقيقة المطلقة، الوجود الكلي، والعلة الأولى، لسبب ذاتي (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ). (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ)، وخشية على تفتت روح التسليم، وانهيار التقوى المتقومة بالإيمان بالغيب، الذي هو الآخر جزء من بقعة القداسة، العصي على الفهم والتفكيك. بل حتى رمزية الخطاب في بعض جوانبها تعزز قيمة المقدس بشكل لا مباشر. ويكفي في قداسة القرآن نسبته للوحي، فهو وحي إلهي منزل، يجب أن يكون بمنآى عن التحريف. فإذا كان النبي قد نهى حقا عن تدوين سنته، فقراره احترازي من أجل عدم تداخلها مع آيات الكتاب الكريم، وربما تكون سببا لتحريف بعض نصوصه، فتربك أداء القرآن. وأنت تلاحظ دوامة التفسير والتأويل لفهم مقاصده وغاياته مع سلامته من أي تحريف، فكيف مع احتمال التحريف، مهما كانت نسبته؟. فالتداخل بين نصوص الكتاب ونصوصه كارثة مرجعية لو حصل فعلا. غير أن النبي اتخذ ما يلزم لحماية القرآن ولو على حساب تدوين سنته. بل لم يقم بتفسيره، سوى اشارات وتوضيحات. وترك المسلمين يتفاعلون مع كتاب الله مباشرة. فهو خطاب وبيان لهم: (هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ). فربما يتداخل تفسيره مع نصوص الكتاب الحكيم، فتحاشاه، حفاظا عليه.

فنهي النبي عن كتابة سنته محتمل مع هذه الحيثيات، وقد أكدت بعض الروايات التاريخية نهيه عن كتابة أحاديثه وأقواله، كإجراء احترازي، للحيلولة دون تداخلها مع آيات الكتاب الحكيم (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه). ومن باب أولى عدم جمعها. فوضع حدا بين القرآني والنبوي. وبين السماوي والبشري. لذا تأخر تدوين الحديث 150 عاما، بعد أن أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بجمعها. فكانت فترة كافية، لدس آلاف الأحاديث الموضوعة. فامتلأت فيما بعد الموسوعات الحديثية بمخلتف الأحاديث، اختلط فيها الصحيح بالموضوع. وهو أحد أسباب ظهور علوم الحديث في الجرح والتعديل، للتمييز بين الصحيح والموضوع من الروايات، من خلال تشخيص عدالة أو وثاقة الرواة وعدم انقطاع سند الحديث، ومن ثم دراسة متون الأحاديث للتمييز بينها وفقا لمصطلحات دراية الحديث. لكن رغم جدية الاجراءات، بقيت الأحاديث الموضوعة تنافس الأحاديث الصحيحة في حجتها والاستدلال بها، بعد أن حكموا بصحة جميع روايات ما يُعرف بكتب الصحاح الستة عند السنة. وأيضا قال بصحة جميع روايات كتبهم الإخباريون من الشيعة. وآفة الأحاديث الموضوعة هي إحدى تداعيات عدم تدوين سنة الرسول إلا متأخرا.

لا يوجد إجماع بين المسلمين على نهي النبي عن كتابة سيرته أو نهيه عن مطلق الكتابة ما عدا كتاب الله، والمسألة خلافية، فثمة من ذهب إلى نهي الرسول عن كتابة أحاديثه وأقواله كما تقدم. وهناك من قال عكس ذلك، ونسب النهي عن كتابة سنة الرسول إلى الخليفة الأول والأكثر تشددا كما هو معروف تاريخيا عمر بن الخطاب. فمقابل روايات النهي عن كتابة الأحاديث ثمة مجموعة أخرى من الروايات تبيح الكتابة مطلقا: (.. روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش عن ذلك، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكْتُ عن الكتابة حتى ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه إلى فيه "أي فمه" فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق"..).

وهذه الرواية مدهشة وخطيرة في مضمونها، فهي تبيح كتابة كل شيء يصدر عن الرسول، القرآن وغيره. فتُعارض روايات النهي عن كتابة أحاديثه وأقواله كما في الرواية السابقة. وقد حاول بعض العلماء رفع التعارض من خلال جمعهما. فقال: النهي عن الكتابة صدر في بداية الدعوة عندما كان الإسلام ضعيفا، فكانت خطوة احترازية لحماية القرآن الكريم. ثم أباح كتابة أقواله وأحاديثه، بعد أن قويت شوكة الدين، فلا تعارض بينهما.

 وهو توجيه مقبول، لولا عبارة خطيرة في متن الرواية تقول: فنهتني قريش عن ذلك، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ !!!. وهذا ينفي صدور نهي من النبي عن كتابة أحاديثه وأقواله، ويشكك في صحة روايات النهي. وحينما نشك فيه، فالأصل عدمه. إذاً لا يوجد ما يؤكد صدور نهي رسمي عن الكتاب، فهي مباحة أساسا، سواء اهتم الرسول بذلك أم لا. فهل كانت قريش وراء روايات النهي؟ ولماذا؟.

والمقصود بقريش في زمن الرسالة خصوص القريشيين من أصحاب النبي. أي الخط الأول من الصحابة، وهذا مكمن الخطر. فهؤلاء يحظون بمكانة خاصة، ومواقفهم مؤثرة، بل ومدروسة، ومخطط لها مسبقا. فهم يعلمون أنه رسول الله، وأنه لا ينطق عن الهوى. فهل كان النبي يصرح بأشياء تقلق مستقبلهم السياسي، فيخشون تدوين أحاديثه لسلب حجيتها ومشروعيتها؟. ربما. فلا يمكننا تقصي حقائق اندثرت، وبادت بفعل طول الفترة الزمنية، وتمت كتابة التاريخ لصالح السلطة. فالتدوين مخيف، لأنه شاهد على صحة مضمون الروايات،  بينما يمكن التشكيك بالنقل الشفاهي. بل بطبيعته يتعرض للتحريف والتآكل والنسيان، والقول بالمضمون. وهذه هي نقطة ضعف النقل الشفاهي. فنبقى نحن وما تبقى من روايات تاريخية. فالرواية المتقدمة أكدت تحفظ قريش على كتابة أقوال وأحاديث الرسول، باعتباره بشرا. لكن الأحداث التالية تؤكد هدفا آخر وراء تحفظهم. فما يؤكد اصرار قريش على عدم تدوين أحاديث النبي، ثلاثة مواقف أخرى:

الأول: طلب الرسول عند مرضه: (هلم اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا). فاختلف الحضور، وكان بينهم عمر، فقال: إن النبي غلبه الوجع، فحال دون كتابة الكتاب، والحديث موثق من ثلاثة طرق.

الثاني: موقف الخليفة الأول، حيث تقول الرواية: قالت عائشة: (جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله فكانت خمسمائة حديث، فبات ليلة يتقلب كثيرا، فغمني فقلت: تتقلب لشكوى أو لشئ بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك. فجئته بها، فدعا بنار فأحرقها).

الثالث: قول الخليفة الثاني: (إني كنت أريد أن أكتب السنن وأني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، واني والله لا أشوب كتاب الله بشئ أبدا). وقوله: (جردوا القرآن، واقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله). وكان يضرب بالدرة كل من دون رواية عن الرسول، يقول أبو هريرة: (لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته).

لا نستبعد أن يكون موقف قريش المتحفظ من كتابة أحاديث وأقوال الرسول حرصا على كتاب الله، وعدم الخلط بينهما. لكنهم برروا موقفهم بأن الرسول: "بشر يتكلم في الغضب والرضا"، وهذا التبرير ربما يكون مقنعا لنا بعد قرابة قرن ونصف عن بعثة النبي، لكن كيف يكون مبررا وهم يتلون قوله تعالى: "وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى"؟ بل كيف يكون مبررا وهم يعتبرون سنته حجة، قولا وفعلا وتقريرا. ويستدلون بها في استنباط الأحكام الشرعية: "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا". "من يطع الرسول فقد أطاع الله". وكيف يكون مبررا في ظل تلك الأجواء القدسية؟.

إن صورة النبي في وعي الصحابة، صورة مثالية مقدسة، رسمها خُلقه، وسلوكه، وآيات الكتاب المجيد، فكان هو النبي والقائد والأسوة والمثل والنموذج. وكانوا يقتدون به في كل شيء، فكيف يقتدون بشخص يفقد توازنه في الغضب والرضا؟. أما هي ذريعة لوقف كتابة الأحاديث؟ علامات استفهام مشروعة.

إن قول الراوي: (فنهتني قريش عن ذلك، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا؟)، يؤكد وجود موقف آخر غير معلن من الرسول ومواقفه وقراراته، كان يتحرك خلسة، وفي الخفاء، عبّر عن نفسه بتحفظه على كتابة أحاديثه. وهي خطوة تسمح بتحريفها أو إنكارها ما دامت شفاهية ليست مدوّنة. وتسهّل عملية وضع الأحاديث ونسبتها له، وهذا ما حصل فعلا بعد وفاته، فكانت الأحاديث الموضوعة كارثة حلت بالمسلمين وما تزال تلعب دورا سلبيا في تمزيقهم.

والأغرب في الرواية موقف الرسول المتهاون معهم. فسكت مكتفيا بتشجيع الراوي على الكتاب، يقول: (فأمسكْتُ عن الكتابة حتى ذكرت ذلك لرسول الله). فالرسول تحاشى قريشا وغطرستها، وفوقيتها القبلية. فقريش هي قريش، كما كانت في مكة لا ترضى بأقل من قيادة المجتمع، فتخشى أي تصريح لا يخدم هدفها. وكل اجراءاتها احترازية، رغم عدم اهتمام النبي بموضوع القيادة السياسية. وهنا يحق لنا السؤال: هل كان القرار السياسي بيد قريش، ولو بصورة غير مباشرة؟ وهل كان النبي يخشى مواقفهم رغم إسلامهم بسبب ثقلهم القبلي؟ وأسئلة أخرى كثيرة.

في مقابل المدرسة السنية شككت المدرسة الشيعية بروايات النهي عن كتابة أحاديث الرسول، في إطار نظرية المؤامرة التي تعتمدها في تفسير موقف الصحابة من تولي الإمام علي بن أبي طالب الخلافة. حيث يعتقد الشيعة أن الإمامة نص وتعين من قبل الله تعالى على لسان النبي الكريم، الذي نص على إمامة علي ومن جاء من بعده، في أكثر من تصريح وموقف. ولهم مصادرهم التاريخية الخاصة، وما نقلته كتب أهل السنة حول الموضوع. فالنهي عن كتابة أحاديث الرسول كان يقصد به، في نظر الشيعة، الحيلولة دون انتشار فضائل علي، وما تحدث به النبي عن الإمامة بشكل عام، وإمامة علي بشكل خاص،. فالشيعة يعترفون بوجود نهي عن كتابة أحاديث الرسول، لكنهم يعتبرونها روايات موضوعة استهدفت طمس ما ذكره الرسول الكريم عن فضائل علي وأهل بيته.

بهذا يتضح أن النبي لم يحرص على كتابة سنته فضلا عن جمعها بين دفتي المصاحف والكتب، كما فعل بالنسبة للقرآن الكريم واهتمامه بتدوينه. وثانيا أن مواقف قريش قد عرقلت كتابة أحاديثه، رغم احتجاجهم بها في عملية استنباط الأحكام. والتأسي به في مجال السنن والأخلاق. وهذا يكشف عن انتقائية في اختيار الأحاديث، وثمة إقصاء لبعضها، أو إقصاء ما يعرقل مشاريعهم السياسية.

هذه كانت مواقف المذاهب الإسلامية ورواياتهم عن كتابة الحديث الشريف، لكن لماذا تهاون النبي في ضبط وتدوين أحاديثه وسننه؟ ولماذا لم يجمعها بين دفتي كتاب يكون وثيقة رسمية ممضاة من قبله؟. بل كيف يتهاون وهو القائل كما في رواية عن الإمام علي: (.. وقد كذب على رسول الله "ص" على عهده حتى قام خطيبا فقال: "أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار". ثم كذب عليه من بعده).؟

محمد نبي، وهو يعلم جيدا تداعيات اهمال التدوين، فهل ثمة احتمال آخر ما عدا الاجراء الإحترازي وتحصين الكتاب الكريم من تداخل نصوصه؟

اعتقد ثمة هدف لا يمكنه التصريح به في وقته، هدف يتعلق بدور الإنسان في الحياة، وطبيعة التشريعات قياسا بظروفها الزمانية والمكانية. فالحديث النبوي هو أحد وسائل فهم الدين وكيفية ارتباط الإنسان به، لكنه ارتباط تقليدي، يقتصر فيه دور الفرد على التلقي والانقياد، رغم أن قسما منه وليد ظروفه، وضروراته التاريخية. فالجمود على حرفية الروايات يعيق تطور فهم الدين، رغم تطور الحياة ومفاهيمها. خلافا للنص القرآني الزاخر بدلالاته وتأويلاته القادرة على التكيّف مع الحياة. فعدم الاهتمام المبالغ فيه بكتابة الأحاديث يفسح المجال أمام المسلمين لتدبر القرآن وفقا لظروفهم الزمانية والمكانية، ليكون الدين أكثر مرونة وعطاء. وهذا يعني وحدة الرأي الاجتهادي في ظرفين مختلفين. فالرسول أراد فسح المجال للرؤى الاجتهادية المستقبلية، حينما تفرض الضرورات ذلك.

وهذا لا يخلّ بعصمته في تبليغ الوحي: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى). ولا يقدح بقوله: (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)، لأن المقصود بالإتيان آيات الكتاب الحكيم. وأيضا لا يخل هذا الفهم بآيات وجوب طاعة الرسول. لأنها ناظرة للجانب العملي والسلوكي، حيث خاض النبي الكريم معارك دامية مع أعداء الدين الجديد، وتخلف بعض المسلمين عنها، بل وتآمر آخرون، كما مارس بعضهم الترجيف وتثبيط العزائم، فأمرهم الله تعالى بطاعة النبي لحماية موقفه، كي يواصل عمله، ويبلّغ رسالته. وحذر القرآن من فئة المنافقين، رغم قربهم من النبي: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ).

إن اهتمام النبي الكريم بتدوين القرآن دون غيره، يدل على تفاوت نوعي في الإلزام والحجية بين آيات الكتاب الكريم وأحاديثه الشريفة. فمقتضى حجية السنة أن تحظى بنفس الاهتمام، تدوينا وحفظا، بل كان الأجدر أن تلحق بالكتاب المجيد إذا كانت مكملة له تشريعا، وتساويه في حجتها وإطلاقاتها الزمانية والمكانية. فعدم اهتمام النبي بكتابة سنته، يشي بتاريخيتها، والاستفادة منها لتطوير الفهم الديني، وتقديم قراءات متجددة لآيات الكتاب وفقا لظروفنا وحاجاتنا في كل زمان ومكان.

من هنا يتضح ثمة فلسفة عميقة وراء تراخي الرسول عن تدوين وضبط أحاديثه، رغم علمه بخطورة خطوته، وما يترتب عليها من تداعيات تنعكس سلبا على  الدين. فينبغي وعي تلك الفلسفة، وإدراك مقاصدها، من خلال تجدد الفهم الديني وإدراك الهدف الأساس من وراء خلق الإنسان. فتبرير عدم اهتمام النبي بسيرته اهتماما كافيا من أجل الحفاظ على الكتاب الكريم وإن كان سببا معقولا، لكن عدم ضبط سنته هو الآخر له تداعياته، فحجية وقداسة أقواله لدى الصحابة ليست أقل من قداسة الكتاب، بل تشبثوا بسيرته أكثر. لذا أجد في إدراك البعد الفلسفي سببا جديرا لفهم حيثيات عدم تدوين وجمع سيرته. والسبب وراء عدم ضبط أقواله وأحاديثه وعدم جمعها في كتاب، له سبب آخر إضافة إلى كونها خطوة احترازية لحياة القرآن باعتباره مصدرا أساسا للدين. فالاقتصار على تدوينه حماية للدين ومصدره السماوي، لكنه ليس تمام العلة والسبب. لذا وفقا للفهم المتقدم، تبقى أحاديثه الملزمة قليلة مقارنة بتفصيلات الأحكام الشرعية قرآنيا، وما تبقى يمثل وجهة نظره الاجتهادية في إطار ظروفه الزمانية والمكانية. لكن الذي حصل أنهم كرسوا مطلق السنة النبوية ليكذبوا على الله ورسوله، فقد أضرت فوضى الروايات الموضوعة بأسس الدين، ومزقت وحدته، وأصبحت الروايات مصدرا لشرعنة كثير من الممارسات الخاطئة، بل وسلبت إرادة الإنسان عندما عمّقت روح التلقي والانقياد باسم الدين وشرعيته، وطاعة أولي أمره، فكانت الأحاديث الموضوعة أحد أسباب تخلف المسلمين حضاريا. ومن يروم النهضة ينبغي له تفكيك المنظومة القيمية للسنة النبوية، وفرز الصحيح عن الموضوع من أحاديثه ورواياته. وتحديد ما هو زمني فيها، وما هو مطلق. فالسنة هي أحد مرجعيتي المسلمين عقيديا وفكريا ومعرفيا، فهي ثان مصدر معرفي بعد الكتاب، بل تتقدم عليه لتوقف فهمه عليها. فالخطوة الأولى على طريق النهضة نقد مصادر المعرفة، وتحديد قيمتها المعرفية، والارتكاز للعقل في تفكيكها، وإعادة تشكيلها. بل ينبغي لها البقاء داخل حدودها، ولا تطال العقل وقدراته الخارقة في تطوير الذات والمجتمع. وليس في هذا تجاوز على الدين وقيمه ومبادئه. بل القرآن أكد على دور العقل في الإيمان ومعرفة الخالق.

 

............................  

للاطلاع على حلقات: 

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

تعليقات (6)

  1. صالح الرزوق

لا تزال إشكالية الوحي ذات علاقة بتكوين العقل العربي . و كيف يمكنه تأويل الصور المجازية بلغة خاصة بالبسطاء و المؤتلفة قلوبهم.
حتى أن تأيدد الجيش الإسلامي بجنود لم تروها عالنت الكثير ممن الحمولات الظالمة التي جهلت الامسألة و كأنها حربي بين الله و الكفار. هل يحتاج الله لأن يشن حربا على بدو الصحراء و لو أنهم من كبار تجار قريش.

 

هناك أخطاء جسيمة في فهم الدين وعلاقة الله بالانسان والحياة، سببها عقول مرهونة للتراث والتاريخ، مرهونة لعقول مضى عليها اكثر من الف عام. نامل في تقديم رؤى جديدة عن هذه المفاهيم. لذا فبحث الوحي سيكون الاهم بين جميع المواضيع لتوقف فهم اشياء كثيرة عليه. شكرا لك الاستاذ القدير د. صالح الرزوق مع احترامي

 
  1. ثائر عبد الكريم

شكراً الى استاذنا الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذا الابداع في تناوله الى السنة النبوية التي تحتوي على احاديث الرسول (ص) و اسباب عدم تدوينها في وقتها؛ و شكراً الى الاخ المعلق الدكتور صالح الرزوق على تعليقه.

الشيء الرائع الذي يعجبني في مناقشات الاخ الدكتور الغرباوي هو وضع كل الاحتمالات في تفسير الامور التي لا نعرف كيف حدثت في ذلك الزمن؛ اي قبل اكثر من 1400 سنة مضت. و ان هذا الاسلوب هو الاسلوب العلمي الصحيح في كل الدراسات.
و ان هذا الاسلوب يختلف جذرياً عن اسلوب التلقين و الاملائات التي ضيعتنا و ضيعت ديننا. و هذا الاسوب المتبع حاليأ و هو سبب تخلفنا.

و انا اتفق معك يا استاذنا الفاضل في احتمال من انه قد يكون الرسول (ص) لم يهتم بأحاديثه لكي لا تختلط مع الآيات القرآنية. لان هذا قد يقود الى الخلط بين الاحاديث و بين الايات القرآنية. و هذا قد ينتج عنه تزوير آيات القرآن.؟؟

يبدو ان تاريخنا الاسلامي تسود عليه الضبابية و الاجندات الخفية التي دست فيه لغرض زعزعة الثقة به من ذلك الوقت.

نحتاج الى تفكيك تاريخنا الاسلامي لكي نصل الى الحقيقة النسبية التي تتلائم مع العقل الانساني (لان الحقيقة المطلقة لا نعرفها مهما عملنا) في فهم ماذا جرى في ذلك الوقت؟؟.

كيف نثق بجميع الاحاديث النبوية (المكتوبة و الشفوية)؛ و نحن اختلفنا في كيفية اداء الصلاة التي شاهدنا الرسول يؤديها بعيوننا؟؟؟؟. و كذلك الآذان الذي سمعناه بآذاننا؟؟.
اليس هذا يثير الشك؟؟؟. فكيف نثق بكل ما كتب؟؟؟.

اعتقد انه من المفيد جداً ان تراجع كل الاحاديث المنسوبة الى الرسول (ص) و ان ننسبها الى القرآن. هل هي متطابقة مع فحوى الايات القرآنية ام لا؟؟؟.

و اعتقد انه من المفيد جداً ان نعرف التسلسل التاريخي للآيات القرآنية لان هذا قد يساعدنا في تسليط الضوء على الاحاديث النبوية و ذلك لدراسة ملائمتها للآيات القرآنية خلال فترة نزول الوحي و الفترة التي تلته لحد وفاة الرسول (ص).
و اعتقد ان الاحاديث قد تكون لها علاقة بالايات القرآنية وقت نزولها. ؟؟؟
آسف على الاطالة
و شكراً مرة اخرى الى الاخ المبدع الدكتور الغرباوي على هذا العطاء التنويري الرائع الذي يشكل مشاعل تنوير تضيء الطريق امامنا في فهم ديننا بالشكل الصحيح الذي اراده الله عزّ و جل.

ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

 

مرحبا بك الاخ الدكتور ثائر عبد الكريم، وشكرا لتعليقك، وحسن ثقتك. نحتاج اشياء كثيرة، غير ان مصلحة رجال الدين والمذاهب الاسلامية ترفض كل جهد تجديدي. نواصل ما بدأناه علنا نقول شيئا، شكرا لك دائما

 

الأستاذ الأديب والمفكر المرموق ماجد الغرباوي
لقد أكدت على نقطة جوهرية تتعلق بعدم كتابة الأحادبث النبوية, وكما اتضح بأن السبب هو الخشية من اختلاطها بالآيات القرآنية وما ينتج عن ذلك من احتمال تناقلها كجزء من القرآن الكريم
لكن هناك مشكلة ظلت قائمة الى يومنا هذا وهي الشك في الكثير من الأحاديث المنسوبة والمنقولةعن شخص الرسول الكريم(ص) , لكون مضامينها بعيدة عن المنطق ولا يمكن أن تكون من نتاج فكر الرسول(ص)
فهناك أحاديث مدسوسة على الرسول الكريم
وهناك مشكلة أخرى هو أن هناك صحابة مختلقين لا وجود لهم
وهنا أشير الى كتاب العلامة مرتضى العسكري وعنوانه( خمسون ومائة صحابي مختلق), والذي استعرض فيه سيرة 39 صحابي من أصل 150 صحابيا
فشخصية عبدالله بن سبا التي نقل عنها سيف بن عمر التميمي هي شخصية وهمية لا وجود لها وقد اكد اكثير من المخققين القدامى هذه الحقيقة , ومن المتأخرين ممن أشاروا الى وهمية وجود ابن سبأ عميد الادب العربي الدكتور طه حسين
وقد لجا سيف بن عمر التميمي الى طريقة بارعة في الإيهام بصدق الأحاديث التي يدعي انها للنبي(ص) وذلك بإسناد نقلها الى صحابة معروفين لكن في المحصلة الأخيرة ان الشخصية التي نقل عنها هؤلاء الثقاة هي شخصية وهمية لا وجود لها, فهناك صحابة ليس لهم وجود , ألبسوا لباس الصحابة ووضعت على السنتهم أحاديث نسبت للرسول وكان وراء هذا العمل شخص عرف بالزندقة والتزوير والتلفيق هو سيف بن عمر التميمي
هذا ما أردت أن أشير اليه في هذه العجالة
مع خالص الود وعاطر التحايا

 
  1. ماجد الغرباوي

مشاكل الحديث متعددة، وهذه إحداها، وهناك الارسال، والانقاط، ومشكلة اخبار الآحاد، واتصال حلقات سند الحديث، واشياء كثيرة اخرى. اشرت لبعضها خلال حلقات الحوار. شكرا لحضورك وانت تتابع ما اكتب خالص التقدير للشاعر القدير جميل حسين الساعدي

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4093 المصادف: 2017-11-19 03:11:27