المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (71): النص والتسويات الرمزية

majed algharbawi6خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والسبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق26- س73) الحديث عن مفهوم النص

  

التكوين الدلالي

ماجد الغرباوي: النظام القبلي، نظام طبقي، يحتفظ فيه الأشراف أو الملأ بامتيازات واسعة، ويستأثر سادته بالسلطة والمال والثروات. ولكل قبيلة مكانة تعكس قوة حضورها وتأثيرها. ترتهن فيها لعدد بطونها، وشجاعة أفرادها، ومكاسبها المسلحة، وبلاغة شعرائها، وقدراتها الاقتصادية، وسعة الأراضي التي تنتشر فوقها، وطبيعة علاقاتها بالجوار والقبائل الآخرى، ومدى ثقة الناس بها من خلال استجابتها للملهوف والمحتاج والمستجير، وعوامل مختلفة. لكن الأهم في العلاقات القبلية شيئان، الأول: لا قيمة للفرد خارج قبيلته، مهما كانت مكانته، فهي هويته وملاذه ومصدر قوته وعزته، ومن تلفظه يغدو صعلوكا مشردا يفقد أبسط مقومات الاحترام.

الثاني: لكل قبيلة رمزية تمثّل هيبتها وحيثيتها وقدسيتها، تستمدها من مكانتها ومن الصورة الذهنية المرتسمة في وعي المتلقي، والثقافة القبلية والبيئة الاجتماعية، وما يحف بها من دعايات وأوهام ومبالغات. والرصيد الرمزي لكل قبيلة تراكم تاريخي ومكاسب اعتبارية. ولا شك بقوته وتفوقه على الرصيد المادي. فقد تضعف القدرات المادية للقبيلة لكنها تحافظ على هيبتها وتماسكها، كالعملة النقدية التي تستمد قوتها من رمزية الدولة رغم تواضع غطائها من الذهب والعملات الصعبة. فتجدها مستقرة عكس عملات دول أكثر ثراء، وأضعف استقراراً.

 

التكافؤ الرمزي

تُعد قريش أكبر القبائل العربية، حيث بدأت تتمركز في مكة ونواحيها على يد قصي بن كلاب. ثم اكتسبت مكانة أكبر من خلال رعايتها للكعبة والمسجد الحرام، وتعاطيها الاجتماعي والاقتصادي، فترددت أصداؤها في أرجاء القبائل العربية المنتشرة في الحجاز وخارج الحجاز، ثم جاءت العلاقات الاقتصادية ورحلات الشتاء والصيف للشام وبلاد الحبشة فأكسبتها رمزية أكبر، فصار الانتساب لقريش امتيازا اجتماعيا، أذعنت له جميع القبائل العربية في عاداتها وتقاليدها. وخلق شعورا داخليا لدى جميع القريشيين كرّس الروح القبلية والتمايز الطبقي والعنصري، فقريش بنظر أبنائها سادة العرب، وأعلى شرفا ومكانة، ولا يليق بهم سوى السلطة والعز والسلطان. وقد رضخ العرب لهذا الواقع وتعاملت معهم القبائل على أساس أنها قريش سادة العرب. لذا كانت تعزز مكانتها باستمرار، وتقاوم التحديات، دون التفريط بمكانتها، وقد فاوض سادتها النبي من منطلق السلطة واستعدوا للتنازل عنها لتبقى في قريش، لكنه رفض. كما رفض عرضا مماثلا لكندة وبني علم بن صعصعة، فهو ليس سلطانا بل نبياً.

كان لقريش ما يبرر قلقها، فالدين الجديد استهدف وجودها، ورأسمالها الرمزي وسيادتها، وهدد رصيدها ومكانتها، ولا مجال للتسويات معه، بفعل الفارق الرمزي، الذي هو ذات الفارق بين الإلهي والبشري، والمائز بين الغيب والحضور المادي لعقائدهم. هو نبي يوحى إليه، ودعوته دعوة إلهية، لا يبغي مالا ولا سلطانا. بينما تستمد قريش رمزيتها الدينية من رعايتها للمسجد الحرام وبيت الأصنام، وتعهّد الحج وخدمة الحجيج، وكلها مناصب تشريفية، اعتبارية، ليست حقيقية، وقد تُنتزع منهم في لحظة ضعف قبلي. فلا تكافؤ بينهما. فهي دعوة تحدٍ حقيقي،. لذا عرضوا عليه المال والسلطان للتراجع عنها، لكنه أبى وخاطب عمه أبا طالب: (والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته). وما يؤكد قلق قريش على رصيدها الرمزي وسيادتها أنها ركّزت في حملتها الإعلامية المضادة على تسفيه أحلامه والاستخفاف بعقله، فقالوا: إنه ساحر، مجنون، شاعر، كاهن، يعلمه بشر. لزعزعة اليقين في نبوته. ولم تركّز على موضوع السلطة السياسية، ولم تستخدم ما يخصها من مصطلحات. فيصدق أن معارك قريش لتدارك رأسمالها الرمزي وحماية سلطتها وسيادتها، لذا رفعت شعارات دينية: "اعلوا هبل". كمعادل موضوعي، لكن النبي رفع شعارا صاعقا: "الله أعلى وأجل". وهذا يكشف قوة الرمز الديني في مقابل الرمز القبلي، فقريش المسكونة بالمشاعر القبلية وجنون العظمة، كانت تستمد أغلب رمزيتها من رعايتها للشعائر الدينية. بل يبدو أنها المقوّم الحقيقي لها ولسيادتها. فتخشى تفككها وانهيارها بتلاشي السيادة الدينية. وهو شعور عميق لدى جميع قريش، فمن اعتنق الإسلام، إما أن يكون صادقا في إيمانه، لكنه لم يتخل عن شعوره القبلي، وبقي يعتز بقريش ويتمنى عودة سيادتها وعزتها ومكانتها.. وإما إسلام براغماتي، يخطط للسلطة من خلال الدين الجديد. فلم يتخلَوا عن شعورهم الفوقي، وظل ملازما لهم بعد إسلامهم. فمحمد من قريش ومن سادتها، وكل ما في الأمر أن الرصيد الرمزي انتقل لأضعف بيوتاتها. هكذا أقنع أبو سفيان نفسه بعد فتح مكة، فثمة فرص أمامه لاستعادة السلطة، لذا خاطب علي بن أبي طالب بعد أحداث السقيفة: "إبسط يدك أبايعك، والله لأملأنها خيلا وركبانا". وهذا يؤكد تقدم الولاء القبلي على الولاء الديني في أعماقه.

وبالتالي، رغم مركزية قريش ورمزيتها، لكن تبقى سلطتها بشرية وليست إلاهية، مهما كان مستوى رعايتها للشأن الديني، وقد قللت الآية الكريمة من قيمتها: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). فهو عمل تشريفي ليس أكثر، وليس تنصيبا إلهيا، ولا بمستوى الجهاد والأعمال الصالحة الكبيرة.

وأما بالنسبة لرمزية محمد بن عبد الله، فهو من أشراف مكة، وسادتها، وسدنة الكعبة. وحماة العرب، وملاذ الناس والوافدين للحج أو التجارة، وقد كسب ثقة المجتمع المكي وسادته، من خلال أخلاقه وسلوكه، فانتزع اعترافا رمزيا به. وعندما بعث رسولا، كان رفيع النسب، جليل القدر، عظيم المنزلة، لهذا كانت القبائل تستقبله وتتفاوض معه من هذا المنطلق، فهم لا يعرفون عن دينه وتوجهه الجديد سوى محمد بن عبد الله من سادة قريش. فكانت رمزية قريش حاضرة في شخصيته. ثم راح يتألق باتجاهين، الأول لدى قريش والعرب عامة باعتباره نبيا، مرسلا، ومعارضا كبيرا لدياناتهم وولاءاتهم، وتحدٍ صارخ لأصنامهم وأوثانهم، وقد تحرش بقدسيتهم ومكانتهم الرفيعة. ففرض نفسه رقما لا يستهان به راح يقوى بعد كل انتصار عسكري على قريش وحلفائها، حتى تداعت سلطتهم بعد فتح مكة.

والاتجاه الثاني، رمزية الرسول من خلال الوحي، ذلك المفهوم المهول في دلالاته وقدسيته. فالعرب ينسبون كل إبداع للجن والشياطين والأرواح والقوى الخارقة، فكيف بشخص يوحى إليه، ويسمعون منه ما يدهشهم؟. وهذا بحد ذاته رصيد رمزي هائل يستمد قيمته من انتسابه للإلهي والسماوي. ورمزية أخرى من خلال حضوره القوي في الوجدان الإيماني، وفي قلوب المؤمنين برسالته: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، وهي رمزية دينية وروحية تستمد صدقيتها من النبوة وشخص النبي، فكان لها أثر كبير في انتصار المسلمين. والنبي كان يتمتع بكاريزمية مميزة، إضافة إلى هيبته وقدسيته وهو يتلو ما يتنزّل عليه من الوحي كدليل على صدقية نبوته. وبالتالي فالرصيد الرمزي له رصيد مقدّس، ينفتح على آفاق التأويل فتهيم فيه النفوس المؤمنة، وتستمد منه إيمانها وتقواها. فنجحت شخصيته في خلق أرضية وحاضنة تتجلى فيها رمزيته. تلك التجارب الروحية التي ارتبطت به ارتباطا متيناً. فراحت تستمد منه ما يعمّقها ويصقلها، وبالوقت ذاته، تترسخ القيمة الرمزية في أعماقها. خاصة أن العربي مسكون بالتقديس، يتماهى مع المثيولوجيا، بسبب بيئته وثقافته، فهي ثقافة وصفية - بيانية، تهيم بالوصف دون التوغّل في أعماق الظواهر الحياتية. وما الشعر وكثرة الكهانة والأديان والنبوءات إلا دليل على ما نقول. فجميعها ينتمي للوصف والهيام في الظاهرة. دون النقد والتحليل واكتشاف حقائق الأشياء، بل يهيم العربي بالغيبيات والتأويلات الماورائية، ويؤمن بالأرواح والشياطين والجن والقوى الخارقة، ويكتفي بنسبة الظاهرة لها للتعبير عن عجزه عن فهم حقيقتها. فجزء من قدسية قريش تعود للمخيال العربي الذي يحتفظ بصورة مضخّمة لقريش ورمزيتها.

وتجلت رمزية النبي أكثر في تطور التجربة الإيمانية للمؤمنين، التي ارتقت إلى مستوى الرسالة بفضل حضوره الروحي الكبير (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ)، (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ). وبالتالي فهيمنته ورمزيته تستمد حقيقتها ووجودها من انتسابها للغيب، الذي يتصف بقوة حضوره في النفس العربية، التي تذهلها القوى الخارقة، وتقف أمامها مستسلمة. ثم ترسّخ إيمان الصحابة بإلهية الدعوة ورمزية النبي. وبالفعل طالما أكدت الآيات: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، وقد صدق دعواه بالوحي وما نزل عليه من القرآن، (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). فسلطته سلطة إلهية حقيقية (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا)، ولم يجعلها لأحد من بعده: (وَلَكِنْك رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). وبوفاته أنتهت سلطته الدينية، وما لازمها من سلطات سياسية واجتماعية. ولا طاعة مطلقة لأولي الأمر. وهذه هو الواقع، وهذا ما نحتاجه للتمييز بين الإلهي والبشري في شرعية السلطة في ظل تزوير مقصود لحقيقتها.

 

الموقف القَبَلي

بدأ الصراع حول السلطة داخل سقيفة بني ساعدة، حينما تصدى لها الأنصار، كاستحقاق طبيعي لجهادهم وتضحياتهم، حتى تخلوا عن غنائم معركة حُنين استجابة لأمر الرسول، وقد أوصى بهم خيرا، وطالما أشاد بتضحياتهم وجهادهم وإخلاصهم، له شخصيا وللرسالة. وكان خطاب الصحابة في بداية الأمر وديا، إسلاميا، بين طرفيه المهاجرين والأنصار: "يا معشر الأنصار"، "يا معشر المهاجرين". ثم انقلب إلى منطق قَبلي: قريش وغيرها، عندما طرح الأنصار ضمن مفاوضات السلطة شعار: "منا أمير ومنكم أمير". حيث رفض أبو بكر بن قحافه وعمر بن الخطاب وأبي عبيده مشاركة الأنصار في السلطة. وأصروا على تفرّد قريش بها، وروى الأول عن النبي حديثا أنهى آمال غيرهم وإلى الأبد، حيث قال سمعت رسول الله يقول: ("الخلافة" أو "الإمامة" في قريش). وقد راهنوا على صورة قريش في الوعي العربي، فهم سادة العرب، ومحمد منهم، والكل يعرف ذلك، وقد أذعنت جميع القبائل لمنطقهم، ولم يتفاجأوا من كلامه رغم عدم قناعتهم. فالحديث المروي عن الرسول أسس لشرطية قريش في السلطة، وقد أعتمدها الفقه السياسي والسلطاني للمسلمين. وبالتالي فسلطة أبي بكر سلطة بشرية وليست إلهية، اكتسبت مسحة شرعية من خلال الحديث الشريف، وهو أول توظيف سياسي للدين لصالح الرأسمال الرمزي القبلي. وهذا هو المتواري والمتستر عليه تاريخيا عن أحداث السقيفة وخلفيات السلطة والحكم عند المسلمين. التاريخ صوّر النزاع نزاعاً مطلقاً بين الصحابة، وهذا صحيح في بدايته لا في استمراره، فإنه صراع بين قريش.

ثم راح لقب "خليفة رسول الله" يكرس الصفة الإلهية، من خلال ذات اللقب، وأصبح للخليفة ما للرسول من سلطات، بلا أي دليل، آية أو رواية تدل عليه، سوى إيحاءات اللقب ومفهوم الخلافة والخليفة. ثم جاءت حروب الردة التي حسمت باسم الدين ومفهوم الردة قرآنيا. وهو توظيف ثالث للدين من أجل أهداف سياسية وسلطوية. لكن هذا لا يغيّر الحقيقة، فسلطة الخليفة الأول ومن جاء بعده سلطة بشرية مهما كانت إيحاءات مفهوم الخلافة في وعي المسلمين، وقد حسمت داخل سقيفة بني ساعدة ولم يحضرها سوى هؤلاء الثلاثة من كبار المهاجرين، ثم بايعهم الحاضرون. وهكذا الأمر في عهد عمر، حيث بايعه المسلمون بناء على تعيين من قبل أبي بكر، رغم اعتراض بعض الصحابة، وكان هذا ثاني خلاف بينهم. ثم جاء عثمان بشورى قريشية، استبعد منها عمر جميع الأنصار رغم مكانتهم وتقدمهم في الإسلام. وقد حاول نسبتها لله تعالى لكنه فشل في إقناعهم وقتلوه، حيث قال: (لا أخلعُ قميصا ألبسنيه الله). ولم تقنعهم الإحالات الرمزية لكلامه. وعلي بن أبي طالب جاء بالانتخاب والبيعة، ولم يدع وجود نص بخلافته، وكان بأمس الحاجة له لإثبات أولويته، وقد حاجج القوم بذات المبدأ القبلي الذي حسمت بموجبه قريش السلطة. فقال: إذا كان ملاك السلطة القرب من رسول الله فنحن أهل بيته، وقد احتج بعض الحاضرين في السقيفة بنفس هذا الكلام وقال إذاً فعلي بن أبي طالب أولى!. لكن المشكلة أن البيت الهاشمي أضعف البيوت، فلم ينحز مع علي وموقفه الرافض لخلافة أبي بكر سوى أهل بيته والزبير والصحابة ممن عرف مكانته وقربه من رسول الله. وفاز الآخرون بثقلهم القبلي ورأسمالهم الرمزي ومكانتهم في نفوس العرب. وقُتل علي في صراع مرير على سلطة زمنية، مصدر شرعيتها البيعة. وقاتل ولده الإمام الحسن لذات الهدف السياسي، وسارت ثورة ولده الثاني، الإمام الحسين وفقا للعبة السياسية وتقنياتها، فقد رفض بيعة يزيد بسبب سلوكه وانحرافه الأخلاقي والسلطوي. وبايعه أهل الكوفة بموجب كتب ورسائل انهالت عليه، ولم يثق بهم، وأرسل لهم سفيره وابن عمه مسلم بن عقيل، وقد بعث له يؤكد بيعتهم وإخلاصهم فسار وفقا لهذه المعطيات، وكاد يعود بعد أن سمع بمقتل مسلم، لكن الجيش الأموي عجعج به، ثم قُتل هو وأهل بيته في وقعة مأساوية قل مثيلها تاريخيا. رغم الرصيد الرمزي للحسين وأهل بيته عند المسلمين، وقد تشبث به في خطاباته مع الجيش الأموي، ونسب نفسه أكثر من مرة لأمه فاطمة الزهراء وجده المصطفى. واستخدم معاوية طرقا ملتويه لشرعنة سلطته، وقد استولى عليها بالقوة والسيف. فاستعان ببعض الرواة، والفقهاء وعلماء الكلام، ونظروا للقدر والجبر والإرجاء لحماية سلطته وشرعنة سلوكه. وتوارثها من بعده إبنه يزيد، وعدد من رموز بني أمية، وهكذا خلفاء بني العباس، والدولة العثمانية والسلطة الصفوية. فالسلطة هي السلطة زمنية لا دينية مهما نظّروا لها.

وكما تشبث الخلفاء برمزية قريش واستحقاقها للسلطة، كذلك تشبث الأمام علي، وذّكر المسلمين بقربه من رسول الله!! وأيضا كان الحسين يذّكر القوم بانتسابه له. أي كان يستجير برمزيته ورمزية جده، لكنها لم تنفع، لأن قريش أقوى حضورا سياسيا، ومحمد أقوى حضورا دينيا. ورغم كل الجهود المبذولة لتكريس الرأسمال الرمزي النبوي لأهل البيت لكن لم يحالفهم الحظ في السلطة. فربما كان الاستقطاب الرمزي القبلي أقوى من الاستقطاب الديني في السلطة. ثم جاء أصحاب الأئمة وراحوا ينسجون حولهم حكايات وخوارق لتعزيز رصيدهم الرمزي. ثم راح يتعزز أكثر من خلال مفاهيم عقيدية جديدة آمن بها الشيعة، كالعصمة والولاية وعلم الغيب ومعرفة اللغات ومنطق الطير والولاية الدينية والولاية التكوينية والمهدي الغائب، وغير ذلك.

 

الانقلابات الرمزية

اتضح مما تقدم أن صراع السلطة، هو الذي دفع النزاع باتجاه تعزيز المهيمن الرمزي، لتعويض نقص الأدلة الشرعية الصريحة. فالاستدلال على شرعية الخلافة أو الإمامة ما زال يرتكز للتأويل وروايات الفضائل والخرافة وتزوير مستمر للوعي وأوهام الحقيقة، والتشبث بالرصيد الرمزي. ولو بقينا نحن والأدلة فلا يوجد دليل عقلي ولا نقلي حول شرعية السلطتين الدينية والسياسية ونسبتهما للدين، فكلاهما سلطة بشرية، قامت على أدلة اجتهادية وكلامية. السلطة الدينية جعلٌ شرعي، فتحتاج دليل قرآني صريح. لأن كلا الولايتين الدينية والسياسية لله تعالى أصالة، باعتباره خالق السماوات والأرض، وتكونان لغيره بجعل خاص منه عبر آية من آيات الكتاب المجيد، وهو مفقود بالضرورة. لكن مشكلة المسلمين في رثاثة الوعي، وروح التقديس والانقياد، وعدم القدرة على تجاوز المقدسات المصطنعة.

كان الصراع محصورا بين المهاجرين والأنصار، ثم انتقل إلى صراع مرير بين قريش ورموزها: الحزب الأموي والحزب العلوي، الخلافة والإمامة. وما الانقسامات المذهبية والعقائدية سوى تحزّب لهذا الطرف أو ذاك من قريش، وكثير من الدماء أريقت فداء لقريش وسلطتها، فهي بالنسبة لهم ملك عضوض، وكل فتح أرض جديدة تضاف لمملكة قريش، حتى ذهب الأمر بسعيد بن العاص أن يقول ذات يوم: (إنما العراق بستان قريش). ويعتبر عمر بن الخطاب أكثر قريش قلقا على السلطة، وربما استبعد عليا خوفا من ضياعها. فعلي في نظر عمر رجل حرب وليس رجل سلطة، وقريش بحاجة لقائد سياسي يمسك بها، كي لا تخرج من حوزتهم. وكان سؤال العباس للرسول في مرضه بحضور الفصضل وعلي بن أبي طالب، سؤالا عن مستقبلهما السياسي وليس الديني: "أخبرنا يا رسول الله، هل لنا من الأمر شيء"؟ ولم يستفسر أحد من النبي عن مستقبل الدين، ومدى حاجته لإمام من بعده؟ فالسلطة هي مدار الخلافات التي عصفت بقريش واتهم بها الصحابة ظلما سوى أحداث السقيفة، وانطلت على المسلمين باعتبارها خلافات دينية. وقد انخرط الجميع باللعبة السياسية كل من موقعه وفهمه. وتمزقت الأمة وما زالت بسبب طموحات قريش. إن روح الانقياد والعبودية هي التي ساعدت على استمرار سيادة قريش في جبروتها وهيبتها ورمزيتها. ولا يحق لأحد التفكير بالسلطة خارج شرطها الأوحد: "الخلافة في قريش".      

انها معاناة الوعي الديني، فقريش بقيت فكرا سلطويا، يتمظهر بأشكال مختلفة، حقيقته روح العبودية القابعة في أعماقنا وسيادتها على المسلمين عامة والعرب خاصة، بل نحن اليوم ندفع لها من خالص أموالنا ضريبة لنتقي غضب الله. فلا أحد أقرب إلى الله منها!!!. وفي رواية عن النبي"من أحب قريشا أحبه الله ومن أبغض قريشا أبغضه الله"!!. فلا يمكن التحرر من سلطة قريش ما لم نع الحقيقة، ونفهم التاريخ. ونستعيد عقولنا. ولا نهضة في الأفق وقريش ما زالت تتحكم بنا، وتقهرنا وتضطهدنا.

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

اشكر الاستاذ الغرباوي على هذه المحددات،
الرأسمال الرمزي في الاسلام فهو كتلة او علبة من الرموز و هذا يمكن ان نفهمه من قراءة لاكان للغة و قانون لأب، فهما نسق من الرموز و من خلاله يخرج الانسان من ذاته و يصبح رهينة لاشعور جماعي و محددات خارجة عن ارادته الشخصية.
النقطة الثانية هي معارضة الرسول لقانون القبيلة و الانتقال به من مستوى رموزي ساكن الى مستوى تصوراتي متحرك.
يعني من رؤية الى رؤيا، و من فروض الى رغبات و اشواق.
و هكذا تحرر السيف العربي من اغماده و اصبحت له لغته.
و اعتقد ان ضعف بني هاشم قدم خلفيات لهذه الثورة الروحية و فيها تعبير عن الاحتجاج على بنية و استبدالها بوعي مختلف.
شكرا لما تفضل به الاستاذ الغرباوي، فقد انتر انا الكثير من الافكار الملتبسة و الغامضة.

This comment was minimized by the moderator on the site

وشكر لحضورك ومتابعتك وملاحظاتك القيمة الاخ الدكتور صالح الرزوق. سرني رضاك على البحث، لك تقديري

This comment was minimized by the moderator on the site

‏المقال اكثر من رائع ويسلط الضوء على نقاط طالما كانت محل اشكال إلى يومنا هذا.

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ جابر علي مرهون شكرا لمروروك وقراءتك الحوار، وشكرا لحسن ظن، تمنياتي لك بدوام العافية

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4233 المصادف: 2018-04-08 11:14:48