المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (92): حدود الله

majed algharbawi1مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الثانية والتسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الأستاذ الباحث مهدي الصافي.

 

تلك حدود الله

ماجد الغرباوي: لقد حذّر القرآن الكريم من المساس بالحدود بشكل يوحي أن أساليب تنفيذ العقوبات جزء من موضوع الحكم: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا)، (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). وهو أهم إشكال يواجه فقه الشريعة عندما يعمد الفقيه لتحري إمكانية إقامة الحدود بأساليب حديثة.

والسؤأل: هل الجلد وقطع اليد مجرد وسائل لتحقيق ملاكات الأحكام، وقطع دابر الجريمة وروح العنف، أم هي جزء من موضوع الحكم؟ فيكون مثلها مثل آية "فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ"، ورواية: (صم للرؤية وأفطر للرؤية)، فهناك من يعتقد أن تحقق الرؤية الشرعية للهلال تتوقف على رؤيته بالعين المجردة، فهي جزء من الموضوع. وآخر يرى أنها مجرد طريق لثبوت الرؤية، فتشمل العين المجردة والعين المسلحة (التلسكوب والحسابات الفلكية). فهل جزاء السارق عقوبة رادعة لجريمته مطلقا، أم لا تسقط عقوبته إلا بقطع يده؟

قبل الإجابة على السؤال، نستعرض الآيات التي استدلوا بها على حرمة المساس بحدود الله، وهي التمسك بظاهر النصوص، فتقطع يد السارق، ويجلد الزاني، ويقتل القاتل. وهو مقتضى منهج الاستدلال التقليدي، الذي يتمسك بظواهر النصوص، مع عدم مراعاة تاريخ النص وفلسفة الحكم الشرعي. وعدم التقيّد بمقاصد الشريعة. ويلزم منه دائما تجريد العقوبات الجسدية من تاريخيتها، لتبقى مطلقة، مهما كان الواقع وضروراته. وتقليد السلف حتى في التعزيرات، التي هي أحكام قضائية، خاضعة لتقدير الحاكم. فالديات والغرامات المالية مثلا تقرر قياسا على ما جاء في الروايات. ويبقى الحاكم أسير أحكام قضائية جاهزة، رغم أن ملاك الحكم هو العدل، وهي قضية نسبية، تتاثر بالواقع وضروراته. بينما يتعامل منهج فقه الشريعة مع الأحكام الشرعية باعتبارها جزءا من المنظومة الإسلامية، فيدرس كل ما له صلة  بالحكم وتاريخه وفلسفته، مع تحري ملاكاته، والمرتكزات  التي قامت عليه.

وهذه الآيات هي:

- (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ).

- (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

الحد لغة، كما مرَّ تعريفه: "حاجز بين شيئين، يمنع اختلاط أحدهما بالآخر". فهو خط فاصل لتمييزهما. وقد جاءت كلمة "حد" في الآيتين المتقدمتين مرة  "حدود الله لا تقربوها"، وأخرى، "حدود الله لا تعتدوها". و(حدود الله: ما حَدَّه الله لكم من وجوب طاعته، وأحكامه الشرعية التي بَيَّن تحريمها و تحليلها). فثمة فارق دلالي، ومغايرة في المعنى بين كلمتي: "الاقتراب" و"التعدي". الأولى تحذّر اقتحام المحظور، والثانية تحذّر من التعدي والتجاوز. وعندما نعود إلى سياق الآيتين نجد دقة التعبير واختلاف المعنى بين مدلول الكلمة في الآيتين.

الآية الأولى: جاءت في سياق بيان حدود وقت الصوم، من طلوع الفجر إلى الليل، ثم حذّرت من تناول المفطرات، لذا احتاط الفقهاء بوجوب الإمساك قبل طلوع الفجر، لضمان صحة الصيام. واحتاط آخرون بوجوب الإمساك حتى انقضاء حمرة الأفق بعد مغيب الشمس، للتأكد من انقضاء المدة المخصصة شرعا للصوم، وصدق مفهوم الليل. وهذه التفصيلات تشكل قرينة متصلة على إرادة خصوص الحدود الزمنية للصيام، فلا ينعقد لها إطلاق خارجا. ولا تشمل غيرها من حدود وتعزيرات قضائية. وبعبارة أدق أن خطاب التحذير في الآية ناظر لوقت الصوم ، مما يشكل قرينة متصلة على عدم إرادة غيره من الأحكام، بدليل استخدامه لكلمة "لا تقربوها". فهي مساحة زمنية يحظر فيها تناول المفطرات المفسدة للصوم. وقد جاءت بعد رفع الحظر عن مباشرة النساء ليلة الصيام. ثم حددت وقت الصوم ومنعت من اقترابه، كإجراء احترازي لضمان عدم فساده، من هنا جاء احتياط الفقهاء بالامساك. وهذا تحذير متعارف خاصة في المناطق العسكرية والأمنية حيث تكتب لا فتة: "ممنوع الاقتراب، منطقة محظورة". فهي بصدد بيان ما هو محظور، لا بصدد بيان كيفية إقامة الحدود الشرعية المتعلقة بالقضاء وأحكامه. فتخاطب المسلمين: لكم مواقعة النساء ليلة الصيام بعد أن كان محظورا عليكم. ويجوز لكم الأكل والشرب، دون الاقتراب من وقت الصوم المحدد من طلوع الفجر حتى الليل، (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ).

الآية الثانية: عبّرت بصيغة مختلفة فقالت: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). فهي بصدد بيان الحقوق المالية بين الزوجين، التي عبرت عنها الآية بالحدود. فهناك حدود يعتبر تعديها وتجاوزها ظلما، خلاف للعدل والانصاف، وهي:

الحد الأول: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)، فالرجل أمام خيارين، لا يجوز معها الظلم والجور، إما عيش مشترك بإحسان، أو طلاق وانفصال باحترام. فالإمساك بمعروف حد العلاقة الزوجية، والتسريح بإحسان حد للطلاق والانفصال. وأي تجاوز لهما يُعد ظلما.

الحد الثاني: مهر المرأة حقها، لا يجوز له أخذه عند طلاقها. (وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا). فإذا طالبها باسترداد المهر فهوظالم لها، وقد تجاوز حدود الله، لأن الطلاق قد صدر منه.

الحد الثالث: إذا ساءت العلاقة بين الطرفين، وخافا أن لا يقيما حدود الله (والمقصود بحدود الله هنا، الإلتزام بالحقوق والواجبات الشرعية)، فيمكنها بذل المهر في مقابل حريتها وطلاقها، وهذا يصدق على المرأة الناشز التي لا تطيق معاشرة زوجها، فتبذل له المهر في مقابل طلاقها. (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ).

فالمراد بـ(فَلاَ تَعْتَدُوهَا)، أي لا تتجاوزوها، وهو ما تفسره الآية التي بعدها: (وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

وآية: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا)، ناظرة إلى ما تقدم من حقوق وواجبات، فهي حدود شرعية، نسبها الله له، تعظيما واحتراما، لردع الظلم والعدوان. لأن المرأة قد تستغل وتضعف أمام الرجل، فتهدر حقوقها.

وبالتالي فالآية أجنبية عن إقامة الحدود، وتنفيذ عقوبات الجناة (القاتل، السارق، الزاني). وتختص بأحكام الطلاق، وتنظيم الصيغة القانونية للحقوق والواجبات بين الزوج والزوجة. وهي بصدد ما يجوز وما لا يجوز، فعبرت عنها بالحدود. 

الأحكام القضائية

اتضح أن الآيتين لا علاقة لهما بإقامة الحدود، إلا على القول بإطلاق مفهوم الحدود الشامل لكل حكم قضائي، وحينئذٍ أيضا لا ينعقد إطلاق مع وجود قرائن لفظية متصلة صارفة. فينبغي العودة للقرآن لمعرفة مدى إمكانية استبدال وسائل إقامة الحدود، من العقوبات الجسدية إلى غيرها، بما يحقق هدف الردع عن الجريمة وحماية أمن المجتمع واستقراره.

بعض الآيات لم تحدد كيفية إقامة الحدود والقصاص من الجاني، وتركت الأمر مطلقا: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). فالآية سكتت عن طريقة إقامة الحد. قد تقول إن الآية أحالت على ما هو سائد ومرتكز عرفي، فلا داعي للبيان. وهذا غير صحيح فهناك أكثر من أسلوب، قد يكون بعضها أخف وطأة من غيره، رغم أن كلاهما يؤدي ذات وظيفة العقوبة الجسدية. فسكوتها يدل على أن القصد هو إقامة الحد لردع الجريمة، بأي أسلوب تحقق مادام متعارفا، وليس فيه ظلم ولا جور، وأن لا يسرف ولي الدم بالقتل.

وأيضا: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا). وهذه الآية أيضا لم تشر لكيفية إقامة الحد، مع تعدد طرقه، فنكتشف من خلال هذه الآية أن المقصود بالذات هو إقامة الحدود لردع الجريمة، وما الوسائل التي ذكرت إلا طريقا أو مثالا لأساليب سائدة آنذاك.

فالغاية من الجلد هي ردع الجريمة، وإلقاء الرعب في نفوس المؤمنين كي لا يحدثوا أنفسهم بالزنا: (لْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ). فهذه العقوبة وإن كانت عقوبة جسدية لكنها عقوبة تأديبية رادعة بامتياز. ولو توفرت وسيلة أخرى تحقق ذات المضامين والأهداف يمكن استبدالها.

فيمكن إقامة الحد على اليد الباغية بأي أسلوب يردع الجريمة، ويحقق أهداف الأحكام الجزائية من إقامة العدل، واستتباب الأمن، ورد مظالم الناس، وأخذ حقوقهم من الجناة، وقطع دابر المعتدي. وقد كتب الله على نفسه الرحمة، "ورحمته سبقت غضبه" لا يريد الانتقام من عباده، بل يريد لهم الخير والأمن في كنف الدين وتشريعاته: (مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا).

السُنّة وتنفيذ العقوبات

لا شك بحجية السُنّة التي هي تفصيل وبيان للكتاب الكريم، غير أنها محكومة بالواقع وضروراته، وكانت عقوبة القتل والقطع والجلد سائدة آنذاك، بل أن الآيات نزلت لتسوية واقع يسوده الظلم والعدوان في المجال القضائي، فيمكن استبدالها إذا حققت ذات الهدف، ما دام القصد من إقامة الحدود قطع دابر الجريمة، وسيادة العدالة، واستتباب الأمن الاجتماعي، من خلال تطبيق الأحكام الشرعية الجزائية، بأي أسلوب كان، فهو مجرد طريق لتحقق الهدف. فعندما تقول الآية: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)، لا تشترط أن يكون الذهاب للحج ماشيا أو على جمل ضامر، بل أشارت له باعتباره الوسيلة المتاحة آنذاك. فالمهم هو أداء فريضة الحج على كل مستطيع، بغض النظر عن نوع وطبيعة وسائل النقل. فعندما خص الجلد والقطع باعتبارهما وسائل سائدة، تحقق هدف العقوبة، وهو درء الجريمة، واستئصال روح العنف والعدوان. والأخذ بنظر الاعتبار الحالة النفسية لصاحب الحق الذي تربو عيناه للقصاص، كي تنطفئ روح الثأر في أعماقه. وهذه قضية مهمة، لذا لا يمكن لأي نظام قضائي اسقاط العقوبات مجانا، خوفا من تنامي روح الثأر، إضافة لصدق الظلم والعدوان، الذي هو قبيح عقلا وشرعا.

وقد تخلت إيران قبل سنين عن العقوبات الجسدية واستبدلتها بالسجن والنفي والغرامات المالية، رغم تمسكها الشديد بتطبيق الشريعة الإسلامية باعتبارها حكومة دينية. وقرارها قرار فقهي قبل أن يكون سياسيا لأن نظام الحكم هو نظام ولاية الفقيه.

خلاصة مهمة

الكلام المتقدم كان حول إمكانية أو عدم إمكانية استبدال أساليب تطبيق الأحكام الشرعية الجزائية. فمن يجمد على ظواهر الآيات، ويرتكز للروايات الدينية والتاريخية مقلدا للسلف، لا يمكنه الخروج عن حرفية النص، ويجب عنده إقامة الحدود كما هو متعارف ومتوارث، وهذا ما تفعله الدول التي تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية. وهو منهج جميع الفقهاء إلا القليل، الذي يخشى التصريح بآرائه. وأما بناء على فقه الشريعة، في ضوء فلسفة الأحكام الشرعية، وفهم مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة فإن الأمر مختلف، والأحكام تابعة لملاكاتها.

ملاكات الأحكام القضائية

مر أن وراء الأحكام الشرعية قاطبة، مصالح ومفاسد، تستوجب حكما بالوجوب أوالحرمة أو ما بينهما من استحباب وكراهية. غير أن تلك الملاكات مضمرة، لا يمكن الجزم بها، لذا عمدت إلى تقصي مرتكزات مبادئ الحكم الشرعي (الملاك، الإرادة، الجعل) التي بينتها في الحلقة (86)، وهي "مركزية العدالة، السعة والرحمة، الواقع وضروراته". فكل إرادة تشريعية ترتكز لهذه المرتكزات مهما كانت ملاكاتها، من أجل تحقيق ملاكات جعل الحكم الشرعي، وهي: "التوازن الروحي والسلوكي، وتحقيق العدالة الاجتماعية". والكلام هنا على مستوى الجعل الشرعي، وهي غير مقاصد الشريعة التي ينبغي مراعاتها في استنباط الأحكام الشرعية، وهي مقاصد استقرائية. بينما مقاصد الجعل الشرعي مقاصد عقلية، يحكم بها العقل رغم نسبيتها.

فاتضح مما تقدم:

1- إن درء الجريمة، واستئصال روح العنف، وإطفاء روح الثأر، أهداف أساسية وراء إقامة الحدود والتعزيرات، من أجل مجتمع مستقر وآمن، وما العقوبات الجسدية إلا وسائل لتحقيقها، فيمكن استبدالها بأخرى، شريطة أن تستوفي تلك الملاكات، وتحقق العدالة. فهي مشرعة من باب الرخصة وليست العزيمة. وهذا هو الملاك الأول.

2- تحقيق العدالة في مجال القضاء، وهذا ما أكدته الآية: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ). فالحدود التي تحدثت عنها الآيات السابقة قد استوفت ملاك العدالة في نظر الشارع قياسا بالسائد من الحدود التي كانت تتمادى في القصاص من الجاني. وما يؤكد هذا قوله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا). فالاسراف بالقتل على أثر جريمة قتل هوالشائع آنذاك، وكانت تراق دماء غزيرة من أجل ضحية واحدة، وكان يقاد العبد بالحر، بينما لا يقاد الحر بالعبد، فيذهب دمه هدرا بسبب عبوديته، فثمة ظلم عظيم. فالآية اشترطت العدالة في الأحكام مطلقا فمن الأولى أن تكون أحكام الشريعة الإسلامية مستوفية  لها. فالآية تعطي قانونا عاما لكل من يتصدى للقضاء، خاصة التعزيرات التي تُركت للحاكم والعرف تقدير عقوباتها، كما في تحديد نوع الفداء لمن قتل حيوانا بالحج حيث: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ).

نخلص إلى أن وسائل إقامة الحدود ليس لها أية موضوعية سوى أنها كانت سائدة، وكانت تحقق ملاكات الاحكام، درء الجريمة، وإقامة العدالة، التي تستلزم دفع الظلم، والحد من التمادي في العقوبات. وبالتالي فأية وسيلة تحقق ذات الملاكات والمقاصد الشرعية يمكن اعتمادها. ولم تكن هذه هي العقوبات الوحيدة آنذاك، بل هناك الكي بالنار، وضع الحجر الكبير على صدر الجاني، إلقاؤه على الرمضاء، والتكبيل بالحديد، وضع القيود في رجليه ويديه.

ثم، عندما نتبنى مبدأ الحسن والقبح العقليين، فسيكون الفقيه أكثر حرية في استباط الحكم الشرعي، لمرونة العدالة وتأثرها بالواقع وضروراته، فهي ليست مطلقة دائما، ولا نسبية دائما. والعدل حسن عقلا، لهذا تكتسب الأحكام الوضعية القضائية مصداقيتها من قدرتها على تحقيق العدالة.

كما ينبغي للفقيه مراعاة سمعة الدين ومصلحة الإنسان، حينما يتشبث بالعقوبات الجسدية. في وقت تتباهى شرائع حقوق الإنسان بقدرتها على درء الجريمة بأساليب أكثر كفاءة. فهذه المجتمعات كالمجتمعات الإسلامية كانت ضحية عقوبات جسدية، تتمادى في ظلمها وجورها، غير أنها أدركت أن درء الجريمة، واجتثاث روح العنف أهم من العقوبات الجسدية، فعمدت لأساليب قادرة على تحقق ملاكات الأحكام القضائية، بعيدا عن روح الثأر والانتقام.

وليس تعطيل إقامة الحدود غريبا على المسلمين، فقد عطّل عمر حدَّ السرقة في عام الرمادة، سنة 18 هـ، عندما أصاب الناس قحط شديد، بمرآى ومسمع كبار الصحابة، رغم أنه حد منصوص عليه. بمعنى أنهم تفهَّموا مناسبات الحكم والموضوع، فكأنهم متفقون على شروط إقامة الحدود، ونحن لا ندعو لتعطيلها بل نبحث عن إمكانية استبدال أدوات إجراء الحدّ إلى وسائل حديثة، كالسجن والنفي والغرامات وغير ذلك، بما يحقق ردع الجريمة، ومعاقبة الجاني.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

ورد في معجم المعاني
‎نكل ينكل تنكيلا ، ونكل به عاقبه بشدة ، ونكل الشيء قيده ؛ ونكل فلانا عن الشيء حرفه عنه .
‎المعجم: مصطلحات فقهية
و تاليا قطع اليد نكالا بعني تقييدها و قطع دابرها عن ارتكاب خطأ او المنع من الازماع بارتكابه.
فالاسلام مليء بالرموز الفقهية و لا يعني فعلا و حرفيا. و الا كيف نفسر الحوريات و انهار العسل. انها جائزة تشجيعية تقرب المعنى من اذهان العامة و تزين لهم الخير و الامتناع عن الشر.
لقد اجاد الاستاذ الغرباوي في هذا الشرح المفيد و الواضح.

This comment was minimized by the moderator on the site

نعم الخطاب الرمزي مهيمن في النص القرآني، تحياتي لحضورك د. صالح الرزوق

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة..توضيح مهم وشرح موسع ..اضافة الى ماتقدم لاحظنا مثلا في الاونة الاخيرة خطاب حديث في اوساط الفقهاء او مراجع الدين الاصلاحيين كما في ابحاث واراء السيد كمال الحيدي الذي تحدث بما معناه ان الشعائر والطقوس الشيعية يجب ان تراعي الظروف والاماكن والواقع او البيئة وثقافة المجتمع اي لايجوز اخراج مواكب عزاء وسط شوارع لندن...هذا الامر يمكن ان يتعاطى ايضا مع ماتفضلتم به من اجابة عن الحدود وهي تبريرات مقبولة عند المسلمين لكنها عكس ذلك عند الامم والمجتمعات المتحضرة اي لابد ان ينبع الرفض الاجتماعي او الديني لكل انواع العقوبات والحدود الجسدية من الثقافة الانسانية للمجتمعات الحديثة..كما اتجهت الحضارة الغربية منذ عقود الى الغاء عقوبة الاعدام لابد ان يكون الرفض عقلانيا وليس فقهيا...لهذا علينا ان نقول ان العالم الاسلامي لابد ان يصبح اكثر انسانية في رفض تطبيق الحدود وضرورة استبدالها كحالة او ازمة مساواة الارث بين الرجل والمراة والتي اثيرت مؤخرا في تونس..ليس لانها لم تكن انسانية في وقتها بل لان الله عزوجل فتح للانسان حياة العلم والمعرفة والتطور التكنولوجي الكبير ولم يعد هناك مجال للعودة الى الوراء...شكرا لكم

This comment was minimized by the moderator on the site

خطاب الاصلاح والتجديد سيتسع، يفرضه الواقع وضروراته، وقد تزايدت الكتابات النقدية، مما يكشف عن وجود حاجة ملحة، وهي جهود نابعة عن قلوب مخلصة للدين. اجدد احترامي للباحث الجدير الاخ مهدي الصافي

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الفاضل// تحياتي
عندما دخل الجيش الاسرائيلي ارض سيناء سنة 1956 وسنة 1967 نزل الجنود من سياراتهم ودباباتهم وخلعوا احذيتهم واخذوا يقبلون الارض التي تاه فيها اجدادهم وصلوا عليها قبل بدء المعركة , وهم لا يبدءون الحرب مطلقا يوم السبت لان الحرب في هذا اليوم حرام حتى مع اعدائهم , اما نحن فنقتل اهلنا بالسيارات المفخخة يوم الجمعة الذي هو يوم مقدس لدى جميع المسلمين ... وقد صدق الفيلسوف والكاتب الفرنسي الكبير - دنيس ديدرو 1784 - 1713 م حين قال : - ( لم يسبق لفيلسوف ان قتل رجل دين , ولكن رجل الدين قتل الكثير من الفلاسفة ).مع فائق الاحترام والتقدير.

This comment was minimized by the moderator on the site

روح العنف متأصلة في النفوس مع الاسف، فينبغي لنا اجثاثها، عبر ثقافة نقدية تقويمية. شكرا لتعلقيك الاستاذ شاكر عبد موسى

This comment was minimized by the moderator on the site

نخلص إلى أن وسائل إقامة الحدود ليس لها أية موضوعية سوى أنها كانت سائدة، وكانت تحقق ملاكات الاحكام، درء الجريمة، وإقامة العدالة، التي تستلزم دفع الظلم، والحد من التمادي في العقوبات. وبالتالي فأية وسيلة تحقق ذات الملاكات والمقاصد الشرعية يمكن اعتمادها.

استاذنا المحترم هذا كلام خطير جدا ، يعني عبارة " اَي وسيله" اللي تفضلت بيها تعني المعالجه من الأصل وازالة السبب اللي خله بعض الناس يضطرون الى الحرمنة والأشياء الأخرى الرديه.
الإمام الصادق رضي الله عنه وأرضاه قال نفس الشي عدما اخذو برأيه من وين تقطع يد واحد سرق وقال دوروا على السبب وسال الإمام هل هذا الرجل أخذ كل حقوقه وانت سيد العارفين استاذنا المحترم شنو هيه حقوق الانسان على الدوله من الزكاه وبيت المال .
يعني دوروا على السارق الكبير . بعدها حاربو الإمام الصادق لانه رفض معاقبة هذا الرجل وفضل اعطاءه حقوقه المسلوبه ونصحه وإنذاره . والسلام

This comment was minimized by the moderator on the site

نعم كلام خطير، لا ترتضيه العقول التقليدية، لانه دابت الجمود على ظاهر النصوص، وعدم تحرير فلسفة الدين وغاياته ومقاصده. شكرا لمشاركتك وماذكرته من شاهد تاريخي مهم جدا عن الامام الصادق، امام الفقه الشيعي. حبذا تذكر المصدر للاستفادة منه. تحياتي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4415 المصادف: 2018-10-07 07:16:18