المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (57): النص ومشاغبات الغلو

majed algharbawi4خاص بالمثقف: الحلقة السابعة والخمسون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق12- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص ومشاغبات الغلو

ماجد الغرباوي: لا شك أن الروايات الدينية كان لها دور التأسيس في ثقافة الغلو، وقد فرضت مرجعيتها، وحقيقتها، ومحدداتها، رغم تقاطعها مع منطقي العقل والكتاب الحكيم، وعدم وجود أدلة على صحة صدورها، فهي تنتمي لنفسها وتتحرك داخل أروقتها الميثيولوجية المغلقة. وقد اعتلت توجّه وعي المتلقي، وتؤثث خلفيته وقبلياته. والأكثر خطرا أنها تمركزت في مخابئ بنيته المعرفية، وشاركت في تشكيل أنساقه المضمرة، بشكل يتعذر اكتشافها بغير منهج النقد والتنقيب في حقولها المعرفية. وقد نجح خطاب الغلو في أداء رسالته، وترسيخ حقيقته حدا، بات يزدهر في أعماق المتلقي. فالغلو كأية حقيقة أخرى لا وجود له خارج الفضاء المعرفي للمتلقي وقبلياته ويقينياته، التي هي بدورها أشرف خطاب الغلو على تأثيثها وهندستها. فالغلو يتوارى مع النقد وترشيد الوعي، ويخبو توقده مع يقظة العقل. فالمهيمن العقيدي للغلاة مهيمن عقيم لا ينتج ثقافة وتنويرا، بل يسقط العقل والقيمة المعرفية لآيات الكتاب الكريم، ويرتكز للخرافة والوهم واللامعقول مصدرا لمعارفه وتصوراته.

وهذه الروايات إما أن تكون موضوعة، أو محتملة الصدور. والفرق أن الأولى يمكن نفي صدورها، بأدلة عقلية أو روائية وفقاً لعلوم الدراية والحديث، فتسقط قيمتها، المتوقفة أساساً على صحة صدورها. ومع عدم ثبوتها تبقى مجرد وثيقة تاريخية لدراسة البيئة الفكرية والثقافية، والتعرّف على واقع الوعي العقيدي، ومستوى تطور العقل ضمن إطاره التاريخي. فلا قيمة لأية رواية دينية ينفي الدليل صحة صدورها، مهما كان مضمونها. بل لا معنى لجعلها شاهدا ومؤيدا، لأن العقيدة مرتبطة بالعقل أولا، وفي إطار القرآن ثانية، فهي مسؤولية شخصية محددة بشروط مصادرها.  وأما الرواية المحتملة الصدور، فلا يوجد دليل صريح على نفيها، ولا يمكن تصنيفها ضمن الروايات الصحيحة بل ولا حتى الموثوقة. غير أن احتمال صدورها يسمح بتناولها نقديا، سيما مع انتشارها وتسالمها.

وفي كلتا الحالتين لا حقيقة وراء الحقيقة التي يتولى النص خلقها وإنشاءها. إلا أنه يتستر على دوره في وجودها، من خلال أدائه وأسلوبه ومضمونه وطريقة تعبيره، وصفته المتبادرة في ذهن المتلقي المسلم، فيكفي كونها رواية في ثبوت صحتها وانتسابها، لينقلب الموقف من النقد إلى التبرير والاستسلام، خاصة العقل الميثيولوجي، حيث كان يطغى الخطاب الخرافي والأسطوري، وتداول الروايات التاريخية الغرائبية، وهو مستوى الناس آنذاك. فالمتلقي لا يعي دور النص في وجودها بفعل خلفيته وقبلياته ومستوى وعيه وانتمائه، فيعتقد أنها تخبر عن حقائق خارجية أو مُستدل عليها عقلياً وقرآنيا بآيات صريحة لا لبس فيها.  فلا تستفزه غرائبيتها، بل يخشع لها، ويؤمن بها ويستسلم لمنطقها، حينما تنسجم مع أمنياته، وتعزز قناعاته. كما أن خوف الآخرة، وفقدان الأمل بالنجاة، يدفع المتلقي للتشبث بروايات الغلو. فيأتي الإيمان بها مَركًب نجاة، سيما وهي تهبط بشروط الجنة إلى مستوى الموالاة ومشاعر الحب لأهل البيت وبغض من عاداهم دون العمل الصالح الحقيقي. فبعض الروايات تؤكد عدم دخول الشيعي النار، لا لعمله الصالح بل فقط لانتمائه المذهبي!!!. ويكفي في عدم صحة صدور هذه الروايات أنها تخالف المنطق القرآني: إن أكرمكم عند الله أتقاكم. ولا توجد أية قيمة أخرى في التفاضل الديني. أو روايات الشفاعة المهولة عند الجميع، سنة وشيعة. حيث تسقط قيمة العمل الصالح، حينما يتساوى فاعل الخير بمقترف الشر. وأيضا الديانات الأخرى فاليهود شعب الله المختار مهما عملوا لا يدخلون النار، والمسيح لا يدخلونها ببركة التعميد الكنسي. وجميع الديانات تعتقد ذات الاعتقاد

وكما أن الرواية هي وراء حقيقتها، فأيضا هي التي تصنع رموزها، حتى مع احتمال صدورها. فيتوقف عليها وجود الصورة المثالية للإمام أو الصحابي، وتتوقف هي على وجوده الأسطوري. وهذا دور واضح لتوقف كل منهما على الآخر، والدور باطل منطقياً، لا ينتج علماً ومعرفة. والأمر ذاته حينما تكون الرواية صادرة حقيقة، فأيضا لا يمكن الاحتجاج بها، لعدم ثبوت وثاقة ومنزلة أحد عند الله ورسوله، يكون هو الراوي الوحيد لها، بما في ذلك الإمام والصحابة المقربين ما لم يوجد دليل خارجي يؤكد دعواه. فمن روى بأن النبي ضمن له الجنة، ولم يشهد له أحد، فلا يلزم من كلامه وثاقته وعدله، وحجية مضمون خبره، لأنه الراوي الوحيد لها. ولا شك في بطلان رواية الشخص عن نفسه، لقوة احتمال الكذب والاشتباه والمبالغة وروح التفاخر والتنزيه. فالحكم ببطلان هذا النمط من الروايات، مشروع دينيا وعقلائيا. مثلها مثل من ينازع شخصا على ملكية شيء فإن القضاء يطالبه ببينة تؤكد صحة دعواه. بل أن بعض علماء الرجال يحكم بتضعيف وعدم وثاقة من يروي عن نفسه. فالإمام أو الصحابي حينما يتحدث عن نفسه وعن منزلته عند الله وعن كراماته وخوارقه ومعاجزه، نحتاج في المرتبة السابقة إلى دليل خارجي محايد يؤكد صحة كل ما يقول. أو دليل قرآني صريح به وبمعجزاته، كما بالنسبة لمعاجز الأنبياء. ولا تكفي الرواية عنه في إثبات مضمونها. فروايات الغلو لا تنتج معرفة إطلاقا. وبالتالي، لا وجود لأية معرفة خارج النص، فهو الذي يخلق حقيقته ورموزها، وهو الذي يمهد لقبولها ورسوخها. وهو في كل ذلك يراهن على رثاثة الوعي والخلفية الميثيولوجية للمتلقي، فيمدها باستمرار، للحفاظ على خصوبتها، وقدرتها على مقاومة التحديات من خلال خطاب يغادر العقل، ويرابط داخل اللامعقول، والخرافة.

 

الغلو ونقد النص

جدير بالذكر أن خطاب الغلو نجح في ترسيخ بديهيات عقيدية، من خلال منهج مراوغ، يعتمد الاستدلالات الساذجة، ويستغل رثاثة الوعي، وانحطاط الثقافة، والبيئة المثيولوجية، فيشاغل وعي المتلقي بمضامين غرائبية خرافية عن الرموز الدينية، يغفلون معها سؤال الحقيقة. أي السؤال عن ذات الرمز وحقيقته قبل الحديث عن خصائصه ومعجزاته وكرامته. فعندما يشاغل النص الوعي الرث بأحاديث خارقة، مذهله، غرائبية لا يلتفت لسؤال الحقيقة، بل تصبح لديه منظومة بديهيات، ومبادئ عقيدية مسلّمة، تندرج ضمن اللامفكر فيه، والمقدس، الذي يحرم مقاربته، فضلا عن نقده. هذه البديهيات هي التي تمرر روايات الغلو، لتراكم مزيدا من المعرفة المشوهة، العقيمة. فلا دليل على أسطرة الرمز الديني سوى النص ومنطقه ومراوغاته وأدائه، وقدرته في التشويش، وتوجيه العقل الجمعي، المفجوع بوعية. خطاب الغلو لا ينتج معرفة، بل يؤسس للخرافة واستبعاد العقل والمنطق. فهو خطاب مغلق، دائري، يتحرك داخل مداراته، بين الرمز ومضامين النص.

يجب الإشارة إلى مراوغات خطاب التقديس والخطاب التنزيهي الذي يلعب دورا هو الآخر في ترسيخ جملة بديهيات عقيدية، كانت قد انبثقت في بيئة خرافية، ثم ترسخت تحت فعل التلقين والتربية والتثقيف. وخطاب التقديس يتخفى بظل الأوصاف الأسطورية، والمبالغات التقديسية، ويحقق ما يريد، من خلال سلطته حينما يتمركز في اللاوعي. فقيمة النقد ليس في تناول ما يقوله النص ظاهرا، بل باستدعاء ما لا يبوح به، ويسعى لتمريره دون التصريح به، من خلال قوة أدائه وبلاغته. وقمة وعي الفرد في قدرته على إعادة تشكيل العقل وفقا لسؤال الحقيقة عن ذات البديهيات العقيدية، وصفاتها، وخصائصها، وبشريتها، وليس النقد انشغالا بظاهر النص، وما يبوح ويتجاهر به، فهذا ليس نقدا عقليا وفلسفيا، ولا يمثل منهج النقد التفكيكي والتحليلي. ولا يصدق أنه حرث وتنقيب في أعمق النص. فالنقد مهمة شاقة، تتطلب أدوات ماضية، ومنهجا عقليا صارما، مع ذكاء وفطنة، وقدرة على ملاحقة مراوغات النص، والإمساك بهلاميته، والوقوف على آليته. لذا تندر القراءة النقدية الفاعلة، ولذا أيضا يتهستر العقل التقليدي من نتائج النقد وقوة محاججاته. إن مهمة النقد مهمة فكرية وفلسفية، تتوغل عميقا في المضمر من الأنساق، وتواصل تفكيك مرجعياتها، وتحليل مقولاتها، كي نتعرف من خلالها على حقائق الأمور، وخيبة الوعي، عندما تكتشف حجم التزوير، ومساحة اللامعقول في العقيدة، التي هي مركز توجيه الوعي، وتشكيل العقل. وتقف بنفسك على خيبات التخلف الحضاري والفكري، حينما نحتسب أن كل ما بيدنا حقائق نهائية، وما هي سوى تزويرات، تخشى المقاربات النقدية.

 

النسخة الرسمية للخطاب الديني

الناس يدافعون عن عقائد يجهلونها، فتبدو في أعينهم، مقدسة، نقية ناصعة، مطابقة للواقع. يتقبلونها بعيدا عن الشك والمواربة، بينما هي نسخة منتقاة، تمت صياغتها بعناية فائقة، كتبها خطاب أيديولوجي، تنزيهي، متحيز، بالغ في تنزيه الذات وقدسيتها، ونبذ الآخر وتشويه معالمه، فحجب عنهم تاريخها ومراحل تطورها وسلبياتها وأخطاءها وبشريتها. النسخة الرسمية لكل عقيدة، نسخة مشذبة، خالية من المؤاخذات، تم تحصينها وإقامة رقابة صارمة عليها. وخطابها خطاب رسمي لا يمثل تمام الحقيقة، بل يمثل أجندة طائفية ومذهبية وسياسية وعقائدية، يسعى لكسب ثقة الناس وتعاطفهم معه، وتبرير سلوكه ومواقفه. فلا يصدق إيمان المرء ما لم يؤمن عن بيّنة ودليل عقلي.

فالشيعة كغيرهم من المذاهب، يتعاملون مع النسخة الرسمية للتشيع باعتبارها حقائق نهائية، نشأت بهذا التسلسل والتفصيل.  لكن الحقيقة أن الرواية الرسمية خطاب بشري، تبجيلي، يتستر على تفصيلاته وحقائقه، خاصة أنه خطاب متأخر على القرون الهجرية الأربعة الأولى، وهي فترة تأسيس التشيع، وصياغة مقولاته ومفاهيمه. فقدم الخطاب الرسمي تفسيرات للأحداث والمواقف المختلفة بما ينسجم مع رسالته. فتجاهل قضايا وقرائن لو اطلعنا عليها، ربما احتفظنا بصورة أخرى للعقيدة الشيعية ورموزها. فمثلا تاريخ الأئمة تاريخ مليء بالمفاجأت والأحداث، وكثرة الانشقاقات، والاختلافات حول العقيدة الشيعية ومفهوم الإمامة وعدد الأئمة والطبيعة اللاهوتية للإمام. ويكفي أن الشيخ المفيد يروى أن الشيعة بعد وفاة الإمام الحسن العسكري قد انقسموا إلى (13) فِرقة، وذكر النوبختي في كتاب الفِرق الشيعية أنها (14) فِرقة. إضافة إلى مواقف الفِرق الشيعية المتعددة عبر التاريخ كالجارودية، والفطحية والواقفية وغيرها وقبلها كثير جدا. فكانت بعد كل وفاة إمام تحصل إنشقاقات، يعتبرها الخطاب الرسمي مواقف ضلال، متهمة في دينها ورؤيتها وإيمانها. وهذا القدر يؤكد على وجود آراء أخرى غير الرواية الرسمية، فلماذا اكتسبت النسخة الرسمية صفة القداسة، بينما اندثرت الآراء الأخرى؟. ولو أن الظروف والتحديات ساعدت تلك الفِرق على البقاء، لبقيت حية كالزيدية، والإسماعيلية، والعلوية، اليوم، فكل واحدة من هذه المذاهب أو الفٍرق لها خطابها الرسمي، ومدوناتها وأتباعها.

التشيع مر بمراحل عدة، عانى خلالها طويلا، واُمتحن  في عقائده ورموزه، وكان الخطاب الرسمي في مرحلته الأولى يسوده الفكر المغالي في زمن بني نوبخت وعصر الغيبة الصغرى، حيث ظهرت كثير من الروايات التي عملت على إعادة تشكيل العقل الشيعي، وبناء منظومته ونظريته، التي تنسجم مع الغيبة وأسطرة الرموز الشيعية، وعددهم وتسلسلهم ومقاماتهم، ولعل أفضل كتاب للشيخ المفيد يمثل اعتدال العقيدة الشيعية هو كتابه: تصحيح الاعتقاد، الذي كتبه ردا على كتاب الاعتقاد للشيخ الصدوق (توفي 329 هـ) الذي كان أكثر اعتدالا وبشرية في صياغته للعقيدة الشيعية، حيث كان على خط شيخه محمد بن الوليد، من كبار علماء الشيعة، ممن يقول بسهو النبي، وهو رأي المدرسة الشيعية القمية آنذاك، وعلى رأسها أحمد بن محمد بن عيسى، الذي كان يطرد من قم كل من لا يقول بسهو النبي!!!!. ويلعن من يضيف الشهادة الثالثة في الأذان (يمكن مراجعة رواياته في كتابه: من لا يحضره الفقيه). فلما جاء الشيخ المفيد (توفي 413هـ) ليتولى بنفسه إصدار أول نسخة رسمية عن التشيع المعتدل، بعد أن أتلف تراث الغلو، ونظّر كلاميا للعقيدة الشيعية، وكتب مدوناته المعروفة في التاريخ والعقائد والفقه، فأعاد صياغة التشيع من خلال نسخة رسمية، بقيت معتمدة إلى يومنا هذا. ثم في العصر الصفوي قام الشيخ محمد باقر المجلسي (توفي 111هـ) بإعادة صياغة التشيع، من خلال كتابه بحار الأنوار، الذي جمع فيه كل ما أتلفه الشيخ المفيد من تراث الغلاة، فصدرت نسخته الحديثة بـ(110) أجزاء. وقد احتل بحار الأنوار المكتبة الشيعية وتحول إلى مصدر أساس من مصادر العقيدة، رغم عدم وجود ما يدل على صحة رواياته، وهي كتب وجدها الشيخ المجلسي وجادة، وبينه وبين أقرب مصادرها (الشيخ المفيد) 500 عام. وليس له طريقا معتبرا مباشرا لروايتها، وجمعها في كتاب البحار، فتأثر به الجميع بما في ذلك الاعتدال الشيعي. وقد شكلت إيران قبل فترة لجنة لتقييم هذا الكتاب العبء، بعد أن شعرت بثقله، وتداعياته على مستقبل التشيع، وقد ترأس اللجنة المرجع المعتدل المعروف آية الله مكارم شيرازي، وسمعت أنه لم يبقِ من الروايات بعد دراستها متناً وسنداُ سوى أربعة أجزاء، صدرت أو ستصدر قريبا. وهذا ما قام به سابقا الشيخ أصف محسني الأفغاني في كتابه النقدي لبحار الأنوار بعنوان: مشرعة بحار الأنوار، حيث حكم بصحة بعض روايته. لكنهم نقموا عليه ورموه بالردة والتسنن. ثم بعد النسخ الرسمية لبني نوبخت والشيخ المفيد والمجلسي، تمت بعد الثورة الإسلامية في إيران صياغة التشيع عرفانيا في مدينة قم، مركز الحوزة العلمية والدراسات الدينية، تولى التنظير لها خط الغلو والعرفان بزعامة الشيخ جوادي آملي، وتلميذه السيد كمال الحيدري، قبل صحوته المتأخرة، فنظروا للولاية التكوينية، واعتبروها ضرورة وجودية، لدفع تهمة الشرك عنها. لكن هل يمكن دفعه بهذه السهولة، وقد أصدر كمال الحيدري كماَ كبيرا جدا من الكتب والرسائل الصوتية تتحدث عن منظومة الغلو الجديد والولاية التكوينية التي سلبت بشرية الأئمة، وارتقت بهم لمصاف الخالقية؟.

 وإلى جانبهما كان الفقهاء ينظرون لولاية الفقيه وقيمومته التشريعية والسياسية، التي هي امتداد لقيمومة وولاية الإمام المعصوم. فنظّروا لثيوقراطية الدولة، ومن مجموع الخطين العقيدي والفقهي، ولدت النسخة الرسمية الأخيرة للتشيع، المعروفة بالتشيع الولائي - العرفاني. ورغم بُعد النجف مدينة العلم الشيعية ومركز مرجعية الشيعة في العالم إلا أن التشيع الولائي قد تسرب لها. بسبب مساحات الاشتراك في العقيدة. والتشيع الولائي إضافة عقيدية لا يرفضها الحس الشيعي، لأنه فعلا يؤمن بها لا شعوريا حينما يردد نصوص زيارات الأضرحة ويقرأ أدعيتهم، وهي نصوص صريحة في غلوها.

مما تقدم نفهم أن الجدل سيكون عقيما وفقا للصيغة الرسمية للتشيع، ولا يمكن للنقد أن يؤدي غرضه، ما لم يعود بالقارئ لتاريخ التشيع، والتعرف على منزلة الرموز الدينية. أي نحتاج بالمرتبة الأول إلى أنسنة الرموز، حينما نعيد للأئمة بشريتهم، فنقرأهم ضمن مختلف ظروفهم، ورؤية أصحابهم غير المغالين لهم في عصرهم. فعندما تراجع التاريخ لا تجد أي أثر للتقديس المبالغ فيه لدى النخبة الشيعية الملتصقة بالإمام والمعروفين بفقاهتهم وعلمهم وورعهم، كزرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم، وعبد الله بن يعفور، ويونس بن عبد الرحمن وغيرهم. فكانوا يجالسون الأئمة، مجالسة الطالب والاستاذ مع إجلال كبير لهم. وينادونهم بأسمائهم، ويجادلونهم علميا. والناس كانت تفهم من الأئمة، زعامة البيت الهاشمي، والزعامة الدينية، وليس أكثر، خاصة أن الأئمة حذروا من الغلاة ولعنوهم.

 

العقيدة بين العقل والرواية

إن عقائد المسلمين عامة وعقائد الشيعة خاصة عقائد روايات ونصوص، ليس لها جذر قرآني، حيث حصر العقيدة بقوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ  وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ). إضافة للقضايا الكبرى كالايمان باليوم الآخر. فعقائد الغلو ليس لها جذر قرآني، بل تتقاطع مع منطقه، خاصة الروايات التي ارتفعت بالأئمة حد الغلو والشرك مع الله تعالى، وروايات الغلو السني التي منحت الصحابة قداسة هي ذات مفهوم العصمة عند الشيعة، وتقديس الرموز السياسية وسلطة الخليفة. ومشكلة بعض هذه الروايات الجهل التام بظرف صدورها، وكيفية انتشارها، خاصة الروايات الشيعية، فهل صدرت في عصر الإمام أم بعد وفاته؟ هل يعلم بوجودها وتفصيلاتها أم لا؟ علما أنهم أنكروا ما سمعوا من روايات الغلو، وأكدوا بشريتهم وعبوديتهم لله تعالى، وكانوا يتألمون لما يشيعه خطاب الغلو. فجزما هناك عدد هائل من الروايات صدرت خلال القرون الأربعة، قبل غيبة المهدي وبعدها لتدارك الموقف المتداعي عقائديا آنذاك، ولم يتوقف ضخ الروايات إلا بعد تدوين الكتب والأصول الأربعمائة. لكن ثمة حقيقة أيضا أن رموز الغلو الشيعي هم من حواريي الأئمة ومن مقربيهم، وطالما أكدوا تلقي مضمون أخبارهم ورواياتهم عن الأئمة مباشرة، فهم من خلص أصحابهم، كمحمد بن عمير، والمعلى بن خنيس، ومحمد بن سنان وغيرهم كثيرون!!!.

 

الغلو بين الآية والرواية

تجدر الإشارة إلى وجود فارق بين الآية والرواية، لذا لا تجد أي جنوح للغلو حول شخصية النبي محمد مفاده آية. بل الآيات أكدت على بشريته، وذكرت ما يشي بتوبيخه أو تحذيره: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ،) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ)، (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ). كانت الآيات تتنزل في حياته، ويتلقاها أصحابه، وهم معه ليل نهار، وأي دعوة غلو تحتاج لدليل ملموس كي يصدقوه . فعندما يدعي الرسول مثلا أنه يعلم الغيب هناك مئات الصحابة ممن سيوجه له أسئلة إختبار. فماذا يكون موقفه حينما يخفق في تحقيق مرادهم؟. أما بالنسبة للإمامة فأغلب الروايات تصدر بعد وفاة الإمام ولا يوجد دليل شاهد خارجي سوى الرواية ذاتها. وبالتالي كل الغلو السني والشيعي، مصدرهما روايات. فالسنة رووا عن الرسول كرامات أخذ يتفاقم عددها تصاعديا بمرور الأيام. فلا تستغرب استماتة المسلمين في تأكيد حجية سيرة النبي وسيرة الصحابة والأئمة، كل حسب مبناه، ومنهجه. فليس في الكتاب الكريم سوى تأويلات لا تخدم توجهاتهم الطائفية والسياسية ورؤاهم المغالية!!!.

 

نتائج وحقائق

وعود على بدء، حول نظرية الغلو ودورها في سلب شرعية السلطة، فهذه النظرية قائمة على مركزية الإمام وولايته التكوينية في سلب شرعية السلطة، وهي محاولة أخرى ضمن جهود المعارضة الشيعية. رغم أنها مازالت أفكارا ومفاهيم في بداية نشأتها، فهو حينما يؤمن بقدرة الإمام على فعل كل شيء، بما فيه الرزق، والشفاء، وإنزال المطر وغير ذلك، يعني أنه صاحب الشرعية المطلقة، فتسقط شرعية أي دولة وحكومة خارج شرعيته. وقد انتظمت هذه العقائج فيما بعد لتشكل نظرية. فهي لم تكن مقصوده بهذا الشكل لكنها نتاج طبيعي للتنظير المتواصل لها. والآن هي نظرية مؤثرة، رغم اندثار القرائن والظروف التاريخية التي كانت محيطة بها، واليوم هناك وعي جديد، بفعل الجهود التنظيرية لمدرسة الغلو الشيعي المعاصرة. إلا أنه وعي تراجعي، راح يطور عقائده، فبين فترة وأخرى تفاجئنا طقوس مغالية جديدة. بحيث أصبح عدد المقدسات الشيعية يفوق عدد عقائدهم.

لا يمكن للولاية التكوينية أو أية ولاية تسلب الشعب حقه واختياره أن تكون صالحة للحكم في مجتمع يطمح أن يكون مدنيا يستوعب التنوع الأثني والديني والثقافي. مجتمع يقوم على المواطنة واحترام الآخر وحقوق الإنسانية المشروعة. نحن نتطلع لحضارة تقوم على العلم والمعرفة، بعيدا عن الخرافة والوهم. وسلب الإنسان إرادته وحريته. وهذه النظريات تسحق الإنسان وتخلق منه كائنا يستمرئ العبودية والانقياد، بعد أن تقتل فيه روح الابداع والعطاء، ويبقى يعيش أحلاما خيالية لا تمت للواقع بصلة

وبالتالي فالنص هو المحرك الأساس للفكر العقيدي، وهو الركيزة الأساسية لشرعية السلطة. فيتوقف على صحة صدوره، وصدق دلالاته، شرعية السلطة، وصدق الفكر العقيدي بجميع اتجاهاته. فالنقد والتنقيب في بقعة نصوص القرون الأولى يساعد على فهم النظريات الإسلامية في السلطة والحكم. فهي تستمد من النص شرعية استبدادها، وتهميشها للشعب، ومصادرة حرياته. وهي وراء روح الاستكانة والاستسلام والتبعية. وحينما نكتشف زيف حقيقة تلك النصوص، سنستعيد وعينا، ونلتفت لحاضرنا ونخطط لمستقبلنا، بعيدا عن الاستغلال والتبعية المريرة لأفكار وعقائد تفتقر لمقومات شرعيتها. كما نؤكد ثانية لا يمكن التعويل على الغلو مصدرا للمعرفة، وهو يرتكز للخرافة واللامعقول، ويرفض العقل ويطيح بالمنطق، ويصادر حرية النقد والمراجعة. إن أساس صحة المعرفة هو الدليل البرهاني والرياضي والفلسفي. ولا قيمة لأية معرفة، ما لم تتأسس على مبدأ عقلي – فلسفي، فالاعتماد على المعرفة القرآنية بما يخص الغيب بسبب عجز الإنسان، وتخصص الكتاب، إضافة إلى الإيمان المبرهن حسب الفرض، فالإيمان بالغيب يعود لذات الدليل العقلي والفلسفي الذي يدل على الإيمان بوجود الخالق وصحة نبوة الأنبياء وما جاءوا به من كتب ورسالات سماوية.

وأما عن خطاب السلطة المتمثلة بالخلافة ومدى قدرته على مواكبة الحاضر، وما هي قيمته الحقيقة... يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

تعليقات (3)

  1. صالح الرزوق

ارى ان الاستاذ الغرباوي في هذه الحلقة يميل للتسمية و التفصيل اكثر، و لا شك انه اضاف لمعلوماتي اشياء بعيدة عن البيئة التي نشأت فيها و هي الطبقة المتوسطة. فنحن لا نعرف شيئا عن كتاب الانوار او ما يشابهه، و كل ما ضمته مكتبة الاسلاف القرآن و الاسراء و المعراج، الاول نص نتداوله بلا تفكير، و الثاني فيه من الاضافات ما لا يعترف به النص السابق و لم يتطرق اليه، لكن بنظري تحرير المخيلة من عبودية و رق الحفظ و التكرار يساعد الانسان على تنسم هواء الحرية، و هنا يأتي دور المفكر و المشرع ليفرز الخيال الايجابي من الخيال الهدام و المخرب،
و هذا الحوار يقوم بهذه المهمة، فله الشكر و لكل من ياهم في السوال و التعليق تحية و جزيل الشكر ايضا، ننتظر استكمال هذه التحريات و التحقيقات البوليسية التي تفتح صندوق بانورا فهو يرير بروكست الفكر الديني الذي يبتر بلا رحمة كل الورود و الارهار و يترك الرأس المفكر و المبدع كأنه حجرة لا يسعك الا ان تتقافل من حملها و دحرجتها، و بلا اطناب، الارثوذوكسيات الاسلامية تجمل عوضا عن مناهج تحور الروح المحبوسة صخورا و جلاميد نئن من عدم تجاوبها و تغريبها لنا عن السماء و حالق السموات.

 

شكراً الى الاخ الدكتور ماجد الغرباوي على هذا الابداع الرائع؛ و شكراً الى الاخ المعلق الدكتور صالح الرزوق.

هذه الحلقة بها من التفاصيل اول مرة اعرفها؛ انها تناولت بشكل علمي متسلسل تاريخ الغلو في المذاهب و خاصة الشيعية و السنية.

كان الاولى بأصحاب هذه المذاهب ان يطورا "نظرية ايمانية" تعتمد على نصوص القرآن بدلاً من اعتمادهم على اراء و سفسطات بشرية قيلت قبل اكثر من 1400 سنة.

من مراجعة آيات القرآن وصلت الى يقين تام الى انه لا توجد مذاهب في الدين الاسلامي ابداً؛ بالاضافة الى هذا لا يوجد لا معصومين و لا مهدي منتظر اطلاقاً؛ مع احترامي للذين يؤمنون بهذه الافكار الغير المقنعة و التي تتعارض مع مباديء الدين الاسلامي و كذلك مع قبول العقل البشري لها.
و الذي لديه رأي آخر عليه ان يطرحه للمناقشة.؟؟؟.

الدس و التضليل:
الشيخ المفيد ولد في بغداد سنة 336 هـ (948م ). و الشيخ محمد باقر المجلسي صاحب الافكار المتطرفة (مؤلف بحار الانوار ) ولد في اصفهان عام 1037 هـ ( 1649م ).

اي انه جاء بعد الشيخ المفيد ب 701 سنة.؟؟؟.

و من هذا نستطيع ان نستنتج ان كلاهما لم يروا الرسول (الاول ولد بعد 4 قرون هجرية)؛ و (الثاني صاحب الافكار المتطرفة و الهدامة ولد بعد 10 قرون هجرية) و الفرق بينهما اكثر من 7 قرون هجرية؟؟؟. فكيف نستطيع ان نفهم لماذا : ان المجلس الغى كل الافكار المعتدلة و ابدلها بالافكار المتطرفة؟؟؟. اليس هذا يدل على انه كانت لديه خطة لتشويه المذهب و تعكير السلم الاهلي؟؟؟؟. انا لا اؤمن بالمذاهب ذكرته هنا للتوضيح فقط.

و للاسف الشديد ان اغلب رجال الدين الحاليين و ممثلي المرجعية يؤيدون هذا الغلو الايراني الذي غزا العراق بعد 2003. هذا يمكن ملاحظته بشكل واضح في خطب الجمعة. اي انهم يؤيدون المجلسي المتطرف الافكار و يبشرون بها في المجتمع العراقي.

و ليس هذا فقط؛ فقد امتد غلوهم الى آيات القرآن الكريم. لقد شاهدت قبل سنتين تقريباً ان احد رجال الدين اتذكر اسمه (القزويني) كان يتكلم عن القرآن في قناة كربلاء؛ يقول على الاية القرآنية التالية و التي تنص على:

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ؟.

انها مزورة لأنه محذوف منها و "آل محمد"؟؟. و السبب لكي يبرر ان الدين الاسلامي وراثي بآل محمد!!!.

و كذلك هنالك احد رجال الدين الحاليين اسمه (الكرباسي)؛ يقول ان الوحي لم ينقطع بعد وفاة الرسول؛ و استمر ينزل على فاطمة ليعطيها تعاليم لآل البيت كيف يديرون الحكم!!!!!!. الفديو موجود على الانترنت لقد ارسله لي صديق قبل فترة.

السؤال الذي يطرح نفسه:

اذا كان كان رجال ديننا الحاليين يكذبون علينا و يستحمرون عقولنا في وضح النهار؛ فكيف تريدوننا ان نثق بمرويات رجال الدين السابقين المتناقضة و التي لا يقبلها القرآن و كذلك العقل البشري و التي اكل عليها الزمن و شرب؟؟؟؟.

آسف على الاطالة
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

 
  1. ماجد الغرباوي

الاعزاء الاخوة د. صالح الرزوق، ود. ثائر عبد الكريم خالص احترامي لمتابعتكم الحوارات وامعانكم في قراءتها. لكما مني باقات محبة عطرة

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4177 المصادف: 2018-02-11 04:14:30