المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (84): اتجاهات الإصلاح

majed algharbawi3مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والثمانون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق6) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

س85: مجدي ابراهيم: أرجو زيادة التوضيح في رأيكم الخاص بتأويل النص وفهمه في إطار ظرفه وضروراته. وبما إنه رأي خاص يعتمد على فلسفة الدين ويتأسس عليها من حيث كونها عقلانية معرفية بشرية وليس ببعيد عندكم أن يتوقف قبوله على اختراق جملة يقينيان لا يقبلها العقل التراثي؛ فمن اللازم اللازب أن يسْفر هذا ضرورة عن الفصل التام بين الحديث والقرآن في إطار ثورة من التصحيح معرفية بشرية فهل:

ا- يعدُّ مثل هذا التخريج (لوجهة نظركم) صحيحاً؟

ج85: ماجد الغرباوي: يتطلب الحديث عن: (تأويل النص وفهمه في إطار ظرفه وضروراته، اعتمادا على فلسفة الدين ويتأسس عليها من حيث كونها عقلانية معرفية بشرية يتوقف قبوله على اختراق جملة يقينيات لا يقبلها العقل التراثي)، كما جاء في السؤال يتطلب لمحة تاريخية عن مشاريع الإصلاح ومناهجها، ضمن فكر النهضة بشكل عام، وهي مشاريع مهمة وواسعة، تصدى لها نخبة المفكرين والباحثين. ومشاريع الإصلاح الديني بشكل خاص. وهو ما يهمنا تحديدا، فنقتصر عليه دون غيره. والسؤال ما هي ضرورات تحدي الممنوع، والمقدس، وما تسالم عليه المسلمون حول قدسية الشريعة الإسلامية مصدرا وحيدا أو رئيسا في التشريع؟. وما هي دوافع تقديم فهم مختلف للدين، قد يفكك نسق الثوابت التي يتحرك في داخلها الفكر والفقه الإسلاميان عموما؟. فهذا الاتجاه يبدو شاذا، يتطلب تنظيرا عميقا، يتجاوز ظواهر الإشكاليات المتعارفة حول الفكر الديني وقدرته على مواكبة العصر، في ظل تحديات أكدت حضورها من خلال الواقع، وسيأتي بيانه.

كتبت في مقدمة دراسة لي بعنوان: دعوة لإنقاذ الدين من سطوة الفقهاء: "ثمة أزمة حادة تواجه الشريعة الإسلامية، بل تواجه الدين بأسره، لا تنفع معها تبريرات الفقهاء ومكابراتهم .. أزمة حقيقية، تضغط باتجاه مراجعة نقدية تطال الفكر الديني، وفق قراءة معاصرة تواكب مسار الحضارة، وتُعيد النظر في ثوابت الشريعة، بعيدا عن سلطة التراث والسلف والتراكمات التأويلية التي تكرّس اللامعقول وتحرّض باستمرار ضد الآخر، حتى صار الدين إما يدفع باتجاه العنف والإرهاب، أو يستقطب باتجاه الخرافة والسحر والشعوذة وجلد الذات، وتصديق هلوسات وأكاذيب بعض رجال الدين، وتقديس الماضي والتراث، وأسطرة الشخصيات التاريخية، واستبدال العبادة بطقوس فلكلورية، انقلبت معها مفاهيم الخير والعمل الصالح، وبات الإرهاب دينا، والخداع دينا، والتبست المفاهيم حد الاحتراب فضلا عن الكراهية والتنابذ والاقتتال". وهذا يلخّص معاناة الفكر الديني راهنا، رغم تراكم جهود الإصلاح والتجديد، لأنها ظلت حبيسة تراكمات العقل التراثي ومحدداته، فتسبب الإنغلاق في عدم تشخيص الإشكالية فضلا عن زحزحتها. وبالتالي لا يمكن تسويتها، إلا باستدعاء النظام المعرفي ونقد ثوابته، عبر قراءة معاصرة للنص، تجافي هيمنة التراث، وسلطة السلف، وترتكز للعقل النقدي ومعطيات العلوم. فهذا الرأي لم يأت من فراغ، بل هو حصيلة فهمٍ مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة. وقد سبقته جهود جبارة وتراكم تنظيري واسع غير أنه ظل أسير رؤية نمطية للدين. بل كان أغلبه ردة فعل بعد لقاء الشرق بالغرب أو ما يعرف بالصدمة الحضارية، حيث كانت لحظة وعي الذات من خلال الآخر، لا من خلال مراجعة نقدية بمعزل عنه. فارتبك الجميع في تشخيص الواقع، والحل المناسب لمشكلة التخلّف الحضاري، قياسا بالغرب وما أحرزه من تقدم حضاري، فأفرز سؤال النهضة (لماذا تقدم الغرب وتأخر الشرق / المسلمون / العرب) اتجاهين:

الأول: اتجاه "علماني": حمّل الدين ورجاله مسؤولية انحطاط العرب والمسلمين، في موقف سلبي واضح منه. بعضهم كان مهادنا اعتبر الدين شأنا شخصيا، يجب فصله عن السياسة وإطلاق جميع الحريات، وتحرير المرأة، ومركزية الإنسان. وإلغاء الشريعة وقوانين الأحوال الشخصية. والقسم الثاني تمادى في موقفه من الدين، فطالب بقطيعة تامة مع التراث، والالتحاق بالغرب وثقافته وفكره، بعد أن شطب على الماضي وكل ما يمت للأمة من ذاكرة. وحمّل الدين مسؤولية التخلف الحضاري، فينبغي ترحيله عن الحياة الاجتماعية والسياسية. ودعا إلى نهضة مماثلة للنهضة الأوربية تبدأ بموقف صارم من الدين أسوة بموقفهم من الكنيسة، وهذا اتجاه ظل مستلبا لا يمكنه اللحاق بالغرب وحضارته، ولا العودة لذاته وتراثه. التراث ليس شرا مطلقا كي ندعو لقطيعة تامة معه، بل تراكم جهود جبارة، يجب فهمها في سياقها التاريخي، والاستفادة من إمكانياته العقلية والإنسانية المتاحة لتطوير مشروع النهضة. خاصة أن الشعوب الإسلامية شعوب مسكونة بالتراث والدين، بل ويمثل التراث عمقها الحقيقي. فالسبب وراء التخلف وفقا لهذا الاتجاه هو الدين والثقافة السائدة، ويمكن الحل في تبني مطلق القيم الغربية، والارتكاز للعقل بدلا من الشريعة الإسلامية. ولهذا الموقف مبرراته، خاصة بالنسبة لغير المسلمين، ممن عاش تعسف الدولة العثمانية التي تعاملت معهم معاملة أهل الذمة، فحرمتهم حقوقهم، وأجبرتهم على دفع الجزية، وعاشوا منبوذين تحت رحمة نظرات تحقيرية تترصدهم في كل مكان. فرفضهم للشريعة الإسلامية فيه استعادة لكرامتهم وحقوقهم الإنسانية، فمن الطبيعي الدعوة لفصل الدين عن السياسة، واستبدال الرابطة القومية / العربية بدلا من الرابطة الإسلامية، والدعوة إلى التحرر من قبضة السلطنة العثمانية. وأبرز شخصيات هذا الاتجاه، شبلي شميل، فرح إنطون، سلامة موسى. وقد استطاع تشخيص بعض أسباب التخلف الحضاري، كالإنغلاق على التراث، وعدم الإرتكاز للعقل والمعطيات العلمية، وهيمنة الخطاب الديني الأيديولوجي، والاستبداد السياسي.

الثاني: "اتجاه إسلامي": تمسك بدينه وتراثه، فدأب منذ عصر اليقظة على تقديم الدين، لا بوصفه علاقة روحية بين الإنسان وربه، ولا باعتباره نظاما من القيم والمبادئ الإنسانية، تؤسس لقاعدة أخلاقية، تضبط سلوك الفرد ومواقفه. بل باعتباره نظاما كاملا شاملا للحياة، يواكب تطور الفرد والمجتمع. ويضع حلولا لجميع مشاكله. بعض يعتقد باشتمال النصوص الدينية عليها، وما على الفقيه سوى اكتشافها. وآخر يراهن على فهمٍ وقراءة متجددة للدين في إطار ثوابت الفكر الديني، ويرفض أي خروج أو تمرد عليها. وهم عدة اتجاهات في تشخيص أسباب التخلف الحضاري وموقف الفكر الديني منه:

1- اتجاه "سلفي": راهن على حرفية النص، وقدسية التراث، فظل مرابطا داخل العصر الأول للبعثة، كمرجعية نهائية تقدم حلولا جاهزة لجميع مشاكل العصر مهما اختلفت موضوعاتها وظروفها. وهو اتجاه "سلفي" دوغمائي، منغلق معرفيا، يرى أن مشكلة التخلف في رخاوة التمسك بالتراث وحرفية النصوص، ويكمن انتشال الواقع من سباته وتخلفه بالعودة لسيرة السلف الصالح. ولا يخلو هذا الاتجاه من بعض الاستنارة الفكرية، كما بالنسبة لرشيد رضا، تلميذ محمد عبده، الذي أرتد سلفيا ودعا للعودة إلى التراث.

2- اتجاه "إصلاحي": عاد لنقد الذات ومراجعة التراث لتفعيل عناصر القوة فيه، ودعا للاستفادة من معطيات العلوم الحديثة، شريطة عدم تقاطعه مع النص الديني، الذي يحتمي بإطلاقه الأزماني والأحوالي، وفقا للعقل التراثي. فطالب باصلاح النظام التعليمي، ومحاربة الاستعمار، ومكافحة الاستبداد، وتوظيف الدين لصالح السياسة، بعد تفعيل قيمه ومبادئه، وترشيد الوعي الجمعي، من خلال الانفتاح على العالم الجديد، وتنقية التراث من الشوائب. وهذا يتجلى في المشروع الإصلاحي لجمال الدين الأفغاني، الذي سعى لتأسيس جامعة الدول الإسلامية، ودعا إلى محاربة الاستبداد والتبعية. غير أن هذا الاتجاه أخفق هو الآخر، فالتطور الحضاري ليس إصلاحا أو إحياء لقيم الدين والتراث، بل هو رؤية مختلفة على صعيد الفكر والثقافة، ومناهج العلوم، ومصادر المعرفة. والنظرة المتطورة للإنسان كقيمة عليا. والمشاريع الإصلاحية لا تلامس أساس المشكلة.

3- اتجاه "سياسي": يرتهن الإصلاح وتطبيق الشريعة بشكل سليم على وجود دولة دينية، تتولى تطبيق النظام الإسلامي، وإخراجه من القوة إلى الفعل. فرفع شعار "القرآن هو الحل"، أو "الإسلام هو الحل"، يتقدمه الأخوان المسلمون، راح يوطئ لقيام دولة دينية كمقدمة لتطبيق أنظمته التي تنتظر أجواء سياسية واجتماعية خاصة. وقد انتهى هذا الاتجاه إما حركات متطرفة، تورطت في سفك دماء الأبرياء، أو تجارب حكم لم تحقق تقدما ملموسا على صعيد الواقع، بل كرّست الاستبداد والتبعية، واستخدام العنف والقوة. فالمشكلة وراء تخلّف المسلمين بالنسبة لهذا الاتجاه سياسية، يمكن التغلب عليها من خلال دول دينية تعيد للدين هيبته، ومكانته الحقيقية، خاصة أن أحكام الشريعة بحاجة إلى قوة سياسية تتبنى تطبيقها. ويعتبر سيد قطب ومن قبله أبو الأعلى المودودي.

4- اتجاه "تجديدي"، يؤمن بوجود ثابت ومتغير في الدين. بشكل يمكن ملء الفراغ التشريعي من قبل الفقيه، من خلال إكتشاف مقاصد الشريعة، وأسلمة العلوم الغربية، وبهذا الشكل راح ينظّر لجميع حقول المعرفة، غير أنه أنتج صيغا تلفيقية، ليست أصيلة... الأسلمة لا تنتج معرفة حقيقية بل علوم ترقيعية مشوّهة، لأنها قائمة في الغرب على مبادئ فلسفية مغايرة، وأسلمتها وفق مبادئ فلسفية أخرى يفقدها قيمتها المعرفية، وتصبح علوما شوهاء تفقد أصالتها. فالتجديد فهم للدين وفق نموذج حضاري مغاير، وتوظيف معطيات العلوم باعتبارها منجزات بشرية لا تخضع للمؤثرات الأيدلوجية والثقافية. فالأسلمة كان مشروعا معرفيا لمنافسة النموذج الحضاري الغربي من خلال تطويع الفهم الديني، بشكل يتلاءم معه. وهنا تلعب الثقافة وقبليات الباحث دورا كبيرا في عملية الأسلمة، فتجد من يميل للرأسمالية يبحث في النصوص والتراث ما يدعم الملكية الشخصية، في مقابل من يسعى لالتقاط كل إشارة لتعزيز الرؤية الاشتراكية. وهذا خطأ فادح، لا ينتج معرفة، وقد شملت مشاريع الأسلمة جميع الحقول، دون أن تحقق شيئا ملموسا، لأن تجريدها من مبادئها والأسس التي قامت عليها يفقدها قيمتها الحقيقية. مثال ذلك أن مصدر الشرعية في النظام الديمقراطي هوالشعب، فتؤدي وظيفتها بشكل سليم. لكن حينما يكون مصدر الشرعية هو الله لا يمكن للديمقراطية أن تؤدي دورها، مع وجود سلطة علية تفرض إرادتها، وإرادة الله وشريعته سلطة فوقية تفقد الديمقراطية خياراتها، وتكرّس سلطة رجل الدين واستبداده، ويصبح دور الفرد الطاعة المطلقة!!. فتصبح شيئا آخر، كمجلس استشاري أو مجلس شورى، وليس ديمقراطية حقيقية. وهذا يشمل جميع الباحثين المسلمين.

5- اتجاه "تنظيري": تمثّل بجهود محمد باقر الصدر، فكان مشروعه منعطفا في وعي الإشكالية وسبل معالجتها. وقد استفاد من معطيات العلوم، وأغلب المناهج والنظريات، خلال تنظيره لمختلف الحقول المعرفية، كالاقتصاد والفلسفة، وتفسير القرآن، وأصول الفقه، وأصول الدين، ودراسة الفقه الإسلامي، والاسس المنطقية للاستقراء، والمجتمع، والتاريخ. فنظّر لمشروعه من داخل التراث، دون الوقوع في خطأ الاتجاه السابق، فلم يعمد لأسلمة العلوم بل سعى لكشف النظرية الأسلامية من داخل النص والتراث وتأسيس معارف إسلامية أصيلة تعبر عن ثقافة المسلمين وتراثهم ودينهم ووعيهم. فالاتجاه السابق كان يعاني عقدة الغرب، وشعور عميق بالنقص، ويسعى لصيغ تلفيقيه يدفع بها شبهة التخلف. وهذا ليس حلا ما لم يؤصل كالاتجاه الأخير لمعارفة من داخل التراث، كي تستمد النظرية وجودها من النص. وقد اعتبر الاتجاه الآخير المنجز الغربي وعلومه وليدة بيئته وثقافته ومرجعيته الفكرية والفلسفيه، ونظرته الكونية للدين والحياة والميتافيزقيا. وعلينا التأصيل لعلومنا من داخل تراثنا، بعد اكتشاف المركب النظري أو النظرية، كي يستطيع الفقيه ملء الفراغ التشريعي. فتجد النظرية الإسلامية حاضرة في جميع أعماله ومنجزاته. يرتكز لها في بيان رؤية الدين في مختلف الحقول المعرفية. فجهود الاتجاه التنظيري جهود تأصيلية، وليست ملفّقه أو منحولة. تبدأ من الواقع إلى النص الديني ثم تعود ثانية للواقع بحلول تتلائم مع ظرفه الزماني والمكاني.

إن مسار الإصلاح والتجديد بجميع اتجاهاته راح يستدر الدين والتراث لتقديم حلول لواقع مختلف، فجرّد النص من تاريخيته. وكانت جهودا مخلصة وكبيرة لا يستهان بها. إلا أنها وجهات نظر إجتهادية وفهم شخصي وتراثي للدين، لا يمكن أن تكون مرجعية معرفية نهائية، ما دامت جهدا بشريا وقراءة خاصة للدين. فرغم التراكم المعرفي، لم نلمس حلولا نغادر بها حقبة التخلف ومنطق الانقياد والتحرر من سلطة التراث والسلف، وما زلنا نواجه تحديات الحضارة الغربية بمزيد من التبعية. ورغم التطور المعرفي للاتجاه الآخير لكنه لم يتخلص من آيديولوجيته، ونهائيات التراث، التي هي يقينيات بشرية. فتسبب التداخل بين المقدس وغيره في إرباك عملية التنظير، فالتمييز بين البشري والإلهي، والمقدّس والمدنس، والسماوي والأرضي، يساعد على فهم الحقيقة، ليستعيد المجتمع وعيه، ويعيد النظر بمسلّماته ويقينياته، ورموزه، وفقا للواقع وحقائقه. فثمة هالة قدسية ينبغي اختراقها وكشف حقيقتها. وتعالٍ يجب استدراجه ومحاكمته، وهذا ما نسعى له. ونطالب بإعادة النظر في الحقائق التراثية، عقيدية وفكرية، كي يتسنى لنا اكتشاف الواقع، وتخطي أزماته وتحدياته باتجاه حداثة عقلانية تقوم على مبادئ حضارية – إنسانية.

لا نريد التقليل من تداعيات الاستبداد السياسي والديني، ودور الاستعمار في تهشيم بنى المجتمع خدمة لمصالحه. ولا نستهين بقيم العبودية وطغيان قيم القبيلة والكبت والحرمان، والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكن نعتقد أن المشكلة الأساس وبالدرجة الأولى تتعلق بفهم الدين ودور الإنسان وبنية العقل ونسق النهائيات التي تتحكم بنظامه المعرفي. لذا ما زالت فرص التقدم تواجه تحديات معقدة، أبقت المسلمين في دوامة السؤال والبحث عن سبل كفيلة بانجاز نهضة تمثل هويتهم، وتجسّد قيمهم ومبادئهم.

فالاتجاهات الإسلامية لم تغادر سجونها المعرفية، وبقيت تفكر داخل إطارمعرفي يرتهن في وجوده لسلطة التراث، ومنطق العبودية، وإطلاقات الأحكام الشرعية. فثمة نهائيات تتحكم بمسار الوعي النهضوي ينبغي نقدها ومراجعتها، لفهم فلسفة الدين ودور الإنسان في الحياة، وهل هدف الشريعة سعادة الإنسان أم إختبار لعبوديته وطاعته؟ وهل الأولوية له أم للتشريع؟. إن التحديات التي تواجه الدين على صعيد حقوق الإنسان والتطور الحضاري تفرض علينا تقديم فهمٍ مغاير، يحفظ للدين قدسيته ودوره العظيم في إحياء النفس البشرية، ويمنح العقل قدرة على التحرك في إطار القيم الأخلاقية. كل هذا كان مبررا لاتجاه آخر.

 

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (10)

This comment was minimized by the moderator on the site

كان الأستاذ الغرباوي واضحا في كلامه عن محاور الإصلاح. لكن هناك دراسات تضع الحد الفاصل بين إصلاح العقل و إصلاح المعرفة. و تنظر للدين على أنه جزء من المعرفة المكتسبة. و بالتالي هو نشاط براغماتي جاء أساسا لخدمة الإنسان و تنظيم المجتمع.
و لا أعتقد أنه يوجد خطأ في عموميات هذه الفكرة.
فالله ليس بحاجة لإنسان متعبد. و لكن الإنسان بحاجة لعلاقة مع قوة سماوية تسهل عليه المصالحة مع الذات و الآخر.
و كتاب من التراث إلى اغلثورة لطيب تيزيني و كتاب الإيديولوجية العربية المعاصرة لعبدالله العروي قدما رؤية بانورامية لهذه الاتتجاهات من منظور فلسفي. و ميزا مثل ألأستاذ الغرباوي بين توجه كلاسيكي في الإصلاح. و اتجاه ليبرالي يصل لدرجة تثوير الإصلاحات.
و منعا للتكرار.
أود أن أضيف.
إن العقل هو سلم يستخدمه الإنسان ليصعد عليه إلى إشكالاته المتنوعة و لكن العقل هو نتاج للمعرفة. و جزء من حركة التاريخ. و بالتالي هو ليس شيئا مطلقا أو ماهية.

This comment was minimized by the moderator on the site

و اود ان اضيف لما سبق ان الاصلاح عاطفة و عقل، و لا يمكن ان تفصل احساسك عن المنطق الذي يقبل الادلة و الارقام و لغة المنظور و المسموع فقط.
فالعاطفة هي جزء متحول من العقل الكلي او من الانا الاعلى الذي يقود خطوات الانسان في الواقع.
و الصراع المعروف بين نداء الواجب و نداء القلب هو الذي مهد الطريق للنظريات الرومنسية، و فلسفيا الدين جزء من الوعي الرومنسي للموضوع، بمعنى انه موضوع ذات و ليس العكس.
و لذلك لا بد دائما من اصلاح الاصلاح، و هنا تدخل فكرة التجديد المستمر او ما يسميه الفكر الاجتماعي الحديث بالانزياح،
و قد احاط الاستاذ الغرباوي مشكورا بكل هذه الجوانب و ان لم يعمد لتسميتها بالاسم،

This comment was minimized by the moderator on the site

بقيت ملاحظة اخيرة اقتبسها من التراث و الثورة لغالي شكري و مفادها ان ابرز سمات تاريخنا الحضاري انه ممزق الاوصال متسع الفجوات و هذه تفصل تعسفيا بين مراحله، فكل حضارة تحاول ان تقضي على ما سبقها، و لا تسمح الا بتسريب عناصر تنتمي لها عضويا و تفيد وجودها و تدعمه. ص ٦٧.
لذلك اصبح لدينا عوضا عن القلب الواحد عدة قلوب و عوضا عن العقل الواحد و المتطور عدة عقول تلغي بعضها، و هذا استنزف قراءتنا للنص و لم يطوره، و خلق حدودا و خطوطا بين التفسيرات و المفهومات و قاد الى هذه الحالة المزرية من التناحر و التشتت،

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك عزيز الاخ د. صالح الرزوق على هذه المداخلات القيمة تمنياتي لك بالعافية

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذه الحلقة المتعلقة بالاصلاح؛ و شكراً للدكتور مجدي ابراهيم لطرحه لهذا السؤال المهم و شكراً للدكتور صالح الرزوق على تعليقه. و احب ان اضيف التعليق التالي:

انا اتفق مع الاتجاه الاول –اي الاتجاه العلماني اي فصل الدين عن السياسة- و اتفق على ان فقه السلف الصالح و الفهم الخاطيء للدين الاسلامي و كذلك امية اغلب رجال الدين هي الاسباب الاساسية في تدميرنا و جعلنا نراوح في مكاننا منذ 1400 سنة مضت.
و انا اعتقد ان الدين هو علاقة روحية بين الانسان و خالقه و لا يحق لأحد مهما كان التدخل بها او استغلالها لاغراض سياسية او تجارية او اجتماعية او تفريقية خاصة به. الدين لله و الوطن للجميع.

و ان هذه الرؤيا بنيت على الاسسس التالية:

1- الاديان السماوية بشكل عام و الدين الاسلامي بشكل خاص ليست اديان سياسية و انما اديان ايمانية عقدية. تهدف الى تهذيب النفس الانسانية و صقلها للتخلص من كل امور السوء الضارة. ان دور الرسول مبشراً و نذيراً و كما موضح في الاية التالية.

الفرقان -55.
وما ارسلناك الا مبشرا ونذيرا

و لا اكراه في الدين "من شاء فأليؤمن و من شاء فليكفر---".

2- بالرغم من مرور 1400 سنة مضت لا يوجد نموذج اسلامي سياسي/عقدي يقتدى به. ثلاثة من الخلفاء الراشدين قتلوا و لا نعرف بالضبط لماذا قتلوا و من قتلهم؟؟. تاريخنا اغلبه مشوه و مزور !!!. و كل الحكّام المسلمين الذين قادوا الاسلام بعد الخلفاء الراشدين كانوا يستعملون الدين و وعاظ السلاطين من رجال الدين لدعم حكمهم و خنق اي صوت يدعو الى التحرر و الانعتاق من جبروتهم. و هذا سبب تخلفنا.
و للأسف الشديد ان هذا السيناريو مستمر لحد يومنا هذا.

3- و السبب الاساسي في اعاقة اصلاح الامة هو الكتب الصفراء و رجال الدين الذين يجترون محتوياتها على طول السنة. ان رجال ديننا يعلمون ان لا مذهبية في الدين الاسلامي و لكن اصرارهم عليها هو في حد ذاته تحد لأرادة الله التوحيدية "و اعتصموا بحبل الله جميعاً و لا تفرقوا –". و بما ان مجتمعاتنا مجتمعات متخلفة فأن اي انسان يأتي بفكرة او رأي لأنقاذ الوضع فأنه يحارب و ينبذ من قبل رجال الدين اولاً و من قبل المجتمع ثانياً؟؟.

4- ان التمسلك بالسنة النبوية و بالسلف الصالح بشكل مطلق يتعارض مع مفهوم الدين الاسلامي. و السبب يعود الى ان هنالك الكثير من الاحاديث المزورة المنسوبة للرسول و كذلك لرجال السلف الصالح. بالاضافة الى هذا ان دور الرسول "مبشراً و نذيراً " كما وضح اعلاه. امّا اصحاب السلف الصالح فهم بشر مثلنا قد يخطؤا و قد يصيبوا فلماذا نمنحهم القدسية؟؟.

بالاضافة الى هذا ان الرسول الا يعلم بالغيب لان امور الغيب عند الله فقط كما مبين ادناه:

الانعام-50
قل لا اقول لكم عندي خزائن الله ولا اعلم الغيب-----الخ.

الانعام-59
وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو ويعلم ما في البر والبحر---الخ.

و الآيات اعلاه واضحة المعنى و الدلالة. ان الرسول لا يعرف كيف تكون حياة الناس بعد 2000 سنة ؛ فكيف تكون سنة الرسول ملائمة لكل زمان و مكان؟؟؟. قد تكون ملائمة الى زمنه او ان قسم منها يتلائم مع التطور الزمني. و اذا كان الرسول لا يعرف بالغيب فكيف نأخذ آراء رجال فقه السلف الصالح و هم بشر لم ينزل عليهم شيء من السماء كمسلمات ملائمة لكل زمان و مكان؟؟؟؟؟. اسئلة تطرح نفسها علينا؟؟.
ان علم الغيب يرجع الى الله فقط.

5- ان الله يعرف انه في يوم ما قد يصيبنا الجمود و تتحجر عقولنا و نبقى نرواح في مكاننا نلف و ندور حول فقه السلف الصالح و تأويلاته لآيات القرآن. لذلك ان الله اعطانا آية في منتهى الاهمية و هي:

آل عمران-7
هو الذي انزل عليك الكتاب منه ايات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله وما يعلم تاويله الا الله والراسخون في العلم يقولون-------الخ"

هذه الاية مهمة جداً و تتكلم عن آيات محكمات هن ام الكتاب و يقصد بها الايات المتعلقة بالعبادة من صوم و صلاة و حج---الخ. ان هذه الايات ثابتة النص و التفسير.

و الآيات المتشابهة هي الايات التي تكون ثابتة النص و متغيرة التأويل مع الزمن ؛ اي مع الاجيال.
و الشيء المهم ان الاية نصت "لا يعرف تأويله الاّ الله و الراسخون في العلم". و لم تذكر اسم الرسول لان الرسول لا يعلم في الغيب حسب في وضح في اعلاه و في الكثير من آيات القرآن.
و يمكن الاستنتاج ان الله ترك آيات القرآن (ما عد التي تتعلق بأصول الدين) مفتوحة التأويل لكل المراحل الزمنية؛ اي عبر الاجيال. لاننا نحن لا نعرف ماذا يحصل للعالم بعد 1000 سنة من الآن و لذلك ان هذه الايات تؤل حسب الفهم الانساني لمراحل الزمن.
لذلك نستطيع ان نقول ان الذين يقدمون لنا فقه السلف الصالح كمسلمات و يقينيات يجب التقيد بها؛ عليهم ان يفهموا مغزى هذه الاية القرآنية المهة. ان هذه الاية تبقي العقل الانساني المتطور مع الزمن هو سيد الحكمة في تأويل آيات القرآن في كل مرحل الحياة الانسانية الى يوم الساعة. و شكراً
آسف على الاطالة
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

كبير احترامي للاستاذ الدكتور ثائر عبد الكريم متابعته واضافته ما ينفع، لك احترامي وتمنياتي

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة للاستاذ الدكتور ماجد الغرباوي على هذه السلسلة البيضاء التنويرية وتحية لجميع المشاركين في هذه السلسلة من خلال طرح الاسئلة وابداء الرأي.

يادكتور انك طرحت سؤالا وكان في غاية الاهمية وهو الدين ودور الإنسان في الحياة، وهل هدف الشريعة سعادة الإنسان أم إختبار لعبوديته وطاعته؟ وهل الأولوية له أم للتشريع؟.
فنرجوا منك يادكتور تبيان رأيك الصريح بهذا الخصوص . كما ونحن نعلم ان ماجاء بالنص القرأني ومن خلال الايات القرانية تنص على السعادة والعبودية والطاعة معا فايهما كان الارجح في رأيك .
والسلام عليكم .

This comment was minimized by the moderator on the site

سياتي توضيح للفكرة لكني تحدثت عن منطقين، منقط العبودية ومنطق الخلافة، اي منطق الانسان الخليفة. اتمنى قراءة الحلقة الخاصة بها: 79 و80 شكرا لك مجددا الاخ الاستاذ ابا سجاد، تحياتي

This comment was minimized by the moderator on the site

‏رغم إني أنهيت قراءة جميع مقالات الاخ الاستاذ ماجد الغرباوي الا إنني اجد نفسي مرغما لاعادة قرأتها من جديد علها تعيد ترتيب افكاري المبعثره التي كلما زادت مداركها المعرفية ازدادت معها ضبابية الدين وشرائعه السماويه في مجاراة تطور الحياة وتعقد مجالاتها. فجميع الأحكام الدينيه انبثقت لتعالج مشاكل الحياة القائمه في ذلك العصر فكيف تكون نفس تلك الشرائع والاحكام بكلتا شقيها التعبدية والعقدية صالحه لكل عصر.....! خذ على سبيل المثال احكام الصيام والصلاة وغيرها فإنها تصح ما دمنا نعيش على كوكب الارض وتنتفي بمجرد الخروج منها لارتباط الإتيان بها بزمانها المحدد لها. وكذلك الحال بالنسبة للميراث والربا، فالمرأة في ذلك الزمان شيء واليوم شي اخر مختلف في مكنتها بالنسبة للمجتمع والبنك الربوي يشكل اليوم عَصّب الحياة فأن قمنا بتعطيله تبعا للشريعه فسوف نوجه ضربة قاضيه للاقتصاد العالمي. وحين مطالعتي لاراء الاستاذ ماجد الغرباوي وجدت في آرائه فيما يتعلق بالأحكام الدينيه منفذا للخلاص من بعض الاشكالات الموجه لتلك الأحكام اذ انه ينظر للمصلحه المتوخاة من تلك الأحكام فأن تحققت المصلحه لاحاجة للإتيان بطقوس الأحكام في شكلياتها المعهودة منذ زمن الرسول. وهو رأي عبقري فذ ومع شديد الأسف لايلقى روجا في الأوساط الدينيه ....! ومع ان هذا الفكر الحداثوي المتألق للأخ الاستاذ الغرباوي الا انه يواجه مشكلة حقيقية في سريان هذه الاّراء في الأحكام التعبدية كالصوم والصلاة وغيرها اذا لابد من التعبد بها في زمانها ومكانها المحدد لها ولا ادري كيف تصح حين يتم الانفتاح على الفضاء الكوني وما فيه من مجرات وسدم كونيه لها أوقاتها التي تختلف جذريا عن كوكب الارض........ تحياتي للأخ الاستاذ الغرباوي لهذه الجهود الجباره.

This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ القدير جابر علي مرهون، يسعدني قراءتك ومتابعتك وحرصك على فهم ما جاء في هذه السلسلة من الحوارات. ما تفضلت به عن التيه المعرفي صحيح لكنها بداية صحيحة ستاخذ الافكار مسارها، وحينئذ سيكون لدينا ضوابط لتقييم ما نقرا من افكار. وما تفضلت به ايضا صحيح حول فقه العبادات سياتي في الحلقة التالية تكملت هذا الموضوع. اجدد احترامي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4345 المصادف: 2018-07-29 04:32:32