المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (48): النص والخطاب

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والأربعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق3-س73) عن النص وملازماته.

 

النص والخطاب

ماجد الغرباوي: تقدم أن سلطة النص تعني هيمنته معرفيا، وفرض إرادته، ومحدداته، حينما يحتكر الحقيقة أو جزأها، ضمن آلية انتاج المعرفة، ومرجعيات التفكير. سواء كان مضمون النص مطابقا للواقع ونفس الأمر أم لا. فيشمل جميع النصوص المؤسِسة والمدونات الأولى، بما فيها النصوص الدينية، وينفي وجود أية حقيقة مفارقة خارجها. فهي وفقا لهذا الفهم، وليدة خطاب محكوم لشرطه، حينما يوظّف النص أدواته وتقنياته، ويتستر على دوره في أصل وجودها. فالمتلقي يغفل دور النص عندما يتعامل مع الحقيقة، بفعل غواية الخطاب وقدرته على تمرير رسالته بعيدا عن دور النص. فنقد النص وتعرية حقيقته يزعزع صدقيته كمرجعية مطلقة، متعالية. ويخضع دلالاته للنقد والمراجعة لهتك قدسيته وحرمته ومعرفة حقيقته. خاصة الحقائق الدينية والتاريخية التي يتنازع حول مضامينها ودلالاتها وتأويلاتها المسلمون. وهذا ما نحتاجه بالفعل، هو الكشف عن ألاعيب النص وتقنياته في خلق الحقيقة، وتستره على مراميه وغاياته. فثمة أوهام حول جملة قضايا، مصدرها النصوص والروايات، يتعامل معها الناس كحقائق نهائية، ومطلقات، توجه وعي الفرد، وتهيمن على العقل الجمعي. أوهام تستنزف طاقاتهم، وثرواتهم، وتعطل جهدهم الحضاري. تعمق شعور التفوق، وكراهية الآخر، وحرمانه، وتجاهله. فالنقد يعرّي الحقيقة من أوهامها، ويفضح الدور الحقيقي للنص في وجودها، ودور الخطاب في ترسيخ إيمان المتلقي بها. نحن نعيش أوهام الحقيقة حول الذات والآخر، والنجاة، والمستقبل. وأخطرها أوهام التفوق. أوهام كاذبة، سوّقها خطاب مؤدلج، قادر على إقناع المتلقي برسالته. فالخطاب ليس أقل خطر من النص وتقنياته في إقناع المتلقي، بل تارة تتوقف قناعة القارئ على قدرة الخطاب، وأسلوبه في الإقناع، وتمرير رسالته، رغم عدم قناعته التامة بمضمونه. الخطاب قادر على تزييف الوعي، والتستر على بعض الحقائق، حينما ينجح في تمريرها كبديهيات أو مسلّمات لا تثير شكوك المتلقي، بفعل تأثيرة، وقوة هيمنته على وعيه.

الخطاب: مخاطبة بين طرفين. وحديث موجه، يحمل رسالة يقصد اقناع المتلقي بها، مباشرة أو عبر تقنيات لغته وأساليب تعبيره. فيسعى لفرض سلطته وهيمنته على مشاعر المتلقي. فالخطاب أداة للوصول للسلطة، بمعنى الهيمنة والإقناع. فيرتهن تأثيره لتقنياته وأساليبه، وانتقائيته للمفردات اللغوية، والتوقيت الصحيح، وطبيعة المتلقي وثقافته، ومستوى وعيه. فليس بالضرورة أن يؤثر الخطاب دائما، فهو شبكة مترابطة من العلاقات المفاهيمية، والمعارف والتقنيات اللغوية. تمتد جذوره في أعماق الثقافة والدين والتقاليد والوعي والعادات والمناسبات. فنجاح الخطاب يعبر عن جدارة أدواته وآليته واستراتيجيته في التأثير، وقدرة على اختيار المفردة الملائمة، وظرف التخاطب، وموضوعيته من خلال فهمه للواقع، وملابساته، وأولوياته، ومختلف علاقاته بالأدب والفن والعلم والدين والأخلاق والرموز. وهذا سبب تفاوته وفقا لرسالته وطبيعة الوسط الذي يقصده الخطاب. فتجد خطاب الفن والأدب والأديان، في بعض أبعادها، زاخرا برمزيته وثرائه، لا تنضب قراءته. موارب، لا يعطي نفسه بسهولة. يخفي أكثر مما يظهر. فهو خطاب أسطوري، تجريدي، عابر للزمان والمكان. كالأساطير القديمة التي ما زالت تحتفظ بقيمتها، رغم توالي القراءات في كل عصر وزمان، مثل مختلف الملاحم التي تحكي قصة الآلهة والخلق والإنسان، إضافة إلى مختلف الطقوس الدينية والاجتماعية والعبادية، وتراث الحضارات القديمة.

لكن الأمر يختلف بالنسبة للخطاب الأيديولوجي، التعبوي، فهو يرتكز لإثارة مشاعر المتلقي، والتغلّب على وعيه من أجل نجاحه وتحقيق رسالته. وهكذا الخطاب العلمي فإنه يلجأ لاستخدام الأدلة والبراهين والاستدلال المنطقي لاقناع المتلقي. فكل خطاب يتطلب ثقافة خاصة، وبيئة حاضنة، ووعيا مناسبا. فالخطاب العاطفي لا يؤثّر في الوسط العلمي.  والعكس صحيح. ولكل واحد منهما أسلوبه وتقنياته في أداء رسالته. وخصوصيات الأديان والمذاهب لا تؤثر خارج بيئتها، خلافا لمفاهيمها العامة، التي قد تؤثّر من خلال تجرّدها.

السؤال المهم ماهي العلاقة بين الخطاب والعقل؟. وهو ما نحتاجه، لمعرفة حجم السلبيات المترتبة على النصوص الموضوعة والمختلقة، وخطاباتها الأيديلوجية. والجواب: كما أن الخطاب يتحرى وعيا ملائما لدى المتلقي، كذلك العقل يطمح في خطاب ينسجم مع ثقافته وقبلياته. فتنشأ علاقة جدلية بين الخطاب والعقل، فكما أن العقل يفرض ضروراته على الخطاب، فكذلك يرقى في وعيه وإدراكه لمستوى الخطاب. فالخطاب ليس مجرد ألفاظ وجمل، بل يترك خلال أدائه آثارا عميقة، قد لا يُدركها الوعي في حينها، لكنها تؤثر لا شعوريا، وقد تُعيد تشكيل العقل، وترشيد وعي المتلقي. خاصة الخطابات الدينية، حيث يستولى الخطاب على مشاعر وأحاسيس الفرد، ويمرر ما يريد مروره بسهولة، حسب قدرة الخطاب وكفاءة أدواته. الخطاب الديني، خطاب أيديولوجي بامتياز، يتماسك أكثر في الأجواء الروحية، التي يركن فيها العقل للسبات، ويترك للخطاب حرية التلاعب بمشاعره.

ليس النص مصفوفة كلمات أو نسيج لغوي، بل نصوص متداخلة في علاقة معقدة، يرتهن تأثيره لثراء مداليله المضمرة وليس المفتوحة. فالنص حزمة أنساق متواريه، تستمد وجودها من أعماق الفضاء المعرفي للفرد، وقبلياته، وثقافته، ووعيه، ومستوى إدراكه.

وهكذا الخطاب، فهو ليس مجرد كلام وتخاطب، بل يكتسب وجوده من قبلياته، وتشابك أنساقه. فالرواية الموضوعة أقدر على التأثير من الروايات الصحيحة أحيانا. لأن الرواية الصحيحة من الأعلى إلى الأدنى، بينما الرواية الموضوعة تنبثق من حاجات فكرية وعقيدية وسياقات آيديولوجية، فتأتي لتسد فراغا معرفيا.

المائز بين النص والخطاب:

 النص مغلق على منطوقه، مهما بلغ ثراء مداليله المضمرة. لا يتجاوزه ويبقى محاصرا بدواله، فيختلف منطوقه باختلافها. لكن تبقى مداليله مفتوحة على جميع القراءات والتأويلات والاحتمالات.

وأما الخطاب، فمتحرر نسبيا بما تقتضيه تقنيته، لكنه مغلق على رسالته، لا يمكنه التلاعب بها، بل تقتصر مهمته على إقناع المتلقي وترسيخ إيمانه. الخطاب يشغلك بمنطوقه، والنص يغريك بدلالاته. الخطاب منظومة معرفية، كما النص، يفترق عنه بأساليبه وتقنياته ومهامه، وبنيته وأنساقه. فالمائز بينهما في مجال الاشتغال، عموم وخصوص مطلقا، وفقا للمصطلح المنطقي. يلتقيان في بعض النقاط، ويفترقان في أخرى. رغم أن كل نص هو خطاب بالضرورة. فالمائز في كيفية الاشتغال، وهذه نقطة دقيقة جدا.  للنص ضروراته التي لا يمكن للخطاب التخلي عنها في رسالته. النص منظومة معرفية، والخطاب أداته للوصول للسلطة بمعنى هيمنته.

وثمة فارق أساس بين خطاب النص، ومطلق الخطاب، بمعناه اللغوي. فيرتبط مع النص وخطابه حينما يتبنى رسالته، ويسعى لاقناع المتلقي بها، بإمكانيات واسعة، ومؤثرة. فمادة مطلق الخطاب نصوص، يعيد تشكيل أنساقها، ويستثمر خطاباتها، ويستشهد بها. مطلق الخطاب يتطلب تفصيلا واسعا لأهميته وخطورة دوره. وتارة يختلط الأمر أو يتداخل بين خطاب النص ومطلق الخطاب اللغوي، الذي هو بمعنى الخطابة.

وعَود للروايات الموضوعة، فإن صدقية المفاهيم الدينية الغيبية، مرتهنة في حقيقتها لوجود نص يدل عليها. وخطاب يسعى لإقناع المتلقي بها. فتفتقر الحقيقة في وجودها وصدقيتها لوجود نص مؤسس. لذا يصدق أن الحقيقة الدينية وليدة النص، ولا وجود لها خارجها، لأنها قضايا غيبية، لا تخضع للتجربة والدليل الحسي. وبما أن سلطة النص هي الأخرى لا وجود لها خارج ذهن المتلقي، فالحقيقة أيضا تستمد حضورها من الفضاء المعرفي للمتلقي.

 وأما ما يلي النصوص المؤسسة من نصوص فهي متفرعة عنها، شرحا وتفصيلا واستدلالا، ودفاعا. فالنص الثاني لا يؤسس لأصل المفهوم ابتداء، لكنه يستغل سكوت النص، وإطلاقه، وتشابهه. أو يسعى لتوظيف تلميحاته، وموارباته، وإشاراته، ورمزيته، ومجازاته. فيتحرك في أفق الإمكان، ويبدأ بتشييد حقائقه، التي تحل تدريجيا محل النص التأسيسي، وتغدو حقيقة مطلقة، عندما تتستر على دورها في وجود الحقيقة، ويسند المتلقي مضامينها للنص المؤسس، بلا أدنى شك أو إرتياب. وهذا هو مكمن خطر الروايات الموضوعة وسحر خطابها، عندما تنجح في فرض سلطتها وهمينتها على الوعي، فتحقق كامل أهدافها. بعد أن تتوارى الآيات تحت ركام الروايات الشارحة.

فمفهوم الصُحبة الذي استمد وجوده من بعض الآيات مثلا، كان مفهوما بسيطا في بدايته. ليس فيه تجريد لخصائص الصحابة، ولا ضمان بعصمتهم ومطلق عدالتهم كما تقول النصوص اللاحقة. ثم جاءت نصوص من خارج الكتاب لتخلق من الصُحبة حقيقة متعالية، وتصبح بحد ذاتها قيمة حقيقية، ومرجعية فكرية وسلوكية وأخلاقية، وصارت لها استحقاقات سياسية ومالية واجتماعي وتوثيقية. أي أن مفهوم الصُحبة تطور من مفهوم بسيط إلى كيان، ومؤسسة لها سلطتها وخطابها وقوانينها وشروطها. لقد استمد النص اللاحق شرعيته من سكوت النص الأول. وهذه هي آلية اشتغال النص، في المسكوت عنه، فيأتي النقد ليعرّي حقيته، وما يريد قوله. وكما أن للنص منطوقه وظهوره الذي يمارس فيه غوايته، فأيضا له باطن، وداخل، متشابك، زاخر برمزيته ودلالاته، فهو عبارة عن تراكم نصوص، متشعبة في جذورها، يتستر عليها منطوق النص. فالمفهوم الجديد للصُحبة، الزاخر بدلالاته، استمد شرعيته من النص الأول. لكنه تفوق عليه، واحتل مكانته، بعد أن شيّد فوقه حقيقته وسلطته. فأصبح للصُحبة بسب لعبة النصوص مفهوم رمزي، جرّد الصحابة من خصوصياتهم. وبات المتلقي يتعامل مع مفهوم الصُحبة بنسخة جديدة منقحة، ترسم مساراتها وفقا لهدفها، لكن المتلقي يتبناها بقناعة، ويرفض ما يثار حولها بفعل قوة الخطاب وتأثيره.

إن عملية استبدال النصوص لا تجري اعتباطا، لكن القارئ بعد أن أخفى النص الثاني دوره في وجود الحقيقة، بات لا يميّز بين النص التأسيسي والنص الشارح أو المفسّر، خاصة مع رمزية النص الأول. وهذا خطر التراث على العقل، ما لم يتداركه النقد ويفضح ألاعيبه. فقناعة المتلقي لم تأت من فراغ، بل هي قدرة الخطاب على تزوير الحقيقة، حينما يتستر على وجهها الآخر، وينجح في إيصال رسالته. الخطاب لا يترك المتلقي يتدبر الكلام، ويدرك مداليله ومخاتلاته، بل يملي عليه، حتى يترسخ إيمانه، واعتقاده، حداً تصبح يقينيات راسخة، تقوم وتتحدى جميع الإشكالات ما لم يفق الوعي. لهذا تجد الخطابات الأيديولوجية تتوجس من الوعي، فتسارع إلى شلّ حيويتيه، عبر حزمة خطابات في خطاب واحد. وبالتالي الخطاب الأيديولوجي والديني خطاب متدفق، بفعل تعدده.

إن تأثير الخطاب وتفاوته، أمر لا مراء فيه، يرصده كل مراقب. فهناك خطاب مؤثر، وآخر فاشل رغم قوة رسالته. لذا نجحت الروايات الموضوعة في رهانها على الخطاب، ومأسسته، وأثّرت بواقع المسلمين تأثيرا بالغا. فالخطاب الناجح أيديولوجيا هو الخطاب القادر على ترسيخ حقيقته في لا وعي المتلقي، حدا يتعذر على العقل رصد ثغراته، فينساق مع العقل الجمعي وكأنه أمام واقع ملموس، يرفض الجدل والمغالطة. لذا عندما تهدأ الحالة النفسية للمتلقي ويراجع نفسه، يضحك على مشاعره وهي تنساق مع أوهام الخطاب. فعندما يعجز الخطاب عن إقناع المتلقي بالحقائق الغيبية والمفارقة، يلجأ، لإقناعه عاطفيا، وربط تلك المفاهيم بنجاته، وسعادته وشقائه في الآخرة. بل حتى سعادته وشقائه في الدنيا. وأحيانا يربط الخطاب تلك الحقائق العصية على الإدراك، بهوية المتلقي ووجوده الاجتماعي، حينما يحاصره نفسيا، ويضعه في عزلة اجتماعية. بل ويمكن أكثر من هذا حينما تصبح مسألة الإيمان بالمنظومة العقائدية والفكرية مسألة وجود. أي تغدو حقائق وجودية يتوقف عليها وجود الإنسان في الدنيا، إذا كان محكوما لصراع الهويات، حد القتل علىيها، وهو ديدن الصراعات الطائفية. فلا تستغرب خطاب الفٍرَق والمذاهب المتنازعة حول الحقيقة. فهي مضطرة لخطاب اللاوعي، والخرافة، والعاطفة، بسبب ذات الحقيقة التي يتبناها الخطاب، فهي لا تعدو كونها تأويلات قرآنية، وروايات لا يمكن الجزم بصحة صدورها ومطابقة مضمونها. أو موضوعة، غيبية، تصنف ضمن اللامعقول، والخرافات والأساطير. لكن للخطابات الدينية والأيديولوجية سحرها ضمن شروط الواقع، ثقافيا ونفسيا واجتماعيا.

وكمثال على قدرة الخطاب في التأثير، أنقل هنا شاهداً من الواقع الديني، ما دام الحديث عن الروايات الموضوعة، وإلا فشواهد الخطابات الأيدولوجية متنوعة، خاصة السياسية. حيث حقق هذا الشاهد نجاحا فائقا، على مرأى ومسمع الجميع وأنا أحدهم:

شاهدت يوما على إحدى القنوات الفضائية، في آب، عام 2001م، أستاذا يحدّث طلابه عن أبي هريرة، الصحابي المعروف بكثرة حديثه عن رسول الله، رغم أنه لم يلتقه سوى سنتين. كان الطلاب باقة بريئة تتراوح أعمارهم بين 10-12، مشدودين بذهول وتفاعل طفولي لكلام استاذهم بشكل فرض نفسه حتى على المشاهد. فكانت الدموع تتقافز من أعينهم، وعلامات الانفعال ترسم خريطة مموجة، امتزج فيها الفرح بالحزن بالتعجب. كان يتكلم بلغة دافئة، متدفقة، ساحرة، وكان يستخدم سيمياء الإشارة ولغة الجسد، فترتفع وتهبط أنفاس الأطفال الجالسين أمامه بكل اهتمام، مع نبرات صورته ونشيج حنجرته. فاستخدم خطابا، كان ينساب إلى أسماعهم انسيابا رقيقا، يستهدف مشاعرهم وعواطفهم، دونه عقولهم ووعيهم، حيث صوّر الرجل ملاكا أرضيا، في رحاب طاعته، وعبادته، وفقره، وبساطته، وتميّز حافظته، واهتمام النبي المبالغ به. فأقصى خطاب التبجيل كل ما يثار حول رواياته الـ(5374) عن الرسول خلال سنتين. فأبو هريرة رغم توثيق بعضهم له، بموجب توثيقات خاصة أو عامة باعتباره أحد صحابة الرسول، لكن مازالت تلاحقه تُهم واستفهامات، حول كثرة رواياته، مقارنة بما رواه المقربون من صاحبة الرسول، الذين تراوح معدل رواياتهم، بين (500-600) حديث. خاصة ما رواه الإمام علي، الملتصق بالنبي منذ هبوط الوحي، وعاصر كل صغيرة وكبيرة في حياته، فلم يرو سوى (536) حديثا!!. بل أن أبا هريرة متهم بالوضع عندما روى أحاديث انحاز بها لمعاوية ضد خصومه ومناوئيه. فكيف تسنى له روايات كل هذه الأحاديث؟ والمعروف عن النبي صمته، وقلة حديثه. لكن المعلم استطاع بلباقة خطابه أن يرسم صورة مثالية للصحابي أبي هريرة، عبر رواية تاريخية، لا يمكن أن تكون شاهدا على كلامه. لكن الأطفال حملوا بعد سماع قصته انطباعا إيجابيا راسخا، سيؤثر لا شعوريا في مواقفهم وتقييمهم للرجل فيما بعد، وسيدافعون ببراءة عن قوة حافظته باعتبارها استثناء بسبب دعاء النبي له، وأصبحت هذه القضية بالنسبة لهم حقيقة مطلقة، استطاع الخطاب التربوي والنفسي تمريرها وترسيخها، دون الالتفات لدور النص في أصل وجودها وصدقيتها. فنحن قبل رواية أبي هريرة ما كنا نعلم أن النبي قد خصه بمعجزة قوة الحافظة، وسلامة الذاكرة، مهما أمتد به العمر. فالنص هو مصدر هذه الحقيقة، غير أنه تستر على دوره في وجودها.

روى المعلم بأسلوب تمثيلي رواية يتحدث فيها أبو هريرة، كيف استطاع حفظ كل هذا العدد من الأحاديث، فقال: دعا النبي أبا هريرة، فدعا له بالحفظ!! يقول أبو هريرة: فصرت أسمع كلام النبي وأحفظه ولا أنساه!!!. وعندما نقرأ هذا النص التاريخي، يمكننا بسهولة كشف آليته في تمرير ما يريده، والتستر على ما يبغي التستر عليه.:

أولاً، لا قيمة لأي توثيق يرويه صاحبه، بل ويتهم كل من يروي مدحا عن نفسه. فمن يدعي أن النبي خصه بدخول الجنة، أو بالحفظ وعدم النسيان، أو أي ثناء، أو امتياز أو حقوق اعتبارية، استثنائية، ولم يروه غيره فلا قيمة له، بل ويسقط اعتباره وعدالته، لدى الأصوليين. والراوي هنا هو أبو هريرة ذاته، وهو الذي يقول دعا لي رسول الله بالحفظ وعدم النسيان، ولا طريق لنا آخر للتأكد من صحة عمل الرسول ودعائه له. فلا قيمة معرفية لروايته، ولا يترتب عليها أي أثر توثيقي. ويمكن اسقاطها بسهولة. ولا يقال أن الرجل كان ثقة في المرحلة السابقة فما يرويه فيما بعد صحيح. لتوقف وثاقته التي جرحتها كثرة الروايات، على النص ذاته.  لأن كثرة الرواية بحد ذاته علامة تضعيف للراوي.

ثانيا: أعطت الرواية مفهوم الصُحبة صفة قدسية، جرّدت الصحابي من خصوصياته، وزكت جميع أعماله وسلوكه وتصرفاته، مهما كانت. ومنحته استثناء، لا لشيء سوى صحبته للرسول!!، وهذا مرفوض وإن قال به بعضهم.

 ثالثا: أسطرت الرواية حافظة الراوي وذاكرته، فغدا استثناء للطبيعة البشرية. وهذا لا يمكن الاستدلال عليه موضوعيا، وقابليات الإنسان محدودة، وتتآكل مع تقادم عمره ذاكرته.

رابعا: أوحت الرواية بخصوصية أبي هريرة عند النبي، حتى فضّله على جميع الصحابة حينما خصه بهذا العدد الكبير من الروايات التي لم يروها أحد غيره. بل وعاقبه وضربه عمر بن الخطاب بمطرقته في عهده، ومنعه من التحديث. والأهم أنه ليس من السابقين الأولين، ولم يلتق الرسول سوى سنتين  ثم غادر المدينة، وتحوم حول رواياته شبهات كثيرة، إلا أن شرعية سياسة الخلفاء الأمويين متوقفة في بعض مقاطعها على رواياته. وهذه هي أهميتها، وبعضها الآخر فيها طعن وتشكيك لمناوئيهم، فهي سلام ماضٍ ضد خصومهم. فمن يدافع عن رواياته إما متواضعا في وعيه أو يقصد ذلك بدوافع طائفية ومذهبية.

إن خطاب المعلم حصّن طلابه ضد أي شكوك تواجههم مستقبلا، وسوف يكون منطق التبرير سلاحهم وهم يواجهون كثرة الشكوك حوله. بل سوف لن تستفزهم رواياته مهما كانت غريبة أو مضطربة أو متحيّزة. فاستطاعت الرواية، توثيق مطلق روايات أبي هريرة. بما فيها الروايات الموضوعة من قبله. أو التي نسبت له. حيث أصبح مصدرا روائيا. فالخطاب هو الذي مهّد لتزكيته، واقصاء جميع الأسئلة والاستفسارات حول وثاقته ورواياته رغم قِصر المدة التي التقى بها النبي.

إن خطاب المعلم كان نموذجا للخطاب الاستراتيجي، المؤثر، عندما نجح في إيصال رسالته، حداً امتلك عقول الأطفال، وترك لديهم انطباعا مثاليا عن صحابي طالما أثيرت حوله الشبهات.

وأما الرواية التاريخية المروية عن أبي هريرة فقدت حققت ما يصبو لها منطوقها، عندما صرفت الأنظار عن كل ما يسيء لسمعته. فاكتسب أبو هريرة مصداقية خاصة لدي الرسول، لا يوجد دليل على صحتها سوى روايته. لكنها غدت حقيقة مطلقة، في ظل رثاثة الوعي، وقوة حضور المنطق الطائفي، رغم أنها مختلقة، وليدة رواية تاريخية، تسترت على دورها في وجودها.

لكن ما يهمني في هذه الرواية ما توارى خلف النص. فقوة النص لا تقاس بمنطوقه وما يبوح به، بل ما يضمره النسيج اللغوي للنص، ودلالاته التي يتستر عليها ظاهر الكلام. الرواية كانت اعترافا صريحا بالشكوك التي تحوم حول أبي هريرة، ومدى قلقه وهي تزعزع من مصداقيته كصحابي معروف. وهذا لم تفصح عنه الرواية علانية، لولا النقد والتنقيب. ولولا قوة الخطاب التي استولى على عقول الطلاب قبل أن يفيقوا لوعيهم. كما تؤكد هذه الرواية تشبث أبي هريرة برواياته، وعدم تنصّله عنها، لكنه بحاجة لغطاء شرعي يمرر به أجندته، فوضع هذه الرواية حسبة. أي أن حركة الرجل ورواياته كانت تسير ضمن توجه سياسي – ديني هو بطله ومصدر شرعيته، في مقابل مزيد من الامتيازات.

وخلاصة الشاهد، أن النص التاريخي تستر على دوره في خلق حقيقة أسطورة ذاكرة أبي هريرة، ومكانته الخاصة عند الرسول، وراح المعلم عن قصد أو غير قصد يتكلم لا بلسان أبي هريرة بل على لسان النبي، وكأن روايته غير موجودة، والنبي يخاطب الطلاب مباشرة. وهنا نقطة قوة النص حينما ينجح في إخفاء دوره في وجود الحقيقة.

كما استطاع الخطاب بما أوتي المعلم من قدرات فائقة، على فرض أبي هريرة قدوة، ومثالا، يتمناه كل شخص لنفسه. إذ لعبت تعليقاته العاطفية دورا كبيرا في ترسيخ هذه الحقائق. حيث كان يقطع الرواية بين فترة وأخرى، ويتلو كلمات التمنى، والتعجب والانبهار، مثل: الله، الله مَن مثل أبي هريرة في قربه من رسول الله. يالك من صحابي جليل ضمنت مكانتك بالجنة وقربك من رسول الله، من مثلك يدعو له الرسول بهذا الدعاء، وكان ينفعل مع كلامه، وكأنه قد عاشر الرجل عن قرب. فكان ممثلا بارعا، وأسلوبا فريدا في قوة تأثيره.

الخطابات المزوّرة إحدى أسباب تخلفنا، لقوة حضورها، وتشبث الناس بها. بل أن حركة المجتمع كما التاريخ عندنا تقوده نصوص، دينية أو تاريخية، صحيحة أم ضعيفة، ويبقى  النهوض رهان الوعي، الذي بات يتأرجح بين مصالح سياسية، وأخرى طائفية، وثالثة شخصية ويبقى الشعب الخاسر الوحيد وهو يعيش أوهام النجاة والتفوق في ظل انحطاط حضاري مرير.

وما رواية أبي هريرة سوى مثال لطوفان من الروايات التاريخية، على مختلف المستويات، وعلى جميع المقاسات الطائفية، والمذهبية، والعنصرية.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

تعليقات (1)

  1. صالح الرزوق

مناقشة محكمة و جيدة. و حالة ابي هريرة فعلا لم أسمع عنها من قبل.
و ربما تحليل شخصيته مع أمثلة و شواهد يحتاج لحلقة منفصلة.

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4122 المصادف: 2017-12-18 09:23:28