المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (76): شخصنة الرأي

majed algharbawi5صالح الطائيخاص بالمثقف: الحلقة السادس والسبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة الأستاذ د. صالح الطائي.

 

س76: د. صالح الطائي: إن الرأي الشخصي شخصن الرأي العقدي فجرده من مقوماته.

ج76: ماجد الغرباوي: القضية ليست مطلقة، فالرأي الشخصي رأي في مقابل رأي عقدي، كما هو مفترض السؤال. قد يتفقان حول بعض النقاط ويختلفان حول أخرى. فيبقى الرأي الشخصي محترما، مهما كان مصدر الرأي العقدي، ما لم يتخل عن موضوعيته، ويحكم على الرأي المقابل، سلباً أو إيجاباً، من خلال موقف مسبق من صاحبه. وهذا أوضح مصاديق الشخصنة. فمن يعادي شخصا يحكم بخطأ مطلق آرائه، ومن يقدس رمزا يؤمن بقدسية آرائه، ويمنع نقدها ومراجعتها. فالشخصنة تقصي الفكرة، وتستهدف صاحبها. وهذه خسارة فادحة، تسببت في قطيعة معرفية تامة بين الفٍرق والمذاهب الإسلامية خاصة، ومن قبلها جميع المذاهب الدينية، وجرّدت الفكرة من أيجابياتها أو كرّست سلبياتها، تبعا لزاوية النظر. فأحد مشاكل الشخصنة في عدم قدرة الإنسان على الفصل بين الفكرة وصاحبها، فيسقط مشاعره عليها. ويصبح الموقف من صاحبها مدارا لصحتها وعدمها. وهي لا تخص حقلا دون غيره، فكراهة الناس للمسؤول الحكومي مدعاة للشطب على جميع انجازاته، والعكس صحيح. وهذا واضح في خطابات التبجيل تاريخيا. فالجميع يحكم على التاريخ وأحداثه من خلال رموزه وأبطاله. وكان طرفا النزاع الطائفي وما يزال محكوما بالشخصنة، فأحدث قطيعة بينهما. فلا إشكال أن الشخصنه تجرّد الرأي العقدي من مقوماته، مادامت الفكرة تستمد قيمتها من مصدرها. وقد استُبعدت آراء مهمة، وكُرّست أخرى، ربما خرافية، تحت طائل الشخصنة. بل أنها أطاحت بمقومات العقيدة التي ينبغي أن تحقق الهدف الرئيس من الدين في ضوء دور الإنسان في الحياة. فليست المشكلة في وجود رأي شخصي مقابل الرأي العقدي، لأن الثاني أيضا مجرد رأي حسب فرض السؤال. ولو أنه وضع الرأي الشخصي في مقابل العقيدة لكان ثمة ما يدعو لتجريد العقيدة كمفاهيم ناجزة من كل رأي يسلبها إطلاقها، حفاظا على مقوماتها. لأن المفاهيم العقائدية رغم أنها مفاهيم ناجزة قرآنيا، لكن قابلة للتأويل في بعض أبعادها، وهي حدود الرأي الشخصي. بل يمكن التوغل في أعماق الأبعاد الثابتة للعقيدة، واستنطاق مضمراتها.

وما زال الحديث عن العقيدة أجد من المناسب الاستشهاد بآيات تجسّد مفهوم الشخصنة قرآنيا، بمعنى الانصراف عن الرأي العقدي أو العقيدة إلى صاحب الرأي، أو الحكم على الفكرة من خلال موقف مسبقا من صاحبها. ففي قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ). لكنهم عادوا ليؤكدوا أن مشكلتهم ليست مع الدعوة بل مع صاحبها: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ). فكفروا بالفكرة / الدين / العقيدة لأن صاحبها لم يكن رجلا عظيما. فتهميش الفكرة والانشغال بصاحبها، مصداق حقيقي للشخصنة. وأيضا تتجلى في رد فرعون على موسى عندما عرض عليه دعوته، فشخصن الخلاف و(قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ). وحجاب المعاصرة يفعل فعله في تقييم الأفكار حتى جاء في المثل (مغنية الحي لا تطرب).

بل حتى الخلافة الإسلامية خضعت للشخصنة، عندما ارتكز المهاجرون إلى مبدأ قبلي على حساب الكفاء. فالشخصنة تصدق على الفرد وعلى الجهة. فالنظر لذات الفكر والرأي ثقافة حضارية تفتقدها مجتمعات القطيعة التي اعتادت السكوت وعدم الاعتراض، وتقمع حرية الرأي. أجد في مشهد الإصغاء لرأي الأطفال هنا نموذجا مثاليا للتربية الصحيحة التي تفجر الابداع والطاقات. فالأبوان يتركان كل شيء، ويصغيان لطفلهما حينما يبدي رأيه بمسألة ما، ويتعاملان معه معاملة الكبير. فيمتلئ ثقة وشعورا بالمسؤولية تجاه جميع ما يخصه.

معنى مقارب

لكي نتحرر من سطوة المصطلحات، وإكراهات التعريف. نفترض أن المراد بالشخصنة في السؤال هو:

- التحكم بالرأي العقدي: حينما يطغى الطابع الشخصي، مجردا عن الاستدلال والبرهان. أو ينأى عن جوهر العقيدة. فيبدو رأياً مشخصناً.

- الرأي السلطوي: حينما يفرض الرأي الشخصي قناعته على الرأي العقدي، فيقمعه. ما يشبه عملية اختزال للرأي العقدي بالرأي الشخصي. وهنا يصدق أنها شخصنة عندما تكون منطلقات صاحب الرأي سلطوية، نابعة من مشاعر فوقية، تحتكر الحقيقة، محكومة لمنطق الفٍرقة الناجية. ومصاديقها: التوسعة والاختزال لأي مفهوم عقدي لمصالح مذهبية أو طائفية. أو فرض تأويل يسلب المفهوم مقومات الإطلاق، بشكل يخبو بموت مصداقه. بينما قوام العقائد في تجددها ومواكبتها الزمانية والمكانية. فلا تحدها المصاديق وتطفئ توهجها.

وفي هاتين الحالتين لا يعني الرأي الشخصي موقفا شخصيا مسبقا من صاحب الرأي، بشكل يستمد الحكم على مضمون الرأي العقدي من ذات الموقف المسبق. ولا يعني موقفا نظريا من ذات العقيدة بشكل يعيد فهمها وفقا لمتبنياته التي تسلبها مقوماتها.بل هي وجهة نظر تريد شخصنة الرأي.

التطور التاريخي

عندما نعود لماضي الأديان، نجد شخصنة العقيدة (بالمعنى الثاني) وراء زيغها وانحرافها. مهما كانت دوافعها وأسبابها. لأن الشخصنة لا تعني قراءة حيادية للعقيدة، وفهم لها ضمن ضرورات محددة، بل هي عقيدة مغايرة، في بعض أبعادها، كما بالنسبة للشرك بالله. فإن الشرك ندٌ لعقيدة التوحيد. وفق تأصيل نظري مختلف، ويصدق أنه عقيدة في مقابل عقيدة، وتأصيل نظري في مقابل آخر. فتأصّيل ربوبية عيسى ضمن الديانة المسيحية مثلا، يقابله تأصيل قرآني توحيدي في ذات الديانة المسيحية. فالشرك هنا لا يعد فهماً للعقيدة، بل تصورا مغايرا لمعنى الإله وطبيعة الارتباط به، يسعى لاحتكار الحقيقة. ولازمه نفي الآخر وحرمانه من النجاة. فتصدق الشخصنة بالمعنى الثاني على خطاب الشرك، وربما كان السؤال ناظرا لهذا النوع من التباين في الخطاب. خاصة أن السؤال جاء بصيغة الماضي، فهو يحيل على شخصنة قد تحققت فعلا. وهذا أحد مصاديقها، ثم بإمكان القارئ استدعاء أمثلة من مسار تطورات عقائد المسلمين.

وفي مقابل الأنداد العقدية، كالندية بين عقيدتي التوحيد والشرك، هناك قراءات تستلهم من العقيدة، دون المساس بها، فلا ينطبق عليها مفهوم الشخصنة، كدراسة البعد الاجتماعي للعقيدة، فإنه يعطي ديناميكية لمقولاتها، تدفع باتجاه العمل الصالح، وربط العقيدة ببعدها الإنساني والاجتماعي. مثال ذلك، الاختلاف في معنى الصلاة، فالفقيه يضع لك مسطرة للصلاة الصحيحة وفقا لحركاتك وسكناتك، ولا يهتم بتفاعلك الروحي. فمن أدى الصلاة بهيئتها المعروفة سقط عنه الواجب، سواء حققت حضورا روحيا لدى المصلي أما لا، فلا يهمه ذلك. بينما القراءة الاجتماعية تقدم فهما مختلفا للصلاة، وتعتبرها انفتاحا روحيا على الغيب والخالق، يستحضر خلالها الإنسان كامل مشاعره وأحاسيسه، ثم تتجلى عبر سلوكه وأخلاقه، فيكون مقياسه لقبولها وعدم قبولها مقياسا أخلاقيا، وليس فقهيا، جامدا بلا حياة. وهذا الفهم هو المقصود منها وفقا لآيات الكتاب الكريم، حيث يقول تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ)، فتتجلى حقيقتها بسلوك الإنسان المؤمن. وهذا فهم اجتماعي للعبادة، يستلهم من وجود 54 آية تحث على العمل الصالح، أن الغاية من العبادات إقامة مجتمع صالح. وهكذا يفهم باقي العبادات. وهذا غير مقصود في السؤال.

شخصنة العقيدة في بعض أبعادها تنتج لنا نسخة مغايرة، حتى مع وجود بعض المشتركات، وهذا أحد أسباب بعثة الأنبياء، حيث تتعرض العقائد للإنحراف، فتخسر مقوماتها في خلق روح التقوى، الضمانة الحقيقية للإلتزام بالقوانين والأخلاق، وعدم تجاوز قيم الدين. فعقيدة التوحيد ترهن مستقبلك الأخروي بعملك الصالح، بينما عقيدة الشرك، ترهنه بالشفاعة مطلقا، فيصاب المجتمع بالانحلال وعدم الإلتزام، فتدعيات الشخصنة متعددة.

الرأي الكلامي

مهما كانت مبررات ودواعي علم الكلام القديم لكنه لا ينجو من الشخصنة. بل هو مصداق لها في بعض آرائه. فالرأي الكلامي رأي متحيز، يكرّس مصالحه، خاصة عندما تكون دوافعه سياسية أو طائفية أو مذهبية، وهو أوضح مصاديق الشخصنة. وكان وراء تأصيل مجموعة عقائد ومقولات ومفاهيم، لخدمة مصالح طائفية، تركت تداعيات أثّرت سلبا على فهم الدين، وتسببت في خواء العقيدة، وسلبها مقومات الرقي والتكيف مع الحياة، ضمن ضوابط الخلق والهدف الأساس من جود الإنسان على الأرض. فكان وما يزال الرأي الكلامي خطابا أيديولوجيا للدفاع عن متبنياته، وتفنيد حجج الخصوم المذهبيين. فكان الفكر الكلامي يستهدف العقيدة من وحي موقفه من صاحبها، فحينما يكون نداً، يوظف طاقاته المعرفية لتفنيدها، بغض النظر عن صدقيتها. وبالعكس يكرس أدواته المعرفية لنصرة عقيدته، فقد ضاعت المقاييس المعرفية في ظل علم الكلام الإسلامي، وأساء المتكلمون لدينهم وعقيدتهم، رغم وجود بعض الإيجابيات. ويمكن الإشارة إلى بعض سلبيات علم الكلام القديم وتداعياته، بما يجلي حقيقة أن الرأي الشخصي يشخصن الرأي العقيدي، ويسلبه مقوماته.

1- زحف الجدل المحتدم حول المسائل المطروحة ليقطع خيوط التواصل بين العقيدة والحياة الاجتماعية. فعقيدة التوحيد التي كان يعيشها الإنسان المؤمن في بدايات البعثة ممارسة حياتية يومية تطبع سلوكه وأخلاقه، صارت تدور في مدارات عقلية بعيدة عن هموم الحياة ومتطلباتها، وراح كل متكلم يحشّد أدلة وبراهين لدعم حول القضايا والمسائل العقيدية المطروحة، متكئا على البراهين والأقيسة الأرسطية في المنطق، فانتقلت عدوى الجدل لجميع المعنيين، حتى غدت المواجهات الكلامية ديدن البارزين من العلماء والمتكلمين.

إن انفصال العقيدة عن الحياة الاجتماعية ترك آثارا سلبية انعكست من خلال تحول العقيدة عند الفرد إلى ممارسات طقوسية وشعائر مجردة، يخلص المرء في أدائها بعيدا عن روح الإسلام وتجلياته الاجتماعية، فتبددت الخُلق الإسلامية والقيم الرسالية وتفككت عرى المجتمع.

أما الفكر فأخذ يعاني من إشكالات وشبهات تتعلق بأمور غيبية وقضايا مطلقة يعجز العقل البشري المحدود أن يبت بها، فتحولت تلك المفاهيم إلى طلاسم يصعب فهمها ورموز يتيه العقل في تحليلها.

وبهذا قضت البحوث الكلامية، شعر المتكلمون أم لم يشعروا، على جذوة الإيمان الوقّادة، وحولت الحياة إلى معادلات مادية ليس للعقيدة تأثير عليها إلّا في حدود بسيطة، لأنها مبتلاة بإشكالات لا تسمح لها بالاطلال على الحياة الاجتماعية واحتياجاتها.

ثمة مؤاخذة أخرى، هي أن الجدل المحتدم بين المتكلمين - آنذاك- والتجريد الفكري بأقصى مدياته في معالجة الشبهات، عطّل المنهج القرآني في بيان العقيدة، فحينما نرجع للقرآن نجده يتكلم عن العقيدة بشكل واضح ومقنع، وفي إطار نظام فكري متكامل ينسجم مع الفطرة والعقل، ولا يسمح للأخير أن يستغرق في استكناه الغيب لأنه عاجز عن ذلك، فتكفل هو بالحديث عنه بقدر يشبع الحاجات الفكرية للإنسان. فلم يتحدث عن الذات الإلهية باعتبارها غيبا مغلقا على العقل البشري، ولا يستطيع سبر أغوارها أو الوقوف على ذاتياتها. بينما أكد القرآن على صفاته، ودعا إلى اقتران الإيمان بالعمل الصالح في أكثر من خمسين آية، لربط العقيدة بالحياة الاجتماعية. وهذا المنهج صادق على جميع مفردات العقيدة. فمثلا لم يصرّح القرآن الكريم بالدور الوجودي للنبي، لا نفياً ولا إثباتاً، ولم يطالبنا بذلك لكي لا نعيش دوامة التفكير في قضايا ليس لها مساس، لا بالعقيدة ولا بالواقع الاجتماعي، بينما أكد القرآن على مفهوم الأسوة في شخصية الرسول ودعا إلى اقتفاء أثره في سلوكنا الاجتماعي. فالمنهج القرآني يُبقى الإنسان واقعياً يعيش هموهه الحقيقية ويكدح إلى ربه من خلال تجاربه الاجتماعية.

2 - إن هشاشة علم الكلام من الناحية العلمية ساعدت على نفوذ الأهواء السياسية الى مطالبه، لتصنع منه أداة تحمي السلطان وتعزز موقعه داخل الأمة. ففكرة (الجبر، الإرجاء، وفاعل الكبيرة) جاءت لتبرر عمل السلطان وتشرعن ممارساته التعسفية. ففكرة (إن الإنسان مجبور على أفعاله) تبرئ ساحة السلطان من أي عمل سلبي، مادام مجبراً عليه، وتسند فعله إلى الله تعالى ولا اعتراض على الخالق سبحانه. وفكرة: (إن فاعل الكبيرة مؤمن) تبقي السلطان الموغل في الخطيئة على إيمانه وترجئ أمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه.

فأصبحت مهمة علم الكلام إطفاء وهج العقيدة وفاعليتها في نفوس الناس، خلافاً للهدف الذي وضع من أجله العلم . كما تقاعست الأمة عن أداء وظيفتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون أن تشعر بثقل الذنب المرتكب.

3 - نشوء علم الكلام كان ايذاناً لتأسيس الفرق وتعميق الخلاف بين المذاهب الإسلامية، فعندما تخندقت الفرق حول نفسها وظّفت عدتها وعتادها لتحصين مواقعها الدفاعية وشن حملات قاسية على الفرقة الثانية. واستبدلت لغة الحوار بتراشق عنيف يستهدف القضاء على خصمه الذي صنعه بيده. وبهذا صار الكيان الآخر هو المقصود بالذات دون الأفكار. فليست هناك مراجعة للآراء أو إعادة نظر بالأفكار المتبناة، لأنها حق مطلق لا يدانيه أي شك أو نقص، ومهمة المتكلم هي حشد الأدلة والبراهين والحجج، وإن لم تكن علمية، لاثبات صحة مدعاه وخطأ الآخر.

4 - أُسقط الإنسان من معادلة المتكلمين، وأُهمل عنصر الحياة الاجتماعية الفاعل دون أن يلتفت إلى حاجاته وتطلعاته، فهجرته العقيدة وأخذ يشق طريقه بمعزل عنها، خلافا للمنهج القرآني الذي أراد أن تكون العقيدة موجها للإنسان في سلوكه وممارساته، ويعيش التوحيد بكل كيانه ومشاعره وأحاسيسه، ويتسق مع الوجود في حركته إلى الله تعالى . فلجأ الإنسان إلى نزعات باطنية، غنوصية، صوفية لملء الفراغ الروحي الذي خلّفته العقيدة بعد أن هجرت الحياة واستقرت في عقول المتكلمين، تهددها الشكوك والأوهام. واخذ الإنسان يمارس لونا آخر من العقيدة، اقتصر فيها على طقوس وشعائر مجردة، فصيرته إنسانا مزدوج الشخصية.

تعدد الرأي

إن تعدد الآراء حتى في مجال العقيدة يكسب الفكر ثراء كبيرا، وهو علامة وعي متقدمة، تتصف بها الشعوب المتطورة، وكان تعدد الآراء، أتفقت أو اختلفت، متداولا وقد أثرى الفكر العقيدي. خاصة في مجال تدارس المفاهيم والحقائق النسبية التي لا وجود ولا معنى لها خارج الذهن، ويتفاوت تصورها والإيمان بها تبعا لاختلاف الثقافة والقبليات المعرفية، كمفهوم الإله. وبالفعل تعددت آراء المتكلمين قديما حول الخالق وصفاته. ثم تطورت المفاهيم العقدية خلال رد الشبهات المتعلقة بالخالق كله بفضل تعدد الرأي في المسائل الخلافية. وقد دخلت على الخط مقولات جديدة، مثل: الجبر والاختيار، والقدرة والاستطاعة. تارة بدوافع سياسية، وأخرى بسبب تطور مباحث علم الكلام. ثم اختلفت الآراء حول مسألة (فاعل الكبيرة، وهل هو مؤمن أم كافر) في زمن الدولة الأموية. وظهر المعتزلة رأياً فكرياً على الساحة . بعد ذلك تلاحقت المسائل الخلافية حول بعض مفاهيم العقيدة كمسألة خلق القرآن، وهل أن كلام الله قديم أم حادث، فكانت إيذانا بتشكّل الفرق الكلامية، لاسيما وإن الحكومات الجائرة أخذت تغذي اتجاه الانقسام العقيدي، فكان لها دور كبير في تأسيس الفِرق الكلامية خدمة لمصالحها السلطوية. وبسببها تبلور (الكلام) كعلم استأثر باهتمام جميع المسلمين، وربما لم ينافسه علم آخر. وتولى المتكلمون بيان مفاهيم ومفردات العقيدة الإسلامية والدفاع عنها من زوايا نظر مختلفة، تعكس تعدد الآراء والمباني الكلامية والعقدية. وعلى عاتق المتكلمين وقعت مسؤولية التصدي للشبهات المثارة من قبل غير المسلمين، أو الوافدة من خارج حدود الأراضي الإسلامية عن طريق الترجمة. كما ساهم المتكلمون في إغناء الفكر العقيدي بأدلة وبراهين رفدت العقيدة فكرياً.

لكن رغم ثراء التعدد يبقى خطاب الفٍرق الكلامية خطابا مشخصنا، حيث راح كل مذهب يتمسك بمقولاته، ويحتكم لها في تكفير الآخر، ويتصارع معها حول تأويلها. فبين الشخصنة والتعدد الحميد حدود واضحة، وبينها وبين القراءة تداخل يتطلب وعي المفهومين، وبيان الفواصل المعرفية بينهما.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (5)

This comment was minimized by the moderator on the site

في هذه الحلقة تنبيه هام لمشكلة النية و الفهم، و التفريق بينهما ضمنا مثل العفو و التعمد،
فحامل الرسالة قد لا يكون هو الرسالة نفسها بعد انفصال المصادر عن البدايات،
بلغة اوضح، قد تنتهي العقيدة او المذهب الى نهاية غير التي اراد لها الاصول، و منها ما نراه حاليا من سوء تفسير و فظاعة في التطبيق عند الاسلام الحركي، او ما اود ان اقول عنه اسلامويات الدول.
فالوحشية و الافراط في التعذيب لا يمكن ان ياتي من رسالة انسانية كان هدفها تحرير الانسان،
ما نشاهده اليوم هو حبس و اهانة للانسان الذي كرمه الله بالعقل و الجنان على غيره من المخلوقات

This comment was minimized by the moderator on the site

الفاضل الاستاذ ماجد الغرباوي المحترم
اعتزاز و شكر
ورد التالي :[ (وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ). لكنهم عادوا ليؤكدوا أن مشكلتهم ليست مع الدعوة بل مع صاحبها: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ). فكفروا بالفكرة / الدين / العقيدة لأن صاحبها لم يكن رجلا عظيما. فتهميش الفكرة والانشغال بصاحبها، مصداق حقيقي للشخصنة] انتهى
أعتقد ايها الكريم انهم سيكفرون بالفكرة حتى لو كان صاحبها عظيم ...لانها عظيمة هزتهم و عروشهم و تصوروا مصيرهم.
ورد اخي الفاضل:[مثال ذلك، الاختلاف في معنى الصلاة، فالفقيه يضع لك مسطرة للصلاة الصحيحة وفقا لحركاتك وسكناتك، ولا يهتم بتفاعلك الروحي. فمن أدى الصلاة بهيئتها المعروفة سقط عنه الواجب، سواء حققت حضورا روحيا لدى المصلي أما لا، فلا يهمه ذلك].انتهى
اقول نعم لأنه يريد خضوع المصلي له لا لربه.
ورد التالي :[ وأيضا تتجلى في رد فرعون على موسى عندما عرض عليه دعوته، فشخصن الخلاف و(قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ). وحجاب المعاصرة يفعل فعله في تقييم الأفكار حتى جاء في المثل (مغنية الحي لا تطرب)]انتهى
أقول: اعتقد ان ذكر هذا القول حتى في سابقات لاساتذه اخرين لم يكن في موقعه ...حيث أظن أن المفهوم منه هو ان مطربة الحي لم تأتي بجديد فهيئتها و اغانيها مكرره فلا تطرب ابناء الحي الذين سمعوها كثيراً.
اكرر الشكر
دمتم بتمام العافية

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية خالصة وشكرا لحضورك الاستاذ العزيز عبد الرضا حمد جاسم.
- هذه اية واحدة، فقطعتها لبيان الفكرة. وهي واضحة في دلالتها هنا، لانها صريحة. وهذا لا يمنع ان يكون كلامك صحيحا. وتوجد ايات اخرى تؤكده. لكن هنا شخصنة حقيقية. استهدفته شخصيا دون دعوته.
- السلطة احد ادوات الفقيه، وليس بيده شيء سوى الفتوى، فهي سلطته.
- هذا المثل يقال لمن يستخف به قومه، لانهم عاصروا تفاصيل حياته، فلا يتبادر لذهنهم فلان العالم بل فلان الذي اقترف كذا، او بن فلان الفقير وغير ذلك. وهو متداول جدا. اما من لا ياتي بجديد فلا فرق بينه وبين اي شخص فلماذا ينسب الىالحي. فكلمة الحي هنا تعد قرينة صارفة للمعنى الاول. خالص احترامي لحضورك

This comment was minimized by the moderator on the site

التحية والتقدير للاستاذ الغرباوي : لقد فعلت الشخصنة فعلتها وحجبت الحقيقة الموضوعية ، وجعلتنا لا نسعى وراء الفهم المتجرد من التحيــز والموالاة المسبقة ، وإنما لنثبت آراءنا التي نشأنا عليها او ورثناها من آباءنا الاوليـــن دون تمحيص واختبار . لقد تنبه الامام علي لمسألة الشخصنة عندما رد على أحدهم قائلاً : لا تنظر الى من قال بل ماذا قال . أو في كلام آخر له يصب في نفس الاتجاه وهو : إعرف الحق تعرف أهله . والى اليوم يسري فايروس الشخصنة في العقل الجمعي العربي والاسلامي ويمارس دوره التخريبي للديــــن وللمجتمعات . ان هذه الحلقة وكسابقاتها فيها من الحكمة الشيء الكثير ، ومن الضوء ما ينير لنا دروبنا المظلمة التي نتخبط فيها . فنعم السائل ونعم المجيب .

This comment was minimized by the moderator on the site

مرحبا بالاخ الاستاذ طارق الربيعي ، وشكرا لتعليقك ومتابعتك. الانسان ابن بيئته، وبيئتنا ملغومة بالشخصنة ومنطق الكراهية. دمت بعافية ورمضان كريم

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4268 المصادف: 2018-05-13 01:09:19