 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (100): الفقيه وأفق المعرفة

ماجد الغرباوي15خاص بالمثقف: الحلقة المئة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق8) حديثه عن سلطة ومشروعية الفقيه. 

 

 المعرفة واللغة

ماجد الغرباوي: اتضح مما سبق أن استلاب الوعي، انسداد أفق التفكير الإيجابي، بفعل ثقافة أُحادية، ترتهن وعي الفرد / الفقيه وتفرض عليه أسطرة الرموز، وتبعية تقصر وظيفته على تبرير وتأويل وتفسير المرويات الدينية والتاريخية دون نقدها وتفكيكها، ويغدو اللامعقول الديني مصدرا للمعرفة. فليس الاستلاب سوى استعداد، ينمو ويتطور تحت وطأة الموروث الثقافي، وسيادة قيم الاستبداد والنظام البطركي السائد. وقد يخبو بفعل يقظة العقل وقدرته على تشخيص مقاصد الخطاب، بعيدا عن مراوغاته وتقنيته في تبليغ رسالته. وما لم يتحرر الفقيه من قبلياته المؤسسة على مقولات طائفية وأيديولوجية موروثة، لا يتحرر الخطاب الديني، ويواصل تزوير الوعي بفعل انتسابه للدين، وارتهان العقل الجمعي لأوامره وفتاواه. على العكس من يقظة الوعي أو استنارته، حينما يتعامل الفقيه مع التراث وسيرة السلف الصالح برؤية نقدية. يحاكم، ويقارن، ويبحث عن جذور الفكرة، ومدى معقوليتها وقربها من قيم الدين ومبادئه الإنسانية. أي أن شرط استنارة الوعي يقظته، وقدرته على النقد وفقاً لمبادئ ومقدمات عقلية، لاكتشاف ما يتوارى خلف لغة الخطاب، وتحري مقاصده، وما يقبع خلف نسقه. فيقظة الوعي هي الضد النوعي لاستلابه، مفهوما واصطلاحا ودلالة، وعلى صعيد الآثار والتداعيات المترتبة عليهما، ولا مبرر لاستثناء الفقيه باعتبار تخصصه، بل قد تستدرجه غواية النصوص وقداسة التراث وثقافة الانقياد، فيتشبع برثاثة الوعي وهو في قمة تألقه العلمي، فينظّر للعنف والاستبداد ورفض الآخر، وتكريس منطق الوصايا، ومصادرة الإنسان حقوقه، سيما الحقوق الأساسية للمرأة التي صادرها المنطق الذكوري. وشرعنة الخرافة واللامعقول بناء على مقدمات غير علمية ولا عقلية سوى موروثاته وذاكرته المؤسسة على قيم قبلية وطائفية.

إن مكانة الفقيه الدينية والروحية والقيادية والسياسية، تتطلب ملاحقة قبلياته، ونقد مقولاته التي يرتكز لها في استنباط الأحكام واتخاذ المواقف السياسية. فهو سلطة توجه وعي الفرد والعقل الجمعي. سلطة ينقاد لها الناس طواعية، ويستجيب لها العقل الجمعي تلقائيا. لكن ربما كان الفقهاء رغم مكانتهم، وراء تخلّف المسلمين حضاريا، وهذا القدر من الاحتمال يكفي مبررا لنقد العقل الفقهي، وتحري مقولاته الأساسية، وطريقة اشتغالها داخل فضائه المعرفي، ومدارات وعيه بحثا عن حواضن استلابه، الذي يلعب دورا خطيرا في تكريس منطق الانقياد اللاواعي، وتسويغ منطق الوصايا. فالفقيه كغيره يتأثر لا إراديا بقبلياته وثقافته ويقينياته المكتسبة، وتؤثر به ما لم يتولَ تقكيكها ونقدها وإعادة تشكيل وعيه على مبادئ عقلية، وأسس معرفية مختلفة، غير أن المرء غافل عنها، يعتقد بصحتها، وسلامة ثقافته مطلقا، ناسيا دور التلقي والتربية في وجودهما.

من هنا يتعين تحليل العقل الفقهي، وفق نظام اللغة، بما أنه عقل بشري، له تقنيته في تلقي المعرفة وانتاجها، لا فرق بين شخص وغيره. وثمة نظام يتأسس على مقولات مكتسبة، تؤسس لبنية معرفية، تفرض محدداتها على وعي الحقيقة وفهم الواقع. ولا سبيل آخر لإدراك حقائق الأشياء خارج نظام اللغة، حتى المعارف الصوفية أو ما تسمى بالكشفية، التي هي مشاعر متدفقة وأفاق روحية متوهجة، إلا أنها تبقى مقولات مضمرة، يصعب اكتشافها لغموضها وتواريها بفعل أجواء التوصف والعرفان. وعليه فالوعي مرتهن لمقولات راسخة، يصعب تجاوزها بعيدا عن التفكيك والنقد، وهي مرحلة متأخرة عادة، تتطلب شروطا ذاتية وموضوعية، واستنارة عقلية تدفع باتجاه المراجعة.

يولد الإنسان صفحة بيضاء سوى استعداد لاكتساب معارف أولية، تنتظر تراكم لتتطور طرديا مع حجم استيعابه. فتكون حواسه مصدرا أساسا لوعيه. وهي أخطر المراحل. أعني مرحل التلقي اللاشعوري، أو مرحلة التكوين اللاشعوري لقبليات الفرد وعقله. حيث تترسخ فيها الأفكار والعقائد عميقا في قاع اللاوعي، وتواصل تأثيرها، ضمن أنساق معرفية، مضمرة، عصية على الاكتشاف، ما لم تتراجع أو تتطور بفعل التراكم المعرفي، خلال مراحل حياة الإنسان. فقد تتلاشى لتحل محلها معرفة واعية، أو تلازمه مدى الحياة. فالمقولات الأساسية هي المسؤولة عن برمجة العقل ومدارات وعيه، حينما تفرض محدداتها. بها يعمل، ومن خلالها يفهم الواقع، ويدرك حقائق الأشياء. لا غنى له عنها، ولا عمل ممكن بدونها. وهي تراكم معرفي مكتسب من بيئته وثقافة مجتمعه، ترسو لا شعوريا، وتترسخ في غفلة من الوعي، لتعود تتحكم باتجهاته ومداراته.

ويمكن بيان خصائص مرحلة التلقي / الطفولة، كالآتي:

- ينحصر التلقي والتلقين في بداية حياة الإنسان بالحواس الخمسة، فتترسب معارفها لا شعوريا، وترسو عميقا، تتولى برمجة عقله ومدارات وعيه. لكن التلقي استغفال للعقل بعد مرحلة الطفولة، وتبلّد تتوقف يقظته على محفزات ذاتية وموضوعية.

- يلتقط المتلقي في هذه المرحلة جميع المشاعر النفسية والعاطفية والأجواء الروحية المرافقة للمفردة خلال عملية التلقي، سواء كانت إيجابية أو سلبية، بل يلتقط حتى طريقة انفعال المتكلم / الأب / الأم / أو أي فرد آخر. لأن المشاعر ملازمة لحديث الإنسان، والطفل يلتقطها ويتفاعل معها، فتلازم الكلمة في لا وعيه، وعندما يعود لها ينطقها بذات المشاعر المكتسبة، وقد تزيد وتتراكم بفعل تلقٍ جديد.  فالمعرفة تبدأ اكتسابية – نفسية، ثم تترسخ بتشابك العلاقات العاطفية في قاع الوعي. وهذا جلي في العقائد الدينية والتقاليد والأعراف الاجتماعية، فتجد فردا يؤمن بخطأ فكرة دينية عقلا، وربما يصفها بالخرافة، لكنه يستبعد منطق العقل، ويتفاعل معها عندما تحين مناسبتها. فالسبق دليل رسوخ المقولة، سواء كانت دينية أو غيرها، ودليل أنها تحتمي بشبكة مشاعر متداخلة، تحول دون هدرها. وهذا يؤكد أن الجانب العقدي عند الإنسان شعوري أكثر منه عقليا، بل يرضخ العقل لأحكام المشاعر وضروراته، ويتجه للتنظير لمقولات خرافية تماهيا مع مشاعره وإيمانه.

- لا معنى للنقد في مرحلة التلقي، لأنه أيضا يتأسس على مقولات أساسية مغايرة، ولا يعقل الارتكاز لذات المقولة لنقدها، هذا بالنسبة للمعرفة البشرية، فيأتي النقد متأخرا بعد اتساع أفق المعرفة، وتعدد سياقاتها وأنساقها. فيرتكز لنسق معرفي في نقده لنسق آخر، ولا يخفى دور الفطنة وقوة الملاحظة والذكاء والجرأة في ممارسة النقد وخلق روح نقدية متوترة مولعة بالأسئلة. فالتحرر العقلي إذاً يتطلب مرانا على النقد والمراجعة وطرح الأسئلة والاستفهامات وتقويض المألوف والمتعارف ومطاردة ألاعيب الخطاب. من هنا ينزعج الناس حينما يستفز الخطاب النقدي عقائدهم ومورثاتهم، ويربك استقرارهم النفسي القائم على تلك الموروثات الدينية. فهي أساس وجوده وكينونته الاجتماعية، يستميت في الدفاع عنها والتضحية في سبيلها، عندما يتعلق الأمر بالهوية والانتماء الذي يزعزع الاستقرار والطمأنينة. فالدفاع عنها دفاع عن وجوده وهويه وانتمائه، فلا يسمح بهدرها ما لم يتولى نقد الذات بنفسه، ويبدأ بمراجعة قبلياته، ويسمح للعقل بالنقد وفقا لمبادئه. أي أنه يرتكز لأنساق عقلية ومعرفية مغايرة تتصدى لنقد مقولاته الأساسية. في هذه الحالة فقط تبدأ عملية التنوير.

لغة العقل

يمكن تقريب فكرة عمل العقل بلغته، وكيفية تعقله للأشياء، من خلال أجهزة الكومبيوتر التي تحتفظ بلغة خاصة، رمزية ومشفرة، ضمن لغة الكم، والأنساق. فالجهاز لا يفهم ما تكتبه إلا بواسطة لغته، ولا يُجيب كما ما تراه على الشاشة إلا بذات اللغة ثم تظهر النتيجة من خلال اصطفاف الأنساق الكتابية في مرحلة العرض النهائي. ولا يمكن للمبرمج تصميم برنامج ما لم يكن خبيرا بلغة الكومبيوتر. ورغم تعقيد هذا الجهاز وحضوره المذهل، إلا ان فكرته بسيطة، قائمة على دوائر كهربائية (0-1)، هي التي تقوم بتنسيق المعلومات، فقيمة الجهاز بخزينه، وقدرته على استيعاب المعلومات، وسرعة حركة المسح الليزري. فكل معلومة تمر عبر عدد كبير من الدوائر الكهربائية رغم ظهورها للمشاهد بفائق السرعة. ومصداقية هذا الكلام واضحة لمن عاصر أول ظهور الكومبيوتر وسرعته البطيئة، حيث كان استعراض الشاشة يتطلب وقتا طويلا، بسبب قلة الدوائر الكهربائية وضعف قدراتها على المسح المعلوماتي السريع. لكن الأجهزه الحديثة طورت نفسها، وتغلبت على عوائق السرعة الفائقة من خلال تطوير الحزم الكهربائية والضوئية. وهكذا العقل لكنه أكثر تعقيدا. فالحقيقة التي يقدمها جهاز الكمبيوتر وليدة مخزونه المعلوماتي، فهو لا يفكر مثل الإنسان، ولا ينتج معرفة خارج فضائه المعلوماتي إطلاقا. وعندما تكون معلوماته ناقصة لا يعطي نتائج مطابقة، لذا برامج البحث لا تجيب بشكل دقيق إلا إذا عثرت داخل شبكة الانترنيت على معلومات كافية لبناء معلومات جديدة. وخير شاهد برامج الترجمة الانترنيتية الفورية، وعثراتها الكبيرة. فالجهاز قد يعرف المعلومة لكن لا يعرف تركيب الكلام وفق لغتنا. خاصة أن اللغة أنماط ثقافية لا مجرد رصف كلمات غير مفهومه. أنماط تتحكم بها دلالات ثقافية واجتماعية ومشاعر نفسية. وهذا لم تستطع لغة البرمجة تحقيقه لحد الآن، إلا ما يحصل صدفة. حيث أن الترجمة تعمل على مسح معلوماتي، وتنقل النص المطابق بين اللغتين، فعمل الجهاز مقارنة واستنساخ، وليس ترجمة فعلية للكلمات، لذا أصبحت الترجمة سهلة من خلال تصوير الكلام. فتكون وجهته الأولى في المسح وثائق الأمم المتحدة المترجمة لجميع أنحاء العالم حيث تسهل مقارنة النصوص. فتنقل ذات النص المترجم إذا كان ممكنا. لكن الإنسان يتمتع بكل هذه الامتيازات. ويقوم بتأليف النص وفقا لجميع دلالاته، فتأتي الصورة الكتابية مطابقة للصورة الذهنية، مفعمة بالمشاعر والأحاسيس.

وملخص هذا الكلام بطوله، أن الإنسان مرتهن لخزينه المعرفي وقوة مشاعره، وبنيته التي تأسست فوق مقولات مكتسبة، تمثّل يقينياته وثوابته، وتفرض عليه محدداتها، ومسارات تفكيره ومواقفه من الأنا والآخر. فالمعلومات الأولية التي هي أساس المعارف البشرية يتلقاها الفرد لا شعوريا، وترسو عميقا دون معرفة تفصيلاتها، وآلية عملها، حتى وهي تفرض سلطتها عليه، بل لا يستقل بإرادة دونها، ويستفزه كل تحرّش نقدي بها، حتى تكتمل مؤهلاته العقلية، ويصبح قادرا على النقد والتمييز والمساءلة حينئذٍ يمكنه مراجعة جميع يقينياته، وفق أسس عقلية نقدية، خاصة ما له علاقة بالعقيدة والفكر، ومقولات متوارية ينطلق منها التفكير البشري.

وكمثال شاخص، إيمان الناس بقدسية عقائد ورموز دينيه وتاريخية موروثة، موغلة بالقدم، يصعب تأكيد صدقيتها ومطابقتها للواقع، بل ويصعب نفي خرافيتها أو جزءا منها. غير أنها تمثّل بالنسبة لهم حقائق مطلقة، ترتبط بمشاعرهم وثقافتهم وهويتهم وانتمائهم، وليست شيئا خارجا عنهم. والسبب أن التلقي الأول يتولى تأسيس أرضية الفضاء المعرفي للفرد، ثم يقوم العقل بتشييد بنيته فوقه، فهي أساس يقينياته وقبلياته التي تقرر سلوكه ومواقفه، وتحديد استقلاليته، وارتباطه بعقيدته ورموزه وثقافته، فثمة جدل مستمر بينه وبين الواقع، الذي هو انعكاس لثقافته، فتترسخ قناعاته، خاصة عند تحديات الهوية والانتماء (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ). وخصائص هذه المقولات، أنها:

1- تتولى تشكيل الوعي الفردي والعقل الجمعي.

 2- تؤثر في توجيه مشاعر الفرد والمجتمع.

2- تشارك في تشكيل الهوية ورسم حدودها.

3- تكون مصدرا للانتماء الاجتماعي.

تلقي الفقيه

الفقيه كغيره من البشر، يبدأ بالتلقي اللاشعوري ليتماهى مع بيئته الثقافية والاجتماعية. لا يكتفي بترديد ما يسمع وتقليد ما يرى، بل تترسب جميع المفاهيم والصور والمشاعر لا شعوريا، لتؤسس بنيته المعرفية، على شكل يقينيات ومبادئ، من خلالها يمارس العقل دوره في التركيب والاستنتاج وانتزاع المفاهيم والصور الذهنية، وعلى هداها يتحرك الإنسان، يبنى علاقاته ويزاول حياته اليومية، وهي ذاتها تخلق شغف المعرفة، وحب الاستطلاع واكتشاف الحقائق، فيكرر الأطفال تجاربهم مع كل ظاهرة، يدرسون أسبابها ونتائجها، وبهذا الشكل يراكمون خزينا معرفيا، وقاعدة بيانات يمارس في ضوئها العقل دوره في انتاج المعرفة.

والمعرفة الأولية خليط: عادات، تقاليد، مشاعر، مواقف، نصائح، علاقات، تقليد، متابعة، ومنها: العقائد والشعائر والطقوس، المسؤولة عن الوعي الديني مع كل مناسبة يلتقط مفهوما وأحاسيس ترسو عميقا، تتولي برمجة وعيه الديني، وموقفه من الآخر المختلف. والمشاعر راسخة، تتجدد مع كل مناسبة وطقس ديني أو طائفي. بل الطقوس منبع المشاعر الدينية، لذا تفرض الأديان بعض الشعائر، من أجل خلق رأي عام وعقل جمعي يعمق الإيمان لا شعوريا. وبالتالي فعقائد الفقيه عقائد موروثة، مكتسبة لا شعوريا، ومشاعره الدينية تنتمي لمقولات ترسّخت بعيدا عن وعيه وإرادته، فتعمل ضمن أنساق مضمرة جدا، غير أن تأثيراتها تتجلى في سلوكه ومواقفه، وتشارك في تشكيل هويته، وتحديد انتمائه. فهي بالنسبة له يقينيات، ونهائيات، تفرض نفسها سلطة معرفية، تتولى توجيه مسارات سلوكه ووعيه. وعندما تكون المقولة يقينية وسلطة لا يساور الفرد شكا بها مطلقا، ومرجعية نهائية، يحتكم لها لتسوية الشبهات واستبعاد الشكوك. بل تفقد الشكوك مصداقيتها عند أول ممارسة طقوسية، سلوكية أو روحية. فينقلب الموقف من الشك إلى الأدلجة، والدفاع المستميت. ويبدأ الفقيه بمراكمة أدلة كلامية لتعضيد عقائده، دون نقدها. فيكون استلاب الوعي قدره، ما دام الفقيه ينغلق على نسقه العقدي، بعيدا عن المقاربات النقدية، والمراجعة العلمية. أي أن الفقيه حينما يبلغ درجة الاجتهاد يفترض أنه في قمة العقل، هكذا حينما تتابع دراسات أصول الفقه، غير أنه يضرب ستارا حديديا حول عقائده وموروثاته في موقف غريب جدا. يعتبرها مناطق محرمة، مسؤوليته الدفاع عنها، وتبرير خرافيتها، حينما تجافي العقل والمنطق. فالنقد الداخلي غير متصور بالنسبة للفقيه وغيره، لعدم تحقق شرطه، وهو استقلالية مرجعيته، وهذا متعذر لعدم وجود يقينيات مغايرة، وبالتالي يتوقف نقد العقل الفقهي على نقد مقولاته الأساسية ويقينياته، كي يعاد تشكيلها على أسس عقلية، وتعود تعمل كمرجعية نهائية بأنساق معرفية مختلفة، تنتمي للعقل والمنطق السليم.

تتصف المقولات العقائدية بتجذرها وقوة هيمنتها بفعل حاجة الإنسان لرؤية كونية تُطفئ قلقه الوجودي، ومخيال خصب يروي ضمأه الروحي. فتشكّل ركيزة استقراره النفسي، وضمانة لتطلعاته المستقبلية والماورائية، وهي قضية مهمة خاصة النفوس المؤمنة المسكونة بالغيب، بهذا تفرض صدقيتها، وبريادتها التأسيسة تراهن على حقيقتها. فهي مقولات مهيمنة على الوعي، لا يمكن هدر سجونها إلا من خلال وعي مختلف يتولد عن نقد متواصل لتلك العقائد والمقولات. وهذا سبب آخر لتعذر نقد العقيدة وما يرتبط بها من مشاعر وطقوس وعادات وتقاليد.

السيد محمد باقر الصدر (ت 1980م) فقيه كبير، وأصولي بارع، ومفكر وفيلسوف، تشهد له كتبه ومنجزاته ونظرياته، لكنه يتخلى عن النقد، ويلجأ لمنطق التبرير، حينما يناقش قضية المهدي المنتظر في كتابه بحث حول المهدي، فيسوق قضايا ومقدمات كأنها بديهيات، دون مقاربتها أو التحرّش بها نقديا. وهي ظاهرة خطيرة في مجال العقيدة، لا تفسير لها سوى ارتهان العقل الفقهي لنسقه العقدي المنغلق، ورهانه المستمر على استلاب العقل الجمعي. وليس غيره استثناء، من جميع الأديان والمذاهب.

العقل الفقهي، عقل ازدواجي في معاييره. عقل نقدي في أصول الفقه، وتبريري في مجال العقيدة وما يرتبط بها، حد التخريف أحيانا. بل ويطوّع القواعد الرجالية والحديثية لتعضيدها، ويستعين بكل تأويل، لدعمها وحمايتها. وحينما ينغلق الفقيه على نسقه العقدي، ينتج لنا فقها مستلبا، يفرض قناعاته على النص الديني. فاستهداف عقل الفقيه بالنقد يمهّد لتفتيت سلطته القائمة على قبليات أيديولوجية، وإعادة تشكيل العقل الفقهي في ضوء الكتاب الكريم، باعتباره مصدرا للتشريع، ومرجعية العقل للحيلولة دون استبعاد مركزية الإنسان ومصالحه وفق فهم متجدد للدين وفلسفته.

إن نتائج استنباط الأحكام الشرعية تتأثر جدا بعقائد الفقيه وتوجهاته الأيديولوجية والطائفية، فثمة فرق بين ثبوت وعدم ثبوت عدالة الصحابة عند السنة، أو العصمة عند الشيعة. وستختلف وجهة الاجتهاد وتفصيلاته بين من يؤمن بالإمامة ومَن لا يؤمن بها، ومَن يعتقد بنظرية العبودية أو ينكرها. وتتأثر الفتوى باختلاف الآراء حول السُنة النبوية ودورها في التشريع. غير أن الفقيه ينطلق في بحوثه من مسلمات عقائدية موروثة، لا يراوده الشك فيها، بينما ينبغي له أن يبدأ بحوثة بالعقيدة، ويحدد بدقة أدلة ما يؤمن به.

 لا يصدق الفقيه حينما يحرّم التقليد في أصول العقيدة، وسيرميك بالانحراف وربما الكفر حينما تختلف معه حولها.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (12)

This comment was minimized by the moderator on the site

ورد في البحث ( ربما كان الفقهاء رغم مكانتهم وراء تخلف المسلمين حضاريا ... ) بل الامر مؤكد من أكبر أسباب التخلف والانحطاط، ومكانتهم لم تأتي من نضج عقولهم وقدرتهم على الابتكار وبث السعادة والاطمئنان وقيم السلام والمحبة في نفوس المسلمين ، انما هي تكمن في تلك ( السلطة التي توجه وعي الفرد والعقل الجمعي .. ) السلطة التي اساءوا استخدامها بصورة كارثية متماهين مع توجهات السلطة السياسية التي تعمل معهم بنفس الاسلوب القامع للفكر والمحنط للعقل والداعي الى الانطواء والاستسلام . فالفرد المسلم ينشأ في عائلة مستلبة الوعي ، ويدرس في مؤسسات ترسخ هذا الاستلاب لينمو بعد ذلك في ظل جو من الخصاء الذهني وقصور التفكير الجدلي سيعتاد عليه ويعمل على تكريسه ليصبح جزءا من طبيعته يقاوم اي تغيير وانعطاف مالم يكن ممهورا بختم الفقيه والسلطان . . مع فائق التقدير والاحترام للاستاذ الغرباوي

طارق . .
This comment was minimized by the moderator on the site

تقديري واحترامي للاستاذ طارق، دائما حضور واعٍ، ووعي يضع النقاط على الحروف، سعيد بوجودك معنا، دمت بخير وعافية

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الازدواجية جزء لا يتجزأ من العقل العربي المعاصر. و الاختيارات ليست واضحة و الاتكال على الغيبيات و الماورائيات يشمل الجميع دون استثناء.
حتى في صناعة الثورة يوجد تدليس و لعب من تحت الطاولة و اختيارات حمقاء لا تدل على اي حكمة او بعد نظر.
فما الغاية من استبدال الدكتاتور بالاستعمار او بالتدخل الخارجي العسكري او بإله كلي القدرة يفرض علينا الشر و الخير في نفس الوقت.
و قد أجادت المقالة في تفنيد كل ذلك بلغة واضحة و مبسطة.
و ان كان لا بد من ملاحظة.
كنت اتمنى ابراز دور الفقيه في السياسة العلمانية او القومية.
ففقيه اليسار لينين و فقيه القوميين القائد الضرورة و ما إلى ذلك.
يبدو لي ان المشكلة معرفية و اثرت بحضارة العقل العربي لم احل طويلة الأجل و سببت ازمة الخلط بين الاستقرار و الجمود. دون اي تفهم للفرق الواضح بينهما.
ناهيك عن مصطلح الواقعية الذي يتداخل عمدا مع سلوك الفساد و التستر و الكيل بثلاثة و اربعة مكاييل لا كيلين فقط.
و ارى ان التخويف يضر الواقع السياسي اكثر مما يفيده لأنه يعزز اسلوب التعمية على المسؤولين خشية من انتقامهم و هذا يؤدي مع الزمن لصناعة اساطير تاريخية وواقع وهمي يعجل بالتفكك و السقوط و لتعويم صورة الفقيه المنزه عن الاخطاء.
و كأنه نائب عن الاله في فرض الارادة .
و شكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

صدقت ان لاتكال على الغيبيات والماورائيات يشمل الجميع دون استثناء. لذا يتطلب موقفا عقلانيا مستنيرا يضعها عند حدودها، وتدارك تبعياتها، التي تنعكس سلبا على المجتمع في حالة التمادي والتوظيف الخطأ لها. تحياتي لك د. صالح الرزوق

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الفاضل ماجد الغرباوي المحترم
تقديرو اعتزاز و شكر
ورد التالي:
1."وما لم يتحرر الفقيه من قبلياته المؤسسة على مقولات طائفية وأيديولوجية موروثة، لا يتحرر الخطاب الديني" انتهى
و لما كان هذا التحرر صعب و ثقيل و نادر...كيف السبيل؟
2."لاكتشاف ما يتوارى خلف لغة الخطاب" انتهى
اليس هناك مشكلة في اصل الخطاب و لغته؟ و انت العارف أن الاكتشاف نسبي عليه فستتعدد نتائج هذا الاكتشاف و يبقى بعض الحال على ماهو عليه و نسب للخليفة الراشد الرابع الشيخ علي بن ابي طالب قولا:" ...حَّمال اوجه..." و هذا حُكم قاسي و قوي ربما يفسح المجال للتعصب من شدة الخوف و كثرة القلق و الابتعاد عن شطط.
3."فهو سلطة توجه وعي الفرد والعقل الجمعي. سلطة ينقاد لها الناس طواعية، ويستجيب لها العقل الجمعي تلقائيا" انتهى
السؤال :لماذا اصبح سلطة بهذه الشمولية؟ اعرف انها فعلاً امس و اليوم و ستبقى...لكن كيف تم التأسيس لها...أليس بفعل الامية و حاجة التوضيح للعامة عند بداية الانتشار و التوسع...يعني توسع هائل و سريع دون توفير الامكانيات اللازمة لسد نواقصه.
4."فالتحررالعقلي إذاً يتطلب مرانا على النقد والمراجعة وطرح الأسئلة والاستفهامات وتقويض المألوف والمتعارف ومطاردة ألاعيب الخطاب." تمنهى
نعم يتطلب مراناً و انفتاحاً و بناءً و احترام السؤال و ما أكثر الاسئلة التي حفظها و طرحها النص المقدس...لكن كل ذلك يبقى نسبياً
..................................
اكرر التقدير و الامتنان لما ورد في هذا الجهد النافع المتميز بحق...فشكراً عليه و شكراً لك

عبد الرضا حمد جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

احترامي لحضورك الاخ الاستاذ عبد الرضا حمد جاسم، شكرا لقراءتك الممعنة واسئلتك:
1- لا يوجد شيء صعب، فلنقد قادر على تفكيك قبلياتهم، شريطة الاستجابة وعدم التعصب.
2- تبقى الفضية نسبية لكن الارتكاز الى المنطق والعقل كفيلان بمقاربة ممكنة ومتاحة. اي تتصف بعقلانيتها. كما ان هناك مناهج ماضية في قراءة الخطاب وتحري مقاصده. وليس كل منهج قادر على ذلك.
3- ذكرت في الحوار هذا المقطع اعتقد كفيل بالاجابة على السؤال: (تتصف المقولات العقائدية بتجذرها وقوة هيمنتها بفعل حاجة الإنسان لرؤية كونية تُطفئ قلقه الوجودي، ومخيال خصب يروي ضمأه الروحي. فتشكّل ركيزة استقراره النفسي، وضمانة لتطلعاته المستقبلية والماورائية، وهي قضية مهمة خاصة النفوس المؤمنة المسكونة بالغيب، بهذا تفرض صدقيتها، وبريادتها التأسيسة تراهن على حقيقتها. فهي مقولات مهيمنة على الوعي، لا يمكن هدر سجونها إلا من خلال وعي مختلف يتولد عن نقد متواصل لتلك العقائد والمقولات. وهذا سبب آخر لتعذر نقد العقيدة وما يرتبط بها من مشاعر وطقوس وعادات وتقاليد.)
- شكرا جزيلا

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذا المقال التنويري الرائع المتعلق بالفقيه و أفق المعرفة. و شكراً الى الاخوة المعلقين.

نعم الفقيه له دور اساسي في تكوين وعي الرعية و توجيهها حسب ما يريد. الفقيه اشبه بقناة اذاعية تبث و لا تستقبل. ان مستوى وعيه له دور اساسي في تكوين وعي الرعية.

ان نوايا الفقيه الدفينة (الطائفية؛ القبلية؛ السياسية؛ التجارية)؛ تدفعه لان يغوص في كهوف التاريخ و كتبه الصفراء للبحث عن كنوز العلم و المعرفة!!! لتعزيز افكاره و تحقيق اهدافه!! ليغذي عقولنا المرتبكة و المرتجفة و التي تخاف من المجهول بقصص و خرافات لا تخطر على بال احد. و في سبيل تعضيد حججه يستعمل "العاطفة" بدلاً من العقل. المطلوب منّا هو الاستسلام لكل شيء يقوله.
القصص و الخرافات و الفضائل التي تروى لنا لا اساس لها من الصحة في القرآن و لا يقبلها العقل البشري ابداً.
هذا هو حالنا و لذلك بقينا نرواح في مكاننا.

لا فرق بين الدكتاتور و الفقيه في توجيه الرعية حسب ما يريد. الاول بأسم الوطنية و حماية البلد و الآخر بأسم الدين و المذهب. و الحمد لله المذاهب حالياً اصبحت اديان لنا و تركنا دين الله السماوي.
بشكل مختصر الدين لدى فقهائنا هو ربط الانسان المسلم بمقولات و تراث الصحابة و الائمة و الاولياء و غيرهم و ترك كتاب الله على الرفوف. و لكن هؤلاء الفقهاء نسوا ان هؤلاء بشر مثلنا عاشوا حياتهم و علينا ان نعيش حياتنا بشكل مختلف عما كانوا يعيشون. ماذا يقول الله في كتابه الكريم:

البقرة-134
تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسالون عما كانوا يعملون

القرة-170
واذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما الفينا عليه اباءنا اولو كان اباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون

اذاً لماذا نبحث في كهوف التاريخ عن امور ليست لنا بها منفعة و الله يمنعنا من هذا العمل؟؟؟؟. اذا كان فيها فائدة و عبر يجب ان نستفيد منها و نطلع عليها فقط.

امّا التنظيرات في المهدي و المعصومين و الشعائر فلا وجود لها في القرآن ابداً. هذا انا اعتبره ترف و تنظير لا يمت للحقيقة اطلاقاً. لا يوجد مهدي و لا معصومين في القرآن.

الشعائر وردت في اربع آيات فقط و تدعو الى عبادة الله.

الحج- 32
ذلك ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب

ما هي شعائر الله؟؟؟؟. هل هي حسب مفهوم الفقهاء ام حسب مفهوم ارادة الله؟؟؟. هذه الاية جاءت في وقت الحج و سميت آية الحج و هي تتعلق بمناسك الحج و اطاعة الله في بيته –الكعبة الشريفة.

هذا فهمي للقرآن و الذي لديه تفسير آخر ارجو توضيحه هنا لنتعلم منه. الذي يدعي غير ذلك عليه ان يقدم البرهان.
ان الله في ثمانية آيات يؤكد على ان الانسان الذي يدعي شيء ما عليه ان يقدم البرهان. مثال:

البقرة-111
وقالوا لن يدخل الجنة الا من كان هودا او نصارى تلك امانيهم قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين

في الاية اعلاه ان الله يقول لليهود و النصارى ان الذي يدعي من انه من يدخل الجنة الاّ من كان يهودياً او نصرانياً و هي امنيات فليقدم "البرهان" على ادعائه.

النساء-174
يا ايها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وانزلنا اليكم نورا مبينا

ان الله يقود ان كتاب الله هو برهان لكم و عليكم السير على خطاه؟؟؟. و شكراً مرة اخرى.
آسف على الاطالة
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك اخي العزيز د. ثائر عبد الكريم، وشكرا لعناء القراءة والمداخلة، كعادتك في استشهاداتك القرآنية، مما يدل على اهتمامك وحرصك
لك خالص محبتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

ورد في المقال قولا عن الامام محمد باقر الصدر وأقول كلامكم صحيح ودقيق ولا غرابة ان يكون الصدر هكذا فهو اولا واخيرا ابن البيئة ولد وترعرع في كنف الثقافة الاحادية المنغلقة والإيمان بعقيدة المهدي المنتظر امر إلزامي لا مناص ولا مفر منه ولاسيما عند علماء المذهب ولا يعتبر المرء شيعيا بدون هذه العقيدة
نعم نحتاج الى اعادة دراسة نتاجات ومؤلفات وفكر الشهيد الصدر بعين واعية موضوعية وليس بعين عبدة الأشخاص
تحياتي واحترامي استاذنا الكبير ماجد الغرباوي

حسين ابو سعود
This comment was minimized by the moderator on the site

كم انت واعٍ، متوقد، الاخ د. حسين ابو سعود شكرا لقراءتك المقال، بالضبط الفقيه هو ابن بيئته، بها تكونت خلفيته، لا فرق بين شخص واخر، لكن الكلام كيف هؤلاء العلماء مع مع عليه من دقة عقلية لا يقاربون العقيدة بمنهج نقدي؟؟
اكرر احترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

كل عام وانتم بخير..تحية طيبة..في هذه الحلقة نجد ان الاستاذ الغرباوي دخل مرحلة مهمة جدا هي تشخص مشكلة المجتمعات والمذاهب الاسلامية التي يتحدد مسارها احيانا برؤية وعقلية وفتاوى الفقيه او المرجع ولهذا اذكر دائما عبارة او اقوال المرجع الراحل السيد فظل الله رحمه الله بما معناه وبقيت عالقة في الذهن الى الان يقول ان الفقيه او المرجع يتأثر بالبيئة والزمن فالمرجع في بيئة النجف تختلف فتاواه عن المرجع الذي يعيش في لبنان مثلا ثم يقول انا بالكبع اشعر اني اكثر علما من الفقهاء الذين سبقوني بما فيهم شيخ الطائفة لانني امتلك في هذ العصر الادوات المعرفية المتطورة لاستنباط الاحكام...وهذا امر كبير وخطير ومهم وتترتب عليه اشياء كثيرة...بعض الاخوة لهم تعليق عبر شبكات التواصل الاجتماعي على سلسلة الحلقات هذه بأن النقد والبحث بحاجة الى شروط..وان التطرق لهكذا مواضيع يمس الدين والمذهب والفقهاء..هذا جهل وتكرار لما كان يقال قبل عقود بل قرون وقتل في ميدانه العديد من العلماء والمفكرين والفلاسفة بما فيهم المتصوفة....هذا من جهة من جهة اخرى الفكر الذي يقدم للحديث عن الاديان او الايديولوجيات والنظريات السياسية او الفكرية او الاقتصادية هي ليست بحاجة الى ترتيب اكاديمي كلاسيكي او روتيني اعتاد عليه طلبة الدراسات العليا او نظريات علمية فيزيائية او الكترونية بحاجة الى تراكم في المعلومات والبحوث والدراسات السابقة كي يقارن بينها ليخرج بنتيجة معينة متطابقة مع ماموجود غالبا انما الفكر هو رؤية معرفية شخصية للاحداث او للايديولوجيات والافكار والتاريخ وللحضارة الانسانية وللمعتقدات والعقائد الخ.
ليس بحاجة الى الذهاب على سبيل المثال لابداء الراي الفكري او الفلسفي او النقدي في الدين ان ارجع الى الازهر الشريف او الحوزة في النجف وان يبقى فيها المفكر يظرس اعواما طويلة حتى يصل الى مايسمى في المذهب الشيعي البحث الخارج او مستوى الفقيه كي استطيع ان انتقده او ابدي الراي فيه..ثم الدين الاسلامي والمذاهب لايوجد فيخ غير القران العربي الكريم ومايسمى بالسنة وهي تاريخ يسهل مراجعته باي وقت..نعتقد ان المفكر العبقري قادر على معرفة الحقائق بوقت قياسي لايقارن بالوعي العام للمجتمع والا ان اتبع نفس اساليب البخث والنقد المتعارف عليها لايعد مفكرا مطلقا بل باحث عادي..ان حال الدول العربية والاسلامية بعد اكثر من اربعة عشر قرنا لهو خير دليل على ان الذي اوصل هذه المجتمعات الى هذه المرحلة الكارثية هو التأويل والتفسير والاعتقادالديني والمذهبي الخاطئ ولهذا ليس امام اي باحث او مفكر غير الاتجاه الى القران الكريم وحركة التطور التاريخي للمجتمعات الانسانية وللحضارة العلمية الحديثة لمعرفة واستنباط الحقيقة فالعقل والعلم حجة..شكرا لجهود السيد العرباوي في طرح وتقديم هذه الابداعات الفكرية المهمة

مهدي الصافي
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي العزيز الباحث الجدير مهدي الصافي. كل عام وانت بخير وعافية وصحة وسلامة. شكرا لمداخلتك القيمة التي سلطت الضوء على نقاط مهمة ترتبط بالوعي الديني. وهو جزء من وعي حضاري بحاجة ماسة له، كشرط لأي نهضة. اكرر شكري واحترامي وشكرا لاسئلتك القيمة التي حرضتني على فعل الكتابة، ومازلت اواصل الاجابة حولها

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4484 المصادف: 2018-12-15 22:36:45