المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (45): أوهام الصحبة

majed algharbawi7خاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والأربعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق7) من أسئلة د. ثائر عبد الكريم.

        

س72: د. ثائر عبد الكريم: تطرقت في حلقة سابقة في هذا الحوار الى حديث العشرة المبشرة بالجنة. وسؤالي: كيف عرف الرسول أن هناك عشرة أشخاص سوف يدخلون الجنة، علماً لا يوجد ذكر لأي اسم محدد في القرآن يؤكد دخولهم فيها؟.

ج: ماجد الغرباوي: السؤال عن حديث العشرة المبشرة بالجنة، سؤال عن أحاديث الفضائل بشكل عام، وفضائل الصحابة بشكل خاص. وهي نصوص نبوية، ذكر فيها النبي فضل بعض الأعمال، كقراءة القرآن. أو فضل قراءة هذه السورة أو تلك، وفضائل عدد من الأمكنة. كما أشاد ببعض صحابته، وأثنى عليهم بما يظهر فضلهم بالتقوى والإخلاص والتضحيات والعلم. وقد اتفقوا على جملة منها، ودب الاختلاف في عدد آخر. وروايات الفضائل ممكنة من حيث صدورها، فالنبي قائد، يهمه تماسك جماعة المسلمين، وتشجيعهم، ومكافأتهم بالمديح والثناء. وهو أب وقدوة وأسوة، في أعلى درجات القرب من الله تعالى، فثناؤه يعد جائزة كبرى، بل وتزكية، مهما كانت سعتها. غير أن هذا الباب من الروايات صار مرتعا للوضع والكذب على الله ورسوله، من أجل تزكية المتصدين للسلطة وشخصيات الخط الأول، من المتنفذين اجتماعيا وقبليا. وقد وظفت روايات الفضائل، ومنها حديث العشرة المبشرة بالجنة، لشرعنة أطراف النزاع على السلطة، في ظل عدم وجود أدلة صريحة تدعم أياً منهما، ولها يرجع الفضل في تزكية المتصدين للحكم. كما لعبت روايات المثالب ذات الدور بالاتجاه المعاكس، حينما وظفت لطعن الخصوم السياسيين، وسلب شرعيتهم. وشواهد هاتين المجموعتين من الروايات كثيرة ومنتشرة، في الثناء على هذا الطرف وذم ذاك أو بالعكس، وما زال الطائفيون من كلا الطرفين يتخاصمون حولها، ويلهجون بها ليل نهار.

وكأمثلة واضحة في تلك الحقبة، أن روايات فضائل قريش، وبني أمية راحت تغزو الثقافة الشعبية بفضل رواة باعوا دينهم بدنياهم، فنسبوا للرسول ما لم يقله، فكانت روايات الفضائل تزكي حتى الفاسق وتطعن بأتقى الناس. وقد أفرد علماء دراية الحديث بابا للوضع، أدرجوا فيه أسماء المتهمين بوضع الحديث، وهؤلاء، يمكن تشخصيهم وتحديد رواياتهم بسهولة، بعد تضعيفهم من قبل علماء الرجل والطعن برواياتهم، فهم مشخّصون ضمن الكذابين، لكن المشكلة عندما يتستر حديث موضوع بسند صحيح، وعن طريق رواة موثّقين، فكيف يمكن تكذيب أحاديثه، إذا كان سند الرواية صحيحا؟. خاصة أن جملة من الرجاليين يعتبرون كل صحابي ثقة بل وعدلا. وهذا تقييم خطأ، فلا يزكي الأنفس إلا الله، وكون الشخص صحابيا لا يمنع انحرافه، ونكوصه، وشهوته للحكم والسلطة، وحب المال والثروات، وبالفعل خلّف بعض الصحابة ثروات كبيرة. بل كيف للرسول أن يصدر حكما عاما والقرآن يحدثنا عن مجموعة منافقين لا يعلمهم حتى هو: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍۢ).

صحبة الرسول لا تمنح حصانة لأحد، ولا تحول دون اقترافه الذنب والخطأ، فضابطة "كل صحابي عدل، وثقة"، غير صحيحة، وقد أساء بعض الصحابة للصحبة بسلوكهم وتصرفاتهم، واستغلها آخرون لمصالح شخصية وسياسية. وما نقلته المصادر التاريخية عن تراشق الصحابة في سقيفة بني ساعدة لا تصدق أن هؤلاء كانوا يصاحبون نبياً يصفه القرآن: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ). وماذا عن صراع السلطة؟ وسلوكهم العنيف مع معارضيهم. فسلوك الصحابة بعد وفاة النبي لا يساعد على تعميم القاعدة، فليس كل صاحبي ثقة، عدل، كما يرى بعض الرجاليين. ويبقى سلوك الفرد شاهدا على عدالته ووثاقته.

وأما تزكية القرآن لبعض صحابة الرسول، فليست تزكية مطلقة، بل كل آية تقرأ ضمن سياقها التاريخي والنصي، وتحري دلالالتها بدقة، كي لا تستغل النصوص لتزكية من لا يستحقها. فمثلا قوله تعالى: (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا). ناظرة إلى مجموعة الأنصار الذين بايعوا النبي تحت الشجرة. وهي بقرينة "فعلم ما في قلوبهم"، بصدد تزكية نواياهم وموقفهم، لانتزاع الشك من قلب النبي وطمأنته حول مستقبلهم بعد أن أنزل السكينة عليهم واطمأنت قلوبهم. فالآية بصدد بيان الموقف الإلهي من هذه البيعة بالذات، ولم تقصدهم فردا فردا، وإن كانوا مشمولين بها فعلا. وبالتالي فالآية لم تمنحهم تزكية مطلقة وإلى الأبد، لأن مدار التزكية ورضا الله ورسوله على الاستقامة، فما دام الفرد مستقيما يضمن رضا الخالق. (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). ومن ينحرف سلوكيا، يتحمل وزر عمله، فالتزكية في هذه الآية لم تمنحهم حصانة ولا عصمة. ويبقى الإنسان هو واستقامته. لكن في حالات الشك بنوايا وسلوك أيا منهم فالأصل استقامته، وشموله بالآية الكريمة.

وأيضا بالنسبة لآية: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم)، فأيضا ليس فيها تزكية مطلقة، بل هناك شرط ضمني بموجب آيات أخرى، تضع عهدة كل عمل برقبة صاحبه: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ). فالآية شاملة لؤلاء الصحابة شريطة ثباتهم على الاستقامة. (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ). إضافة إلى نقطة مهمة، أن الآية لم تحدد مصاديقها، وتركتها عائمة، خاصة مع وجود ثلة ممن مردوا على النفاق، لا يعلمهم إلا الله كما في الآية المتقدمة. فالآية حتى مع صدقها وانطباقها على هذا الصحابي أو ذاك، فهي لا تمنح حصانة ذاتية له، ويبقى هو وسلوكه واستقامته. ولو ضبط أحدهم بجرم أو معصية لا يبرر خطأه بحجة شموله بالآية أعلاه، وإلا كيف تجرأ الصحابة على قتل عثمان وهو منهم؟. وماذا عن الحروب الداخلية بين المسلمين في عهد الإمام علي؟ وبأي ضابطة تحسم شرعيتها؟. وماذا سيكون دور الآية فيها؟.

ثم لا ملازمة بين الصحبة والعدالة، فليس كل صحابي عادل بالضرورة، ويبقى الإنسان رهن عمله واستقامته، لأن العدالة تعني الاستقامة. غير أن بعضهم حكم بعدالة جميع الصحابة، رغم اختلافهم في تحديد مفهومها، بين خصوصهم، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار. وبين مطلق من لقي النبي. وفي الثاني اسراف يهدد مفهوم الصحبة، حينما يشمل من لقيه بعض الوقت، وهو بعدُ لم يفهم شيئا عن الدين وحقيقة النبوة. لكن رجال السلطة وسذاجة بعض رجال الدين وراء الاستسهال الذي أفضى قبول كل رواية تنتمي للصحابة بمفهومها الواسع. فحينما تنتهي الرواية الى صاحبي، مهما كان حتى ولو كان مجهول الحال، يحكمون بصحتها إذا انتهى طريقها وسندها إليه. وهذه كارثة تسببت بقبول كم هائل من الروايات. وربما كانت مقصودة لنسبة الروايات الموضوعة لهم، كي يكتفى بهم لاثبات صحة صدورها. وهذا خطر وتدليس وتزوير، فالمطلوب صحة صدورها من الرسول، بوسائط موثوقة، ولا يكفي كون الراوي الأخير صحابي بالمعنى الأعم، بل يتطلب الأمر، لخطورة الروايات، أن يكون بنفسه عدل أو موثوق، كي نطمأن لصدور الروايات الواردة عن طريقه.

ولو سلّمنا بوجود ملازمة بين الصحبة والعدلة، فليس كل عادل يعي ويضبط كل ما يسمع، خاصة حينما يكون النقل بالمعنى، فإنه سينقل لنا ما فهمه، وليس كلام النبي، كي نتدبر به مباشرة ونفهم قصده. العدالة هي الاستقامة وعدم الكذب، لكن شروط قبول الرواية أكثر من الاستقامة وعدم الكذب، كأن يكون حافظا، ضابطا، يعي ما ينقل ويقول، يميّز بين الأخبار والروايات.

إن تقديس الصحابة حد العصمة، ترك تداعيات خطيرة، جعلت منهم مرجعية فكرية وعقيدية وسلوكية، بل جعلت منهم سلطة، تحدد سلوك المسلمين. خاصة الحديث الذي يقول: "خير القرون قرني"، أو "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". الذي قتل روح النهضة، والمبادرة الحضارية. وقتل روح التنافس حينما اعتبر جيل الصحابة مثله الأعلى، والغاية القصوى التي يطمح لها الإنسان، ثم تأخذ الأجيال بالهبوط حضاريا. فانقلبت مهمة الفرد بسبب هذا الحديث من التطور حضاريا إلى تدارك الانحطاط الديني قياسا بجيل الصحابة. وهذا هو الوعي الارتدادي، العاجز عن مواجهة الواقع، والتأثير فيه. مشكلة الحضارة مشكلة فكرية – ثقافية قبل كل شيء، وما لم نَعد النظر بمرجعياتنا ووعينا، فلا نغادر بقعة التخلف، ونبقى نتفاخر بماضٍ جميل، لا يمكن استدعاؤه، أو تقليده، ونعيش حاضرا بائساً محطّماً.

وبالفعل تجد توثيقات الرجاليين تنظر بقدسية كبيرة للصحابي، حداً تجد معنى عدالة الصحابي عصمته، لذا جاء توثيق بعض الرواة بشكل مبالغ فيه لتمرير جملة نصوص موضوعة، وظّفت لخدمة السياسة. كما رويت مجموعة أخرى من الأحاديث الموضوعة بواسطة أسانيد صحيحة لا يمكن الشك فيها، لتمريرها والتمويه عليها. وهنا تظهر قدرة النقد الرجال والحديثي على تمييز الحديث الصحيح عن الموضوع، والكشف عن ملابسات السند والمضون بمنهج مقارن. لقد طمست الروايات الموضوعة حقائق تاريخية مهمة، كان ينبغي لها أن تلعب دورا إيجابيا في مسيرة المسلمين. بل وشوّهت الواقع، وزوّرت الوعي، وشرعنت سلوك الظالمين. فيبنبغي الحذر في التعامل مع روايات الفضائل والمثالب، فثمة ظلم عظيم استبطنته هذه الروايات، فبخست شخصيات مهمة، ورفعت أخرى وضيعة، وهذه هي خطورة النص الديني، وخطورة روايات الرسول التي ظهرت فجأة بعد وفاته، التي راحت تتضخم بمرور الزمان حتى ضجت الموسوعات الحديثة بها.

إن حديث العشرة المبشرة بالجنة، الذي هو مدار السؤال، لم يُذكر في صحيحي البخاري ومسلم، وهما عمدة كتب الحديث في المدرسة السنية. لكن رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة. وعدم روايته عند البخاري ومسلم، يعد مؤشرا سلبيا، يبرر التشكيك في صحة صدوره عن النبي. فالحديث غير متفق عليه عندهم، ولا يكفي للجزم بصحة صدوره مجرد روايته في مصادر ثانوية. كما أن الشيعة يرفضون الحديث ويطعنون بصحته. وعندما ندرس هذا الحديث، نجد فيه تزكية مطلقة لشخصيات مارست السلطة، أو كانت في الخط الأول منها، وفيه تكريس لقريش دون غيرهم، حيث 9 منهم ينتمون لها قبليا. فلماذا لم يشمل غيرهم من كفاءات الصاحبة؟. فالحديث متهم من هاتين الناحيتين كحد أدنى. فلا خصوصية لقريش (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، ولا يمكن للنبي تزكية شخص يمارس السلطة المليئة بالأخطاء والمطبات، وتلاحقها شبهة الظلم والجور، مهما كان الحاكم عادلا. فالحديث يراد به عدم مساءلتهم، ومحاسبتهم على مواقفهم وسلوكهم. النص الديني سلطة وصياغة الحديث بهذا الشكل يقمع كل معارض ومعترض، ويضع حدا لكل من يلاحق سلوكهم وتصرفاتهم. لكنها قريش التي لعبت دورا سلبيا بعد وفاة الرسول، بشكل غير مباشر في زمن الخلفاء، ومباشر من خلال الدولة الأموية. فهذا الحديث من الأحاديث التي مارست سلطتها المقدسة لإعادة فهم الخلافة، وقيمها ومبادئها، وأسس لطبقية تقع على الضد من روح القرآن. وقد تجلت قوته في خصوص العصر الأموي، التي كانت شرعيتها رهنا في بعض أبعادها لهذا النمط من الأحاديث الموضوعة.

وما يؤيد ضعف هذا الحديث، أنك لا تجد له أصداء واضحة في عصر الخلفاء رغم قوته وسلطويته. فحديث بهذا العيار ينبغي التشبث به من قبل الأسماء المذكورة لتأكيد شرعيته وشرعية سلطته في الحكم، لكن أي واحد لم يحتج به خلال حكمه، فلم يذكره أحد يوم السقيفة، ولا بعدها، رغم وجود حاجة ملحة آنذاك لحسم الموقف السياسي. ولم يحتج به عثمان بن عفان عندما ثار المسلمون ضده. بل كيف يثورون ضد رجل من أهل الجنة ويُردونه قتيلا لو كان الحديث مشهورا بينهم؟ وبالتالي لا دليل على صدور هذا اللون من الأحاديث، التي تفوح منها رائحة السياسة، لردع الناس عن محاسبة السلطان، خاصة عندما استعاد المسلمون الأحداث التاريخية في ظل صراع مرير على السلطة، فغدا كل مذهب يتشبث بنصوص يؤكد فيها شرعيته وعدم شرعية خصمه، فمادام هؤلاء من أهل الجنة فلا يجوز محاسبتهم ومؤاخذتهم على مواقفهم. فكان يراد بها سلب الخصم السياسي والديني حجته، من خلال تزكيته، وشموله بحديث العشرة المبشرة بالجنة.

أما سؤالك، كيف عرف النبي أن هؤلاء من أهل الجنة، فتكون الإجابة على فرض صحة صدور رواية العشرة المبشرين بالجنة، أن للنبي موازينه في تقييم صحابته، لا يخرج فيها عن قيم الفضيلة التي أسس لها الكتاب الكريم، كقوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، (وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ)، (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ). وذكرت سابقا أن رهان النبي في روايات الفضائل على الاستقامة. وهي مصداق الفضيلة وانتفائها. فمن مات من الصحابة في حياة النبي وقد خصه بفضيلة تثبت له. ومن مات بعده يبقى رهن استقامته. والنفس أمارة بالسوء، خاصة مع مغريات السلطة، والثروات. فالنبي يتعامل في تقييمه مع ظواهر الأفراد. والشاهد على هذا الكلام الحديث الوارد في باب القضاء والمرافعات، حيث أكد أنه يعمل بالبينات ولا يعلم الغيب (لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء)، يتعامل ويقضي حسب الشواهد والأدلة: (إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة).

وذات الأمر بالنسبة للآيات الكريمة، فإن الله عزوجل لا يزكي أحدا تزكية مطلقة ما لم يستوف الفرد شروطها، كائن من كان. (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ). والآية تخاطب محمد بن عبد الله، آخر الأنبياء، وقد أثنت عليه عدة آيات، فكيف بغيره. والقرآن لم يذكر أحدا من الصحابة، ولم يزكي أحدا منهم بنص صريح يخصه، إلا من نزلت فيه آية، فيكون أحد مصاديقها وليست خاصة به. وأما الأحياء من الصحابة وغيرهم، فيبقى كل شخص مرهونا بعمله واستقامته، ولا يحق حتى للنبي التدخل في مصيره، فالجزاء بيد الله، والآية صريحة: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ).

وهنا أعيد ما ذكرته مسبقا حول سلطة قريش، وتزكيات النبي الكريم، نصها: إن تبني النبي لأي فرد تزكية مطلقة لمجمل سلوكه ومواقفه وآرائه. فتغدو جميع ممارساته وقراراته وأقواله مستقبلا وإلى الأبد، حجة على الآخرين، سواء كانت حقا أم باطلا، وهذا ظلم لا يفعله رسول الله ولا يتورط به، خاصة في مجال السياسة والقيادة الملأى بالأخطاء والأخطار. بل الرسول أخطأ في اتخاذ قرار عاتبته عليه الآية صراحة: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ)؟. محمد نبي مرسل من الله وأسوة وقدوة ومثالا، فكيف يتورط بتزكية قريش؟ وماذا عن تصرفاتهم وسلوكهم، حينما تكون انحرافا عن الدين؟ وكيف نبرر إنحرافات الأمويين؟ ومن يتحمل أخطاءهم السياسية؟. لهذا أشكك بصدور هذه الأحاديث عن النبي. وهو أرفع وأجل أن يتورط بتزكية قريش للخلافة مطلقا.

إن حديث العشرة المبشرة بالجنة، يكرّس سلطة قريش لا فقط يزكيهم، فمن المستحيل أن ينافسهم أي شخص على السلطة مهما كانت كفاءته وسابقته في الإسلام. لأن معنى "أن هذا الشخص من أهل الجنة"، صحة جميع تصرفاته وسلوكه ومواقفه. ومستحيل أن تصدر من الرسول تزكية لأي شخص يمارس السلطة. بل أن الرسول يحتمل في نفسه خطأ التقييم بعد نزول قوله تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍۢ). فالقرآن صريح يقول له لا تستطيع تقييمهم بدقة، فأنت لا تعلم منهم سوى الظاهر، ونحن نعلم بواطن الأمور وحقيقة الناس. وبالتالي فتقييم النبي لصحابته يدور مدار استقامتهم، وليس لروايات الفضائل إطلاق حينما تتعارض مع آيات أخرى صريحة وواضحه حول مسؤولية الإنسان عن عمله ومواقفه. والنبي ملزم بالاستقامة في مواقفه وسلوكه: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا). وأية محاباة بلا مبرر ديني أو أخلاقي يصدق أنه طغيان، قبيح.

لقد بات مستقبل نهضتنا يتوقف على تحطيم قدسية التراث الذي أسس لقيم الاستبداد والعبودية والتخلف والرضوخ للنص. وعمّق فينا روح الكراهية والحقد، وجعلنا أكثر التصاقا بالخرافة والطقوس ومختلف الأوهام العقائدية. وعشنا في ظله حياة البؤس والحرمان الحضاري، وما زلنا في جدل مرير حول شرعية سلطة الخلفاء منذ 14 قرناً. فنقد التراث بات واجباُ، لا خيارا نتهاون فيه. النهضة تبدأ حينما ينتهي التخلف، ويمارس العقل دوره في البحث والتحقيق.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

تعليقات (5)

  1. صالح الرزوق

موضوع التبشير بالجنة لا يختلف عن الناسخ و المنسوخ،
لربما طرأ على هؤلاء موقف او بدرت منهم تصرفات استوجبت سحب البساط من تحتهم،
لا شيء مطلق في مثل هذه الاقوال،
مشكلتنا هي التمسك بحرفية الكلام و عدم التدقيق بالمضمون و السياق،

 

نعم بالتاكيد هم بشر وليس لاحد ان يمنحهم حصانة دائمية، وكل شخص وما عمل، تحياتي د. صالح الرزوق

 

شكراً الى الاخ الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذه الايضاحات الرائعة؛ و شكراً الى الاخ المعلق الدكتور صالح الرزوق على تعليقه.

ان جوابك جداً مقنع و هو يعتمد على روح الرسالة السماوية المتمثلة في كتاب الله و هو القرآن الكريم.

لا اعتقد ان الرسول (ص) يعطي صكوك غفران لدخول الجنة ابداً لانه لا يعلم بالغيب ( و هذا موضح بشكل صريح و واضح في آيات القرآن المتعددة- ان مفاتيح الغيب عند الله) و كذلك ان الرسول (ص) لا يعلم بنفوس البشر المنافقة و المتغيرة مع الزمن كما موضح في الآية التالية.

(وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍۢ).

و هنالك الكثير من الآيات في هذا الصدد.

و اعتقد ان آيات التبشير الخاصة بالجنة هي مجرد تأكيد على صحة العمل الصالح الذي يقوم به الانسان و تشجيعه و طمئنته على ان هذا العمل هو يريده الله في رسالته و الذي سيقود الى دخول الجنة. بمعنى آخر هي تحفيز الناس الذين يتصفون بالنزاهة و العدالة و التقوى و يقومون بأعمال خيرية انسانية فيها مردود ايجابي للبشر و ذلك بالثناء على جهودكم و طمئنتهم و تشجيعهم على ان هذه الاعمال التي يقومون بها هي التي يريدها الله في رسالته السماوية و التي سيكون مردودها مقياس اساسي في دخولهم الجنة يوم الحساب؛ و ليس اعطاء صكوك غفران لدخول الجنة كما يفهمها رجال ديننا.

الشيء الغريب الذي اثار انتباهي هو ان اغلب المؤرخين الذين تناولوا القرآن و احاديث الرسول هم ليسوا من العرب؟؟.

اين المؤرخ العربي الذي عايش الرسول (ص)؟؟. من اهل قريش او من الجزيرة العربية؟؟؟؟.

و الشيء الآخر ان هؤلاء المؤرخين لم يعاصروا الرسول و لم يشاهدوه اطلاقاً لانهم لم يكونوا في الجزيرة العربية في وقت الرسول. انهم جاؤا الى البلاد العربية بعد تقريباً 200 سنة هجرية؟؟؟.

و الشيء الآخر و المهم جداً هو كيف عرف هؤلاء اللغة العربية و خاصة لغة القرآن البليغة و كذلك احاديث الرسول البليغة التي يعجز العرب عن فهمهما؟؟؟.

هل ان تاريخنا مزور و كتب لأغراض خاصة لغرض تدمير الدين من الداخل؟؟؟. و اعتقد ان هذا الاحتمال صحيح و وارد؛ و الاّ كيف نفسّر هذا الكره و القتل و الدمار الذي حلّ بين المسلمين انفسهم منذ 1400 سنة و لازال سيد الموقف لحد الان و نحن نعيش في القرن الواحد و العشرين؟؟؟؟.

رجاءً تعالوا معي نتفحص من هم هؤلاء المؤرخين؟؟

البخاري ولد في بخارى سنة 194 هـ الموافق (810م).

مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كوشاذ القشيري النيسابوري، أبو الحسين، (206 هـ - 261 هـ) / (822م - 875م). ايران

بن ماجة الربعي القزويني ولد سنة 209 هـ- 273 هـ)/ (824 م – 886م). ايران

ابو داوود سلمان بن الاشعث ولد (202- 275 هـ) منطقة سجستان ايران

التّرْمذِي، أبو عيسى (209 هـ - 279 هـ) / (824م - 892م. أوزبكستان

آسف على الاطالة
و شكراً مرة اخرى الى استاذنا الفاضل الدكتور الغرباوي على هذا الابداع التنويري الرائع.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

 
  1. ماجد الغرباوي

كانت رحلة ممتعة مع اسئلتك الاخ الاستاذ ثائر عبد الكريم، وسعيد انها نالت استحسانك ورضاك، فانت مثقف وتعي التقييم الصحيح، احترامي وتقدير

 

الاخ الفاضل الاستاذ الدكتور ماجد الغرباوي المحترم
شكراً جزيلاً على كل الاجوبة و الايضاحات التي تناولت الاسئلة التي طرحتها على حضرتكم. انها اجابات رائعة و وافية و واضحة و مفيدة جداً تعلمت منها الكثير الكثير من الامور التي كنت اجهلها في امور ديننا. ان كل حلقات الحوار المفتوح هي ابداعات رائعة جداً تستحق الثناء و الشكر و التقدير عليها. اتمنى ان تطبع هذه الحوارات و توزع على المكتبات العربية العامة. بالاضافة الى هذا اتمنى ان تترجم الى عدة لغات لتصل لغير الناطقين باللغة العربية. كذلك اتمنى ان تدرّس للطلاب في مدارسنا و جامعاتنا.
وفقك الله و امدك بالصحة و العافية و اطال في عمرك لخدمة العراق و العرب و الامة الاسلامية. مع الف شكر و تقدير مرة اخرى.

ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4110 المصادف: 2017-12-06 03:58:56