المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (43): العمل الصالح والتباس المفهوم

majed algharbawi4خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والأربعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق5) من أسئلة د. ثائر عبد الكريم.        

س71: د. ثائر عبد الكريم: ماهو مقياس الأعمال الصالحة، المشمولة بآيات الثواب، كقوله تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ البقرة)؟.

ج: ماجد الغرباوي: أولى القرآن العمل الصالح اهتماما خاصا، وعوّل عليه في نجاح مشروعه الإنساني والاجتماعي. واعتبره تجليا لصدق إيمان المرء، عندما أقرنه به: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات). وهو مقطع يتكرر في أكثر من خمسين آية. وأيضا يعد مصداقا لتوبة من تاب عن اقتراف المعاصي والسيئات: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا). وقد بالغ القرآن بوصف ثواب العمل الصالح، دليلا على أهميته ودوره في بناء مجتمع فاضل، تطمح له جميع الأديان، التي هي مشاريع إلهية بشرية، غير أن التوجهات الطائفية، ومنطق الفِرقَة الناجية اختزلتها، وبددت رحابتها. حتى صرف رجل الدين اهتمام الفرد عن مشاريع الخير، المكرّسة لخدمة الإنسان وحل مشكلاته، إلى مشاريع طقوسية، وممارسات طائفية. لقد سلخوا العمل الصالح من قيمته الاجتماعية، حينما غدت بعض الأعمال البسيطة والساذجة أكثر أهمية في نظر رجل الدين والتراث. وغدت الجنة بكامل نعيمها تتلهف لاستقبال من يقرأ مثلا سورة من الكتاب الحكيم، أو يصلي ركعتين في وقت ما ومكان ما. وحينما يطوف حول أضرحة الصالحين، فيعجز القلم عن وصف ثوابها. فلماذا يتعب الإنسان نفسه وينفق على الفقراء والمساكين، وأعمال الخير؟ وما قيمة ما يَعدُ به القرآن (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)، في مقابل ما تَعدُ به الروايات الموضوعة من نعيم عصي على الوصف؟. إنها كارثة الوعي حينما ينصاع العقل لخطاب تراثي، يستغل جهل الناس وطيبتهم. سُئل أحد الرواة: من أين لك مَن قرأ سورة ياسين فكأنما ختم القرآن وله من الثواب كذا وكذا؟ فقال: "رأيت الناس قد أعرضوا عن قراءة القرآن ... فوضعت ذلك حسبة"!!!. وكم راوٍ غيره وضع أحاديث وروايات حسبة لتقديس رموزه ونشر معتقداته. أو من أجل الطعن والتشكيك بغيره، أو تلميعا لصورة حاكم جائر، وظالم؟.

أغلب الناس اليوم يحركهم (الكذب المقدّس) والخرافات، وليست الحقيقة، والعقل!. من هنا بات ضروريا تحديد مفهوم العمل الصالح، كي لا يُستغل فاعل الخير والمعروف، ولا يستنزف وقته وماله في غير محله. ولا تذهب ثرواته عبثا أو في جيوب الدجالين والمشعوذين، وقد يجلب له عمله الويل في آخرته. فثمة تداعيات لبعض الأعمال التي تحسب عملا صالحا، وهي ليست كذلك، حينما تؤثر سلبا على وعي الناس، وتعمق فيهم روح الكراهية والطائفية، والانسلاخ عن قيم الدين الحقيقية لصالح ممارسات طقوسية، لا تستند لأي دليل معتبر سوى الهوس الطائفي، وسذاجة الوعي.

- يقصد بالعمل الصالح كل فعل إيجابي، يساهم في صلاح الفرد والمجتمع، بشكل مباشر أو غير مباشر. مادي أو معنوي. فيشمل مطلق أعمال البِر والإحسان التي تعالج مشاكل الإنسان وتعود عليه بالخير والسعادة، أو تساهم في تطوّر المجتمع، ورقي قيمه ومبادئه ومشاعره الإنسانية. وهو مجال واسع، لا حدود له. بما في ذلك دعم الجمعيات الخيرية والخدمية. وبناء المدارس والمستشفيات، ورعاية الأيتام، وإطعام الفقراء، وكفالة المعوزين والمعاقين، وتعضيد المؤسسات، التي تساهم في نشر قيم الفضيلة، وترسيخ الأخلاق الحميدة، وتكافح الجهل والأمية. بل حتى البحوث العلمية والمختبرية، ينطبق عليهامفهوم العمل الصالح، ما دامت تصب في خدمة البشرية. والقضية نسبية، فالتفاضل محكوم بظرفه، وضروراته. وإنما عددت بعض المصاديق تحاشيا لنسبية الصلاح، وهروبا من إشكاله الفلسفي. فقد يكون للصلاح معنى آخر ينتمي لثقافات أخرى. لكن الجميع يتفق حول ما ذكر من مصاديق.

- لا يستثني العمل الصالح المشاعر الإنسانية ومواساة الآخرين، والتعاطف مع محنهم من منطلق إنساني. فآيات الكتاب الآمرة بالبر والإحسان لم تشترط إسلام من يستحق التواصل معه إنسانيا لأي سبب كان. فيكفي مثلا انطباق صفة اليتيم والمسكين والفقير عليه، ليكون مشمولا بالعطاء (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ). (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ). على عكس ما تقرأه في فتاوى الفقهاء، الذين يشترطون إيمان الفرد في استحقاق الزكاة والصدقات. وتارة يقصدون بالإيمان خصوص أبناء طائفته ومذهبه، فيحرم الآخر من حق المقرر من قبل الله تعالى. الفقهاء أول من حطّم أواصر الأخوة الإنسانية والإيمانية بين المسلمين، تارة بدوافع طائفية وأخرى دينية، حينما يُفتون بعيداً عن القرآن وروحه الإنسانية. ويكفي الفقيه أن يؤمن بحديث الفرقة الناجية، ليفتي بحرمان الفقراء والمساكين من غير ملته ومذهبه من عطاء الخير وما فرضه الله على المسلمين لهم في أموالهم (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)، (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ). هكذا بسهولة مزقوا المسلمين وجعلوهم مذاهب وطرائق قددا. إن قوة المنهج القرآني في العطاء والعمل الصالح في إنسانيته، حينما جرد آيات البر من خصائص التمييز الديني والعنصري، وارتقى بفاعل الخير إلى مستوى التضحية الإيمانية المجردة عن المنّة والشعور الفوقي، فهو لا ينتظر حينما يتصدق أو يعطي، بل: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا).

- لا يقتصر العمل الصالح على الجانب المادي، والشعوري – النفسي، بل يشمل العبادات المنصوصة قرآنيا (باعتبارها قدرا متيقنا في وجوبها ورجحانها)، حينما تترك أثرا اجتماعيا، يتجلى في سلوك الفرد ومشاعره ومواقفه. أي يشملها مفهوم العمل الصالح عندما تخرج من حالة الأنانية والطقوسية الفردانية إلى مشاعر إنسانية عامة، تشارك الناس همومهم، وأزماتهم. وإلا تبقى مجرد حركات جسدية بلا جدوى، طقوسا خاوية، تختزل الدين في بعده الروحي، بعيدا عن الإنسان وحاجات المجتمع. فمثلا إقامة الصلاة واجبة، فيشملها العمل الصالح، ويثاب عليه المرء، عندما تعمّق فيه روح التقوى، حداً تحول دون إرتكاب الموبقات وإشاعة الفساد. (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ). فمصداقية الصلاة ليس في حركات المصلي، بل بأثرها السلوكي حينما تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتردع الإنسان عن فعل المنكرات والرذائل والفواحش، وكل ذنب. والردع شرط مضمر لقبول الصلاة. فالعبرة لا بكثرة الركوع والسجود، بل بالأثر المترتب عليهما اجتماعيا. حركات الصلاة لا تعد عملا صالحا، ما لم يترتب عليها أثر سلوكي أو نفسي. ويراد بالأثر النفسي، مستوى التقوى الناتج عن الصلاة، ومستوى التعلّق بالله، وتحمل المسؤولية بين يديه. وذات الأمر بالنسبة للصوم كعبادة، فما لم يزداد المرء تقوى بصومه، لا معنى لتحمّل مشقة الجوع والعطش، تقول الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). وللتقوى دور كبير في إصلاح سلوك الإنسان اجتماعيا، بل وحتى نفسيا. فيشمله العمل الصالح بهذا اللحاظ.

إن فلسفة العبادات تكمن في قدرتها على خلق روح التقوى، والرقابة الذاتية، وتحفيز الضمير. التقوى رهان الدين في بناء الفرد والمجتمع الصالح، عندما تلاحق الإنسان في خلواته، وهو يهمّ في ارتكاب المعاصي والموبقات والظلم، سيما ما يقع خارج سلطة الرقابة القانونية والاجتماعية. عندما يخطط لاغتيال أخيه الإنسان أو تسقيطه أو المكيدة له. أو الاطاحة بحيثيته، فليس كالتقوى والخوف من الله رادعا، خاصة حينما يمر الإنسان بأزمة نفسية، يخفق معها الضمير ولا يبقى سوى الخوف من الله والتقوى رداعا. فالعبادات يشملها العمل الصالح لأنها تبني الفرد أخلاقيا وإنسانيا، وترسّخ روح التقوى والعطاء. وبناء الفرد عمل عظيم، قد أخفقت الوسائل المعهودة في تحقيقه، لكن الدين قادر على خلق روح التقوى، فهو أكثر فاعلية من القيم الاجتماعية، وسلطة القانون بل وحتى الضمير. فليس كل إنسان يسعفه ضميره، أوقات الاختبار عندما يرتفع مستوى الإغراء المادي والمعنوي. وبهذا يمكنك معرفة حقيقة تقوى المتدين وصدق التزامه عباديا عند الاختبار، حينما يتولى مسؤوليات سياسية أو يؤتَمن على  أموال الناس والمواطنين. فالتقوى الحقيقية تردع الإنسان، وتمنعه من التحايل والكذب عندما يهمّ بسرقة أموال الآخرين.

- العمل الصالح ما يساهم في صلاح الإنسان، وينتشله من محنه، وهو جزء من استراتيجية الدين على المستوى الاجتماعي. وبه يحقق الإسلام غاياته الكبرى اجتماعيا، من خلال مبدأ التكافل الاجتماعي، الذي يتوقف أساسا على مدى اهتمام الناس به. ويتجلى التكافل الاجتماعي بالمؤسسات والجمعيات الخيرية. وبمبادرة أفراد المجتمع. ولا يخفى قيمة التكافل الاجتماعي حينما تخفق الدولة في تحقيق الضمان الاجتماعي والصحي لشعبها. فالاستقرار الاجتماعي للمجتمعات الراقية قائم على ضمان الدولة وتكافل أبناء الشعب. وكلاهما مفقود في الدول المتخلفة. أغرب ما في الأمر الموقف اللامسؤول للمجتمعات المسلمة من التكافل الاجتماعي، حينما تخفق حكوماتها عن القيام بواجبها تجاه الشعب، إلا أنها لا تفعل إلا نادرا، وتنفق على طقوسها وأوهامها الدينية أموالا طائلة، بل تارة يستنزف الإنفاق مدخراتهم على حساب وضعهم الشخصي.

- العمل الصالح، ما كان صالحا بذاته، حينما يحقق أثره خارجا، من أي إنسان صدر. أو العمل الذي يندفع له الفرد بفطرته السليمة. فصلاحه لا يتوقف على خطاب ديني أو أخلاقي أو اجتماعي، رغم أن لكل واحدة من هذه الخطابات قادرة على منح العمل أي عمل قيمة جديدة، سلبا أو إيجابا. فعندما تكسو عريانا، أو تسد رمق جائع، أو تنفّس عن مكروب، ستحل مشكلة إنسانية عميقة، وتعالج وضعا نفسيا وجسديا واجتماعيا معقدا، له تداعيات مستقبلية خطيرة. فالعمل الصالح صالح، ما دام يساهم في تسوية مشاكل الآخرين أو يساهم في بناء وتطوير المجتمع: (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا). فيصدق أنه عمل صالح حينما يصدر عن غير المسلم، ويستحق الثواب اللازم: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). فعملهم الصالح استحق الثواب والأجر كاملا، بعيدا عن تشظيات الفرز الديني والطائفي. هذا هو المبدأ القرآني في تعامله مع العمل الصالح، فهو مطلوب في ذاته ما دام صالحا. ولا خصوصية لأحد. غير أن بعض الفرق والمذاهب افترضت شروطا لقبول العمل الصالح، لا تنتمي لروح التسامح الديني، والمفهوم القرآني للعمل الصالح. تبغي بذلك احتكار النجاة يوم القيامة، واحتكار الحقيقة. القرآن يدفع باتجاه العمل الصالح، وهؤلاء يحرمون الناس من رحمة الله، حتى في عبادته، فلا رحمة لأحد ما لم تمر من خلال مذاهبهم ورموزهم. تلك الخطابات الطائفية المقيتة التي ارتكبت وما زالت أبشع صور التمزّق، لا رصيد لها سوى أهواء، وخرافات تختزل الدين في مذهب أو شخص دون الآخرين.

- العمل الصالح قيمة إنسانية، نابعة من فطرة الإنسان، وما الخطابات الدينية والأخلاقية سوى محفزات لدوافع الخير في أعماقه، وتنشيط روح المبادرة. فتتدارك تلك الخطابات كل نكوص، بالترغيب، والثواب، من هنا تلازم الإيمان بالعمل الصالح، كي يكون قاعدة تدفع باتجاه الخير، وتمتص براغماتية الروح المثبطة، من خلال طرح بديل أقوى. بالإيمان يمنح العمل الصالح معنى يفسر به فاعل الخير تضحياته، فهو ليس مبادرة عامة مطلقا، ويحتاج إلى قدر من التضحية، فالإنسان لا يفهم معنى لتضحياته، بالمنطق البراغماتي. يريد أن يعطي ليأخذ، ويدفع ليجني ويربح. بل أن بعضهم يستبعد كل أسباب التعاطف الإنساني. فيأتي الدين ليضفي معنى لتضحيات الفرد، مهما كان مستواها وقيمتها، يشجعه، يحثه، يفكك روح البخل والجفاء الإنساني. فيكون عمله على مستويين، الأول تفعيل الدافع الذاتي لعمل الخير من خلال تنشيط المشاعر الإنسانية. والثاني، التعهد بالأجر والثواب والفوز في الآخرة. فأنت تعطي في دار الدنيا، لتأخذ في الدار الآخرة. وهو منطق ديني، يتطلب إيمانا راسخا بالله وباليوم الآخر. فالإيمان يبعث الطمأنية في روح الفرد المؤمن. وهذا أحد أبعاد فلسفة اقتران الإيمان بالعمل الصالح. فعدم الإيمان لا يخرج العمل الإنساني الصالح عن كونه صالحا. لأن الصلاح ذاتي له. وليس مكتسبا، لا أقل في غير العبادات. وأما بها فلأنها أساسا ممارسة عبادية لله تعالى، فيجب أن تستوفي شروطها.

- دليل إنسانية العمل الصالح، شعور فاعله، بعد كل مبادرة وعمل خير، بالغبطة، والارتياح، وراحة الضمير، واشتباك مشاعر الفرح والأسى  تجاه أخيه الإنسان. (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وهذا ما يعبر عنه القرآن بالحياة الطيبة، ذلك الشعور الإنساني، بعيدا عن تأنيب الضمير وقلق البخل والتقتير. وهو وصف دقيق لمشاعر الضمير الإنساني بعد فعل الخير. وما الضمير سوى صوت الله في أعماق الإنسان، ونقاء فطرته وهي تعيش لحظة الصفاء. فمن خصائص العمل الصالح أثره التكويني، ينعكس مباشرة على فاعل الخير. وقد يخلق عنده شعورا إيجابيا يواصل به أعمال الخير مستقبلا. بالعمل الصالح يكتشف الإنسان حدود إنسانيته، فيجدها تتجلى لدى أخيه الإنسان، فيعيش حالة من الحبور.

- الروايات التي تحث على بعض أعمال الخير، لا تسلب العمل الصالح إطلاقه، ولا ينحصر العمل الصالح بها، فهي تذكر مصاديق خاضعة لظرفها الزماني والمكاني، كالحث على بناء المساجد. غير أن منهج الجمود على حرفية النصوص، كرّس العمل الصالح فيها دون غيرها من أعمال البر، التي اتسعت باتساع الحياة. فمثلا، تجد أغلب أهل الخير يطمح لبناء مسجد بناء على روايات تحث المؤمنين على بنائه. وهي روايات ليست مطلقة بل ناظرة لذلك الزمان، حينما كان المسجد مؤسسة كاملة، ومركزا حضاريا، تنطلق منه جميع نشاطات المؤمنين. فكان المسجد مكانا للعبادة، وإقامة الجمعة، والمناسبات الدينية. في داخله يجتمعون، يتعلمون، يتقاضون. هو منتداهم الاجتماعي والثقافي، وهو وجهتهم جميعا. لكن الأمر بات مختلفا، وما عاد المسجد سوى مكان للعبادة. فلا معنى تخصيص كل أموال الخير لبناء المساجد، وهي تكتظ في بعض الأماكن، بينما لا توجد في جواره مؤسسات تعليمية أو خدمية. مهمة العمل الصالح إصلاح شؤون الناس والمجتمع، وهذه المؤسسات باتت ضرورية، وحاجة ماسة في ظل تخلف مرير. من السهل على المؤمن أداء صلاته في بيته، لكن من الصعب أن تعلّم جيلا داخل مسجد. خاصة في بلاد الغرب حيث الجاليات المسلمة بأمس الحاجة لمؤسسات تعليمية وخدمية. وهكذا يجب على الناس تقدير حجم المنفعة المترتبة على عمل الخير. فبعض الممارسات الطقوسية تستهلك أموالا وثروات طائلة، بينما مردودها الإيماني والثقافي والنفسي من الضآلة لا يمكن مقارنته بأبسط نسب الإنفاق السنوي. فأيهما أكثر ثوابا، تبديد الثروات بممارسات طقسية يراد له تثبيت الهوية الطائفية على حساب رقي المجتمع ونهوضه الحضاري أم رفع مستوى الإنسان معيشيا وصحيا وتعليميا؟.

إن روايات فضائل الأعمال وزيارات الأضرحة وممارسات الطقوس، روايات موضوعة، لا يمكن التعويل عليها في ضمان ثواب العمل الصالح. فتبقى هي وإطلاقه ومدى صدقه عليها مفهوما، أو تبقى هدرا لجهود الناس وثرواتهم بلا طائل. إن واجب  كل رجل دين غيور، فضح الروايات الموضوعة، التي تمنح ثوابا بلا حدود على أعمال، فارغة. وترشيد وعي الناس. وتحذيرهم من مغالطات رجال الدين وخدعهم، فهم أبعد الناس عن عمل الخير، وقوتهم سحت حرام يقتات على جهود الطيبين، ويقولون ما لا يفعلون: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّـهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ). إن عمل الخير لا يحتاج من يدلك عليه، إنه واضح، بيّن، لكن يحجبه عنك تزوير الوعي، وروايات موضوعة، تخدعك بخطابها وأكاذيبها. وكم من مؤسسة خيرية ليست سوى فخ لاصطياد الطيبين والخيّرين، فينبغي الحذر في الأنفاق.

تأتي تكملة الحديث في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

تعليقات (6)

  1. صالح الرزوق

بعيدا عن النواحي الفقهية و الشرعية. أرى أن الخوارج هم من حول العمل الصالح إلى ركيزة سادسة في ألإسلام. و برأي حسين مروة لا يصح إيمان المرء إن لم يقترن بالعمل. و كانوا يفهمون العمل حصرا على أنه الجهاد.
لقد غيروا وجه التاريخ بهذا الفهم الضيق للإيمان.
و أعتقد أن نهاياتهم في تكايا و أخويات المتصوفة تضع كل شيء في مجال البحث و ضروراته.
طبعا أنا لا أهاجم الخوارج و لا التصوف.
و أتمنى أن نشاهد الجوانب الإيجابية عند كليهما.
لكنهم من وضع نهاية مأساوية و دامية للخلفاء الراشدين.
و هم من شق الطريق للفرق الباطنية.
و هم من مهد للاعتزال.
و هم أيضا من انتقل من المعنى الملموس و الفيزيائي للإيمكان إلى المعنى الباطني و الكلامي و التوعوي. يعني انتقلوا من التعبئة الجهادية إلى التعبئة الروحية و الاجتماعية.
العمل الصالح يحتاج لحلقات لتفسيره و إلقاء النور على حيثياته.
و هذه الحلقة جزء لا يتجزأ من هذه المهمة الجليلة.
هل نحن نعرف الخط الأحمر الذي يفصل الصالح مما يشبه لنا أنه عمل حض عليه الله و رأى أنه أساسي لطاعته. إنه سؤال...

 
  1. ماجد الغرباوي    صالح الرزوق

المشكلة ليست بالاجتهاد، ولكن حينما يكون اجتهادهم حق مطلق وغيره باطل مطلق يستوجب التكفير وربما الحكم بالقتل لارتداد صاحبه. تعدد الاراء عافية حينما تحترم الآراء الاخر. الخواج نموذج سيء في تاريخنا، مشكلتهم في جمودهم على حرفية النص، وعدم قدرتهم على التخلق من العقل التقليدي. وكثير الان يشبه الخوارج في منهجهم لكن باساليب اخرى. تحياتي لمشاركتك الاخ الاستاذ الدكتور صالح الرزوق

 
  1. ابو سجاد

شكرا لك يادكتور على مااتحفتنا به من خلال حواراتك القيمة التي تناولت جوانب مهمة فيما يتعلق بالدين والسنة النبوية الشريفة ولكل الذين شاركوا في هذاالحوار
وخصوصا في حوارك هذا التباس المفهوم وما هو العمل الصالح واستشهادك بالايات القرانية والتفسير المنطقي لها
وفي نهاية حوارك هذا قلت
إن روايات فضائل الأعمال وزيارات الأضرحة وممارسات الطقوس، روايات موضوعية، لا يمكن التعويل عليها في ضمان ثواب العمل الصالح. فتبقى هي وإطلاقه ومدى صدقه عليها مفهوما، أو تبقى هدرا لجهود الناس وثرواتهم بلا طائل. إن واجب كل رجل دين غيور، فضح الروايات الموضوعة، التي تمنح ثوابا بلا حدود على أعمال، فارغة. وترشيد وعي الناس. وتحذيرهم من مغالطات رجال الدين وخدعهم، فهم أبعد الناس عن عمل الخير، وقوتهم سحت حرام يقتتات على جهود الطيبين، ويقولون ما لا يفعلون: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّـهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ
فهنااسأل يادكتور اين هذا رجل الدين الغيور الذي تناشده وهل حقا انه موجود في يومنا هذا بعدما اصابنا وباء التكفير وقتل بعضنا بعض لمجرد انه يختلف معي بالدين ا والمذهب او حتى بالرأي
وماهو رايك بمراجع النجف التي تحث الاتباع لممارسة الطقوس التي لم ينزل الله بها من سلطان وتهدر بها مليارات الدنانير دون وجه حق والمؤمن التابع يبحث في المزابل من اجل ان يجد مايسد به رمقه والمستشفيات التي تعاني من النقص الهائل بالادوية والاجهزة الطبية وانعدام الكهرباء والماء والصرف الصحي وانهيار مؤسسة التعليم واعداد الذين يعيشون تحت خط الفقر تجاوز الثلاثين بالمئة ناهيك عن حقوق شهدائنا الذين ترملة نسائهم وتيتموا ابنائهم دون ان ينالوا حقوقهم كشهداء حتى باتت عوائلم تطلب الصدقة بعدما ذهب معيلها فهل هؤلاء من الممكن ان تعتبرهم رجال دين ومن الممكن ان تناشدهم وتحفز الغيرة فيهم
ودمتم سالمين

 
  1. ماجد الغرباوي

شكرا لك الاخ الاستاذ ابا سجاد، وشكرا لمشاركتك، ما تذكره مؤلم. فهناك مليارات تصرف في قضايا لا علاقة لها بالدين، بينما يبقى جموع الفقراء بلا مأوى وطعام ولباس. اما عن رجال دين خيرين، فاكيد موجودين ويعملون حسب طاقتهم. تحياتي لك ثانية

 
  1. ثائر عبد الكريم

شكراً الى استاذنا الفاضل الاخ الدكتور ماجد الغرباوي على هذه الايضاحات الرائعة المتعلقة بالعمل الصالح و شكراً الى الاخوة المعلقين الدكتور صالح الرزوق و الاستاذ ابو سجاد.

نعم يا استاذنا انا اتفق معك في كل ما جاء في توضيحك لمجالالت العمل الصالح.
ان الله في كتابه العزيز اكد 132 مرة على كلمة الصالح و الصالحين و الكثير منها جاءت مرافقة للعمل الصالح.

ان الدين هو علاقة روحية بين الانسان و خالقه ؛ و ان هذه العلاقة تتربى و تتطور مع مرور الزمن على القيم الروحية التي يريدها الله و من ضمنها العمل الصالح في مساعدة الاخرين من الايتام و الفقراء و المحتاجين و غيرهم ؛ مهما يكن دينهم او مذهبهم؛ و نبذ التفرقة و العنصرية –الخ من القيم الانسانية السامية. هذه القيم هي روح الدين.

هذه هي القيم التي يريدها الله من الانسان المسلم و هو ان يكون نموذجاً يقتدى به في كل مجالات الانسانية. و لكن للاسف الشديد ان المسلمين في واد و الدين الاسلامي في واد ثاني. لان اغلب رجال ديننا لا يفقهون في الدين شيئاً.

بالرغم من الوقت الكبير الذي نصرفه في طقوسنا الدينية مقارنة مع الاديان الاخرى سواء كانت السماوية او الارضية ؛ فأننا اكثر شعوب العالم فساداً و كذباً و نفاقاً على كل المستويات.
اين تذهب تراكمات الطقوس الدينية التي نمارسها بشكل يومي و خطبها الموعظية ؛ هل تمر فوق رؤسنا بدون اي تأثير في نفوسنا؟؟؟.
هذه نقطة مهمة تحتاج الى دراسات معمقة لمعرفة اسباب عدم تأثير روحية الدين في نفوسنا؟؟.

ان الذي تعلمناه من رجال ديننا هو الشعار التالي:

"اقتل و اسرق و اكذب و اعمل كل الموبقات التي حرمها الله و اذهب الى الحج او الى زيارة الاضرحة ؛ فأن كل ذنوبك سوف تغسل؟؟. ان الله غفور رحيم. ". و عفى الله عمّا سلف؟؟؟

لذلك ان المجرمين و السراق و الفاسدين في الدول الاسلامية و بالاخص في العراق حالياً يتسابقون على زيارة الحج و الاماكن المقدسة لغسل ذنوبهم لكي يدخلوا الجنة. و عندما يعودون يبدأؤا اعمالهم من جديد.

هذا هو الفهم الديني للاسلام السائد عندنا حالياً؟؟؟.

الطالب في المدارس العادية يدخل المدرسة و تنمو لديه حلقات المعرفة سنة بعد اخرى الى ان يتخصص في مجال ما و يصبح عنصراً فاعلاً و مفيداً للمجتمع بعد تخرجه من الجامعة. ان عمله هذا هو عمل صالح لانه يخدم كل ابناء المجتمع الذي يعمل به؟؟.

ماذا يقدم لنا اغلب خريجي المدارس الدينية غير الخرافات و الشحن الطائفي في مجتمعات جاهلة لا تميز بين الحشرة و الارنب.؟؟؟.

هل ان الله خلقنا لكي نفجر انفسنا و نقتل الناس الابرياء الاخرين؟؟. لكي ندخل الجنة؟؟؟

هل ان الله خلقنا لكي نلطم و نضرب الزنجيل و القامة طول حياتنا؟؟؟. لكي ندخل الجنة؟؟؟

لماذا نعلم الاطفال اللطم و ضرب الزناجيل و هم في عمر الورود؟؟ اليس هذا تدمير مبرمج للشعب العراقي؟؟؟.

ما هو رأي المؤسسة الدينية التي لا نعرف عنها لا صورة و لا صوت؟؟.

آسف على الاطالة
شكراً مرة اخرى لاستاذنا الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذا الابداع الرائع.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير.

 

شكرا لمتابعتك المستمرة للحوار، وشكرا لتعليقاتك التي تكشف عن هموم مشتركة لدي جميع الواعيين. تحياتي للاخ الاستاذ د. ثائر عبد الكريم

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4103 المصادف: 2017-11-29 05:00:14