المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (90): السُنّة وحدود التشريع

majed algharbawi9مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة التسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق12) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

السُنّة وحدود التشريع

ماجد الغرباوي: لا ريب أن التشريع مختص بالله أصالة، وتتوقف فعلية أي حكم شرعي على نزول الوحي "قل الله يفتيكم"، "قل لا أجد فيما أوحي إليَّ"، (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ)، (فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ)، فيصدق أن "الحكم الشرعي في القرآن يعدُّ شرطاً لحجية سيرة النبي: قولا وفعلا وتقريرا. فتقتصر مهام الرسول على البلاغ والبيان والتفصيل. وهي خطابات ملزمة شرعا، شريطة فعلية موضوعاتها. وهذا هو القدر المتيقن الملزم من السنة في جميع الحقول. وما عدا ذلك يرتهن لدليله القطعي سندا ودلالة، ما دامت لا توجد آية صريحة بجعل الولاية التشريعية لأحد، سوى تأويلات تمت مناقشتها سلفا. وبهذا نخلص إلى نتيجة حول علاقة السُنّة النبوية بالكتاب الكريم: قولا وفعلا وتقريرا، مفادها، توقف الروايات التشريعية على وجود جذر قرآني، كي تكون الرواية مبيّنة أو شارحة أو مفصلة وفقا لاختصاص النبي قرآنيا. لذا فالسنة، كخطابات نبوية، لا تنحصر بالتشريع، ولا يمكن أن تكون جميعها حجة علينا، فهناك عدة مستويات تختلف في درجة إلزامها. وهي:

 أولاً - بيان وتفصيل الحكم الشرعي القرآني وفقا لمقتضيات الواقع وضروراته. وهي جملة أحكام تُركت مطلقة لتواكب تطور وعي الناس، كالصلاة التي بيّن القرآن أركانها: (قيام وذِكر وركوع وسجود)، تلميحا أو تصريحا، وترك تفصيلاتها وفقا لحاجات دينية وحياتية يتكفل النبي بيانها، كعدد الركعات. لذا روي أن الصلاة كانت في بداية البعثة ركعتين لكل فرض، ثم زاد عليها النبي بعد هجرته للمدينة، باستثناء فريضة الصبح، وهذا ممكن ما دامت غير محددة قرآنيا، فتتأثر تفصيلاتها بالواقع وضروراته، شريطة المحافظة على قيمتها الروحية بشكل تؤدي وظيفتها العبادية والاجتماعية: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ). والنهي عن الفحشاء والمنكر تعبير آخر عن التقوى التي هي جزء من  فلسفة العبادات في الإسلام، لذا تتكرر في القرآن عبارة: "لعلكم تتقون". والتقوى شرط أساس لقيام المجتمع الصالح، واستقرار الأمن والسلام. فمفهوم الصلاة بالمعنى العام يصدق على كل تجربة دينية جوهرها التهجّد والتأمّل والتفكير والطاعة والحضور القلبي والتوحد والوجد، وهو مقتضى إطلاقها، فتشمل حتى الدعاء، وفقا لمعناها اللغوي، قبل انتقالها للمعنى الشرعي، فقد جاءت الصلاة مطلقة قرآنيا غير مقرونة بالقيام، كقول: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ). وهي بهذا الفهم يمكن أداؤها في مختلف الظروف، وقد أفتى الفقهاء بجواز بعض الصلوات قياما وجلوسا وماشيا وراكبا. ما دامت تحقق ملاكتها، خاصة الصلوات المندوبة، لشمولها بمطلق الذكر في قوله: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ).

ثانياً – تطبيق كليات الأحكام القرآنية على مصاديقها، كتطبيق مفهوم الزكاة على مصاديقه من النقدين والأنعام الثلاثة، والغلّات الأربعة. وهذا أوضح مصاديق بيان وتفصيل آيات الأحكام. وهو تفصيل أقتضته طبيعة الموارد المالية في المدينة وشبه الجزيرة العربية، فلا يقتصر عليها، بل تشمل الموارد المالية الغالبة، مادامت تمثل مصدر رزق للناس، ويمكن استيفاء زكاتها لمستحقيها. كما لو كانت بعض البلدان لا تتعامل بالنقدين الذهب والفضة. أو أن الغالب على محاصيلها الزراعية القطن. وربما لا تعرف زراعة الحنطة والشعير وتقتصر محاصيلها على الرز. فهذا اللون من الروايات ترتهن فعليتها للواقع، وطبيعة تنوع وتوزيع الثروات.

ثالثاً – تشخيص موضوعات الأحكام. حينما يُحتكم للنبي الكريم في بيان حدودها، كالاستطاعة للحج، فتكون طاعته طاعة للخبير المتخصص. لأن الحكم الشرعي لا يدعو لتحقيق موضوعه خارجا أبدا، ويحتاج إلى تشخيص خارجي. فلا تكون روايات مطلقة، ولكل ظرف خصوصياته التي تتحكم بتحديد الاستطاعة للحج. فكل شيء قد تغير وعلى جميع المستويات. فلا حجية لهذا الروايات خارج بيئتها.

رابعاً - الارتكاز في حكمه لمبدأ عقلي أو إنساني مستخلص من روح الدين، كما في قاعدة لاضرر في الإسلام، التي تقوم على العدل وعدم الظلم.  حيث قول النبي: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام". فالإلتزام بهذا اللون من الروايات إلتزام بأحكام العقل، وهي أحكام شاملة لا تختص بشخص دون أخر، رغم تفاوت الناس في إدراك مبانيها.

خامساً – الروايات التي تنقل لنا أحكاما إرشادية، فيها إرشاد لحكم العقل أو مرتكزات عقلية واجتماعية. ومثالها عندما يحيل الصحابة على التفكر في خلق السماوات والأرض. وهذا اللون من الروايات يختلف عن سابقتها، فيها إرشاد مباشر لحكم العقل. كقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).

سادساً – الروايات التي ترتكز إلى مبادئ وقيم أخلاقية. فتكون ملزمة باعتبار الرسول الكريم أسوة في مجال الأخلاق والقيم الإنسانية. (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ). لكن يبقى للواقع ضروراته، فالأخلاق ليست مطلقة دائما، وبعضها نسبي.

سابعاً – الأحكام الولائية: التي صدرت عن النبي باعتباره ولياً لأمر المسلمين وقائدهم العسكري، (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). وهذه الأحكام تكون سارية في حينها، ولا فعلية لها بعد وفاته، لكن يمكن الاستفادة منها كتجربة نبوية. مثالها، تحريمه بيع المياه خلال إحدى الأزمات التي مرت بأهل المدينة. مما يعني إمكانية فرض أحكام ولائية استجابة للواقع وضروراته.

ثامنا: ما يصدر من محمد بن عبد الله باعتباره بشرا، يختار ما يلائم ذوقه وذائقته في الحياة الدنيا. وهذا الجزء من سيرته أمر شخصي، ليس بحجة على أحد. ومن يبغي التأسي به، يجب مراعاة الواقع، فما اختاره في ذلك الزمان ليس بالضرورة أن يكون مناسبا لهذا الزمان، بعاداته وتقاليده.

تاسعا: بعض ما يصدر عنه يخص أحكاما خاصة به فلا تكون ملزمة لغيره: كتفصيلات صلاة الليل الواجبة عليه. ومن أراد التأسي فليتأس.

بهذا يتضح حدود الشريعة في السنة النبوية فهي محدودة بحدود آيات الأحكام قرآنيا. وبالتالي لا حجية لمطلق سيرته كما يرى أصحاب الحديث والسلفيون. وهذا لا يمنع من الاقتداء به باعتباره شخصية ربانية، سامية في سلوكها وأخلاقها. لكن الكلام حول مساحة الحكم الشرعي الحجة الذي مصدره سُنّة النبي قولا وفعلا وتقريرا.

السُنة النبوية والواقع

يبقى السؤال، ما هي معايير ومرجعيات النبي الكريم وهو يفصّل ويبيّن الأحكام الشرعية القرآنية المجملة؟ هل ما يقوم به وحيا أم ما يفرضه الواقع ومقتضيات الحكمة؟.

لا طريق للرسول سوى معرفة ملاكات الأحكام التي هي من باب الحكمة التي وهبها الله تعالى له، والنظر للواقع وضروراته، وحاجاته. أما بالنسبة لإدراك ملاكات الأحكام تجد الكتاب الكريم يبين للنبي كيفية التعرف عليها من خلال ما سرده من أحكام وتعليمات في سورة الاسراء (23 – 39)، وهي آية مفصلة تبدأ بآية: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ)، وتختم، وهذا المهم جدا، بآية: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا).

وأما بالنسبة للواقع وضروراته، فمثاله حصر الزكاة بالنقدين والأنعام الثلاثة والغلّات الأربعة دون غيرها، مراعاة لواقع المدينة وما هو السائد في ثرواته. وإلا فالزكاة لا تسقط في بلد تختلف فيه محاصيل الحبوب، لأنها مطلقة في الكتاب الكريم، وله وظيفة اجتماعية ودينية، تتوقف عليها سعادة الانسان واستتباب الضمان الاجتماعي. فلا خصوصية للحنطة والشعير والتمر والزبيب، سوى أنها محاصيل غالبة آنذاك. وأيضا بالنسبة للنقدين، فإن الزكاة كانت ناظرة لقيمتها، فتشمل العملة المتداولة اليوم، سواء كان غطاؤها ذهبا وفضة أم لا. فالواقع إذا يلعب دورا في تحديد مصاديق وموضوعات الأحكام الشرعية. والنبي الكريم يوازن بين العدل، الذي هو ملاك الأحكام، والواقع الموضوعي. لذا يتأثر الحكم بموضوعه حينما يطرأ عليه أي متغير عبر السنين، فينبغي أن يؤخذ ذلك بنظر الاعتبار في فعلية الأحكام الشرعية. 

الوعي الديني

س: 85- أ: د. مجدي ابراهيم: ... فمن اللازم اللازب أن يسْفر هذا ضرورة عن الفصل التام بين الحديث والقرآن في إطار ثورة من التصحيح معرفية بشرية فهل: يعدُّ مثل هذا التخريج (لوجهة نظركم) صحيحاً؟

ج: 85- أ: ماجد الغرباوي: لا شك بصحة ما تفضلت به، وحقا نحن بحاجة إلى ثورة معرفية لتصحيح مسارات التفكير الديني، وإعادة النظر بمرجعياته. وقد صدر لي حديثا في هذا السياق كتاب جديد بعنوان: "النص وسؤال الحقيقة.. نقد مرجعيات التفكير الديني". وأحسب أن الثورة الداخلية، أي من داخل النص والفكر الديني أكثر مصداقية. وبالتالي، فثمة ضرورة، للفصل التام بين الحديث والقرآن، لتدارك تبعات استغلال السنة، وتوظيفها بعيدا عن الهدف الديني. والعودة للقرآن برؤية جديدة تسمح بمواكبته لتطور الفرد والمجتمع. وليست الدعوة للفصل بينهما انحرافا أو تمردا أو اجتهادا شخصيا. وقد استشهدت بآيات الكتاب والوقائع التاريخية على وجود اختلاف جوهري بينهما. فما دام الدليل معي فهي صحيحة، ونحن أبناء الدليل أين ما مال نميل. ولم أقل شيئا جزافا وقد بينت أدلتي بشكل واضح. جميعها يرتكز للكتاب الكريم، والعقل، ومقتضيات الحكمة، والمبادئ الأصولية المتفق عليها عندهم، فتبدو بعض الآراء غريبة لأني أقدّم فهماً آخر للدين ودور الإنسان في الحياة، وتحديد مهمة السيرة النبوية، وفق وعي مختلف لمهام الأنبياء تاريخيا. وهو فهمُ لا يغادر مرجعيتي الفكرية والعقيدية، المفارقة لكل الأطر العقدية التي فرضتها الأيديولوجيات، والمصالح السياسية والطائفية والمذهبية.

- فعندما أنفي الصفة التشريعية للنبي، فدليلي هو الكتاب الكريم الذي حدد دور الأنبياء صراحة، ولم يسند لهم أية ولاية تشريعية، لأنها مختص بالله تعالى، كما بينت بالأدلة مرارا. وقد أكد القرآن كمال الشريعة في آية اليوم أكملت لكم دينكم. فيقتصر دورالرسل والأنبياء على تبليغ وبيان وتفصيل وشرح الأحكام. وقد ناقشت الأدلة القرآنية التي يُستدل بها على حجة مطلق سُنة النبي، كآية: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) و(وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). ووضحت بالدليل أنها تختص بالجانب التطبيقي، وضرورات إدارة المجتمع وشؤون الحرب والجهاد آنذاك. وإلا سيسري جواز التشريع من النبي إلى أولي الأمر، لوجوب طاعتهم أيضا، كما في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ)، ولا أحد يقول بذلك، بل أن نفس الآية تؤكد إمكانية صدور الخطأ منهم: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ). وما يقوم به الفقهاء ليس تشريعا بل استنباطا للحكم من مصادره.

ثم لماذا يتوقف النبي عن الإجابة على أسئلة الناس، وينتظر هبوط الوحي؟. فيجيب: (يسألونك، ويسألونك، ويستفتونك). أليس في هذا دليل على نفي صفة التشريع واختصاصه بالله تعالى؟. الآية تؤكد على النبي إختصاص التشريع بالله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ)، فبالإضافة إلى توقف النبي عن الجواب، الذي فيه دلالة بالغة، تؤكد الآية اختصاص الباري تعالى بالتشريع: (قل الله يُفتيكم).

أجد في توقف النبي الكريم عن الإجابة على أسئلة الصحابة، وانتظار الوحي، تأكيدا على دوره المنحصر بالبيان والتفصيل. ولعل عدم إدراج سُنته ضمن آيات الكتاب دليل على وجود تباين جوهري، هو الفارق بين الثابت والمتغيّر. وبين المقدس الإلهي والتفصيل النبوي البشري، الناظر للواقع وحاجاته. وعندما يصرّ النبي على عدم الخلط بين كتاب الله وسُنته، فهي حكمة بالغة، ينبغي إدراكها واتخاذها مرجعية في فهم الدين. فكان النبي قاصدا بخطواته الإجرائية تحصين الكتاب، والحيلوله دون تسرّب شيء من أقواله إليه، ليبقى القرآن مرجعية نهائية، وتكون السُنة شارحة ومبيّنة في ضوء الواقع وضروراته، كي يواكب الكتاب الواقع وتطور الحياة، وحاجات الإنسان والمجتمع، دون التمادي بالتشريع وإغراق الإنسان بأحكام تصادر حريته، وتقمع فيه روح الإبداع.

- وعندما أقول أن فعلية الحكم الشرعي تتوقف على فعلية موضوعه طرحت أدلتي من الكتاب الكريم مفصلا، كما أن الواقع يفرض نفسه. ولا يمكن للحكم الشرعي في مجال الأحكام الشرعية الاجتماعية والحقوقية المكوث في زمن البعثة. فنحن نعيش واقعا مختلفا، ومجتمعا قد تطور شئنا أم أبينا، وراحت شٍرعة حقوق الإنسان تتحدى الأديان، رغم تحفظنا على بعض بنودها. 

العقل التراثي 

س: 85- ب: د. مجدي ابراهيم: وإذا كان هذا التفسير وارداً فكيف يمكن اقتلاع جذوره من العقلية التراثية؟ وكيف يتمٌّ خرق اليقينيات بمحاولات العقل الحداثي، ووضع القرآن في رباط محدد بظرفه الزماني وبمتغيرات ضرورات الإنسان ومواكبة العصر كيف يتم خرق طلاقة النص القرآني؟

ج: 85- أ: ماجد الغرباوي: ليس من السهل اقتلاع التفسير التراثي، خاصة وقد ارتبطت به مصالح أيديولوجية وطائفية، وأصبحت السُنة ملاذا للكذب على الله ورسوله، وافتراء الأقاويل. فليس أمامنا سوى مواصلة النقد لكل تأسيس تراثي، وطرح البديل وفقا لمنهج التأصيل العقلي، الذي تحدثت عنه، بعد بيان سبب إخفاق الاتجاهات الإصلاحية والإحيائية والتجديدية وحتى التنظيرية. نحن بحاجة على منهج يؤصل لقيم العقل ومقتضيات الحكمة ومركزية الإنسان، ويعيد النظر في جميع ثوابت العقيدة الدينية، كي تستقيم الأمور. فنحتاج إلى:

- إعادة النظر في نسق الأطر العقيدية التي تقمع العقل التراثي، بما فيها حجية مطلق السُنة النبوية. وما لم تجدد عقيدتك باستمرار، سيركنك التاريخ في إحدى زوايا الغلو. وبالتالي ينبغي لنا مغادرة النسق العقدي المألوف، واستبداله بنسق معرفي له قدرة على مواكبة الحياة وفهم الدين وحاجات الإنسان.

- اعتماد مناهج جديدة لتوثيق الروايات، وكيفية الأخذ بأخبار الرواة، وضوابط توثيقهم وإثبات صحة رواياتهم.

- الاستفادة من المناهج الحديثة لقراءة وفهم النصوص الدينية، خاصة النص القرآني الثري بدلالته ورمزيته، وترابط مفاهيمه.

- الأخذ بنظر الاعتبار واقع المسلمين في الفتاوى وتشريع الأحكام.

نحن بحاجة إلى ثورة معرفية شاملة، ومواجهة ضارية مع المألوف من ثقافة دينية، من خلال نقد علمي موضوعي، لا تراوده الأوهام ولا تهزه ترسّبات العقل التراثي، ووساوس اليقين النفسي.

بلا شك المهمة صعبة، بعد تراكم تراثي هائل، وبيئة تساعده على رثاثة الوعي، والقبول بالسائد، وتقديس التراث والسلف ورجل الدين، لكن هذا لا يعرقل طريق الإصلاح والتجديد. فعلينا مواصلة الطريقة والاستفادة من كافة الوسائل لنشر الوعي، وانتشاله من رثاثته وتقوقعه.

 

اليقين السلبي

نحن بحاجة لتقويض اليقين السلبي عند الناس عامة، ورجل الدين خاصة. وأقصد به: "ما يعيق الفعل الحضاري من جزميات وقناعات راسخة، توجّه وعي الإنسان وتضبط سلوكه وحركاته ومشاعره. فتكرّس حالة الانغلاق والتخلف، والإنكفاء المرير للماضي". وينبغي تفكيك سلسلة العقائد التي راحت تتناسل في ثقافتنا، سيما في مجال العقيدة والفكر، والوقوف بحزم بوجه الطقوس والسلوكيات التي تشرذم الوعي، وتكرّس النكوص والتخلف. على الضد من اليقين الإيجابي الذي يدفع باتجاه الخير والعمل الصالح، ومحاربة الظلم والعدوان.

لقد قامت حضارة الغرب على الشك، وكانت بداية النهضة شكا اجتاح فضاء المعرفة وزلزل جميع اليقينيات الموروثة والمكتسبة، ثم اخضعوا كل شي للتجربة والبحث عن مصادره وأدلته. وبقى الشك يدفعهم باتجاه البحث والتنقيب عن الحقيقة، فلم يحدهم يقين مطلقا. بينما حياتنا حقل ملغّم بيقينيات لا يسمح لك المجتمع بالتشكيك بها، بل ربما يعرّضك الشك إلى القتل من قبل المتزمتين. وهي حالة مرت بها أوربا ثم تجاوزتها، بعد صراع مرير مع الكنيسة. والغريب حتى الوقائع التاريخية لا يسمح لك عندنا مقاربتها والبحث عن حقيقتها، وإنما عليك التسليم والإيمان بها مطلقا وفقا لعقيدة العوام. وإلّا ستكون خارجا على الدين والمذهب. من هنا تجدنا نتفاخر باشياء لا نعرف ما هي حقيقتها، ونخشى مقاربتها خوفا من انكشاف زيفها.

وقد افرز لنا اليقين السلبي نمطا من السلوك، أرهق وعي الفرد والمجتمع، وصادر حريته وارادته، وسخر كل امكانياته، من أجل طقوس وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان. بل تمادى الخطاب الطقوسي القائم على اليقين السلبي، ففضل الطقوس على العمل الصالح، على الضد من الخطاب القرآني (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين)

ولعل من أسباب هذه اليقينيات، إضافة إلى سذاجة الوعي، وسوء الظروف المعاشية والاجتماعية، تراثنا المشحون بروايات عن السلف ترسخ تلك اليقينيات وتمنحها صفة شرعية، يصعب مناقشتها فيُسَلّم لها ويتعبد بها كيقينيات غير قابلة للشك.

 

س: 85- ج: د. مجدي ابراهيم: وإذا هو؛ مع الفرض، قد تمّ أفلا يتعارض هذا؛ مع مصدر التشريع الأساسي على الأقل فيما توجب من فهم قوله تعالى (وتلك حدود الله فلا تقربوها).

ج: 85- أ: ماجد الغرباوي: أكدت مرارا أن العمل بقاعدة فعلية الحكم الشرعي تتوقف على فعلية موضوعه، لا تنفي التشريع، كما يفعل النسخ، الذي يلزم منه جهل الخالق. بل يسقط التكليف لعدم فعلية موضوعه. وبالتالي لا يوجد أي تحدٍ أو تلاعب بحدود الله معاذ الله. بل هو فهم للشريعة وليس إلغاؤها. فقه الشريعة وفق مناسبات الحكم والموضوع لتحديد فعلية الحكم كما بالنسبة لآية الحج. وأما إلغاء الشريعة فيلغي أصل التشريع لأي سبب كان، وهذا لا أقول به.

وردا على من يقول: (أحكام الله لا تقاس بالعقل)، أقول: "لا فقه لأحكام الله الا بالعقل". ولولا العقل لما كلفنا الله بالأمانة، ولولاه لما تحملنا مشقة المسؤولية.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

في هذا الحوار استطيع ان اجد اكثر من اشارة الى حقيقة الاغتراب الميتافيزيقي و الذي اشار له الدكتور الرفاعي امس في المثقف،
فالركون لحرفية النص و بغض النظر عن الجانب السلوكي للغة و تاريخية الظواهر الالسنية و التراكيب و المجاز، وضع العقل في بئر اسود او حفرة، و هو ما يسميه النقد الادبي بال abyss. فعدم وعي الوظيفة المرجوة من التعليمات و الاوامر و النواهي، يحول الفكرة الى مجرد روتين، لا يعي نفسه، او لا يعقل معناه، مما يؤدي لاحقا لنوع من فقدان الاتجاه، ثم الاغتراب الميتافيزيقي،
فالطقوس تأخذ شكل علاج رتيب و روتيني لمسألة الفهم الانساني لقيمة الدين،
و يكون الانسان في هذه الحالة مجرد روبوت ينفذ و لا يفكر، و يؤدي افعالا لا يمكن ان يفهم معناها او دورها،
فالجهاد للدفاع عن النفس يصبح مع الزمن رغبة بالاستيلاء و سفك الدماء،
و هذه هي مشكلتنا مع التفكير المادي للجوانب الروحية و النظيفة من الدين،

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لتعليق الاخ الاستاذ الدكتور صالح الرزوق.وشكرا لتعليقك. التراكمات الخاطئة لفهم النص ودور الدين تسبب في وعي يكرس الجهل والتبعية. خالص الاحترام

This comment was minimized by the moderator on the site

نحن في زمن التغييرات الجذرية، علينا إن كنا نريد أن نساهم بالحضارة العالمية كما سام بها أجدادنا، أن نستفيد من الخطوات التي جرت عليها الديانات السابقة كالمسيحية، على سيل المثال. وأن نضع مصلحة الإنسان غاية لا وسيلة، فلقد وجدنا لنعيش، لا لنخدم فكرة ما مهما كانت مقدسة، وهذا يعني تغيير الكثير من المبادئ التي جاء بها الإسلام، وخلق موازين جديدة تتغير وفق مصالحه. فإباحة حرية العبادة على سبيل المثال حق مقدس للجميع، ولا يحدد بما جاءت به الأديان السابقة.

This comment was minimized by the moderator on the site

احترامي لمشاركة الروائي القدير الاستاذ محمود سعيد. اتفق معك حول مركزية الانسان التي صادرتها الرؤى الفقهية، ومنطق تكريس العبودية. نسعى لتقدم فهم مختلف للدين. اكرر اعتزازي

This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي العزيز الأستاذ ماجد ، فتح الله عليك وزادك ، يبدو أن توالي الإجابات على الأسئلة يشعر القارئ أن الفراغ منها ضرورة .. ربما زاد الأمر من قبل السائل على حده فلم يبق إلا الإجابة المقتضبة السريعة التي يعوزها التفصيل لا الإيجاز والاجمال .. لكن جمال الفكر وجلاله إن في التفصيل وإن في الاجمال يقتضي العودة للقراءة من مرحلتها الأولى. ومع كل قراءة متعة يصاحبها كدّ الذهن في المقروء تسفر عنها وتنتج. أوافقك على ما ذهبت إليه في أكثر مما ذكرته بيد أنني اعترض على إجابة السؤال (٨٥ ) لأنه يظهر ان هنالك لبس في الموضوع، فأنا لم أقصد تخريجك أنت لما قصدت بل حكمك على التخريج الذي أردته أنا من وراء كلامك .. فيكون السؤال هكذا : هل يعد تخريجي لفهمك لتلك المسألة من وجهة نظرك صحيحاً ؟ هذا ما قصدته أنا . أما إجابتك فكان لها فيما أظن مقصد آخر فكأنما أردت أنا تجريد اجتهادكم فيما تجتهدون فيه، وهذا لم أقل به، ولم يخطر لي على بال.

This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ الدكتور الجدير مجدي ابراهيم، بدءا اتقدم لك بجزيل الشكر على مشاركتك وأسئلتك القيمة التي حرضت على فعل الكتابة الذي تمخض عن 12 حلقة (ممكن أن تكون كتابا مستقبلا)، واعتذر عن الإطالة بسبب المناسبات التي حالت دون توالى النشر. وايضا فان الاسئلة تمت صيغتها من قبل خبير يعي ما يقول، فكان لابد من التفصيل. وكانت فرصة لتأصيل منهج التأصيل العقلي في مقابل اتجاهات الاصلاح الاخرى.
اعتذر لك عما حصل في بداية السؤال 85 والسبب اني اقتطعت بعض السؤال للاسف الشديد، لكن تداركت الامر. اتمنى قراءة ما كتبته تحت عنوان: الوعي الديني. فلك جزيل الشكر نبهتني واغفر خطاي، وانت الكريم.
سعيد بحضورك ومشاركتك، ونهاية الحوار اجدد شكري واعتزازي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4401 المصادف: 2018-09-23 07:55:53