المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (52): النص والمقولات الكلامية

majed algharbaw10خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والخمسون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق7- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص والمقولات الكلامية

ماجد الغرباوي: لا شك أن المعارضة قد نالت بسبب مواقفها السلبية من السلطة، المتمثلة آنذاك بالدولتين الأموية والعباسية، قسطا كبيرا من الاقصاء والتهميش والاضطهاد والقمع والسجن والقتل. لكنها قاومت وأدت رسالتها بمختلف الوسائل. وتلخصت رسالتها بسلب شرعية السلطة، وتعرية المباني الفكرية والعقدية والفقهية والكلامية التي قامت عليها. إضافة إلى هدف كان يتستر داخل أنسقة اللغة، يروم الانتقام من العدو اللدود، ولو رمزيا أو من خلال الطعن بشرعيته. فالمعارضة طورت أداءها وواكبت خطاب السلطة، وكلاهما ما زال مؤثرا في جغرافيته، من خلال التاريخ والمتخيل الميثيولوجي لاتباعهما. يتجلى هذا واضحا في وعي الذات، حينما يطال الآخر نقد تفصيلي، وتحظى الـ"أنا" بالتنزيه والتعالي والتقديس. فكلاً من السلطة والمعارضة أسس خطابه على الكراهية والتنابذ والثأر، ونفي الآخر، خاصة موقف السلطة من المعارضة، الذي أباح إقصائها والتنكيل بها، تحت عناوين: الردة والخروج على إجماع الأمة والتمرد على ولي المسلمين. فثمة ظلم عظيم تستر عليه خطاب السلطة، وفضحته دماء الأبرياء والمظلومين. وهناك تبادل أدوار حينما تتسلم المعارضة السلطة. فالظلم وسفك الدماء صفة لازمة للسلطة، وتاريخها تاريخ دموي وصراع مرير. فينبغي التخلي عن تراث العنف والكراهية، والقطيعه الأبستمولوجية معه، فنحن بحاجة لعقل متدفق، يقاوم تحديات نموذج الوافد الحضاري. إن مفهوم الهوية لا يعني التشبث بمطلق التراث. والأصالة لا تعني المكوث في كهوف الماضي، بل هويتنا رهن حضورنا، وقدرتنا على تأكيد وجودنا. وهذا ما يدعونا لتفكيك التراث للحد من توهجه، وهيمنته على العقل المسلم. وهو خليط من نصوص دينية وآراء اجتهادية وقصص تاريخية. أي أنه منجز بشري، لا يتعالى على النقد والمراجعة، وليس له إطلاق خارج شرطه التاريخي والثقافي، سوى مبادئه حينما تكون إنسانية.

ثمة من يعتقد بقدرة التراث على وضع حلول مثالية لأزمتنا الحضارية، وهي مغالطة معرفية، فالتراث رهن شرطه التاريخي، وبيئته الثقافية، ومرجعياته وقبلياته القائمة على نهائيات ارتكزت لأسطرة الرموز، والخرافة واللامعقول، وغيبت العقل حد الاستسلام لمنطقها، وعدم الاعتراف بمعطيات العلوم والحداثة، ركائز التطور الحضاري، الذي أربك موقفنا وتحدى هويتنا، فبات هو النموذج الذي نطمح له، وهو العدو الذي نخشى تحدياته. وليس أمامنا لتدارك تخلفنا سوى التخلي عن العقل التراثي، المتخم بخرافاته ويقينياته التي لا تستند لأي دليل علمي، سوى أوهام نفسية، وإيمان مرعوب، ترتعد فرائصه، حينما يقارب عقائده. والتمسك بالنقد ومعطيات العلوم والتجربة، والارتكاز للفلسفة والاستدلال المنطقي والعلوم الإنسانية الحديثة في بناء حضارة معاصرة تحترم الإنسان، وتستعيد مركزيته. بهذا الشكل يمكن للشخص الموازنة بين جانبيه الروحي والمادي. وبالتالي فنقد التراث في أحد أبعاده، نقد لخطاب السلطة والمعارضة لتجاوزهما كمرجعيات نهائية، حتى إذا تأسس خطابهما فكريا على مبادئ التسامح وحقول الإنسان والاعتراف الحقيقي بالآخر والتبادل السلمي للسلطة، نكون قد خطونا أول خطوة على طريق الحضارة. أو يبقى الطرفان في خصام مستمر، قائم على النفي، والإقصاء، الذي سببه ثقافة تراثية تشرعن قيم التخلف الحضاري. وسبق أن قلت أن الفرق بين العقل النقدي والعقل التراثي أن الأول برهاني استدلالي، والثاني تقليدي، استسلامي. والتقليد يفشل دائما في صياغة أسئلته، ويستعيد أسئلة الماضي خارج شرطها التاريخي. وهذا يشترط فصل السياسة عن الدين كموجه أيديولوجي، يفرض هيمنة اجتهادات شخصية، وفتاوى مؤدلجة، تربك القرار السياسي، وتخضعه لإرادات فوقية تتقاطع مع القانون، وتتجاهل إرادة الشعب. 

تأسيسا على ما تقدم، تعد المعارضة العلوية، الأشمل من الشيعة الإمامية والزيدية وغيرهما، أوسع وأقوى وأرسخ معارضة واجهت الدولتين العباسية والأموية تاريخيا. ويعد الاتجاه الشيعي الإثنا عشري الأقدر على الثبات، حيث شق طريقه عبر منظومة معرفية متكاملة، في أبعادها العقيدية، والفكرية، والفقهية، والأصولية والكلامية. وقد تميز بعقيدته في الإمامة والمهدي المنتظر، وتنوع طقوسه التي تلهب المخيال المثيولوجي. فالعقيدة أعادت تشكيل وعي الفرد ورسمت حدود الآخر. كما أنها راهنت على النجاة من خلال مصفوفة نصوص وآراء كلامية، منحت طقوسها خصوصية التفوق يوم المعاد. كما كرس التشيع رمزية الإمام الحسين، لتماسك نسيجه الداخلي، وشحن الحس الثوري. وقوة هذه العقيدة في قدرتها على ربط الفرد بخالقه عبر مسار التشيع عقيدة ورموزا. فكانت لجهود أئمة أهل البيت وأصحابهم في القرون الأربعة الأولى دور التأسيس، وبناء الهيكل العام للتشيع، وبقيت التفاصيل راحت تتطور وفقا لحاجات آنية، ثم تأخذ مسار النظرية الشيعية حينما تندمج بها من خلال تبني الشيعة لها. فالتشيع صار هوية لأنصاره ومعتنقيه، له قدرة الإلهام، ورسم معالم العلاقة مع الآخر. والأهم بات يضفي معنى للإنتماء الاجتماعي، المذهبي والعقيدي. فتميّز بخاصيته الأنثربولوجية ومعالم هويته. يتضح هذا بشكل جلي في المناسبات، والتحيز للخصوصية، عندما يلتبس السياسي بالدين، أو خلال الأزمات والتخندقات الطائفية. وهذا لم يأت عن فراغ، بل تراكم هائل، معرفي وسياسي. فقد خاض الشيعة، مثلا – معارك ومناظرات كلامية شرسة، دفاعا عن متبنياتهم العقيدية، وانتصارا للإمامة بشقيها السياسي والديني. وذلك بقيادة متكلميهم، كهشام بن الحكم ومؤمن الطاق من أصحاب الإمام الصادق، حتى الشيخ المفيد، الذي يعود له فضل التدوين وبناء النظرية، وقد انصبت جهودهم، على تأصيل المقولات الكلامية الشيعية في الإمامة، وخصائصها، والذب عن شرعية خلافة الإمام علي، باعتبارها نصا بخصوصه، وتنقيح كافة الروايات التاريخية التي دلت عليها، كحديث الغدير، مثالا لا حصرا. وأيضا كان هذا  الخط يسارع مع كل  انهيار وتصدع، سيما بعد وفاة كل إمام، لترميم العقيدة، وتقديم تفسيرات ومبررات حول تأخر ظهور المهدي. واستمرار الإمامة الدينية، بجملة أدلة نقلية وعقلية. فدافع عن الإمامة وشرعيتها، واستدل على عدم شرعية جميع المواقف السلبية من الأئمة، كخروج عائشة وطلحة والزبير على الإمام علي. إضافة لمشاركاتهم الفعّالة في الجدل الذي كان محتدما حول مفاهيم العقيدة الإسلامية: صفات الخالق، فاعل الكبيرة، وخلود الكافر بالنار، والإرجاء، والقدر، خلق القرآن. فهذه الجهود الكلامية تندرج ضمن مشاغل المعارضة الفكرية والعقيدية، لأنها تتقاطع مع متبنيات الدولة الحاكمة. والمعارضة تحدٍ للسلطة بأي شكل كان، ما دام  إجراؤها مؤثرا. خاصة أن المناظرات الكلامية كانت قائمة على الاستفزاز والتهم والتشكيك، في ظرف عصيب. فمن  جهة هناك انتفاضات مسلحة تحرج الأئمة أمام  السلطات، ومن جهة ثانية حجم الاقصاء  والتهميش الذي كان يعيشه الشيعة. فكانت أكثر مواقفهم ردود أفعال، وتحديات، وشعورا عميقا بالحرمان السياسي.

فترجع للاتجاه الثاني جميع الجهود الفكرية والعقيدة التي تولت بناء منظومة معرفية، وأرست أسس النظرية الشيعية، وتأصيل مفاهيمها. فجذور المرجعية الفكرية والعقيدية للتشيع تعود لتلك  الفترة بالذات، حيث أوج الصراع الفكري والعقيدي، واكتظاظه بالآراء والاتجاهات، والانشقاقات الشيعية، بسبب الإمامة ومصاديقها، وبسبب المهدي وتأخر ظهوره.

 

علم الكلام القديم

إن نشوء علم الكلام كان إيذاناً بتأسيس الفرق وتعميق الخلاف بين المذاهب الإسلامية عامة والشيعة خاصة، فعندما تخندقت الفرق حول نفسها وظّفت عدتها وعتادها لتحصين مواقعها الدفاعية وشن حملات قاسية على الفرقة الثانية. واستبدلت لغة الحوار بتراشق عنيف يستهدف القضاء على خصمه الذي صنعه بيده. وبهذا صار الكيان الآخر هو المقصود بالذات دون الأفكار. فليست هناك مراجعة للآراء أو اعادة نظر بالعقائد والأفكار، لأنها حق مطلق لا يدانيه أي شك أو نقص، ومهمة المتكلم هي حشد الأدلة والبراهين والحجج، وإن لم تكن علمية، لاثبات صحة مدعاه وخطأ خصمه المذهبي.

فعلم الكلام الإسلامي لم يتأسس تاريخيا لنقد الذات والمعتقدات الشخصية، ولم يهتم بمراجعة الأفكار والآراء المذهبية، بل كان هدفه الأساس الإطاحة بالآخر، فهو خطاب معارضة، أو يندرج ضمنه. وهذا السبب وراء تأكيدي أن المذاهب الإسلامية قامت على التنافي، ولا حقيقية لها إلا من خلال إقصاء الآخر، ونبذه. فلا توجد مساحات للإلتقاء، بمعنى الإعتراف بالآخر كشريك بالحقيقة وطرق النجاة. بل كل مذهب وفٍرقة تحتكر الحقيقة لنفسها، وتقصر النجاة عليها. فالآخر وفقا لرواية المسلمين الكلامية هو المرتد، المنحرف، الضال، الكافر، المتمرد على الشرعية الإلهية. لذا لا تجد في ثقافة الفِرق والمذاهب الكلامية عبارات تشي باحترام الرأي الآخر. بل غالبا ما تقرأ عبارات الضلال والنفي والاقصاء. فالحقيقة في ثقافة المسلمين واحدة، والطريق إليها واحد، وبما أنها غير مشخصة، فينبغي البرهنة على احتكارها وإقصاء الآخر عنها. فالتكفير والتنابذ يمثلان حقيقة الثقافة الطائفية لدى المسلمين. لذا أفضى علم الكلام الإسلامي إلى نتائج سلبية، منها: أنه أسقط الإنسان من معادلة المتكلمين، وأهمل حاجاته وتطلعاته، فهجرته العقيدة وأخذ يشق طريقه بمعزل عنها، خلافا للمنهج القرآني الذي أراد أن تكون العقيدة موجها للإنسان في سلوكه وممارساته، ويعيش التوحيد بكل كيانه ومشاعره وأحاسيسه، ويتسق مع الوجود في حركته إلى الله تعالى . فلجأ الإنسان إلى نزعات باطنية، غنوصية، صوفية لملء الفراغ الروحي الذي خلّفته العقيدة بعد أن هجرت الحياة واستقرت في عقول المتكلمين، تهددها الشكوك والأوهام. وأخذ الإنسان يمارس لونا آخر من العقيدة، اقتصر فيها على طقوس وشعائر مجردة، فصيرته إنسانا مزدوجا، شخصيته موزعة على مساحتين لا علاقة بينهما ولم يلتقيا إلّا في نقاط التقاطع: العقيدة والحياة الاجتماعية.

إن المتبادر من علم الكلام والمناظرات الكلامية أنه علم قائم على منهج علمي، يرتكز للعقل في مقدماته ومقولاته الأساسية. غير أن الحقيقة شيء آخر. فهو يختلف في طريقة البحث، ويرتكز للمنطق الأرسطي في الإستدلال على آرائه. فهموم علم الكلام القديم هموم أيديولوجية مهمتها الدفاع عن مقولات الفِرق والمذاهب، وتقويض آراء الخصم. وليس مهمته الاستدلال على مقولاته الأساسية وفق منهج علمي، عقلي، فلسفي. أي ثمة مقولات جاهزة تم الاستدلال عليها بروايات ونصوص مسبقا، تشكل مقدمات القياس الأرسطي، مباشرة أو بصورة غير مباشرة، باعتبارها نهائيات وجزميات. فالمقولات الكلامية مؤسسة تراثيا وليست بديهيات أو مبادئ عقلية، ثم يأتي علم الكلام ليدافع عنها، ويستميت في الاستدلال على صحتها. فالنتيجة سابقة على الاستدلال، وليست هي نتيجة استدلال عقلي – فلسفي. فالكلام القديم لم يتحرر من النص والروايات، ويبقى قابعا تحت سلطة مقولاته المذهبية، فهو جزء من بنية الخطاب التراثي، ويخضع لآلياته. كان يفترض بعلم الكلام القديم أن يرتكز للعقل في بيان عقيدته ومقولاته. وأن يتجرد من قبلياته، عندما يقارب المقولات الكلامية، كما هو الحال بالنسبة للاستدلال الفلسفي. لا أن يتبنى مقولة جاهزة ثم يستدل عليها. فهذا العلم لا يولد معرفة، بل هو منطق آيديولوجي قائم على المغالطات، والاستفادة من إمكانية مقدمات القياس المنطقي في الأشكال الأربعة، حيث تقبل المشهور، والمتسالم عليه، وكلاهما نسبي، لا يصلح أن يكون مقدمة استدلالية. فمقدمات القياس ليست علمية دائما. وما نحتاجه راهنا أن تكون مقدمات القياس عقلية، يمكن الاستدلال عليها معرفيا. لذا ترى عالم الكلام مشغول في البحث عن ثغرات في عقيدة الآخر، للإنقضاض عليه.

من هنا يتضح أن دراسة علم الكلام القديم، ونقد مقولاته تقع في إطار نقد التراث. فهو ليس سوى جزء من التراث، ويؤسس للخطأ المعرفي، والنفي الوجودي للآخر. وليس علما قائما على البرهان الفلسفي والدليل العقلي. فلا يوجد تجرد وموضوعية في علم الكلام. وتكمن مهمته في الدفاع عن أحكام ومقولات مسبقة هي وليدة روايات ونصوص تراثية، يتطلب نقدها منهجا علميا صارما. لتبديد سلطة المقولات الكلامية. فعلم الكلام حينما ساهم في بناء النظرية، لم يغادره منطق النفي الوجودي للآخر، بل برر إقصاءه وسلب شرعيته.

كما ثمة ثغراث علمية في الاستدلالات الكلامية، حينما يسوق بعض المقولات كأنها بديهيات، أو قضايا متفق عليه. بينما هي مقولات وجزميات ونهائيات مذهبية خاصة. فعندما يقول المتكلم: لا يمكن لخالق السماوات والأرض بهذا النظام والدقة أن يترك البشرية بدون إمام يقودهم للحق!!. فهذه المقدمة تبدو منطقية قياسا على النظام الكوني، فتصغي لها النفس. لكنها مقدمة بلا دليل سوى استحسان. أو أنها ضرورة قياسية وفقا للقياس الأرسطي، ابتدعها المتكلم كي يبني عليها نظريته في الإمامة. ثم يرتب عليها: بما أن عدم تنصيب إمام يلزم منه الضلال، فيجب أن يكون هناك إمام منصوب أو معيّن من قبله. وهذه المقدمة تتطلب قناعة نفسية ليس أكثر، تجعل من الشبهة شبهة مصداقية، لتحديد من هو الإمام المنصوب، وهنا يأتي دور التراث والنص. وهذا لون من ألوان الاستدلال الكلامي المفعم بمغالطاته، لأن أول الكلام أن تثبت بدليل قرآني على وجوب الإمامة والقيمومة في كل زمان ومكان. ولماذا لا نقول ربما مشيئة الله تعالى أن يتولى الإنسان بعقله مسيرته، خاصة وهو منذور لمهمة بشرية أن يقيم الخلافة ويستخلف الأرض ويعمرها ويحييها ويحكم بها بالمنطق والعقل والمبادئ الإنسانية؟؟ أي أن المغالطة عندما تجاوز الجدل الشبهة المفهومية، واعتبرها مسلمة، وهي ليست كذلك بل هي محط الجدل الكلامي، وبحاجة لدليل شرعي لحسمها، ثم الانتقال للبحث عن المصاديق.

 إن تفكيك المقولات الكلامية ينزله من علياء التعالي والفوقية. وهنا تأتي مهمة النقد لكشف خداع الاستدلالات الكلامية، وصدقية المفاهيم التي قامت عليها مقولاته. وحينئذٍ سنكتشف أن الفكر الديني فكر تراثي، لا يمت للعقل بصلة، بل هو مقولات نهائية، يتداولها علماء الملسمين، فيعيدون انتاجها بمختلف القوالب اللغوية والاستدلالية. فاللامعقول الديني هو الأساس في علم الكلام القديم، وليس العقل والفلسفة. وأحد مهامنا في نقد النص بيان مساحة اللامعقول، ورصد جذوره، وطريقته في الاستدلال، وما يستخدمه من أدوات للتلاعب في مقدمات القياس. فعلم الكلام القديم، الذي يفترض أنه علم عقلي في استدلالاته ومناظراته، يتبنى اللامعقول، ويتستر على تبنيه، بل ويناقض المنطق العقلي – الفلسفي حينما ينطلق من مقولات ومفاهيم جاهزة. فعلم الكلام القديم خطاب آيدولوجي، مهمته تنزيه الذات والدفاع عن متبنياتها، ونقض الآخر ومبرراته في احتكار الحقيقة، وسبيل النجاة في اليوم الآخر. فهو ليس علما بالمعنى الاصطلاحي، لكنه يتستر على حقيقته بمفهوم العلم.  

يتجلى مكر الكلام القديم بتستره على دوره في نتائج القياس، من خلال مقدمات تنتمي للتراث واللامعقول الديني. كما في المثال المتقدم، فهو يستغفل المتلقي عندما يعتبر مقدماته نهائيات، فتكون كالبديهيات ضمن القياس المنطق. كما أنه يتستر على أيديولوجيته واستهدافه للخصم حينما يتلبس بصفة العلم، بعيدا عن شروطه. الكلام القديم يعتمد مقدمات كل واحدة بحاجة إلى أدلة عقلية لاثباتها، غير انه يوظفها كبديهيات ونهائيات تامة دلالية. مثال ذلك قياس الخالق على المخلوق، بينما يؤكد القرآن أنه غيب محض، وليس كمثله شيء، ولا تدركه الأبصار. فالبديهيات العقلية والفلسفية لا وجود لها في القياس الأرسطي، وهو يستدل على مقولاته المذهبية والعقيدية. بل الحضور الحقيقي في تلك المقدمات للتراث والروايات والمتسالم عليه ضمن خصوصيته، مباشرة أو بشكل غير مباشرة، فالنتيجة في القياس معروفة مسبقة. فهناك علاقة صميمية بين علم الكلام، كعلم استدلالي حسب الفرض، والنص. فهو يخضع لنقد النص في مقدماته. ولا يمكنه الهروب من هذه الحقيقة. نتائج علم الكلام القديم نتائج نصية، روائية. فتخضع للنقد والمراجعة ضمن حقل النصوص والروايات. فعلم الكلام هو الذي يبني حقيقته، ويدافع عنها، ويتستر عن دوره فيها، وعن جذرها الروائي، حينما ينسبها للعقل والدليل العقلي. علم الكلام القديم وظف العقل للإيمان، ولم يسمح له بممارسة دوره في النقد والمراجعة وبناء المعرفة وفق مقدمات علمية، يمكن الاستدلال عليها بالتجربة أو العقل أو الدليل الرياضي.

المعرفة لا تبنى بالأوهام، والخرافات. ولا تستمد حقيقتها من التراث والروايات، وتحتاج دائما لأدلة عقلية وفلسفية، فإقصاء علم الكلام القديم إقصاء لخطابه الأيديولوجي، والجهل المعرفي، وخداع القياس الأرسطي. وكانت أول خطوة على طريق الحضارة الحديثة القطيعة مع التراث والهرطقات الكلامية، واعتماد العقل والدليل العلمي في بناء المعرفة والتراكم العلمي.

ثمة ملاحظة جديرة، أن علم الكلام القديم بنى مقدماته على أساس روائي بعيدا عن القرآن، فطالما تبنى حقائق عقيدية لا تجد لها جذرا قرآنيا صريحا سوى تأويلات، أو تفسير روائي للآيات. علما أن الكتاب الكريم قد فصّل الكلام حول العقيدة وأسسها، وليس مضطرا للتستر على متبنيات الفكر الطائفي والتراثي. فينبغي التركيز على نقد النص للكشف عن حقائق المقولات الكلامية. فليس ثمة استدلال عقلي أو فلسفي كما يوحي به مفهوم العلم، بل هو خطاب أيديولوجي للدفاع عن مقولات وأحكام أسست لها نصوص لا يمكن الجزم بصحة صدورها، مع منافاة بعضها للقرآن المجيد. والأخطر أن علم الكلام القديم ينظّر للاستبداد، وتكريس التبعية والانقياد، والخضوع. وهو ما ترفضه قيم المجتمع المدني الذي نحن بأمس الحاجة له. وترفضه مبادئ حقوق الإنسان، التي تمثل جوهر الحضارة الحديثة. فالقطيعة مع الكلام القديم قطيعة مع التنظّير للعنف والإرهاب. كما أنه ينّظر لمركزية المذاهب والفِرق، فيجعل من الآخر هامشا، يحق له إقصاءه واضطهاده. فيشرعن التنابذ الديني، بدلا من الاعتراف بالآخر واحترام حقوقه المشروعة. وبالتالي ما دام علم الكلام القديم يرتكز في مقدماته أحيانا للتراث والنصوص فلا ينجو من الأوهام والخرافات واللامعقول. فيؤسس على خلاف منطق العقل والتعقل المطلوب في مجال المعرفة. فلا يمكن أن يكون مصدرا من مصادرها.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

تعليقات (8)

  1. صالح الرزوق

فكك دريدامركزية العقل الأوروبي و هذه محاولة لتفكيك مركزية الإسلامي و أحاديته.
و لو نظرنا إلى دورة بقية الأمم و انتبهنا لعودتها من رماد الحرب مثل ألمانيا و اليابان و تركيا و بهذه السرعة يجب أن نتساءل لماذا العقل الإسلامي بنسخته العربية لا يعمل بنفس المبدأ.
هنا محاولة للإجابة.

 

قبليات العقل الاسلامي قائمة على التسليم ، سنواصل الحد عن الموضوع شكرا دائما د. صالح الرزوق وشكرا للاخ ابو سجاد المحترم

 
  1. ابو سجاد

حياك الله يادكتور ورعاك
من يستطيع تفكيك التراث وهناك فتاوى القتل والتكفير من جميع مذاهب المسلمين والتي طالت الكثير ممن عمل على ذلك

 
  1. صالح الرزوق

شكرا للمداخلة فهي مهمة ايضا و تنم عن قلق حيال المصير،
كنت اقرأ في رواية دمه لمحمد الاحمد وورد فيها عن مراجع معتمدة ان امير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب انر بحرق ممتبة الاسكندرية الغنية بالتحف و المخطوطات،
و كلنا نعلم كيف اصبح دجلة اسود حبنما اجتاحها عسكر قبائل اسيا و اتلفوا ما في مكتبتها من كنوز،
لقد اختلفت الاسباب، في الحالة الاولى حفاظا على الدين و التوحيد من البدع،
و في الحالة الثانية لألغاء العقل العربي و مشروعه التنويري و الثقافي،
لكن النتيجة واحدة،
و هي تنويم العقل و اغتياله،

 
  1. ثائر عبد الكريم

شكراً الى استاذنا المبدع الاخ الدكتور ماجد الغرباوي على هذه المقالات الرائعة جداً و التي هي في حقيقتها مشاعل نور تقودنا في ظلام دامس؛ و شكرا ً الى الاخوة المعلقين الدكتور صالح الرزوق و الاستاذ ابو سجاد؛ و احب ان اضيف التعليق التالي:

1- كل المذاهب التي انشأت في الدين الاسلامي هي آراء شخصية لبشر مثلنا قد يخطؤا و قد يصيبوا في بعض آرائهم ؛ فلماذا نعطيها القدسية و نمنع من مناقشتها؟؟. و قسم من هذه المذاهب اسست لدعم الحاكم و قسم منها للتمد و السيطرة السياسية بأسم المذهب و المعتقد.
لا توجد نظرية اسلامية سواء كانت جامعة او مذهبية مبنية على اسس علمية صحيحة للدين الاسلامي. امّا القول "لاسلام هو الحل" فهذا كلام يفتقد الى الناحية العلمية و العملية.

النظرية في العلوم التطبيقية الهندسية و الطبية و غيرها تعتمد اعتماداً كلياً على البرهان اي الاثبات وهي خاضعة للنقاش العلمي. كل الفرضيات و الارآء المتعلقة بهذه المواضيع يجب ان تقترن بالبرهان و الدليل. و هنا تخضع الى اختبارات معقمة من قبل مقدميها و مستخدميها قبل ان تعمم في الاوساط العلمية. و لان العقل البشري في حالة تطور مع الزمن فلذلك تعقد المؤتمرات العلمية لكي تناقش آخر المستجدات و قد تدض نظريات كانت سائدة لعدم ملائمتها للوقت الراهن و تحل محلها نظريات اخرى. و السبب يعود الى دخول عامل التكنولوجيا و الكومبيوتر الذي غير الكثير من مجريات الحياة.
حتى الدراسات الانسانية تعتمد على فرضيات معينة و تتطلب هذه الفرضيات برهان صحتها او دحضها. و قد يكون استعمال الاحصاء في دعم هذه الفرضيات و برهان صحتها او رفضها كأحد الطرق في ذلك. بالاضافة الى هذا تعقد المؤتمرات على مرور الزمن لمناقشة المستجدات في هذا الحقل.

امّا المذاهب الاسلامية فهي "قوالب جامدة و جاهزة" مسلطة علينا تتعلق بآراء بشر سبقونا بأكثر من 1400 سنة . و علينا التقيد بها و بخطاباتها. و منحت صفة التقديس لبقائنا على هذه الحال الى يوم الدين؟؟. و يمكن ايجاز ما يلي عن هذه المذاهب:

1- ان هذه المذاهب اسست على فرضيات واهية بعيدة كل البعد عن فحوى الدين الاسلامي التي اراد بها خلق انسان مؤمن بربه ؛ صادق عادل لا يميز بين فلان و فلان؛ الموضح في نظريته و هو "القرآن الكريم".
كيف نفهم كلام الله التالي:
ان الله يقول في كتابه "اليوم اكملت لكم دينكم---" ؛ "الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعاً ؛ و كل حزب بما لديه فرحون----الخ. " اعتصموا بحبل الله جميعاً و لا تفرقوا –الخ".
اين رجال المذاهب من هذه الايات؟؟؟؟؟؟. هل قرؤها و فهموا مغزاها؟؟؟.
كان الاولى برجال الدين ان يركزوا على القرآن لانه هو النظرية المعتمدة لكل المسلمين و يوضحون معانيه و افقه الديني و الانساني بدلاً من تدميره من الداخل لأجندات تخدم اهدافهم الخاصة؟؟؟.

2- ان الله لا يجبر البشر على دخول دينه "لا اكراه في الدين –" ؛ و لو "شاء ربك لجعلكم امة واحدة---".و ان قتل الانسان اكثر الماً عن الله من هدم الكعبة. اليس هذه الايات هي رسائل تسامح واضحة لرجال الدين؟؟؟؟. كيف يفهموها؟؟.

3- حتى آيات الحروب و القتال جاءت لمعالجة موضوع الدفاع عن النفس في ذلك الوقت لا اكثر و لا اقل؛ انها آيات ذات بعد زمني و مكاني. و يمكن استنتاج هذا من ان اغلب الايات "جاءت مقرونة مع كلمة المسجد الحرام" ؟؟؟. حيث كان المشركون يصدون المسلمين من الذهاب الى الصلاة؟؟؟؟. و الله يقول في جزء من هذه الايات "لا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين---". هل هذا واضح؟؟؟.

4- ان الدين الاسلامي ليس "ديناً وراثياً ابدا"ً؛ و انما هو دين سماوي للبشر جميعاً ؛ و لا يتعلق بعائلة او قبيلة معينة.
و لو كان وراثياً ؛ لما كان اطفال الرسول يتوفون وهم صغار بالرغم من زواجه من عدة نساء؟؟؟. هذه هي حكمة السماء؟؟. كل الصحابة كان لديهم اولاد كثيرون ما عدا الرسول؟؟؟. هل نفهم هذا المغزى السماوي؟؟؟.
"ان اكرمكم عند الله اتقاكم؛ و لا فرق بين عربي و اعجمي الاّ بالتقوى".

5- التقليد و المقلدين؛ هنا ان رجال الدين بمكرهم و حيلهم ربطوا عقوا الناس البسطاء معهم لكي لا يخرجوا من طاعتهم. انهم مفوضوين من الله ان يفكروا بدلاً عنّهم؟؟. يا لها من مهزلة في تجميد العقل الانساني الذي هو مركز العلم و الابتكارات التي تقود البشرية.
ارجو من الاخ الدكتور ماجد الغربوي ان يوضح هذا الموضوع و يسلط الضوء عليه في الحلقات القادمة؛ لانه سبب الركود الفكري الذي انتابنا و نحن لا نشعر.
آسف على الاطالة
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

 

تعليقاتك نافعة الاخ الدكتور ثائر عبد الكريم. احد اهم الاشكاليات قد اثرتها في تعليقك سياتي الكلام عنها قريبا باذنه تعالى مع التقدير

 

مصيب ودقيق اصطلاحك (العقل التراثي) في الإشارة الى تقديس التراث كمرجع فكري سياسي اجتماعي اقتصادي، والاستشهاد به كمثال مقدس لتطبيقه على واقع جديد ينمو ويتطور كل يوم بفعل عقلي يتجدد داءماً بتاثير الزمن المرتبط بالنمو العقلي الإنساني، والخلق البشري في ابداع ما يتناسب مع هذا التطور. والتقدم التكنولوجي هو المثال والمعيار لديناميكية العقل. لكن العقل التراثي الذي يرى الماضي مثالاً هو العقبة المانعة في مجتمعاتنا لمواكبة هذا التطور ومنعه من الوصول الى مجتمعاتنا، في محاولة لكبحه، وتطبيق المثال التراثي على واقع بعيد في تطوره العقلي والتقني الموءثر. لذا نعيش هذا الصراع المرعب الذي أوصل بلداننا الى ما وصلت اليه. لكن بالمقابل استلهام العبر من التراث وفهمه بدقة عقلية وفق زمنه هو اضافة تراكمية، كما أشرت انت، الى المعرفة والدفع الى الامام.
ولذا من خلال المتابعة والرصد نجد الكثيرين من حملة التراكم التراثي الذين ناضلوا في تقديسه والعمل على تطبيقه في الحياة المعاصرة كمثال يحتذى به، وتأكيد على مصداقية ما يدعون اليه، والاستشهاد به وبنصوصه كحقيقة ابدية خالدة، حين تعمقوا ودرسوا واستفادوا ثم اشغلوا عقولهم ومقارناتهم، وبحكم وعيهم المتقدم وثقافتهم الواسعة وعقولهم المنفتحة وتربيتهم النفسية والروحية، اخذوا بالعقل النقدي والتشريح النصي ليصلوا الى قناعة الإيمان بالتطور العقلي. الإنساني وعليه التطور الحياتي فكرياً لخلق حياة جديدة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً تتلاءم مع الزمن المتغير المرتبط بتغير الفكر المناسب للواقع الجديد. وهذا من خير لمجتمعاتنا والإنسانية لامتلاك هذه العقول لخبرة المعرفة الواسعة فكرياً والقادرة على الاستلهام والتفكيك لمرجعية العقل التراثي الساكن غير المتحرك. والأمثلة عديدة من هذه الأسماء التي انتقلت من التراثي المقدس الى التراثي المتحرك. وبالمقابل كان هناك المتحرك الديالكتيكي تحول الى الساكن التراثي والدكتور محمد عمارة مثال.
فشكراً لمحاولتك المتحركة في بحر من الساكن. وهذا من حسن حظ الفكر

 

كل الشكر والتقدير للاضافة القيمة التي كتبها الشاعر المبدع الاستاذ الكبير عبد الستار نورعلي، حيث مثل رأيه وعيا حقيقيا للتراث والعقل التراثي واشكاليته المستعصية. فعلاقتنا بالتراث علاقة إشكالية، وليس مجرد انتماء. العقل التراثي، يلغي العقل ويعتمد التراث مصدرا وحيدا لمعارفه. فيشطب على التجربة البشرية برمتها، رغم قدرتها على التحدي، في مقابل روايات تاريخية وتراثية لا يمكن الاستدلا عليها، سوى قدسيتها عند المتلقي. خالص احترامي وشكرا لمتابعتك وقراءتك الحوار مع التقدير

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4159 المصادف: 2018-01-24 03:14:09