 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (99): الفقيه واستلاب الوعي

majed algharbawi9خاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والتسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يتناول (ق7) حول سلطة ومشروعية الفقيه.

 

المفهوم والدلالة

ماجد الغرباوي: يتوقف تفسير بعض ظواهر التخلف الديني على تحديد دلالة مفاهيم لها علاقة بوعي الفقيه، كمفهوم "استلاب الوعي"، الذي يتسم بقوة إيقاعه داخل فضائه المعرفي، وقدرته على تزوير الوعي حداً تنعدم فيه الفواصل بين المقدّس وغيره، ويلتبس الإلهي بالبشري، وتغدو فتاوى الفقيه أحكاما شرعية مقدّسة رغم بشريتها. وما المدونات الفقهية سوى آراء اجتهادية، جرت وفق قواعد عقلية وأصولية أو اجتهادات شخصية متأثرة بقبليات المجتهد ومختلف توجهاته وعقده النفسية، غير أنها تكتسب شرعيتها من انتسابها له. فاستلاب الوعي يلعب دورا خطيرا في تزييف الوعي، يصعب رصده بعيدا عن النقد والتفكيك، وهذا ما نطمح له خلال البحث، التعرّف على دلالته وحقيقته وتداعياته. فكل ما ذكر حول تعريفه هي تجليات وظواهر لأسباب أعمق نريد تحري جذورها، لانتشال الوعي من كبوته وزيغه، وإعادة تشكيل العقل الفقهي، وفق أسس عقلية – موضوعية، بعيدا عن الأيديولوجيا والتوظيف السياسي والطائفي للدين. واللجوء للعقل ومركزية الإنسان، الذي هو هدف الرسالات.

الاستلاب

الاستلاب لغة: الاستحواذ والأخذ عنوة وبالقوة، من: (استلبَ يستلب، استلابًا، فهو مُستلِب، والمفعول مُستلَب. اِسْتَلَبَ مالَهُ: أَخَذَهُ مِنْهُ قَهْراً، اِخْتَلَسَهُ. [و] يَعِيشُ حَياةَ اسْتِلابٍ: [أي] حَياةَ خُضُوعٍ واسْتِعْبادٍ بِفِعْلِ ظُرُوفٍ اجْتِماعِيَّةٍ ، اقْتِصادِيَّةِ، أَوْ فِكْرِيَّةٍ، أَوْ سِياسِيَّةِ خَارِجَةٍ عَنْ إِرادَتِهِ، اِسْتِهْواءٌ، إِغْواءٌ). وتأتي من السلب (وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ). ويصدق أن الاستلاب تجريد بالقوة. ورجل مستلب ماله، تم تجريده منه بالقوة.

وهو اصطلاحا: مفهوم سلبي، يستبطن النقد والاستهجان، بفعل الانسلاخ الثقافي، وتلبّس حالة التبعية الثقافية للآخر بشكل عام أو للغرب بشكل خاص. أو الوقوع في أسرها وأسر العقل الجمعي. وأما في الثقافة الغربية، فليس للمفهوم دلالة محددة، فروسو مثلا، يمنحه دلالة سياسية ترتبط بنظرية العقد الاجتماعي، ليُقصد به"تنازل الفرد عن قسط من حريته لسلطة الحاكم". وعند هيغل: "استلاب الوعي يتحقق في لحظة انغماسه في الطبيعة، إذ بذلك يفقد الوعي حريته". وأما فيورباخ فيقصد بالاستلاب: "ارتحال الوعي إلى الماوراء بسبب التدين". وهكذا تطور المفهوم عند ماركس الى الاستلاب بالمعنى الاقتصادي. ويُقصد به أيضا: "التشييء". فيقتضي تعريفه وجود قرينة دالة على المعنى.

والوعي لغة: إدراك حقيقة الشيء. يأتي من: "وعَى يعِي، عِ / عِهْ، وَعْيًا، فهو واعٍ. وعَتِ الأُذُنُ: سَمِعت. وعَى الشّخصُ الأمرَ: أدركه على حقيقته. وعَى الشّخصُ حديثًا : حَفِظهُ وقبِلَهُ وفَهِمَه وتدبَّره" وفي الآية: (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ). فهو شيء زائد على السمع. فلا يكفي سماع الكلام ليصدق الوعي بل لا بد من إدراك مقاصده وغاياته، وما لم يصرّح به. والوعي نباهة العقل، ضد الغفلة والبلادة والغباء والبلاهة والخمول.

فيصدق اصطلاحا: "إدراك ما يتستر عليه الخطاب". والإنسان الواعي، إنسان قادر على إدراك مقاصده الحقيقية، بعيدا عن مراوغاته، وتقنيته في توظيف اللغة.

استلاب الوعي

إذاً، يقصد باستلاب الوعي، وفقا لتوظيفاته في الثقافة العربية: "وعي مغلوط، يكرّس دونية الأنا ويدفع باتجاه التبعية للآخر". وقد تم تداوله تزامنا مع مشاريع النهضة، لوصف وإدانة تيارات التغريب، التي دعت لقطيعة معرفية مع التراث والماضي، والالتحاق بالغرب وحضارته الصاعدة. غير أن المورد لا يخصصه، ويمكن توظيفه في مجالات أخرى.

وإذا شئنا تعريفه لغة، فاستلاب الوعي: تجريده. أو استفراغ الوعي من طاقته وحيويته وقدرته على اكتشاف الحقيقة وتشخيص الواقع. ووعي مستلب: وعي قاصر عن إدراك حقيقة الشيء. وبالتالي فدلالة المفهوم دلالة سلبية، لوصف نكوص الوعي وعجزه عن إدراك الحقيقة وملابساتها.

واصطلاحا يعني: "نكوص الوعي في إدراك مقاصد الخطاب وما ينطوي عليه من مضمرات بفعل ظروف خارجة عن إرادته".

وجميعها تعريفات تقريبية، ناقصة، لا تستوفي شرطها المنطقي، ولا تساعد على نقد المدونة الفقهية الذي هو هدفنا أساسا. وقد اكتفت بوصفه دون بيان حقيقته، وهذا لا يكفي لتفكيكه وانتشال الوعي.

إن استلاب الوعي مفهوم عميق، يستمد دلالته من وعي الذات وعلاقتها بالآخر. وما "التبعية" التي يتحدث عنها المفهوم في الحقل الثقافي العربي سوى لازم له. وأما حقيقته وصدقيته، فتتجلى حينما يتوقف وعي الذات على وجود الآخر، وتصبح الأنا موضوعا لهيمنته واستفزازه. كإفراز طبيعي لأنظمة الهيمنة منذ القدم، حيث تمارس مختلف الظروف عملية تزوير الوعي، وقتل توهجه، لتكريس روح التلقي والتبعية والانقياد. فسلب الوعي، استراتيجية ضمن منظومة الهيمنة والنظام الاستبدادي - الأبوي. فيغدو الوعي ملتبسا، مشوشا، مغلوطا، يستجيب لمتطلبات مرحلته. فيصدق تعريف المفهوم: استلاب الوعي: نكوص الوعي بفعل الهيمنة الاستبدادية وتداعياته الخطيرة. بشكل يتوقف وعي الذات على وجود الآخر، وصيرورة الأنا موضوعا لهيمنته، حداً يعيق إدراك مقاصد الخطاب وما ينطوي عليه من مضمرات. فثمة انقلاب مفاهيمي ومعرفي في ظل هيمنة ثقافية وسياسية، تفضي إلى استلاب الوعي، وتتفادي وطأته بتقديس الآخر، فتصبح التبعية قدرا وجوديا ومقولة أساسية، تتولى تشكيل وعي مستلب، يُفقد الفرد حريته واستقلاله، ويرى الآخر ضرورة وجودية، من خلال هيمنته واستبداده ومنطق الوصايا، فتندثر قدرة الوعي على التشخيص الصحيح، وإدراك مراوغات الخطاب. ويلتبس مفهوم الحرية بغيره من المفاهيم الموحية، بما يبرر التبعية والانقياد المرير.

إن استلاب الوعي حالة لا شعورية، يفقد معها الفرد قدرة إدراك مقاصد الخطاب ومضمراته، لها أسباب ذاتية وموضوعية. ذاتية ترتبط باستعداد الفرد للرضوخ والتبعية أو التمرّد على قيم العبودية مهما كانت قساوة الظروف. وهو استعداد فطري، يرتبط بحالات نفسية تراكمت عبر ظروف طابعها العنف والإرهاب، تحصل بسببها ردة فعل، تضع الفرد في ترقب وخوف مستمر، ينتابه قلق وشرود لا إرادي، مع كل حادث مفاجئ.

وأسباب موضوعية يفرضها واقع الاستبداد والهيمنة والعنف والخوف وتزوير الوعي الديني، وما يؤسسه من مفاهيم داخل بنيته المعرفية. فالشخص المتحرر أو الحر، يرى حريته في تحرره وقدرته على وعي الذات بعيدا عن منطق الوصايا والهيمنة. يتولى بنفسه استقلاليته ورسم حدوده. والمقصود بالاستقلال هنا شعور حقيقي باستقلالية الذات. بهذا نفهم ثمة من يعيش تحت سطوة الاستعباد، لكنه يتمتع بحرية، تمكنه من تشخيص الواقع، وكشف ألاعيب خطابات الهيمنة، ورصد سياسة ترويض الوعي حينما تستهدف إنسانية الإنسان وتجريده من حقوقه وحريته، ليعيش حالة التبعية والانقياد، كقدر يحقق وجوده، حداً يرى العبد حريته في عبوديته. وليست الحرية بالنسبة له سوى ديمومة التماهي مع الهيمنة ومنطق الوصايا. فالآخر هو الذي يتولى رسم حدود حريته، حداً تلتبس المفاهيم وتتداخل الأفكار، فيحسب أنه حر وهو سجين عبوديته، وأسير أغلاله، ابتداء من قيود النفس إلى سطوة العقل الجمعي، مرورا بالهيمنة وأخلاقياتها ومحدداتها. فثمة مهيمن ثقافي ساعدت على تشكيله مختلف العوامل. مهيمن يمارس سلطته، ويفرض محدداته على الوعي، يتعذر معه فرز المفاهيم وفق معايير عقلانية وأخلاقية متحررة من قيم العبودية، كالحرية والتبعية والتقديس وغير ذلك.

وعندما تضمحل الذات وجوديا كما في النظام العبودي، أو تتلاشى داخل كيان أكبر كما في النظام القبلي، أو تتضاءل كما في النظام الأبوي / البطركي، تتأثر طرديا بقوة وضعف الآخر، المهيمن / السيد / الشيخ / الأب / أو أي رمز ديني أو سياسي. فالتقديس حدَ التنزيه والتعالي عن النقد يٌعد أيضاً استراتيجية ضمن الأنظمة الثلاثة. فيضطر لتأكيد ذاته وتشكيل يقينياته وفقا لمنطق الوصايا، الذي يستلزم تقديس الآخر وتنزيهه حدَ التعالي على النقد والمراجعة، واقتصار العلاقة على التلقي والانقياد. فالطرفان يتقاسمان مسؤولية تشكيل وعي الفرد والمجتمع، وبناء منظومة الهيمنة. الآخر / الذات المتعالية تمارس سلطتها، وتفرض وصاياها التعسفية. والذات الوضيعة ترضخ لهيمنتها، وتنشغل بتقديسها وتنزيهها. بهذا يتضح أن استلاب الوعي نسق يتأسس داخل البنية المعرفية، يشل قدرة الفرد على إدراك الواقع، إلا من خلال الآخر المهيمن، بشكل يجد نفسه مطوقا به، محاطا به. فليست الهيمنة شيئا آخر سوى منطق الوصايا وتماهي الذات الوضيعة معه. وبما أن استلاب الوعي نسق ثقافي ومعرفي، فلا يمكن انتشال الوعي إلا من خلال نقده وتفكيكه، وإعادة تشكيل وعي قادر على تشخيص الحقيقة، واكتشاف تقنية الخطاب في تمرير رسالته، التي تكرّس عبودية الفرد والتحكم بالوعي الجمعي.

إن كلا من الاستلاب واليقظة حالات نفسية، تستمد وجودها من الاستعداد الفطري لتطور القابليات، وقوة تأثير الوسط الاجتماعي، ودوامة الأنماط الثقافية، فتنمو تدريجيا، وتترسخ في مرحلة التلقي اللامباشر لكل ما يدور حوله من أعراف وتقاليد وعادات، وقيم. وهي مرحلة التأسيس المعرفي، قبل الحكم عليها لاحقا. فالقضايا الفطرية تنحصر بالقابلية والاستعداد، وما عدا ذلك تنشئة وتربية، بما في ذلك الشجاعة والخوف، لذا يمكن معالجة الأخير تربويا.

هذا من الناحية النظرية، أما تاريخيا فإن الإنسان عاش ردحا طويلا جدا، تحت نير الاستعباد والقمع والخوف والارهاب بفعل الظروف القاهرة، فنشأ إحادي الوعي، لا يفهم شيئا عن الحرية، سوى أنه جزء من وجود كلي، تضمحل فيه الذات الوضيعة، وتنعدم فواصلها الوجودية، كما تقدم بيانه. فالحرية تتوقف أولا على وعي استقلالية الذات شعورا وتحققا ووجودا، ومران مستمر لها. وهذا لا يمكن تصوره في مجتمع عبودي، ولا تسمح به الظروف الطبيعية والاجتماعية، فهو محاط بالآخر من كل مكان، فكيف يتنفس حريته وهو لا يعي ذاته وتحققها خارج نطاق الهيمنة؟. وبعد قرون بدأت تدب معالم وعي بسيط، تجلت عبر مجتمع قبلي، أبرز معالمه الجديدة تعدد طبقي بسيط لا يتجاوز تعدد القبائل مع وحدة القيم والمبادئ الحاكمة، لكنه ساعد على وعي استقلالية الذات، وقدرتها على اتخاذ القرار، بحدود الانتقال من بيئة قبلية إلى أخرى، فكان الفرد ينفصل عن قبيلته، ليرتمي فورا في أحضان قبيلة ثانية، تفاديا للتهميش والاهمال،  الذي هو أشد من الموت الأنطلوجي. فقساوة الأعراف القبلية لا تسمح بحرية أوسع.

غير أن هذا القدر من الوعي، يعتبر قفزة في حياة الإنسان، ثم انتعش بعد ظهور الرسالات السماوية، وتأكيد شرائعها على مسؤولية الفرد تجاه أعماله وسلوكه أمام الله تعالى. فالأديان ساهمت في يقظة الوعي، وترشيده بعد انتشاله من براثن أنظمة الهيمنة المطلقة. لكنها حالة مؤقتة، تنطفئ مع غروب صاحب الرسالة، لتبدأ مرحلة التأويل ليرتمي الفرد ثانية في أحضان نظام الهيمنة، ولو بشكل مختلف، من خلال إعادة تشكيل العقل الديني، وتأسيسه وفق قيم الهيمنة، التي هي قبليات رجل الدين اللاشعورية، والتي تتحين الفرص لتؤثر في سياقات الوعي الفردي والعقل الجمعي.

المظهر والتداعيات

ينبغي العلم أن استلاب الوعي يختلف عن عقدة النقص، لأن الأول في تماهٍ مستمر مع منطق الوصايا، والانقياد للذات المتعالية / الرمز / الشيخ / الأب، مقموع داخل نسق فكري وعقيدي، يبرر تبعيته وانقياده له. كما أنه حالة لا شعورية، تترسخ عبر ثقافة البيئة وأعرافها، وتتفاقم بمررور الأيام ما لم يتداركها وعي مستنير، متمرد، يقظ. وهذا لا يتوقف على مستوى علمي أو مقام اجتماعي، بل هي دقة الملاحظة، والشجاعة، وعدم الاستكانة، ونقد متواصل لجميع الظواهر، بعيدا عن التبرير. وقد يراكم الفرد معلومات هائلة غير أنها لا تضيء فضاءه المعرفي، ولا تحفز فيه روح النقد. وبالتالي فالوعي أيضا نسق أخلاقي ومعرفي يقوم على مبادئ إنسانية وأسس عقلية، مقياسها الإنسان كقيمة حقيقية مستقلة بعيدا عن أي تأثير سياسي أو اجتماعي أو ديني.

الوعي فطنة ويقظة، نقد ومراجعة، تأمل وتحرٍ، إدراك حقيقي لمقاصد الخطاب وأهدافه، وتشخيص لرسالته التي يروم تمريرها باستمرار، وترصّد لتداعيات الهيمنة، ومنطقة السلطة، أيا كانت. فالمبادئ التي يقوم عليها الوعي مبادئ إنسانية، عقلانية، تساعد الفرد على تشخيص الواقع مباشرة. أما في استلاب الوعي فإن المفاهيم والمبادئ جميعها ملتبسة، يمارس خطب الهيمنة تزويرها، لتفادي مهارة العقل، وتوثب الوعي.

وأما تداعيات الوعي المستلب خاصة بالنسبة للفقيه، الذي هو موضع البحث، وهدفه الأساس فهي:

- تنزيه الذات المتعالية حدَ القداسة بل والعصمة، كجزء من استراتيجية لتأكيد وجود الذات الوضيعة، وتبرير تبعيتها وانقيادها لمنطق الوصايا وسياسة الهيمنة السادية.

- بناء منظومة أخلاقية ونسق عقدي، يتماهيان مع منطق الوصايا وسياسة الهيمنة، ويضفيان ما يبرر روح الانقياد أخلاقيا ودينيا.

- تستمد الحقيقة صدقيتها من انتسابها للذات المتعالية، لا من أدلتها ومدى انطباقها مع الواقع، وتقتصر مسؤولية الذات الوضيعة على اكتشافها تأويلا. أو التماهي مع منطقها سلوكا.

- رفض النقد والمراجعة، الذي هو جوهر التطور الحضاري، فيصاب المجتمع بالجمود والتخلف والركود، بفعل تبرير الأخطاء والضعف المعرفي، والبحث عن تأويلات تتجاوزها دون المساس بقيمتها وقدسيتها.

- استلاب الوعي، وعي مقلوب يفرض تحيزه مطلقا، فيغدو خطابا آيديولوجيا، قمعيا، يجافي منطق العقل والإنسانية، ويكرّس قيم الاستبداد ودكتاتورية السلطة. يبرر العنف، ولغة الإقصاء. تعلو فيه لغة الموت واستهجان الحياة.

- إعادة انتاج قيم العبودية، لمواكبة العصر، فيسود منطق القوة والاستحواذ، وقمع الإبداع، وتأكيد قيم الذكورية، ومصادرة حرية الفرد، والإمساك بسلوكه من خلال منظومة قيم دينية وفقهية، تحدّ من تطلعاته.

- انقلاب قيم الحق والباطل بما يوافق منطق الهيمنة، ويعزز قدسيتها

- تكريس الخرافة واللامعقول مصدرا للمعرفة، لتبرير منطق التقديس وأسطرة الرموز الدينية خاصة.

- اجترار عقائد وهمية لتخدير الوعي الفردي والجماعي.

- التأكيد على الطقوس والمناسبات المذهبية، لتكوين عقل جمعي يمارس دوره في تزييف الوعي.

- جعل مضمون الرواية مقياسا لصحة وعدم صحة الروايات الدينية والتاريخية، بما يخدم هدف المتلقي، طائفيا أو سياسيا أو مذهبيا.

- تحريف مقاصد النصوص لقمع كل تشكيك بالعقائد الموضوعة، باعتبارها من أخبار الغيب، والإيمان بالغيب شرط لمصداقية إيمان الفرد وفوزه بالآخرة، كقوله تعالى: (الم، ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ). الآية لا تتحدث عن مطلق الغيب، بل خصوص المقولات الغيبية التي لا دليل عليها سوى ما ذكره الكتاب، كالجنة والنار والملائكة والجن. ولا تشمل العقائد الموضوعة. لكن استلاب الوعي يحول دون تشخيصها، فتنطلي على الوعي الرث البسيط.

بهذا يتضح حجم تداعيات استلاب الوعي، وقوة تأثيره في البنية المعرفية وطريقة التفكير عندما تكون العبودية متأصلة لدى بعض الناس، بما فيهم فقهاء، فينحاز للاحتياط في استنباط الأحكام الشرعية. ليس بدافع الخوف والخشية فقط، بل بدافع عميق يفرض عليه الخضوع التام لأجل الخضوع، فلا يهتم بفلسفة الحكم وملاكاته من مصالح ومفاسد، ولا يهمه مصادرة الحكم لقيم  دينية أهم. المهم أن يجد مبررا للطاعة المطلقة. ومرضاة الخالق بالنسبة له عبادة مجرّدة. وبالتالي يصدق التعريف المتقدم للعبودية بأنها: "منظومة قيمية، تكرّس دونية الأنا، بفعل استلاب الوعي أمام الذات المتعالية.

لكن تحاشيا لأي إلتباس، ليس كل تبعية وتبنٍ لقيم أخرى استلابا دائما، فالتبني الواعي دليل الاستنارة، ولا مبرر لإدانة من يتبنى أفكارا ومناهج ونظريات، تساعد على النهوض الحضاري، دون الوقوع في شراك الانقياد الأعمى، بمعنى القطيعة الأبستومولوجية مع التراث مطلقا، وانسلاخ الذات، والتخلي عن نقد الآخر مطلقا. فهنا يصدق استلاب الوعي.

بهذا اتضح أن النقد والمراجعة المستمرة يساعدان على تحرير العقل، واستنارة الوعي، والتخلي عن التلقي اللامسؤول. ورصد اللامعقول والخرافة وقيم العبودية، من خلال تفكيك النصوص، يعزز منطق العقل والعقلانية، وتبني القيم الإنسانية بدلا من قيم العبودية، بما فيها القيم الدينية التي تمت أدلجتها وفقا لتزوير الوعي.

كما نؤكد أن استلاب الوعي لا يختص بفئة دون غيرها، فيشمل كل وعي رث أو متراخٍ، مخدر، لا يألف الشك الذي هو دليل الحقيقة، ولا يؤمن بدليل سوى ما تملي عليه قبلياته. وقد ينتاب استلاب الوعي الفرد وهو في يقظته، عندما يلتبس بالمقدس، وهذا مكمن الخطر بالنسبة للباحثين.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستلاب ظاهرة عامة و هي مرتبطة حتما بالسلب و النهب. و قد تحول الانسان و عقله لدينا لغنيمة سواء لسلطة تفرضها اوامر لا تخدم الانسان و المجتمع او سواء لقوة مهيمنة تعمل من خلف الحدود بتحريض اوهام غير ذات جدوى و منها الحلم الامريكي. او قوة الغرب و اغراءاته. و ما الى ذلك.
بالفعل مثلما تعرضنا لعهود من الاستعمار الذي نهب و سلب ارضنا و ثرواتنا. تعرضنا لعهود من الضغط و الوعود المزيفة التي سلبتنا الارادة و العقل الراجح و المنطق المتوازن.
ما الفرق ان يكون العامل تابعا للآبة و ان يكون المواطن تابعا لجهاز يملي التعليمات و لا يسمح بالمناقشة او الاختيار.
و قد اجاد الاستاذ الغرباوي بتوضيح الجانب الفقهي من المشكلة.

This comment was minimized by the moderator on the site

بالضبط شعوبنا تعرضت للنهب والسلب حتى طال الفكر والثقافة والوعي، حتى اصبح استلاب الوعي هو الاصل والاساس، ويقظة الوعي استثناء، دمت بسلام الاخ د. صالح الرزوق

This comment was minimized by the moderator on the site

وجدت في هذه الحلقة الحوارية الفكرية المعمقة طرحا فلسفيا حول اهم اشكاليات تغييب الوعي العقلي النقدي عند الانسان العربي المسلم في مصادرة الوعي الايماني الديني في نوع من الاستلاب التدجيني الذي يجد في مجاراة المخطوء في الفكر الاجتهادي الديني قدسية حقيقية تتلبسه بحكم العادة في تغييب النقد العقلي, استلاب مبرمج من قبل رجال الدين الذين جعلوا من قدسية الزائف يمثل حقائق الامور في مسايرته المخطوء الذي يعمل على تقزيم وجوده الفردي الحر ووعيه النقدي بان الاجتهادات الفقهية هي الدين ولا حقيقة اخرى تنافسها. وبهذا الزيف المتوالي يغيب جوهر واخلاقيات وسلوكيات الدين الحقيقي. دمت مبدعا مجددا استاذ ماجد.

This comment was minimized by the moderator on the site

يسعدني ان تجد ما يرضي طموحك الفكري في هذه الحوارات. مشكلة تلبس استلاب الوعي بالديني والفقهي انه يكتسب شرعية، تحيل الوعي غلى نكسة حقيقية. خالص احترامي لحضورك ومتابعتك الاخ الاستاذ الباحث الفلسفي علي محمد اليوسف

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذا المقال الرائع المتعلق بالاستبداد و تغييب الوعي؛ و شكراً الى الاخوة المعلقين الدكتور صالح الرزوق و الاستاذ علي محمد اليوسف.
درجة الوعي عند البشر تختلف من شخص الى آخر . و حسب فهمي المتواضع انه يزداد مع تدرج الانسان في حياته من الطفولة الى النضوج؛ الدراسة و الثقافة العامة من مشاهدة التلفزيون و الصحف و المجلات و الاختلاط مع المجتمع الذي يعيشه لها دور اساسي في خلق وعيه. ان الوعي عامل متغير مع الزمن.

الطفل يبدأ حياته الدراسية "بالتلقين" من قبل المعلم و كذلك من قبل والديه. عندما يكبر يتفتح عقله و تكون لديه اختيارات في السؤوال و الأستفسار عن الامور التي يتعلمها. و هكذا يتطور وعيه مع الزمن.
العوامل الاساسية التي تخلق وعيه و نضوجه العلمي/الثقافي كمتلقي هي: المادة التي يدرسها التي تلقى عليه ؛ نزاهة و علمية الاستاذ؛ بالاضافة الى مطالعاته الخاصة. و هنا نخلق انسان مبدع متفتح الذهن على كل الامور.

في الجانب الديني الوعي "مستلب و مغيب" بشكل كامل و هذا يعود الى مكر رجال الدين للسيطرة على المجتمع و تسييره حسب ما يريدون. انهم يفرضون انفسهم وكلاء الله في الارض. ان اسلوبهم هو اسلوب "تلقيني كأننا اطفال" و لا مجال لك للأستفسار عن الأمور التي يطرحونها علينا؛ اننا ملزمين بالالتزام بها. بالاضافة الى هذا اوجدوا "التقليد" و هو قتل للعقل البشري و منعه من التفكير. كذلك اوجدوا المؤسسات و الكتّاب لتدعيم مراكزهم و نشر افكارهم التدميرية.
ان اغلب مدخلات خطاباتهم هي "تلقيننا" قصص خرافية عقيمة من الكتب الصفراء لا يستسيغها العقل البشري اطلاقاً؛ بالاضافة الى انها تتناقض مع آيات القرآن الكريم بشكل جذري. المجتمع مستسلم لهذه الخطب الرصينة!!!!.
آسف على الاطالة
و شكراً مرة اخرى للاخ المبدع الدكتور ماجد الغرباوي و مزيداً من هذا الابداع.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

التلقين احد الاسباب الرئيسية وراء تكريس ظاهرة استلاب الوعي داخل المجتمعات العربية والاسلامية، والمشكلة التلقين ضمن طرق التدريس في المؤسسات التعليمية الرسمية ايضا، وليس مقتصرا على المؤسسات الدينية. ينبغي ان يعتمد الطالب على نفسه في البحث والمراجعة. كما هو معمول في المدارس الغربية، حيث يكون ملزما باعداد تقارير علمية. تحياتي للدكتور ثائر عبد الكريم.

This comment was minimized by the moderator on the site

نعم جاءت الاديان لتحرر الانسان من قيود العبودية للآخر . وورد في القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تحث على استقلال الفكر منها على سبيل المثال (( يوم يفر المرء من اخيه وأمه وابيه وصاحبته وبنيه لكل إمرىء منهم يومئذ شأن يغنيه . . )) و (( كل نفس بما كسبت رهينة ..)) لكن عقلية الفقيه المتعالية تفسر هذه الآيات بما يلائم توجهاتها ويرسخ استلاب الوعي ويطمس ما فيها من اشارة الى استقلالية الفرد ومسؤوليته حتى يبقى خانعا مطيعا متجرد من ملكة النقد والسؤال . ان تخلفنا الحضاري يعود الى تلك الراحة والطمأنينة التي يستمدها المؤمنين من الانقياد والتبعية بحيث تجد اغلب هؤلاء هم اكثر الناس انسجاما مع متغيرات الحياة وكأن لسان حالهم يقول : لي لذة في ذلتي وخضوعي . فلا نقد ولا تحليل انما مبدأ (( ذبها براس عالم واطلع منها سالم )) هو من يوجههم ويقذف بهم الى مستنقع الامان الراكد . . فقد نشأوا في مجتمعات تمنح الانقياد الاعمى درجة كبيرة من الاهميــة وتحث الفرد على الطاعة منذ نعومة اظفاره فكل طفل بليــد هو طفل مطيع ، وكل زوجة مقهورة هي زوجة مطيــعة وكل موظف يقف مطأطأ الرأس امام مديره هو مثال للموظف المطيــع .. حتى اصبحنا اليوم من اكثر الامم خضوعا وانقيادا ... تحية تقدير وامتنان للاستاذ الغرباوي .

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لمداخلتك القيمة الاخ الاستاذ طارق الربيعي، تعقيب دقيق سلط الضوء اكثر على الفكرة، خاصة وانت تسوق مجموعة شواهد قرانية وغيرها. اكرر احترامي وتقديري

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4480 المصادف: 2018-12-10 23:37:30