المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (41): أين اختفت خطب الرسول؟

majed algharbawi6خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والأربعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة د. ثائر عبد الكريم.

 

س69: د. ثائر عبد الكريم: هل كان الرسول (ص) يخطب في المسلمين؟ فأين خطبه؟ ولماذا لا أجد من يتكلم حولها؟. ولماذا لم تدّون في حينها؟. ولماذا هذا الصمت من الإسلاميين؟. أليس أمرا مهما أن تكون خطب الرسول مرجعا للمسلمين جميعاً؟.

ج69: ماجد الغرباوي: لا شك أن الرسول كان يخطب بالمسلمين حول مختلف الشؤون الدينية والاجتماعية والسياسية. فهو قائد ميداني واجتماعي إضافة لكونه نبيا مرسلا بشيرا ونذيرا للعالمين، والخطابة إحدى أدوات القيادة في البيان والتبليغ والحث والتحذير والتعبئة ورص الصفوف والتحريض على القتال. فالخطابة ملازمة للقيادة دائما، وما من قائد إلا وحفظ لنا التاريخ خطبه أو بعضها. غير أن المدونات الحديثية والكتب التاريخية لم تحفظ لنا من خطب النبي إلا القليل، كخطبته قبل شهر رمضان، وخطبته في حجة الوداع، وخطب متفرقة، لا تتناسب مع حجم نشاطه، وهي مبثوثة في المصادر الحديثية والتاريخية.

والأكثر غرابة إختفاء خطب الجمعة، والمعروف أن الخطبتين إحدى شروط صلاة الجمعة، وقد صلى النبي في المدينة عشر سنوات، فينبغي أن يحفظ لنا التاريخ بما لا يقل عن 500 خطبة. لكن للأسف لم تضبط لنا المدونات الحديثية والتاريخية خطب يوم الجمعة إلا عددا محدودا جدا، أحدها الخطبة الأولى بعد وصوله إلى المدينة المنورة. فتحولت خطب الرسول يوم الجمعة إلى مشكلة تراثية. ولم تستطع الكتب المخصصة تقديم أجوبة مقنعة. فظل السؤال محيرا. فأين اختفى العدد الكبير من خطب صلاة الجمعة؟ وأين ذهبت خطب المناسبات، كالأعياد والحروب، واللقاءات العامة؟. وهل ما روي منها هو كل ما خطبه الرسول على أصحابه لعشر سنوات؟ أم ليست له خطب أساسا سوى ما روي من أحاديثه وأقواله القصيرة؟.

إن القيمة التوثيقية والمعرفية للخطب النبوية تبرر قلق الباحثين حولها. فهي أكبر وأقوى من القيمة التوثيقية لباقي أحاديثه، رغم كثرتها. وقد تصل درجة اليقين حينما تتوفر على شرط تواترها. فتكون حجة لحجية التواتر ذاتيا، على العكس من أخبار الآحاد التي تحتاج إلى جعل وقرائن دالة على حجيتها.

 ويقصد بالتواتر أن يروي الحديث في كل طبقة عدد كبير من الرواة يتعذر تواطؤهم على الكذب. كتواتر نبوة الرسول، ونزول القرآن. فشرط الكثرة الموجبة للتواتر متوفرة في خطب الجمعة، سواء كان التواتر لفظيا أو معنويا. فقد يتعذر حفظ تمام الخطبة لطولها فيتعذر التواتر اللفظي، لكن من السهل جدا نقل مضامين الخطبة فيكون التواتر معنويا، تقوى قيمته طرديا مع عدد المستمعين ونوعية الحضور من حيث قدرتهم على الحفظ، ووعيهم لمضامين الخطبة. والتواتر قليل في الأحاديث النبوية، ولم يثبت بكامل شروطه إلا نادرا جدا. وهو أعلى درجات الإسناد، لا يشوبه شك وريبة من جهة إسناده بل وحتى مضامينه، بل يفيد العلم واليقين بصدور الكلام. فلو احتفظ لنا التاريخ بها لكانت ثروة حديثية ومعرفية، تبدد كثيرا من الشكوك التي تدور حول طيف كبير من الروايات والأحاديث النبوية الشريفة.

لا يمكن الجزم بصدور أية رواية أو حديث عن النبي ما لم نضمن سلامة وصحة واتصال السند أو الطريق المؤدي إليهما. فاشترط علماء الدراية والحديث شروطا صعبة للجزم بصحة صدورهما. فهناك من يشترط عدالة جميع رواة سند الحديث. وبعض اكتفى بالتوثيق. ويقصد بالتوثيق صدق الراوي ومعرفته بالأحاديث، فيتجنب رواية الأحاديث الموضوعة. ولأجل ذلك ألّفوا كتبا وموسوعات خاصة بدراسة تاريخ الرواة، وعقائدهم، واتجاهاتهم، ومستوى عدالتهم أو وثاقتهم. وهذه هي قيمة الأحاديث المتواترة، فكثرة رواتها في كل طبقة من طبقات رجال الحديث يمنحها وثوقا وقوة، تتضاءل معها احتمالات الكذب. فالأحاديث المتواترة لا تعاني ما تعانيه أحاديث الآحاد في أسانيدها. من هنا احتفظ المتواتر بقيمة توثيقية أعلى.

فروايات خطب صلاة الجمعة لو ثبتت تاريخيا، تُعد روايات متواترة، خاصة الطبقة الأولى، وهم الصحابة الذين حضروها، وعددهم كبير عادة، فالغالبية العظمى تقطن المدينة المنورة، ولا شك في حضورهم إلا من عُذر، لصراحة الآية في وجوب صلاة الجمعة، وحضور الخطبتين جزء منها كما هو المفروض (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ). ثم يتصاعد عدد رواة خطب الجمعة، في الطبقة التالية، عندما يروي كل صحابي لغيره من التابعين أو من يلتقيهم خارج المدينة. فشروط التواتر تامة في أغلبها. من هنا يعد فقدانها خسارة توثيقية. بل ويسري الشك في أصل وجود خطبة الجمعة، وإلا كيف خلت المدونات الحديثية والتاريخية من هذا العدد الكبير من خطب الرسول في صلوات يوم الجمعة؟. ولا يمكن تفسير اختفائها بالمؤامرة، لأن عددها كبير، ورواتها أكبر مع تكررها في كل أسبوع، وليس جميعها يشكل خطرا على أصحاب المشاريع السياسية. من هنا استبعد وجود مؤامرة لاقصاء تدوينها. ويبقى احتمال أخير، هو اعراض أصحاب المدونات عن تدوينها. وهذا تبرير ضعيف حيث دونت الكتب التاريخية جميع حركاته وسكناته وأقواله. فلماذا يتوقفون في تدوين خطب يوم الجمعة؟ فلا بد من وجود سبب آخر.

هذا بالنسبة للقيمة التوثيقية لخطب الرسول الكريم أيام الجمعات، فهي أحاديث متواترة، حجتها ذاتية، تفيد العلم واليقين، فكان فقدها خسارة كبيرة قياسا بعدد روايات الآحاد التي لا تفيد العلم واليقين، ولا تكون حجة بذاتها، وتحتاج إلى جعل شرعي ودليل خارجي وقرائن دالة عليها، وحتى مع توفر القرائن الدالة على صحتها، لكن غالبا ما يكون الراوي واحدا، فنحتمل فيه الخطأ والنسيان، بل وحتى الكذب والتحريف، فكيف نعالج هذا الخلل؟.  بينما خطب يوم الجمعة عامة، يسمعها الجميع، ويشهد لها كافة المصلين، ومن يخطئ في نقل مضمونها فثمة عدد كبير يصحح خطأه. فالتشكيك بالخبر المتواتر نادر، عكس خبر الآحاد، خاصة عندما يكون موضوعه خطيرا، يهم مستقبل المسلمين أو شأنا من شؤونهم. ولعل أبرز حادث تاريخي يجسد هذا المعنى، رواية أبي بكر يوم السقيفة عن الرسول قال: "الخلافة في قريش"، ولم يرو الحديث أحد سواه، فقلب موازين القوى لصالح قريش، وحصر الخلافة بهم، مهما كانت كفاءة وجدارة غيرهم. ولم يرده أو يكذبه أحد، بينما هو خبر آحاد، يكفي لرفضه، أنه يكرّس سلطة قريش، وهو منهم، ومتصدٍ للخلافة. فتسقط حجية روايته. ثم أن الحديث يؤسس لشرط خطير يتوقف عليه مستقبل المسلمين، فكان ينبغي للرسول قوله على رؤوس الاشهاد لخطورة تداعياته، فلماذا أسرّه لأبي بكر ولم يسمعه غيره؟.

وأما القيمة المعرفية فهي خسارة أكبر، فما يُطرح في خطب صلاة الجمعة قضايا عامة، حساسة، تهم الدين والسياسة والاجتماع، وليست قضايا جزئية، ومسائل شخصية. فكم يعاني الفقيه في إثبات مضمون خبر الآحاد، بينما لا يحتاج الخبر المتواتر أية معاناة، لتوافق الرواة على موضوعه. فاحتمال الكذب منتفٍ في الأخبار المتواترة، واحتماله في أخبار الآحاد معتد به . بل أن الخطب العامة تكشف عن أبعاد معرفية لا تهتم بها أخبار الآحاد. وتكشف عن مدى اهتمام الرسول ببعض القضايا المصيرية والخطيرة، كما بالنسبة لشرط القرشية في الخلافة، فهذه ليست قضية خاصة وعادية يسر بها النبي لأبي بكر خاصة. بل المفروض كإجراء احترازي لتبديد الشكوك أن يتحدث بها على رؤوس الأشهاد وفي اجتماعات عامة، بل ويكررها أكثر من مرة حسب أهميتها، وحينما لا يفعل وليس لها جذر قرآني فهذا يكشف عن عدم اهتمامه بها، فيكون النزاع حول هكذا قضايا شخصيا وسياسيا لا علاقة له بالدين،  فسبب نزاع المذاهب هو عدم وجود أدلة كافية لهذا لطرف دون ذاك.

صلاة الجمعة منصة إعلامية وفكرية، وخطب الجمعة وثائق تاريخية موثوقة، وفقدانها يبعث على الشك والريبة، من هنا راح بعضهم يبحث عن مبررات لاختفائها، منها:

- إن خطب الرسول كانت قصيرة جدا، مراعاة للمصلين والأجواء الساخنة، وهي جزء من الأحاديث المروية عنه. لكن هذا لا يمنع أن يحتفظ التاريخ ببعضها، بل ولماذا لم يذكر الرواة مناسباتها، ولماذا لم تصن ضمن خطبه في المناسبات أو يوم الجمعة؟.

- وهناك من برر عدم وجودها: بأن خطب الرسول هي ذات الآيات القرآنية، وهي مادته الخطابية، فكان يتلو في الخطبة بعض ما أوحي له. وهذا ممكن لكن تلاوة الآيات ليست خطبة بل تتضمنها الخطبة عادة. ثم لماذا لم يستشهد أحد ويؤكد تلاوة الرسول لهذه الآيات أو تلك في خطبة صلاة الجمعة؟ ولماذا لم يتأس به أحد، ويكتفي بتلاوة الآيات القرآنية في خطبتي الصلاة؟.

- وثالث قال إنها مبثوثة ضمن أحاديثه في الكتب الحديثية. لكن لماذا لم يُفرد باب مستقل لخطب الرسول، كما هو منهجها في تبويب الموضوعات على أبواب، حيث دأبت مصادر وكتب الأحاديث على تبويبها. باب رئيسي وأبواب فرعية.

وهنا توجد احتمالات أخرى:

الأول: عدم اشتراط الخطبتين شرطا لازما في صحة صلاة الجمعة، فيكون الرسول بالخيار بين أدائهما أم لا، حسب المناسبة وظروف إقامة الصلاة، خاصة مع شدة حرارة الجو صيفا. ولا يطيل لنفس السبب عندما تقتضي الضرورة خطبته قبل صلاة الجمعة. لذا روي ما دلت عليه الأدلة فعلا. وما يؤكد خيارها، وعدم إلزامها قلة روايات خطب الجمعة للخلفاء من بعده.

الثاني: عدم اشتراطهما إطلاقا، لذا لم ينقل لنا الرواة خطب الجمعة، وما نقل منها كان استثناء، وخارج الصلاة. فلم يأت بالخطبة كواجب وشرط يتوقف عليها صحة الصلاة بل دعت الضرورة، كما في خطبته الأولى بالمدينة التي روتها الكتب الحديثية. وما يؤكد هذا الاحتمال، سورة الجمعة، التي كرّست حضور الصلاة لذكر الله تعالى. وعابت على المسلمين تخلفهم عنها لدواعٍ تجارية ومالية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ). فالآية لا تتحدث عن شيء آخر سوى الصلاة وذكر الله، فيكون شرطها اجتماع المسلمين لأداء الصلاة بشكل جماعي، فهي مناسبة عبادية خالصة. لذا قالت الآية التالية: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، فلم تذكر شيئا آخر غير الصلاة والذكر، فهي شعيرة أسبوعية جماعية مكرّسة لذكر الرحمن وأداء الصلاة، وعندما أدانت الآية التالية من يتهرب عن أداء الصلاة جماعة، لم تتطرق للخطبة كشرط في الصلاة، أو كجزء مكمل لشعيرة صلاة يوم الجمعة: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚقُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ  وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).

الثالث: ما كان يتطرق له النبي في الخطبتين، يقتصر فيه على الوعظ والإرشاد، ولا يتعدى بعض الآيات والكلمات، فلا تدعو للاهتمام كثيرة، لتكرارها. وهذا يفعله الان بعض خطباء الجمعة ممن يشترط اللغة العربية فيها، فيقتصر في خطبته على المواعظ والآيات، بحدود دقائق معدودة. وهذا ممكن لكن يرد عليها ما ورد على سابقه، ولا اقل يحتفظ لنا التاريخ بجملة منها.

قد تكون خطب الجمعة مبثوثة بين أحاديثة، وقد يصدق أنه كان يتلو فيها القرآن وليس شيئا آخر، لكن لا يوجد ما يؤكد كلا الاحتمالين. وما يرجح الاحتمال الأخير أننا لا نعثر على خطب الجمعة للإمام علي الذي ضبط كتاب نهج البلاغة خطبه وأقواله.  

غير أن منبر الجمعة نشط في عصر الدولة الأموية وما بعدها، فكان منبرا إعلاميا موجها لتكريس سياسة الاستبداد وقمع المعارضة، واستباحة دماء الخصوم السياسيين، وتعطيل الشروط الأخلاقية والدينية لمنصب الخليفة، حتى تولى الأمر خلفاء، في الدولتين الأموية والعباسية، متهمون في دينهم وانضباطهم. بل بعضهم متهم بالفسق والفجور، وقد تمادى بعض الفقهاء في تبرير الاستبداد حتى قبلوا بولاية الفاسق، وقالوا بوجوب الصبر على أوامر السلطان الظالم والفاسق، وعدم جواز الخروج عليه. فهذا ابن كثير – مثلاً- أكد أن يزيد بن معاوية (إمام فاسق) لكنه يقول مع ذلك إن (الإمام إذا فسق لا يعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل ولا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة، ووقوع الهرج، وسفك الدماء الحرام، ونهب الأموال، وفعل الفواحش مع النساء وغيرهن، وغير ذلك مما كل واحدة فيها من الفساد أضعاف فسقه كما جرى مما تقدم إلى يومنا هذا...) .

وظل الاستبداد سياسة متبعة لدى الخلفاء الأمويين والعباسيين وغيرهم، فقد مارسوا سياسة استعبادية ظالمة لم تستنشق معها الأمة نسيم الحرية. وكانت آلية حكمهم القوة وإخماد المعارضة، فهذا عبد الملك بن مروان يعرض سياسته عند تولي الأمر فقال: (أما بعد، فلست بالخليفة المستضعف، ولا الخليفة المداهن، ولا الخليفة المأمون، إلّا أني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلّا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم،...

ألا أن الجامعة (القيد) التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي، والله لا يفعل أحد فعله إلّا جعلتها في عنقه، والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلّا ضربت عنقه) .

وبالتالي نعود للسؤال، لا يوجد ما يؤكد خطابات الرسول يوم الجمعة، وأما خطبه الأخرى فمذكورة في المصادر الحديثية، لكنها ليست كثيرة. وأما عدم ضبطها وجمعها من قبل النبي، فهو ذات الإشكال في السؤال المتقدم. فالنبي لم يجمع ولم يأمر بجمع أقواله وأحاديثه، وكان جل اهتمامه منصبا على ضبط وتدوين الوحي. وقد بينت بعض الاحتمالات وراء عدم اهتمام النبي الكريم بجمع أحاديثه وسننه.

ومهما كان السبب فإن تداعيات النقل الشفاهي، وعدم تدوين السنة باهظة:

- حيث كذب على رسول الله، بوتيرة تصاعدية كلما ابتعدنا عن تاريخ وفاته، فراحت الأحاديث الموضوعة تلعب دورا خطيرا في تكريس الاستبداد السياسي، والظلم باسم الدين، وتبرير سلوك السلطان.

- خاصة روايات الفضائل التي عمقت شقة الخلاف والتنافس بين الطوائف والمذاهب الإسلامية التي راحت تكرّسها، كدليل على شرعية أو عدم شرعية الخلافة.

- تضارب الأحاديث تسبب في خلق مشاكل فقهية، بل وتسربت مضامين خطيرة، بأسانيد منحولة. كما أن تسبب التعارض بين جملة من الأحاديث إلى اختلاف فتاوى الفقهاء، كلٌ حسب مبانيه الأصولية والرجالية والحديثية.

تبقى مشكلة التاريخ مشكلة عصية على الحل، بعد مرور أكثر من ألف وأربعمئة سنة. واندثار كل شيء، وإشكالية التداول الشفاهي للروايات والأحاديث والتاريخ. ودور السياسة في الدس والزيادة والنقصان والوضع والتحريف.

ملخص الكلام، إن صلاة الجمعة بصيغتها الحالية، هي صيغة رسمية فرضتها ظروف السياسة والحكم، خاصة إبان الدولتين الأموية والعباسية. وقد لعبت خطب الجمعة في عهدهما دورا خطيرا في تزييف الوعي، وتعميق هوّة الخلافات الطائفية، والتحريض على العنف والكراهية والتنابذ. إنه تاريخ ملوّث، يثير الإشمئزاز، ينبغي البراءة منه، والتخلي عن سلطته، وسطوته، وهو يحرك مشاعر الناس ويتلاعب بمقدراتهم. التاريخ والتراث آفة الثقافة والوعي، والتخلي عنهما يفسح المجال في انطلاقة حضارية جديدة، بعد نفض الماضي وحمولته الثقيلة.

اتضح مما تقدم أن الرسول لم يتصد لجمع القرآن بنفسه، ولم يجمع أحاديثه وخطبه، ولم ينص صريحا على خلافة أحد من بعده. وهذا يجعلنا نشك بكل ما جاء في التراث، ويفتح آفاقا واسعة للتفكير بجدوى الانقياد لماضٍ لم نعاصره، ولم نستطع التحقق من صدقه. فمن أين جاءوا بهذا العدد الكبير من الأحاديث، وكيف تراكمت الموسوعات الحديثية عبر السنين؟ وما هي حقيقة فتاوى وأحكام رجال الدين؟

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

تعليقات (8)

  1. صالح الرزوق

مع أن الموضوع خارج نطاق اختصاصي لكنني أؤكد مع ألأستاذ الغرباوي أن وراء غياب الخطابات الرسولية حكمة.
أهمها حتى لا تختلط بكلام الوحي و تحصل على قيمة لا تدعيها. و تدخل في باب المقدس و ليس التبشير. و بالنسبة أنه لا ينطق عن الهوى فهذا يختص بالتنزيل. و أما غيره فهو كلام بشر لكنه إنسان غير عادي.
و ثانيا. لعل الخطب طويلة و لم يجرؤ أحد على جمعها بعد الوفاة حتى لا يلحق بها تشويه. و قدرة الإنسان على حفظ الكلام الطويل محدودة. و أضيف لذلك أنها لا بد تشبه القرآن. و متأثرة به. و لا يوجد ضرورة لإعادة نفس الكلام و التعاليم بصيغة جديدة.
من يقول أن القرآن فيه تكرار هذا غير دقيق. و التكرارا محدود في القرآن و له وظيفة واضحة.
و هي التأكيد و التذكير.
و هذه عادة بلاغية عند العرب و قد خاطبهم الوحي بلغتهم و بأسلوبهم.

 

يبقى السؤال عن مصير اكثر من خمسمئة خطبة، لا شك لو أنها حقا صدرت عنه، لاحتفظ لنا التاريخ لا اقل بأهمها، ويتفترض الان لدينا كحد ادنى مئة خطبة محفوظة. اكرر شكري لك دائما، فاشكالات التراث لا تنتهي ومهمتنا الكشف عن الحقيقة كي نكون على بينة من امرنا

 
  1. صالح الرزوق

الفراغات في قراءة السيرة النبوية كثيرة، بعضها بالتواطؤ لتغطية حقائق عن شخصية اول خليفتين، و عن طبيعة الخلاف الطبيعي بين الموالين لاخر خليفتين،
و بعضها بالفطرة بسبب لبتعاد الفترة و تغير وجهات النظر و طبيعة الاهتمامات للبشرية،
فالإنسان لديه استجابة للدوافع، و لا شك ان اهتمامنا بما حولنا يتبدل، و اكاد اعتقد اننا على وشك الدخول في طفرة بشرية، فالحدوس اصبحت جزءا من الانسان و حل ذلك محل العرافة،
لا مكان للعرافة في عالم نسميه قرية كونية صغيرة،
انما الخوض في الشبهات مشكلة ايضا، و لذلك افضل ابصمت على بعض الأمور لان الخطأ المتفق عليه هو حقيقة فعلية توجه ردود افعالنا و تصرفاتنا و تلم الشمل و تقدم موقفا ايجابيا يدرأ خطأ اكبر منه،

 

لسنا بصدد ترضيات، نحن في حوار ينبغي الاجابة بشكل صحيح كما اعتقد بذلك وفقا للادلة، تحياتي

 
  1. ثائر عبد الكريم

شكراً الى الاخ الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذه المعلومات القيمة المتعلقة بخطب الرسول (ص) ؛ و شكراً الى الاخ المعلق الدكتور صالح الرزوق.

اعتقد ان تاريخنا الاسلامي فيه الكثير الكثير من الامور الغامضة التي لا نعرفها و التي لم تتطرق لها مناهج الدراسة و لم يتطرق لها الكتّاب الاسلاميين.

اغلب الكتّاب الاسلاميين يركزون في كتاباتهم على المذاهب الطائفية و التي لا وجود لها في الدين الاسلامي اطلاقا؛ "الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعاً ؛ و كل حزب بما لديه فرحون --الخ"ً – قرآن كريم. و يتركون جوهر الدين الاسلامي و جمع كلمته و كذلك يتركون رسول الله (ص) الذي اختاره الله في ايصال الرسالة السماوية. ان هؤلاء يحركهم الدولار الاخضر و كذلك تحركهم اجندات خفية لتمزيق الدين الاسلامي على اسس طائفية.

ان القرآن الكريم تأخر جمعه الى وقت الخليفة عثمان (رض)؛ احاديث الرسول كذلك تأخر كتابتها و دست فيها الكثير من الامور التي تشوبها الشكوك؛ خطب الرسول (ص) لم يهتموا بها؛ كذلك تركت. و هذه الامور مهمة جداً لانها تتعلق برسالة السماء و بشخص الرسول (ص) لانه مكلف بحمل رسالة السماء؟؟؟. خطباء الدين مشغولين بفقه السلف الصالح ام الطالح و تاركين كتاب الله على الرفوف. ؟؟؟. حالياً لدينا "ثقافة القطيع".
ثلاثة من الخلفاء الراشدين (رض) قتلوا و لا نعرف ما هي الاسباب التي قادت الى قتلهم و من هي الجهات التي ورائهم؟؟؟.
ارتداد قسم من المسلمين بعد وفاة الرسول (ص) ؟؟؟.
و ان هذا كله كان يتوقعه الله في آياته المتعلقة بالاعراب و المنافقين ---الخ.

نحن نحتاج الى دراسات و ليس دراسة لكي نصل الى جزء من الحقيقة؛ لكي نعيد كتابة تاريخ ديننا و تنقيته من كل الشوائب التي دست به. و اعتقد لكي نوفق في هذا علينا ان ننسب كل شيء الى "نظرية المسلمين و هو القرآن الكريم". و الامور التي لا تتفق مع القرآن يجب ان تهمل.
حالياً بوجود الانترنت توجد الكثير الكثير من البدع و الخرافات المذهبية التي لا يتحملها العقل البشري البدائي و ليس الذي يعيش في القرن الواحد و العشرين.

شكراً مرة اخرى الى استاذنا الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذه الحلقات التنويرية الرائعة التي ستكون لبنة اساسية في بناء الفهم الصحيح للدين الاسلامي.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

 

الكتابات النقدية عندنا قليلة بسبب سطوة المؤسسة الدينية ورجل الدين، وقوة العرف وقيم المجتمع القائمة على صيغ رسمية للدين، لذا يعتبرون النقد العدو الاول، لانه يزعزك ثوابتها، فتنهار اغلب تلك القيم. فكما تفضلت نحن بحاجة لجهود كبيرة. نامل ان تكون لنا مساهمة فيها، خالص احترامي لحضورك الاخ د. ثائر عبد الكريم

 
  1. جمعة عبدالله

اتابع باهتمام حلقات الحوار المفتوح مع المفكر الكبير الاستاذ ماجد الغرباوي , بأعجاب وثناء في رؤيته العلمية , في التحليل والتشخيص , بأسلوب سهل ومبسط , لانه موجهة لعامة الناس , المثقف والمواطن البسيط , في براعة فائقة في الطرح الموضوعي المقنع , في آلية التحليل العلمي البصير , الذي يهمه عرض الحقائق والوقائع , تحت مجهر التحليل والتشخيص . ولا استطيع ان اضيف شيئاً , لبساطة الشروح المقنعة , التي لا تترك اثراً للشك والتساؤل , ولكن لفت اتباهي تساؤله الوجيه والموضوعي , عن اختفاء خطابات الرسول الكريم , ايام الجمع , التي جرت العادة منذ القدم , بأن تكون هناك خطبة .وما وصل الينا يدعو الى الحيرة من مجموع 500 خطبة على الاقل , تصلنا خطابات معدودة . هذا التساؤل تناوله بالشرح المبسط وبالادلة والبراهين . عودنا استاذنا الكبير في تحليلاته الفكرية العلمية الثاقبة في بصيرتها وتحليلها العملي بالطرح الجريء , بينما الاخرون يتحاشون خوض مثل هذه القضايا الساخنة , يطبقون المثل القائل ( سد الباب واستريح ) او بعض يماشي الموجة السائدة لاطماع ذاتية . والبعض يتجنب الصدام مع الافكار السائدة , حتى في عللها وثغراتها وانتهى صلاحيتها النافذة , فبدلاً من ان يقول الملك عارٍ عن الثياب ( وهذه حقيقة للعيان لا ينكرها العقل المتفتح البصير ) يقول الملك مرتدي احسن الثياب الفاخرة والراقية , انها بحق ذوق آلهي فريد , كما نرى الجوقة المطبلة الراقصة , في كل زفة رقصة مدفوعة الثمن , لذلك نجدهم يغيرون جلودهم اكثر من الافعى , هذه الحال السائد في الموروث الديني وتحليلاته ( التي تلعب شقلمبة ) لكن استاذنا يتمسك , بآلية التحليل العلمي في الفكر الاسلامي , وحتى وهو يدرك , سيجابه بردود الفعل السلبية , وكذلك سيحرم من ملعقة الذهب , مثل الاخرون الذين يبيعون الخرافة بمثاقيل الذهب . اعتقد دون مبالغة , ان استاذنا الكبير , في طليعة المفكرين المتنورين الاسلاميين . الذين يحاولون خلق وعي اسلامي في قيم الوعي الناضج , والثقافة العلمية , التي ترفض الثقافة المنغلقة على نفسها , او بتحلياتها الساذجة والغبية , عودنا مفكرنا الكبير . رضى الله والحقيقة . وهذه اسمى النبل الانسانية .
ولابد ان انوه على روعة الاستاذ د. ثائر عبدالكريم , وانا اتابع تعليقاته الغنية , تشير الى تفتح عقل بصير في طرحه الاسئلة او خوض موضوعات غنية كمعقب لشروح مفكرنا الكبير ماجد الغرباوي
دمتم بخير وصحة وعافية , واتمنى ان تطبع هذه الحلقات , في كتاب وترسل الى المكتبات العراقية . وانا واثق ستجد الصدى الايجابي

 

شكرا لمتابعتك واهتمامك اخي العزيز الاستاذ جمعة عبد الله، هذا يسعدني ان يتابع الحوار شخص مثلك. وشكرا لحسن ظنك وثقتك. حقا اخجل حد الارتباك ، فانت تغدق من محبتك ما اعجزه معه على الرد. فتقبل احترامي وتقدير، وشكرا لتعليقك الكريم

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4096 المصادف: 2017-11-22 04:38:50