المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (62): النص والخطاب الطقوسي

majed algharbawi10خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق17- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

الخطاب الطقوسي

ماجد الغرباوي: الطقوس، تأسيسا على ما تقدم، ظاهرة اجتماعية - ثقافية معقدة، لجأ لها الإنسان للتعبير رمزيا عن مشاعر تضيق بها اللغة. ثم أكتسبت قيمة أكبر عندما شرعت الأديان بعض الشعائر الجماعية، لتعميق الإيمان، والتشجيع على الإلتزام بقيمها ومبادئها. حيث يلعب العقل الجمعي دورا تعبويا كبيرا، في ترسيخ العقائد واللامعقول الديني. والشعائر طقوس مشرعة ديناً، لها ذات الدور مع اختلاف المضمون، وما يرتكز إليه كل منهما، رمزيا وعقائديا.

وتتصف الطقوس بقدرتها على ترسيخ الإيمان وتوهجه لا شعوريا. وهو، أي الإيمان، رهان كل عقيدة، به تؤكد صدقيتها وحضورها وفعليتها. فكم من عقيدة اندثرت لعدم وجود من يؤمن بها ويتعدها. وكم من عقيدة بسيطة وربما ساذجة تتحدى القرون بفعل إيمان أتباعها. فلجوء العقائد للطقوس ليس لذاتها بل لقدرتها على ترسيخ الإيمان بها. حيث يفجّر الطقس مكامنه، من خلال رمزيته ودلالاته وإيحاءاته حينما يعزف على وتر الروح، ويخاطبها سراً، فتنقاد له النفس لا إراديا. فالخطاب الطقوسي خطاب وجداني، عاطفي، لا شعوري مهيمن، يستبعد عقل الإنسان، ويتحكم بمشاعره، من خلال لغة الخطاب، وإيقاع كلماته ومدى تأثيرها على النفس البشرية. فالخطاب الطقوسي يعيد تشكيل العقل، وطريقة تفكيره، بعيدا عن الاستدلال والبرهان، فيستسلم لمنطقه العقل البسيط وهو يخاطب وجدانه، ويداعب آماله وأحلامه، ويقص عليه حكايات تمرر رسالته بسهولة، فتترسخ عقيدته، ويتعبأ العقل الجمعي للدفاع عنها. خاصة مع مأسسة الخطاب، وتبنيه من قبل المؤسسات الإعلامية المؤثرة، كوسائل الإتصال المختلفة، ومنبر الوعظ والخطابة في مساجد وأماكن العبادة، التي يحفها جو روحي، ومشاعر روحانية عالية، بفعل المكان، والعقل الجمعي، والذاكرة، والهوية، ومستوى الوعي، ويقظة العقل، والانتماء المشترك، حيث تتضاعف قدرة الخطاب على التأثير، فيجد المتلقي نفسه منقادا لا شعوريا مع جموع الحاضرين، وهم يؤدون طقوسه، بما فيها من حقائق وخرافات وحمولات ثقافية. ولربما ينسى العقل ويتماهى مع اللامعقول أكثر، وهو في سكرة الوَجد والهيام.

وبالتالي فكل عقيدة تستمد وجودها وقوة حضورها من صدقية معتنقيها، ومدى تفاعلهم مع رمزيتها وإيحاءاتها. ولا يكفي الإيمان النظري، ما لم يتوهج في أجواء الطقوس، ويحتضنه العقل الجمعي. خاصة العقائد التي تفتقر للدليل العلمي والبرهاني، وتتقوم بالخرافة واللامعقول، فهي تلوذ بالخطاب الطقوسي لتسويقها وترسيخها. أي تستظل به لتسريب حقيقتها بعيدا عن العقل ووعي المتلقي. فيتفاعل معها طقوسيا حد التماهي، دون السؤال عن مدى صدقيتها. وهذا ما تريده العقائد الخرافية، التي تعلقت بها مختلف المصالح الطائفية والسياسية والشخصية. وعليه لا يكفي في نقد العقيدة نقد نصوصها ما لم يتم تحليل خطابها الطقوسي، وتفكيك أنساقه، مع نقد مكثف للبنية المعرفية للمتلقي، التي تتجلى فيها حقيقته. وفرز اليقين الإيجابي عن اليقين السلبي الذي تحدثت عنه في كتاب إشكاليات التجديد في طبعته الثالثة. فما لم يترتب على الطقوس إيمان إيجابي، سيكون الإيمان السلبي سلاحا فتاكا للجهل والأمية والتخلف. فنقد تلك النصوص والبحث عن صحة صدورها، ومدى مطابقة مضامينها للقرآن، والعقل والمنطق كفيل بزعزعتها.

الناس تكره النقد والخطاب العقلي، وتلوذ باللامعقول لحماية عقيدتها، وتعميق أملها بالنجاة يوم المعاد. ولا خصوصية لأحد، فجميع الفِرق والمذاهب الدينية، تشترك بقاسم الطقوس، كأداة لترسيخ عقائدها. فالديانات المنتشرة غنية بطقوسها، وليس بنصوصها كما عند المسلمين. والطقوس أداة اللامعقول العقيدي في إقناع المخاطب. وبالأحرى ليست هناك حقيقة وراء الخطاب الطقوسي. فيشتد ويضعف الإيمان بها تبعا لطبيعته وقدرته على إقناع المتلقي. والدليل حينما تجرد الخطاب الطقوسي (كالخطاب الطقوسي العاشورائي) من بعض خصائصه تتبخر حرارة العاطفة، وتختفي من قلبك جمرة الفقد، بعد أن كانت تتقد في أعماقك. وتمر على واقعة كربلاء، دون التوقف طويلا عند تفاصيلها، فضلا عن التعطاف معها. فالخطاب الطقوسي وراء كل ما تشاهده من ممارسات ومظاهر عاشورائية.

 

الطقس والمعبد

في هذا السياق يأتي الاهتمام المبالغ بالمعابد ومختلف دور العبادة والأضرحة، واتخاذها مكانا لأداء الطقوس الدينية والروحية، حيث يستمد الطقس من المكان قدسيته، ورمزيته، ويخلق أجواء روحية يفقد معها الفرد قدرته على التركيز ومحاكمة الأفكار والعقائد، ويستسلم للعقل الجمعي. يؤمن بما يؤمنون ويقلد ما يقولون، لا فرق في ذلك بين المعقول واللامعقول، حيث تشتغل الطقوس على العقل الباطن، وتخطاب المشاعر، بعيدا عن العقل. فيعش الفرد أجواء اللامعقول الديني والعقيدي كحقائق مسلمة، تؤثر فيه مباشرة. فللمكان دوره الطقسي الساحر، فهو ليس مجرد عمارة وزخارف وأناشيد وموسيقى وترنيمات، بل علامات وأشارات مفعمة بقدسيتها وحمولتها الدلالية. فعمارة المعبد تعيد تشكيل وعي الفرد عندما تربط ظواهره بالمقدس. فتنتاب الفرد حالة روحية يبقى معها مذهولا، مأخوذا بما يرى من هالة قدسية تترآى له في كل زوايا المعبد. فالطقوس داخل الأضرحة والمعابد تكتسب قدسيتها، وهذا سر تلازمها منذ القدم، ثم غدت الأمكنة المقدسة جزءا لا يتجزأ من منظومة الأديان والمذاهب، رغم تفاوتها من حيث المظهر والتفاصيل، والتماثيل التي تحتويها. فالإسلام أيضا يؤكد على المسجد، كمكان مكرس للعبادة، لكنه معبد مجرد من أية مظاهر توحي ولو من بعيد بالشرك مع الله تعالى. (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا). بينما تختلف مهمة باقي دور العبادة، حيث تكرس ما يخدم عقيدتها. وبالتالي فالمعبد ملهم للإيمان من خلال رمزيته وأجوائه الروحية، لكنه أيضا قد ينقلب إلى فخ لتزوير الوعي، وخلق أجواء مثيولوجية يتوارى فيها العقل، فيُستغل من قبل رجال الدين والقائمين عليه، ويوظفه السياسي لخدمة مصالحه، فيتحول إلى وبال ومصدر لتناسل الخرافة واللامعقول، وتكريس روح التبعية والإنقياد، وبيت للأوثان والآلهة المزيفة، حينئذ يجب تحطيم أسطورة المعبد لنكتشف وجه الله. ونستعيد الوعي لنهتدي به إلى طريق الصواب.

 وكلما بالغوا بتزيين المعابد وطلائها بالذهب والمجوهرات، ودهانها بالعطور، وتأثيثها بالأناشيد والترانيم والحكايات والموسيقا، صارت أكثر رهبة وخشوع. فليست القداسة سوى صورة ذهنية، يرسمها الذهن متأثرا بما حوله، وبأوهامه وحقائقه. لذا يتفاوت شعور القداسة تبعا لوعي الفرد بها، وطريقة إدراكها. وبالتالي فالنفس تشعر داخل المعبد بحنين لشيء تجهله، ثم ينشرح قلب الإنسان وتعلوه فرحة وغبطة لذيذة تعمق قيمة المعبد وقدسيته. وعندما تتصاعد رائحة البخور في باحة المعابد تتسامى روح المتلقي وهو يطوف في أرجائه، فيشعر أنه في روضة من رياض الجنة، وما هي سوى أوهام الحقيقة وفخاخ المكان. فالطقوس تنتعش وتتوهج داخل المعبد وأجوائه الروحية. واذا كان المعبد ضريحا فيستمد الطقس قدسيته لا من المكان فقط ، بل من قدسية صاحب الضريح، وصورته المثالية، الناصعة التي تخلق تعاطفا عاطفيا لا شعوريا، خاصة الرموز الأسطورية، في تعاليها ورمزيتها.

إن وعي الإنسان داخل المعبد يخضع لتأثيرات مثيولوجية، في ضوئها، يفهم الأشياء ويفسر الظواهر والأحداث. والسبب بالنسبة له غيبي، مرتبط بالمكان والراقد في ضريحه وسط المعبد. فما يشاهده تجليات لكرامته، ومكانته عند الله تعالى. كانت جدتي تعتقد أن الإضاءة الملونة حول الضريح وفوقه نور رباني يسطع من الأرض إلى عنان السماء، صدى لقدسية صاحبه وقربه من الله تعالى، وليس مصباحا كهربائيا ملونا (بروجكتور) عالي التردد. فكانت تقمع أي تفسير مادي بنظرة شرسة، تتلاشى معها علامات الاستفهام، والأسئلة الملحة. هي لا تريد مغادرة إيمانها وحضورها القلبي، وتعيش حالة من الوجد وكأنها في قداس يحج فيه قلبها المتيم حول أرواحهم الساكنة في الجنان. فتطوف معهم حول العرش، وتستضيء بنورهم كلما داهمتها كآبة الدنيا. اللامعقول الديني عصي على التعقل وهو جوهر الإيمان، فحقيقة الأديان (المطلق / الله) غيب مطلق. وحديث الكتب المقدسة عن الآخرة غيب مطلق. وكل هذا يحتاج إلى إيمان راسخ، لا يتزعزع، كي تتحقق الهداية، يقول تعالى: (الم، ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)، فلا تتحق الهداية بالكتاب إلا بالإيمان بالغيب، لأنه يساهم في خلق أجواء روحية تساعد على الهداية، والإيمان بالغيب يتوقف على جملة أشياء، أحدها ممارسة الشعائر والطقوس الدينية المنبثقة عن ذات الدين كالصلاة والصوم والحج، وهي مشتركات الأديان.

 

طقوس عاشوراء

تعتبر طقوس عاشوراء، التي تمارس من قبل الشيعة، في ذكرى واقعة كربلاء الأليمة، أوضح مثال على قوة الخطاب الطقوسي وقدرته في التأثير على العقل الجمعي. وهوخطاب يختلف في طقوسه، مضمونا وأداء. وهي تتوزع بين المجالس الحسينية، والمسيرات الراجلة، وزيارات الأضرحة المقدسة، وممارسة جلد الذات من خلال لطم الصدور، وضرب السلاسل على الظهور، وأحيانا شق الرؤوس، وأصوات الناعيين والنادبين الشجية الحزينة. فالدم هو ذات الدم الذي أريق في كربلاء، والدموع هي دموع عيال رسول الله، عندما أحاط بهم الخوف، ورعب الحرب، وحيرة الوحدة بلا ناصر ولا معين، وهم يرون رجالهم مجندلين فوق أرض كربلاء. وأشهر مظاهرها المجالس الحسينية المعروفة بطريقة خطاباتها، وطقوسها، حيث يبدأ الخطيب حديثه بموعظة أو يتناول قضية فكرية، ثم يختتم بسرد شطر من مأساة كربلاء وما حدث فيها من قتل وترويع للإمام الحسين وأهل بيته الكرام، بصوت شجي يخشع له القلب، وتتدفق دموع المستمعين لا إراديا. إنه مشهد إنساني، عاطفي مذهل، فتعيش الحدث وأنت تصغي لخطيبك، وتتفاعل معه لا شعوريا، فيجهش المستمع بالبكاء رغم عدم واقعية بعض الأوصاف وخرافيتها، التي يرفضها المنطق. فكيف يتعطل عقل الفرد لولا قوة تأثير العقل الجمعي وأسلوب الخطاب. والدليل أن العواطف ستبقى جامدة حينما  تقرأ قصة مقتل الإمام الحسين منفردا، خارج أجواء طقوسها المعهودة، فالتأثر بالحدث بسبب الخطاب وقدرته على التأثير اللاشعوري، وما يستخدمه من أدوات تؤثر على مشاعر مستمعيه.  لذا يعد الخطاب الأيديولوجي والديني والعاطفي أخطر أنواع الخطابات، لقدرته على تمرير رسالته بسهولة، عندما يستولي على مشاعر جمهوره. وهذا ما يراهن عليه رجل الدين والمؤسسات الدينية في ترسيخ عقائدهم، وحماية أتباعهم. لكن ينبغي عدم تجاهل خطورة هذه الخطابات، فهي وراء المظاهر الطقوسية وانتشارها، بأساليب ابتعدت كثيرا عن العقل والمنطق العقلائي. وهي ذاتها التي دفعت الحركات الإسلامية والمتطرفة إلى إرتكاب أبشع الجرائم باسم الدين وتطبيق الشريعة، بقدر كبير من اللامبالاة.

لا شك أن الخطاب الحسيني، خطاب عاطفي، أيديولوجي قد حقق أهدافه عندما كرّس صفة الضحية على الإمام الحسين، وسلخ الثورة مبدئيتها، واستراتجيتها في التحرك لإحياء تلك المبادئ. لكن الخطاب الطقوسي لا تهمه المبدئية، بقدر اهتمامه بطقوسيته وهويته الطائفية ورسالته التي يريد اقناع المتلقي به. خاصة بعد أن تعلقت بهذه الطقوس أهداف سياسية، ومالية، وشخصية. والملاحظ على هذا الخطاب غزارة نصوصه التراثية الخرافية التي تلبي كل متطلبات حضوره ودعم رسالته. فكان وما يزال ملازما لعقيدة الغلو، وهي تنوء بثقلها الخرافي، الغرائبي. وهو رهانها في تكوين قناعة راسخة، حيث استطاع هذا الخطاب بقوة تأثيره تكريس صفة الضحية، وقد استخدم جميع التقنيات لاستثارة العاطفة، من خلال ربط الحسين بعنصره النقي، بأمه وقربها من الله ورسوله، وبجده المصطفى، وأبيه البطل الشجاع المهضوم حقه علي، وأخيه المظلوم الحسن. فهي عائلة نالها الظلم لا بسبب مبادئها، بل بسبب انتسابها لرسول الله، وقربها من الخالق تعالى!!!. أي أنهم يستمدون قيمتهم من نقاء عنصرهم ونورانيته التي خالطت أنفاس الإله، فهم قبس من نوره، ولا تستمد قيمتهم من إيمانهم ويقينهم ومواقفهم وسلوكهم. وقد تم تحصين كل هذه المفاهيم بروايات موضوعة، غرائبية، لكنها أسطرت أهل البيت، وخسرنا بشريتهم، كقدوة يستفاد من نجاحاتها وأخطائها. وصار همّ الموالي الشيعي البكاء على الحسين لكسب الأجر والثواب وضمان الشفاعة يوم المعاد. فتخلى عن الحسين القدوة والمبدأ والرسالة. فالحسين استشهد فداء لأمة جده، لينالوا شفاعته يوم القيامة، التي ستنال كل من أحسن الظن به، وتفاعل مع شعائره، وتستبعد كل من عاداهم وسلبهم حقهم في السلطة والحكم. فهو في حقيقته خطاب منكسر، يريد تعويض خيباته بخطاب ميثيولوجي يقلب مفاهيم النصر والخسارة، فالحسين هو المنتصر دائما وإن لم ينتصر في الحرب ويتولى السلطة، ويزيد هو الخاسر الأكبر وإن كان خليفة المسلمين في وقته. وفوز الشيعي ليس في وجود دولة سياسية تمثله، بل بشفاعة الحسين التي يمكنه نيلها من خلال ممارسة طقوسه. وبهذا انقلبت موازين الثواب والعقاب يوم المعاد، فليس العمل الصالح رهانك في كسب رضا الله ودخول الجنة، بل شفاعة الحسين، حينما تمارس شعائره وطقوسه، وتدمن على زيارته. أو أن العمل الصالح هو تبني الشعائر بجميع تفصيلاتها. فانقلب مفهوم العمل الصالح، من عمل يترتب عليه أثر اجتماعي وأخلاقي، إلى طقوس يمارسها الفرد، فيدخل الجنة من أوسع أبوابها بغير حساب. كما أن هذا الخطاب برع في زرع اليأس في نفوس الناس صورة قاسية عن الإله، فالله هو مثال الجبروت والانتقام، لا يرضى ولا يغفر إلا من خلال شفاعة أحبابه، وأحبهم إليه هو الحسين. كل ذلك من أجل خلق تمايز بين الشيعة وغيرهم.

أما المتواري في خطاب المنبر الحسيني، بل في جميع الخطابات الأيديولوجية والعاطفية، ضعف أدلة رسالته، وخواء عقائده، فيلجأ إلى تقنيات الخطاب العاطفي، كي يقمع وثبة الوعي، حينما يستبعد سؤال الحقيقة. فيجب عدم الاستهانة بالخطاب الطقوسي، وقدرته على اقناع المتلقي برسالته لا شعوريا، حتى وهو يقلب الحقائق ويستبعد الواقع. فالثورة وفقا للخطاب الطقوسي ليست مخططا بشريا، بل سيناريو سماويا بطله الحسين وأهل بيته. فكان ينبغي له الاستشهاد شاء أم أبى كي يشفع لشيعته!! تشبيها بنظرية الفداء الكنسي، حيث يفتدي عيسى النبي ذنوب جميع المسيحيين. أي كان الحسين يتحرك بإرادة أخرى، ويقوم بأدوار مرسومة سلفا، من أجل هدف أسمى، يرتبط بالشفاعة وبدوره السماوي. كما نجح هذا الخطاب في استبعاد جميع الشكوك التي دارت حول شرعية الثورة تاريخيا، فلا يريد تكشيفها أمام العقل والنقد، فصرف المتلقي بخطاب عاطفي لبق عنها، تلك الشرعية الحسينية التي جرحتها خيانة أهل الكوفة، ولم يفهما أهل بيت النبي، كإبن عباس، وعبد الله بن جعفر، ومحمد بن الحنفية وأودلاه، ومن بقي من الصحابة الأحياء، ممن نصح الحسين بعدم التوجه للعراق، وهم من غدروا بأبيه وأخيه. فلم يفهم هؤلاء مسار المبادئ في إطار حركة الحسين، وتعاملوا مع حركته بمنطق براغماتي، حتى اعتبروا تحركه من باب إلقاء النفس بالتهلكة. بينما كان له نظرة أخرى، فذهب بكل ثقة، وتحرك وفق منطق سياسي محسوب بدقة، وكان النصر حليفه لولا خيانة أنصاره. كما راح خطاب آخر يحاكم الحسين وفق منطق، (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، ليس حبا بالحسين بل دفاعا عن جريمة يزيد بحق أهل بيت النبوة. فللخطاب رسالة ظاهرية يريد إقناع المتلقي بها، وهناك مضمر يهدف لحقيقة أخرى.

 

 خطاب الكراهية

تارة يراد من إقامة الشعائر الحسينية إحياء ذكرى عاشوراء، ومبادئ الثورة الحسينية في ردع الظالمين والتضحية بالنفس من أجل تصحيح مسار السلطة، وردع الظلم والاستبداد. فيكون خطابا تصحيحيا مقبولا من جميع دعاة الحرية والتحرر من قيود الاستبداد. وتترتب على الخطاب آثار إيجابية تصب في صالح المسلمين، لا فرق في ذلك بين الشيعي وغيره. وأخرى تكون الطقوس هي الهدف من وراء إقامتها. فذات الطقس يجب إقامته مهما كانت دوافعه. من أجل صورة مغايرة عن الحسين وأهداف ثورته. صورة تكرس الحس الطائفي، والخرافي والأسطوري. يكون فيها الحسين كالإبن المدلل عند الله مثله مثل عيسى، ينزل بمهمة ميثيولوجية، ويُقتل كي يكون شفيعا لشيعته. فدمه كان فداء لذنوب شيعته. وهو تصور خطير، يجافي منظومة القيم والمبادئ الإسلامية، ويكرس روح الكراهية والتنابذ، وتصبح في ظله مهمة الإنسان الطواف حول ضريح الحسين وإقامة عزائه، لكسب شفاعته، والتبرئة واللعن من أعدائه، ومن والاهم، وهم أتباع المذاهب الأخرى، الى يوم القيامة.  فالصراع طبقي، عنصري، قومي، وليس دينيا مبدئيا. فينقلب مفهوم العمل الصالح، من عمل يترك آثارا إيجابية تنعكس على الفرد والمجتمع، إلى فعل طقوسي، تبذّر فيه الأموال، وتبدد الطاقات، من أجل أوهام لا دليل عليها. والأخطر خطاب الكراهية الذي يقوض روح الأخوة، ويضع الفواصل بين أبناء الشعب الواحد، ويرفع حمى الصراعات الطائفية والمذهبية، وإثارة النعرات، وروح التنابذ والخصام. فهذا الخطاب يستغل من قبل رجل الدين الطائفي والسياسي الذي يقدم مصالحه على مصالح شعبه ووطنه ودينه.

عندما ندقق في فهم دوافع هذا التصور بعيدا عن تمظهراته المختلفة، نجد أن القلق المصيري الذي تحدثت عنه هو السبب وراء التشبث به، وتعهده، فالنتيجة هو بحاجة ماسة للشفاعة كي يضمن طريق النجاة. خاصة وهو سهل المنال من خلال (التولي والتبرئة). تولي آل البيت والتبرئة من أعدائهم الوهميين. والمشاركة بالطقوس. ثم تأتيك الروايات فتسخّف أعمالك الحقيقية الصالحة، وتزرع في نفسك روح اليأس من الخالق الغفور الرحيم، وترفع من قيمة الطقوس الحسينية، وقدرتها على انتشالك من عذابه وسطوته. فهذا الخطاب شوّه معالم الدين أكثر مما قدم له. وشجع على البطالة واليأس ولم يدفع باتجاه العمل الصالح.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

تعليقات (5)

  1. صالح الرزوق

لا استطيع ان افصل مصير الامام الحسين عن الظروف التاريخية لمرحلته،
و لا أعتقد ان انصاره كانوا من النوع المغفل ليزجوا به و يورطوه بتلك المعركة المحسومة سلفا.
اغلب الظن انها تضحية او فداء من اجل رسالة العائلة و الخط الذي تمثله. مع استغلال لجاهزية الحسين للتضحية،
و هذا شيء معروف في السياسة المعاصرة، يتم التضحية بوجه التنظيم للاحتفاظ بزخم التنظيم و قوته المعنوية و تأثيره المادي على الارض،
و خذ على سبيل المثال غاندي، كل افراد عائلته ذهبوا غدرا لتعويم عقيدة و دور حزب المؤتمر،
و كذلك في الباكستان، ماتت بنازير لتعويم سمعة حزب الشعب.
و لولا وفاة الحسين في تلك الملابسات الدرامية المؤلمة هل كنا سنرى اللطم و الجلد طوال هذه السنوات،
لقد تكلم رينيه جيرار عن معنى الفداء و التضحية و ووظيفته غير المباشرة لنشر فكرة او رسالة،
و العلاقة بين اي حادث و نتائجه قد لا تكون واضحة و غير مقصودة و تتطور في اللاوعي،
مثلا قال فرويد ان ضربات ريشة الرسم المتواترة في اللوحة هي دليل على شيء راسب في اللاوعي و يشير لمفهوم العادة السرية،
كلام فرويد ليس قرآنا منزلا و لكنه يدل على الربط البعيد بين الظاهرة و اسبابها،
و نحن بحاجة لدراسة مصادر هذه الطقوس و كيف نشأت لنفهم اسرار صفقة استشهاد الحسين و عدم نصرته مع انه كان على ارض صديقة.

 

هذه الحلقة مخصصة للخطاب الطقوسي، وتأثيراته، وكيفية أدائه واشتغاله. فهو خطاب قد استغل قضية الإمام الحسين، ،باعتبارها قضية مركزية، مهما كانت تفصيلاته التي أأمل ان تتاح فرصة لتنولها تاريخيا. تحياتي للدكتور صالح الرزوق

 

شكراً الى الاخ الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذا المقال التنويري الرائع و المتعلق بالطقوس الدينية و شكراً للأخ الدكتور صالح الرزوق على تعليقه.

تقول في مقالتك كلام جميل جداً و هو:
"الناس تكره النقد والخطاب العقلي، وتلوذ باللامعقول لحماية عقيدتها، وتعميق أملها بالنجاة يوم المعاد. ولا خصوصية لأحد، فجميع الفِرق والمذاهب الدينية، تشترك بقاسم الطقوس، كأداة لترسيخ عقائدها.".

نعم اتفق معك 100% في هذا الكلام الجميل .

ان الطقوس الدينية هي اشبه بعرض مسرحيات حيّة على خشبة المسرح؛ حيث يكون تأثيرها اكثر من نصوصها المدفونة في بطون الكتب. و ان براعة الممثلين له دور اساسي في تمرير الافكار التي يريدونها من هذه الفعاليات حتى لو كانت كاذبة. استهداف العاطفة بدلاً من العقل سبب اساسي في تمرير هذه الامور.

الصورة كذلك لها دور فعّال في هذه الامور. في الطقوس الدينية نرى صور تعكس الحالة كما ان مدون الصورة كان في موقع المعركة.

البناية التي تقام بها الطقوس كذلك لها تأثير كبير وخاصة في الاضرحة الدينية المكسوة بالذهب حيث تجعل كل من يدخل الاضرحة يشعر بالخشوع و الاستسلام لهذا الضريح او ذلك. هذه كلها عوامل نفسية تؤثر في نفسية الانسان الزائر.

و هذا الشيء مشابه الى قصور الملوك و الامراء حيث ان القصر يعطي هيبة للملك او للامير.

لا اريد ان اطيل و لكن الطقوس الدينية اذا كانت صحيحة يجب ان تتطابق مع نظرية الاسلام و هو القرآن الكريم .

ماذا يقول الدين عن الطقوس الدينية؛ لنتفحص الايات القرآنية التالية:

سورة البقرة
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

سورة ابراهيم
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ

سورة فصلت
قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ

سورة الفرقان
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا

سورة الانعام
وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

سورة الاعراف
اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ

سورة الزمر
وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ

ان رأي الله واضح وضوح الشمس في هذه الامور و هي ان كل الطاعة و الخشوع والولاء و الدعاء يجب ان تكون له فقط لا لغيره من الانبياء و الاولياء و الاوصياء.

و شكراً مرة اخرى لاستاذنا الفاضل الغرباوي على هذا الابداع؛ و مزيداً من الحلقات التنويرية التي تساعدنا على التفكير و التأمل لسلك طريق الله الصحيح و تجنب هذه المتاهات التي لا وجود لها في الدين الاسلامي.

ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

 

اجدد شكري دائما لك الاخ الدكتور ثائر عبد الكريم، لمتابعتك واهتمامك، ورفدك الحوارات بشواهد وتعليقات.

 
  1. جابر علي مرهون

وانا اطالع هذا المقال حتى راحت بي اطيافي الى تلك المجالس وانا اشاهد نفسي شابا منغمرا في تلك الطقوس لايسمح لعقله ان يتسائل من مدى صدقية مايقال فيها من اقاويل لايقبلها عقل سليم، فلقد خيمت رهبة تلك الطقوس على نفسي فلا اقبل اي نقد يوجه اليها...... ! واليوم اتعجب كيف استطاعوا تغيب عقلي كل تلك السنين مع ضحالة ماكانوا ينعقون به من على منابرهم....! تذكرت حينها دراسة اجريت على لفيف من الطلبة في احدى الجامعات الامريكيه قبيل الانتخابات وقد وضعوا كامرات مراقبه حساسه على أدمغتهم وبدأوا بطرح الاسئله على مؤيدين المرشح الاول وذكروا تناقضته وراح الطلبة بتبرير تناقضاته ومن ثم عرضوا عليهم تناقضات المرشح الثاني الغير مؤيدين له وأخذوا بتأييد تلك التناقضات، فلاحظ العلماء حين طرحت تناقضات المرشح الاول على مؤيديه تحفزت خلايا الدماغ المسؤوله عن العاطفه الا انه حين طرحت تناقضات المرشح الثاني استجابت خلايا المنوطة بالتعقل والتفكر. والذي يحدث في مجتمعاتنا هو بذاته الذي حصل في هذه التجربة وخصوصا الجانب الديني لارتباطه الوثيق بالعاطفة.......! مرة اخرى احييك على فكرك المتألق

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4194 المصادف: 2018-02-28 03:10:12