المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (63): النص وأدلجة الخطاب

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق18- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

أدلجة الخطاب

ماجد الغرباوي: ليس المقصود بالأدلجة مفهومها الإيجابي، أي علم الأفكار ودراستها، وإنما مفهوم سلبي، يعني أن الأيديولوجيا منظومة أفكار ومفاهيم منحازة يراد بها تفسير جميع الظواهر، وإعادة صياغة الواقع وفق قناعاتها وتصوراتها كحقائق نهائية وجزميات لا يمكن التراجع عنها. فالخطاب الأيديولوجي يصادر ما عداه، ويحصر الحق به. وقد عانت المجتمعات والشعوب من تداعيات الأدلجة السياسية والدينية. خاصة الحكومات الشمولية. وهو خطاب قمعي، متحيز، يمثل رؤية خاصة، ويراهن في تمرير رسالته على العقل الجمعي ومدى تأثره واستجابته للخطاب الوجداني والتعبوي. فالأيديولوجيا هوس عاطفي، تكرّس روح الانقياد والتبعية، وتُبقى العقل في دوامة الإنغلاق والدوران حول نفسه. وهي خطاب نفي، لا يفهم سوى منطق الثنائيات، "إما معي أو ضدي". "من لم يكن معي فهو عدوي". وهذا منطق متعالٍ يستمد حقيقته من قبلياته، فينبغي للناقد التحقق من صدقيتها ومدى مطابقتها للواقع ونفس الأمر، لتفكيكه وفضح تحيزه، ومقاصده وأهدافه البعيدة. فمثلا سيكشف النقد أن طموح السلطة، (مطلق السلطة) بالنسبة للإسلاميين، هو المتواري الذي يرفض الخطاب الأيديولوجي التصريح به. فيبدو خطابا دينيا، دعويا، نزيها، يريد تطبيق الإسلام. بينما هو لهاث محموم وراء السلطة والحكم، فينبغي نقده وتفكيكه، لتفادي تداعياته، بعد أن جر علينا ويلات كلفت شعوبنا حاضرها ومستقبلها، وما زالت تئن من جراحاته ونكباته، خاصة ما فعلته الحركات الإسلامية المتطرفة في السنوات الأخيرة، وفشل تجارب الإسلاميين في السلطة.

 

مرونة النص المقدس

ما كان للخطاب الأيديولوجي أن يستغل النص الديني المقدس، لولا مرونته العالية. فمرونته قد فتحت آفاق التأويل والتفسير تبعا لتعدد المقاربات الفكرية والعقيدية، لتأثر قراءة أي نص بقبليات المقاربة، وقدرة القارئ على استنطاقه وتأويله. لذا يتوقف تفكيك أي خطاب على نقد تلك القبليات والتحقق من مدى مطابقتها للواقع ونفس الأمر، وهي مسألة معقدة، تتطلب تنقيبا وحفرا معرفيا داخل بنية الخطاب، لتحري أنساقه، وتحليل مقولاته. لكنه أمر ضروري تتوقف عليه نهضتنا الحضارية، فقد عبثت الحركات الإسلامية بوعي الشعوب، واستدرجتهم لسفك الدماء، وقتل الناس الأبرياء، وتسببت في هدر الثروات، وتمزيق وحدة الشعوب العربية والإسلامية. فنقد مرجعيات خطابها خطوة ضرورية لتفكيكه، والحيلولة دون تعرّض دلالات قداسة النص لسطو أيديولوجي، كما فعلت الحركات التكفيرية المتطرفة، حينما جردت النص المقدس من تاريخيته، لتوظيفه خدمة لأهدافها السياسية، فارتكبت بذلك خطأ فادحا، اضطرها لاعادة وعي المفهوم ودلالاته بما يحقق أهدافها. وبالفعل راح يشمل بإطلاقه مصاديق يقصدها الخطاب. وشملت آيات الحرب واقعا لم يكن مقصودا حين نزولها، بل كانت ناظرة لقضية خارجية محددة، وهم مجموعة المشركين الذين حاربوا الرسالة وشخص النبي بعناد مرير، وغدروا ونكثوا العهود والمواثيق، ورفضوا التفاوض السلمي. فهي حالة خاصة جدا، لا يمكن تطبيق أحكامها على غيرها. ولا فعلية لها بعد انتفاء شرط الحرابة (راجع كتاب تحديات العنف). فعندما جرد الخطاب الأيديولوجي الحكم من تاريخيته، وجعله حكما شرعيا مطلقا، توفرت الحركات الإسلامية، على دليل شرعي فعلي يبيح لها استخدام القوة باسم الدين ضد مناوئيها، وتحقيق أهدافها في السلطة والحكم. فالحركات الإسلامية لديها مشروع ديني – سياسي، وتتطلع لإقامة دولة، تتولى فيها السلطة، من خلال سلطات دينية مطلقة. وأحكام شرعية فعلية، تستبد من خلالها بالحكم، وتتفرد بالقرار السياسي، والتحكم بتقرير مصير شعوبها. فالعنف أداتها في كلا بعدي مشروعها، لأنها لا تؤمن بالسلم وتستهزئ بالتسامح والاعتراف بالآخر.

وهذا يؤكده إدمان العنف مع إمكانية السلم، خاصة في مشروعها الدعوي، حيث يتطلب نهجها الديني وأسلمة الحياة، المبادرة إلى إحياء العمل الدعوي بروح سلمية، من خلال فتح مشاريع ثقافية وتعليمية، لمعالجة انحراف المجتمع بالحكمة والموعظة الحسنة بعيدا عن القمع والإرهاب، مهما طال الزمان، لصعوبة التغيير، ما لم يتمثل المجتمع قيم الدين ومبادئه، وهذا يحتاج لدراسات مستفيضة ومراجعة مستمرة للمناهج والآليات. لكنهم استبدلوا الأسلوب السلمي بأسلوب تعسفي، وفرضوا أسلمة المجتمع بذريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بدلا من معالجة مناهجهم التعليمية وأساليبهم التربوية. فالمشروع الديني للحركات الإسلامية مشروع خوف ورعب، وليس مشروع هداية ورحمة. فخالفوا المنهج القرآني القائم على آيات صريحة، لا يمكن العدول عنها إلا بالنسخ، الذي يؤمن به بعض الفقهاء، وقد تشبثوا به بقوة، مع عدم وجود دليل جزمي عليه. بل وحتى مع ثبوت النسخ لا يوجد دليل على تحديد مصاديقه. إن أسلوب هداية الناس وفقا للمنطق القرآني أسلوب سلمي: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). وهي آية صريحة، واضحة، محكمة، فتكون حاكمة على غيرها من الآيات المتشابهات، وفقا لذات المنهج القرآني. فالتشبث بالعنف لهداية الناس، فعل العاجز، وهذا ما يتستر عليه الخطاب الأيديولوجي للحركات الإسلامية، خاصة المتطرفة والتكفيرية، حينما يعتبر العنف وسيلة لهداية الناس مطلقا. والحقيقة أن شروط استخدام القوة والعنف صعبة. وبهذا وجدت الحركات الإسلامية مبررا لاستخدام العنف لقمع المسلمين داخليا، تحت ذريعة الهداية وتطبيق فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فصادرت حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفق رؤيتها الدينية والفقهية خاصة.

إن استخدام العنف والتسرع في تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع عدم اكتمال شروطهما، تصرف يبعث على الريبة والشك في صدقية نواياهم، فربما هاجس الحركات الإسلامية هاجس أمني، تحسبا لأي تمرد محتمل، فيتخذون من أسلمة المجتمع ذريعة لتبرير العنف ضد الجميع. فالمقصود بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليس مفهومهما التربوي، بل ما يترتب عليهما من ضبط الأمن الداخلي وقمع المعارضة. فنحتاج لوعي يفضح السلوك السياسي حينما يرفع لافتات دينية، ويعتبر نفسه الممثل الوحيد لشريعة السماء.

وأما على الصعيد السياسي، فالأولوية بالنسبة لها هو العنف لتنفيذ خططها، فتبدأ خطواتها بخطاب أيديولوجي تعبوي، محرض تحرك به الجماهير من خلال شعارات دينية مؤثرة، كشعار لا حاكمية إلا لله، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. فتسقط بهذه الشعارات شرعية جميع الحكومات التي لا تحكم بما أنزل الله. ومفهوم "الحكم بما أنزل الله" مفهوم فضفاض، فهل هو خصوص الأحكام الشرعية المنصوص عليها قرآنيا، أم ما يشمل فتاوى الفقهاء؟ وأي من الفقهاء يجب الإلتزام بفتاواه، هل هو الفقيه السني أم الشيعي، وأسئلة أخرى كثيرة. المهم أن الحركات الإسلامية استغلت هذه المرونة، ووظفت المفاهيم لتبرير العنف ضد الحكومات القائمة، فهي وفقا لهذا التفكير كافرة، مشركة، يجب قتالها والإطاحة بها "قاتلوا المشركين". ولو خارج شروطها. نحن لا ننكر هذا الحكم فهو نص قرآني (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ)، لكنه حكم مشروط بظرفه وفعلية موضوعه، غير أن الخطاب الأيديولوجي للحركات الإسلامية يتستر على شروط هذه الأحكام، وفعليتها، ويلغي خصائصها التاريخية. فيصدقها العقل الجمعي، المسكون بالمقدس، حينما يتلاقها عبر خطاب حماسي يلهب مشاعره، ويفجر فيه مكامن الغيرة على الدين، وحب تطبيقه على السلطة والمجتمع. فنجح الخطاب في تمرير رسالته، والتستر على هدفه السياسي بلباقة التزوير المتقن. وبالتالي فيكفي في تكفير الحكومات القائمة ووجوب اسقاطها عدم تطبيقها لأحكام الشريعة. بل ويمكن اعتبارها محاربة لله في قوانينها الوضعية لحرمة تشريع أي قانون خارج سلطة الفقه الإسلامي. فالخطاب الأيديولوجي بإمكانه توظيف عدة عناوين لتبرير العنف من أجل الوصول للسلطة.

كما إلتفوا على مفهوم الإسلام وضماناته للسلم والأمن، وهدروا دماء مصونة، قد شملها الشرك بمفهومه الجديد. إذ لم يعد مقصورا على من أشرك مع الله إلهاً آخر، بل صار تشريع القوانين شرك، وطاعة السلطان شرك إلى آخره. وقد فتحت فتاوى التكفير خاصة فتاوى ابن تيمية لاستباحة دماء الأبرياء تحت ذريعة وجوب قتل المرتد والمشرك والكافر. وينسى هؤلاء أن الشرك أصبح حقيقة شرعية يقصد بها خصوص من اتخذ إلها آخر مع الله عزوجل. وهو مصر على شركه، يؤمن به ويقدسه. فتعميم المفهوم لغير مصاديقه الحقيقية يعد جريمة تشريعية. تكشف عن نفوس شاذة، مولعة بالعنف والقتل وسفك الدماء.

ثم راح هذا الخطاب يوظف عناوين فضافضة تماديا بالعنف، كمفهوم الفساد في الأرض، ومحاربة الله ورسوله: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). وبالفعل فقد وظفت هذه العناوين لحماية الخطاب السياسي الرسمي، وقمع كل من يتمرد على سلطة وولاية أولي الأمر، كما هو الحال في السعودية وإيران، وداعش في دولتها الإسلامية قبل انهيارها. فمن السهولة أن يحكم القضاء الديني على المعارضة بالقتل وفقا لهذه العناوين، غير المنضبطة بتعريف. فكل تمرد أو مطالبة بالحقوق يصدق أنه فساد في الأرض وفق منطقه الأيديولوجي. وهذا ينطبق أيضا على مفهوم الجاهلية الجديدة التي قال بها سيد قطب، المنظّر الفكري للإخوان المسلمين، فهي مفهوم فضفاض، مرن، يحدده الفهم الأيديولوجي وفقا لمصالحه وفهمه لمعنى: الرسالة والحاكمية والشرك والكفر. فمصاديق هذه المفاهيم ليست حقائق خارجية بل يفترضها الخطاب الأيديولوجي افتراضا وفقا لقبلياته ومصالحه وأهدافه، ثم يصدر أحكاما تعسفية ضدها. وهذا ينفي وجود حقيقة غير الحقيقة التي يفرضها الخطاب. فهو يتستر على دوره في وجودها. ويتستر على دور قبلياته في فهم النص، وتشخيصها. فينبغي للنقد أن يتوجه لقبلياته، فإنه خطاب سياسي، يتستر بالدين من أجل الوصول للسلطة.. فاستدعاء المضمر في أنساقه يعيد تشكيل الوعي به، ويكشف عن مراوغاته، وتزويره وكذبه. بل سيكشف حجم مخالفته للكتاب الكريم حينما يستبعد أكثر من ستين آية من آيات الرحمة والتسامح والمودة من أجل التشبث بآيات الحرب والجهاد. وفي هذا تجاوز للقيم الدينية، وهتك للمبادئ الإنسانية، التي ضمنت حرية العقيدة، وحرمة من يؤمن بالله ورسوله.

 

الموقف من الآخر

الخطاب الأيديولوجي خطاب نفي، يُقصي الآخر، بمنطق الردة والكفر والشرك والجاهلية، ويتعامل مع المختلف دينيا بمنطق أهل الذمة، فتشملهم أحكام تهتك كرامتهم وحيثياتهم، حينما يصر على تطبيق أحكام الجزية، والتعامل مع نسائهم بمنطق العبودية والإماء وملك اليمين. ومصادرة حرياتهم في العقيدة والرأي. فهذا الخطاب يفرض قبلياته على التفسير والتأويل، فهو متحيز لغير الحقيقة، بل الحقيقة ما تفرضه قبلياته، فتكون حاكمة على النص. وهذا سر تأكيده على نسخ آيات القرآن، ونفي فعلية آيات الرحمة والمودة والتسامح، من أجل الحفاظ على فعلية آيات القتال والجهاد التي هي آيات مرتهنة لظرفها الزماني والمكاني، ولا يمكنه تفعيلها ما لم يقصِ جميع الآيات الإنسانية، ليبدو الإسلام مشهد حرب قائمة لقمع المعارضة مهما كانت سلمية. لذا تصرح الحركات الإسلامية في أدبياتها بأنها مسؤولة عن تغيير شعوب العالم الذين يسودهم الكفر والإلحاد والإرتداد بالسيف. فتجدهم معبأين ضد الناس مهما كانوا بسطاء، لمجرد أنهم لا يؤمنون بما تؤمن ثقافتهم الحركية. فالخطاب الحركي لا يؤمن بقيم الدين: (الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)، (وكرمنا بني آدام)، (لا إكراه في الدين)، وقرابة 60 آية أخرى، بل المنطق السائد هو القسمة الثنائية، إما مؤمن وفقا لرؤيتهم أو ضال، منحرف، مرتد، مشرك، كافر. وبالتالي فزاوية النظر تختلف حينما تنظر للآخر بأنه أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، وبين أن تتعامل معه على أساس أنه مرتد، منحرف، مشرك، كافر. في الحالة الأولى تتعامل معه بمنطق إنساني، ودود، مفعم بالمودة والرحمة. وفي الثانية، ترى فيه عدوا لله تعالى، يتحدى أوامره ونواهيه. فيمتلىء قلبك غيظا، وهذا ما أشاهده على وجوه السلفيين وأتباع الحركات الإسلامية المتطرفة هنا في مدينة سيدني الأسترالية، عندما يتعاملون مع الناس. قلت لأحدهم إذا تعتقد أنك على حق مطلق والآخر باطل مطلق، إذهب واهدِ الناس بدلا من الحقد عليهم وبغضهم. فكم هو كريه المنطق الأيدلوجي!!، يعتقد أن ما يؤمن به حقيقة ساطعة، يقرها العقل والمنطق، لكنهم يجحدونها ويكفرون بها فيستحقون القمع والعنف، وينسى الأسباب الحقيقة وراء اعتقاده، فهو لا يعدو كونه اجتهادا ورؤية متحيزة لقبلياتها.

 

التأسيس الأيديولوجي

لا يمكن لخطاب الحركات الإسلامية التنصل من طموحاته السياسية، مهما كانت شعاراته الدينية، فهو خطاب تأسس سياسيا، وطرح الإسلام بديلا حضاريا وسياسيا، وكان رهانه الأول والأخير على استلام السلطة، كمنطلق للتغيير. فالبديل الإسلامي كان أحد الاتجاهات الثلاثة التي أفرزها سؤال النهضة، بعد الصدمة الحضارية، فثمة من دعا إلى قطيعة مع الماضي بكل حمولته الثقافية والمعرفية، بما فيها القيم والمعارف الدينية. وتبني قيم ومبادئ الحضارة الغربية. وهو اتجاه متطرف، لم يدرك إشكالية التخلف بشكل صحيح، ولم يدرك واقع العرب والمسلمين، حيث يعد الدين عمقهم التاريخي والثقافي والحضاري، وهناك تماهٍ تام مع قيمه ومبادئه. فالقطيعة معه محال عندهم، لذا كان وما يزال هذا التيار منحصرا في طيف من نخبة المجتمع، وهم المتغربون فكريا وثقافيا. وهناك من ارتد سلفيا، يراهن على التراث ويصر على استدعاء نموذجه التاريخي، الخلافة الراشدة، بكل حمولتها، مهما كانت تاريخيتها. بينما ذهب رواد الإصلاح بقيادة جمال الدين الحسيني الأفغاني إلى ضرورة العودة للتراث وتنقيته، والاستفادة من معطيات العلوم لتطوير واقع العرب والمسلمين. فهذا التيار أبقى الباب مفتوحا لاستقبال أي مصدر معرفي يساعد على انتشال الواقع من تخلفه، ما لم يتقاطع مع الدين وضروراته. ولم يحقق أي من هذه الاتجاهات نهضة حضارية رغم مرور 200عام، وهذا يعني وجود إشكاليات أعمق، إشكاليات مرتطبة بالثقافة والعقل والمناهج الفكرية وأدوات البحث العلمي، وكيفية فهمها للدين ودور الإنسان في الحياة. فلكي نحقق نهضة حضارية حقيقية علينا مراجعة مرجعياتنا الفكرية والعقيدية أولا، ومعالجة العطب الحضاري فيها. ووضع الدين في سياقه التاريخي، مع التركيز على قيمه ومبادئه. والاعتراف بمرجعية العقل وقدراته الخلاقة.

لا شك أن التيار الثالث هو الأكثر حضورا في الوسط الثقافي، حيث راح يتحدث عن إسلام معاصر، يستجيب لمتطلبات العصر، على جميع المستويات التي منها السياسة. فدعا للاستفادة من التجربة الغربية والتطور العلمي والتكنلوجي. فكانت حركة الإخوان المسلمين بزعامة حسن البنا وليدا شرعيا له، حيث ترى أن الإصلاح يبدأ من السلطة، والنظام السياسي، فراحت الحركة تمهد لقيام دولة إسلامية عندما رفعت شعار: "الخلل في التطبيق" "الإسلام هو الحل" أو "القرآن هو الحل"، على أمل العودة له واستنطاقه في ظل مستجدات العصر وحاجاته، أي أنها طرحت برنامجا سياسيا، بعد أن حصرت الأصلاح بالسلطة. وهذا يعني أن استراتيجية الحركة تقوم على استدعاء النموذج الإسلامي للسلطة، والإكتفاء بالقرآن مصدرا للتشريع، فلم تأخذ من الغرب سوى تطورهم التكنلوجي، وربما تقصد الحركة في أدبياتها، تكتيكا مؤقتا إلى حين استلام السلطة وتقديم نموذج تكنلوجي إسلامي!!!. فالإسلام وفقا لهذه النظرية شامل كامل، وما علينا سوى استنباط الأحكام من نصوصه لإرساء مختلف الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فهو اتجاه سلفي، مع تلميع صورته بدعوى الانفتاح الحضاري، وهذا الاتجاه لا يعترف بالآخر، ويراهن على مصادره المعرفية خاصة. ورغم إيمان الإخوان المسلمين بالعلم ومعطياته، لكنهم عملا يقتصرون على النص، في تشييد نظريتهم في السياسة والحكم، وكافة العلوم الإنسانية. لذا قاموا بأسلمة هذه العلوم. وقد صدرت بالفعل كتب تولت التنظير لهذه الجوانب. لكنها أخفقت بتشييد علوم إنسانية مستقلة، وبقيت تدور حول ذات النظريات الغربية وأسلمت مضامينها. فجاءت مشوهة، بسبب اختلاف المرجعيات التي ترتكز لها تلك العلوم. وبالتالي عاد المفكر الإسلامي للنص يستنطقه ويستنبط منه نظرياته، بعض يعتقد أن ما في النظريات الغربية موجود في نصوصنا المقدسة وتراثنا، وما علينا سوى بلورتها نظريا. وآخر لا يعتقد ذلك، لكنه يرى إمكانية استنباطها من المصادر الإسلامية. فكلاهما يعتقد بإمكانية أسلمة العلوم الإنسانية الغربية جميعا. حتى أن بعض تلك المنجزات غدت بمرور الأيام مرجعيات مقدسة. وراح الخطاب الديني الحركي يفرضها على الآخر كحقائق نهائية، مما يبيح له تكفيره، في حالة رفضها أو طرح ما يختلف معها. فقاموا بأدلجة الخطاب الديني بعد أن اكتملت نظرياتهم في السلطة والحكم (الحاكمية الإلهية لأبي الأعلى المودودي، وجاهلية القرن العشرين للسيد قطب). وكان الأخير، المنظّر الفكري لحركة الإخوان المسلمين وراء ترسيخهما وتسويقهما. فجاءت تنظيراته عنيفة، مغموسة بالعنف ونبذ الآخر، وتصنيف الناس وفق ميزانٍ يجافي بديهات الفكر الديني. ثم تبنت الحركات الإسلامية الواعية بشكل عام (سنية وشيعية) هذا الفكر، وهي حركات تربّت في أحضان فكر وثقافة الإخوان المسلمين، ذلك الفكر الظلامي الذي نظّر له سيد قطب في ضوء نظريته جاهلية القرن العشرين والحاكمية الإلهية. فالحركات الإسلامية جميعا تبنّت ثقافة نبذ الآخر وتكفيره (صرحوا أو لم يصرحوا)، ثقافة تؤمن باحتكار الحقيقة مطلقا. ولا استبعد تأثير الظروف التي مر بها سيد قطب داخل المعتقل وما تعرض له من تعذيب جسدي ونفسي، انتهى بإعدامه. فالفرد لا يشعر بتأثيرات النفس، وما تختزنه من مشاعر.

وبعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران اختطف بريق الخميني عقول الإسلاميين فمارس الجميع العنف بشكل وآخر. بل أكاد أجزم أن جميع أفراد الحركات الإسلامية قد استعد للموت بعد قناعة ترسخت بضرورة استخدام العنف لإسقاط الحكومات الكافرة، واستنساخ ثورة الإمام الخميني في بلدانهم. فساد الخطاب الأيديولوجي ثقافة الحركات الإسلامية في جميع أنحاء العالم، وكانت تبعات الوعي الأيديولوجي المتطرف مزيدا من سفك الدماء البريئة، وتشويه سمعة الدين إلى الأبد بحجة إقامة دولة دينية.

لكن سرعان ما أفاق قادة الحركات، بعد اقتراف أعمال العنف وسقوط عدد كبير من الضحايا، خاصة قادة الإخوان في مصر، في ثمانينات القرن الماضي، فحدثت قطيعة مع فكر سيد قطب وأبي الأعلى المودودي (باستثناء الحركات التكفيرية)، بعد مراجعات نقدية صارمة قام بها قيادات حزب الإخوان، فكان السؤال عن شرعية الدماء التي استُبيحت من قبل الإسلاميين ومدى جدواها، وما هو مصدر اندفاع الشباب نحو الموت حاضرا في نقاشاتهم الفكرية – العقائدية.

 

جاهلية المجتمع

يعتبر سيد قطب المجتمع الاسلامي الراهن، مجتمعا جاهليا تجري عليه احكام الجاهلية ابان الدعوة الاسلامية!!! أي يجب التعامل معه على أساس أنه مجتمع كافر معادٍ للاسلام والرسالة، سلوكا وعقيدة. فهو يرى: (إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها. جاهلية لا تخفف منها شيئا هذه التيسيرات المادية الهائلة، وهذا الإبداع المادي الفائق!. هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية. إنها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أربابا، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى ، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع ، بمعزل عن منهج الله للحياة ، وفيما لم يأذن به الله .. فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان الله اعتداء على عباده وما مهانة الإنسان عامة في الأنظمة الجماعية، وما ظلم الأفراد والشعوب بسيطرة رأس المال والاستعمار في النظم الرأسمالية إلا أثر من آثار الاعتداء على سلطان الله، وإنكار الكراهة التي قررها الله للإنسان) (كتاب معالم في الطريق).

فالإرهاب الديني قد نظّر له سيد قطب في مفهومي جاهلية القرن العشرين، والحاكمية الإلهية التي أخذها عن أبي الأعلى المودودي وطوّرها. وهذان المفهومان يكفّران الشعوب المسلمة فضلاً عن تكفير الحكومات التي يجب مقاومتها حسب عقيدة سيد قطب، الذي اتسمت كتاباته بروح ثورية يعشقها الشباب حد التضحية بإيمان صارم. وسيد قطب أديب، يمتلك لغة أخاذة ألهبت مشاعر الشباب ودفعتهم للعنف وارتكاب جرائم القتل من أجل إقامة دولة إسلامية، فكان السبب في كل إراقة دماء المسلمين، ومن يراجع أدبيات الحركات الإسلامية، خاصة كتب سيد قطب تحديدا، ويقرأ لغته المتدفقه، وهو يصف كفر المجتمعات المسلمة، وكفر حكوماتها، ونهاية من يتقاعس عن محاربتها، يستطيع أن يفهم ظاهرة الانتحار، واقتحام الموت باشراقة واثقة. (أنظر كتاب تحديات العنف)

اتضح أن خطاب الحركات الدينية لا يختلف عن الخطاب الطقوسي في تقنيات الخطاب، فكلاهما خطاب أيديولوجي يقصد العاطفة والوجدان، واستغفال العقل، وغلق منافذ الوعي في تمرير رسالته، والتستر على مضمراته، وما استبعده أو سكت عنه. فينبغي التخلص من الخطاب الأيديولجي المضلل، وهو يفرض علينا رؤيته كنهائيات يرفض التفاوض حولها، ويتستر على هدفه السياسي، بمهارة ثورية، ولباقة أدمنها في مواعظه وحكمه. الحركات الإسلامية حركات سياسية وهدفها هدف سياسي بامتياز، وحينما تضطرها أولويات السياسة التنازل عن مبادئها وقيمها تتنازل بذريعة المصلحة العليا، ومصلحة الإسلام، والحفاظ على الدولة الإسلامية، وحقيقتها مكاسب سياسية ومادية يريد الخطاب الأيديولوجي التستر عليها، كي لا يفقد شعبيته وقواعده.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

اولا لا بد من تقريظ المنهج التحليل وصفي الذي يتبعه الغرباوي في هذا الجواب المتزن و الواضح.
ثانيا نعم اعتقد ان الايديولوجيا المتعنتة بلوى و شر مستطير،
لنبدأ من الطرف البعيد، الماركسية، كان بيوتر فيدوسييف ينعى على غارودي جهله لأنه يبشر بنظام لا يفرق بين الية العمل الجماعي و الطبقة العاملة بمعنى انه ساوى بين عمل النخبة و عمل الفنيين و العمال في ساحات الانتاج،
و اعتبر ان هذا اختراق خطير يلغي دكتاتورية البروليتاريا،
لكن الماركسية منظومة افكار تبني على هيغل، و بنى عليها لينين لاحقا، واعاد تفكيكها ألتوسير. و ماشري و ايغلتون.
و لم يخنقها في مهدها غير الايمان بحرفية البيان الشيوعي،
مثلا ان تناقضات وصول الرأسمالية الى الامبريالية ستتسبب في ثورة يمكن ان تكتسح الغرب و تمهد لنظام اممي، لاحقا،
العكس حصل، لقد أدت تناقضات البيروقراطيين و العسكر لخراب المنظومة السوفييتية، و صعود الغرب الامريكي على انقاضها و ابتلاع بولندا و تقسيم يوغوسلافيا و الاستيلاء على اوكرانيا و تأزيم جورجيا و الحبل على الجرار،
انها مأساة الايمان بحرفية النص دون الأخذ بروحه،
و هذه هي أزمة القوميين العرب، لم يجدوا فرقا بين العروبة المتأسلمة و العروبة المستنيرة، و وضعوا شرط الوحدة في المقدمة، و ها هي النتيجة الاسلاميون و السلفيون يضربون بالحدود عرض الحائط و القومية العربية تزداد سقوطا في اوحال التجزئة،
ان صعود الايديولوجيا شيء خطير و يحتاج اي برنامج لمراجعة و تصويب و تنقية تاريخية و اجتماعية،
انما لدي ملاحظة، المودودي و سيد قطب من الأسماء المكشوفة التي نعلم جميعا سقطاتها و زلاتها، و ايضا قفزها من مربع الى مربع في لوحة الشطرنج، من النقد الادبي الى الدين ثم السياسة، او من الفكر الديني الى السياسة الدينية و التربية الدينية و هلم جرا، اين الآخرون؟؟، لماذا لا يضرب الاستاذ الغرباوي أمثلة معاصرة من فكر البغدادي و الجولاني (رموز السلفية المعاصرة) او حتى من افكار الدعاة المعاصرين مثل عمرو خالد و محمد حسان و اخرين، لنعرف أثر النقل على العقل، و دور تناول الافكار ضمن مربعات حديدية تحتاج لتطويع و طرق بمطارق ساخنة . ناهيك عن قادة حماس الذين لعبوا على حبل الممانعة ثم الثورة، و كأن فلسطين ترمومتر سياسات، لقد اقاموا في سوريا و انتقلوا الى مصر ثم عادوا الى ايران و قطر، و عن ماذا يبحثون لا اعلم بالضبط، عن النقود السائلة ام عن المشاكل التي لا تنتهي بسبب التخلف و التبعية. و شكرا،

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الدكتور ماجد الغرباوي على هذه المقالات التوضيحية الرائعة للخطاب الديني المتخلف و المتطرف و الذي أثرّ على سمعة الاسلام و كذلك على السلم الاهلي للمجتمعات الاسلامية. و شكراً الى الاخ الدكتور صالح الرزوق على تعليقه.

في هذا التعليق احببت ان اعلق بشكل مختصر على نقطتين اعتقد انهما اساسيتين في فهم الدين لانهما مترابطتان مع بعضهما البعض.

1- النقطة الاولى تعليق على الايات التي وردت في المقالة اعلاه .

(إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

و الاية الثانية:

(فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ)

2- و النقطة الثانية تتعلق بالناسخ و المنسوخ في الاسلام ؟؟

1- النقطة الاولى تعليق على الايات التي وردت في المقالة اعلاه .

اعتقد ان معظم رجال الدين لا يفقهون في امور الدين؛ و لذلك يستعملون هذه الايات التي تحرض على القتال و لكن لا يعرفوا لماذا نزلت و ماذا تعني؟؟.

ان الاية ((إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

هذه الاية وردت في سورة المائدة رقمها 33. لكي نفهم هذه الاية علينا ان ننظر للاية التي قبلها اي 32 و كذلك التي بعدها اي 34 من سورة المائدة و هي كما يلي:

سورة المائدة الايات 32؛ 33؛ 34
32-مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ

33- إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ

34-إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

من هذه الايات يتضح بشكل جلي انها تتعلق ببني اسرائيل في ذلك الوقت الذين كانوا يقتلون المسلمين و يحاربونهم ؛ كما موضح في الاية 32 و كذلك الاية 33 ( يحاربون الله و رسوله) كما موضح في الاية اعلاه. و لكن شرط حرب هؤلاء هو انهم ينكثون الوعود و يحاربون دين الله الجديد و ذلك بقتل المسلمين. و ان الله استثنى الذين تابوا منهم كما موضح في الاية 34.
هذه الاية لها بعد زمني و مكاني و هي تختص بظروفها الخاصة بها و لا اعتقد انه من الصحيح انها وجدت لكي تحرض المسلمين على القتل على مر العصور . لان ذلك يتعارض مع آيات قرآنية اخرى و كذلك مع مفهوم الدين الاسلامي الذي اراده الله و حرفه رجال الدين.

امّا الاية الثانية ((فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ)

الاية اعلاه وردت في سورة التوبة ورقمها 5. لكي نفهم هذه الاية بشكل صحيح علينا ان ننظر للايات التي قبلها اي (رقم4) و التي بعدها اي رقم 6 و 7.

سورة التوبة الاية 4؛5؛6؛7

4-إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ

5-فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

6-وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ

7-كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ

هذه الايات المذكورة اعلاه تتناول المشركين الذين كانوا يقطعون الطريق على المسلمين و يقتلونهم و يمنعونهم من الذهاب الى "المسجد الحرام". ان الله لا يأمر بالقتل ابداً الاّ الذين ينتهكون حرمات المسلمين و ينقضون عهدهم معهم. و لو نظرنا للايات بشكل متسلسل لوجدنا ان الله يستثني المشركين الذين لا ينقضون عهدهم. ان هذه الايات كذلك لها بعد زمني و مكاني "المسجد الحرام"!!.
هذا فهمي للايات اعلاه.

لكي يتضح المعنى المراد من ايات القتال و شروطها ادرج الايات التالية كأمثلة توضيحية على دلالاتها. .

سورة البقرة البقرة الايات 190 و 191 و 192

190- وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ

ان الله يمنع الاعتداء و لكن شرط القتال هو الدفاع عن النفس " قاتلوا الذين يقاتلونكم" و" لا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين".

191-وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ

هذا كذلك يؤكد على مهاجمة المشركين للمسلمين في المسجد الحرام.

192- فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

قتالهم حتى تنتهي الحاجة للدفاع عن النفس.

سورة المائدة الايات 86 و 87

86-وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ

87-يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ

سورة التوبة الايات 12 و 13 و 14
12-وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ

الاية اعلاه تبين نكث الوعود المكتوبة مع المسلمين.

13-أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

هذه الاية كذلك تتكلم عن مهاجمة المشركين للمسجد الحرام و محاولتهم اخراج الرسول من المسجد. و ان الله يقول في الاية اعلاه "وهم بدؤوكم اول مرة" ؛ اي انهم بدأؤا بمهاجمتكم ؛ و ان الله يقول للمسلمين في شد عزيمتهم "اتخشونهم فألله احق ان تخشوه ان كنتم مؤمنين". و هذا يدل على ان المسلمين كانوا مسالمين و كان قتالهم هو ردة فعل للدفاع عن النفس و هذا شيء شرعي في كل الاديان السماوية و الوضعية.

14-قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ

2- و النقطة الثانية و هي الناسخ و المنسوخ؟
لا اعتقد انه يوجد ناسخ و منسوخ في القران. اي ان بعض الايات تنسخ البعض الاخر. ان الله على كل شيء قدير و هو عالم في كل الامور قبل ان تحدث " كل مفاتيح الغيب عنده". فكيف يغير رأيه بين الحين و الاخر. و هذا لا اعتقد صحيح و اعتقد انه ولدّ لنا سوء فهم لايات الرحمة و التي يقال ان ايات السيف حلت محلها؟؟؟.
حسب فهي البسيط لا اعتقد ان هذا الشيء قد حدث. و كيف عرفنا ان اية السيف حلت محل ايات الرحمة؟؟؟؟. نحن التسلسل الزمني و المكاني للايات القرانية لا نعرفه ؛ فكيف عرفنا ان اية السيف او التوبة حلت محل ايات الرحمة المتعددة؟؟؟. و اذا كان هذا صحيحاً ان ايات السيف حلت محل ايات الرحمة فلماذا ايات الرحمة موجودة في القران؟؟؟.

صحيح انني لست متخصص في امور الدين و لكن نظرة سريعة لايات القران اعطتني فكرة مخالفة عن الفهم السائد.!!!.
من خلال مطالعة الايات وجدت ان النسخ ورد في سورة البقرة الاية 106 و كذلك في سورة الحاثية الاية 29. لا اعرف هل وردت في ايات اخرى؟؟.

تعالوا معي نتفحص سورة البقرة . لكي نفهم هذه الاية اي سورة البقرة 106 علينا ان ننظر الى الاية التي قبلها اي 105 و كذلك الاية التي بعدها اي 107.

سورة البقرة الايات 105 و 106 و 107

105-مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

106-مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

107-أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ

اعتقد ان الاية اعلاه تتكلم عن اهل الكتاب الذين يعارضون الدين الجديد. و هنا اعتقد ان "النسخ" يقصد الله به نسخ ما موجود في الايان التي سبقت الاسلام. اي الديانات اليهودية و المسيحية. يقول الله لهم ان كتبكم نسخت و حل محلها القران و دينه الجديد. و هذا موضح بشكل اكثر في سورة الجاثية الايات 28 و 29 و 30

سورة الجاثية 28؛ 29؛ 30

28-وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

29-هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

30-فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ

يرجى التمعن بالايات المتسلسلة اعلاه لفهم المغزى منها. في الاية 29 "كل امة تدعي الى كتابها" ؛ و في الاية 30 " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق----". و اعتقد ان هذا يدل على نسخ القران للكتب السماوية التي سبقته.

آسف على الاطالة و الاسهاب
ارجو توجيهي على الشيء الصحيح اذا كان هذا الرأي خطأً.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

القران او الكتاب جاء مصدقا للكتب السابقه ومهيمنا عليها وليس بناسخ لها

This comment was minimized by the moderator on the site

الاخوة الاعزاء د. صالح الرزوق ود. ثائر عبد الكريم. كل الشكر لمتابعتكم الحوارات ومداخلاتكم القيمة. خالص احترامي وتقديري

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية تقدير واحترام للاستاذ الدكتور ماجد الغرباوي وتحية لكل الذين شاركوا في ابداء ارائهم فيما يطرحه الاستاذ الفاضل الغرباوي

استاذ ماجد انك تقول آيات الحرب واقعا لم يكن مقصودا حين نزولها، بل كانت ناظرة لقضية خارجية محددة، وهم مجموعة المشركين الذين حاربوا الرسالة وشخص النبي بعناد مرير، وغدروا ونكثوا العهود والمواثيق، ورفضوا التفاوض السلمي. فهي حالة خاصة جدا، لا يمكن تطبيق أحكامها على غيرها. 
فاذا كانت ايات الحرب حالة خاصة وتعني محاربة المشركين الذين حاربوا الرسالة وشخص النبي
اذن فما معنى الفتوحات الاسلامية وخصوصا في عهد عمر ابن الخطاب والتي راح ضحيتها الاف المسلمين وخلفة الاف الارامل والايتام هل كانت لاستعراض العظلات وبيان قوة وهيبة المسلمين ام كانت من اجل الحصول على الغنائم وفرض الجزية لتعزيز الاقتصاد انذاك او من اجل سبي النساء وتوزيعهن على كبار المسلمين ومن ثم توزيع ماتبقى على المجاهدين
فما كان موقف علي بن ابي طالب حينها لماذا لايعترض وهو العالم بكل اية من ايات القران وهو امين الوحي وخازن علم بيت النبوة وما تحتويه كل سورة واية من معنى فهل كان راض على تلك الفتوحات ام كان معترضا

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية لك ابا سجاد، طالما سجلت تحفظي على جميع الفتوحات والحروب، وذكرت أدلتي كاملة في كتاب تحديات العنف، وقلت صراحة لم تعد ايات الحرب والجهاد فعلية بعد انتصار الدين، لان موضوعها نصرة الرسالة وقد شهد القران صريحا بانتصارها اذا جاء نصر الله والفتح ورايت الناس يدخلون في دين الله افواجا. فالحرب ليس فريضة بل ضرورة فرضتها عدوانية قريش وخيانة حلفاء المسلمين. لكنهم جردوا تلك الايات تارخيتها بالنسخ، وقالوا ان ايات الرحمة والسلم والدعوة بالتي هي احسن قد نسخت، باية السيف. كما ان الدفاع عن النفس والارض مشروع لا يحتاج لايات قرانية وتوريط الدين بها، واغلبها حروب سياسية ومصالح حزبية وشخصية
المهم الكلام مفصل ارجو الاطلاع على ما كتبته هناك بكامل ادلته، تحياتي وشكرا لبناهتك وسؤالك المهم

This comment was minimized by the moderator on the site

اتوجه بالشكر للأخ ماجد و الدكتور صالح الرزوق ولمن شارك في التعليق، أودّ ان اختصر تعليقي بان مشكلة الأيديولوجيين سواءً كانوا شيوعيين ، قوميين، او اسلامويين، فهم جميعا يقيسون الأفكار على مسطرة خاصة بهم كما كان يقول استاذي الراحل الدكتور علي الوردي، وهذه مشكلتهم التي غالبا ما أدت وتؤدي الى صدامهم العنيف و المستمر مع الآخر المختلف معهم فكرياً.

This comment was minimized by the moderator on the site

مداخلة قيمة من الاخ الروائي المحترم صالح البياتي. لا اختلاف بين أيديولوجيا واخرى، فالتداعيات واضحة وقد اشرت لذلك، ثم ركزت على الايديولوجيا الدينية لخطورتها، وقدسيتها كما تفضلت. تحياتي مع احترامي

التعديل الأخير على التعليق تم في قبل 9 اشهر بواسطة admin admin
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4198 المصادف: 2018-03-04 07:11:43