المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (50): النص وخطاب المعارضة

majed algharbawi6خاص بالمثقف: الحلقة الخمسون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق5- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص وخطاب المعارضة

ماجد الغرباوي: ما إن تنتهي مرحلة نزول الوحي بوفاة النبي، تبدأ مرحلة تأويل النص المقدس، وتزوير الوعي الديني، بدوافع شتى، أخطرها السياسة حينما تفرض نفسها على التأويل، فيغدو نصا جديدا، وتفسيرا رسميا يصادر النص الأول، ويعيد تشكيل الوعي. وتارة تدفع ضروراتها باتجاه وضع الأحاديث، ونسبتها للرسول الكريم. وثمة نصوص لا يمكن الجزم بصحة صدورها لعبت دورا خطيرا في عالم السياسة، سواء في عهد الخلفاء، أو في عصر الدولة الأموية. وكما أن ثنائية السلطة والمعارضة كانت وراء التمادي في تأويل الآيات وتزوير الوعي ووضع الروايات، فأيضا كانت السياسة سببا أساسا في نشوء المذاهب والفِرق، وتأسيس مرجعيات فكرية وعقيدية جديدة. فعندما دشن الخلفاء بنزاعهم على السلطة مرحلة الإسلام السياسي، وتسيس الدين. أبقوا على قدسية النص، لشرعنة التأويل، فهو طاقة، يستمد قوته من مرونة النص المقدس وثرائه ورمزيته، ويبقى القارئ ومهارته في توظيفه. فلا غرابة أن يكون التأويل أول مصدر لمراكمة شواهد على شرعية أحد طرفي النزاع على مشيخة المسلمين وخلافة الرسول في بعض القضايا الإجرائية التي تتطلبها ضرورات المجتمع الجديد. فالسلطة عانت في شرعيتها رغم البيعة، وعدم قدرة الطرفين على حسمها وترجيح أحدهما على الآخر، لعدم وجود نصوص حاسمة في قراراتها وشرعيتها، فلم يجد أنصارهما عند استدعاء وقائع الخلافة في نهاية القرن الأول، سوى الشواهد لترجيح شرعية أحدهما. فالدافع للتأويل كان سياسيا بامتياز، وهذا لا ينفي وجود أهداف أخرى. غير أن استشهاد الحسين بن علي عام 60 هـ، كان إنعطافة حقيقية، دخلت معها السياسة مرحلة جديدة، وأصبحت المعارضة ظاهرة، فرضت نفسها على الساحة السياسية، بعد أن كانت متوارية، بلا ملامح، ينقصها الرؤية الحقيقية، واستراتيجية التحرك السياسي المدروس. ثم أخذت تطور أدائها. فدشنت عملها بانتفاضات عسكرية، رفعت شعار: "يا لثارات الحسين". فالمعارضة في زمن الخليفتين الأول والثاني، وشطرا من حياة الثالث كانت مجرد ملاحظات، وتباين في المواقف السياسية دون التشكيك بشرعية السلطة، خاصة مع سطوة عمر بن الخطاب، وشدته وقمعه. غير أن ظاهرة الفساد التي نخرت جسد الخلافة أجج مشاعر السخط، فانفجرت ثورة شعبية أطاحت بعثمان. وأما في عهد الإمام علي فقد تسبب الخروج على شرعية الخلافة، وشخص الخليفة في سقوط عدد كبير من المسلمين، فكان أول صراع دموي على السلطة. ويسجل على هذه الحقبة بالذات غياب التسويات السلمية، حيث ركن الجميع للعنف والقتال، الذي كشف عن أصالة الروح القبلية رغم إسلام الجميع. فثمة شعور فوقي لدى قريش طفح في لحظة التفاضل القبلي. فعلي مهما كانت مبدئيته وتقواه وسابقته في الإسلام وقربه من رسول الله، وشرعيته عبر بيعة عامة لم يحظ بها أي من الخلفاء السابقين، لكنه وفقا للمنطق القبلي، لا يرقى للسلطة رغم قريشيته، وهناك من يقدم نفسه، ويرى أفضليته دونه. بل ويعتبر السلطة استحقاقا طبيعا وفقا لمنطق الكبرياء القبلي.  وبالتالي لم تكن ثمة معارضة حقيقية في زمن علي بن أبي طالب بل صراع دموي مفاجئ على السلطة. حيث أن طلحة والزبير والخوارج قد بايعوا الخليفة ثم انقلبوا عليه. ومعاوية،  كان ممثلا للخلافة، وانشق على شرعيتها. وقد تسبب الصراع في استلاب الوعي، والتباس المفاهيم، فجميع الأطراف المحاربة كانوا من صحابة الرسول أو من تابعيهم.

ويبقى السؤال يؤرق الباحث عن سبب الركون للقتال، فليست ثمة ملازمة بين وحدة الدين ووحدة السلطة السياسية. ولماذا يجب أن تكون الدولة الدينية واحدة، وليست متعددة خاصة مع تباعد الولايات وانعدام المواصلات آنذاك، واختلاف الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم وضروراتهم؟؟. فهل هو التشكيك في مصداقية الحاكم كما بالنسبة لمعاوية؟ أم سببه خيانة البيعة كما بالنسبة لطلحة والزبير وعائشة؟ أم هو منطق السلطة تاريخيا. فالدماء التي سفكت في المعارك الثلاثة غزيرة، وتداعياتها كانت خطيرة. ويبقى كل شيء مواربا وليس ثمة ما يُطفئ الشك والاستفهام.

إذاً فالنقلة الحقيقية للمعارضة في تاريخ المسلمين، تمثلت بموقف الإمام الحسين من بيعة يزيد، حيث رفض البيعة لعدم توفر الشروط اللازمة به، كما صرّح بذلك علانية (...ويزيد فاسق، فاجر شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق والفجور، مثلي لا يبايع مثله). فحينما وقعت معركة كربلاء لم تكن للخليفة بيعة في عنقه، فلا يصدق أنه شق عصا الطاعة، لأنه لم يكن جزءا من السلطة أساسا كمعاوية، ولم يتحرك صوب الكوفة لولا رسائل بيعة أهلها، ومبايعتهم لسفيره مسلم بن عقيل. فالحسين بثورته أرسى معالم شرعية السلطة، وضوابط الخليفة الشرعي. فيصح أن الحسين بن علي كان أول زعيم سياسي مسلم معارض، وأول من أرسى شرعية المعارضة رغم إسلامية السلطة. غير أن استشهاده، ترك تداعيات خطيرة بقدر ما دفع باتجاه الثورة والعمل المسلح ضد الدولتين الأموية والعباسية، وما زال الثوار يستمدون من الحسين معنويات التضحية والفداء.

ويمكن هنا رصد ثلاثة اتجاهات للمعارضة بعد مقتل الحسين، لكل اتجاه معالمه وخصائصه، وطريقته في فهم الحدث وشخصية الإمام الحسين، وربطه بالإسلام، والعقيدة الشيعية خصوصاً، للوقوف على أسباب الوضع، في مجال العقيدة والفكر، والأهم كيف مارس خطاب المعارضة سلطته في ترشيد أو تزوير الوعي، وما هو دور الخطاب في نجاح أو إنكسار المعارضة:

 

الاتجاه الثوري:

وهذا الاتجاه لم يعرف الانكسار والإنكفاء والتراجع، بعد مقتل الإمام الحسين. وتعامل مع السلطة بمنطق سياسي براغماتي، يحتمل جميع الممكنات. وثمة لعبة يجب على المعارضة إجادتها، واتخاذ الموقف الصحيح تجاهها. والعمل المسلح جزء منها. خاصة أن المنطق السائد آنذاك هو القوة والعمل المسلح، غير أن خطاب المعارضة ارتكز لديهم إلى قاعدة فكرية وعقيدية، ورؤية سياسية واضحة. وقد استمد قوته من رمز مقدس عظيم، لا تنفد طاقته. فالحسين ابن بنت الرسول، وقتل شهيدا من أجل إصلاح السلطة والمجتمع، وهي قضية متجددة، لا تحدها حدود، وفي كل زمان يوجد ما يبرر تقويم الأمت والعوج، وثمة مبرر مرن يدفع باتجاه الثورة باستمرار. فاكتملت لديهم شروط المعارضة السياسية الناجحة، والقادرة على مواصلة طريق الكفاح، ومواجهة التحديات، رغم استثناء من رفع شعار الثأر والعنف من أجل العنف. فكانت تداعياته صادمة.

 وعناصر المعارضة الناجحة هي:

- وجود قضية وهدف يسعىى لتحقيقه المعارضون، وهو هنا مواصلة درب الحسين الذي ثار من أجل الإصلاح، السياسي والاجتماعي. (إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً انما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي). فيكون هدف المعارضة وخطابها هو تحرير السلطة من استبداد الفاسدين ولو عنوة، أسوة برمزهم التاريخي. وقد تتسع أهداف هذا الاتجاه فتتراوح بين المطالب السياسية العامة، وخصوص استرداد حقوق أهل البيت. وعلى جميع الاحتمالات تكون السلطة وسيلة لتحقيق الهدف، والعمل المسلح أداة لاستلامها.  فخطاب هذا الاتجاه خطاب سياسي بامتياز، مارس كافة تقنياته التي قد تضطره لتزوير الوعي، أو استدعاء نصوص وروايات لا دليل له على صحة صدورها، لكنها متطلبات الخطاب وضروراته. والحقيقة أن هذا الاتجاه يمتلك  مقومات شرعيته ذاتية، وليس بحاجة إلى مزيد من النصوص والتأويلات. ومصدر شرعيته الحسين وشعاراته وسلوكه الثوري.

- قاعدة فكرية وأخلاقية تتحرك في ضوئها المعارضة، لتكون على بينة من أمرها، لايسودها غبش التخبط المعرفي. ولو بحدود قضيتهم. والقاعدة الفكرية هي ذات القاعدة التي ارتكز لها الحسين، من وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو وجوب حماية أهداف الرسالة السماوية، وفضح العابثين بمقدرات المسلمين. فالسلطة مقدمة لأداء واجب شرعي. فالمعارضة من هذه الناحية على ثقة تامة بمرجعياتها الفكرية العقيدية.

- رمز تاريخي، مُلهِم، في تقواه وورعه وعلمه ووعيه. والأهم في شجاعته وتضحيته، فهو الفرد الذي وقف بوجه جيش يزيد، فانتصر عليه معنويا، ويمكن للخط الثوري استثمار هذا النصر في مواصلة العمل المسلح، للوصول إلى السلطة ومن ثم تحقيق أهداف الحسين.

- قاعدة شعبية، ضمت جميع المحرومين والمضطهدين، من الشيعة بشكل عام، وليس خصوص الشيعة الإمامية. فالحسين كان وما يزال مركز استقطاب يعبّئ الناس تلقائيا، لاقتفاء أثره في التضحية والفداء. بل أنه صار بحد ذاته قضية، تستحق التضحيات.

فخطاب هذا الاتجاه كان ثوريا بامتياز، يرفض الخنوع والتكاسل، ولا يرى أي مبرر للقعود عن الثورة حينما يتوفر شرطها. فليس غريبا أن يتمردوا على بعض الرموز الدينية الكبيرة التي رفضت الحراك المسلح، كتمرد جملة من أصحاب الإمام الصادق ضده والتحقوا بزيد بن علي الثائر الهاشمي. حيث كانت الظروف مؤاتية للثورة لكن جعفر بن محمد الصادق، سادس أئمة أهل البيت رفض القيام بثورة متذرعا بأسباب تخصه.

فالحراك المسلح أكتملت شروطه ومارس دوره بثقة عالية، ولم يضطر لمزيد من التأويل أو وضع الأحاديث (وهذا هو المهم بالنسبة  لنا). ولم يحتج لمرجعية فكرية معقدة، فالإمامة الشرعية تقتصر على من يقوم بالسيف لاسترداد الحقوق المهظومة. فطريقهم كان واضحا. وخطابهم كان خطابا ثوريا - سياسيا، ارتبط برموز أهل  البيت دينياً.

ومهما كانت مواصفات هذا الاتجاه لكنه ليس مثاليا كما ينبغي، وليس بريئا في سفك الدماء، ولا صادقا دائما في شعاراته وموالاته لأهل البيت، حتى وإن كان مخلصا في بداياته، بل كان هذا الاتجاه يتستر على هدفه السياسي، بشعارات الثأر والرضا لآل محمد، بعد تجاوزه سنوات واقعة كربلاء. ولم يختلف عن غيره في استغلال السلطة واحتكارها. لكن للأسف أن شرعية السلطة لدى شطر من الشيعة وعلمائهم تتوقف على صدقية موالاة الدولة لأهل البيت حينما تتبنى شعاراتهم ولو شكليا، وتسمح لهم بممارسة طقوسهم وشعائرهم. فالقضية بالنسبة لهم رمزية، وهذا يكفي بغض النظر عن جرائم السلطة، كما بالنسبة لموقف علماء الشيعة من الدولة البويهية والدولة الصفوية التي كانت في حرب مع الدولة العثمانية، وكانت بحاجة ماسة لغطاء شعبي وديني ومذهبي يقاوم الخطاب السياسي – الديني للأتراك. فاضطر السلاطين الصفويون لتبني المذهب الإمامي وفسح المجال للغلو الشيعي، يمهّد للتعبئة الشعبية، ضد الدولة العثمانية ومشيخة الإسلام، وفق معادلة: (نصرة الدولة الصفوية = نصرة للمذهب الشيعي). في مقابل: (نصرة الدولة العثمانية = نصرة لمشيخة الإسلام والمذهب السني). فكلتا الدولتين كانت تمنح الشرعية لفقهاء الإسلام من كلا المذهبين، وجميع الفقهاء كانوا يشرعنون ممارسات السلطان وطغيانه واستبداده وفساده.

كما يسجل ضد الخط الثوري، تماديه بالثأر، عندما رفع شعار "يا لثارات الحسين"، حتى سفكت دماء غزيرة، بعضها ظلم وعدوان، وهذا يؤكد الطموح السلطوي لدى الثوار، مهما كانت مواربات الخطاب السياسي، وأن الهدف الأساس في حراكهم المسلح هو السلطة، فالعباسيون عندما رفعوا شعار: "الرضا لآل محمد" اضطهدوا أئمة أهل البيت وشيعتهم  بعد تسلّم السلطة. فما تقدم عن اكتمال شروط  المعارضة السياسية الناجحة، لا يشمل كل من تحرك من الانتفاضات والثورات الشيعية. ويبقى كثير منها مدان مهما بالغ في شعاراته وثورية خطابه.

 

الاتجاه الفكري – الفقهي:

هذا الاتجاه قاده أئمة أهل البيت وأصحابهم من الفقهاء والعلماء. ابتداء من الإمام علي بن الحسين، حيث ظهرت معالم المدرسة الفقهية الشيعية، التي تجلت بكامل معالمها وألقها وإبداعها في زمن الإمام جعفر بن محمد الصادق. وهذا الاتجاه اعتزل السياسة والعمل المسلح، وركن للعلم، لترسيخ وجوده، فيصدق أنه معارضة سلمية، صامتة، خطّت لها طريقا مختلفا. ساعد على ظهور فهم آخر للأحداث التاريخية. فترك مسافة بينه وبين الاتجاه الأول ولم يتبنَ أي خطاب ثوري علناً، لكنه يشارك الاتجاه الثالث في بعض مجالات العقيدة. فتولى، إضافة لجهوده الفقهية والفكرية، بناء  منظومةعقيدة محكمة، تمت هندستها بشكل دقيق ومفصّل. يمكن تلخيص  معالمها، بما يلي:

- ظهور مفهوم الإمامة الدينية، كنوع من التعويض بعد نكبات الشيعة واضطهادهم وإقصائهم. فهي في بعض أبعادها محاولة للتستر على الهزائم العسكرية المتلاحقة للإمامة السياسية، وعدم قدرة اتباع أهل البيت إثبات النص على خصوص خلافة الإمام علي بنص صريح يصلح أن يكون مرجعية لحسم النزاع بين الأطراف المتنازعة على السلطة تاريخيا. فالإمامة وفقا للرؤية الجديدة ما زالت تمارس دورها الديني رغم فداحة خسائرها السياسية. وهي إمامة تم التنظير لها كلاميا عبر تأويلات قرآنية، إضافة لروايات بدأت تتدفق بعد وفاة كل إمام تتحدث عن الإمامة ومقامها وضرورتها. وهو تدفق متهم لا يمكن الاستدلال على براءته، فالعقيدة محددة قرآنيا، وأية أضافة تفتقرلدليل صريح يدل عليها، فلا قيمة لها، خارج دائرة أتباعها ومعتقديها. فخطاب هذا الاتجاه خطاب فكري – عقيدي، ارتكز لمقولات كلامية، ونجح في تأسيس مفاهيم جديدة، منها الإمامة الدينية. التي أحيت مفهوم الإمامة ومنحت من تبقى من الأئمة شرعية كاملة. فتأييد الإمام أو سكوته عن الاستدلال الكلامي حول الإمامة الدينية، يكرس مصالحه الدينية والسياسية. حيث تطور هذا  المفهوم ومارس أدوارا مختلفة. رغم حاجته الماسة في بعض أبعاده لأدلة قرآنية صريحة، وهي مفقودة بالضرورة. علماً أن مفهوم الإمامة تاريخيا مفهوم سياسي، وكان أصحاب الأئمة قبل التنظير لعصمتهم، يتعاملون معهم كزعماء سياسيين، أو كبار آل محمد، أو فقهاء التشيع، فصراع الصحابة كان صراعا سياسيا،  وطرحت الإمامة في مقابل الخلافة طرحا سياسيا. وأما الإمامة الدينية فجأت لتدارك الفشل السياسي.

- تم صياغة فهمٍ معنوي للنصر، بعيدا عن مقاسات الربح والخسائرالمادية. فالنصر الحقيقي هو أداء الإمام لدوره المرسوم من قبل السماء. ولكل إمام دوره، وما يحسب خسارة عسكرية هو ليس كذلك  في نظرها. وهذا الفهم ساهم في شد صفوف الشيعة، ولملمة جراحهم، وتدارك انكسارهم النفسي والمعنوي، لكن ثمة من تشبث لتحقيق النصر بالأسباب الطبيعية، ولم يقتنع بالتفسير  الجديد له.

- تم التنظير لمفهوم العصمة، حيث نظّر لها عالم الكلام المعروف هشام بن الحكم بحدود سنة 150 هـ، في أواخر حياة الإمام الصادق، ليتدارك بها انهيار قواعده، بعد تمرد الخط الثوري والتحاقه بزيد بن علي. فمنحت العصمة الأئمة حصانة ذاتية، ثم أخذ هذا المفهوم بالتطور. وصارت له وظائف غير متوقعة، على صعيد الموقفين السياسي والديني. فالإمام بموجب عصمته يبقى إماما ثار أم لم يثر. خلافا للفهم الزيدي لمفهوم الإمام الذي ارتبط عندهم بالقيام بالسيف. وبالتالي فعدم استجابة الصادق لأصحابه، وعدم نهوضه عسكريا رغم توفر الشروط اللازمة للثورة، يعتبر موقفا شرعيا صحيحا، فهو معصوم لا يصدر عنه الخطأ.

- نجح هذا الاتجاه باعتبار الأئمة امتدادا للنبوة، بموجب مقولات كلامية، لا دليل عليها من الكتاب والسنة. حيث عالجت العصمة مشكلة الروايات الشيعية التي تعاني انقطاع السند بين الإمام والرسول الكريم. وأصبح الإمام  كالنبي له حق التشريع، وأكتفى الشيعة بصدور الرواية عن الإمام لأثبات صحتها، وهنا لعب الوضّاعون دورا تاريخياً، من خلال حجم الروايات الكاذبة والموضوعة التي أسندت زورا وبهتانا للإئمة. ولا أعني الإطلاق أبدا، فربما صدر عنهم بعضها. لكن سلوكهم العام ينفي ذلك.

- نجح مفهوم العصمة في تطويع مفهوم المقدس ليشمل بإطلاقه الإمام، فخرج من دائرة النقد إلى دائرة التعالي والقداسة. بينما كان أصحاب الأئمة، قبل التنظير لعصمتهم سنة 150 هـ، يتعاملون معهم كبشر وفقهاء وزعماء دينيين، يصدر عنهم الخطأ والاشتباه والنسيان. ورغم تفاخر الشيعة بعصمة الأئمة إلا أنها لعبت دورا سلبيا كما سأبين في محله. وكان بإمكان الأئمة أن يلعبوا دورا تاريخيا مستقبلياً بعيدا عن القداسة والعصمة، فخسر الإسلام نماذج دينية راقية، يمكن أن تؤسس لفهم آخر للدين، وأسلوبه في تجديد خطاباته. لكن أبت العصمة إلا أن تسلبهم  هذا الدور العظيم.

- أكد هذا  الاتجاه على دور الإمام المهدي في قيام دولة العدل الإلهي، كوعد قرآني – نبوي، عليه يتوقف الهدف من الخلق والحياة، وفقا للرؤية الشيعية المتعارفة. فباقي الأئمة لهم أدوارمختلفة، ويبقى التعويل في إقامة دولة العدل الإلهي على المهدي المنتظر. وهو خطاب متقن، علق عليه الشيعة آمالا واسعة وما يزالون. ووضع الأئمة  خارج دائرة المساءلة والنقد، فلكل إمام دور رباني محدد. وهذا خطاب بارع من حق الأئمة التشبث به للتخلص من مسؤولية التحرك السياسي والعسكري.

فالاتجاه الثاني أسس لجهاز مفاهيمي جديد، أعاد تشكيل وعي الفرد الشيعي، وطريقة تفكيره. وكرّس إنغلاق العقل، بدلا من انفتاحه على الحياة وضروراتها، عندما وفّر رؤية جاهزة لمستقبل متغير لها ضروراته، مما تسبب في انتكاستهم حضاريا، أسوة بغيرهم من المسلمين، الذين جعلوا من السنة وما ينسب للنبي مصدرا وحيدا للمعرفة. فالعقل الذي كان يتحرك داخل هذا الاتجاه عقل مرتبك، خائف يبحث عن أية حلول لتدارك انكساراته السياسية، وردود فعلها التي انعكست على أتباع مدرسة أهل البيت الذين وضعوا آمالهم في غد مشرق بقيادة الأئمة. فأصابهم اليأس والقنوط  في الحصول على واقع سياسي يعيد لهم كرامتهم وحيثيتهم، ويخرجهم من دائرة الاقصاء والتهميش. فكان للمفاهيم الجديدة دور إيجابي في تماسكهم. فخطاب هذا الاتجاه أيضا خطاب سياسي في بعض أبعاده لكن بمرجعيات فكرية وعقيدية جديد. بل وصدق أنه خطاب ديني مبطّن سياسياً. فالروايات الشيعية عندما اهتمت بقضية الحسين بعد مقتله، فهذا الاهتمام خطاب معارضة، وتحريض  غير  مباشر ضد السلطة. وأيضا عندما يحرم الفقه الشيعي عطايا وهدايا السلطان، فإنه ينشء قطيعة معه، وهو أسلوب آخر في المعارضة السياسية – الفقهية. ومثلها حرمة قبول منصب القضاء وولاية الأقاليم وأي منصب رفيع. وهناك استثناءات تفرضها الضرورات.

المهم بالنسبة للبحث أن المفاهيم الجديدة شجعت على وضع الأحاديث ونسبتها للرسول الكريم بعد أن عجز تأويل الآيات القرآنية عن الاستجابة لضروراتهم العقيدية. وليس في ذلك إدانه للأئمة بل لبعض أصحابهم ومريديهم.

إن الاتجاه الأول ارتكز للثورة ولم يحتج لروايات تشرعن تحركاته بعد أن استمد شرعيته من حركة الحسين، فبنى قاعدته الفكرية بعيدا عن الروايات الموضوعة نسبيا، فحينما يتهم هذا الخطاب بالوضع فثمة مبرر للتأني وعدم التسرّع بالحكم، لعدم وجود ما يكفي من ضرورات لوضع الحديث. عكس الاتجاه الثاني، خاصة وهو ينظر لمفاهيم جديدة، طارئة على الفكر والعقيدة الإسلامية. فهناك حاجة ماسة للوضع، لا بالنسبة للأئمة، باعتبارهم مصدرا للرواية والتشريع، ولكن لأصحابهم.

جدير بالذكر أن هذا الاتجاه يمثل خط الاعتدال رغم مسؤوليته عن تأسيس مفاهيم عقيدية جديدة تفتقر للدليل القرآني الصريح، باعتبارها  قضايا خارقة، لا يمكن الوثوق بها ما لم يدل الدليل القرآني عليها خاصة. ويمثل هذا الخط أصحاب أئمة أهل البيت من الفقهاء والعلماء، ابتداء من أبان بن تغلب إلى يونس بن عبد الرحمن مرورا بزرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم، وعبد الله بن يعفور وغيرهم.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

تعليقات (6)

  1. صالح الرزوق

كل المصادر تشير إلى الانتفاضة على عثمان باسم الثورة. و للمشاركين لها باسم الثوار.
لكن لم تكن هناك شعارات واضحة أو برنامج عمل لهم.
كانت افكرة هي الانقلاب على الخليفة فقط و تنحيته.
ما مصير أولئك الثوار بعد سقوط عثمان و خلال فتنة الإمام علي.
و كيف كان دورهم في تزوير الوعي السياسي بجوهر الدين.
أعتقد أن هذا يحتاج ايضا لوقفة متأنية.

 

محاربة الفساد، المناصب على اساس الكفاءة وليس الولاء، المساواة في العطاء، والعدل مع الرعية، كلها كانت شعارات رفعها المسلمون ضد الخليفة. قد يكون اطلاق مصطلح ثورة تجوزا، لكن باعتبار ان الجميع شارك فيها، تصدق هنا... الانقلاب تقوم به نخبة، لكن اهل المدينة والامصار كانوا متذمرين من سلطة عثمان وال ابي سفيان
اما ما تفضلت به في نهاية التعليق فصحيح فقمة حلقات تحتاج الى توقف ودراسة عميقة، خالص الود مع امنياتي بسنة جديد للاخ الدكتور صالح الرزوق

 
  1. جعفر المزهر

تحياتي ابا حيدر العزيز. عندي سؤال استاذي العزيز وهو: هل موقفك من عملية التأويل موقف سلبي بكل منتجاته؟. لماذا أسألك هذا السؤال. سببي هو هو أن جملتك التي ربطت بها بين تأويل النص وبين التزوير الديني توحي بهذا الموقف بداية " ... تبدأ مرحلة تأويل النص والتزوير الوعي الديني".

 

الاخ الاستاذ القدير جعفر المزهر، سعيد بمتابعتك الحوار، امنياتي أن يطالعه قارئ مثقف واعٍ مثلك، وهذا ما نحتاجه. المثقف هو ركيزة كل مشروع فكري – ثقافي – حضاري.
اسف اذا تسببت مقدمة هذه الحلقة بشيء من اللبس. ساتحدث في حلقة مستقلة عن رمزية النص، واهميته. فموقفي ايجابي، بل واعول عليه في فهم كثير من القضايا القرآنية.
اما ما قصدته، فكان استدراكا لما سبق، حيث ذكرت مرارا أن عدم وجود مرجعية لحسم النزاع على السلطة في زمن الخلفاء (اية او رواية صريح واضحة) دفع اتباع الطرفين فيما بعد، عندما استدعي الخلاف الأول من جديد، لمراكمة شواهد حول أفضلية وشرعية أحدهما دون الآخر. فأول ما بدأوا بتأويل الآيات لصالح هذه الطرف أو ذاك، ولما نفد التأويل بدأوا بروايات الفضائل، وبدأ الوضع. ثم جاء دور علم الكلام. فالتنافس كان حول كل شي يمكن الاستفاده منه كشاهد. خالص محبتي واحترامي واكرر شكري واعتزازي اخي العزيز ابا امين مع التقدير

 
  1. عباس مراد

ما لفتني ويستحق التوقف عنده مسألة العصمة والتي كما ذكرتم (فخسر الإسلام نماذج دينية راقية، يمكن أن تؤسس لفهم آخر للدين، وأسلوبه في تجديد خطاباته. لكن أبت العصمة إلا أن تسلبهم  هذا الدور العظيم.) هل برأيكم من الممكن من خلال هذا النقاش أعادة النظر في المسالة وهل هناك من يطرح الموضوع عند الشيعة اليوم ؟ وطبعاً ذلك من أجل إستعادة الدور العظيم الذي تفضلتم بذكره وخصوصاً ان المسالة تضخمت من خلال إستغلال بعض المعممين لهذه العصمة لغايات شحصية ودنيوية بعيدة كل البعد عن النص وحتى عن سلوك أهل البيت وأخلاقهم.

 

مرحبا بالاخ الاستاذ القدير عباس مراد، يمكن إعادة النظر في مفهوم العصمة، على الصعيد النظري، لكن المشكلة في عقيدة الناس الراسخة التي لا تتزحزح خاصة مع وجود خطاب يغذي هذا الفهم، ويطوره بشكل مغالٍ فضيع. فمفهوم العصمة تطور تاريخيا، واصبح مفهوما مركبا اختلط فيه الالهي بالبشري، بينما كان مفهوما بسيطا، يعني العصمة السلوكية الاختيارية وليس اكثر. فحري بالشيعة تدارك الامر.. فقد تمادى بعضهم حدا اعطى للامام كل ما لله، وهذا تجاوز على قدسية الباري تعالى. اما عن طرح الموضوع فهي في صميم جدلهم العقائدي الذي لا ينتهي. والانقسام حول فهمها وفهم دور الامام قديم وليس جديدا، ففي كل عصر هناك من يؤمن بالحد الادنى وهناك من يشطح به الخيال. اما رايي فواضح حول اصل شرعية المفهوم وامكانية العصمة ذاتيا، وهل هي ممكنة بحد ذاتها كي يتصف بها هذا الشخص او ذاك؟. ساكتب عنه في هذا الحوار بالذات باذنه تعالى. شكرا لك مجددا مع احترامي

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4130 المصادف: 2017-12-26 09:12:12