المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (54): النص والغلو السني

majed algharbawi3خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والخمسون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق9- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

اتجاهات الغلو

ماجد الغرباوي: إذاً، إذا كان معنى الغلو لغة هو التطرف والمبالغة والخروج عن الحد، فإن معناه قرآنا، الانحراف عن الحق أو مجافاته: (لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ..). والحق هو الاعتدال القائم على الدليل القرآني عقيدة، والوسطية والارتكاز لقيم الدين ومبادئه وتشريعاته المنصوصة فيه تشريعياً. فالآية لم تقصد العقيدة فقط رغم أنها بدأت باستعراضها. فجميع الشأن الديني عقيدة وشريعة وقضاء مشمول بها. فيكون القرآن مرجعا للعقيدة والشريعة، وليس الاجتهاد الشخصي، والتطرف الطائفي: (الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ). والحق واضح قرآنيا، يضبط الاجتهاد الشخصي، حينما يجترح مفاهيم عقيدية جديدة، سكت عنها الكتاب الكريم، أو أجمل في بيانها لأي سبب، موضوعي أو ذاتي، كطبيعة الذات الإلهية التي هي ممتنعة ذاتاً. ومثلها التفصيلات الغيبية. فأي مجافاة أو تجاوز أو إنحراف عن الحق القرآني يعد غلوا صارخا، كالتفصيلات التي نقرأها عن حياة القبر والبرزخ والآخرة بتفصيلات مذهلة، لا يدركها إلا من عاشها بكامل جوارحه!!. فعندما تخاطب الآية النبي بأنك بشر: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِد) فهي تقصد كامل خصائصه البشرية: الجسدية، الشعورية، النفسية، إدراكه، وعيه إلى آخر القائمة، فالنفس البشرية واحدة. فأي ارتفاع أو تجريد لبشرية أي رمز ديني، يتنافى مع المنطق القرآني. (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ). بهذا المقياس يمكنك محاكمة جميع العقائد المتوارثة. وبالتالي فمفاد آية: (لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ..) إدانة التطرف الديني، عقيدة وشريعة. ويبقى الحق فيصلا بين الغلو وعدمه، فما لم يرد فيه دليل قرآني صريح، يُعد غلوا في العقيدة حينما يتطرف فيه الإنسان. وما لم يرتكز له تشريعيا يُعد مجافياً للحق. وبالتالي فالغلو فخ ديني - سياسي، لا ينجو منه أحد، ما لم يراع الحق، مهما كانت نسبة الغلو ونوعه. وهذا يبيح لنا دراسته في اتجاهين ضمن البحث عن دور النص في الغلو مطلقا. اتجاه السلطة واتجاه المعارضة. والأول قد يكون غريبا على البحث، خلافا لما هو متعارف عن مصطلح الغلو، المحصور بالعقيدة والشرك بالله تعالى. وتقدم لا يوجد دليل على الحصر، فالمعنى اللغوي عام، والمعنى القرآني مطلق، فالحصر إجراء سياسي لاضطهاد المعارضة. فلا بد من التوقف مع الاتجاه الأول وفاء للحقيقة التي نبحث عنها، رغم أننا بصدد دراسة الغلو ضمن التيار المعارض للسلطة، فيختص بالغلو الشيعي الذي قدم نظرية عن الكون والحياة ومركزية الإمام. واستطاع هو الآخر سلب السلطة شرعيتها، وفقا لآرائه ومتبنياته. وما يهمنا في كلا البحثين دراسة دور النصوص في الغلو، التي يشكل فيها الحديث الموضوع والمختلق نسبتها العظمى. الناس ما زالت أسيرة عقائد وأفكار وثقافات لا تعرف عن حقيقتها شيئا، فينبغي لنا كشف الحقائق والمسكوت عنه، والمتستر عليه. وتعرية الزيف والخداع الديني، لنضع الجميع أمام النقد والمراجعة بغية التوفر على رؤية جديدة، وفهم جديد للدين ودور الإنسان في الحياة، للحد من سلطة النص وقدسيته وتعاليه، وفرز المقدس عن المدنس، والإلهي عن البشري. فثمة ما يحجب بشرية النصوص والفتاوى والمفاهيم والمصطلحات، حينما تنسب للدين وللشريعة جميعا. فالكشف عن الغلو السياسي والغلو السني، يأتي في سياق بيان الحقائق، ومدى علاقة هذا الغلو بالنصوص الدينية.

 

الغلو السني

أجد من المناسب بيان مصاديق الغلو السني، بمفهومه العام، باعتباره خطابا أيديولوجيا، يريد فرض هيمنته وحقيقته ومحدداته بالعنف والقوة، فهو خطاب استعلائي، أحادي، يحتكر الحقيقة وينفي الآخر، يصادر حريته، ويضعه أمام خيارين متضادين. فيستميت دفاعا عن السلطة، ويستخدم أدواتها لفرض حقيقته، ويوظف خطابه الديني لتكفير المعارضة واضطهادها، فينأى عن الحق حينما ينظّر لشرعنة سلوكه. وهذا من مصاديق الغلو بمفهومه القرآني. فعندما يلغي المتطرف السني مساحات الاشتراك والتلاقي الديني والمذهبي والثقافي، يخالف بذلك قيم السماء، التي أكدت على عدم الإكراه في العقيدة والإيمان. ومهما نظّر المتطرفون للنسخ لا يجدي نفعا، وقد مر الكلام مفصلاً عن النسخ حيث بينت بما فيه الكفاية من أدلة حقيقته ومدى فاعليته. فجميع آيات الرحمة والعفو والتسامح تبقى فاعلة تؤسس لمجتمع مدني يسوده الأمن والسلام والاستقرار.

 

من مصاديق الغلو السني وفقاً لمفهوميه، اللغوي والقرآني، الأمثلة التالية، لا على سبيل الحصر:

- لقد غالى السنة بمفهوم الصحبة حداً وازى مفهوم العصمة عند الشيعة. وارتفعوا بالخلفاء فوق النقد والمراجعة، كأسلوب للتخلص من إشكالية شرعية السلطة. وقد وجدوا في روايات الفضائل ما يساعدهم على تنزيه الصحابة ومنحهم حصانة ذاتية تضعهم فوق النقد، وجعل منهم مرجعية فكرية وعقيدية، فتدفقت روايات الفضائل تمدهم بما يريدون خدمة لأهدافهم. فالعدالة التي هي صفة تنزيهية عارضة على الإنسان وليست من ذاتياته، أصبحت لازما ذاتيا للصحابي، حتى صارت الصحبة تعني العدالة، لا بمفهومها اللغوي والاصطلاحي المتعارف بل اكتسبت مفهوما تنزيهيا مطلقا، وهو معنى العصمة دون التصريح بها، وهذا هو المتبادر اليوم من مصطلح الصحابة. فمثلا، يكفي أن ينتهي سند الرواية للصحابي بطريق صحيح، وفقا لضوابط الصحة عندهم، تكون حجة في مؤداها ومضامينها، دون الاستطراد في التحري عن صحة صدورها فعلا عن النبي. فأصبح حكم الصحابة واحدا من حيث العدالة والوثاقة والأمانة والصدق. أي أصبحت الصحبة إكسيراً يجرد الإنسان بشريته، ويرتفع به فوق النقد والتحري عن مدى صدقيته!!. وهذا مخالف للواقع بالضرورة، وقد مرت رواية عن الرسول يشهد فيها بكذب بعض الصحابة عليه وهو حيا. كما أن القرآن اتهم بعضهم بالنفاق الخفي. (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ)، فالآية تمنع الإطلاق، والإستثناء إلا بدليل قرآني صريح بخصوصه. من هنا عمدت الجهات الدينية والسياسية إلى توسعة مفهوم الصحبة، لتشمل كل من التقى رسول الله وسمع حديثه، ثم اتسعت أكثر في زمن الدولة الأموية لتشمل كل من التقى النبي ولو لفترة قصيرة جدا، وإن لم يسمع حديثه. فدخل عدد من المجاهيل ضمن صحابة رسول الله، ليكونوا منصة للكذب عليه. فيكفي الحديث وثاقة، بل وصحة حينما ينتهي للصحابي أي كان. وبهذا صححوا جملة أحاديث ضعيفة. ويمكنك الإطلاع على كتاب السيد مرتضى العسكري بعنوان: "خمسون ومائة صحابي مختلق"، كمصداق لهذا الكلام. وكم روى هؤلاء من الأحاديث الموضوعة؟؟.

لو سلّمنا جدلا بصحة قاعدة الصحبة، كمصدر لتوثيق الرواة، تماشيا مع بعض الرجاليين من المدرسة السنية، لكن لا نسلّم لهم بسعة دائرة مفهوم الصحبة. فالشبهة ليست مصداقية فقط بل شبهة مفهومية أيضا، اختلف حولها جملة من علماء السنة. وبما أن المسألة مرتبطة بالتوثيق، فإن منهجي في توثيق الرواة لا يكتفي بوثاقة الراوي وعدالته، بل يشترط أيضا خبرته بالرواية وطرق نقلها، إضافة لتجرده وعدم انحيازه، وهي شروط صعبة، أراها ضرورية جدا لضبط حركة النص وقدسيته، خاصة حينما نضيف لها دراسة تاريخ النص وظرف صدوره، ومناسباته، وقرائنه، ومدى توافقه مع العقل والمنطق والقرآن، وإلا ستصبح فوضى عارمة كما هو حال المذاهب والفِرق الكلامية أسيرة النصوص التاريخية. لذا حتى الصحابي المقرب قد لا يُعتمد على رواياته حينما لا يكون ضابطا عارفا بالروايات، أو يتأثر بميولاته الطائفية والسياسية والاجتماعية. فمجرد الصحبة إذاً لا تعني شيئا في ميزان التوثيق. وهذا ما يهمنا بالنسبة للنص ونحن نمارس النقد لمعرفة آلياته وخطابه وسلطته. فالصحبة وفقا لتنظيراتهم لم تكتف بشرعنة سلطنتهم، بل قامت بتنزيه سلوكهم وإسدال الستار على أخطائهم، وتصحيح تصرفاتهم، مهما كان حجم الدماء التي أريقت بسبب السلطة وقمع المعارضة!!.

أقدر الظرف السياسي الذي دفع السنة للغلو بالصحابة، حيث لا يوجد طريق آخر لتصحيح شرعية السلطة. لكن القراءات النقدية لا تتوقف عند هذا الحد بل تتوغل في العمق، وتلاحق المقولات والمفاهيم التي أسست لحجية الصحبة ولوزامها من ضرورة العدالة والصدق وعدم الكذب، خاصة النصوص وقيمتها المعرفية ومدى تعارضها مع القرآن، وثوابت الدين. فأساس حجية الصحبة مجموعة روايات الفضائل، ثم تم تطوير مفهومها كمرجعية تعضّد شرعية السلطة السياسية. فنحتاج لنقد تلك الروايات، والتوغل في أعماقها، ودراسة أسلوبها في بناء حقيقتها، وفرض سلطتها. فهي روايات ما زالت مؤثرة، ويصدق وفقا لتقسيمها على أساس قوة تأثيرها أن تكون روايات محتملة الصدور. وهذا ما يهمنا، معرفة قوة النص وحضوره، لنقده وتفكيكه. وليس سوى النقد نكتشف به حقيقة النص وسلطته المعرفية. أما دراسة أسانيد الأحاديث، فما عادت مؤثرة حتى مع يقينهم بضعف سندها. العقل الجمعي يتأثر بالشائع والمتداول بغض النظر عن صحة سند الروايات. وقناعته مرهونة دائما لقناعة رجل الدين والوعظ والارشاد فيصدق كل ما يرويه من روايات دون الإرتياب بها. وسيأتي الكلام عن مجموعة روايات أسست لقدسية الصحابة وارتفعت بهم فوق النقد والمراجعة، حتى أصبحت سيرتهم السياسية والدينية حجة شرعية مع انعدام الدليل القرآني والنبوي.

فثنائية السلطة والمعارضة كانت وراء الغلو بهذا النوع من المفاهيم، فاندفعوا بضغط من المعارضة والشكوك التي حامت حول شرعية سلطة الخلفاء للتنظير للصحبة بمفهوم جديد. وقد تحقق لهم ما يريدون لدى قطاع كبير من المسلمين، وهم أهل السنة قاطبة.

وبالتالي فعدالة الصحابة تعني عصمتهم عن الخطأ عندما تكون سُننهُم حجة شرعية وملزمة مع فقدان الدليل، وهذا الإلزام ليس سوى اعتراف غير مباشر بعصمتهم، وإن لم يصرحوا، وما العصمة سوى امتناع الخطأ، وهذا متحقق بمفهوم الصحبة بالضرورة. فلماذا يدان الآخر بقوله بالعصمة ولا يدان من يقول بعدالة الصحابة وهما على درجة واحدة من التقديس؟. فلازم عصمة أئمة أهل البيت هو الإلتزام بأوامرهم ونواهيهم. وهذا هو المهم في فهم العصمة عند تأسيسه من قبل أصحاب الأئمة. وما زاد عليه الغلو لا ينفي القدر المتيقن من حقيقتها. من هنا يتضح مكر المفهوم عندما يتستر على دوره في فرض حقيقته، عندما يوحي باختلاف دلالتيهما. بينما كل من المتلقي السني والشيعي يفهم من المصطلحين ذات الدلالة. ويتمسك بذات الإلزام. فكلاهما معصوم بمفهومين وتنظيرين مختلفين، حتى وإن كان الإلزام بينهما مشككا وليس متواطئا، كما يعبر المناطقة. فلا شك في صدق القدر المتيقن. فالحقيقة لا تتغير، ويبقى مفهوم العصمة واحدا، بأي لفظ جاءت. وهذا غلو صريح، لا يمكن للسني التنصل عنه، أو تختل لديه قاعدة الإلزام بسيرة وسنة الشيخين، مع فقدان الدليل. ليس النقاش حول المثال والمصداق، بل الكلام حول المفهوم ودلالاته الخارجية، وفهم تزويراته وخداعه ومكره ومراوغاته عندما يفرض حقيقته، ويتستر على دوره في وجودها، وكيفية تكوّن سلطتها. فما زال التراشق بين المذهبين قائما حول العصمة ودلالاتها، ومتى انطباق مفهوم الغلو عليها. وكلاهما يسكت عن مفهوم عدالة الصحابة التي تعني تماما عصمتهم بالفهم المتقدم. فأهل السنة وإن لم يصرحوا بعصمة الصحابة لكنهم عملا يعصمونهم من كل خطأ وزلل. ويبررون سلوكهم مهما كان دمويا، ويَحملون إرتكابهم للخطأ واقترافهم للذنب مهما كان كبيرا، على ترك الأولى والأفضل، وعدم التعمد في المعصية ومخالفة الخالق، وغير ذلك من مبررات لا تمت للحقيقة بصلة. ويتمسكون بسيرتهم ويستشهدون بأحاديثهم في كل مناسبة، ويشيدون بفضائلهم بخطاب تنزيهي لا يختلف كثيرا عن الخطاب التنزيهي الشيعي. فهم في أعلى درجات القداسة عملا، مثلهم مثل الأئمة، لكنهم يخدعون المتلقي بالألفاظ. خاصة حينما يتشبثون بأقوال متطرفة حول مفهوم العصمة، لإبعاد الشبهات حول مصداقية مفهوم عدالة الصداقة، بما يشبه الإسقاط. بينما المفهوم الأولي للعصمة عند التأسيس لا يعدو كونها عصمة سلوكية إرادية، تعني التسديد والمنعة التي هي لطف إلهي حينما يلتزم المؤمن ويستقيم في سلوكه، وهو ما يتبناه الخط الشيعي المعتدل. فالعصمة السلوكية سنة إلهية – قرآنية، لكل من يستقيم، ولا تختص بشخص دون آخر. (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ). والجهاد لا يعني القتال هنا، بل مطلق المجاهدة، بقرينة لنهدينهم سبلنا، وهي الآية التي تنطوي على فلسفة عميقة سنتوقف عندها في مناسبة قادمة. (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا). فهي سنن إلهية. وبهذا نفهم أن جميع روايات الفضائل، المختلقة والموضوعة، تقصد عصمة الصحابة، والحيلولة دون نقدهم، ومحاسبتهم. وكل هذا غلو لا يمكن تبريره بأي شكل كان. وإلا هل يمكن لأي سني اليوم أن ينتقد الصحابة ويحاكمهم على سلوكهم ولا يدان من قبل سلطات القضاء والمراجع الدينية السنية؟. فلماذا لا يسمح لأحد بالنقد لولا الإرتكاز المفهومي لمعنى عدالة الصحابة، فهي تعني عندهم العصمة السلوكية. وهذا هو القدر المتيقن.

- كما تطرف أهل السنة في موقفهم السلبي من الآخر. الخارجي المتمثل بالديانات والعقائد. والداخلي المتمثل بالمذاهب والفِرق المسلمة. فكانت أحكامهم وفتاواهم تصل حد استباحة الدماء مع الخصم، رغم أن الخلاف فتوائي، يمثل وجهات نظر أصحابها. فعانى أهل الذمة، وهم أهل الكتاب، معاناة قاسية، وراحت سهام التكفير تلاحقهم لأدنى خطأ، وفرضوا عليهم ضرائب باهظة، مع حرمانهم من كل امتياز اجتماعي وسياسي ووظيفي. وقد أسس الفقه السني متطرفا في تشريعاته لدار الكفر والإسلام، وفرض لكل دار أحكامها، وحدودها. وما زالت فتاوى الفقه السلطاني والفقه التكفيري تشرعن سلوك الحركات الدينية السنية المتطرفة، وتبيح لها قتل الآخر بصفته كافرا، تستباح حرماته، وتهتك أعراضه باعتبارهن إماء مملوكات، فطبقوا عليهن كل أحكام الحرب التي نزلت استثناء، لكن الفقه السلطاني وظف إطلاقاتها خارج بيئتها وشروطها، فكانت داعش وغيرها من الحركات الإسلامية انتكاسة في سلوكها العدواني، لا يمكن للمسلمين تجاوز تبعاتها قريبا، خاصة حينما اتخذوا من النساء غير المسلمات إماء لشهواتهم، وفتحوا لهن سوقا للنخاسة، تباع فيه المرأة، مثلها مثل أي سلعة يتصفحها المارة.

يكفي أن كتب ابن تيمية قد اشتملت على 428 مرة عبارة: "يستتاب وإلا يقتل". فثمة طريق واحد للنجاة. ليس القرآن والصحيح من سيرة النبي بل فتاوى ابن تيمية، مصدر الكراهية الدينية، ومصدر شرعية الإرهاب الديني في العالم، أما الإلتزام بها أو القتل. فجميع الحركات المتطرفة التي ارتكبت العنف والقتل من الحركات السنية، تستمد شرعية سلوكها من فتاواه، وفهم خاطئ لآيات الجهاد والقتال، بعد تجريدها من تاريخيتها. فلماذا لا تدان هذه الحركات سوى بيانات خجولة، وتوسلات تشي بعمق العلاقة الروحية، والرضا على سلوكهم؟. بينما تنهال خطابات التكفير لمجرد شطط في فهم مفهوم ديني؟.

الحقيقة التي يخشى الجميع التصريح بها، أن الفقه السني بل والإسلامي عموما يؤمن بما تؤمن به داعش من مباني فكرية وفقهية حول مفهوم الجهاد، ومدى صدقية مفاهيم: الكفر والحرابة والشرك والردة، على الآخر بما يبرر نبذه وحرمانه وهتك حرمته واستباحة دمه. ويبقى الاختلاف بينهم في الشروط والتوقيتات. المشكلة ليس في السلوك الآني، بل بفهم الدين، وفهم النصوص المقدسة، وتاريخيتها، وفلسفتها.

وأما موقف السنة من الآخر الداخلي، الشيعة خاصة، ففيه من التطرف ما يسمح بقتلهم واستباحة دمائهم، وتحريم التعامل معهم، وحرمة التعبد بفتاواهم والصلاة خلفهم. فالغلو بالمفهوم السني ينحصر بالشيعة وعقائده وسلوكهم. فهم الخصم السياسي التقليدي. وبهذا يتضح ثمة غلو مشرعن قام الخطاب الديني السني بالتستر عليه. فجميع الروايات السنية التي تذم الشيعة وتتهم رموزهم، تأتي في سياق سرمدية الخصومة السياسية والعقيدية.

- غالى السنة في مصادرهم الروائية، حدا منحوها حصانة دائمة، كالصحاح الستة. وأما صحيح البخاري فمنزلته بالتقديس لا يدانيها كتاب. ويكفي الرواية وجودها فيه، كي ينقلب دور الفقيه من ناقد إلى مبرر، مهما كان حجم التناقض بينها وبين القرآن الكريم، وقيم الدين الحنيف، فترى مثلا صورة الرسول في وعي البخاري صورة مضطربة، تارة يهبط به رغم منزلته دون مستوى الأخلاق العرفية، والقرآن يصفه: (وإنّك لعلى خُلِقٍ عظيم)، لا أنه خَلوق فقط، بل يلتزم حتى بالقضايا العرفية إلتزاما أخلاقيا. خاصة في علاقته مع زوجته عائشة، حيث ينقل أخبارا وروايات تتحدث عن خصوصيات لا يمكن للمجتمع العربي تقبلها من الإنسان العادي فكيف تتحدث بها زوجة الرسول علناً وينقلها الرواة عنها؟. إضافة لتناقضات رواياته مع منطق العقل والحكمة. ومشكلة كثرة مروياته وبعده عن مصادرها. وروايته عن الضعفاء والمجهولين، وهذا لا يهمنا حاليا. لكننا نفهم من كل هذا وجود مغالاة حقيقية بالبخاري وصحيحه، هي بدورها عمقت مشاعر الغلو. بل بعض الاتجاهات الفقهية تقدم الروايات على القرآن، ولا تسمح بمقاربته مباشرة، وتحصر فهمه وتأويله وتفسيره بالصحابة عند السنة، والأئمة عند الشيعة. بينما يصدح الكتاب بأنه بيان للناس. وأنه بلسان عربي مبين. فما معنى الحصر سوى الغلو؟

- الغلو بالشفاعة، رغم أنها صفة مشتركة عند الجميع، مع اختلاف مصاديقها بين الصحابة والأئمة. وكلاهما يتناقض مع الكتاب وأحكامه عن الثواب والعقاب، ويلغي العدالة التي ينتظرها المعذبون والمحرومون، تلك العدالة الأمل الوحيد للناس في هذه الدنيا البائسة. غير أن الشفاعة تسقط كل ظلم وعدوان. ومن يقرأ روايات الشفاعة لدى الفريقين، يستهين حتى بجريمة القتل، فالشفاعة جاهزة لخلاصه من العقاب، بثمن بخس.

- غالى السنة برموزهم السياسية حد العصمة، ونظروا لحرمة الخروج على السلطان بكل إمكانياتهم الاستدلالية، وهم يعلمون حجم مخالفاتهم لقيم الدين ومبادئ الإنسانية، ونظروا لشرعية سلوكهم في الفتوحات، وشرعية الدماء التي سفكت، وأسدلوا الستار على أخطائهم، عندما أرجأوا حسابهم لله، وليس للإنسان. فكان المتكلمون السنة أساس التنظير مقولتي الجبر والإرجاء، لتبرئة ساحة الخليفة والسلطان من كل شوائب الحكم وسلبياته، وكل إجرامه وسلوكه العدواني. وكمثال على الغلو بمعنى الانحراف عن الحق يروي السنة حديثا عن النبي: (دخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب). بينما تؤكد عدد من الآيات شمول الحساب، بلا استثناء لأي شخص مهما كان مقامه. فكيف يتم استثناء هؤلاء، بل وفي بعض نسخ الحديث أن كل واحد منهم يشفع لسبعين ألف، فتكون متوالية تشمل كل أهل السنة والجماعة. لكن الغريب كيف يروى هذا الحديث مع وجود آية: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا).

- أما غلو السنة بخلفائهم وسلاطينهم، فأمر محير، سحقوا لأجلهم قيم الدين والإنسانية، ونظّروا لشرعنة سلوكهم، وتبرير أخطائهم، وحمياتهم، حتى قمعوا إرادة الناس، وجعلوا من طاعتهم وجوبا شرعيا، وفي هذه النقطة بالذات مغالطة كبيرة، فآية طاعة أولي الأمر، لا تسمح بشرعنة الباطل كما سأبين لاحقا، بل تضمر شرط الإيمان والاستقامة، الذي تنتفي ولايتهم بانتفائه، بل ولا يكفي معه الإسلام والإلتزام الظاهري، لأن صفة الإيمان في هذه الآية أعمق . وهذا أخطر أنواع الغلو حيث سفكت بسببه الدماء، وضاعت الحقول، وأبيحت الحرمات. كل هذا باسم الدين.

وخلاصة ما تقدم أن الغلو ظاهرة عامة، مهما اختلفت تجلياتها. وبعض الغلو أخطر عندما يتعلق بالحقوق. ولم تسفك الدماء إلا بسبب الغلو الفقهي والسياسي، وليس بسبب الغلو العقيدي والفكري. فتبرئة أهل السنة من الغلو كان مقصودا سياسيا لاضطهاد المعارضة، وتنزيه الذات، وحرمة نقدها، ومحاكمة سلوكها. 

فالفقه السلطاني القائم على الغلو لا يمكن أن يكون بديلا حضاريا، ولا يؤسس لمجتمع مدني، بل يكرس الاستبداد، ويعمق روح التبعية والانقياد، وحرمة التمرد على السلطان الظالم، باعتباره قدرا مقدرا من السماء. فهو فقه ثيوقراطي، مهمته تدجين المواطن، وتزوير وعيه. خاصة أن العلاقة بين الفقيه والسلطان قائمة على مقايضة شرعنة سلوك الأخير بسلطة الفقيه. فالسلطان يمنح الفقيه السلطة، والفقيه يشرعن سلوكه ويحمي مقامه. وبالتالي لا يمكن الارتكاز له في إقامة دولة المواطنة القائمة على الولاء للقانون، وولاية الشعب على نفسه. الدولة الحديثة تستمد شرعيتها من الشعب وليس من الفقه السلطاني.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

[email protected]

 

 

تعليقات (4)

  1. صالح الرزوق

ما تتفضل به يشبه الستالينية، فهي ايضا ظاهرة غريبة على الفكر الأممي و حولت مجتمع الاشتراكية و العدالة الاجتماعية الى روبوتات من حديد لا تتكلم و لا ترى و لا تسمع و تتحرك بضغط على زر الايديولوجيا،
ومثلهالقومية العربية اصبحت دينا جديدا لا يحتمل المناقشة و تحولت مع الزمن الى سلفية لا تؤمن بالحوار و تفرض على الناس عاطفة كاذبة و مزورة.
ما الفرق بين الاستلاب الذي ادانه ماركس و هذا الاغتراب و التحجيم للعقل و الجانب الذاتي.
و اين المبدأ الرحمانيالذي بشر به القومي العربي الأرسوزي، حتى ان مشروع تم وأده في المهد و لم يعد منه بين ايدينا غير حبر على ورق في عدد من المجلدات التي يستعملها الموظفون للنفاق و كأنها اغطية تقينا من عيون السلطة و اجهزة الرقابة،
للأسف سنة رسول الله التي كانت نبراسا لمجتمع جديد تحولت الى قشرة داكنة و كأنها جزء من حقيقة متعالية على شروطها،
و الغت باسم المقايسة و المشابهة المبدأ الاساسي للاسلام و هو تحرير الانسان من الرق و العبودية،
و لنأخذ الاستتابة كمثال، كانت داعش تفرضه على كل من تعتقد انه خاطئ، و لكن بصيغة اعمال شاقة و ليس بصيغة تهذيب و تعريف او تربية و تثقيف، فقد الزمت المحكوم بالاستتابة دفع غرامة مالية و تكسير شواهد القبور لتصبح بشكل دواسر، و هذا تعذيب و تقشف لا معنى له في ظل ما تشهده المرحلة الراهنة من تقنيات في البناء و توفر لوازمها، كما ان الشاهدة هي لوح من الحجر المزخرف قليلا و الذي يحمل اسم الميت و تاريخ الوفاة، فمدينة الاموات اصبحت ضاحية مستقلة و مزدحمة و لا بد من تعريف المقابر،
ما المشكلة في شاهدة و السنة يشجعون على اطايب الطعام و حسن اللباس،
كل هذه الافعال هي بيان سياسي و عقاب و بلطجة الغاية منه الترهيب و تكسير الرأس و ليس ايقاظ البذرة الروحية ان كانت نائمة او تراكم عليها غبار معركتنا مع الحياة و متطلباتها.
الدين زهرة للتفاؤل و لبث روح الأمل و ليس للإكراه و التفكير بالسلطة.

 

اساس المشكلة السياسية وازماتها اختلاط السياسي بالديني، وتوظيف الدين لصالح السياسية، فطالما ارتكبت جرائم تحت عنوان الشريعة وتطبيق احكامها. شكرا لك دائما مع التقدير

 

هذا دليل قاطع أستاذي الفاضل الدعوة الى التفكير في عقد اجتماعي عربي جديد يقوم على المواطنة واحترام الانسان وتحديد العلاقة بين الحاكم والمحكوم ولن يكون ذلك الا بنقد الخطاب التراثي وتفكيك المقولات التي تؤسسه لان نفي قيم التراث المتهافتة لاتكون الا من خلال ممارسة قيم جديدة في الواقع ولاشك أن مساهماتكم النقدية سوف تضيء طريق الباحثين في المستقبل

 

صدقت د. قادة جليد، مرحبا بحضورك الكريم. واهلا وسهلا بك، وانت تتابع بامعان ما اكتب. يسرني قراءتك النقدية. بالفعل هذه الحوارات تسير بنفس الاتجاه عندما تقوم بنقد وتفكيك الخطاب التراثي، وبلا شك ينبغي ان يكون البديل حضاريا قائما على مبادئ أكثر وفاء للانسان وحقوقه المشروعه. نامل في تظافر الجهود من اجل نهضة حضاريا نستعيد بها كرامتنا وحيثيتنا. اكرر شكري واحترامي

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4166 المصادف: 2018-01-31 04:52:51