 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (110): الفقيه وأزمة التشريع

majed algharbawi6خاص بالمثقف: الحلقة العاشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق18) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

شرعية السلطة

ماجد الغرباوي: مثّلت شرعية السلطة في الفقه الشيعي إشكالية، ترتبط بنظرية الإمامة، التي تقوم على النص والتعيين، في مقابل نظرية الخلافة، التي تعتبر البيعة أساسا لشرعية السلطة. وبشكل أوضح، أن مرشح السلطة وفقا لنظرية الإمامة، منصوص عليه بالاسم، من قبل الله تعالى بواسطة النبي، وهو الإمام علي، والأئمة من ولده، ثم تأتي البيعة لتؤكد طاعته لا شرعيته. فالإمام إمام سواء بايعه الناس أم لا. في السلطة أم خارجها. وهنا ثلاثة آراء، بعضهم يرى الإمامة دينية فقط، وآخر قال أنها سياسية فقط، وثالث جمع بينهما. بينما الخليفة وفقا لنظرية الخلافة إفراز للشورى أو إجماع أهل الحل والعقد، على تفصيل في شروطهما، لكن شرعية سلطته وممارسته للحكم تتوقف على بيعة الأمة. ففقهاء الشيعة يرون عدم شرعية سلطة الخلفاء الثلاثة (أبوبكر وعمر وعثمان ومن تلاهم من اعتلى الحكم في كل زمان ومكان). ويحكمون بغصبيتها خارج ولاية الإمام المنصوص. ولا يجدون في سلوك الإمام علي الإيجابي من الخلفاء والخلافة دليلا على شرعيتها، ويفسّرون سلوكه بالتقية، حفاظا على وحدة المسلمين. وهي تأويلات لا يقرها سلوكه في السلطة، حتى وهو يرفع صوته عاليا (إِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْر وَعُمَرَ وَعُثْمانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ، وَلاَ لِلغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ، وَإنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالاْنْصَارِ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُل وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذلِكَ لله رِضىً).. نهج البلاغة الكتاب رقم (6).

لا اصلاح إلا باقصاء المقولات الطارئة على الدين. فمازال فقهاء الشيعة يحكمون بغصبية وعدم شرعية السلطة، وعدم جواز استلام رواتبها، باعتبارها أموالاً مجهولة المالك، تستدعي إذنا شرعيا من الفقيه كنائبٍ عن الإمام المهدي صاحب السلطة الشرعية، ليتمكّن الموظف من التصرّف بها. لذا أجاز كبير فقهاء الشيعة في العراق السيد علي السيستاني استلام الراتب نيابة عن فقير، كما جاء في فتواه على موقعه الرسمي!!!: (قد أذنّا لإخواننا المؤمنين "وفقهم الله تعالى لمراضيه" فيما يستلمونه من المؤسّسات الحكوميّة أو المشتركة بالطرق القانونيّة أن يقبضوه من قبل موكلينا من الفقراء بنيّة التّصدّق عليهم ثمّ يتملّكوه لأنفسهم). فثروات البلد ليست ملكاً للشعب، ولا يحق للدولة التصرّف بها، ولا تحلّ لأحد ولو كانت بدلا عن عمله وكده وتعبه وعرق جبينه، إلا بإذن من الإمام أو من ينوب عنه. هكذا تلقي العقيدة بظلالها على الفقه، حداً يفقد وظيفته الإنسانية، ويكرّس روح التبعية والانقياد والعبودية. وعندما يكون الإمام غائبا، والفقيه المرجع بعيدا عن المسائل الإجرائية، فلك أن تقدّر حجم الفساد المالي في المؤسسات الدينية، والأحزاب السياسية المرتهنة في إرادتها وقراراتها وميزانيتها لها!!!.

إن خطورة هذه الآراء، أنها تكرّس سلطة المرجع في مقابل الدستور والقانون، وتفاقم الولاء الديني على الولاء الوطني. وتسمح بالتحايل على أموال الدولة مجهولة المالك بأية فتوى دينية. الفقيه محكوم بقبليات عقدية لا يمكنه التحرر منها، فيفتى وفقها. وهذا لا ينفي شعوره بالمسؤولية تجاه وطنه، لكنه أسير آرائه الاجتهادية التي ينسى أنها صناعة بشرية. وبهذا نفهم أن الديمقراطية بالنسبة لبعض الفقهاء أفضل الخيارات، رغم غصبية السلطة، كما يرى الشيخ النائيني منظّر الحركة الدستورية.

مصدر السلطة

يعتقد فقهاء المسلمين أن مصدر السلطة / الولاية هو الله تعالى، وهي ثابتة للرسول، وللمؤمنين على تفصيل في مصاديقها وحدودها. إذ ترى النظرية الشيعية أن للإمام علي ما للرسول من سلطات سياسية ودينية باستثناء الوحي، فامتد عصر التشريع عندهم حتى نهاية الغيبة الصغرى (260 - 329 هـ) ويقصد بها غيبة الإمام الثاني عشر، المهدي المنتظر. ومن باب أولى تكون له ولاية مطلقة، أسوة بولاية النبي. ثم تسرى في جميع الأئمة.

وقد وقع الخلاف بينهم: هل للفقيه باعتباره نائبا للإمام ولاية؟ وما هي حدودها؟ وما نسبتها لولاية النبي والأئمة؟ بعد اتفاقهم على ثبوت ولايته على القُصّر ومن لا وليّ له من صغار السن، والأمور الحسبية. غير أن الجدل الفقهي إحتدم بعد ظهور نظرية ولاية الفقيه، بمعنى السلطة واتخاذ القرارات التي تتضمن أوامر ونواهٍ أوسع من القيادة والتخطيط والرعاية للبحث عن شرعيتها، ومدى صدق عنوان الحكم الشرعي عليها، وهل تستوجب الطاعة واستحقاق الثواب والعقاب؟

بعض قال للولي الفقيه ما للإمام والرسول من ولاية، ومنهم من خوّله ما تقتضيه الإدارة والحكم. فتقتصر ولايته على القرار السياسي، وتدبير شؤون الدولة، دون الولاية بمعنى حق التصرّف بالأنفس وأموال الناس. أو بمعنى أدق: تخويله ولاية شرعية تسمح بـ"شرعنة السلطة".

بهذا يتضح أن ثبوت الولاية للفقيه يتوقف على ثبوتها للأئمة، فتدور مدارها ثبوتا وعدما. لذا قال الشيخ الأنصاري،  من كبار علماء الشيعة (1214 هـ - 1281 هـ)، في كتابه "المكاسب" (أن دون ولاية الفقيه "خرط القَتَاد"..) تعبيرا عن استحالتها فقهيا، لعدم وجود دليل يدل عليها، سوى وجهات نظر واستحسانات وآراء اجتهادية تختلف من شخص إلى آخر. وتبقى ولايته محدودة بتدبير شؤون من لا وليَّ له من السفهاء والقصّر. وحتى هذا لا دليل عليه، وربما هناك من هو أكفأ منه في إدارة شؤونهم، وشؤون الناس، وحينئذٍ لا خصوصية للفقيه، سوى فتاواه، وليست قيمومته.

التنظير الفقهي

تاريخيا، أعاد بعضهم جذور ولاية الفقيه إلى بداية الغيبة الصغرى، غير أن أول ممارسة عملية لها بدأت مع المحقق الكركي 1435م، وهو فقيه شيعي، استدعاه الشاه طهماسب ابن الشاه إسماعيل الصفوي من لبنان، للمشاركة معه في الحكم بعد أن أمر بوجوب طاعته، باعتباره الفقيه الأصلح الواجب طاعته شرعا وفقا لروايات التراث الشيعي. وكان الشاه حينها يعاني أزمة سياسية بفعل هشاشة الموقف الداخلي، وعدم تماسك قواعده الشعبية، وليس كرجل الدين قادر على قمع المعارضة، فاستجار بالفقيه وفرض طاعته، وقام الفقيه بشرعنة سلطته، وتخويله صلاحيات مطلقة لإدارة الدولة. وكانت الغاية الأساسية والهدف النهائي لكليهما السلطة. فالشاه عيّن الكركي فيها ولياً شرعيا، باعتباره الولي الشرعي المأذون بالتصرّف شرعا، وقام الفقيه بشرعنة سلطة الشاه!!!. فاعترف طهماسب بشرعية سلطة الكركي، على أمل أن يستمد منه شرعيته. وبالفعل أجاز الفقيه السلطان، بعد أن أغدق عليه عطاياه، ونصّبه حاكما شرعيا لمملكته. وبالتالي، وهذا ما يهمنا هنا، أن الفقيه مارس ولايته بقدر "شرعنة" السلطة الصفوية، دون ممارسته لها، باستثناء ولايته على الشأن الديني. وتعني شرعنة السلطة، انقلابا مفهوميا حقيقيا، يجعل من السلطة مشروعة بعد أن كانت مغتصبة، وتترتب عليها آثار عملية منها:

1- ارتفاع غصبية الدولة: حيث يحكم الفقه الشيعي بغصبية كل سلطة خارج ولاية أو إذن الإمام المعصوم، باعتباره صاحب الحق الوحيد في السلطة. ثم بإذن عام منه، كما تقول روايتهم، نصّب الإمام الفقيه للولاية / السلطة (فإني قد جعلته عليكم حاكماً). وهذا ما فعله الشاه طهماسب، الذي اعترف بولاية وشرعية سلطة الفقيه خاصة، فاكتسبت السلطنة شرعية، وبات الحكم مشروعا بعد أن كان مغتصبا. ولما أجازه الفقيه حق ممارسة السلطة، استمد شرعيته منه، فصار يحكم باسم الفقيه، وبهذا ارتفعت مغصوبية السلطة. وارتفعت حرمة ممارستها.

2- شرعية ممارسة السلطة: وإمضاء ممارسات وسلوك السلطان. مهما كان ظالما، خاصة قمع المعارضة باسم الدفاع عن مذهب الفقيه، فتهدر كرامتها، وحصانتها، ويصبح قتل النفس المحترمة واجبا. هكذا يزوّر الفقيه الوعي باسم الدين وحفاظا على شريعة سيد المرسلين!!!. والحقيقة أراد الفقيه تحقيق مصالح طائفية ومذهبية والاستئثار بالسلطة.

3- حصانة الدولة: منح الولي الفقيه حصانة ضد الدولة العثمانية التي استمدت هي الأخرى شرعيتها من مشيخة الإسلام المعادل للولي الفقيه. إذ لم تجد الدولة الصفوية مذهبا قادرا على مقاومة المذهب السني / الدولة العثمانية أجدر من المذهب الشيعي، فتبنته رسميا لقربه من منحى التصوّف الذي اتسمت به الدولة الصفوية منذ تأسيسها على يد صفي الدين الصفوي. وراحت تدعمه من خلال إحياء رموزه، وتقديسهم والاهتمام بالطقوس والمناسبات على حساب قيمه ومبادئه، قبل اختراقه من قبل الغلاة. وبعد ولاية الكركي، أصبح الدفاع عن الدولة الصفوية واجبا شرعيا مقدّسا. مما يؤكد أن الصفويين وظّفوا الفقيه الشيعي لتحقيق مآربهم السياسية، بينما لم يجنِ المذهب الشيعي من انتشاره الذي ساعدت عليه الدولة إلا مزيدا من الطقوس والخرافات وإحياء تراث ميت، كان الشيخ المفيد (وفاته 313هـ)، قد أحرقه وأتلفه. والاهتمام بقدسية الرموز. فواجه سلوك الكركي رفضا من قبل بعض علماء الشيعة كالمحقق الأردبيلي في العراق، والشيخ القطيفي في المدينة، ووجدوا في شرعنة السلطة الصفوية، شرعنة للباطل.

بهذا يكون موقف الكركي من السلطة الوضعية، قد مهّد لظهور نظرية فقهية جديدة، تسمح بممارستها بإذن الفقيه باعتباره منصوبا للولاية من قبل الإمام المعصوم (فإني قد جعلته عليكم حاكماً). وهي خطوة كبيرة، حررت الرأي الشيعي ولو جزئيا من مفهوم غصبية الدولة.

ثم نظّر لها الشيخ أحمد النراقي، مؤلف كتاب "عوائد الأيام" في أصول الفقه والمتوفى عام 1829م، وطبقها الإمام الخميني لأول مرة في إيران عام م1979. والحقيقة أن النراقي قد طوّر النظرية، بعد أن اقتصرت على شرعنة السلطة الوضعية لدى الكركي. ومنح الفقيه ما للنبي صلى الله عليه وسلم والأئمة من صلاحيات السلطة والولاية؛ إلا ما دل الدليل الشرعي على خروجه. فالفارق بين الأول والثاني أن الولاية في فهم الكركي تعني إجازة الملك أو السلطان حق إدارة الحكم، باعتبار حرمة ممارستها بدون إذن الفقيه. بينما الولاية لدى النراقي تعني تصدي الفقيه للحكم بنفسه، والتخلي عن "الانتظار". حيث أن السلطة وفقا للنظرية الشيعية مختصة بالإمام، ولا شرعية لأية سلطة قبل ظهوره. الانتظار يعني سلب شرعية السلطة الوضعية، فأحدثت ولاية الفقيه قفزة عقدية، حينما تجاوزت الانتظار ومنحت الفقيه كل ما للرسول والإمام من صلاحيات الولاية على أن يتصدى لها بنفسه، وتكون أوامره ونواهيه مشروعة.

بهذا يتضح أن ولاية الفقيه كمبنى فقهي تتوقف على مقدمات عقدية:

- ثبوت الولاية بمعنى حق التصرّف للرسول.

- ثبوت الولاية للأئمة

- ثبوت أن ولاية الإمام كولاية الرسول.

- ثبوت ولاية الفقيه، بنص قرآني، لأنها أصالة وبالذات لله.

- ثبوت إطلاق ولاية الفقيه.

وجميع هذه المقدمات، تتطلب أدلة قرآنية صريحة، ولا يكفي الاستحسان العقلي لإثباتها. فالاصطفاء كما مرَّ شأن إلهي، يستدعي دليلا قرآنيا صريحا. وثبوت ولاية الإمام فرع ثبوت ولاية الرسول. ولا يكفي كون الإمام علي هو نفس رسول الله، كما ترى العقيدة الشيعية، لعدم ثبوت دلالة آية المباهلة: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ)، ولو تمت جدلا، فلا دليل على وحدة الصلاحيات والمناصب الدينية، لأنها اصفطاء إلهي، تستدعي نصاً قرآنيا صريحا، وهو منتفٍ بالضرورة.

أزمة التشريع

إن إدارة الدولة معنى آخر لممارسة السلطة على الناس، من قبل أي شخص يتصدى للمسؤولية. والإدارة لا تنفك عن وجود أوامر ونواهٍ إدارية ليست ثابتة في أصل التشريع. وقد اختلفوا حول مصدر شرعيتها، هل هو إلهي أم بشري؟. وإذا كان إلهياً، فما هي حدوده وامتدادته؟.

وأما ما كان ثابتا في الشريعة فهو خارج عن الكلام، باعتباره تكليفا شرعيا، يجب امتثاله، يقتصر دور السلطة فيه على تنفيذ الحكم الشرعي. أو تارة يصدر الأمر والنهي من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا ما يقوله الفقه الإسلامي، وعليه هناك اتجاهان، حول مصدر شرعية السلطة، لنعرف ما هو دور الولي الفقيه فيها:

الاتجاه الوضعي:

يعتقد أن الشعب مصدر شرعية السلطة مباشرة، كما في الاستفتاءات، أو بواسطة المجالس النيابية، المخوّلة شعبيا بالتشريع. وهذا الاتجاه لا يعيش أزمة شرعية الأنظمة والقوانين، ولا يعاني شرعية الأوامر والنواهي الإدارية وغيرها. وقد ينكر الدين جملة وتفصيلا، أو يؤمن به علاقة شخصية بين الفرد وربه. وبالتعبير الفقهي هذا الاتجاه يرى ولاية الأمة على نفسها. أو ولاية الشعب على نفسه، وهو مصدر شرعية ما يصدر من أنظمة وقوانين، سواء وافقت أو خالفت الشرائع الدينية. فعندما يشرّع للحرية لا يأخذ بنظر الاعتبار ما هو محرّم شرعا، كشرب الخمر، بل يعتبره شأنا شخصيا، ضمن حرية الفرد. وقد يمنع شربه إذا كان الشعب مع إرادة النهي عنه. فالأوامر والنواهي تأخذ بنظر الاعتبار المصلحة العامة للشعب، رغم ما فيها مصادرتها لحرية الفرد ولو جزئيا، لكنها مصادرة لأجل مصلحة أكبر، كما بالنسبة للأوامر والنواهي المتعلقة بالأمن، فتمنع حيازة السلاح رغم أنه أمر شخصي. لكن ثمة مصلحة تقيّد مصلحة الفرد. وعليه فالشعب هو مصدر شرعية السلطة، من خلال توافقه على مفهومي الخير والشرّ. فالخير ما وافق مصالحه وحقق سعادته، والشرّ ما كان سببا لتعاسته وفرّط في مصالحه. فتكون النظرة براغماتية. وهذا يتفق مع مقولة الحسن والقبح عقليان. 

الاتجاه الديني:

يعتقد هذا الاتجاه، كما تقدّم تفصيلا، أن الولايتين التكوينية والتشريعية، ثابتة لله تعالى، عقلا ونقلا. وهذا أصل أولي متفق عليه، ولا ولاية لأحد على غيره، ما لم يدلّ الدليل القرآني. وعليه لا مشروعية لأي سلطة على البشر من قبل أي شخص. وليس من حق أية جهة مصادرة حرية الفرد وتقييد إرادته. لكن أضافوا: ثبت بالدليل جعل الولاية للرسول والذين آمنوا، الذين حصرهم الشيعة بالإمام علي والأئمة من ولده. بينما تمسّك باقي المذاهب الإسلامية باطلاق الآية، فيكون الإمام علي مصداقا له، وليس مصداقها الوحيد. فهم متفقون على أصل ولاية المؤمنين، ويختلفون في مصاديقها.

ثم وقع الاختلاف حول مصادر الحكم الشرعي لملء الفراغ التشريعي، بعد اتفاقهم على القرآن والسنة. إذ مع تعدد الحوادث واتساع الحياة، تتصاعد الحاجة للحكم الشرعي، وليس في القرآن سوى ما يقارب 500 آية من آيات الأحكام، تزيد أو تنقص قليلا حسب المباني الفقهية. كما أن السُنة النبوية محدودة، أمام المسائل الفقهية المستحدثة.  فاعتبروا الاجماع مصدرا من مصادر الحكم الشرعي، على تفصيل في شروطه، ثم دخل العقل، وقالوا ما حكم به العقل حكم به الشرع. فوقف أهل الحديث على السُنة، ورفضوا غيرها. ثم قالوا بالقياس والمصالح المرسلة. وقد مرَّ تفصيله.

وأما الشيعة فقد امتد عندهم عصر النص حتى نهاية الغيبة الصغرى. وبعدها بدأت مرحلة الاجتهاد. وقد برع المسلمون في علمي الفقه والاصول، الذي هو بمثابة منطق الفقه، لمعرفة  القوانين التي تضبط عملية استنباط الحكم الشرعي. وثم وضعوا قواعد أو ما يعرف عندهم بالأصول العملية لتحديد الموقف العملي من الحكم المشكوك.

كل هذا نحن مازلنا في أجواء النص، وما يرتبط به من قوانين وقواعد أصولية. لكن ماذا عن الأوامر الإدراية في الدولة أو ما يعرف بمنطقة الفراغ التشريعي؟ فأناط السيد محمد باقر الصدر، في كتابه اقتصادنا، منقطة الفراغ بالفقيه، واعتبره الوحيد المعني بملئها، من خلال ما يستنبطه من أحكام وفقا للأدلة النقلية والقواعد الأصولية. وهذا الاتجاه لا يشترط تصدي الفقيه، ويكفي إذنه واعتماد آرائه. في مقابل اتجاه ولاية الفقيه، التي تكتسب فيها القوانين شرعيتها من ولاية الفقيه المتصدى للسلطة.

تجدر الإشارة أن كل ما تقدم يرتبط بنظرية العبودية. وهي ترى "ما من واقعة إلا ولله فيها حكم"، ومهمة الفقيه الكشف عنه، وليس للإنسان سوى الطاعة والانقياد. وبالتالي فالتشريع الإلهي يستغرق الحياة كاملة. وهذا لا دليل عليه كما سبق بيانه. كما أن لازم هذه النظرية أن يبقى الفرد مرتهنا للفقيه وفتاواه. حتى وهو يصادر حريته، وحقه الوجودي في ولايته على نفسه.

بينما نظرية الخلافة التي أسعى جادا لتأصيلها فتقوم على أساس العقل ومركزية الإنسان في الحياة، ومسؤليته الشخصية عن مصيره ومستقبله. وأن الخلق خُلق لبيان عظمة الخالق من خلال الإنسان، عندما اعترضت الملائكة على خلقه، فكان الجواب إني أعلم ما لا تعلمون. (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). لأنهم لا يعلمون عن قدراته وإبداعاته وقوة عقله ووعيه، فكان المعوّل عليه في خلافة الأرض،  (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ). لذا أحكام الشريعة محدودة في الكتاب الكريم، وحجية السنة تقتصر على ما له جذر قرآني، وختم النبوة تعني مسؤولية الفرد والرهان على عقله. ولا ولاية لأحد على غيره.

وما يعزز هذه النظرية ومركزية الإنسان أن هدف النبوات، أن يقوم الناس بالقسط (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، بشكل يتحوّل إلى سلوك عام، أو مَلكة حقيقية لدى الناس كما في المصطلح المنطقي. دون الارتهان إلى أي شخص. بل أن في ختم النبوة دلالة أكيدة على ما نقول.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

ليس لي اي علاقة بالشرعيات.
و لكن حسب قراءتي ان الخلافة في عصر الراشدين كانت سيناريو وراءه خطط سياسية مبيتة.
فعهد ابي بكر استمر سنتين، لتمكين الامور لعمر. والحقيقة ان الشورى لم تكن ديمقراطية فهي محددة او مشروطة. و بتحريض من الخليفة عمر. و يمكن ان اشبه ما حصل بسيناريو مصر و انتقال الرئاسة الى مرسي قبل الانقلاب عليه.
و ها هي الجزائر تختصر هذه التمثيلية و تمدد فترة بوتفليقة ريثما يتم ترتيب البيت من الداخل و فرض رئيس دائم بصيغ تجميلية.
وهذه الظاهرة تفتح الباب واسعا على مشكلة المؤمن العضوي (بالإذن من غرامشي). و بالمقابل على دور الفرد بالتاريخ (غرامشي ايضا).
كان اسلامنا مرهونا بدور قائد واحد لم يتنازع احد عليه، و بغيابه تفككت المنظومة للأسف. و مقولة الخليفة عمر عن موت محمد و استمرار الاسلام لم يمنع انه كانت هناك عدة نسخ لهذا الدين. مثلما انه كانت هناك عدة نسخ من القرآن الكريم.
و مثل هذا التشابك في المعطيات ادى لنشوء كتلة ذات جيوب سرية. في كل منها مخطط يدعمه أفق انتظار كما يقول البنيويون.
ان ما جرى في السقيفة هو شأن سياسي و له علاقة بإدارة المجتمع و أزماته و بعيد كل البعد عن الرسالة المحمدية. و الدليل الدماء التي أريقت و الخلافات التي نشبت، و هو ما لم يعرفه عصر البعثة في زمن النبي. و بين الضحايا رموز معروفة و من بين المبشرين بالجنة. كان الرسول يحارب من يكيد له فقط. و لا يتوسع إن لم يتحرش به العدو. و في عصر الخلافة انتقل الصراع لحروب داخلية وخارجية. و اهدرت طاقات أجلت استقرار المجتمع وخولته للانتقال من الدين الى الدنيا و من الروح إلى الجسد و من التفاني إلى التكالب على الملذات و المصالح.
و هكذا نشأت سلطة الفقهاء و دخلنا في عصر الاسلام المعدل.
فإذا قبلنا تعديل الشورى الى وراثة و اذا دافعنا عن العثمانيين و اعتبرنا انهم دولة اسلامية نموذجية كما يدعي الاسلام السياسي لماذا لا نقر بضرورة تعديل ثالث يخرج بالاسلام من ازمته مع السلطات المعاصرة.
و شكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لمداخلتك الاخ الاستاذ د. صالح الرزوق التي كشفت عن جملة حقائق تاريخية، طالما بقينا نتستر عنها. تحياتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاسلام ما جاءليكون دولة ومجتمع وحقوق..بل جاء ليحول سلطة من مالكيها الى مستقبليها..بدليل منذ مجيء الاسلام والى اليوم لم تكون دولة ولم تحقق حقوق لمسلم او لغيره.. النظرية الاسلامية في الحكم ولدت ميتة لعدم مرافقة الدستور والقانون لها.. والقرآن كتاب هداية وليس دستورا..انتهى مفعوله بالتقادم الزمني..الفقه الاسلامي نصي وليس عقلي..لذا لم يساهم في تطوير سلطة الناس.. خير امة اخرجت للناس ..نص لا يتفق والتطبيق العقلي له.لن يخرج الوطن العربي والاسلامي من محنته الا بفصل النص عن القدسية وحكم السياسة وابعاد مؤسسة الدين عن سلطة الدولة.كفاية ضحكا على الذقون..؟

د.عبد الجبار العبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لمداخلتك الاخ الاستاذ الدكتور عبد الجبار العبيدي، بالفعل، لا توجد ادلة قرانية صريحه، وكل ما هناك تأويلات تفرضها حاجات ايديولوجية. لك خالص الاحترام

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الدكتور ماجد الغرباوي على هذه المقالة التنويرية الرائعة و شكراً الى الاخوة المعلقين الدكتور صالح الرزوق و الدكتور عبد الجبار العبيدي.

و احب ان اضيف التعليق التالي:

1- الدين الاسلامي دين "ايماني" و ليس دين "سياسي" . و هذا واضح بشكل جلي في الكثير من آيات القرآن. و الشيء المهم هو ان الرسول محمد (ص) هو المكلف الوحيد لحمل الرسالة السماوية و الدين اكمل في وقته. و ان دوره كان "شاهداً و مبشراً و نذيراً. هذه بعض الايات التي توضح ان الدين هو دين ايماني فقط و ليس دين سياسي للحكم.

يونس 108
قل يا ايها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها وما انا عليكم بوكيل

الاية اعلاه واضحة وضوح الشمس انها تقول للناس "جاءكم الحق" و هو الدين و بالاضافة الى هذا انها توضح انه كل انسان مسؤول عن نفسه و الرسول ليس "وكيلاً" على البشر.

البقرة 119
انا ارسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسال عن اصحاب الجحيم

الاسراء 105
وبالحق انزلناه وبالحق نزل وما ارسلناك الا مبشرا ونذيرا

آل عمران 138
هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين

و هنالك الكثير من مثل هذه الايات؟.

2- المذاهب آراء فقهية ليس لها قواعد علمية ايمانية مستندة على القرآن ابداً ابداً. انها عبارة عن اجتهادات شخصية تعبر عن رأي اصحابها بعيداً كل البعد عن فحوى الدين الاسلامي. و ان هذه الاراء هي التي جمدت العقل الاسلامي و مزقته حسب اجنداتها الطائفية و الاجتماعية و السياسية و التجارية. علماً ان اصحاب المذاهب "الخلافة و الولاية" لم يعايشوا الرسول و لا يعرفوا شيئاً عن الدين الاسلامي و انما كانت لهم اجندة خفية في تكوين هذه المذاهب.
و نقطة مهمة جداً و هي لا يوجد دين على وجه الارض "يجمد" عقول البشر.

3- الخلافات بين المذاهب
ان كل الخلفاء الراشدين لم تكن لهم مذاهب و الدلالة على ذلك المصاهرة بينهم و بالاضافة الى هذا ان الامام علي سمى ابناءه ابو بكر و عمر و عثمان. اذاً اين الخلاف؟؟؟؟؟.

اذا كان الامام علي يؤمن بالشورى كما موضح اعلاه و يؤيد نهج الخلفاء الذين سبقوه حسب ما موضح في المقالة اعلاه "نهج البلاغة"؟؟. اذاً لماذا هذا النفاق و الرياء و الكذب؟؟؟.

و كيف عرف هؤلاء الطائفين نفسية الامام علي انه كان في وضع "التقية"؟؟؟. و هل يستيطون ان يقدموا برهانهم لنا.

و الشيء المهم جداً هو انني بحثت في كل آيات القرآن و لم اجد اسماء اي من الخلفاء الراشدين ولا غيرها من الامور الطائفية .

ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و القدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

دائما لك الشكر الاخ العزيز ثائر عبد الكريم, وشكرا لحضورك وتفاعلك

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4576 المصادف: 2019-03-17 01:07:19