المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (94): حدود الاجتهاد

majed algharbawi4مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والتسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2-س87) من أسئلة الأستاذ الباحث مهدي الصافي.

 

ماجد الغرباوي: تاريخيا أغلقت مدرسة السنة الاجتهاد على المذاهب المعروفة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، ولم تواصل نشاطها العلمي والاجتهادي، وتحولت إلى مرجعيات، تكرّس مهمة شرح وتأويل آرائها من قبل طلاب العلوم الدينية، دون الخروج كليا على مبانيها. وقد اختلفوا في أسباب ذلك مع اتفاق بعضهم على ضرورته، وقالوا: أن السبب وراء غلق باب الاجتهاد هو التعصّب للمذاهب الإسلامية، أو لخوف المجتهدين من الافتاء، خاصة في ممالأة السلطان الظالم، أو بسبب الكسل العلمي. غير أن فقهاء أهل السنة مازالوا يفتون في المسائل المستحدثة، وأغلب أدلتهم قياس أو استحسان، أو مصالح مرسلة، وغير ذلك من مبانٍ اجتهادية دون الخروج على مذاهبهم الفقهية. وقد ساعدت الحكومات المتعاقبة على انتشار هذه المذاهب دون غيرها، بينما اندثرت مذاهب لا تقل أهمية عنها، لم تحظ برعاية الخلفاء المسلمين، أو لم تواصل رعايتها لها. كمذهب سفيان الثوري والأوزاعي. وأما المذاهب التي ما زالت حية فهي: (الشيعي الإمامي، الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي، الزيدي،الإسماعلي، الأباضي). ولكل منها حضوره المميز في العالم الإسلامي، والجاليات المسلمة في مختلف دول العالم، يمارس دوره في الافتاء، وتوسة خلافات الأحوال الشخصية.

الشيعة والاجتهاد

في مقابل المدارس السنية واصل الشيعة، باستثناء الإخباريين، استنباط الأحكام من أدلتها الشرعية لمواكبة الواقع وضروراته. وكانت نهاية الغيبة الصغرى للإمام المهدي (329 هـ) إيذاناً بممارسته، رغم حرمة تداول مفهوم الاجتهاد عندهم، تبعا لموقف الإمام الصادق (150 هـ) من اجتهاد مدرسة الرأي، وخصوص أبي حنيفة. غير أن المحقق الحلي المتوفي (676 هـ)، نجح في انتزاع حمولته السلبية وتبيئته، فغدا مألوفا، متداولا، بدلالته الجديدة، التي تعني استنباط الحكم الشرعي من مصادره، وصار صرف اللفظ لمعنى الرأي يحتاج إلى قرينة. والحقيقة أن الاجتهاد بهذا المعنى يعود لعصر أئمة الشيعة، واستمر مع أصحابهم، ومن جاء بعدهم من الفقهاء، لكن يعتبر كتاب عدة الأصول للشيخ الطوسي المتوفي (460 هـ)، انعطافة حقيقية في مجال التأليف الأصولي، ثم واصل الأصوليون أبحاثهم، وباتت مؤلفاتهم تشغل حيزا كبيرا في المكتبة التراثية. وقد ولد علم الأصول من رحم الفقه، وحاجة الفقيه لقواعد علمية يضبط بها اجتهاده، وقد ساعد بالفعل على تراكم الفقه الاستدلالي، وهذا ما تشهد له الموسوعات الفقيه لفقاء الشيعة.

ورغم فتح باب الاجتهاد، وسعة البحوث الفقهية، لكن الفقهاء على صعيد الإفتاء يتحاشون مخالفة المشهور فضلا عن الاجماع، مما يؤكد سطوة السلف وقدسية التراث، فحد هذا التوجه من احتمالات التجديد الفقهي على الصعيد العملي. فتجد المجتهد يفتي على طبق المشهور، ولو من باب الاحتياط، رغم مخالفتها لقناعاته العلمية. فالممارسات الاجتهادية محدودة عندهم، وأحيانا يصدق عليها مفهوم التقليد خاصة. بل أن أغلب البحوث الفقهية استنساخ لآراء السابقين، مع إضافات بسيطة، ووجهات نظر قد لا يصدق عليها مفهوم الاجتهاد، لأن الفقه باستثناء المسائل المستحدثة، بات من العلوم المحترقة، ليس فيه جديد، سوى تكرار لما قاله السلف.

المجتهد من يتحرر من قبلياته، ويباعد بينه وبين سلطة السلف، ويفقه النص من خلال الكتاب والسُنة مباشرة. وهذا لا يعني نبذ التراث مطلقا، فهو ضرورة لدراسة تاريخ الحكم ضمن فتاوى الفقهاء السابقين، ومعرفة الواقع وإملاءاته. لكن ينبغي التحرر من سلطته، وقراءة النص وفقا للواقع ومتطلباته، وماطرأ عليه من متغيرات، بفعل مختلف التطورات الحياتية. كما يشترط أن يكون الفقيه عارفا بضرورات الزمان والمكان، مدركا لفلسفة الحكم، محيطا بتاريخه. وهذا اللون من المجتهدين يصعب العثور عليه. وأغلب الفقهاء ينتمي فلسفيا لمنطق العبودية الذي يكرّس الفتوى، وإغراق الحياة بأحكام تغلق على الفرد منافذ الحرية، وتكبّل حركته وابداعاته. كما لا ننسى النسق العقدي الذي يفرض سلطته بقوة على الفقيه، فهو محاصر بين سلطتي السلف والعقيدة مما يحد من حريته في استنباط الأحكام الشرعية. فتبدو فتاواهم مستنسخة.

لماذا مواصلة الاجتهاد؟

لم يقنع الفقهاء بما ورد في الكتاب الكريم من أحكام الشريعة، فراحوا يتوسلون بالسُنة النبوية يستدرونها لتشريع أحكام جديدة، وتمادوا بإضافة سُنة الصحابة عند السنة، وسُنة الأئمة الإثني عشر عند الشيعة، بدافع تأمين كل ما تحتاجه الحياة من أحكام وفق مقولة: (ما من واقعة إلا ولله فيها حكم). وهي قاعدة ينقصها الدليل القرآني الصريح، فيفترضونها افتراضا قياسا على نظام الكون وما به من إبداع وكمال. فكما حظي الكون برعاية الباري تعالى، فلا بد من وجود نظام ديني، كامل شامل للحياة. فعمدوا إلى تأويل بعض الآيات، والاستعانة بروايات لتعزيز رؤيتهم. بينما "شمول الشريعة" لكل وقائع الحياة، مقولة نفسية أكثر منها مقولة دينية، ورغبة لدى المسلمين منذ البعثة أن يتولى الدين تدبير شؤونهم، بسبب روح التبعية والانقياد والاتكالية وحب الحلول والأجوبة الجاهزة، فهي رؤى تنتمي لنظرية العبودية في فهم الدين والتشريع، حتى نهاهم القرآن عن التمادي بالسؤال: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم).

وكشاهد على هذا الاتجاه يستدل محمد باقر الصدر وهو فقيه وأصولي لامع (قُتل 1980م) بقوله: (ولما كان الله تعالى عالما بجميع المصالح والمفاسد التي ترتبط بحياة الإنسان في مختلف مجالاته الحياتية فمن اللطف اللائق برحمته أن يشرّع للإنسان التشريع الأفضل وفقا لتلك المصالح والمفاسد في شتى جوانب الحياة، وقد أكدت ذلك نصوص كثيرة وردت عن الأئمة أهل البيت، وخلاصتها: أن الواقعة لا تخلو من حكم). والكلام ليس حول نوع التشريع وقيمة ملاكاته من مصالح ومفاسد، وليس شكاً بلطف الله تعالى، بل الكلام عن وجود أو عدم وجود دليل قرآني صريح على شمول الشريعة لجميع مناحي الحياة (وما يريده المشرّع قاله)، كما يؤكد الصدر في مقدمات الحكمة. فلماذا لا نبحث عن سبب إهماله لجميع وقائع الحياة إلا ما نص الكتاب عليه، فربما هناك هدف أعمق وراء ذلك، خاصة وفق نظرية خلافة الإنسان لا عبوديته؟ القرآن أهمل الأحكام السياسية والاقتصادية سوى مبادئ عامة، وهما عصبا الحياة. على المرء تأمل حكمة الدين، بدلا من التوسل بتوسعة دائرة الشريعة؟.

لقد مرَّ الكلام تفصيلا حول حدود الشريعة في القرآن والسنة، وبينت أن القدر المتيقن من الأحكام الفعلية هي الأحكام الواردة في الكتاب، وما فصّله وبيّنه النبي من آيات الأحكام. وكذلك شرحت مفصّلا أن فعلية الأحكام تتوقف على فعلية موضوعاتها، التي هي الأخرى تتوقف على فعلية شروطها وقيودها. كما بيّنت أن منطق الخلافة ليس مع تمادي التشريع من قبل الفقهاء. فثمة فارق بينهما حول دور الدين والإنسان في الحياة. ولا دليل للفقيه على شمول الشريعة الذي لازمه التصدي لاستنباط أحكام شرعية لملء منطقة الفراغ التشريعي سوى تأويل بعض الآيات لتبرير حجية مطلق السُنة النبوية. وتبقى الأحكام محدودة لهدف وغاية قرآنية مر بيانها. وأما أدلتهم فلا تدل صراحة على المطلوب. فاستدلّت مدرسة أهل الحديث بـ: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا). وقوله: (يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا). (بعثت إلى الأحمر والأسود). وكذلك للشيعة أدلتهم الروائية على شمول الشريعة وكمالها، وعدم نقصها:

- عن الإمام الصادق، أنه قال: (إن الله تعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء، حتى والله ما ترك الله شيئا يحتاج إليه العباد، حتى لا يستطيع عبد أن يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن، ألا وقد أنزله الله فيه).

- وعنه: أيضا أنه قال: (ما من شيء إلا وفيه كتاب أو سنة).

- وعنه يصف الجامعة: (فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج إليه الناس حتى الارش في الخدش).

- وعن الإمام موسى بن جعفر، أنه قيل له، أكل شيء في كتاب الله وسنة نبيه؟ أو تقولون فيه؟ قال: (بل كل شيء في كتاب الله وسنة نبيه).

أما الآيات فهي غير صريحة في المقام، وحجية الروايات تتوقف على حجية قائلها، وهي ضمن العقيدة الشيعية تامة، غير أن للقرآن كلمة الفصل في هذه القضايا، حينما يحدد مهام الرسول ولم يسند له أي دور تشريعي. ويعلن كمال الدين، عقيدة وتشريعا. فالأحكام مرتهنة بأدلتها القرآنية، بناء على اختصاص التشريع بالله، الذي أكدته مرارا بالأدلة، وناقشت الأدلة التي يستدل بها على مطلق حجية السُنة. وقد خُتم التشريع القرآني بختم الدين في آية اليوم أكملت لكم دينكم. وكل هذا مر تفصيله، وناقشت جميع أدلة القائلين بحجية مطلق السُنة. فالشريعة ليست ناقصة، وإنما اكتفت بتشريع عبادات تحقق التوازن الروحي والسلوكي، وهي تشريعات توقيفية، تتوقف على وجود خطاب صريح من الشارع. كما سنَّت تشريعات اجتماعية وقضائية وفق ملاكات تحقق العدالة الاجتماعية. إضافة للوصايا العشرة التي ترتبط بالأخلاق، وهي ذات الوصايا التي أوصى بها الله تعالى الديانات السابقة. وبالتالي لم يترك القرآن باب التشريع مفتوحا، ولم يجعل الولاية التشريعية لأحد صراحة، وما يستدل به من آيات لا علاقة له بالولاية التشريعية، وهذا ما تؤكده الآيتان: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، وآية: (قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). فكلا الآيتين قد أغلقت باب التشريع، لأن كمال الدين كمال لعقيدته وتشريعاته، وقد فصّلت الكتب السماوية قضايا العقيدة، كما بيّنت تشريعات الأحكام حداً أعلن القرآن كمال الدين، وبكماله اكتملت الشريعة بهذه الحدود، فلا يصدق أنها ناقصة، لكنها غير شاملة لجميع وقائع الحياة. فينتقل الفرد في منطقة الفراغ للعقل مستفيدا من القيم والمبادئ التي اعتمدها الكتاب الكريم لضبط سلوكه وتصرفاته، ليواصل خلافته للأرض. فالفرق كبير بين مفهومي كمال الشريعة وشمولها، فينبغي عدم الخلط بينهما.

وقد حذر الكتاب من مغبة التقوّل على الله تعالى في أحكامه: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).

وبالتالي فحدود الاجتهاد وفقا لمنهج فقه الشريعة، هي حدود الشريعة (الكتاب وما له جذر قرآني من السّنة)، للكشف عن مدى فعلية الأحكام من خلال دراسة فعلية موضوعاتها، أو تطبيق القواعد الكلية على مصاديقها. وأيضا يمكن إعمال رأيه في فقه ما هو ظاهر من النصوص، دون الصريح منها، لترجيح أحد محتملاته التي تتراوح بين الأحكام الشرعية الخمسة (الوجوب، الحرمة، الاستحباب، الكراهة، الإباحة). وتقع على مسؤوليته تشخيص الروايات، متناً وسنداً، دراسة تفصيلية للتعرف على مواطن ضعفها وغرابتها وشذوذها، ومدى توافقها مع الهدف الأساس للدين والإنسان. وما عدا ذلك يبقى رأيا شخصيا للفقيه لايمكن انتسابه للشريعة كحكم إلهي. لأن أحكامها معدودة، واضحة. كما تقع عليه مسؤولية دراسة تاريخ الأحكام وفلسفتها، وتحري مقاصدها، قياسا بالواقع وضروراته. وتجديد مناهج الاستنباط، والاستفادة من معطيات العلوم الإنسانية، وما أفرزته من نظريات ومناهج لقراءة النص وتأويله. أي أن مسؤولية الفقيه تتعدى الاستنباط البسيط المتوارث إلى ما هو أوسع.

فوارق جوهرية

ثمة فوارق جوهرية أخرى بين اتجاهي / نظريتي الخلافة والعبودية مرّ بيانهما في الحلقتين 79 و80. فوارق حول فلسفة الدين والخَلق، ومركزية الإنسان، ومساحة العقيدة، وحدود الشريعة. وهذا ينعكس على الفقيه ومرجعياته، في استنباط الحكم الشرعي. ونضيف هنا:

- يختلف النسق العقدي لدى اتجاه الخلافة عن المتداول عند اتجاه العبودية، حول حدود الشريعة، وقيمة التراث ومطلق حجيته.

- حق الطاعة للمولى وفقا لمنطق العبودية يشمل "كل ما ينكشف من تكاليف ولو انكشافا احتماليا" فالاحتياط العقلي هو القاعدة الأولية، بينما القاعدة الأولية لدى نظرية الخلافة هي البراءة العقلية، و"قبح العقاب بلا بيان".

- يشكّل النص مرجعية أساسية لدى اتجاه العبودية، حداً تكاد تتلاشى معه فرص العقل إلا بحدود بسيطة. بينما يشغل العقل مساحات واسعة ضمن فقه الشريعة، ابتداء من دراسة تاريخ الحكم وفلسفته، وليس انتهاء بنقده، وتحري مضمراته، مقارنة بالواقع وحاجات الإنسان له. كما يتوقف على العقل دراسة فعلية موضوعات الأحكام التي تتوقف عليها فعلية ذات الحكم الشرعي.

- تكتسب السنة النبوية حجيتها من الجذر القرآني للحكم، فتكون مبيّنة وشارحة ومفصلة. بينما تكون سنة النبي حجة مطلقة على مبنى منطق العبودية.

- الأولوية للأنسان في فتوى الفقيه وفقا لمنطق الخلافة، بينما يجوز الإطاحة بمصالحه عند الثاني. الإنسان مركز التشريع وفقا للاتجاه الأول، فيجب على الفقيه الأخذ بنظر الاعتبار مصالحه في استنباط الأحكام الشرعية. وهذا يتيح للعقل ممارسة دوره في فقه الواقع، وسن تشريعات قائمة على ذات مبادئ الأحكام، وهي مركزية العدل، والسعة والرحمة، والواقع وضروراته.

- يكتسب الحكم شرعيته وفقا لنظرية العبودية، من انتسابه للشريعة، بشكل مباشر كالنص. أو غير مباشر كالسيرة العملية، فنظّر الفقهاء عقديا لتبرير حجية سُنة الصحابة والأئمة. ولازمه لا تاريخية الحكم وإطلاقه، وعدم توقف فعليته على فعلية موضوعه. بينما تتوقف شرعية الحكم وفقا لنظرية الخلافة على ملاكاته وفعلية موضوعه  قدرته على تحقيق العدالة الاجتماعية، في مجال فقه المعاملات الشامل لمختلف مناحي الحياة، باستثناء العبادات، التي هي توقيفية في أصل تشريعها لا في تفصيلاتها. وقد تقدم مفصّلا أن وراء الأحكام ملاكات من مصالح ومفاسد تهم الفرد والمجتمع، وأن تشريع الأحكام قائم على مرتكزات عقلية، وبهذا تكتسب القوانين الوضعية مشروعيتها، متى ما توفرت على مرتكزات مبادئ الأحكام (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ). باستثناء القوانين التي تشرعن سلوك السلطان، وتمنحه صلاحيات واسعة، فيها ظلم وجور يتنافى مع منطق العدالة الذي هو جوهر القوانين، من أجل حياة فاضلة يتساوى فيها الناس من حيث الحقوق والواجبات، وتخدم الصالح العام المتضمن لمصلحة الفرد والمجتمع معا. فتشريع الأحكام لا يتوقف على الفقيه مطلقا، وتبقى دائرة الافتاء محدودة بخصوص ما له جذر قرآني. وما زاد على ذلك تكون مرتكزات مبادئ الأحكام أساسا لشرعيتها.

- وفقا لشمول الشريعة، (ما من واقعة الا ولله فيها حكم)، سواء كان بيانا شرعيا "آية أو رواية". أو كان مُدرَكا عقليا. أو لا هذا ولا ذاك بل يكون مجرد استحسان ورأي للفقيه، خاصة عند مدرسة الرأي والاجتهاد، بناء على القول بالتصويب، ومفاده: (أن جميع الفقهاء مصيبون)، رغم اختلاف فتاواهم القائمة على الترجيحات والظنون والاستحسانات، (لأن الله ليس له حكم ثابت عام في مجالات الاجتهاد التي لا يتوفر فيها النص، وإنما يرتبط تعيين الحكم بتقدير المجتهد وما يؤدي إليه رأيه واستحسانه، وهذا هو القول بالتصويب).

- إن مقتضى شمول الشريعة، أن تكون مصدرا وحيدا للتشريع، غير أن الواقع أثبت عجزها عن تلبية جميع ضروراته، حتى اضطرت إيران إلى تعديل الصيغة الدستورية، إلى: "لا يجوز تشريع قانون يتعارض مع أحكام الشريعة". وهذا اعتراف صريح بعجزها عن تلبية ضرورات الواقع، فلا يمكن أن تكون مصدرا وحيدا للتشريع.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (12)

This comment was minimized by the moderator on the site

قدم الاستاذ الغرباوي هنا حيثيات هامة تبين دور رجل الدين و رجل السلطة المقنع باسم الدين، او الذي يخفي وجهه باسم الشريعة و الالهيات، هناك طبعا عدة قراءات للسيرة، بعضها تدوين و بعضها تأويل، بمعنى ان المنهج يمكنه ان يقرأ ما بين السطور و ما ورد خلف الظواهر و الامام الشهرستاني من هؤلاء و بالأخص في مصارعة الفلاسفة، فالرد على المنطق يكون بالمنطق و ليس النص، في حين ان الشيخ الخضري بيك مثلا و هو ازهري و محدث كان يتبع الوقائع و المرئيات فقط و هذه مشكلة.
لقد اختصر سيرة الرسول في نور اليقين لما يشبه مفكرة تختصر احداثا وردت في مدونات كثيرة، بمعنى اتبع الايجاز و النقل دون اية قراءة او اسقاطات.
و هنا اود التمييز بين التاريخ و الذاكرة التاريخية، فتسجيل التاريخ يحتاج لأدلة لكن الذاكرة التاريخية تحتاج لمنطق.
و للمنطق احيانا شطحاته، فهيغل مثلا في فكره السياسي يرى ان الأمير لا يمكنه ان يحكم بالعدل الا اذا توفرت عبودية اجتماعية عند المواطنين، في حين ان الارسوزي الح ان النظام السياسي الجمهوري تنتفي فيه العبودية لأن معنى جمهورية يأتي من حكم الجماهير او الكثرة لنفسها و هذا مبدأ ديمقراطي كما عبر في الجمهورية المثلى،
و في هذه الحلقة حزمة من الاضواء و لو من بعيد على كل هذه المفهومات،

This comment was minimized by the moderator on the site

الموسوعية تلازم قلم الاخ الباحث والناقد الجدير د. صالح الرزوق، فتطل من خلال تعليقاته ومداخلاته على اراء اخرى، ومعلومات ثرية. شكرا لك صديقي العزيز لك خالص الاحترام

This comment was minimized by the moderator on the site

المفكر اللامع ماجد الغرباوي, ان مايعجبني في ابحاثكم ومؤلفاتكم الفكرية النقدية الاسلامية هي انكم بدأتم نقد العقل الاسلامي الذي هو مرتكز بداية نهضة عربية اسلامية حضارية حقيقية كان بدأها عديدون من المفكرين العرب المسلمين لعل ابرزهم المفكر الجزائري محمد اركون, وكنت في مقالة لي نشرتها المثقف الغراء , تطرقت سريعا ان الفرق في مشروعك نقد الفكر الاسلامي وتفردك عن غيرك انك لم تجعل من الفكر الاستشراقي قاضيا في صحة وصواب منهجك النهضوي في اعتمادك عقلية وادوات معرفية غير مفارقة لتعقيدات الوضع العربي الراهن, على خلاف الذين ارادوا استنساخ التجربة الاوربية النهضوية, وسيكون لقائي معك في مقالتي التي يتضمنها كتابي القدم الكلمة ومحمولات المعنى التي اجدها متواضعة ولا تفي بالغرض المطلوب في اضاءة جوانب مشرقة في منهجكم الاصلاحي الفكري الديني مع تحياتي

This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي الكريم الاخ الاستاذ الكبير علي محمد اليوسف، اشعر بالسعادة وانت تدلو بشهادتك، وتبين اهم خصائص المنهج في بحوثي. واشكرك جزيل الشكر وقد تضمن كتابك مقالتك القيمة في بحث مقارن شملني. ننتظر صدور الكتاب لنفرح معا. الفكر الاستشراقي ينتمي لقبليات مختلفة، وثقافة مغايرة فلا يمكن أن يكون صائبا، فكيف يكون حكما. بينما يمكن من خلال منهج علمي وادوات معرفية كفوءة نقد وتحري مقولات العقل المسلم. تحياتي

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة..للاستاذ المفكر الغرباوي وهو يدخل في بحوثه القيمة مناطق مغلقة منذ قرون..اضافة الى ماتقدم واستكمالا لمنطق او عقيدة الاجتهاد التي قلت عنها سابقا هي اشتقاق عن عقيدة الامامة او هي امتداد لها ومن باب السؤال هل تستطيع المجتمعات الاسلامية الاستغناء عن الفقيه رسميا وابقاءه كضرورة روحية معنوية..القصد رسميا اي ان له قدرة على الافتاء والتأثير في المجتمع فالفتوى احيانا تكون اقوى من سلطة الدولة وليس المعمى ان له صلة بالدولة وان كان بعض منهم لديه تلك الصفة..لكن ما نود طرحة ان الدين اءا تم وضعه بين الحضارة الحديثة والدولة واصبح جزء من منظومة القيم الانسانية الحضارية المقدسة عندها يمكن ان تنتقل تدريجا الى مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والتنظيمية كما نراه حاليا في الحضارة الغربية فالعديد من الفتاوى التي يقال عنها بالمستجدات عندنا والتي هي احد اهم الحجج المطروحة على انها توجب وجود الفقيه والامام في كل زمان ومكان اصبحت جزء من منظومة القيم الغربية التي دخلت في عمل السلطات التنظيمية والتنفيذية مع انهم ليسو مسلمين العدالة الاجتماعية الحقوق العامة الالتزام بالقوانين الاجتماعية كحقوق المطلقة والايتام والتشدد قضائيا مع جرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي والاعتداءات والايذاء الخ.
هذه القيم جاءت بعد تجارب ومشاوير فكرية وفلسفية عميقة لم يكن للفقيه او رجل الكنيسة دورا فيه..السؤال مرة اخرى هل يمكن ان يستغنى المجتمع الاسلامي عن المجتمع او المفتي في دولة مدنية او علمانية( مسلمة اي لايتجاوز فيها الاسلام مطلقا انما بحدود الحاجة لاضافتها الى منظومة القيم العامة) متحضرة..شكرا لكم مرة اخرى ولافكاركم الرائعة المهمة جدا لواقعنا المزري

This comment was minimized by the moderator on the site

الشكر لك ولاسئلتك التي تحرض على فعل الكتاب، والحفر بعمق، في اعماق العقيدة وتفصلاتها، فلك خالص الاحترام الاستاذ مهدي الصافي. اما بالنسبة للسؤال افضل الاجابة عليه ضمن الاسئلة، ما دام الحديث متواصلا عن الاجتهاد. تحياتي

This comment was minimized by the moderator on the site

شمول الشريعة يدحضه الواقع وتطوراته ومستحدثاته ومستجداته
واختلاط الديني بالدنيوي كلفنا الكثير وأنتج لنا موقفا معادي للعلوم والفنون والمعارف
والإصرار في عملية الاستنباط على المناهج القديمة وعدم اعتماد مناهج العلوم الانسانية الحديثة افرز لنا ركام من تشريعات أصبحت عبئا على كاهل الانسان وكرست عنده منطق العبودية ونالت من حريته وتحرر عقله سواء كان مجتهدا او غيره
لذا البقاء في نفس هذه المدارات واعتماد نفس النظام الاستنباطي لايزيد حياة المؤمن الا تعقيدا ولايودي الا بعدا وبونا بين الناس وبين الدين
لان الله خلق الناس ولم يكلفهم الا مايطيقون

This comment was minimized by the moderator on the site

اجدت صديقي سماحة الشيخ علي عاشور، اضافة مهمة، ينبغي التوفر عى وعي جديد لفهم الشريعة وغاياتها في اطار فهم مغاير للدين ودور الانسان في الحياة، واعادة النظر في مفهوم الاجتهاد ومهامه ودوره. خالص احترامي

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية وتقدير للباحث الاستاذ الغرباوي : ورد في المقال ان - الفقيه محاصر بين سلطتي السلف والعقيدة مما يحد من حريته في استنباط الاحكام الشرعية - كذلك من الامور التي تكبل حرية الفقيه وتجعله يجتر اراء السلف ويعيد تكرارها انه مرتبط بنظام سياسي صارم له توجهاته وخطوطه الحمراء التي لا يستيطع اهل الفقه الاقتراب منها خوفا على حياتهم او على مصالحهم الشخصية فيتبعون طريقة التبرير والمسايرة تجنبا لاي صدام مع السلطة . واعتقد ان المجتهد كإنسان له رغباته وطموحاته الخاصة يرغب دائما في تحنيط عقلية الناس وتضييق مداركهم حتى يسهل له قيادهم والهيمنة عليهم لان اي انفتاح عقلي تنويري من شأنه ان يسحب البساط من تحت قدميه عندما يعرف الناس ان الديـــن ليس بهذا التعقيد والغموض الذي يصوره لهم رجال الدين ، فالحلال واضح والحرام واضح ولا حاجة لهم بمرجع يفكر نيابة عنهم . اننا اليوم كعرب ومسلمين نقف في المؤخرة لا نستطيع ان نُمسك زمام امورنا او نحدد مصيرنا ونُسهم بصناعة المستقبل بسبب تلك العقليات الرجعية التي تهيمن علينا باسم المقدس ... مع وافر التقدير والاحترام للاستاذ الغرباوي .

This comment was minimized by the moderator on the site

مرحبا بك وبمتابعتك الاخ الكاتب الجدير طارق الربيعي، طالما اكدت ما تفضلت به، وتداعيات السياسة واضحة لمن يدرك ما وراء الخطابات المالوفة، بل ان المذاهب الدينية تاسست على مواقف سياسية وليس العكس. وما زالت السياسة وستبقى احدى محددات الفقيه وفتواه التي يعتقل بها حرية الناس ويكبح المعارضة. اكرر شكري واحترامي

This comment was minimized by the moderator on the site

نتابع ونستفيد ولا نعلق
كل التقدير والاحترام لأفكارك النيرة وهذا العمق الذي يملأها بحيث جذبت الكثير من المحاورين الأكفاء نستفيد من خبرتهم وثقافتهم

This comment was minimized by the moderator on the site

مرحبا بك دائما الاستاذة الاديبة فاطمة الزهراء بولعراس، خالص احترامي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4429 المصادف: 2018-10-21 03:14:57